← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

توفي بالقدس الشريف في شوال، سنة سبع وتسعين وسبع مئة. * * * ٧٣ - شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائيّ: ولد في ثلاث وعشرين وسبع مئة. وبَكَّر به والدُه إلى السماع، وهو آخرُ من حدَّث [عن] أبي حيان بالبلاد الشامية. توفي بالقدس الشريف في ربيع الآخر، سنة ثلاث وثمان مئة. * * * ٧٤ - الشيخ أبو العباس أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن الناصح، المصريّ الصالح المحدِّث: كان من المشهورين بالصلاح. وحكى خليفة المالكي: أنه شاهده وقد خرج من التربة إلى الأقصى، ورأى الأرض تُطوى تحته. ولد سنة ثلاثين وسبع مئة، وتوفي في رمضان، سنة أربع وثمان مئة. * * * ٧٥ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن المهندس أبوه المقدسيّ الحنبليُّ، رحل وكتب، وسمع على الحافظ. مولده في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، توفي بالقدس الشريف في

стр. 772

رمضان، سنة أربع، وقيل: ثلاث وثمان مئة، وقد شاخ، ودفن بتربته بباب القطانين، عن يمين الخارج من الخوخة، ولم تُبَع تركتهُ إلا في سنة تسع، باعها شمس الدين بن حسان وَصِيُّه. * * * ٧٦ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن ناصر، الصفديُّ الباعونيُّ الشافعيُّ: ولد سنة إحدى (١) وخمسين وسبع مئة. اشتغل وفَضُل وسافر إلى مصر، وولاَّه الظاهر خطابة الجامع الأموي سنة اثنتين وتسعين، وقدم دمشق في ذي القعدة منها، ثم في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ولاه القضاء مع الخطابة، وباشر بعفَّة وشهامة، وانضبطت الأوقاف، غير أنه لم يكن فيه بشاشة، فعُزل في جمادى الآخرة، سنة ست وتسعين وسبع مئة، وكُشف عليه، وأُهين، وحصل في حقه تعصب، ثم ولي خطابة القدس، ثم أعيد إلى قضاء دمشق في صفر، سنة اثنتي عشرة وثمان مئة، وكان تولى قضاء مصر في أيام الحصار، فلما انقضى، عزل. توفي في المحرم سنة ست عشرة وثمان مئة، ودفن بالسفح بزاوية الشيخ داود. * * *

стр. 773

٧٧ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمَّد بن حِجِّي ابن موسى بن أحمد بن سعد الحسبانيُّ الأصل، الدمشقيُّ: ولد في المحرم، سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وكان إمامًا عالمًا، فقيه الشام، وشيخ الشافعية، باشر الخطابة ومشيخة الشيوخ، ونظر الحرمين، مستقلاً تارة، ومشاركاً أخرى، وسئل على قضاء الشام، فأبى، وكان حسن الشكل، لطيف الذات، وله حظ من صيام وصلاة، وكان يحبه الخاص والعام. توفي في المحرم، سنة ست عشرة وثمان مئة، ودفن بالقرب من والده وابن الصلاح بدمشق. * * * ٧٨ - أحمد بن علي بن النقيب، المقدسيُّ الحنفيُّ، الشيخ العالم. ولد سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وكان أحد علماء القدس، مشهوراً بالعلم والصلاح، توفي في المحرم، أو صفر، سنة ستَّ عشرةَ وثمان مئة. * * * ٧٩ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علم الدين أبي الربيع سليمان، العمريُّ المالكيُّ، المشهورُ بابن عوجان: كان من أهل العلم والدين، ولي قضاء المالكية بالقدس الشريف، وطالت مدته، وكان حسن السيرة في ولايته، والناسُ راضون منه، وكانت توليته في سنة

стр. 774

خمس وثمان مئة، وتوفي في سنة ثمان وثلاثين وثمان مئة، ودفن بماملا ظاهر القدس من جهة الغرب ﵀. * * * ٨٠ - [ ... ] الخاصكي: مولده أيام ولاية والده دمشق حوالي سنة خمس وثمان مئة. وأمه أم ولد، قدم مع والده إلى بلاد الشام، وحمل الغاشيةَ على رأس والده يومَ دخوله إلى دمشق، فعاجلته المنية في شهر رجب، سنة ثلاث وعشرين وثمان مئة، ودفن بالتربة التي أنشأها أبوه بمدرسته المؤيدية، ويشاع أنه مات مسموماً برأي والده، وكان حسن الشكل، كريمًا شجاعًا. * * * ٨١ - الحافظ شهاب الدين قاضي القضاة شيخ الإِسلام أبو الفضل أحمد بن علي بن محمَّد بن محمَّد بن علي بن أحمد بن محمود الشهير بابن حجر، العسقلانيُّ الأصل، الكنانيّ النسب: ولد في ثاني عشري شعبان، سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة، وكان أبوه رئيسًا من أعيان تجار الكارم، اشتغل بالعلم، وتولَّع بالنظم، وما زال حتى برع فيه، ثم اشتغل بالحديث، فاتسعت فيه معارفه، فخرَّج التاريخ, وعَيَّن الأحاديث، ومَيَّز الصحيحَ من الضعيف، وصنَّف التصانيف

стр. 775

الفائقة، ورحل إلى الأقاليم الشامية، وسمع الحديث بالقدس، وغزة، والرملة، ونابلس، وسافر [إلى] اليمن، وحلب، وهو يُملي ويحدِّث، وصنَّف "فتح الباري بشرح البخاري" عشرين مجلداً، وهو من أعظم مصنفاته، وصنف غيره في علوم شتى، ونشر العلوم من الحديث والفقه وغيرهما، بالقاهرة وغيرها. وتولى قضاء الديار المصرية في أوائل دولة الأشرف برسباي في المحرم، سنة سبع وعشرين وثمان مئة، وباشر مباشرة حسنة، واستمر إلى أيام الظاهر جقمق. وتوفي إلى رحمة الله في ثامن عشري الحجة، سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة ﵀، ورضي عنه -. ومن شعره: يَارَبِّ أَعْضَاءُ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا ... مِنْ فَضْلِكَ الوَافِي وَأَنْتَ الوَاقِي وَالعِتْقُ يَسْرِي بِالغِنَى يَاذَا الغِنَى ... فَامْنُنْ عَلَى الفَانِي بِعِتْقِ البَاقِي وسئل شيخ الإِسلام ابنُ حجر عن الكَرْد ما هو نظمًا، فقال: يَا شَيْخَ الاسْلاَمِ يَا نِعْمَ الإِمَامُ الفَرْدُ ... سَرَدْتُ كُلَّ عُلُومِ النَّاسِ أَوْفَى سَرْدِ

стр. 776

الكَرْدُ مَا هُوْ وَمَا شَيْءٌ يُسَمَّى الكَرْدُ ... بِاللهِ باللهِ خَبِّرْنَا وريح الطَّرد فأجابه: الكَرْدُ باِلْفَتحِ وَالإِسْكَانِ شِبْهُ الطَّرْد وَشِبْهَ مَعْنَاهَا قَالُوا: رَاحَ يَكْرُدُ كَرْد وَالعِتْقُ عِنْدَ العُرْبِ أَيْضا يُسَمَّى الكَرْد خُذْ مسألَة من صِحَاح الجَوْهَرِي يَا فَرْد * * * ٨٢ - شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن الفقيه أمين الدين حسين ابن حسن بن علي بن يوسف بن علي بن أرسلان الرمليُّ الشافعيُّ: القطبُ العارف بالله، ذو الكرامات الظاهرة، رحل من الرملة إلى القدس الشريف، وأقام بالزاوية الختنية، قبلة المسجد الأقصى، وانتفع به خلق كثير، وما اشتغل عليه أحد ولازمه إلا وآثر نفعه، فكان يكني جماعته بكنىً ينتخبها لهم، وصارت عَلَماً عليهم؛ كأبي طاهر، وأبي مدين، وأبي العزم، وأبي طلحة، وغير ذلك. وألف مؤلفات في الفقه والنحو، وغير ذلك، منها: "صفوة الزَبَد"، ومختصر "الأذكار"، و"شرح سنن أبي داود"، وغير ذلك من الكتب المفيدة. وكان متواضعًا زاهداً، له قدم عالٍ في التهجد والعبادة، والأمر

стр. 777

بالمعروف والنهي عن المنكر. واتفق من أمره: أن كاشِفَ الرملة ضرب شخصًا من جماعته، فاستغاث بالشيخ، فقال له: إن كان لشيخك برهان، يظهره في هذه النخلة، وكانت نخلة قائمة على ساقها أمامه، ففي الحال وقعت إلى الأرض، فترجَّل، وأتى إليه، ووقع على قدميه. وكان يخاطب الشيخَ نجمَ الدين بن جماعة بـ: يا شيخ الصلاحية, وهو صغير، فوليها. وتوفي بالقدس الشريف، بالزاوية المذكورة في رابع عشر، وقيل ثاني عشري شعبان، سنة أربع وأربعين وثمان مئة، عن أربع وسبعين سنة، ودفن إلى جانب أبي عبد الله القرشي، بتربة ماملا، ظاهر القدس الشريف، من جهة الغرب، وقبره بها معروف يُقصد ويُزار. ويقال: إن من دعا الله تعالى بين قبره وقبر القرشي بأمر يريده، استجاب الله له. ولما مَنَّ الله عليه بالسكن بالزاوية الختنية، والإقامة بالقدس الشريف أنشد: حَبَانِي إِلَهِي بِالتِصَاقِي لِقِبْلَةٍ ... بِمَسْجِدِهِ الأَقْصَى المُبَارَكِ حَوْلَهُ فَحَمْدًا وَشُكْراً دَائِمَيْنِ وَإِنَّنِي ... أَوَدّ لإِخْوَانِي المُحِبِينَ مِثْلَه

стр. 778

فقدر أن شخصًا من جماعته يقال له: الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن عبد الرحمن الأنصاري الخليلي الشافعي، رحل من بلد الخليل ﵇، واستوطن ببيت المقدس فمّن الله عليه بالسّكن بالزاوية المذكورة، وقرر فيها، [وسكن بها في سنة سبع وستين وثمان مئة فأنشده]: كَذَاكَ إِلَهِي قَدْ حَبَانِي بِمَا حَبَا ... بِهِ الشَّيْخَ أُسْتَاذِي لَقَدْ نَالَ سُؤْلَهُ فَحَمْدًا وَشُكْرًا يَا إِلَهِي وَأنَّهُ ... دليلٌ عَلَى أَنّي مُحِبٌّ أَخٌ لَهُ وتوفي الشيخ برهان الدين المذكورُ ببلد سيدنا الخليل ﵇ في شهور سنة ثلاث وتسعين وثمان مئة، ولعله في ربيع الآخر. * * * ٨٣ - الحافظ العلامة شيخ الإِسلام شهاب الدين المكنى بأبي العباس أحمد بن عبد الله، الكنانيُّ الشافعيُّ: الواعظ الحافظ، نزيلُ القدس الشريف، أحد جماعة الشيخ شهاب الدين بن أرسلان، وهو الذي كناه بأبي العباس، وكان يعظ الناس بباب الناظر بالمسجد الأقصى الشريف، واشتهر أمره حتى قيل عنه: ابن الجوزي في زمانه، توفي بالقاهرة المحروسة، في شهور سنة سبعين وثمان مئة. * * *

стр. 779

٨٤ - قاضي القضاة العلامة الورع الزاهد شهاب الدين أبو الأسباط أحمد الرمليُّ الشافعيُّ: العالم، أحدُ جماعة الشيخ شهاب الدين بن أرسلان، وهو الذي كناه بأبي الأسباط، وتولى قضاء الرملة، فأدركته المنية بها. توفي إلى رحمة الله تعالى في شهور سنة سبع وسبعين وثمان مئة. * * * ٨٥ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عمر العُمَيريُّ الشافعيُّ الواعظُ: كان فقيهاً حافظاً، واشتهر أمره في المملكة، وعظُم أمره عند الناس، وكان قُرر في مشيخة المدرسة المنسوبة لمولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي، التي هدمت، وأنشع مكانها المدرسة المشهورة بالمسجد الأقصى الشريف، بجوار باب السلسلة، ولما عمرت المدرسة المذكورة على ما هي عليه الآن، وانتهت عمارتها، أدركته المنية، فتوفي إلى رحمة الله تعالى في شهر ربيع الأول، سنة تسعين وثمان مئة، ودفن بماملا، ظاهر القدس الشريف، واستقر في مشيخة المدرسة المذكورة شيخُ الإِسلام كمالُ الدين بن أبي شريف - فسح الله في مدته -. * * * ٨٦ - [ ... ] ابن الشيخ شمس الدين محمَّد، القرقشنديُّ الشافعيُّ المقدسيُّ: شيخ الإِسلام، عالم القدس الشريف، كان من أهل العلم والدين، متواضعا سخياً، وانتهت إليه الرئاسة في بيت المقدس،

стр. 780

وعظم أمره عند أكابر المملكة، توفي إلى رحمة الله تعالى في شهر جمادى الآخرة، سنة سبع وستين وثمان مئة، ودفن بالإيوان الكائن بداخل الزاوية القلندرية بتربة ماملا، ظاهر القدس الشريف ﵀، وعفا عنه -. * * * ٨٧ - برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن شيخ الإِسلام جمال الدين عبد الله بن جماعة، الكنانيُّ الشافعيُّ: خطيب المسجد الأقصى الشريف، هو ووالده، وشيخ المدرسة الصلاحية والده، ولي القاضي برهان الدين المشار [إليه] قضاءَ الشافعية بالقدس الشريف بعد وفاة القاضي علاء الدين بن السائح الرملي في سنة سبع وخمسين وثمان مئة، وعلت كلمتُه، ونفذ أمره ببيت المقدس، وكان موصوفاً بالسخاء والشهامة. توفي والده الشيخ جمال الدين بن جماعة في سنة خمس وستين وثمان مئة، فاستقر ولد القاضي برهان الدين، وهو شيخ الإِسلام نجمُ الدين أبو البقاء محمَّد بن جماعة في مشيخة الصلاحية عوضًا عن جده في حياة والده المشار إليه. وتوفي القاضي برهان الدين بن جماعة في ثالث عشرين صفر (١)، سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة، ودفن بتربته المعروفة عند ضريح الشيخ

стр. 781

شهاب الدين بن أرسلان بماملا، ظاهر القدس الشريف، واستقر ولده الشيخ نجم الدين المشار إليه في وظيفة القضاء بعد وفاته مضافاً إلى مشيخة الصلاحية، وباشرها في شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة. * * * ٨٨ - برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن أقضى القضاة أكمل الدين بن مفلح، الحنبليُّ: كان من أهل العلم والدين والعفة، ولي قضاء قضاة الحنابلة بالشام المحروس نيفًا وثلاثين سنة، بعد مباشرته نيابة القضاء بها مدة طويلة، وباشر في ولايته بعلة، وعظُم أمره، وعلت كلمته عند السلطان فمَنْ دونه، وعُين لقضاء الديار المصرية بعد وفاة قاضي القضاة عز الدين الكناني الحنبلي، في شهور سنة ست وسبعين وثمان مئة، فلم يقدر له بالتوجه؛ لمرض حصل له، وصنف "شرح المقنع" في الفقه، و"طبقات الأصحاب". ومحاسنه كثيرة - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -. توفي إلى رحمة الله تعالى بدمشق، في شهر شعبان، سنة أربع وثمانين وثمان مئة. واستقر ولده قاضي القضاة نجم الدين عمر في وظيفة القضاء بعده في شهر شوال، سنة أربع وثمانين وثمان مئة. * * *

стр. 782

٨٩ - قاضي قضاة دمشق شهاب الدين أحمد المِرِينيُّ المغربيُّ المالكيُّ: ولي قضاء دمشق استقلالًا أكثر من عشرين سنة، بعد مباشرته نيابة الحكم مدة، وكان عفيفًا في مباشرته، وسيرته حسنة، وكان السلطان يصفه بالعفة، ويعظِّمه، وهو من رفقة قاضي القضاة برهان الدين بن مفلح الحنبلي. توفي في شهر ذي الحجة قبل عيد الأضحى، سنة ست وتسعين وثمان مئة. * * * ٩٠ - تقي الدين أبو بكر بن زيد الجرَّاعي، الحنبليّ الفقيهُ: باشر نيابة القضاء بدمشق، وكان من أهل الفضل والدين، وهو رفيق الشيخ علاء الدين المرداوي الحنبلي في الاشتغال على الشيخ تقي الدين بن قُندس، وانتقل إلى رحمة الله تعالى بدمشق، في شهور سنة ثلاث وثمانين وثمان مئة ﵀، وعفا عنه -. * * * ٩١ - قاضي القضاة عز الدين أبو البركات أحمد ابن قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم ابن قاضي القضاة ناصر الدين نصر الله، الكِنانيّ العسقلانيّ الحنبليّ، شيخُ الإِسلام: باشر نيابة القضاء بالديار المصرية في أيام قاضي القضاة محبّ الدين سالم المقدسي الحنبلي وفي أيام قاضي القضاة علاء الدين بن

стр. 783

معلى الحنبلي وفي أيام قاضي القضاة محب الدين بن نصر الله البغدادي، ثم استقر في وظيفة قضاء القضاة بالديار المصرية، عوضًا عن قاضي القضاة بدر الدين البغدادي الحنبلي بعد وفاته في أوائل دولة الأشرف أينال، في جمادى الأولى، سنة سبع وخمسين وثمان مئة. وكان ورعًا زاهداً، وباشر بعفَّة، وعلت كلمته، وعظُم أمره عند السلطان وأركان الدولة والرعية، وكانت له هيبة ووقار. توفي إلى رحمة الله تعالى في مستهل جمادى الآخرة، سنة ست وسبعين وثمان مئة، وعين السلطان [على] القضاء [في] الديار المصرية قاضيَ القضاة برهانَ الدين بنَ مفلح الحنبليَّ بدمشق، فلم يقدر له بالحضور، واستمر منصبُ الحنابلة شاغراً نحو خمسة أشهر، ثم استقر فيه قاضي القضاة بدر الدين محمَّد السعدي الحنبلي، يوم خَتْم البخاري بالقلعة المنصورة، في يوم الأحد، ثامن عشري رمضان المعظَّم سنة ست وسبعين وثمان مئة، وسلك في مباشرته طريقة شيخه قاضي القضاة عز الدين؛ من العفة، والتوقف في الأمور، وعدم التجاوز في ثبوت الإجارات الطوال، وعدم بيع الأوقاف، مقتدياً بشيخه المشار إليه - كما يأتي في ترجمته -. * * * ٩٢ - شهاب الدين أحمد بن حسين، الحسنيُّ المالكيّ الأرميونيُّ، خليفةُ الحكم العزيز بالديار المصرية. كان من أهل العلم والتواضع،

стр. 784

وعليه مدار الفتوى بالديار المصرية، باشر نيابة الحكم بها نحو ثلاث وعشرين سنة، وكان له هيبة في الحكم، مع تواضعه، ولين جانبه. توفي ﵀ في يوم الجمعة، رابع عشري شهر جمادى الأولى، سنة تسع وثمانين وثمان مئة، وصُلي عليه بعد صلاة الجمعة بالجامع الأزهر ﵀، وعفا عنه -. * * * ٩٣ - زين الدين أبو بكر بن مُزْهر الأنصاريُّ الشافعيُّ، صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالديار المصرية: كان من أهل العلم، والذين باشروا الوظائفَ السَّنية؛ كنظر الإسطبلات، ونظر الجوالي، ووكالة بيت المال، ونظر الجيوش بالمنصورة بالديار المصرية. ثم استقر في وظيفة كتابة السر في دولة الظاهر خشقدم، في أوائل سنة سبع وستين وثمان مئة، واستمر إلى حين وفاة الظاهر خشقدم، وباشرها في دولة الظاهر إيلباي، والظاهر تمربغا، إلى أن استقر الملك الأشرف قايتباي في السلطنة، واستمر به، وعلت كلمته في المملكة، وعظُمت هيبته، وانتهت إليه رئاسة المملكة، وصار عزيزَ مصر. وكان ﵀ عنده التواضع لأهل العلم، والتّأدّب في حقّ الفقراء، وكان طلبة العلم يحضرون مجلسه، ويتذاكرون بين يديه، وكان فيه احتمال، وعدم مفاجأة بالكلام السّئ، وكان له صدقات وإحسان، وعمَّر مدرسة بالمدينة الشريفة - على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام -

стр. 785

ومدرسة بالقدس الشريف، وجامعاً تجاه منزله بالقاهرة. وكان حصل في شهور سنة ست وثمانين وثمان مئة واقعة بالقاهرة، أوجبت أن السلطان عزله هو وقاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي الشافعي، وقاضي القضاة برهان الدين اللقَّاني المالكي في مجلس واحد، بحضورهم، في يوم الأحد، مستهل شهر رجب من السنة المذكورة. ثم أعيد القاضي زين الدين بن مزهر إلى وظيفته في يوم الاثنين، تاسع الشهر المذكور، وتولى في ذلك اليوم قاضي القضاة محيي الدين عبد القادر بن تقي المالكي قضاء الديار المصرية عوضًا عن اللقاني، ونزلا من القلعة معا، وكان يوما مشهوداً، ثم استمر إلى سنة ثلاث وتسعين وثمان مئة، فتوجه من القاهرة صحبة الأمير أقبردي الدوادار الكبير لجهة نابلس؛ لتجهيز الرجال للتجريدة لقتال السلطان أبي يزيد ابن عثمان، فحضر إلى الرملة صحبة الأمير دوادار في يوم السبت، حادي عشري جمادى الأولى من السنة المذكورة، وتوجه لنابلس، فحصل له توعك، فلما قضى الأمر الذي هو بصدده، توجه إلى القاهرة، ودخلها في أواخر رجب، وهو في التوعُّك، واستمر إلى أن توفي في صبيحة يوم الخميس، سادس شهر رمضان، سنة ثلاث وتسعين وثمان مئة، وصلَّى عليه السلطان، ودفن من يومه، وكان يومًا مشهودًا، تأسف الناس عليه، وانزعج أهل المملكة لموته، خصوصًا طائفة الفقهاء وأرباب المناصب؛ لشفقته عليهم، وتبصره وتأنيه في الأمور - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -. ثم استقر ولده المقر الأشرف البدري محمَّد بن مُزهر في كتابة السر

стр. 786

الشريف عوضًا عنه، وأُلبمس التشريف الشريف من الحضرة الشريفة، وركب معه أركان الدولة والأكابر في يوم الخميس، ثالث عشر شهر رمضان، سنة ثلاث وتسعين وثمان مئة. * * * ٩٤ - القاضي ولي الدين أبو الفضل أحمد بن أحمد بن عبد الخالق، الشافعيُّ، شيخُ الإسلام: باشر نيابة الحكم بالديار المصرية، ومشيخة الخانقاه الجمالية، وكان من أخصَّاء القاضي جمال الدين يوسف ناظرِ الخاصِّ الشريف. ثم حج إلى بيت الله الحرام في سنة سبعين وثمان مئة في أيام الظاهر خشقدم، فأُشيعت وفاته بدرب الحجاز الشريف، وأُخرجت وظائفه بحكم وفاته، وأستقر القاضي بدر الدين محمدُ ابن القاضي زين الدين بن مزهر الذي صار كاتب السر الشريف في مشيخة الجمالية، وأُلبس التشريف الشريف من حضرة السلطان، ونزل الناس في خدمته، وهو يومئذ صغير دون البلوغ، ثم لما حضر القاضي ولي الدين الأسيوطي من الحجاز الشريف، في سنة إحدى وسبعين وثمان مئة، أعيدت إليه وظائفه، ثم اقتضى الحال استقراره في وظيفة قضاء قضاة الشافعية بالديار المصرية، فوليها في شهر جمادى الآخرة، سنة إحدى وسبعين وثمان مئة، واستمر بها إلى أيام الملك الأشرف قايتباي، فوقعت حادثة أوجبت أن السلطان عزله هو وقاضي القضاة بدر الدين العدي الحنبلي، في يوم الخميس، سابع عشري ربيع الآخر، سنة خمس وثمانين وثمان مئة، ثم أعادهما في

стр. 787

يوم الأحد، مستهل جمادى الأولى من السنة المذكورة، ثم عزل قاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي في مستهل رجب سنة ست وثمانين وثمان مئة - كما تقدم في ترجمة القاضي زين الدين بن مزهر -، واستمر إلى أن توفي في أوائل سنة إحدى وتسعين وثمان مئة. وكان له معرفة بصناعة القضاء والشهادة، ويعرف خطوط الشهود، وإذا وقف على مستند عرف إن كان حقًا أو مفتعلًا، وكان عنده توقف في الأمور، وعدم تجاسر في الأحكام، وأمر نوابه أن لا يحكم أحد منسم بحكم مطلقًا إلا بعد عرضه عليه، وكتابة خطه على المستند المحكوم به ﵀، وعفا عنه -. * * * ٩٥ - قاضي القضاة برهان الدين اللقاني الراهيم بن محمد، اللقانيُّ المالكيُّ شيخُ الإسلام: باشر نيابة الحكم بالديار المصرية، وتصدى للكتابة على الفتوى، وإشغال الطلبة بالجامع الأزهر، ثم ولي قضاء قضاة المالكية بالديار المصرية، عوضًا عن قاضي القضاة سراج الدين عمر بن حُرَيز المالكي في شهر صفر، سنة سبع وسبعين وثمان مئة، وباشر الحكم بشهامة، وكان قامع المبتدعين، ثم عزل في مستهل رجب، سنة ست وثمانين وثمان مئة - كما تقدم في ترجمة القاضي زين الدين بن مزهر -، واستمر إلى أن توفي في أوائل سنة ست وتسعين وثمان مئة ﵀، وعفا عنه بمنه وكرمه -. * * *

стр. 788

٩٦ - القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خَلِّكان، البرمكيُّ: كان عالما فاضلًا، تولَّى القضاء بمصر والشام، وله مصنفات جليلة، منها: "وفيات الأعيان في التاريخ"، وغيره، ولد يوم الخميس، بعد صلاة العصر، حادي عشر ربيع الآخر، سنة ثمان وست مئة بمدينة إربل، وتوفي في سنة إحدى وثمانين وست مئة ﵀، ورضي عنه -. * * *

стр. 789

حَرْفُ البَاءِ ٩٧ - بشر الحافي بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال ابن ماهان بن عبد الله بعبور: أسلم جدُّه على يد علي بن أبي طالب ﵁، أحدُ رجال الطريقة، كان من كبار الصالحين، وأعيان الأتقياء المتوزعين، أصله من مرو، من قرية من قراها يقال لها: مابرسام، وسكن بغداد. وإنما لقب بالحافي؛ لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شِسْعًا لأحد نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: ما أكثرَ كُلفتكَم على الناس، فألقى النعلَ من يده، والآخرَ من رجله، وحلف لا يلبس نعلًا بعدها. ولد سنة خمسين ومئة، وتوفي في شهر ربيع الآخر، سنة ست، وقيل: سبع وعشرين ومئتين ببغداد، وقيل: بمرو. * * * ٩٨ - المُريسي بشر بن غياث بن أبي كريمة، الفقيهُ الحنفيُّ: من موالي زيد بن الخطاب، أخذ الفقه عن أبي يوسف الحنفي، إلا أنه اشتغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وله في ذلك أقوال شنيعة، وكان مُرْجِئًا، وإليه تُنسب الطائفة المرجئيَّة المُرَيْسِيَّة، وكان يقول: السجود

стр. 790

للشمس والقمر ليس بكفر، ولكنه علامة الكفر، وكان يناظر الشافعي، ولا يعرف النحو، ويلحن لحنا فاحشًا، ويقال: إن أباه كان يهوديًا صبَّاغًا بالكوفة. توفي في ذي الحجة، سنة ثمان عشرة ومئتين ببغداد، والمريسي - بسين مهملة -: جنس من السودان من بلاد النوبة. * * * ٩٩ - القاضي أبو بكرة بكار بن قتيبة بن أبي برذعة بن عبد الله بن بشير (١) بن عبيد الله بن أبي بكرةَ بن نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَةَ الثقفيِّ صاحبِ رسول الله ﷺ : كان حنفي المذهب، وتولى القضاء بمصر سنة ثمان، أو تسع وأربعين ومئتين، وقال: وليتها من قِبل المتوكل يوم الجمعة، لثمانٍ خلون من جمادى الآخرة، سنة ست وأربعين ومئتين، وظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهور. وله مع أحمدَ بن طولون صاحبِ مصر وقائع، وكان اعتقله، وأمره بتسليم القضاء إلى محمد بن شادي (٢)، ففعل، وجعله كالخليفة له، وبقي مسجونا مدة سنين، وكان يُحدّث في السجن من طاق فيه، وكان أحد البَكَّائين التالين لكلام الله تعالى، وكان يُكثر الوعظ للخصوم

стр. 791

إذا أراد اليمين، ويتلو عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية. ولد بالبصرة سنة اثنتين ومئتين، وتوفي وهو باق على القضاء مسجونًا يوم الخميس، لستٍّ بقين من ذي الحجة، سنة سبعين ومئتين، وقبره مشهور عند مصلى بني مسكين، وهو معروف باستجابة الدعاء. * * * ١٠٠ - أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان، المارنيُّ البصريُّ النَّحْويُّ: كان إمام عصره في النحو والأدب، توفي سنة تسع وأربعين ومئتين بالبصرة - رحمه الله تعالى -. * * * ١٠١ - بوران بنت الحسن بن سهل: وكان المأمون قد تزوجها لمكان أبيها منه، واحتفل أبوها بأمرها، وعمل من الولائم والأفراح ما لم يُعهد مثلُه في عصر من الأعصار، وذلك بفمّ الصِّلْح. وقالت الشعراء والخطباء بذلك، وأطنبوا، ومما يستظرف فيه قولُ محمد بن حازم الباهلي: بَارَكَ اللهُ لِلْحَسَنْ ... وَلِبُورَانَ فِي الخَتَنْ يَابْنَ هَارُونَ قَدْ ظَفِرْتَ ... وَلَكِنْ بِبِنْتِ مَن؟ ولما نُمي هذا الشعر إلى المأمون، قال: والله! ما ندري، أخيرًا أراد أم شرًا؟

стр. 792

ودخل المأمون على بوران في الليلة الثالثة من وصوله إلى فم الصِّلْح، فلما جلس معها، نثرت عليه جدتها ألفَ دُرَّة كانت في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تُجمع، وسألها عن عدد الدر كم هو؟ فقالت: ألف حبة، فوضعها في حِجْرها، وقال: هذا تحليتك (١)، وسلي حوائجك، فقالت لها جدتها: كلِّمي سيدك؛ فقد أمرك، فسألته الرضا عن إبراهيم ابن المهدي - وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة -، فقال: قد فعلت. ولما طلب المأمون الدخول على بوران، دافعوه لعذر بها، فلم يندفع، فلما زُفت إليه، وجدها حائضًا، فتركها، فلما قعد الناس من الغد، دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب، وقال: يا أمير المؤمنين! هنأك الله بما أخذت من الأمر، باليُمن والبركة وشدة الحركة والظفر بالمعركة، فأنشده المأمون: فَارِسٌ مَاضٍ بِحَرْبَتِهِ ... صَادِقٌ بِالطَّعْنِ فِي الظُّلَمِ رَامَ أَنْ يُدْمِي فَرِيسَتَهُ ... فَاسْتَجَارَتْ مِنْ دَمٍ بِدَمِ فعرّض بحيضها، وهو من أحسن الكنايات، وكان ذلك في شهر رمضان، سنة عشر ومئتين، وعقد عليها في سنة اثنتين ومئتين، وتوفي المأمون وهي في صحبته، وكانت وفاته يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومئتين وبقيت بعده إلى أن توفيت يوم الثلاثاء، لثلاثٍ بقين من شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وسبعين ومئتين،

стр. 793

وماتت وعمرها ثمانون سنة، وكانت وفاتها ببغداد. وفمِّ الصِّلْح: بلدة على دجلة قريبة من واسط. * * * ١٠٢ - تاج الملوك أبو سعيد بوري بن أيوب بن شادي، الملقب: مجد الدين: وهو أخو السلطان صلاح الدين، وكان أصغر أولاد أبيه، وكانت فيه فضيلة، وينظم الشعر، فمما قاله في أحد مماليكه، وقد أقبل من جهة المغرب راكبًا فرسًا أشهب: أَقْبَلَ مَنْ أَعْشَقُهُ رَاكِبًا ... مِنْ جَانِبِ الغَرْبِ عَلَى أَشْهَبِ فَقُلْتُ سُبْحَانَكَ يَا ذَا العُلَا ... أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ مولده في ذي الحجة، سنة ست وخمسين وخمس مئة، وتوفي يوم الخميس، الثالث والعشرين من صفر، سنة تسع وسبعين وخمس مئة، على حلب، من جراح أصابته لما حاصرها أخوه السلطان صلاح الدين. وبوري: لفظ تركي معناه بالعربية: ذئب. * * * ١٠٣ - شهاب الدين أبو الخير بادار بن عبد الله القونوي نزيلُ القدس: كان يتكلم على الناس بقبة السلسلة بالصخرة. قال الشيخ بدر الدين محمود العجلوني: ما عرفنا الله تعالى إلا بملازمة مجالسه.

стр. 794

وقبرُه ظاهر القدس الشريف، على طريق خان الظاهر، ظاهرٌ للناس معروف - رحمه الله تعالى -. توفي في شعبان، سنة ثمانين وسبع مئة. * * *

стр. 795

حَرْفُ التَّاءِ ١٠٤ - تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي: كان أبوه صاحب ديار مصر، وهو الذي بنى القاهرة المعزِّيَّة، وكان تميم المذكور فاضلًا شاعرًا، ولم يلِ المملكة؛ لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز، فوليها، ومن شعر تميم: مَا بَانَ عُذْرِي فِيهِ حَتَّى عَذَرا ... وَمَشَى الدُّجَى فِي خَدّهِ فَتَحَيَّرَا هَمَّتْ عَقَارِبُ صُدْغِهِ تَقْبِيلَهُ ... فَاسْتَلَّ نَاظِرُهُ عَلَيْهَا خِنْجَرَا (١) توفي في ذي القعدة، سنة أربع وسبعين وثلاث مئة بمصر، وصُلي عليه بالقرافة، وحمل إلى القصر، ودفن بالحجرة التي فيها قبر أبيه المعز. * * * ١٠٥ - أبو يحيى تميم بن المعز بن باديس بن المنصور، الحميريُّ الصنهاجيُّ: ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه المعز، وكان حسن السيرة،

стр. 796

محمودَ الآثار، محبًّا للعلماء، وله أشعار حسنة، فمن ذلك قوله: إِنْ نَظَرَتْ مُقْلَتِي لِمُقْلَتِهَا ... تَعْلَمُ مِمَّا أُرِيدُ نَجْوَاهُ كَأَنَّهَا فِي الفُؤَادِ نَاظِرَةٌ ... تَكْشِفُ أَسْرَارَهُ وَفَحْوَاهُ وفضائله كثيرة، ولد بالمنصورية التي تسمى: صبرة من بلاد إفريقية، يوم الاثنين، ثالث عشر رجب، سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، وفوض إليه أبوه ولاية المهدية في صفر، سنة خمس وأربعين، فاستبد بالملك، ولم يزل إلى أن توفي ليلة السبت، منتصف رجب، سنة إحدى وخمس مئة، ودفن في قصره، ثم نقل إلى قصر السيدة بالمنستير، وخلف من البنين أكثر من مئة، ومن البنات ستين. * * * ١٠٦ - الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شادي بن مروان، الملقب: فخر الدين: وهو أخو السلطان صلاح الدين، وكان أكبر منه، وكان السلطان يُكثر الثناء عليه، ويُرجحه على نفسه، ووجَّهه إلى اليمن، فملكها، وفتح الله على يديه، وكان كريمًا، ثم إنه عاد من اليمن، والسلطانُ على حصار حلب، فوصل إلى دمشق في ذي الحجة، سنة إحدى وسبعين وخمس مئة، ولما رجع السلطان عن الحصار، وتوجه إلى الديار المصرية، استخلفه بدمشق، فأقام بها، ثم انتقل إلى مصر، وتوفي في يوم الخميس، مستهل صفر، سنة ست وسبعين وخمس مئة، ومات وعليه من الديون مئتا ألف دينار، فقضاها

стр. 797

عنه أخوه صلاح الدين. وتوران شاه: لفظ أعجمي، معناه: ملك الشرق؛ لأن شاه: ملك، وتوران: الشرق، وإنما قيل للشرق: توران؛ لأن بلاد الترك والعجم يسمون الشرق تركان، ثم حرّفوه فقالوا: توران. * * *

стр. 798

حَرْفُ الثَّاءِ ١٠٧ - أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم، وقيل: الفيض بن إبراهيم، المصريُّ، المعروف بذي النون، الصالحُ المشهور: أحد رجال الطريقة، كان أوحد وقته علما وورعًا، وهو معدود في جملة من روى "الموطأ" عن مالك، وكان رجلَّا نَحيفًا، يعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية. وشيخه في الطريقة شقران العابد. وللشيخ ذي النون فضائل ومحاسن كثيرة، توفي في ذي القعدة، سنة خمس، وقيل: ست وأربعين ومئتين بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى، وعلى قبره مشهد مبني، وفي المشهد - أيضًا - قبور جماعة من الصالحين. وثوبان: بفتح الثاء المثلثة، وسكون الواو، وفتح الباء الموحدة، وبعد الألف نون. * * * ١٠٨ - أبو الحسن ثابت بن قرة بن هارون، الحاسبُ الحكيمُ الحرَّانيُ: كان في بداية أمره صيرفيًا بحرَّان، ثم انتقل إلى بغداد، واشتغل بعلوم الأوائل، فمهر فيها، وبرع في الطب، وكان الغالب عليه الفلسفة.

стр. 799

ولد سنة إحدى وعشرين، ومئتين وتوفي في يوم الخميس السادس والعشرين من صفر، سنة ثمان وثمانين ومئتين، وله ولد يسمى: إبراهيم بلغ رتبة أبيه في الفضل، وكان من حذَّاق الأطباء ومقدَّمي أهلِ زمانه في صناعته، وعالج مرّة السَّريَّ الرفَّاء الشاعر، فأصاب العافية، فعمل فيه، وهي أحسن ما قيل في الطب، ومنه: هَلْ لِلْعَلِيلِ سِوَى ابْنِ قُرَّةَ شَافِي ... بَعْدَ الإِلَهِ وَهَلْ لَهُ مِنْ كَافِي فَكَأَنَّهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ نَاطِقًا ... يَهَبُ الحَيَاةَ بِأَيْسَرِ الأَوْصَافِ لَمَّا رَأَى قَارُورتي وَرَأَى بِهَا ... مَا اكْتَنَّ بَيْنَ جَوَانِحِي وَشَغَافِ وحرَّان: مدينة مشهورة بالجزيرة، قيل: إن هارون عم إبراهيم الخليل عمرها، فسميت باسمه، ثم إنها عُرِّبت، فقيل: حران. وهارون (١): أبو (٢) سارة زوجة إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -. وكان لإبراهيم أخ يسمى ب: هاران، وهو أبو لوط ﵇. * * *

стр. 800

حَرْفُ الجِيْمِ ١٠٩ - جرير بن عطية بن الخَطَفَى واسمه حذيفة، والخطفى لقبه، ابن بدر، التميميُّ الشاعرُ المشهورُ: كان من فحول شعراء المسلمين والإسلام، وأجمعت العلماء على أنه ليس في شعراء الإسلام مثلُ ثلاثة: جرير، والفرزدق، والأخطل. ويقال: إن بيوت الشعراء أربعة: فخر، ومدح، وهجاء، وتشبيب، وفي الأربعة فاق جريرٌ غيره. ففي الفخر يقول: إِذَا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنْو تَمِيمٍ ... حَسِبْتَ النَّاسَ كلَّهُمُ غِضَابَا وفي المديح يقول: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا ... وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ وفي الهجاء يقول:

стр. 801

فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ (١) ... فَلَا كَعْبَا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا وفي التشبيب يقول: إِنَّ العُيُونَ الَّتِي فِي طَرْفِحهَا حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلَانَا يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حَرَاكَ بِهِ ... وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللهِ إِنْسَانَا (٢) توفي جرير باليمامة، سنة إحدى عشرة ومئة، وعمره نيف وثمانون سنة. * * * ١١٠ - أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب: أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، كان من سادات أهل البيت، ولقب بالصادق؛ لصدقه في مقالته، وفضلُه أشهر من أن يُذكر، وله كلام في صنعة الكيمياء والفأل. ولد سنة ثمانين للهجرة، وهي سنة سيل الحجاز (٣)، وقيل: سنة

стр. 802

ست وثمانين، وتوفي في شوال، سنة ثمان وأربعين ومئة بالمدينة، ودفن بالبقيع في قبر أبيه (١) محمد الباقر، وجدِّه علي (٢) زين العابدين، وعمّ جدِّه الحسنِ بنِ عليٍّ ﵁، فلله درّه من قبرٍ ما أكرمه! وأمّه أُمُّ فروةَ بنتُ القاسمِ بنِ محمد بنِ أبي بكر الصديق ﵁. * * * ١١١ - أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي: وزيرُ هارون الرشيد، كان من علو القدر ونفاذ الأمر، وقوة الهمة، وعظم المحل، وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالةٍ انفرد بها، ولم يشارَك فيها. وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه، ظاهر البشر. وأما جوده، وسخاؤه، وبذله، وعطاؤه، فكان أشهر من أن يُذكر. وكان من ذوي الفصاحة، والمشهورين باللَّسَن والبلاغة، وتفقه على القاضي أبي يوسف الحنفي، ووقَّع إلى بعض عماله - وقد شكي به إليه -: كثر شاكوك، وقلَّ شاكروك، فإما اعتدلْ، وإما اعتزل. وكان جعفر متمكّنًا من الرشيد، وبلغ من علوِّ المرتبة عنده ما لم يبلْغه سواه، حتى إن الرشيد اتخذ ثوبًا له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر جملة، ولم يكن للرشيد صبرٌ عنه.

стр. 803

وكان الرشيد - أيضًا - شديد المحبة لأخته العباسة ابنة المهدي، وهي من أعز النساء عليه، ولا يقدر يفارقها، فزوَّجها لجعفر ليحِلَّ لهما أن يجتمعا فقط من غير أن يَقْرَبها، فتزوجها على هذا الشرط. ثم تغير الرشيد عليه وعلى البرامكة كلِّهم آخرَ الأمر، ونكبهم، وقتل جعفرًا، واعتقل أخاه الفضل، وأباه يحيى إلى أن ماتا. واختُلف في سبب تغير الرشيد، فقيل: إن سببه: أن جعفرًا دخل بعباسة خفية، وكانت هي السبب في ذلك، وحملت منه، وأتت بولد، ولما خافت ظهور الأمر، بعثت به إلى مكة، فلما بلغ الرشيدَ ذلك، قصد الحج، وتوجه إلى مكة، وبحث عن هذا الأمر، فوجده صحيحًا، فأضمر الشرَّ للبرامكة. وقيل: إن الرشيد سلَّم إلى جعفرٍ يحيى بنَ عبد الله بنِ الحسين الخارجَ (١) عليه، وحبسه عنده، فخدعه يحيى، فأطلقه جعفر، وبعث معه مَنْ أدلَّه إلى مأمنه، فكان ذلك سببًا لتغير الرشيد. وقيل غير ذلك. وقتل الرشيد جعفرًا بموضع يقال له: الغمز (٢) من الأنبار، في يوم السبت سلخ المحرم. وقيل: مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومئة.

стр. 804

ومن أعجبِ ما يؤرخ من تقلبات الدنيا بأهلها: ما حكاه محمد بن غسان: أن عبد الرحمن القاسمي قال: دخلت على والدتي في يوم نحر، فوجدت عندها امرأة في ثياب رثَّة، فقالت لي والدتي: أتعرف هذه؟ فقلت: لا، قالت: هذه عتابة أمُّ جعفرٍ البرمكي، فأقبلتُ عليها بوجهي، وأكرمتُها، وتحادثنا زمانًا، ثم قلت: يا أم جعفر! ما أعجبُ ما رأيتِ؟ قالت: يا بني! لقد أتى عليَّ عيدٌ مثلُ هذا، وعلى رأسي أربع مئة وصيفة، وإني لأَعُدُّ ابني عاقًّا لي؛ لعدم إنصافه لي، ولقد أتى علي هذا العيدُ، وما أملك إلا جلدَ شاتين، أفترش أحدَهما، والتحف بالآخر. قال: فدفعت لها خمس مئة درهم، فكادت تموت فرحا بها، ولم تزل تختلف إلينا حتى فرَّق الموت بيننا. * * * ١١٢ - أبو الفضل جعفر بن الأفضل (١) بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، المعروف بابن حِنْزابة: كان وزير بني الإخشيد بمصر مدَة إمارة كافور بملك مصر، ولما تولى كافور الملكَ، استقلَّ به، ثم انقلب عليه الأمر، واستتر مرّتين، ونُهبت دوره في أيام كافور. وكان عالما، ومحبًا للعلماء، ويملي الحديث بمصر وهو وزير.

стр. 805

ولد لثلاثٍ خلون من ذي الحجة، سنة ثمان وثلاث مئة، وتوفي يوم الأحد، ثالث عشر صفر، سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة بمصر. وكان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين، واشترى بالمدينة دارًا بالقرب من المسجد، ولم يكن بينها وبين الضريح النبوي سوى جدار واحد، وأوصى أن يُدفن فيها، ولما مات، حُمل تابوته من مصر إلى الحرمين، وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاءً بما أحسن إليهم، فحجُّوا به، وطافوا، ووقفوا بعرفة، ثم ردوه إلى المدينة، ودفنوه بالدّار المذكورة ﵀، وعفا عنه -. * * * ١١٣ - أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السرّاج، المعروف بالقاري البغدادي: كان حافظ عصره، وعلامة زمانه، وله التصانيف العجيبة، منها كتاب "مصارع العشاق"، وغيره، وله شعر حسن، منه: وَعَدْتِ بِأَنْ تَزُورِي كُلَّ شَهْرِ ... فَزُورِي قَدْ تَقَضَّى الشَّهْرُ زُورِي وَشُقَّةُ بَيْنَنَا تَهْوي (١) المُعَلَّى ... إِلَى البَلَدِ المُسَمَّى شَهْرَزورِ

стр. 806

وَأَشْهُرُ هَجْرِكِ المَحْتُومِ صِدْقٌ ... وَلَكِنْ شَهْرُ وَصْلِكِ شَهْرُ زُورِ ولد في أواخر سنة سبعَ عشرةَ وأربع مئة ببغداد، وتوفي بها ليلة الأحد، الحادي والعشرين من صفر، سنة خمس مئة. * * * ١١٤ - أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر، البلخيُّ المنجِّمُ المشهور: كان إمام وقته في فنه، وله التصانيف المفيدة في علم النجوم، وله إصابات عجيبة. ومن جملة وقائعه: أن بعض الملوك طلب رجلًا من أتباعه ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه، فاستخفى، وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطرائق التي تستخرج بها الخفايا، فأراد أن يعمل شيئًا يبعد عنه حدسه، فأخذ طستًا من نحاس، وجعل فيه دمًا، وجُعل في الدم هاوِنٌ من ذهب، وقعد على الهاون أيامًا، وطلب الملك ذلك الرجل، فعجز عنه، فطلب أبا معشر، وقال له: عرِّفني موضعه بما جرت عادتك به، فعمل مسألته التي يستخرج بها الخفايا، وسكت زمانًا حائرًا، فقال له الملك: ما سبب سكوتك وحيرتك؟ قال: سببًا عجيبًا، إني أرى المطلوب على جبل من ذهب، والجبل في بحر من دم، وحوله صور من نحاس، ولا أعلم في العالم موضعًا على هذه الصفة، فأمره بإعادة نظره، ففعل مرارًا، فلم ير إلا كما ذكر، فلما أيس الملك، نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن

стр. 807

أخفاه، فخرج الرجل، وحضر بين يدي الملك، فسأله عن أمره، فأخبره بما اعتمده، فأعجبه حسنُ احتياله في إخفاء نفسه، ولطافة أبي معشر في استخراجه. وله غير ذلك من الإصابات، توفي سنة اثنين وتسعين ومئتين. * * * ١١٥ - أبو عمرو جميل بن عبد الله بن مَعْمَر، الشاعر المشهور: هو صاحب بُثَينة، أحدُ عشاق العرب، عشقها وهو غلام، فلما كبر، خطبها، فَرُدَّ عنها، فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سرًا، ومنزلهما وادي القُرى، وديوان شعره مشهور، وجميل وبثينة كلاهما من بني عُذْرَة. ومن شعره من جملة قصيدة: إِذَا قُلْتُ: مَا بِي يَا بُثَيْنَةُ قَاتِلِي ... مِنَ الوَجْدِ قَالَتْ: ثَابِتٌ وَيَزِيدُ وَإِنْ قُلْتُ: رُدِّي بَعْضَ عَقْلِي أَعِشْ بِهِ ... بُثَيْنَةُ قَالَتْ: ذَاكَ منك بَعِيدُ ومن شعره - أيضًا -: وَإِنِّي لأَرْضَى مِنْ بُثَيْنَةَ بِالَّذِي ... لَوِ اسْتَيْقَنَ الرَّائِي لَقَرَّتْ بَلَابِلُهْ

стр. 808

بِلَا، وَبِأنْ لَا أَسْتَطِيع وبِالمُنَى ... وَبِالأَمَلِ المَرْجُوِّ قَدْ خَابَ آمِلُهْ وَبِالنَّظْرَةِ العَجْلَى وَبالحَوْلِ يَنْقَضِي ... أَوَاخِرُهُ لَا نَلْتَقِي وَأَوَائِلُه وذكر الزبير بن بَكَّار عن عباس بن سهل الساعدي، قال: بينا أنا بالشام، إذ لقيني رجل من أصحابي، فقال: هل لك في جميل؟ فإنه مريض نعوده؟ فدخلنا عليه وهو يجودُ بنفسه، فنظر إليَّ، ثم قال: يا بن سهل! ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قَطُّ، ولم يزنِ، ولم يقتل النفس، ولم يسرق، يشهد أن لا إله إلا الله؟ قلت: أَظن قد نجا، وأرجو له الجنة، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قلت: والله! ما أحسبك سَلِمْتَ، وأنت تُشَبِّبُ ببثينةَ منذ عشرين سنة، فقال: لا نالتني شفاعة محمد ﷺ ، وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، إن كنتُ وضعتُ يدي عليها لرِيبة، فما برحنا حتى مات (١). وأوصى رجلًا أنه إذا مات، يركب ناقته، ويلبس حلته، ويُشققها، ثم يعلو على شَرَف عند رهط بثينة، ويصيح بهذه الأبيات: قُومِي بُثَيْنَةُ فَانْدُبِي بِعَوِيل ... وَابْكِي خَلِيلَكِ دُونَ كُلِّ خَلِيلِ

стр. 809

وَلَقَدْ أَجُرُّ البُرْدَ (١) فِي وَادِي القُرَى ... نَشْوَانَ بَيْنَ مَزَارِعٍ وَنَخِيلِ ففعل الرجل ما أمره به جميل، فما فرغت البيتان، حتى خرجت بثينة كأنها بدر قد بدا في دُجُنَّة، فاستخبرته، فاخبرها بالحال، وأخرج حلَّته، فلما رأتها، صاحت، وصكَّت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها، ثم قالت: وَإِنَ سُلُوِّي عَنْ جَمِيلٍ لَسَاعةٌ ... مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِينُهَا سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ ... إِذَا مِتَّ بِأْسَاءُ الحَيَاةِ وَليِنُهَا قال الرجل: فما زلت باكيًا أكثر من يومين. * * * ١١٦ - أبو القاسم الجُنيد بن محمد بن الجنيد، الخزَّازُ القواريريُّ، الزاهدُ المشهور: أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه العراق، وكان شيخ وقته، وفريد عصره، وكلامُه في الحقيقة مشهور مدوَّن، وتفقه على أبي ثور صاحبِ الشافعي، وقيل: بل كان فقيها على مذهب سُفيان الثوريِّ.

стр. 810

وصحب خاله السَّرِي السَّقطي. وصحبه أبو العباس بن سُريج، وكان إذا تكلم في الأصول والفروع بكلامِ أعجبَ الحاضرين، فيقول: تدرون من أين لي هذا؟ هذا من بركة أبي القاسم الجُنيد. وتوفي الجنيد آخر ساعة من نهار الجمعة، سنة سبع وتسعين ومئتين (١)، وكان عند موته قد ختم القرآن الكريم، ثم ابتدأ بالبقرة، فقرأ سبعين آية، ثم مات. وإنما قيل له: الخزاز؛ لأنه كان يصنع الخزّ، والقواريري؛ لأن أباه كان قوايريًا. * * * ١١٧ - القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله، المعروف بالكاتب الرومي: كان من موالي المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي صاحبِ إفريقية، وجهزه إلى الديار المصرية؛ ليأخذها بعد موت كافور الأخشيدي، وسَيَّر معه العساكر، وهو المقدَّم، وكان رحيله من إفريقية يوم السبت، رابع عشر ربيع الأول، سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، وتسلم مصر يوم الثلاثاء، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان من السنة المذكورة،
следующие страницы →