ويقال له: الثعالبي، وهو لقب، وليس بنسب، توفي في سنة سبع وعشرين وأربع مئة، وقيل: سنة سبع وثلاثين.
* * *
٢٣ - أبو عبد الله أحمد بن أبي دُؤاد الأياديّ القاضي: كان معروفاً بالمروءة والعصبية، وكان شاعرًا فصيحًا، وكان يقول: ثلاثة ينبغي أن يُبجَّلوا، وتُعرف أقدارُهم: العلماء، وولاة العدل، والإخوان، فمن استخفَّ بالعلماء أهلكَ دينه، ومن استخف بالولاة، أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان، أهلك مروءته.
وكان ابن أبي دؤاد المذكور معتزلياً، ولما ولي المعتصم الخلافة، جعل ابنَ أبي دؤاد قاضي القضاة، وعزل يحيى بنَ أكثم.
وابن أبي دؤاد هو الذي كان سببًا لمحنة الإِمام أحمد، وألزمه بالقول بخلق القرآن، وذلك في رمضان، سنة عشرين ومئتين.
ثم حصل لابن أبي دؤاد محن كثيرة، وصودر في أيام المتوكل، وعُزل، وابتلي بالفالج، ومات به في المحرم، سنة أربعين ومئتين، وتوفي ولده محمَّد قبله بعشرين يومًا.
* * *
٢٤ - أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد المعروف بالخطيب: صاحب "تاريخ بغداد" وغيرِه، كان من الحفَّاظ والعلماء، صنف قريبًا من مئة مصنَّف.
стр. 737
ولد في جمادى الآخرة، سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة، وتوفي في يوم الاثنين، في السابع من ذي الحجة، سنة ثلاث وستين وأربع مئة ببغداد، والعجب أنه كان في وقته حافظَ الشرق، وأبو عمر يوسفُ ابنُ عبد البَرِّ حافظ الغرب، وماتا في سنة واحدة، ودفن إلى جانب قبر بِشْرٍ الحافي.
* * *
٢٥ - أبو الفتوح أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد الطوسيُّ الغزاليُّ الشافعيُّ: كان واعظاً صاحبَ كرامات وإشارات، واختصر كتاب أخيه "الإحياء" في مجلد واحد، وسماه: "لباب الإحياء".
توفي سنة عشرين وخمس مئة.
* * *
٢٦ - أبو الفضل أحمد ابن الشيخ كمال الدين موسى بن رضيِّ الدين يونس، الإربليُّ الأول، من بيت الرئاسة بإربل، الفقيهُ الشافعيُّ، كان إمامًا فاضلًاً، شرح "التنبيه"، واختصر "إحياء علوم الدين" مختصر بن: كبيراً، وصغيرًا.
ولد بالموصل سنة خمس وسبعين وخمس مئة، وتوفي يوم الاثنين، الرابع والعشرين من ربيع الآخر، سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
* * *
стр. 738
٢٧ - أبو عمر أحمد بن محمَّد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير ابن سالم القرطبيُّ: مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، وكان من العلماء، وله ديوان شعر، ومنه:
يَا ذَا الَّذِي خَطَّ العِذَارُ بِخَدِّهِ ... خَطَّيْنِ هَاجَا لَوْعَةً وَبَلا بلا
ما صَحَّ عِنْدِي أَنَّ لَحْظَكَ صَارِم (١) ... حَتَّى رَأَيْتُ مِنَ العِذَارِ حَمَائِلا
ولد في عاشر رمضان، سنة ست وأربعين ومئتين، وتوفي في ثامن عشر جمادى الأولى، سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، ودفن بقُرطبة في مقبرة بني العباس، من فالجٍ أصابه قبل ذلك بأعوام.
* * *
٢٨ - أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمَّد بن حبيب، الرازيُّ اللغويُّ: كان إمامًا في علوم كثيرة، خصوصًا اللغة، وله مصنّفات عديدة، ومنه اقتبس الحريريُّ صاحب "المقامات" ذلك الأسلوب، وله أشعار جيدة، منها:
إِذَا كُنْتَ في حَاجَةٍ مُرْسِلاً ... وَأَنْتَ بِهَا كَلِفٌ مُغْرَمُ
стр. 739
فَأَرْسِلْ حكيمًا وَلا تُوصِه ... وَذَاكَ الحَكِيمُ هُوَ الدِّرْهَمُ
توفي سنة تسعين وثلاث مئة بالرَّيِّ.
* * *
٢٩ - أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد، الجعفيُّ الكوفيُّ: المعروف بالمتنبي، الشاعرُ المشهور، قدم الشام في صباه، وجال في أقطاره، ومن شعره:
أَبِعَيْنِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْكَ نَظَرْتَنِي ... فَأَهَنْتَنِي وَقَذَفْتَنِي مِنْ حَالِقِ
لَسْتَ المَلُومَ أَنَا المَلُومُ لأِنّنِي ... أَنْزَلْتُ آمَالِي بِغَيْرِ الخَالِقِ
وإنما قيل له: المتنبي؛ لأنه ادَّعى النبوة في بادية السَّماوة، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم، فخرج إليه لؤلؤ أميرُ حمص، فأسره، وحبسه طويلاً، ثم استتابه، وأطلقه.
وكان قد قصد بلاد فارس، ومدح عضدَ الدولة، وأجزل جائزته، ولما رجع من عنده قاصداً بغداد، عرض له فاتكُ بنُ أبي الجهل الأسديُّ في عدّة من أصحابه، وكان مع المتنبي جماعة من أصحابه، فقاتلوهم، فقُتل المتنبي، وابنه محسَّد، وغلامه مفلِح، بالقرب من النعمانية، في
стр. 740
موضع يقال له: الشافعية، من الجانب الغربي من سواد بغداد، عند دير العاقول، فلما فرّ حين رأى الغلبة، قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار، وأنت القائل:
فَالخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ... وَالحَرْبُ وَالضَّرْبُ وَالقِرْطَاسُ وَالقَلَمُ
فكرَّ راجعاً حتى قُتل، وكان سبب قتله هذا البيت، والله أعلم.
وذلك يوم الأربعاء، لستٍّ بقين، وقيل: لثلاث، وقيل: لليلتين (١) من رمضان، سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاث مئة بالكوفة.
* * *
٣٠ - أبو العباس أحمد بن محمَّد، الدارميُّ المصيصيُّ، المعروف بالنامي، الشاعر المشهور: له مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد، ومن شعره:
أتانِي في قَمِيصِ اللاَّذِ يَسْعَى ... عَدُوّ لِي يُلَقَّبُ بِالحَبِيبِ
وَقَدْ عَبَثَ الشَّرَابُ بِمُقْلَتَيْه ... فَصَيَّرَ خَدَّهُ كَسَنَا اللهِيبِ
стр. 741
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا اسْتَحْسَنْتُ هَذَا ... لَقَدْ أَقْبَلْتَ في زِيٍّ عَجِيبِ
أَحُمْرَةُ وَجْنتَيْكَ كَسَتْكَ هَذَا ... أَمَ انْتَ صَبَغْتَهُ بِدَمِ القُلُوبِ
توفي سنة تسع وتسعين وثلاث مئة بحلب، وعمره تسعون سنة.
* * *
٣١ - أبو عبد الله إبراهيم بن محمَّد بن عرفة بن سليمان، الأزديُّ، الملقَّب: نفطويه، النحويُّ الواسطيُّ: له التصانيف الحِسان في الآلات، وكان عالمًا بارعا, ولد سنة أربع وأربعين ومئتين بواسط، وسكن بغداد، وتوفي في صفر، سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة، يوم الأربعاء، لستٍّ خلون منه، بعد طلوع الشمس بساعة، ودفن بباب الكوفة، وليس في العلماء من اسمه إبراهيم، وكنيته أبو عبد الله، سوى نفطويه، ومن شعره:
قَلْبِي أَرَقُّ عَلَيْكَ مِنْ خَدَّيْكَا ... وَقُوَايَ أَوْهَى مِنْ قُوَى جَفْنَيْكَا
لِمَ لاَ تَرِقُّ لِمَنْ يُعَذِّبُ نَفْسَهُ ... ظُلْمًا وَيَعْطِفُهُ هَوَاهُ عَلَيْكَا
وفيه يقول أبو عبد الله محمَّد الواسطي:
стр. 742
مَنْ سَرَّهُ أَنْ لاَ يَرَى فَاسِقاً ... فَلْيَجْتَهِدْ أَنْ لاَ يَرَى نِفْطَوَيْه
أَحْرَقَهُ اللهُ بِنِصْفِ اسْمِهِ ... وَصَيَّرَ البَاقِي صُرَاخاً عَلَيْهِ
ونفطويه - بفتح الواو، وكسر النون وفتحها، والكسر أفصح -، وهو لقبله.
* * *
٣٢ - أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم (١) طباطب ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن [الحسين بن] علي بن أبي طالب: الشريف الحسنيُّ الرسيُّ المصريُّ، نقيب الطالبيين بمصر.
وكان من أكابر رؤسائها, وله شعر مليح، ومن شعره:
خَلِيلَيَّ إِنِّي لِلثُّرَيَّا لَحَاسِدٌ ... وَإِنِّي عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ لَوَاجِدُ
أَيَبْقَى جَمِيعًا شَمْلُهَا وَهْيَ سِتَّةٌ (٢) ... وَأَفْقِدُ مَنْ أَحْبَبْتُهُ وَهْوَ وَاحِدُ
стр. 743
توفي سنة خمس وأربعين وثلاث مئة بمصر، وطَباطَبا - بفتح الطاءين -: لقب جدِّه إبراهيم؛ لأنه كان يلثغ، فيجعل القاف طاء، وطلب يومًا ثيابه، فقال غلامُه: أجيء بدرَّاعة؟ قال: لا، طباطبا؛ يريد: قَبا، وكرر لفظه.
* * *
٣٣ - أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون، المخزوميُّ الأندلسيُّ القرطبيُّ الشاعرُ: كان في غاية في المنثور والمنظوم، وخاتمةَ شعراء بني مخزوم، ومن بديع قلائده: نظمُه القصيدةَ الطنانة، التي من جملتها:
بِنْتُمْ وَبِنَّا فَمَا ابْتَلَّتْ جَوَانِحُنَا ... شَوْقاً إِلَيْكُمْ وَلاَ جَفَّتْ مَآقِينَا
تَكَادُ حِينَ تُنَاجيكُمْ ضمَائِرُناَ ... يَقْضِي عَلَيْنَا الأَسَى لَوْلاَ تأسِّينَا
حَالَتْ لِبُعْدِكُمْ أَيَّامُنَا فَغَدَتْ ... سُودًا وَكَانَتْ بِكُمْ بِيضًا لَيَالِينَا
بِالأَمْسِ كُنَّا وَمَا يُخْشَا تَفَرُّقُنَا ... وَالَيْومَ نَحْنُ وَمَا (١) يُرْجَى تَلاَقِينَا
стр. 744
وهي طويلة، وكانت وفاته في صدر رجب، سنة ثلاث وستين وأربع مئة، بمدينة إشبيلية، وكان له ولد يقال له: أبو بكر، تولى وزارةَ المعتمد بنِ عبّاد، وقُتل يوم أخذ يوسفُ بنُ تاشفين قرطبةَ، يوم الأربعاء، ثاني صفر، سنة أربع وثمانين وأربع مئة، وأخذها الفرنج من المسلمين في شوال، سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
* * *
٣٤ - أبو جعفر أحمد بن محمَّد، الخولانيُّ الأندلسيُّ، المعروف بابن الأَبَّار، الشاعرُ: كان من شعراء المعتضد عباد بن محمَّد اللخمي صاحبِ إشبيلية، وكان عالمًا، [فجمع] وصنَّف، وله الشعر الرائق، توفي سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة.
* * *
٣٥ - أبو العباس أحمد بن هارون الرشيدِ الهاشميُّ، المعروف بالسّبتيِّ: كان عبدًا صالحا، ترك الدنيا في حياة أبيه وهو خليفةُ الدنيا، وإنما قيل له: السبتي؛ لأنه كان يتكسب بيده يوم السبت شيئًا ينفقه في بقية الأسبوع، ويتفرغ للعبادة، فعُرف بهذه النسبة، ولم يزل كذلك إلى أن مات سنة أربع وثمانين ومئة، قبل موت أبيه.
* * *
стр. 745
٣٦ - أبو العباس أحمد بن أبي الحسن (١) علي بن أبي العباس أحمد، المعروف بابن الرفاعي: كان رجلًا صالحًا فقيها، شافعي المذهب، وأصله من العرب، وسكن بالبطائح بقرية يقال لها: أم عبيدة، وانضم إليه خَلْق من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه، وتبعوه الطائفة المعروفة بالرفاعية والبطائحية، وله شعر، منه:
إِذَا جَنَّ لَيْلِي هَامَ قَلْبِي بِذَكْرِكُمْ ... أَنُوحُ كَمَا نَاحَ الحَمَامُ المُطَوَّقُ
[ ... .] , وهو مشهور، توفي يوم الخميس، ثاني عشري من جمادى الأولى، سنة ثمان وسبعين وخمس مئة (٢) بأم عبيدة، وهو في عشر التسعين.
والرفاعي - بكسر الراء - نسبة إلى رجل من العرب (٣) يقال له: رفاعة، وأم عبيدة والبطائح: قرى مشهورة بين واسط والبصرة، ولها شهرة بالعراق.
* * *
стр. 746
٣٧ - الأمير أبو العباس أحمد بن طولون: صاحب الديار المصرية والشامية والثغور، وكان المعتز بالله ولاَّه مصر، ثم استولى على الشام أجمع، وأنطاكية، والثغور، وكان شجاعًا، حسن السيرة، يحب أهل العلم، ويتصدق كثيرًا، وكان مع ذلك كله طائشَ السيف، وكان يحفظ القرآن، ورُزق حسنَ الصوت، وبنى الجامع المنسوب إليه بين القاهرة ومصر، سنة تسع وخمسين ومئتين، وأنفق على عمارته مئة ألف دينار، وعشرين ألف دينار.
توفي طولون سنة أربعين ومئتين، وقيل: إن أباه طولون تبناه، ولم يكن ابنه.
وكان مولده ثالث عشري من رمضان، سنة عشرين ومئتين، وتوفي ليلة الأحد، لعشرٍ خلون من ذي القعدة، سنة سبعين ومئتين، وطُولون - بضم الطاء -: اسم تركي.
* * *
٣٨ - أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع بُويه بن [فناخسرو بن تمام ابن كوهي بن] شيرزيل: لقبُه: مُعِزُّ الدولة، وهو عم عضد الدولة أحدِ ملوك الديلم، كان صاحبَ العراق والأهواز، وكان يقال له: الأقطع؛ لأن يده اليسرى مقطوعة، وبعض أصابع اليمنى من ضربةٍ أصابته في الحرب، وملكَ العراق وبغداد.
مولده سنة ثلاث وثلاث مئة، وتوفي سنة ست وخمسين
стр. 747
وثلاث مئة ببغداد، ودفن بمقابر قريش.
* * *
٣٩ - أبو العباس أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمَّد بن جابر بن قحطان، الإربليُّ، الملقَّب: صلاح الدين: وهو من بيت كبير بإربل، وكان حاجبًا عند الملك المعظَّم مظفرِ الدين صاحب إربل، ثم انتقل إلى الديار المصرية، وخدم الملك الكامل، فعظمت منزلته عنده، وكان الصلاح ذا فضيلة، وله ديوان شعر.
ولد في ربيع الآخر، سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة بإربل، وتوفي وهو مع الملك الكامل عند قصده بلادَ الروم، قبل دخوله الرها، في الخامس والعشرين من ذي الحجة، سنة إحدى وثلاثين وست مئة، ودفن بظاهرها، ثم نقله ولده إلى الديار المصرية، فدفنه بتربته بالقرافة في أواخر شعبان سنة سبع وثلاثين وست مئة، وكان تقدير عمره يوم وفاته ستين سنة.
* * *
٤٠ - أبو بكر أزهر بن سعد السمَّان، الباهليُّ البصريُّ: روى الحديث عن حُمَيدٍ الطويل، وروى عنه أهل العراق، وكان يصحب أبا جعفر المنصور قبل الخلافة، ثم جاء إليه بعد الخلافة، ووقع له معه وقائع، وأحسن إليه.
ولد سنة إحدى عشر ومئة، وتوفي في سنة ثلاث ومئتين.
стр. 748
والبصري: نسبة إلى البصرة، وهي إسلامية، بناها عمر بن الخطاب في سنة أربع عشرة من الهجرة على يد عتبة بن غزوان، وهي أشهر مدن العراق، والبصرة: الحجارة الرخوة.
* * *
٤١ - أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر، الكنانيُّ الكلبيُّ الشَّيْزَرِيُّ (١)، الملقب: مؤيد الدولة، مجد الدين: من أكابر بني مُنْقِذ أصحابِ قلعة شَيْزَرَ، وعلمائِهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب.
سافر إلى الديار المصرية والشامية، ثم أقام بحصن كَيْفا إلى أن ملكَ صلاح الدين دمشق، فاستدعاه، فجاءه وهو شيخ قد جاوز الثمانين، ومن شعره:
لاَ تَسْتَعِرْ جَلَدًا عَلَى هِجْرَانِهِمْ ... فَقُوَاكَ تَضْعُفُ عَنْ صُدُودٍ دَائِمِ
وَاعْلَمْ بِاَنَّكَ إِنْ رَجَعْتَ إِلَيْهِمُ ... طَوْعاً، وَإلاَّ عُدْتَ عَوْدَةَ رَاغِم
ولد يوم الأحد، السابع والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وتوفي في الثالث والعشرين من رمضان، سنة أربع
стр. 749
وثمانين وخمس مئة بدمشق، ودفن من الغد في شرقي جبل قاسيون، وتوفي والده سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة.
* * *
٤٢ - أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مرة، الحنظليُّ المروزيُّ، المعروف بابن راهويه: أحد أئمة الإِسلام، جمع بين الحديث والفقه والورع، روى عن الشافعي، وناظره.
وقال الإِمام أحمد عنه: عندنا إمام من أئمة المسلمين، وما عبر الجسرَ أفقهُ منه.
ولد سنة إحدى، وقيل: ثلاث، وقيل: ست وستين ومئة، وسكن آخر عمره بنيسابور، ومات بها ليلة النصف من شعبان، سنة ثمان، وقيل: سبع وثلاثين ومئتين.
ورَاهوَيه: لقب أبيه؛ لأنه وُلد بطريق مكة، والطريق بالفارسية: راه، وويه معناها: وجد، فكأنه وجد في الطريق.
* * *
٤٣ - أبو محمَّد إسحاق بن إبراهيم بن ماهان، التميميُّ بالولاء، الأرجانيُّ الأصل، المعروف بابن النديم (١): وقد سبق ذكر أبيه، وكان
стр. 750
وكان من ندماء الخلفاء (١)، وله الظرف المشهور، والغناء، وكان عالمًا باللغة والأشعار، وله يد طولى في الحديث والفقه وعلم الكلام، ومن شعره: ما كتبه إلى هارون الرشيد - رحمه الله تعالى -:
أَرَى النَّاسَ خُلاَّنَ الجَوَادِ وَلاَ أَرَى ... بَخِيلاً لَهُ في العَالَمِينَ خَلِيلُ
وَإِنِّي رَأَيْتُ البُخْلَ يُزْرِي بِأَهْلِهِ (٢) ... فَأَكْرَمْتُ نَفْسِي أَنْ يُقَالَ بَخِيلُ
وَمِنْ خَيْرِ حَالاَتِ الفَتَى لَوْ عَلِمْتَهُ ... إِذَا نَالَ شَيْئًا أَنْ يَكُونَ يُنيلُ
وَكَيْفَ أَخَافُ الفَقْرَ أَوْ أُحْرَمُ الغِنَى ... وَرَأْيُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ جَمِيلُ
وكان قد عمي في آخر عمره.
مولده سنة خمسين ومئة، وهي التي ولد فيها الشافعي ﵁، وتوفي في رمضان، سنة خمس وثلاثين ومئتين.
* * *
стр. 751
٤٤ - القاضي الأسعد أبو المكارم مماتي بن الخطير أبي سعيد مهذب، المصريُّ الكاتبُ الشاعرُ: كان ناظرَ الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل، وله ديوان شعر، ومن شعره:
وأهيفٌ أَحْدَثَ لِي نَحْوُهُ ... تَعَجُّبا يُخْبِرُ عَنْ ظُرْفِهِ
عَلاَمَةُ التَّأنِيثِ في لَحْظِه ... وَأَحْرُفُ العِلَّةِ في لَفْظِه
وكان هو وجماعة من النصارى أسلموا في ابتداء الملك الصالحين.
توفي بحلب في سلخ جمادى الأولى سنة ست وست مئة، وعمره اثنان وستون سنة.
ولقب بمماتي؛ لأنه وقع بمصر غلاء، وكان كثير الصدقة والإطعام، خصوصاً لصغار المسلمين، وكانوا إذا رأوه، ناداه كل واحد منهم: مماتي.
* * *
٤٥ - أبو السعادات أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز، السلميُّ السنجاريُّ الفقيهُ الشاعرُ المنعوتُ بالبهاء: أجاد في الشعر، وخدم به الملوك، وأخذ جوائزهم، وكان له صاحب، فانقطع عنه، فسير إليه يطلبه، فكتب إليه صاحبه:
стр. 752
لاَ تَزُرْ مَنْ تُحِبُّ في كُلِّ شَهْرٍ ... غَيْرَ يَوْمٍ وَلاَ تَزِدْهُ عَلَيْه
فَاجْتِلاَءُ الهِلاَلِ في الشَّهْرِ يَوْمٌ ... ثُمَّ لاَ تَنْظُرُ العُيُونُ إِلَيْه
فكتب إليه البهاءُ من نظمه:
إِذَا حَقَّقْتَ مِنْ خِلٍّ وِدَاداً ... فَزُرْهُ وَلاَ تَخَفْ مِنْهُ مَلاَلاَ
وَكُنْ كَالشَّمْسِ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمِ ... وَلاَ تَكُنْ في زِيارتهِ هِلاَلاَ
وله أشياء حسنة.
ولد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة بإربل، وتوفي في سنة اثنتين وعشرين وست مئة بسنجار.
* * *
٤٦ - أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم، المزنيُّ، صاحبُ الشافعيِّ ﵁: وهو من أهل مصر، وكان عالمًا مجتهداً، وهو إمام الشافعيين (١).
стр. 753
قال الشافعي: المزني ناصرُ مذهبي.
وكان إذا فرغ من مسألة، وأودعَها "مختصره"، قام إلى المحراب، وصلى ركعتين شكرًا لله.
وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتَّبوا، وهو الذي تولى غسلَ الشافعي.
ومناقبُه كثيرة، توفي لست بقين من رمضان، سنة أربع وستين ومئتين، ودفن بالقرب من تربة الشافعي، وعاش تسعًا وثمانين سنة، وصلى عليه الربيع.
ونسبته بالمزني - بضم الميم -: هذه مُزَينة بنتُ كلب، وهي قبيلة مشهورة.
* * *
٤٧ - أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، العنزيُّ بالولاء، معروف بأبي العتاهية، الشاعر المشهور.
ولد بعين التمر: بُليدة بالحجاز قرب المدينة، ونشأ بالكوفة، وسكن بغداد، وكان يبيع الجِرار، فقيل له: الجرَّار، واشتُهر بمحبة عُتبة جاريةِ الإِمام المهديِّ، وأكثرَ تشبيبه فيها.
وبعث مرة إلى المهدي، وعرَّض بطلبها، يقول:
نَفْسِي بشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... اللهُ وَالقَائِمُ المَهْدِيُّ يَكْفِيهَا
стр. 754
إِنِّي لأَيْأَسُ مِنْهَا ثُمَّ يُطْمِعُنِي ... فِيهَا احْتِقَارُكَ لِلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
وَهمَّ أمير المؤمنين أن يدفع عُتبة إليه، فجزعت، وقالت: يا أمير المؤمنين! حرمتي وخدمتي، أتدفعني إلى رجل قبيح المنظر يبيع الجِرار؟ فأعفاها، وأمر له بمال.
وأنشد في حضرة الخليفة:
أَتَتْهُ الخِلاَفَةُ مُنْقَادَةً ... إِلَيْهِ تَجُرُّ بِأَذْيَالِهَا
فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إِلاَّ لَه ... وَلَمْ يَكُ يَصْلُحُ إِلاَّ لَهَا
فَلَوْ رَامَهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ ... لَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا
فلم ينصرف أحد من ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية.
ولد سنة ثلاثين ومئة، وتوفي في يوم الاثنين، ثامن جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وقيل: ثلاث عشرة ومئتين ببغداد، وقبره على نهر عيسى.
ولما حضرته الوفاة، قال: أشتهي أن يجيء مخارق المغني يغني عند رأسي هذين البيتين:
стр. 755
إِذَا مَا انْقَضَتْ عَنِّي مِنَ الدَّهْرِ مُدَّتِي ... فَإِنَّ عَزَاءَ البَاكِيَاتِ قَلِيلُ
سَيُعْرَضُ عَنْ ذِكْرِي وَتُنْسَى مَوَدَّتِي ... وَيحْدُثُ بَعْدِي لِلخَلِيلِ خَلِيلُ
* * *
٤٨ - الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقانيُّ: كان نادرة الدهر، وأعجوبةَ الزمان في فضائله ومكارمه، وهو أولُ من لقِّب بالصاحب من الوزراء؛ لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد، فقيل له: صاحبُ ابن العميد، ثم أُطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارةَ بعده، وبقي عَلَماً عليه، ثم تسمَّى به كلّ من وَلي الوزارة بعده.
قال أبو سعيد الرستمي في حقه:
وَرِثَ الوِزَارَةَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ ... مَوْصُولَةَ الإِسْنَادِ بِالإِسْنَادِ
يَرْوِي عَنِ العَبَّاسِ عَبَّادٍ وِزَا ... رتَهُ وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبَّادِ
وكتب بعضهم إليه ورقة، أغار فيها على رسائله، وسرق فيها جملة من ألفاظه، فوقَّع فيها: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف: ٦٥].
стр. 756
وحبس بعضَ غلمانه في مكان ضيق بجواره، ثم صعِد السّطح يوما، فاطلع فرآهُ، فناداه المحبوس بأعلى صوته: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات: ٥٥] فقال الصاحب: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
ولد لأربعَ عشرةَ ليلة بقيت من ذي القعدة، سنة ستٍّ وعشرين وثلاث مئة بإصطخر، وتوفي ليلة الجمعة، العشرين أو الرابع والعشرين من صفر، سنة خمس وثمانين وثلاث مئة بالري، ثم نقل إلى أصفهان، وله نوادر كثيرة، ورسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله:
وَشَادِنٍ جَمَالُه ... تَقْصُرُ عَنْهُ صِفَتِي
هَوَى لِتَقْبِيلِ يَدِي ... فَقُلْتُ قَبِّلْ شَفَتِي
﵀، وعفا عنه -.
* * *
٤٩ - أبو عمرو أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم، المالكيّ المصريّ: تفقه على الإِمام مالك.
قال الإِمام الشافعي: ما رأيت أفقهَ من أشهب لولا طيشٌ فيه.
ولد بمصر سنة خمسين ومئة، وتوفي سنة أربع ومئتين، بعد الشافعي بشهر، ودفن بالقرافة الصغرى، ويقال: إن اسمه
стр. 757
مسكين، وأشهب لقبه.
ودعا على الشافعي بالموت، فبلغه ذلك، فقال مُتَمَثِّل:
تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِوَاحِدِ
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خَلاَفَ الَّذِي مَضَى ... تَزَوَّدْ لأُخْرَى مِثْلِها فَكَأَنْ قَدِ
وكان أشهب يخضب عَنْفَقَته - رحمه الله تعالى -.
* * *
٥٠ - أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، الأندلسيُّ الدانيُّ: كان فاضلاً في علوم الأدب، عارفًا بفن الحكمة، انتقل من الأندلس، وسكن ثغر الإسكندرية، ومن شعره:
إِذَا كَانَ أَصْلِي مِنْ تُرَابٍ فَكُلُّهَا ... بِلاَدِي وَكُلُّ العَالَمِينَ أقارِبِي
وَلاَ بُدَّ لِي أَنْ أَسْأَلَ العَيْشَ جَاهِدًا ... لِنَفْسِي عَلَى شُمِّ الذُّرَا وَالغَوَارِبِ (١)
стр. 758
وشعره كثير، وانتقل إلى المهدية، وتوفي بها يوم الاثنين، مستهل سنة تسع وعشرين وخمس مئة.
ومولده في دانية من بلاد الأندلس، سنة ستين وأربع مئة، ولما اشتد مرضه، قال لولده عبد العزيز:
عَبْدُ العَزِيزِ خَلِيفَتِي ... رَبُّ السَّمَاءِ عَلَيْكَ بَعْدِي
أَنَا قَدْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا ... تَدْرِيهِ فَاحْفَظْ فِيهِ عَهْدِي
فَلَئِنْ عَمِلْتَ بِهِ فَإِنَّـ ... ـكَ لاَ تَزَالُ حَلْيفَ رُشْدِ
وَلَئِنْ نكثْتَ لَقَدْ ضَلَلْتَ ... وَقَدْ نَصَحْتُكَ حَسْبَ جُهْدِي
* * *
٥١ - أبو واثلة إياس بن معاوية بن قُرَّة بن إياس بن هلال المزنيُّ: وهو اللَّسِنُ البليغ، والألمعيُّ المصيب، كان مشهوراً بفرط الذكاء، وإيّاه عنَى الحريريُّ في المقامة السابعة بقوله:
فإذا ألمعيتي ألمعيةُ ابن عباس، وفراستي فراسة إياس.
وكان عمر بن عبد العزيز ولاه قضاء البصرة.
стр. 759
وقيل لأبيه معاوية: كيف ابنُك لك؛ فقال: نِعْم الابنُ, كفاني أمر دنياي، ففرَّغني لآخرتي.
ويحكى من فطنته: أنه كان في موضع، فحدث فيه ما أوجب الخوف، وهناك ثلاث نسوة، لم يعرفهن، فقال: هذه ينبغي أن تكون حاملًا، وهذه مرضعاً، وهذه عذراء، فكُشف عن ذلك، فكان كما تفرّس، فقيل له: من أين لك ذلك؟ فقال: عند الخوف لا يضع الإنسان يده إلا على أعزِّ ما له، وما يخاف عليه، ورأيت الحاملَ قد وضعت يدَها على جوفها، فاستدللت بذلك على حملها، والمرضع وضعت يدها على ثديها، فعلمت أنها مرضع، والبكر وضعت يدها على فرجها، فعلمت أنها بكر.
وروي عنه: أنه قال: ما غلبني أحد قطُّ سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء بالبصرة، فدخل عليَّ رجل، فشهد عندي أن البستان الفلاني - وذكر حدوده - هو ملك فلان، فقلت له: كم عدد شجره؛ فسكتَ، ثم قال: منذ كم سيدُنا القاضي في هذا المجلس؟ فقلت: منذ كذا، فقال: كم عددت خشب سقفه؟ فقلت: الحقُّ معك، وأجزتُ شهادته.
توفي سنة اثنتين وعشرين ومئة، وعمره ستٌّ وسبعون سنة، أدرك أَنسًا وغيرَه.
* * *
стр. 760
٥٢ - أبو محمود أحمد بن محمَّد بن إبراهيم بن هلال، المقدسيُّ الخواصيُّ المحدِّثُ: ولد سنة أربعَ عشرةَ وسبعِ مئة، ضَبَطَ، وأفاد، ورحل، ودرَّس بالمدرسة التنكزية (١) بالقدس الشريف بعد العلائي.
صنف: "المصباح والسلاح"، و"فضائل القدس"، وصار رحلة. توفي بمصر في ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبع مئة.
* * *
٥٣ - شهاب الدين أحمد بن لؤلؤ، الشافعيُّ المصريُّ، المعروفُ بابن النقيب: وكان إمامًا عالمًا، طارحًا للتكلف، له مصنفات حسنة، ولم يكتب قط على فتوى تورُّعا, ولم يلِ تدريساً، ولد سنة اثنتين وسبع مئة، وتوفي في رمضان، سنة تسع وستين وسبع مئة.
* * *
٥٤ - بهاء الدين أبو حامد أحمد بن علي بن عبد الكافي، الأنصاريُّ الخزرجيُّ السبكيُّ: مولده سنة سبعَ (٢) عشرةَ وسبعِ مئة، درَّس وأفتى، وساد صغيرًا، وأسرع به الشيب، درَّس في تربة الشافعي، وغيرِها، ووليَ إفتاء دار العدل، وولي قضاء الشام عن أخيه، ثم ولي قضاء العسكر، وحدَّث وصنّف مصنفات مفيدة، وكان كثيرَ الإحسان للنّاس.
стр. 761
ومن قول أبيه: درس أحمد خيرٌ من درس علي.
وقال فيه والده وقد حضر درسه:
دُرُوسُ أَحْمَدَ خَيْرٌ مِنْ دُرُوسِ عَلَيّ ... وَذَاكَ عِنْدَ عَلي غَايَةُ الأَمَلِ
وقال أبوه في دروسه:
دُرُوسُ أَحْمَدَ خَيْرٌ مِنْ دُرُوسِ أَبِهْ ... وَذَاكَ عِنْدَ أَبْيهِ مُنْتَهَى أَرَبِه
وكان كثير الحج والمجاورة، توفي بمكة مجاوراً في رجب، سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة عن ست وخمسين سنة - رحمه الله تعالى -.
* * *
٥٥ - الأمير ألجاي اليوسفيُّ الناصريُّ مملوكُ الناصر محمدِ بن قلاوون: تقدم حتى صار مقدم ألفٍ بمصر، وحاجباً كبيرًا، ثم عزل، ثم استقرّ أميرَ سلاح، ثم تزوج أم السلطان، وصار يتكلم في جميع الأمور، ثم استقر أتابكَ العساكر، فلما ماتت زوجتهُ، انحطت منزلتُه عند السلطان، ووقع بينهما على التركة، حتى همَّ السلطان بقبضه، فانهزم، فتبعوه، فألقى نفسه في نيل مصر، فغرق، وأُخرج، وحمل يوم تاسوعاء، ودفن بتربته تحت القلعة.
وكان شكلا حسنًا، فارس الخيل، يسلِّم على من يمر عليه، لكنه
стр. 762
كان قليل العقل، يأكل البرطيل، توفي في اليوم المذكور، سنة خمس وسبعين وسبع مئة.
* * *
٥٦ - أبو إسحاق إبراهيم بدر الدين بن أحمد بن محمَّد بن عيسى المخزوميُّ المصريّ الشافعيّ، المعروف بابن الخشاب: أفتى وأفاد، وحدَّث ودرَّس، وولي نيابة الحكم بالقاهرة، ثم ولي قضاء حلب، وولي قضاء المدينة النبوية وخطابتها، وكان ورعًا عفيفاً، بصيراً بالأحكام الشرعيّة.
توفي في ربيع الآخر، سنة خمس وسبعين وسبع مئة.
* * *
٥٧ - أبو العباس أحمد بن يحيى بن أبي بكر التلمسانيُّ، نزيلُ القاهرة، الشهير بابن أبي حجلة: كان إمامًا فاضلًاً، عارفًا بالأدب، ماهراً في كلام العرب، له مصنفات، منها: "دفع النقمة في الصلاة على نبي الرحمة"، ومنها: "السُّكردان" صنفه للملك الناصر حسن، ومنها: مقامات ضاهى فيها مقامات الحريري، ومن نظمه:
يَا عَاذِلي لاَ تَلمْنِي ... في حبّ هَذَا القِبْطِي
وَاقْطَعْ بِوَصْلٍ بَيْنَنَا ... بِاللهِ رَأْسِ القِطِّ
стр. 763
ومن نوادره: أنه لقَّب ولدَه: جناح الدين.
توفي بالقاهرة في ذي الحجة، سنة ست وسبعين وسبع مئة عن إحدى وخمسين سنة.
* * *
٥٨ - تقي الدين أبو الفداء إسماعيل بن علي بن الحسن، القرقشنديُّ المصريُّ الشافعيُّ: فقيه القدس.
مولده سنة اثنتين وسبع مئة، وتوفي بالقدس في جمادى الآخرة، سنة ثمان وسبعين وسبع مئة.
* * *
٥٩ - عماد الدين إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن جماعة، الكنانيُّ الشافعيُّ: خطيب القدس.
مولده في ثالث شوال، سنة عشر وسبع مئة، ناب في القضاء بمصر عن قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، مضافاً لنظر الأوقاف، ثم توجه إلى بلده، وولي خطابة القدس لما ولي ابن عمه برهانُ الدين قضاء القاهرة، وكان يدرِّس عن ابن عمه في الصلاحية نيابة.
توفي في ربيع الأول، سنة ست وسبعين وسبع مئة ﵀.
* * *
٦٠ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علاء الدين علي بن محيي الدين يحيى بن فضل الله، العدويُّ العمريُّ: ولي كاتب السر بدمشق،
стр. 764
توفي في المحرم، سنة سبع وسبعين وسبع مئة بدمشق عن نيف وثلاثين سنة.
* * *
٦١ - برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمَّد بن عسكر، الطائيُّ المصريُّ الشافعيُّ، المشهور بالقيراطي: سمع "الصحيح" من جماعة، وكان شعره غاية في الحسن، ومنه قوله:
لمَّا رَأَيْتُ سُلُوِّي عَزَّ مَطْلَبُهُ ... نعمْ وَعَقْدُ اصْطِبَارِي عَادَ مَحْلُولاَ
دَخَلْتُ بِالرَّغْمِ مِني تَحْتَ طَاعَتِكُمْ ... لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراَ كَانَ مَفْعُولاَ
ولد في صفر، سنة ستٍّ وعشرين وسبع مئة، وتوفي بمكة في ربيع الآخر، سنة إحدى وثمانين وسبع مئة، ودفن بالمَعْلى.
* * *
٦٢ - تقي الدين بن تيمية أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السّلام الحرَّانيُّ الدمشقيُّ شيخ الإِسلام، أستاذ الحفاظ، ولد بحرَّان يوم الاثنين، عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستِّ مئة، ثم برع في التفسير، والفقه وأصوله، والعربية، وترجمه بعضهم بالاجتهاد، وبلوغِ درجته.
ووقع له وقائع مشهورة، وامتُحن غيرَ مرة ﵀، وعفا عنه -.
стр. 765
توفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وله كتاب "الفرقان"، كَتَب عليه شيخُ الإِسلام حسنةُ الأيام الحافظُ قاضي القضاة شهابُ الدين بنُ حجر الشافعي:
للهِ دَرُّكَ مِنْ إِمَامٍ مُفْرَدٍ ... لَمْ يثنِهِ عَنْ قَوْلِ حَقٍّ ثَانِ
نَظَرَ الهُدَى وَالزَّيْغَ مُشْتَبِهَيْنِ في ... نَظَرِ الجَهُولِ فَجَاءَ بِالفُرْقَانِ
* * *
٦٣ - شهاب الدين أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد الأذرعيُّ: صاحب التصانيف المشهورة، شيخ البلاد الشمالية، ولد سنة تسع وسبع مئة بأذرعات، وتوفي في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وثمانين وسبع مئة، وله نظم حسن، منه:
كَمْ ذَا بِرَأْيِكَ تَسْتَمِدُّ ... مَا هَكَذَا الرَّأْيُ الأَسَدُّ
أَأَمِنْتَ جَبَّارَ السَّمَا ... ءِ وَمَنْ لَهُ البَطْشُ الأَشَدّ
فَاغْنَمْ ذَمَاءً في الحَيَا ... ةِ فَمَا مَضَى لاَ يُسْتَرَدُّ
٦٤ - أحمد بن نجم الدين أحمد بن شهاب الدين أحمد بن فضل الله، العمريُّ: اشتغل في العلم، وعني بالأدب، ونظم الشعر، وولي كتابة سر طرابلس، ثم دمشق، وباشرها دون الشهر، ثم عزل.
وبقي خاملاً إلى أن توفي في ربيع الآخر، سنة أربع وثمانين وسبع مئة، وكان عنده شهامة وإقدام.
* * *
٦٥ - نجم الدين أبو العباس أحمد بن عثمان بن عيسى بن حسن، الياسوفيُّ الدمشقيُّ الشافعيُّ، المعروف بابن الجابي: ولد سنة ست وثلاثين وسبع مئة، سمع الحديث وبرع، وكان ينسب إلى جَدّهِ في بحثه (١)، وكان كثير الإحسان إلى الطلبة، ودرَّس في آخره عمره.
توفي في جمادى الأولى، سنة سبع وثمانين وسبع مئة، ودفن بمقبرة الصوفية بالقاهرة.
* * *
٦٦ - أبو إسحاق إبراهيم قاضي القضاة، وخطيب الخطباء برهانُ الدين بن الخطيب عبد الرحيم ابن قاضي القضاة بدر الدين محمَّد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة، الكِنانيُّ الحَمَوِيُّ الأصل، المصريُّ المولد، المقدسيُّ المنشأ:
стр. 768
ولد في ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وتوفي والده سنة تسع وثلاثين، تولى عوضَهُ خطابة القدس، وطلبَ الحديثَ، واستمر في التحصيل، وهو في ازدياد من الفضائل، ودرَّس بالصلاحية بعد موت العلائي، وولي قضاء الديار المصرية في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة، ودرَّس بقبة الشافعي، ثم انفصل في شعبان سنة تسع وسبعين، وعاد إلى القدس، ثم أعيد في صفر، سنة إحدى وثمانين، وعزل في صفر سنة أربع وثمانين، وعاد إلى القدس على خطابته، وتدريس الصلاحية، ثم ولي قضاء دمشق والخطابة، وغير ذلك في أواخر سنة خمس وثمانين، وكان رئيساً عالي القدر، وله هيبة عظيمة، توفي شبه الفجأة في شعبان، سنة تسعين وسبع مئة، ودفن بتربة جده لأمه بالمِزَّة.
* * *
٦٧ - أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمَّد بن نجم الدين عمر ابن قاضي شُهبة، الأسديّ، الشافعيّ:
مولده في رجب، سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، اشتغل بالعلم، وأذن له والده بالإفتاء، ودرَّس وأعاد، وكان بارعا في الفرائض، وكان كريم النفس، يتعانى الحشمة، وينصف الناس، توفي في ذي القعدة، سنة تسعين وسبع مئة، ودفن عند والده بمقبرة باب الصغير.
* * *
стр. 769
٦٨ - أبو إسحاق إبراهيم بن تقي الدين إسماعيل، القرقشنديُّ الشافعيُّ: كان من العلماء، ومن ترجمته: أنه كان يحفظ فَرَدَةَ الكتب، توفي سنة تسعين وسبع مئة.
* * *
٦٩ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عيسى بن الرصاص، النحويُّ شارحُ الألفية: كان إمامًا كبيرًا في فقه أبي حنيفة، وغيرِ ذلك، وعليه انتفع الشيخ شمس الدين الديري، توفي بدمشق، سنة تسعين وسبع مئة.
* * *
٧٠ - أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمَّد بن علي الدنيَسري (١)، المصريُّ، المعروف بابن العطار: ولد سنة ست وأربعين وسبع مئة، واشتغل بمذهب الشافعي، وبالأدب، وله:
هَيَّأَ البلاَّنُ مُوسَى ... خَلْوَةً تُحْيِي النُّفُوسَا
قُلْتُ مَا أَصْنعُ فِيهَا ... قَالَ: تُسْتَعْمَلُ مُوسَى
قيل: اجتمع به عز الدين القدسي، وروى عنه.
توفي في ربيع الآخر، سنة أربع وتسعين وسبع مئة.
* * *
стр. 770
٧١ - الأمير أينال عبد الله اليوسفي اليلبغاوي سيف الدين أتابكُ العساكر بالديار المصرية الجركسيُّ: ولي عدة وظائف، منها: أمير طبلخانة، ثم أعطي تقدمه، ثم بعد شهر استقر أميرَ سلاح، ثم في شعبان سنة إحدى وثمانين وسبع مئة ركب، وأخذ القلعة، وكان في جماعة يسيرة، وقاتل، وأظهر شجاعة عظيمة، ثم قُبض عليه، وسُجن، ثم أُطلق، وولي نيابةَ طرابلس، ثم نيابةَ حلب، ثم استقر أتابكاً بدمشق، ثم استقر أتابكَ العساكر بمصر.
وكان شكلًا حسنًا، تامَّ القامة، مليحَ الوجه، وشَابَ وأنقى سريعًا، وكان كثير الأدب، مع جبروت وظلم.
توفي في جمادى الآخرة، سنة أربع وتسعين وسبع مئة.
وبُني له بعد موته تربة خارج باب زويلة، ونقل إليها.
* * *
٧٢ - الشيخ الإِمام القدوة الزاهد العابد الخاشع الناسك أبو بكر ابن علي بن عبد الله بن محمَّد، الشيبانيُّ الموصليُّ الشافعيُّ: الزاهدُ العالم المفيد، فقيه مشايخ الصوفية، جُنيد العصر، قدم من الموصل وهو شابّ، وعلا ذكره، وصار يتردد إليه نواب الشام ويمتثلون أوامره، وحجَّ غيرَ مرة، وكان من كبار الأولياء، جمع علمَي الشريعة والحقيقة، ورُزق العلم والعمل، وقد زاره السلطان برقوق بمنزله بالأمينية بالقدس الشريف.
стр. 771
توفي بالقدس الشريف في شوال، سنة سبع وتسعين وسبع مئة.
* * *
٧٣ - شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائيّ: ولد في ثلاث وعشرين وسبع مئة. وبَكَّر به والدُه إلى السماع، وهو آخرُ من حدَّث [عن] أبي حيان بالبلاد الشامية.
توفي بالقدس الشريف في ربيع الآخر، سنة ثلاث وثمان مئة.
* * *
٧٤ - الشيخ أبو العباس أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن الناصح، المصريّ الصالح المحدِّث: كان من المشهورين بالصلاح.
وحكى خليفة المالكي: أنه شاهده وقد خرج من التربة إلى الأقصى، ورأى الأرض تُطوى تحته.
ولد سنة ثلاثين وسبع مئة، وتوفي في رمضان، سنة أربع وثمان مئة.
* * *
٧٥ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن المهندس أبوه المقدسيّ الحنبليُّ، رحل وكتب، وسمع على الحافظ.
مولده في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، توفي بالقدس الشريف في
стр. 772
رمضان، سنة أربع، وقيل: ثلاث وثمان مئة، وقد شاخ، ودفن بتربته بباب القطانين، عن يمين الخارج من الخوخة، ولم تُبَع تركتهُ إلا في سنة تسع، باعها شمس الدين بن حسان وَصِيُّه.
* * *
٧٦ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن ناصر، الصفديُّ الباعونيُّ الشافعيُّ: ولد سنة إحدى (١) وخمسين وسبع مئة.
اشتغل وفَضُل وسافر إلى مصر، وولاَّه الظاهر خطابة الجامع الأموي سنة اثنتين وتسعين، وقدم دمشق في ذي القعدة منها، ثم في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ولاه القضاء مع الخطابة، وباشر بعفَّة وشهامة، وانضبطت الأوقاف، غير أنه لم يكن فيه بشاشة، فعُزل في جمادى الآخرة، سنة ست وتسعين وسبع مئة، وكُشف عليه، وأُهين، وحصل في حقه تعصب، ثم ولي خطابة القدس، ثم أعيد إلى قضاء دمشق في صفر، سنة اثنتي عشرة وثمان مئة، وكان تولى قضاء مصر في أيام الحصار، فلما انقضى، عزل.
توفي في المحرم سنة ست عشرة وثمان مئة، ودفن بالسفح بزاوية الشيخ داود.
* * *
стр. 773
٧٧ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمَّد بن حِجِّي ابن موسى بن أحمد بن سعد الحسبانيُّ الأصل، الدمشقيُّ:
ولد في المحرم، سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وكان إمامًا عالمًا، فقيه الشام، وشيخ الشافعية، باشر الخطابة ومشيخة الشيوخ، ونظر الحرمين، مستقلاً تارة، ومشاركاً أخرى، وسئل على قضاء الشام، فأبى، وكان حسن الشكل، لطيف الذات، وله حظ من صيام وصلاة، وكان يحبه الخاص والعام.
توفي في المحرم، سنة ست عشرة وثمان مئة، ودفن بالقرب من والده وابن الصلاح بدمشق.
* * *
٧٨ - أحمد بن علي بن النقيب، المقدسيُّ الحنفيُّ، الشيخ العالم.
ولد سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وكان أحد علماء القدس، مشهوراً بالعلم والصلاح، توفي في المحرم، أو صفر، سنة ستَّ عشرةَ وثمان مئة.
* * *
٧٩ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علم الدين أبي الربيع سليمان، العمريُّ المالكيُّ، المشهورُ بابن عوجان: كان من أهل العلم والدين، ولي قضاء المالكية بالقدس الشريف، وطالت مدته، وكان حسن السيرة في ولايته، والناسُ راضون منه، وكانت توليته في سنة
стр. 774
خمس وثمان مئة، وتوفي في سنة ثمان وثلاثين وثمان مئة، ودفن بماملا ظاهر القدس من جهة الغرب ﵀.
* * *
٨٠ - [ ... ] الخاصكي: مولده أيام ولاية والده دمشق حوالي سنة خمس وثمان مئة.
وأمه أم ولد، قدم مع والده إلى بلاد الشام، وحمل الغاشيةَ على رأس والده يومَ دخوله إلى دمشق، فعاجلته المنية في شهر رجب، سنة ثلاث وعشرين وثمان مئة، ودفن بالتربة التي أنشأها أبوه بمدرسته المؤيدية، ويشاع أنه مات مسموماً برأي والده، وكان حسن الشكل، كريمًا شجاعًا.
* * *
٨١ - الحافظ شهاب الدين قاضي القضاة شيخ الإِسلام أبو الفضل أحمد بن علي بن محمَّد بن محمَّد بن علي بن أحمد بن محمود الشهير بابن حجر، العسقلانيُّ الأصل، الكنانيّ النسب:
ولد في ثاني عشري شعبان، سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة، وكان أبوه رئيسًا من أعيان تجار الكارم، اشتغل بالعلم، وتولَّع بالنظم، وما زال حتى برع فيه، ثم اشتغل بالحديث، فاتسعت فيه معارفه، فخرَّج التاريخ, وعَيَّن الأحاديث، ومَيَّز الصحيحَ من الضعيف، وصنَّف التصانيف
стр. 775
الفائقة، ورحل إلى الأقاليم الشامية، وسمع الحديث بالقدس، وغزة، والرملة، ونابلس، وسافر [إلى] اليمن، وحلب، وهو يُملي ويحدِّث، وصنَّف "فتح الباري بشرح البخاري" عشرين مجلداً، وهو من أعظم مصنفاته، وصنف غيره في علوم شتى، ونشر العلوم من الحديث والفقه وغيرهما، بالقاهرة وغيرها.
وتولى قضاء الديار المصرية في أوائل دولة الأشرف برسباي في المحرم، سنة سبع وعشرين وثمان مئة، وباشر مباشرة حسنة، واستمر إلى أيام الظاهر جقمق.
وتوفي إلى رحمة الله في ثامن عشري الحجة، سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة ﵀، ورضي عنه -.
ومن شعره:
يَارَبِّ أَعْضَاءُ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا ... مِنْ فَضْلِكَ الوَافِي وَأَنْتَ الوَاقِي
وَالعِتْقُ يَسْرِي بِالغِنَى يَاذَا الغِنَى ... فَامْنُنْ عَلَى الفَانِي بِعِتْقِ البَاقِي
وسئل شيخ الإِسلام ابنُ حجر عن الكَرْد ما هو نظمًا، فقال:
يَا شَيْخَ الاسْلاَمِ يَا نِعْمَ الإِمَامُ الفَرْدُ ... سَرَدْتُ كُلَّ عُلُومِ النَّاسِ أَوْفَى سَرْدِ