← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَأَشْهُرُ هَجْرِكِ المَحْتُومِ صِدْقٌ ... وَلَكِنْ شَهْرُ وَصْلِكِ شَهْرُ زُورِ ولد في أواخر سنة سبعَ عشرةَ وأربع مئة ببغداد، وتوفي بها ليلة الأحد، الحادي والعشرين من صفر، سنة خمس مئة. * * * ١١٤ - أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر، البلخيُّ المنجِّمُ المشهور: كان إمام وقته في فنه، وله التصانيف المفيدة في علم النجوم، وله إصابات عجيبة. ومن جملة وقائعه: أن بعض الملوك طلب رجلًا من أتباعه ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه، فاستخفى، وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطرائق التي تستخرج بها الخفايا، فأراد أن يعمل شيئًا يبعد عنه حدسه، فأخذ طستًا من نحاس، وجعل فيه دمًا، وجُعل في الدم هاوِنٌ من ذهب، وقعد على الهاون أيامًا، وطلب الملك ذلك الرجل، فعجز عنه، فطلب أبا معشر، وقال له: عرِّفني موضعه بما جرت عادتك به، فعمل مسألته التي يستخرج بها الخفايا، وسكت زمانًا حائرًا، فقال له الملك: ما سبب سكوتك وحيرتك؟ قال: سببًا عجيبًا، إني أرى المطلوب على جبل من ذهب، والجبل في بحر من دم، وحوله صور من نحاس، ولا أعلم في العالم موضعًا على هذه الصفة، فأمره بإعادة نظره، ففعل مرارًا، فلم ير إلا كما ذكر، فلما أيس الملك، نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن

стр. 807

أخفاه، فخرج الرجل، وحضر بين يدي الملك، فسأله عن أمره، فأخبره بما اعتمده، فأعجبه حسنُ احتياله في إخفاء نفسه، ولطافة أبي معشر في استخراجه. وله غير ذلك من الإصابات، توفي سنة اثنين وتسعين ومئتين. * * * ١١٥ - أبو عمرو جميل بن عبد الله بن مَعْمَر، الشاعر المشهور: هو صاحب بُثَينة، أحدُ عشاق العرب، عشقها وهو غلام، فلما كبر، خطبها، فَرُدَّ عنها، فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سرًا، ومنزلهما وادي القُرى، وديوان شعره مشهور، وجميل وبثينة كلاهما من بني عُذْرَة. ومن شعره من جملة قصيدة: إِذَا قُلْتُ: مَا بِي يَا بُثَيْنَةُ قَاتِلِي ... مِنَ الوَجْدِ قَالَتْ: ثَابِتٌ وَيَزِيدُ وَإِنْ قُلْتُ: رُدِّي بَعْضَ عَقْلِي أَعِشْ بِهِ ... بُثَيْنَةُ قَالَتْ: ذَاكَ منك بَعِيدُ ومن شعره - أيضًا -: وَإِنِّي لأَرْضَى مِنْ بُثَيْنَةَ بِالَّذِي ... لَوِ اسْتَيْقَنَ الرَّائِي لَقَرَّتْ بَلَابِلُهْ

стр. 808

بِلَا، وَبِأنْ لَا أَسْتَطِيع وبِالمُنَى ... وَبِالأَمَلِ المَرْجُوِّ قَدْ خَابَ آمِلُهْ وَبِالنَّظْرَةِ العَجْلَى وَبالحَوْلِ يَنْقَضِي ... أَوَاخِرُهُ لَا نَلْتَقِي وَأَوَائِلُه وذكر الزبير بن بَكَّار عن عباس بن سهل الساعدي، قال: بينا أنا بالشام، إذ لقيني رجل من أصحابي، فقال: هل لك في جميل؟ فإنه مريض نعوده؟ فدخلنا عليه وهو يجودُ بنفسه، فنظر إليَّ، ثم قال: يا بن سهل! ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قَطُّ، ولم يزنِ، ولم يقتل النفس، ولم يسرق، يشهد أن لا إله إلا الله؟ قلت: أَظن قد نجا، وأرجو له الجنة، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قلت: والله! ما أحسبك سَلِمْتَ، وأنت تُشَبِّبُ ببثينةَ منذ عشرين سنة، فقال: لا نالتني شفاعة محمد ﷺ ، وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، إن كنتُ وضعتُ يدي عليها لرِيبة، فما برحنا حتى مات (١). وأوصى رجلًا أنه إذا مات، يركب ناقته، ويلبس حلته، ويُشققها، ثم يعلو على شَرَف عند رهط بثينة، ويصيح بهذه الأبيات: قُومِي بُثَيْنَةُ فَانْدُبِي بِعَوِيل ... وَابْكِي خَلِيلَكِ دُونَ كُلِّ خَلِيلِ

стр. 809

وَلَقَدْ أَجُرُّ البُرْدَ (١) فِي وَادِي القُرَى ... نَشْوَانَ بَيْنَ مَزَارِعٍ وَنَخِيلِ ففعل الرجل ما أمره به جميل، فما فرغت البيتان، حتى خرجت بثينة كأنها بدر قد بدا في دُجُنَّة، فاستخبرته، فاخبرها بالحال، وأخرج حلَّته، فلما رأتها، صاحت، وصكَّت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها، ثم قالت: وَإِنَ سُلُوِّي عَنْ جَمِيلٍ لَسَاعةٌ ... مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِينُهَا سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ ... إِذَا مِتَّ بِأْسَاءُ الحَيَاةِ وَليِنُهَا قال الرجل: فما زلت باكيًا أكثر من يومين. * * * ١١٦ - أبو القاسم الجُنيد بن محمد بن الجنيد، الخزَّازُ القواريريُّ، الزاهدُ المشهور: أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه العراق، وكان شيخ وقته، وفريد عصره، وكلامُه في الحقيقة مشهور مدوَّن، وتفقه على أبي ثور صاحبِ الشافعي، وقيل: بل كان فقيها على مذهب سُفيان الثوريِّ.

стр. 810

وصحب خاله السَّرِي السَّقطي. وصحبه أبو العباس بن سُريج، وكان إذا تكلم في الأصول والفروع بكلامِ أعجبَ الحاضرين، فيقول: تدرون من أين لي هذا؟ هذا من بركة أبي القاسم الجُنيد. وتوفي الجنيد آخر ساعة من نهار الجمعة، سنة سبع وتسعين ومئتين (١)، وكان عند موته قد ختم القرآن الكريم، ثم ابتدأ بالبقرة، فقرأ سبعين آية، ثم مات. وإنما قيل له: الخزاز؛ لأنه كان يصنع الخزّ، والقواريري؛ لأن أباه كان قوايريًا. * * * ١١٧ - القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله، المعروف بالكاتب الرومي: كان من موالي المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي صاحبِ إفريقية، وجهزه إلى الديار المصرية؛ ليأخذها بعد موت كافور الأخشيدي، وسَيَّر معه العساكر، وهو المقدَّم، وكان رحيله من إفريقية يوم السبت، رابع عشر ربيع الأول، سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، وتسلم مصر يوم الثلاثاء، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان من السنة المذكورة،

стр. 811

وصعد المنبر خطيبًا بها يوم الجمعة، لعشرٍ بقين من شعبان، ودعا لمولاه المعز، ووصلت البشارة إلى المعز بأخذ البلاد وهو بإفريقية في نصف شهر رمضان من السنة المذكورة، وأقام بها حتى وصل مولاه المعز، وهو نافذ الأمر. واستمر على علو منزلته، وارتفاع درجته، وكان محسنًا للناس، ولما جهز إلى مصر، كان عدة عسكره المجهز معه مئة ألف فارس، وما يزيد عن ألف ومئتي صندوق من المال، ونزل في ساحة موضع القاهرة اليوم، واختطَّ موضع القاهرة، ولما أصبح المصريون، حضروا إلى القائد للبناء (١)، فوجدوه قد حفر أساسَ القصر في الليل، وكان فيه زورات جاءت غير معتدلة، فلم تعجبه، ثم قال: حُفرت في ساعة سعيدة، فلا (٢) أغيرها. وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية، واسْمَهم من السكَّة، وعوض عن ذلك باسم مولاه المعزِّ، وأزال الشعار الأسود، وألبس الخطباء الثياب البيض. وفي يوم الجمعة، ثامن ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقب الخطبة: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ المصطفى، وعلى عليٍّ المرتضى، وعلى فاطمةَ البَتُول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهبَ الله عنهم

стр. 812

الرجس، وطهّرهم تطهيرًا، اللهمَّ وصلِّ على الأئمة الطاهرين آباءِ أمير المؤمنين. وفي يوم الجمعة، ثامن عشر ربيع الآخر، سنة تسع وخمسين، صلى القائد في جامع طولون، ودعا الخطيب له، وأذَّن بـ: حيَّ على خير العمل، وهو أول ما أُذِّن بمصر، ثم أُذِّن به في سائر المساجد، وسُرَّ جوهر بذلك، وكتب إلى المعز يُعلمه. وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة، وفرغ من بنائه في سابع شهر رمضان، سنة إحدى وستين وثلاث مئة، وجمع فيه الجمعة، وهو معروف الآن بالأزهر، بالقرب من باب البرقية، بينه وبين باب النصر. وأقام جوهر بمصر مستقلًا بالملك قبل وصول المعز إلى القاهرة أربعَ سنين وعشرين يومه. وتوفي جوهر يوم الخميس، لعشرٍ بقين من ذي القعدة، سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة بمصر، ولم يبق شاعر إلا ورثاه. * * *

стр. 813

حَرْفُ الحَاءِ ١١٨ - أبو تمَّام حبيب بن أوس بن الحارث: ونسبوه أن أباه كان نصرانيًا، وليس بصحيح. وكان أوحد عصره في صناعة الشعر، وله أذعن فحولُ الشعراء. وقيل: إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب، غير المقاطيع والقصار (١)، وكان يسقي الناس بالجرة ماءً بالجامع، وكان أسمر، طويلًا، فصيحًا، حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، توفي بالموصل، سنة إحدى وثلاثين ومئتين (٢)، وبنى عليه أبو نهشل الطوسيُّ قبةً خارج باب الميدان، ورثاه الحسن بن وهب بقصيدة، ومنها: فُجِعَ القَصِيدُ بِخَاتَمِ الشُّعَرَاءِ ... وَغَدِيرِ رَوْضَتِهَا حَبِيبِ الطَّائِي ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات وزيرُ المعتصم، وهو

стр. 814

يومئذٍ وزير، بقوله: نَبَأٌ لى مِنْ أَعْظَمِ الأَنْبَاءِ ... لَمَّا أَلمَّ مُقَلْقِلُ (١) الأَحْشَاءِ قَالُوا حَبِيبٌ قَدْ ثَوَى فَأَجَبْتُهُمْ ... نَاشَدْتُكُمْ لَا تَجْعَلُوهُ الطَّائِي * * * ١١٩ - أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن [أبي] عقيل ابن مسعود بن عامر بن مغيث (٢) بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي (٣) - وهو ثقيف -، الثقفيُّ: عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، ولدته أمه مشوَّهًا لا دُبُر له، فنقب عن دبره (٤)، وأبى أن يقبل ثدي أمه أو غيرها، فاعياهم أمرُه، فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث، وأمرهم أن يذبحوا له جَدْيًا أسود، وأن يُولغوه دمه، وإذا كان اليوم الثالث، أولغوه دم تيس أسود، ثم أولغوه دم أسود سالخًا، واطلوا به وجهه، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع،

стр. 815

ففعلوا به ذلك. فكان لا يصبر على سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدم عليها غيرُه، وكان له في الفتك وسفك الدماء والعقوبات غرائبُ لم يُسمع مثلُها. ولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، ثم ولاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فوليها عشرين سنة، فذلل أهلَها. وحكى أبو أحمد العسكري في كتاب "التصحيف": أن الناس غبروا يقرؤون في مصحف عثمان ﵁ نيفًا وأربعين سنة إلى أيام عبد الملك، ثم كثر التصحيف، وانتشر في العراق، ففزع الحجاج بن يوسف إلى كتابه (١)، وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات، فيقال: إن نصر بن عاصم قام بذلك، فوضع النقط أفرادًا وأزواجًا، وخالف بين أماكنها، فصار الناس زمانا لا يكتبون إلا منقوطًا، وكان مع استعمال النقط يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام، فكانوا يُتبعون النقطَ الإعجامَ. والحجاج هو الذي بنى مدينة واسط، وكان شروعه في بنائها سنة أربع وثمانين للهجرة، وفرغ منها سنة ست وثمانين، وسماها: واسط؛ لأنها بين الكوفة والبصرة. ولما حضرته الوفاة، أحضر منجِّمًا، فقال له: هل ترى في علمك ملكًا يموت في هذه السنة؟ قال: نعم، ولستَ هو، فقال: كيف؟ قال

стр. 816

المنجم؛ لأن الذي يموت اسمُه كليب، فقال الحجاج: أنا هو والله! بذلك كانت تسميني أمي كليبًا، وأوصى عند ذلك. وكان ينشد في مرض موته، والبيتان لعبيد بن شعبان بن عطل، وهما: يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا ... أَيْمَانهمْ أَنَّنَي مِنْ سَاكِنِي النَّارِ أَيَحْلِفُونَ عَلَى عَمْيَاءَ وَيْحَهُمُ (١) ... مَا ظَنُّهُمْ بِقَدِيمِ العَفْوِ غَفَّارِ؟ وكان مرضه بالآكلة، وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحمًا وعلقه في خيط، وسرحه في حلقه، وتركه ساعة، ثم أخرجه، وقد لصق به دود كثير. وسلّط الله عليه الزمهرير، فكانت الكوانين (٢) تُجعل حوله مملوءة نارًا، وتُدْنى منه حتى تحرق جلده، ولا يُحس بها، وأقام بهذه الحالة خمسة عشر يوما، وتوفي في شهر رمضان، وقيل: في شوال، سنة خمس وتسعين للهجرة، وعمره ثلاث وخمسون سنة، وكان بواسط، ودفن بها، وعُفِّي قبره، وأُجري عليه الماء.

стр. 817

وتقدم ذكر بعض أخباره مع عبد الله بن الزبير، وهدمه الكعبة، وغير ذلك من فعاله القبيحة في ترجمة عبد الملك بن مروان، وما اعتمده في حق الأخيار الصالحين. * * * ١٢٠ - أبو عبد الله الحارث بن أسد المُحاسبي، البصريُّ، الزاهدُ المشهور: أحدُ رجال الحقيقة، له كتب في الزهد والأصول، وكان قد ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئًا، قيل؛ لأن أباه كان يقول بالقدر، فرأى من الورع أنه لا يأخذ ميراثه، وقال: صحّت الرواية عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "لَا تتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى" (١)، ومات وهو محتاج إلى الدرهم. توفي سنة ثلاث وأرشين ومئتين، ونسبته بالمحاسبي؛ لأنه كان يحاسب نفسَه. * * * ١٢١ - أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون: ابنُ عمِّ ناصرِ الدولة، وسيفِ الدولة، كان فريدَ دهره، وشمسَ عصره أدبًا وفضلًا، وكرمًا وفروسية وشجاعة، وشعرُه مشهور، وكانت

стр. 818

الروم قد أسرته في غزواته مرّة بعد أخرى، وله في ذلك أشعار، منها: قَدْ كُنْتَ عُدَّتِي الَّتِي أَسْطُو بِهَا ... وَيَدِي إِذَا اشْتَدَّ الزَّمَانُ وَسَاعِدِي فَرُمِيتُ مِنْكَ بِضِدِّ مَا أَمَّلْتُهُ ... وَالمَرْءُ يَشْرَقُ بِالزُّلَالِ البَارِدِ وقتل في واقعة جرت بينه وبين موالي أسرته في سنة سبع وخمسين وثلاث مئة، ولطمت أمه وجهها إلى أن قلعت عينها لما بلغها وفاته. * * * ١٢٢ - أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول، المعروف بأبي نُوَاس الحَكَمِيُّ، الشاعرُ المشهور: ولد بالبصرة، ونشأ بها، ثم خرج إلى الكوفة، ثم صار إلى بغداد، وكان أبوه من جند مروان آخرِ ملوك بني أمية. سأله بعضهم عن نسبه، فقال: أغناني أدبي عن نسبي، فأمسك عنه. وكان واسع العلم، حافظًا، مع قلة كتبه، وكان المأمون يقول: لو وَصَفت الدنيا نفسَها، لما وصفت بمثل قول أبي نواس: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ وَابْنُ هَالِكٍ ... وَذُو نَسَبٍ فِي الهَالِكِينَ عَرِيقِ

стр. 819

إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ ... لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ وما أحسن ظنه بربِه حيثُ يقول: تَكَثَّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطَايَا ... فَإِنَّكَ بَالِغٌ رَبًّا غَفُورَا سَتُبْصِرُ إِنْ وَرَدْتَ عَلَيْهِ عَفْوًا ... وَتَلْقَى سَيِّدًا مَلِكًا كَبِيرَا تَعَضُّ نَدَامَةً كَفَّيْكَ مِمَّا ... فَظَعْتَ مَخَافَةَ النَّارِ السُّرُورَا وهذا من أحسن المعاني. وكان محمدُ الأمينُ بنُ هارونَ الرشيدِ سخط على أبي نُواس؛ لقضية جرت له معه، فتهدَّده بالقتل، وحبسَه، فكتب إليه من السجن: بِكَ أَسْتَجِيرُ مِنَ الرَّدَى مُتَعَوِّذًا ... مِنْ سَطْو بَاسِك وَحَيَاةِ رَأْسِكَ لَا أَعُودُ ... لِمِثْلِهَا، وَحَيَاةِ رَاسِك مَنْ ذَا يَكُونُ أَبَا نُوَاسِك ... إِنْ قَتَلْتَ أَبَا نُوَالسِك

стр. 820

وله معه وقائع كثيرة. ولد في سنة خمس، أو ست، وقيل: ثمان وثلاثين ومئة ببغداد، وإنما قيل له: أبو نواس؛ لذؤابتين كانتا تنوس على عاتقيه. وأمره مشهور في الخلاعة، ومنادمة الخلفاء، واللهو - عفا الله عنه -. توفي في جمادى الأولى، سنة خمس وتسعين ومئة، وكان عمره تسعا وخمسين سنة. * * * ١٢٣ - أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف الضَّبِّيُ، المعروف بابن وكيع، الشاعرُ المشهور: أصله من بغداد، ومولده بِبُسْت (١)، كان بارعًا، وكان في لسانه عُجمة، ويقال له: الفاطن (٢)، ومن شعره: إِنْ كَانَ قَدْ بَعُدَ اللّقَاءُ فَوُدُّنَا ... بَاقٍ وَنَحْنُ عَلَى النَّوَى أَحْبَابُ كَمْ قَاطِع لِلوَصْلِ يُؤْمَنُ وُدُّهُ ... وَمُوَاصِلٍ بِوِدَادِهِ يُرْتَابُ

стр. 821

وله كل معنى حسن. توفي يوم السبت، لسبعِ بقين من جمادى الأولى، سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة بمدينة بُست. ووكيعٌ لقب جده أبي بكر محمد بن خلف، كان نائبا في الحكم بالأهواز للجواليقي، وكان فاضلًا نبيلًا فصيحًا، له مصنفات كثيرة، وشعر، توفي في سادس ربيع الأول، سنة ست وثلاث مئة ببغداد. * * * ١٢٤ - أبو بكر الحسن بن علي بن أحمد بن بشار بن زياد، المعروف بابن العلَّاف، الضريرُ، الشاعرُ، المشهور: وكان من الشعراء المجيدين، وكان ينادم المعتضد بالله. وكان له هِرٌّ يأنس به، فكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه، وكل أفراخها، وتكرر ذلك منه، فمسكه أربابها، وذبحوه، فرثاه بقصيدة طويلة، عددها خمسة وستون بيتا، فمنها: يَا هِرُّ فَارَقْتَنَا وَلَمْ تَعُد ... وَكُنْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلِ الوَلَد ومنها: فَلَمْ تَزَلْ لِلحَمَامِ مُرْتَصِدًا ... حَتَّى سُقِيتَ الحِمَامَ بِالرَّصَدِ

стр. 822

توفي سنة ثمان عشرة وثلاث مئة، وعمره مئة سنة. * * * ١٢٥ - أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون، المهلبيُّ (١) الوزيرُ: كان وزير معز الدولة بن بُويه الديلمي، تولى الوزارة يوم الاثنين، لثلاثٍ بقين من جمادى الأولى، سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، وكان من ارتفاع القدر، واتساع الصدر، وعلو الهمة، وقبض الكف على ما هو مشهور به، وكان غاية في الأدب، والمحبة لأهله، وكان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة والضائقة، وكان قد سافر مرّة، ولقي في سفره مشقة صعبة، واشتهى اللحم، فلم يقدر عليه، فقال ارتجالًا: أَلَا مَوْتٌ يُبَاعُ فَأَشْتَرِيهِ ... فَهَذَا العَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ أَلَا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ ... تَصَدَّقَ بِالوَفَاةِ عَلَى أَخِيه إِذَا أَبْصَرْتُ قَبْرًا مِنْ بَعِيد ... وَدِدْتُ بِأَنّنَي مِمَّا يَلِيه وكان معه رفيق له يسمى: أبا عبد الله الصوفي، فلما سمع الأبيات،

стр. 823

اشترى له بدرهم لحمًا، وطبخه، وأطعمه له، وتفارقا. وتقلبت بالمهلبي الأحوال، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة، وضاقت الأحوال برفيقه الذي اشترى له اللحم، وبلغه وزارة المهلبي، فقصده، وكتب إليه: أَلَا قُلْ لِلوَزِيرِ - فَدَتْهُ نَفْسِي - ... مَقَالَةَ مُذْكِرٍ مَا قَدْ نَسِيهِ أتذْكُر إِذْ تَقُولُ لِضَنْكِ عَيْشٍ ... أَلَا مَوْتٌ يُبَاعُ فَأَشتَرِيهِ فلما وقف عليها هزته أريحية الكرم، وأمر له بسبع مئة درهم، ووقَّع في رقعته: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ثم دعا به، وخلع عليه، وقلده عملًا يرتفق به. ولما تولى المهلبي الوزارة بعد تلك الضائقة، أنشد: رَقَّ الزَّمَانُ لِفَاقَتِي ... وَرَثَى لِطُولِ تَحَرُّقي فَأَنَالَنِي مَا أَرْتَجِـ ... ـيه وَحَادَ عَمَّا أتَّقِي فَلأَصْفَحَنْ عَمَّا جَنَا ... هُ مِنَ الذُّنُوبِ السُّبَّقِ

стр. 824

حَتَّى جِنَايَتَهُ بِمَا ... فَعَلَ المَشِيبُ بِمَفْرِقِي توفي يوم السبت، لثلاثٍ بقين من شعبان، سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة في طريق واسط، وحُمل إلى بغداد، فوصل إليها في خمس خلون من رمضان من السنة [المذكورة]. * * * ١٢٦ - أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد، المعروفُ بالفَرَّاء، البغويُّ، الفقيهُ الشافعيُّ: المحدث المفسّر، كان بحرًا في العلوم، وصنف في تفسير كلام الله تعالى، وأوضح المشكلات من قول النبي ﷺ ، وشهرتُه تغني عن المزيد في ذكر علومه، توفي في شوال سنة عشر وخمس مئة. والفراء: نسبة لعمل الفِراء، والبغوي: نسبة إلى بلدة يقال لها: بَغْ، بين مَرْوٍ وهِراة بخراسان. * * * ١٢٧ - أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج، الزاهدُ المشهورُ: نشأ بواسط والعراق، وصحب الجنيدَ وغيرَه. والناس مختلفون في أمره، فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يكفّره، والله متولي السرائر.

стр. 825

وكان يتكلم بكلام أوجبَ الإنكارَ عليه، منه: أنا الحق، وقوله: ما في الجبة إلا الله، والإطلاقات التي ينبو السمع عنها وعن ذكرها، واعتذر عنه أبو حامد الغزالي في "مشكاة الأنوار"، وحمل هذه الألفاظ على محامل حسنة، وأَوَّلها، وقال: هذا كله من فرط المحبة، وشدة الوَجْد. وكان جده مجوسيًا، وصحب أبا القاسم الجنيد ومَنْ في طبقته، وأفتى كثير من علماء عصره بإباحة دمه، وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير الإمام المقتدر، ثم إن الوزير رأى له كتابا: أن الإنسان إذا أراد الحج، ولم يمكنه، أفرد من داره بيتًا نظيفًا من النجاسات، ولا يدخله أحد، وإذا حضرت أيام الحج، طاف حوله، وفعلَ ما يفعله الحجاج بمكة، ثم يجمع ثلاثين يتيمًا، ويعمل أجودَ طعام يمكنه، ويطعمهم في ذلك البيت، ويكسوهم، ويعطي كل واحد سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك، كان كمن حج، فأمر الوزير بقراءة ذلك قدام القاضي أبي عمرو، فقال القاضي للحلاج: من أين لك هذا" قال: من كتاب "الإخلاص" للحسن البصري، فقال القاضي: كذبتَ يا حلال الدم، قد سمعناه بمكة، وليس فيه هذا، وطالب الوزير القاضيَ أبا عمرو أن يكتب خطه بما قاله: أنه حلال الدم، فدافعه القاضي، فألزمه الوزير، فكتب بإباحة دم الحلاج، وكتب بعده من حضر المجلس، فلما سمع الحلاج ذلك، قال: أيحلُّ لكم دمي، وديني الإسلام، ومذهبي السنة، ولي فيها كتب موجودة؟ فاللهَ اللهَ في دمي.

стр. 826

وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله، وأرسل الفتاوى بذلك، فأذن المقتدر في ذلك، فضُرب ألف سوط، ثم قُطعت يده، ثم رجله، ثم قُتل، وأحرق بالنار، ونُصب رأسه ببغداد، وكان قتله في شهر ذي القعدة، سنة تسع وثلاث مئة. * * * ١٢٨ - الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا: الحكيمُ المشهور: كان أبوه من أهل بلخ، وانتقل إلى بخارى، ثم تولى العمل بقرية يقال لها: خرمين (١) من قرى بخارى، فولد بها أبو علي المذكور. وانتقل الرئيس بعد ذلك في البلاد، واشتغل بالعلوم وحصَّل الفنون، ثم رغب في علم الطب، وتأمل كتبه، ففاق فيه الأوائل والأواخر في أقل مدة، وأصبح فيه عديمَ القرين، وسنُّه - إذ ذاك - ستَّ عشرة سنة، وانتقلت به الأحوال حتى تولى الوزارة لشمس الدولة، وصنف كتبا في فنون شتى، وله رسائل بديعة، وهو أحد فلاسفة المسلمين، وله شعر، منه: اجْعَلْ غِذَاءَكَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً ... وَاحْذَرْ طَعَامًا قَبْلَ هَضْمِ طَعَامِ وَاحْفَظْ مَنِيَّكَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّهُ ... مَاءُ الحَيَاةِ يُصَبّ فِي الأَرْحَامِ

стр. 827

ولد في صفر، سنة سبعين وثلاث مئة، وتوفي في همدان، يوم الجمعة من رمضان، سنة ثمان وعشرين وأربع مئة، ودفن بها. * * * ١٢٩ - أبو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر، الشاعرُ البصريُّ المعروفُ بالخليع: مولى لولد سليمان بن ربيعة الباهلي الصحابي، وأصله من خراسان، وهو شاعر ماجن مطبوع، حسن الصناعة في ضروب الشعر وأنواعه، واتصل في مجالس الخلفاء إلى ما لم يتصل إليه إلا إسحاق النديم الموصلي؛ فإنه قارنه، وساواه، ومن شعره: صِلْ بِخَدِّي خَدَّيْكَ تَلْقَى عَجِيبًا ... مِنْ مَعَانٍ يَحَارُ فِيهَا الضَّمِيرُ فَبِخَدَّيْكَ لِلرَّبِيعِ رِيَاضٌ ... وَبِخَدَّيَّ لِلدُّمُوعِ غَدِيرُ توفي سنة خمسين ومئتين. * * * ١٣٠ - أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد ابن الحجاج: الكاتب المشهور، ذو المجون والخلاعة والسخف في شعره، والغالب عليه الهزل.

стр. 828

تولى حِسبة بغداد، ثم عُزل بأبي سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي، وتوفي يوم الثلاثاء، السابع والعشرين من جمادى الآخرة، سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة بالنيل - بلدة على الفرات بين بغداد والكوفة، خرج منها جماعةٌ من العلماء - وحُمل إلى بغداد، ودفن عند مشهد موسى ابن جعفر، وكان أوصى أن يدفن عند رجليه، وأن يكتب على قبره: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]. وكان من كبار [الشعراء] الشيعة، ورآه بعد موته بعض أصحابه في المنام، فسأله عن حاله، فأنشد: أَفْسَدَ سُوءُ مَذْهَبِي ... فِي الشِّعْرِ حُسْنَ مَذْهَبِي لَمْ يَرْضَ مَوْلَايَ عَلَى ... سَبِّي لأِصْحَابِ النَّبِي * * * ١٣١ - العميد فخر الكتاب أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد، الملقب: مؤيد الدين، الأصبهانيُّ المنشئ المعروف بالطُّغَرائي: كان غزير الفضل، لطيف الطبع، ومن محاسن: قصيدته المعروفة بلامية العجم، عملها ببغداد سنة خمس وخمس مئة، يصف حاله، ويشكو زمانه، وهي مشهورة.

стр. 829

ذكر أنه قتل في سنة خمس عشرة وخمس مئة (١)، وقد جاوز ستين سنة. وولي الوزارة بمدينة إربل، وكان وزير للسلطان مسعود في الدولة السلجوقية بالموصل، وكان السببَ في قتله الكمالُ السميري نظامُ الدين أبو طالب وزير محمود أخي السلطان مسعود، قال عن الطغرائي: هذا ملحِد اقتلوه؛ لخوفه من فضله، اعتمد قتله، وقُتل الكمال يوم الثلاثاء سلخ صفر، سنة ست عشرة وخمس مئة في السوق ببغداد عند المدرسة النظامية. قيل: قتله عبدٌ أسودُ كان للطغرائي؛ لأنه قتل أستاذه. * * * ١٣٢ - أبو عمرو، وقيل: أبو يحيى حماد بن عمرو بن كليب، الكوفيُّ، وقيل: الواسطيُّ، المعروف بِعَجْرَد، الشاعرُ المشهور: وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وهو من الشعراء المجيدين، وكان ماجنا ظريفًا خليعًا، متَّهمًا في دينه بالزندقة، ومن شعره: فَأَقْسَمْتُ لَوْ أَصْبَحْتَ فِي قَبْضَةِ الهَوَى ... لأَقْصَرْتَ عَنْ لَوْمِي وَأَطْنَبْتَ فِي عُذْرِي

стр. 830

وَلَكِنْ بَلَائِي مِنْكَ أَنَّكَ نَاصِحٌ ... وَأَنَّكَ لَا تَدْرِي بِأَنَّكَ لَا تَدْرِي توفي سنة إحدى وستين ومئة، قتله محمد بن سليمان بن علي عاملُ البصرة بظاهر الكوفة على الزندقة. * * * ١٣٣ - أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة الكوفي، المعروف بالزيات، مولى البكرية (١)، التميميُّ: وكان أحد القراء السبعة، وعنه أخذ الكسائي القراءة، وأخذ هو عن الأعمش. وقيل له: الزَّيَّات؛ لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان. توفي سنة ست وخمسين ومئة بحلوان، وله ست وسبعون سنة. وحُلوان - بضم الحاء - مدينة في آخر سواد العراق مما يلي الجبل. * * * ١٣٤ - حُنين بن إسحاق العبادي الطبيب المشهور: إمامُ وقتهِ

стр. 831

في صناعة الطب، وكان يعرف لغة اليونانيين، وهو الذي عَرَّب كتاب إقليدس وغيره، وله في الطب مصنفات مفيدة. توفي يوم الثلاثاء، لستٍّ خلون من صفر، سنة ستين ومئتين. * * *

стр. 832

حَرْفُ الخَاءِ المُعْجَمَة ١٣٥ - أبو هاشم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي: كان من أعلم قريش بفنون العلم، وله كلام في صنعة الكيمياء والطب، وكان متقنًا لهما، وله رسائل دالة على معرفته وبراعته، وله أشعار جيدة، منها: تَجُولُ خَلَاخِيلُ النِّسَاءِ فَلَا أَرَى ... لِرَمْلَةَ خَلْخَالًا يَجُولُ وَلَا قُلْبَا أُحِبُّ بِنَي العَوَّامِ مِنْ أَجْلِ حُبِّهَا ... وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبا وهي طويلة. توفي خالد سنة خمس وثمانين للهجرة. * * * ١٣٦ - الشيخ خليفة بن مسعود، المغربيُّ الجابريُّ - من بني

стр. 833

جابر -، الشيخُ العالم الصالح القدوة، صاحب الكرامات. مولده سنة تسع وأربعين وسبع مئة، واشتغل ببلاده، وقدم إلى بيت المقدس على طريقة السياحة في سنة أربع وثمانين وسبع مئة، فحج ورجع، وظهرت له مكاشفات، ثم ولي مشيخة المغاربة، وإمام المالكية، واشتهر أمره. توفي يوم السبت، مستهل ذي القعدة، سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة، ودفن بماملا، وكان أسود بصاصًا - رحمه الله تعالى -. * * * ١٣٧ - أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم، الفراهيديُّ: كان إمامًا في علم النحو، وهو الذي استنبط علمَ العروض، وأخرجه إلى الوجود. قيل: إنه دعا بمكة أن يُرزق علمًا لم يسبقه إليه أحد، ولا يؤخذ إلا عنه، فلما رجع من حجه، فتح عليه بعلم العروض. ومن كلامه: لا يعلم الإنسان أخطاء معلمه حتى يجالس غيره. ويقال: إنه أنشد، ولم يذكره لنفسه ولا لغيره: يَقُولُونَ لِي دَارُ الأَحِبَّةِ قَدْ دَنَتْ ... وَأَنْتَ كَئِيبٌ إِنَّ ذَا لَعَجِيب فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي الدِّيَارُ وَقُرْبُهَا ... إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ القُلُوبِ قَرِيبُ

стр. 834

وعنه أخذ سيبويه علومَ الأدب. ويقال: إن أباه أحمد أولُ من سمي بأحمد بعد رسول الله ﷺ . ولد في سنة مئة للهجرة، وتوفي سنة سبعين، أو خمس وسبعين ومئة بالبصرة، وكان سبب موته: أنه قال: أريد [أن] أقرب نوعًا من الحساب تمضي به الجارية إلى البياع، فلا يمكنه ظلمها، ودخل المسجد، وهو يُعمل فكره في ذلك، فصدمته سارية وهو غافل عنها بفكره، فانقلب على ظهره، فكانت سبب موته. * * * ١٣٨ - أبو الجيش خُمارَوَيه بن أحمد بن طولون: لما توفي أبوه، اجتمع الجند على توليته مكانه، فولي وهو ابن عشرين سنة، في أيام المعتمد على الله، فلما مات المعتمد، أقره المعتضد على عمله، وتزوج المعتضد ابنته قطرَ الندى سنة إحدى وثمانين ومئتين (١)، وكان صَداقُها ألفَ ألفِ درهم، وكانت موصوفة بفرط الجمال والعقل، جةَزها والدها بجهاز لم يُعمل مثلُه، قيل: كان له ألف هاون ذهبًا. وتوفي خمارويه قتلًا، قتله غلمانه بدمشق على فراشه ليلة الأحد، لثلاثٍ بقين من ذي القعدة، سنة اثنتين وثمانين ومئتين، وعمره اثنتان وثلاثون سنة، وحمل إلى مصر، ودفن بسفح المقطَّم.

стр. 835

ولما حُملت قطر الندى إلى المعتضد، خرجت معها عمتها عباسةُ بنة أحمد بن طولون مُشَيِّعَةً لها من مصر إلى جهة الشام، نزلت بالطريق، وضربت فساطيطها، وَبنَتْ هناك قرية سمتها باسمها يقال لها: العبّاسة، وهي إلى الآن عامرة، ولها جامع حسن، وسوق قائم. * * * ١٣٩ - القاضي غرس الدين خليل بن أحمد بن محمد بن عبد الله السخاوي ﵀: جليسُ الحضرة الشريفة الظاهرية ومشيرُها. مولده في سنة ثمان وسبعين وسبع مئة، وكان صحب الظاهر جقمق قبل السلطنة، فلما تسلطن، قدَّمه، وولاه نظر الحرمين، فقدم القدس في مستهل ربيع الأول، سنة أربع وأربعين وثمان مئة، ثم توجه إلى مصر، فتوفي بها في إحدى الجمادَيْن سنة سبع وأربعين وثمان مئة ﵀، وعفا عنه -. * * * ١٤٠ - صلاح الدين العلائي خليل بن كيكلدي العلائي: الحافظ الكبير. ولد سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وهو آخر من حدَّث عن أبي حيان بالبلاد الشامية، وكان نزيلَ القدس الشريف، وكان إمامًا علامة، أفتى ودرَّس وناظر، وله مآثرُ حميدة، ومصنفات مفيدة، وكان مدرِّس الصلاحية ببيت المقدس المعظم، توفي في ربيع الآخر، وقيل: في

стр. 836

رمضان سنة اثنتين وثمان مئة، وقيل: بل كانت وفاته في ثالث المحرم، سنة إحدى وسبعين (١) وسبع مئة. * * * ١٤١ - قاضي القضاة خير الدين أبو المواهب الحسني، خليل ابن عيسى بن عبد الله العجمي: ولي قضاء القدس من برقوق سنة أربع وثمانين وسبع مئة، وهو أول من ولي قضاء الحنفية بالقدس الشريف، وكانت سيرته حسنة، ثم تولى تدريس المعظَّمية، وتوفي بالقدس الشريف في صفر، سنة إحدى وثمان مئة. وولي عوضه موفق الدين قاضي العسكر بمصر، سُقي السمّ مع بكلمش بالمدرسة البلدية، فمات معه، وسُقي شمس الدين الديري، لكنه لم يُكثر، فمرض طويلاً، وعوفي، وكان شهاب الدين بن النقيب حاضراً، فاعتذر بالصوم. * * *

стр. 837

حَرْفُ الدَّالِ المُهْمَلَة ١٤٢ - أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني، الإمامُ المشهور، المعروفُ بالظاهري: كان زاهداً كثير الورع، وكان من أكثر الناس تعصباً للإمام الشافعي، وكان صاحبَ مذهب مستقل، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، وكان من عقلاء الناس. ولد بالكوفة سنة اثنتين ومئتين، ونشأ ببغداد، وتوفي بها سنة سبعين ومئتين في ذي القعدة، وأصله من أصفهان. * * * ١٤٣ - أبو علي دِعْبِل بن علي بن رَزين بن سليمان بن إبراهيم ابن نَهْشَل: أصلُه من الكوفة، وأقام ببغداد، وقيل: دعبل لقبه، واسمه الحسن، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: محمد، وكنيته أبو جعفر، وكان شاعراً مجيداً إلا أنه كان مولَعاً بالهجاء والحطِّ على أعيان الناس، وهجا الخلفاء ومَنْ دونهم، وهجا المأمون، فقال فيه:

стр. 838

أَيَسُومُنِي المَأْمُونُ خُطَّةَ جَاهِلٍ ... أَوَ مَا رَأَى بِالأَمْسِ رَأْسَ مُحَمَّدِ إِنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ سُيُوفُهُمْ ... قَتَلَتْ أَخَاكَ وَشَرَّفَتْكَ بِمَقْعَدِ شَادُوا بِذِكْرِكَ بَعْدَ طُولِ خُمُودِهِ ... وَاسْتَنْقَذُوكَ مِنَ الحَضْيضِ الأَوْهَدِ وسامحه المأمون، ولم يؤاخذه بذلك. توفي سنة ست وأربعين ومئتين بالطبيب، وهي بلدة بين واسط العراق وكور الأهواز. * * * ١٤٤ - أبو بكر دُلَف بن حجر (١)، وقيل: جعفر بن يونس - وهذا مكتوب على قبره - المعروف بالشِّبلي، الصالحُ المشهور، الخراساني الأصل، البغدادي المولد والمنشأ: كان جليلَ القدر، مالكيَّ المذهب، صحب الجنيدَ ومَنْ في عصره، وكان في مبدأ أمره والياً في دُنْباوَند، فلما مات خَيْرٌ النسّاجُ قال (٢) لأهلها: كنت والي بلدكم، فاجعلوني في حِلٍّ،

стр. 839

ومجاهداته في أول أمره فوق الحد. دخل يوماً على شيخه الجنيد، فوقف بين يديه، وصفق بيديه، وأنشد: عَوَّدُونِي الوِصَالَ وَالوَصْلُ عَذْبُ ... وَرَمَوْنِي بِالصَّدِّ وَالصَّدُّ صَعْبُ زَعَمُوا حِينَ أَزْمَعُوا أَنَّ ذَنْبِي ... فَرْطُ حُبِّي لَهُمْ وَمَا ذَاكَ ذَنْبُ لاَ وَحَقِّ الخُضُوعِ عِنْدَ التَّلاَقِي ... مَا جَزَا من يُحِبُّ إِلا يُحَبُّ توفي يوم الجمعة، لليلتين بقيتا من سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة ببغداد، ودفن بمقبرة الخيزران، وعمره سبع وثمانون سنة. والشبلي: نسبة إلى شبلة، وهي قرية وراء النهر في نواحي رستاق الري في الجبال (١). * * *

стр. 840

حَرْفُ الذَّالِ المُعْجَمَة ١٤٥ - أبو المطاع ذو القرنين بن أبي المظفر حمدان بن ناصر الدولة أبي (١) محمد الحسن الثعلبي، الملقب: وجيه الدولة: كان شاعراً ظريفاً، حسنَ السّبك، جميل المقاصد، ومن شعره قوله: إِنِّي لأَحْسُدُ لاَ فِي أَسْطُرِ الصُّحُفِ ... إِذَا رَأَيْتُ اعْتِنَاقَ اللاَّمِ لِلأَلِف وَمَا أَظُنُّهُمَا طَالَ اعْتِنَاقُهُمَا ... إِلاَّ لِمَا لَقِيَا مِنْ شِدَّةِ الشَّغَفِ وكان قد وصل إلى مصر في أيام الظاهر بن الحاكم العُبيدي صاحبِها، فقلده ولاية الإسكندرية وأعمالها في رجب، سنة أربع عشرة وأربع مئة، وأقام بها سنة، ثم رجع إلى دمشق، وتوفي في صفر، سنة ثمان وعشرين وأربع مئة. * * *

стр. 841

حَرْفُ الرَّاءِ ١٤٦ - أم الخير رابعة بنة إسماعيل العَدَوِيَّةُ البصرية: مولاةُ آل عقيل (١)، الصالحةُ المشهورة، كانت من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة، وكانت تقول في مناجاتها: إلهي تحرق بالنّار قلباً يحبك؟ فهتف بها مرة هاتفٌ: ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء. ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم كما تكتموا سيئاتكم. وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب "عوارف المعارف": إِنِّي جَعَلْتُكَ فِي الفُؤَادِ مُحَدِّثِي ... وَأَبَحْتُ جِسْمِي مَنْ أَرَادَ جُلوسِي فَالجِسْمُ مِنِّي لِلْجَلِيسِ مُؤَانِسٌ ... وَحَبِيبُ قَلْبِي فِي الفُؤَادِ أَنِيسِي

стр. 842

توفيت في سنة خمس وثمانين ومئة، وقبرها يُزار، وهو ظاهر القدس من شرقيه، على رأس جبل الطور - رحمها الله تعالى -. * * * ١٤٧ - أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، المراديُّ بالولاء، المؤذِّنُ، المصريُّ، صاحبُ الإمام الشافعي. وقال الشافعي في حقه: الربيعُ راويتي. وهو آخر من روى عنه بمصر. ومن كلام الربيع: صَبْراً جَمِيلاً مَا أَسْرَعَ الفَرَجَا ... مَنْ صَدَّقَ اللهَ فِي الأُمُورِ نَجَا مَنْ خَشِيَ اللهَ لَمْ يَنَلْهُ أَذَى ... وَمَنْ رَجَا اللهَ كَانَ حَيْثُ رَجَا توفي يوم الاثنين، لعشرٍ بقين من شوال، سنة سبعين ومئتين بمصر، ودفن بالقرافة. والمرادي: نسبة إلى قبيلة باليمن. * * * ١٤٨ - أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، واسمه كيسان، مولى الحارث مولى عثمان ﵁: كان حاجبَ

стр. 843

أبي جعفر المنصور، ثم وَزَرَ له بعد أبي أيوب المرزباني، وكان كثير الميل إليه، حسن الاعتماد عليه. قال له يوماً: يا ربيع! سل حاجتك، قال: حاجتي أن تحب الفضلَ ابني، فقال له: ويحك! إن المحبة تقع بأسباب، فقال له: قد أمكنك الله من إيقاع سببها، قال: وما ذاك؟ قال: تُفْضِل عليه، فإنك إذا فعلت ذلك، أحبك، وإذا أحبك، أحببته. وقال له المنصور يوماً: ويحك يا ربيع! ما أطيبَ الدنيا لولا الموت، فقال له: ما طابت إلا بالموت، قال: وكيف ذاك؟ قال: لولا الموت، لم تقعد هذا المقعد، قال: صدقت. وكانت وفاة الربيع في أول سنة سبعين ومئة، وقيل: إن الهادي سَمَّه، وكان مرضه ثمانية أيام، وإنما قيل لجده: أبو فروة؛ لأنه دخل المدينة وعليه فروة، فاشتراه عثمان ﵁، وأعتقه وجعل يحفر القبور، وكان من سبي جبل الخليل ﵇، وقطيعة الربيع التي ببغداد منسوبة إليه، وهي محلة كبيرة مشهورة، أقطعَها له المنصور. * * * ١٤٩ - أبو المقدام رجاء بن حَيْوَة بن جَرْوَل الكِنْدي: من العلماء، وكان يجالس عمر بن عبد العزيز ﵁. وذكر عنه: أنه بات ليلة عنده، وهمَّ السراج أن يخمل، ولعله في أيام خلافته، فقام إليه رجاءُ ليصلحه، فأقسم عليه عمر لَتقعدنَّ، وقام هو

стр. 844

فأصلحه، قال: فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: قمت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر. وكان عبد الملك بن مروان حين حضر إلى بيت المقدس، وأمر ببناء القبة على الصخرة الشريفة، أرصد للعمارة مالاً كبيراً، يقال: إنه خَراجُ مصر سبع سنين، ووضعه بالقبة الكائنة في قبلة الأرض المكشوفة أمام القبة من جهة المشرق، وجعلها حاصلاً، وهي من ناحية الزيتون، ووكَّلَ على صرف المال في عمارة المسجد والقبة وما يحتاج إليه رجاءَ ابنَ حيوةَ المذكور، وضم إليه رجلاً يدعى: يزيد بن سلام. ويقال: إن عبد الملك وصف ما يختاره من عمارة القبة وتكوينها للصناع، فصنعوا له وهو ببيت المقدس القبة الصغيرة التي هي شرقي قبة الصخرة التي يقال لها: قبة السلسلة، فأعجبه تكوينها، وأمر ببنائها كهيئتها. ثم إن رجاءً صرف المال في ذلك، فلما كمل وتم، أرسل إلى عبد الملك يخبره أنه فضل من المال مئتا ألف درهم، فأعاد الجواب عليه وعلى يزيد: هي لكما جائزة نظير ما حصل لكما من المشقة، فكتبا إليه: نحن أولى أن نبيع حلي نسائنا، فضلاً عن أموالنا، ونصرفه في عمارة هذا المسجد الشريف، وما قبلا ذلك، فأمرهما أن تسبك وتفرع على ظاهر القبة. ثم بعد انتقال الخلافة إلى الوليد انهدم شرقي المسجد، ولم يكن في بيت المال حاصل، فأمر بضرب ذلك، وإنفاقه على ما انهدم منه.

стр. 845

وكان ابتداء عمارة قبة الصخرة في سنة ست وستين، فكملت سنة ثلاث وسبعين من الهجرة. وكان منعَ عبدُ الملك الناسَ من الحج؛ لئلاَّ يميلوا إلى ابن الزبير، فضجُّوا، فبعث رجاءً ويزيدَ المذَكورين لبناء ذلك، وفُرشت القبة بالرخام الملون، وغيرِه من البُسُط الملونة، وعمل فيه صورة الصراط، وباب الجنة، وقدم الرسول، ووادي جهنم؛ ليشغل الناس بذلك عن الحج، فكان ابن الزبير يشنِّع على عبد الملك بذلك. وتوفي رجاءٌ سنة اثنتي عشرة ومئة، وكان رأسه أحمر، ولحيته بيضاء - رحمه الله تعالى -. * * *
следующие страницы →