← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

حَرْفُ الرَّاءِ ١٤٦ - أم الخير رابعة بنة إسماعيل العَدَوِيَّةُ البصرية: مولاةُ آل عقيل (١)، الصالحةُ المشهورة، كانت من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة، وكانت تقول في مناجاتها: إلهي تحرق بالنّار قلباً يحبك؟ فهتف بها مرة هاتفٌ: ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء. ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم كما تكتموا سيئاتكم. وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب "عوارف المعارف": إِنِّي جَعَلْتُكَ فِي الفُؤَادِ مُحَدِّثِي ... وَأَبَحْتُ جِسْمِي مَنْ أَرَادَ جُلوسِي فَالجِسْمُ مِنِّي لِلْجَلِيسِ مُؤَانِسٌ ... وَحَبِيبُ قَلْبِي فِي الفُؤَادِ أَنِيسِي

стр. 842

توفيت في سنة خمس وثمانين ومئة، وقبرها يُزار، وهو ظاهر القدس من شرقيه، على رأس جبل الطور - رحمها الله تعالى -. * * * ١٤٧ - أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، المراديُّ بالولاء، المؤذِّنُ، المصريُّ، صاحبُ الإمام الشافعي. وقال الشافعي في حقه: الربيعُ راويتي. وهو آخر من روى عنه بمصر. ومن كلام الربيع: صَبْراً جَمِيلاً مَا أَسْرَعَ الفَرَجَا ... مَنْ صَدَّقَ اللهَ فِي الأُمُورِ نَجَا مَنْ خَشِيَ اللهَ لَمْ يَنَلْهُ أَذَى ... وَمَنْ رَجَا اللهَ كَانَ حَيْثُ رَجَا توفي يوم الاثنين، لعشرٍ بقين من شوال، سنة سبعين ومئتين بمصر، ودفن بالقرافة. والمرادي: نسبة إلى قبيلة باليمن. * * * ١٤٨ - أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، واسمه كيسان، مولى الحارث مولى عثمان ﵁: كان حاجبَ

стр. 843

أبي جعفر المنصور، ثم وَزَرَ له بعد أبي أيوب المرزباني، وكان كثير الميل إليه، حسن الاعتماد عليه. قال له يوماً: يا ربيع! سل حاجتك، قال: حاجتي أن تحب الفضلَ ابني، فقال له: ويحك! إن المحبة تقع بأسباب، فقال له: قد أمكنك الله من إيقاع سببها، قال: وما ذاك؟ قال: تُفْضِل عليه، فإنك إذا فعلت ذلك، أحبك، وإذا أحبك، أحببته. وقال له المنصور يوماً: ويحك يا ربيع! ما أطيبَ الدنيا لولا الموت، فقال له: ما طابت إلا بالموت، قال: وكيف ذاك؟ قال: لولا الموت، لم تقعد هذا المقعد، قال: صدقت. وكانت وفاة الربيع في أول سنة سبعين ومئة، وقيل: إن الهادي سَمَّه، وكان مرضه ثمانية أيام، وإنما قيل لجده: أبو فروة؛ لأنه دخل المدينة وعليه فروة، فاشتراه عثمان ﵁، وأعتقه وجعل يحفر القبور، وكان من سبي جبل الخليل ﵇، وقطيعة الربيع التي ببغداد منسوبة إليه، وهي محلة كبيرة مشهورة، أقطعَها له المنصور. * * * ١٤٩ - أبو المقدام رجاء بن حَيْوَة بن جَرْوَل الكِنْدي: من العلماء، وكان يجالس عمر بن عبد العزيز ﵁. وذكر عنه: أنه بات ليلة عنده، وهمَّ السراج أن يخمل، ولعله في أيام خلافته، فقام إليه رجاءُ ليصلحه، فأقسم عليه عمر لَتقعدنَّ، وقام هو

стр. 844

فأصلحه، قال: فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: قمت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر. وكان عبد الملك بن مروان حين حضر إلى بيت المقدس، وأمر ببناء القبة على الصخرة الشريفة، أرصد للعمارة مالاً كبيراً، يقال: إنه خَراجُ مصر سبع سنين، ووضعه بالقبة الكائنة في قبلة الأرض المكشوفة أمام القبة من جهة المشرق، وجعلها حاصلاً، وهي من ناحية الزيتون، ووكَّلَ على صرف المال في عمارة المسجد والقبة وما يحتاج إليه رجاءَ ابنَ حيوةَ المذكور، وضم إليه رجلاً يدعى: يزيد بن سلام. ويقال: إن عبد الملك وصف ما يختاره من عمارة القبة وتكوينها للصناع، فصنعوا له وهو ببيت المقدس القبة الصغيرة التي هي شرقي قبة الصخرة التي يقال لها: قبة السلسلة، فأعجبه تكوينها، وأمر ببنائها كهيئتها. ثم إن رجاءً صرف المال في ذلك، فلما كمل وتم، أرسل إلى عبد الملك يخبره أنه فضل من المال مئتا ألف درهم، فأعاد الجواب عليه وعلى يزيد: هي لكما جائزة نظير ما حصل لكما من المشقة، فكتبا إليه: نحن أولى أن نبيع حلي نسائنا، فضلاً عن أموالنا، ونصرفه في عمارة هذا المسجد الشريف، وما قبلا ذلك، فأمرهما أن تسبك وتفرع على ظاهر القبة. ثم بعد انتقال الخلافة إلى الوليد انهدم شرقي المسجد، ولم يكن في بيت المال حاصل، فأمر بضرب ذلك، وإنفاقه على ما انهدم منه.

стр. 845

وكان ابتداء عمارة قبة الصخرة في سنة ست وستين، فكملت سنة ثلاث وسبعين من الهجرة. وكان منعَ عبدُ الملك الناسَ من الحج؛ لئلاَّ يميلوا إلى ابن الزبير، فضجُّوا، فبعث رجاءً ويزيدَ المذَكورين لبناء ذلك، وفُرشت القبة بالرخام الملون، وغيرِه من البُسُط الملونة، وعمل فيه صورة الصراط، وباب الجنة، وقدم الرسول، ووادي جهنم؛ ليشغل الناس بذلك عن الحج، فكان ابن الزبير يشنِّع على عبد الملك بذلك. وتوفي رجاءٌ سنة اثنتي عشرة ومئة، وكان رأسه أحمر، ولحيته بيضاء - رحمه الله تعالى -. * * *

стр. 846

حَرْفُ الزَّاي ١٥٠ - أبو عبد الله الزبير بن بكار (١) - وكنيته أبو بكر - بن عبد الله ابن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوَّام، القرشيُّ الأسديُّ الزبيريُّ: كان من أعيان العلماء، وتولى القضاء بمكة، وصنف الكتب النافعة. توفي بمكة وهو قاضٍ عليها ليلة الأحد، لسبعِ ليال بقين من ذي القعدة، سنة ست وخمسين ومئتين، وعمره أربع وثمانون سنة. * * * ١٥١ - أم جعفر زُبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم: وهي أم الأمين محمد، كان لها معروف كبير، وفعلُ خير في الحج، وسَقَتْ أهلَ مكة الماءَ بعد أن كانت الراوية عندهم بدينار، وأسالت الماء عشرة أميال، وعملت عقبة البستان، وكان لها مئة جارية يحفظن القرآن. وكان اسمها: أَمَة العزيز، ولقَّبها جدُّها أبو جعفر المنصور: زبيدة،

стр. 847

وعَرَّس بها هارون الرشيد سنة خمس وستين ومئة، وتوفيت سنة ست عشرة ومئتين في جمادى الأولى ببغداد - رحمها الله تعالى - وتوفي أبوها جعفر بن المنصور سنة ست وثمانين ومئة. * * * ١٥٢ - أبو الهُذيل زُفَر بن الهذيل بن قيس بن سليم بن قيس بن مكمل بن ذهل بن ذؤيب بن جذيمة بن عمرو بن حرب (١) بن العنبر ابن تميم بن مر بن أُد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الفقيهُ الحنفيُّ: كان قد جمع بين العلم والعبادة، وكان من أصحاب الحديث، ثم غلب عليه الرأي، وهو قياس أصحاب أبي حنيفة ﵁، ومولده سنة عشر ومئة (٢). * * * ١٥٣ - أبو دُلامة زَنْد بن الجَوْن: كان صاحب نوادرَ وحكايات، وأدب ونظم، وكان أسود عبداً حبشياً. ومن نوادره: أنه توفي لأبي جعفر المنصور ابنةُ عم، فحضر جنازتها، وجلس لدفنها وهو متألم لفقدها، كئيبٌ عليها، فأقبل أبو دلامة، وجلس قريباً منه، فقال له المنصور: ويحك! ما أعددت لهذا

стр. 848

المكان، وأشار إلى القبر؟ فقال: ابنة عم أمير المؤمنين، فضحك المنصور حتى استلقى على قفاه، ثم قال له: ويحك! فضحتنا بين الناس. ولما قدم المهدي بن المنصور من الري إلى بغداد، دخل عليه أبو دلامة للسلام والتهنئة بقدومه، فأقبل عليه المهدي، وقال له: كيف أنت يا أبا دلامة؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إِنِّي حَلَفْتُ لَئِنْ رَأَيْتُكَ سَالِماً ... بِقُرَى العِرَاقِ وَأَنْتَ ذُو وَفْرِ (١) لَتُصَلِّيَنَّ (٢) عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... وَلَتَمْلأَنَّ دَرَاهِماً حِجْرِي فقال له المهدي: أما الأول فنعم، وأما الثاني فلا، فقال: جعلني الله فداك! إنهما كلمتان لا يُفَرَّق بينهما، فقال: تُملأ حِجْرُ أبي دلامة دراهم، فقعد، وبسط حجره، فملئ دراهم، فقال: قم الآن يا أبا دلامة، فقال: يتخرق قميصي يا أمير المؤمنين، حتى أشيل الدراهم وأقوم، فردها في الأكياس، ثم قام. وله أشعار كثيرة. وكانت وفاته سنة إحدى وستين ومئة، ويقال: إنه عاش إلى أيام الرشيد، وكانت ولاية الرشيد سنة سبعين ومئة. * * *

стр. 849

١٥٤ - أبو الفضل زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن ابن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبي، الملقَّب بهاء الدين الكاتب: من فضلاء عصره، وأحسنهم نظماً ونثراً وخَطًّا، ومن أكبرهم مروءة. وكان قد اتصل بخدمة الصالح نجم الدين بن أبي الفتح أيوب ابن الكامل بالديار المصرية، وكان متمكناً منه، كبيرَ القدر عنده، وكان لا يتوسط عنده إلا بخير، ونفع خلقاً كثيراً بحسن سفارته، ومن شعره: يَا رَوْضَةَ الحُسْنِ صِلِي ... فَمَا عَلَيْكِ ضَيْرُ فَهَلْ رَأَيْتِ رَوْضَةً ... لَيْسَ لَهَا زُهَيْرُ وشعره كله لطيف، وديوانه كثير بأيدي الناس. ولد في خامس ذي الحجة، سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة بمكة، وتوفي قبيل المغرب من يوم الأحد، رابع ذي القعدة، سنة خمس وستين وست مئة (١)، ودفن من الغد بعد الظهر بالقرب من تربة الشافعي ﵁ من جهة القبلة. * * * ١٥٥ - قاضي القضاة زكريا زين الدين أبو محمد بن شمس الدين محمد الأنصاري الشافعي: شيخ الإسلام، العالم الصالح، مفتي الديار

стр. 850

المصرية، درَّس وأفتى، وصنَّف شرح "البهجة"، ونفذت كلمته، وعظم أمره عند السلطان فمَنْ دونه، ولي القضاء بالديار المصرية عوضاً عن قاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي الشافعي، وكانت ولايته في يوم الثلاثاء، ثالث شهر رجب الفرد، سنة ست وثمانين وثمان مئة، على كُرْهٍ منه. ثم في سنة اثنتين وتسعين وثمان مئة طالبه السلطان بعمل حساب الأوقاف؛ بسبب شكوى شخص يقال له: تاج الدين بن شرف على معلوم له، ثم اعتقل السلطانُ عليٌّ عمالَ قاضي القضاة، ومباشري الأوقاف المشمولة بنظره، وألزمهم بحساب الأوقاف، فاستمروا في التراسيم مدة تزيد على ثلاث سنين، ثم أفرج عنهم - ولله الحمد - بعد مشقة حصلت لهم، وتكدَّر خاطر قاضي القضاة بسببهم، ومراجعته السلطان في أمرهم مرة بعد أخرى، وهو مستمر في الولاية إلى تاريخه (١). * * *

стр. 851

حَرْفُ السَّينِ ١٥٦ - أبو نصر سابور بن أزدشير الملقب: بهاء الدولة، [وزير] أبي نصر بن عضد الدولة بن بُوَيْه الديلمي: كان من أكابر الوزراء، وأماثل الرؤساء، جمعت فيه الدراية والكفاية، وكان بابه محطَّ الشعراء، فمن جملة مَن مدحه: أبو الفرج الببغاء بقوله: لُمْتُ الزَّمَانَ عَلَى تَأْخِيرِهِ طَلَبِي ... فَقَالَ مَا وَجْهُ لَوْمِي وَهْوَ مَحْظُورُ فَقُلْتُ: لَوْ شِئْتَ مَا فَاتَ الغِنَى أَمَلِي ... فَقَالَ: أَخْطَأْتَ بَلْ لَوْ شَاءَ سَابُورُ وَقَدْ تَقَبَّلْتُ هَذَا النُّصْحَ مِنْ زَمَنِي ... وَالنُّصْحُ حَتَّى مِنَ الأَعْدَاءِ مَشْكُورُ لُذْ بِالوَزِيرِ أَبِي نَصْرٍ وَسَلْ شَطَطاً ... وَاسْرِفْ فَإِنَّكَ فِي الإِسْرَافِ مَعْذُورُ ولد بشيراز في ذي القعدة، ليلة السبت، خامس عشرها، سنة ست

стр. 852

وثلاثين وثلاث مئة، وتوفي في سنة ست عشرة وأربع مئة ببغداد. وسابور: أصله: شاه بور، فعرِّب، وأولُ من سُمي به: سابور بن أزدشير أحدُ ملوك الفرس، ومعناه بالفارسية: دقيق طيب، وقيل: أزد بالعجمي: دقيق، وشير: الحليب. * * * ١٥٧ - أبو الحسن سَرِيُّ بن المغلس السَّقَطي: أحد رجال الطريقة وأربابِ الحقيقة، كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد، وهو خال الجنيد، وأستاذه، وكان تلميذَ معروفٍ الكرخي، وكان كثيراً [ما] ينشد: إِذَا مَا شَكَوْتُ الحُبَّ قَالَتْ: كَذَبْتَنِي ... فَمَالِي أَرَى الأَعْضَاءَ مِنْكَ كَوَاسِيَا فَلاَ حُبَّ حَتَّى يَلْصقَ الجِلْدُ بِالحَشَا ... وَتَذْهَلَ حَتَّى لاَ تُجِيبَ المُنَادِيَا توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: في رمضان سنة ست وخمسين، وقيل: سبع وخمسين ومئتين ببغداد، ودفن إلى جانب قبر الجنيد. * * * ١٥٨ - أبو الحسن السَّرِيُّ بن أحمد بن السّري، الكنديُّ، الرَّفَّاءُ الموصليُّ، الشاعرُ المشهورُ: كان في صباه يرفو ويطرز، وهو مولَع بالأدب، ونظم الشعر، ولم

стр. 853

يزل حتى جاد شعره، ومَهَر فيه، فمن شعره يذكر فيه صناعته: وَكَانَتِ الإِبْرَةُ فِيمَا مَضَى ... صَائِنَةً وَجْهِي وَأَشْعَارِي فَأَصْبَحَ الرِّزْقُ بِهَا ضَيِّقًا ... كَأَنَّهُ مِنْ ثَقْبِهَا جَارِي ومن محاسن شعره: يَلْقَى النَّدَا بِرَقيقِ وَجْهٍ مُسفِرٍ ... فَإِذَا الْتَقَى الجَمْعَانِ عَادَ صَفْيِقَا رَحْبَ المَنَازِلِ مَا أَقَامَ فَإِنْ سَرَى ... فِي جَحْفَلٍ تَرَكَ الفَضَاءَ مَضِيقَا توفي سنة نيف وستين وثلاث مئة ببغداد، وقيل في [سنة اثنتين وستين وثلاث مئة، وقيل: سنة أربع وأربعين و] ثلاث مئة. * * * ١٥٩ - أبو الفوارس سعيد بن محمد بن سعيد (١) بن الصيفي، التميميُّ، الملقَّب: شهاب الدين، المعروف بحَيْصَ بَيْصَ، الشاعرُ المشهور: كان فقيهاً شافعي المذهب، تفقه بالريّ، وتكلم في الخلاف،

стр. 854

وغلب عليه الأدبُ ونظمُ الشعر، وأخذ الناس عنه نظماً ونثراً، وأدباً وفضلاً، غير أنه كان فيه تِيهٌ وتعاظمُ، وكان لا يخاطب أحداً إلا بالكلام العربي. وقال الشيخ نصر الله بن مجلِّي - وكان من ثقات أهل السنة -: رأيت في المنام عليَّ بن أبي طالب ﵁، فقلت له: يا أمير المؤمنين! تقتحمون (١) مكة، فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتمُّ على ولدك الحسينِ يومَ الطفِّ ما تم؟ ! فقال لي: أما سمعت أبيات ابنِ الصيفي في هذا؟ فقلت: لا، فقال: اسمعها منه. ثم استيقظت، فبادرت إلى دار حيصَ بيصَ، فخرج إليَّ، فذكرت له الرؤيا، فشهق، وأعلن بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد، وإن كنت قد نظمتها إلا في ليلتي هذه، ثم أنشدني: مَلَكْنَا فَكَانَ العَفْوُ مِنَّا سَجِيَّةً ... فَلَمَّا مَلَكْتُمُ سَالَ بِالدَمِ أَبْطَحُ وَحَلَلْتُمُ قَتْلَ الأَسَارَى وَطَالَمَا ... غَدَوْناَ عَلَى الأُسَرَاءِ نَعْفُو وَنَصْفَحُ وَحَسْبُكُمُ هَذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَنَا ... وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ

стр. 855

وإنما قيل له: حيص بيص؛ لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة، وأمر شديد، فقال: ما للناس في حيصَ وبيصَ؟ أي: شدّة واختلاط. وكانت وفاته سادس شعبان، سنة أربع وسبعين وخمس مئة ببغداد، ولم يعقب ولداً. * * * ١٦٠ - أبو المعالي سعيد (١) بن علي بن القاسم بن علي بن القاسم الأنصاري الخزرجي، الورَّاق الحظيريُّ، المعروف بدلاَّل الكتب: له نظم جيد، وألَّف مجاميعَ، من شعره: وَمُعَذَّرٍ فِي خَدِّهِ ... وَرْدٌ وَفِي فَمِهِ مُدَامْ مَا لاَنَ لي حَتَّى تَغَشَّى ... صُبْحَ سَالِفِهِ ظَلاَمْ كَالمُهْرِ يَجْمَحُ تَحْتَ رَا ... كِبِهِ وَيَعْطِفُهُ اللِّجَامْ وله - أيضاً -: أَحْدَقَتْ ظُلْمَةُ العِذَارِ بِخَدَّيْـ ... ـهِ فَزَادَتْ فِي حُبِهِ حَسَرَاتِي

стр. 856

قُلْتُ: مَاءُ الحَيَاةِ فِي فَمِهِ العَذْ ... بِ دَعُونِي أَخُوضُ فِي الظُّلُمَاتِ وله معانٍ نفيسة، توفي يوم الاثنين، الخامس والعشرين من صفر، سنة ثمان وخمسين وخمس مئة (١) ببغداد. ونسبته بالحَظِيري - بالحاء المهملة والظاء المعجمة المكسورة - إلى موضع فوق بغداد يقال له: الحظير، وثَمَّ ثياب منسوبة إليه. * * * ١٦١ - أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد، سعيدُ بن جبير بن هشامٍ، الأسديُّ بالولاء: مولَى بني والبةَ بن الحارث، كوفي، أحد أعلام التابعين، وكان أسود. أخذ العلم عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃، وقرأ القرآن في ركعة في البيت الحرام، وأُحضر إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، فقال له: يا شقيُّ بن كُسَير! وسأله عن أشياء، فأجابه، ثم قال: فما أخرجك عليَّ؟ فقال: بيعةٌ كانت فيَّ لابن الأشعث، فغضب الحجاج، ثم قال: فما كانت بيعة أمير المؤمنين عبدِ الملك في عنقك من قبل؟ والله! لأقتلنك، يا حربي! اضرب عنقه، فضرب عنقه، وذلك في شعبان،

стр. 857

سنة خمس، وقيل: أربع وتسعين بواسط، ودفن في ظاهرها، وله تسع وأربعون سنة. وقال أحمد بن حنبل ﵁: قتل الحجاجُ سعيدَ بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه. ثم مات الحجاج بعده في رمضان من السنة، وقيل: بستة أشهر، ولم يسلِّطه الله تعالى بعده على قتل أحد حتى مات. ويقال: إن الحجاج لما حضرته الوفاة كان يغوص ثم يفيق، ويقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟ ! ورُئي في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة، وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة. وحكى أن سعيد بن جبير كان يلعب بالشطرنج استدباراً. * * * ١٦٢ - أبو محمد (١) سعيد بن المسيب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، القرشيُّ المدنيُّ: أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان سعيد المذكور سيدَ التابعين من الطراز الأول، جمع بين الحديث والفقه، والزهد والعبادة، سمع سعدَ بن أبي وقاص، والزهريَّ، وأبا هريرة، ودخل على أزواج النبي ﷺ ، وأخذ منهن، وأكثر

стр. 858

رواية المسند عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته، وحج أربعين حجة، وقيل: إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وكان في خلافة عثمان رجلاً، وتوفي بالمدينة سنة إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: خمس وتسعين للهجرة. * * * ١٦٣ - أبو محمد سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله بن سعيد ابن محمد، المعروف بابن الدَّهَّان، النحويُّ الأنصاريُّ البغداديُّ: كان سيبويهِ عصره، وله في النحو التصانيفُ المفيدة، وكان انتقل إلى الموصل، وخلَّف كتبه ببغداد، فاستولى الغرق تلك السنة على البلد، فغرقت الكتب، وكان أفنى عمره في تحصيلها، فلما حملت إليه، أشاروا عليه أن يُطيبها بالبخور، فبخَّرها باللاذن، ولازم ذلك، فطلع إلى رأسه وعينيه، فأحدث له العمى، وكف بصره. ولد في رجب، سنة أربع وتسعين وأربع مئة ببغداد، وتوفي في شوال سنة تسع وستين وخمس مئة بالموصل. وكان له ولد [وهو] أبو زكريا يحيى بن سعيد [وكان] أديبا وشاعراً، من شعره: وَعَهْدِي بِالصِّبَا زَمَناً وَقَدِّي ... حَكَى أَلِفَ [ابْنِ] مُقْلَةَ فِي الكِتَابِ

стр. 859

فَصِرْتُ الآنَ مُنْحَنِياً كَأَنِّي ... أُفَتِّشُ فِي التُّرَابِ عَلَى الشَّبَابِ ولد في أوائل سنة تسع وستين وخمس مئة، وتوفي بالموصل سنة ست عشرة وست مئة. * * * ١٦٤ - أبو عبد الله سُفيانُ بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع، الثوريُّ الكوفيُّ: كان إماماً في علم الحديث وغيره من العلوم، وأجمع الناس على دينه وورعه، وهو أحد الأئمة المجتهدين. ويقال: إن الجنيد ﵁ كان على مذهبه. وسمع الأعمش ومَنْ في طبقته، وسمع منه الأوزاعي، ومالك، وتلك الطبقة. ودخل على المهدي، فسلم تسليم العامة، ولم يسلم بالخلافة، فأكرمه المهدي، وكتب عهده على قضاء الكوفة، على أن لا يُعْتَرض عليه، ودُفع إليه، فأخذه، وخرج، فرمى به في دجلة، وهرب، فطُلب في كل بلدة، فلم يوجد، ولما أن امتنع من قضاء الكوفة، وتولى شريك ابن عبد الله النخعي، قال الشاعر: تَحَرَّزَ سُفْيَانٌ وَفَرَّ بِدِيِنِهِ ... وَأَمْسَى شريكٌ مرصداً لِلدَّرَاهِمِ

стр. 860

ولد سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع وتسعين للهجرة، وتوفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومئة، متوارياً من السلطان، ودفن عشاء - رحمه الله تعالى -، ولم يعقب. * * * ١٦٥ - أبو محمد سُفيان بن عُيينة بن أبي عمران الهلاليُّ، ورهط ميمونةَ زوجِ النبي ﷺ ، وقيل: مولى بني هاشم، وقيل: مولى الضحاك ابن مزاحم، وأصله من الكوفة، وقيل: ولد بها، ونقله أبوه إلى مكة، وكان إماماً عالماً، وحج سبعين حجة، روى عنه الإمام الشافعي ﵁، وخلقٌ كثير. وقال سفيان: دخلت الكوفة ولم يتمَّ لي عشرون سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظُ علمِ ابنِ دينار. ولد بالكوفة في منتصف شعبان، سنة سبع ومئة، وتوفي يوم السبت، آخر جمادى الآخرة، سنة ثمان وتسعين ومئة بمكة، ودفن بالحَجُون: وهو جبل بأعلى مكة عنده مدافنُ أهلها. * * * ١٦٦ - مجد الدين أبو البركات سالم بن سالم بن أحمد بن أحمد، المقدسيُّ الحنبليُّ: قاضي القضاة بالديار المصرية، كان يُعد من فقهاء الحنابلة وأخيارهم، باشر القضاء أكثر من ثلاثين سنة بتواضع وعفة، وتوفي في يوم الخميس، تاسع عشري ذي العقدة، سنة ست وعشرين

стр. 861

وثمان مئة، وكان قد عزل بقاضي القضاة علاء الدين بن مغلي، فقال بعضهم عند عزله له: قَضَى المَجْدُ قَاضِي الحَنْبَلِيَّةِ نَحْبَهُ ... بِعَزْلٍ وَمَا مَوْتُ الرِّجَالِ سِوَى العَزْلِ وَقَدْ كَانَ يُدْعَى قَبْلَ ذَلِكَ سَالِماً ... فَخَالَطَهُ فَرْطُ انْسِهَالٍ مِنَ المَغْلِي ومات بعد أن ابتلي بالزمانة والعطلة عدة سنين، وتوفي وقد نيف على الثمانين سنة ﵀، وعفا عنه -. * * * ١٦٧ - أبو الفتح سُلَيم بن أيوب بن سُلَيم، الرازيُّ الشافعيُّ الأديبُ: كان مشاراً إليه في الفضل والعبادة، وصنَّف الكتب الكثيرة المعتبرة، وكان لا يخلو وقتاً عن قراءة القرآن، حتى إنه كان إذا برى القلم، قرأ القرآن، أو سبّح، ثم غرق في بحر القُلْزُم عند رجوعه من الحج، عند ساحل جدَّة، في سلخ صفر، سنة سبع (١) وأربعين وأربع مئة، وكان عمره نيفاً وثمانين سنة، ودفن بجزيرة عند المخاضة من طريق عبدان. والرازي: نسبة إلى الرّي، وهي: مدينة عظيمة من الديلم بين قوس

стр. 862

والجبال، وألحقوا الزاي فيها؛ كما ألحقوا في المروزي عند نسبته إلى مَرْو. * * * ١٦٨ - أبو محمد سليمان بن مهران مولى بني كاهل من ولد الأسد، المعروفُ بالأعمش، الكوفيُّ، الإمام المشهور: قدم أبوه الكوفة وامرأته حامل بالأعمش، فولدته بها، رأى أنسَ بنَ مالك، وكلَّمه، ولكنه لم يُرز [ق] السماع عليه، وما يرويه عن أنس، فهو إرسال، أخذه عن أصحاب أنس، ولقي كبار التابعين. وكان لطيف الخلق مزَّاحاً، جاءه أصحاب الحديث ليسمعوا عليه، فخرج إليهم، وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغضُ إليَّ منكم، ما خرجت إليكم. وجرى بينه وبين زوجته يوماً كلامٌ، فدعا رجلاً يصلح بينهما، فقال لها الرجل: لا تنظري إلى عموشة عينيه، وحموشة ساقيه (١)، فإنه إمام، وله قدر، فقال له: أخزاك الله! ما أردت إلا أن تعرفها عيوبي. ولد سنة ستين للهجرة، وقيل: ولد يوم مقتل الحسين في يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين (٢). * * *

стр. 863

١٦٩ - قاضي القضاة سعد الدين سعد ابن قاضي القضاة شمس الدين محمد الديريُّ الحنفيُّ: شيخ الإسلام، كان إماماً عالماً. مولده في سابع عشر رجب، سنة ثمان وستين وسبع مئة. والديري: نسبة إلى قرية بمردا يقال لها: الدّير، وانتهت إليه رئاسة الديار المصرية، وكان والده قاضي قضاتها، وقرره الملكُ المؤيد شيخٌ في مشيخة جامعه الذي أنشأه بباب زويلة، ولما توفي، استقر ولده الشيخ سعد الدين في المشيخة عوضاً عنه، ثم ولي قضاء قضاة الديار المصرية في خامس عشر المحرم، سنة اثنتين وأربعين وثمان مئة، في أيام الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباي، بوساطة الملك الظاهر جقمق، حين كان المتصرف في المملكة، ثم لما استقر الظاهر جقمق في السلطنة، عظم أمره في أيامه، وعَلَت رتبته، ونفذت كلمته، واستمر في القضاء نحو خمس وعشرين سنة إلى أيام الملك الظاهر خشقدم، ثم ضعف بصره، وطعن في السن، وصار عمره نحو مئة سنة، فعزل نفسَه في أوائل سنة سبع وستين وثمان مئة، وولى عوضه قاضي القضاة محب الدين محمد أبو الفضل بن الشحنة، فعظُم ذلك على قاضي القضاة سعد الدين، وشقَّ عليه. ثم توفي بعد مدة يسيرة في ليلة الجمعة، عاشر شهر ربيع الآخر

стр. 864

من السنة المذكورة، ودفن بتربة الملك الظاهر خشقدم ﵀ وعفا عنه -. وكان شكلاً حسناً، بهي المنظر، منور الوجه، من نظمه: ما كتبه على إجازة لابن عذيبة المؤرخ: يَا مُقْتَدِراً جَلَّ عَنِ الأَشْبَاهِ ... مَنْ لَيْسَ سِوَاهُ آمِراً أَوْ نَاهِي الْطُفْ بِعَبْدِكَ الضَّعِيفِ السَّاهِي ... سَعْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الله وسأله السلطان مرة عن سبب وقوع الطاعون، فقال: لما خالفوا في وضع ما هم، عوقبوا بأخذ ما هم. وقال في قولة: "حبُّ الدنيا رأسُ كُلِّ خَطيئة": إنَّ حُبَّ الدينارِ أُسُّ كلِّ خطيئة. وله في ذلك لطائفُ كثيرة - رحمه الله تعالى -. * * *

стр. 865

حَرْفُ الّشِينِ المُعْجَمَة ١٧٥ - أبو أمية شُرَيح بن الحارث بن قيس: كان من التابعين، وأدرك الجاهلية، واستقضاه عمر بن الخطاب ﵁ على الكوفة، فأقام قاضياً خمساً وستين سنة، لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير، واستعفى الحجاجَ بنَ يوسف من القضاء، فأعفاه، ولم يقض بين اثنين حتى مات، وكان أعلم الناس بالقضاء. وتزوج امرأة من بني تميم تسمى زينب، فنقم عليها، فضربها، ثم ندم فقال: رَأَيْتُ رِجَالاً يَضْرُبونَ نِسَاءَهُمْ ... فَشَلَّتْ يَمِيِني يَوْمَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا أَأَضْرِبُهَا مِنْ غَيْرَ ذَنْبٍ أَتَتْ بِه ... فَمَا العَدْلُ مِنِّي ضَرْبُ مَنْ لَيْسَ مُذْنِبَا فَزَيْنَبُ شَمْسٌ وَالنِّسَاءُ كَوَاكِبٌ ... إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبَا

стр. 866

وكانت وفاة شريح سنة تسع (١) وثمانين للهجرة، وهو ابن مئة وعشرين سنة، وقيل: مئة وثمان سنين. * * *

стр. 867

حَرْفُ الصَّادِ المُهْمَلَة ١٧١ - أبو العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى الربعيُّ البغداديُّ اللغويُّ: صاحب كتاب "الفصوص" أصله من بلاد الموصل، دخل بغداد، فأكرمه المنصور (١)، وجمع له كتاب "الفصوص"، أثابه عليه خمسة آلاف دينار، وكان يُتهم بالكذب في نقله، فلهذا رفض الناس كتابه. توفي سنة سبع عشرة وأربع مئة بصقلية. ولما ظهر للمنصور كذبهُ في النقل، وعدمُ تثبته (٢)، رمى كتاب "الفصوص" في النهر؛ لأنه قيل له: جميعُ ما فيه لا صحة له، فعمل فيه بعض شعراء عصره: قَدْ غَاصَ فِي البَحْرِ كِتَابُ الفُصُوصْ ... وَهَكَذَا كُلُّ ثَقِيلٍ يَغُوصْ فلما سمع صاعدٌ هذا البيت، أنشد:

стр. 868

عَادَ إِلَى عُنْصُرِهِ إِنَّمَا ... يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ البُحُورِ الفُصُوصْ * * * ١٧٢ - أسد الدولة أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس، الكلابيُّ: كان من عرب البادية، قصد مدينة حلب، وبها مرتضى الدولة الجراحي نيابة عن الظاهر بن الحاكم العُبيدي صاحبِ مصر، فاستولى عليها، وانتزعها منه، فجهز إليه الظاهرُ أميرَ الجيوش أنوشتكّين الدزبري في عسكر كثير، وكان بدمشق نائباً، فخرج متوجها إليه، وتلاقيا على الأقحوانة، وجرى بينهما مقتلة انجلت عن قتل أسد الدولة صالح في جمادى الأولى سنة عشرين وأربع مئة. والأقحوانة: بلدة بالشام من أعمال فلسطين، بالقرب من طبرية، وبالحجاز - أيضاً - بليدة يقال لها: الأقحوانة، كان يسكنها الحارث بن خالد. * * * ١٧٣ - قاضي القضاة علم الدين صالح ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر، البُلقينيُّ الشافعيُّ: شيخ الإسلام، سلالة العلماء، ولي قضاء قضاة الديار المصرية وهو شاب عوضاً عن شيخ الإسلام ولي الدين العراقي، في أول دولة الأشرف برسباي، سنة خمس وعشرين وثمان مئة، وصار يعزل ويولِّي، وكان خصمه قاضي القضاة شيخ الإسلام

стр. 869

شهابُ الدين بن حجر، يتولى هذا تارة، وهذا أخرى، في أيام الأشرف برسباي، والظاهر جقمق، ثم لما تولى الأشرف أينال، استمر طول مدته بكمالها، وتوفي في أيام الظاهر خشقدم، وهو على القضاء، في يوم الأربعاء، سادس رجب الفرد، سنة ثمان وستين وثمان مئة، فكانت مدة ولايته من حين استقراره في القضاء إلى حين وفاته نحو ثلاث وأربعين سنة ﵀، وعفا عنه -. * * *

стр. 870

حَرْفُ الضَّادِ المُعْجَمَة ١٧٤ - أبو بحر الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة ابن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث، التميميُّ، المعروفُ بالأحنف: وهو الذي يُضرب به المثل في الحِلْم، كان من سادات التابعين، أدرك عهد النبي ﷺ ، ولم يصحبه، وشهد بعض الفتوحات. ولما أتى النبيُّ ﷺ بني تميم يدعوهم إلى الإسلام، كان الأحنف فيهم، فلم يجيبوا إلى اتباعه، فقال لهم الأحنف: إنه ليدعوكم إلى الإسلام، ومكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملائمها فأسلَموا، وأسلم الأحنف. ولم يَفِدْ على رسول الله ﷺ ، فلما كان زمن عمر بن الخطاب ﵁، وفد عليه، وكان من جملة التابعين وأكابرهم، وكان سيدَ قومه، موصوفاً بالعقل والدهاء، والعلم والحلم. ومن كلامه: ما خان شريف، ولا كذب عاقل، ولا اغتاب مؤمن. وقال: كثرة الضحك تُذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومَنْ لَزِمَ شيئاً عُرف به.

стр. 871

وبقي الأحنف إلى زمن مصعب بن الزبير، فخرج معه إلى الكوفة، فمات بها سنة سبع وستين للهجرة ﵀، ورضي عنه -. * * *

стр. 872

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر «وهو كتاب جامع لتاريخ الأنبياء وتاريخ الإسلام وتراجم أئمته العظام إلى مبتدأ القرن العاشر الهجري» تأليف القاضي مجير الدين العليمي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن المقدسي الحنبلي (المولود بالقدس سنة ٨٦٠ هـ والمتوفى بها سنة ٩٢٨ هـ) - رحمه الله تعالى - تحقيق ودراسة لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب [المجلد الثالث]

стр. 873

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 874

التَّاريخُ المُعْتَبَر في أنبَاءِ مَنْ غبَر [٣]

стр. 875

جميعُ الحقُوقِ مَحْفوظَة الطَّبعَةُ الأُولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٨ - ٨٧ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مؤسسة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شركَة دَار النَّوَادِر اللبنانية ش. م. م - لبنان * شركَة دَار النَّوَادِر الكويتية ذ. م. م - الكويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حَولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هَاتِف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com info@daralnawader.com أسسها سنة ٢٠٠٦ م نور الدّين طَالب المدير الْعَام والرئيس التنفيذي

стр. 876

تَابِع تَرَاجِم الأَعيَانِ حَرْفُ الطَّاء المُهْمَلَة ١٧٥ - طاوس أبو عبد الرحمن بن كيسان، الخولانيُّ الهمدانيُّ اليمانيُّ من أبناء الفرس، أحد الأعلام التابعين، سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وروى عنه: مجاهد، وعمرو بن دينار، وكان فقيهاً جليل القدر، نبِيهَ الذِّكر، توفي حاجاً بمكة قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام ابن عبد الملك في سنة ست، وقيل: أربع ومئة، وازدحم الناس عليه. وفي مدينة بعلبك قبر يُزار، يزعمون أنه قبر طاوس، وليس كذلك. واسمه ذكوان، وطاوس لقب له؛ لأنه كان طاوس القراء. والمشهور أنه اسمه، وولده عبد الله فضائله مشهورة. * * * ١٧٦ - أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، الطبريُّ القاضي الفقيهُ الشافعيُّ: كان ثقة صدوقاً، صحيح المذهب، ومن شعره لما سئل شعراً: وَمَا ذَاتُ دَرٍّ لاَ يَحِلُّ لِحَالِب ... تَنَاوُلُهُ وَاللَّحْمُ مِنْهَا مُحَلَّلُ

стр. 877

لِمَنْ شَاءَ فِي الحَالَيْنِ حَيًّا وَمَيِّتًا ... وَمَنْ شَاءَ شُرْبَ الدَّرِّ فَهْوَ مُضَلَّلُ إِذَا طَعَنَتْ فِي السِّنِّ فَاللَّحْمُ طَيّبٌ ... وَآكِلُهُ عِنْدَ الجَمِيعِ مُغْفَّلُ وَخِرْفَانُها لِلأَكْلِ فِيهَا كَرَاهَةٌ ... فَمَا لِحَصِيفِ الرَّأْيِ فِيِهنَّ مَأْكَلُ وَمَا يَجْتَنِي مَعْنَاهُ إِلاَّ مُبَرِّزٌ ... عَلِيمٌ بِأَسْرَارِ القُلُوبِ مُحَصِّلُ فأملى على الرسول حالاً وارتجالاً: جَوَابَانِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ كِلاَهُمَا ... صَوَابٌ وَبَعْضُ القَائِلِينَ مُضَلَّلُ فَمَنْ ظَنَّهُ كَرْماً وَلَيْسَ بِكَاذِبٍ ... وَمَنْ ظَنَّهُ نَخْلاً فَلَيْسَ يُجَهَّلُ لُحُومُهُمَا الأَعْنَابُ وَالرُّطَبُ الَّذِي ... هُوَ الحِلُّ وَالدَّرُّ الرَّحِيقُ المُسَلْسَلُ وَلَكِنْ ثِمَارُ النَّخْلِ وَهْيَ غَضْيضَةٌ ... تمر وَغَضُّ الكَرْمِ يُجْنَى ويُؤْكَلُ

стр. 878

يُكَلِّفُنِي القَاضِي الجَلِيلُ مَسَائِلاً ... هِيَ النَّجْمُ قَدْراً بَلْ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ وَلَوْ لَمْ أُجِبْ عَنْهَا لَكُنْتُ بِجَهْلِهَا ... جَدِيراً وَلَكِنْ مَنْ يَوَدُّكَ مُقْبِلُ عاش مئة وسنتين لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات، وصنَّف كتباً كثيرة. ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته. ولد سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة، وتوفي في ربيع الأول، لعشرٍ بقين منه، سنة خمسين وأربع مئة ببغداد. * * * ١٧٧ - أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ، النحويُّ: أصله من الديلم، وكان بمصر إمامَ عصره في النحو، وله المصنفات المفيدة، وكانت وظيفته بمصر: أن ديوان الإنشاء لا يخرج منه كتاب حتى يعرض عليه، ويتأمله، فإن كان فيه خطأ أو لحنٌ من جهة النحو، أصلحه، وإلا استرضاه، وله على هذه الوظيفة راتب من الجِراية (١)، وأقام على ذلك زماناً، ثم قطع علائقه، واستعفى من الخدمة، ونزل عن راتبه، ولازم

стр. 879

بيته واشتغاله إلى أن مات عشية اليوم الثالث من رجب، سنة تسع وأربعين (١) وأربع مئة بمصر، ودفن بالقرافة الكبرى - رحمه الله تعالى -. وبابشاذ: بباءين موحّدتين بينهما ألف، ثم شين معجمة، ثم ألف وذال معجمة -، وهي كلمة أعجمية معناها: الفرح والسرور. * * * ١٧٨ - أبو الغارات طلائع بن رزيك، الملقب الملكُ الصالح، وزيرُ مصر: كان والياً بمنية خصيب من أعمال صعيد مصر، فلما قُتل الظافر إسماعيل صاحبُ مصر، دخل القاهرة، وتولى الوزارة في التاسع عشر من ربيع الأول، سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وكان فاضلاً، سمحاً في العطاء، سهلاً في اللقاء، جيد الشعر، وله ديوان في جزأين، ومن شعره: وَمُهَفْهَفٍ ثَمِلِ القَوَامِ سَرَتْ إِلَى ... أَعْطَاِفِه النَّشَوَاتُ مِنْ عَيْنَيْهِ مَاضِي اللِّحَاظِ كَأَنَّمَا سَلَّتْ يَدِي ... سَيْفِي غَدَاةَ الرَّوعِ مِنْ جَفْنَيْهِ قَدْ قُلْتُ إِذْ خَطَّ العِذَارُ بِمِسْكَةٍ ... فِي خَدِّهِ أَلِفَيْهِ لاَ لاَمَيْهِ

стр. 880

مَا الشَّعْرُ دَبَّ بِعَارِضَيْهِ وَإِنَّمَا ... أَصْدَاغُهُ نَفَضَتْ عَلَى خَدَّيْهِ النَّاسُ طَوْعُ يَدِي وَأَمْرِي نَافِذٌ ... فِيهِمْ وَقَلْبِي الآنَ طَوْعُ يَدَيْهِ فَاعْجَبْ لِسُلْطَانٍ يَعُمُّ بِعَدْلِهِ ... وَيجُورُ سُلْطَانُ الغَرَامِ عَلَيْهِ وَاللهِ لَوْلاَ اثْمُ الفِرَارِ وَأَنَّهُ ... مُسْتَقْبَحٌ لَفَرَرْتُ مِنْهُ إِلَيْهِ ولما مات الفائز، وتولى العاضد مكانه، استمر على وزارته، وزادت حرمته، وتزوج العاضدُ ابنته، ثم عمل الحيلة في قتله، فأجلس له جماعة من أجناد الدولة يقال لهم: أولاد الراعي في موضع من القصر مستخفين فدخل القصر نهاراً، فوثبوا عليه، وجرحوه جراحات عديدة، فوقع الصوت، فعاد أصحابه إليه فقتلوا الذين جرحوه، وحُمِل إلى داره، ومات من يومه. وكانت ولادته سنة خمس وتسعين وأربع مئة (١)، وخرجت الخلع
следующие страницы →