تَابِع تَرَاجِم الأَعيَانِ
حَرْفُ الطَّاء المُهْمَلَة
١٧٥ - طاوس أبو عبد الرحمن بن كيسان، الخولانيُّ الهمدانيُّ اليمانيُّ من أبناء الفرس، أحد الأعلام التابعين، سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وروى عنه: مجاهد، وعمرو بن دينار، وكان فقيهاً جليل القدر، نبِيهَ الذِّكر، توفي حاجاً بمكة قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام ابن عبد الملك في سنة ست، وقيل: أربع ومئة، وازدحم الناس عليه.
وفي مدينة بعلبك قبر يُزار، يزعمون أنه قبر طاوس، وليس كذلك.
واسمه ذكوان، وطاوس لقب له؛ لأنه كان طاوس القراء.
والمشهور أنه اسمه، وولده عبد الله فضائله مشهورة.
* * *
١٧٦ - أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، الطبريُّ القاضي الفقيهُ الشافعيُّ: كان ثقة صدوقاً، صحيح المذهب، ومن شعره لما سئل شعراً:
وَمَا ذَاتُ دَرٍّ لاَ يَحِلُّ لِحَالِب ... تَنَاوُلُهُ وَاللَّحْمُ مِنْهَا مُحَلَّلُ
يُكَلِّفُنِي القَاضِي الجَلِيلُ مَسَائِلاً ... هِيَ النَّجْمُ قَدْراً بَلْ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
وَلَوْ لَمْ أُجِبْ عَنْهَا لَكُنْتُ بِجَهْلِهَا ... جَدِيراً وَلَكِنْ مَنْ يَوَدُّكَ مُقْبِلُ
عاش مئة وسنتين لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات، وصنَّف كتباً كثيرة.
ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته.
ولد سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة، وتوفي في ربيع الأول، لعشرٍ بقين منه، سنة خمسين وأربع مئة ببغداد.
* * *
١٧٧ - أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ، النحويُّ: أصله من الديلم، وكان بمصر إمامَ عصره في النحو، وله المصنفات المفيدة، وكانت وظيفته بمصر: أن ديوان الإنشاء لا يخرج منه كتاب حتى يعرض عليه، ويتأمله، فإن كان فيه خطأ أو لحنٌ من جهة النحو، أصلحه، وإلا استرضاه، وله على هذه الوظيفة راتب من الجِراية (١)، وأقام على ذلك زماناً، ثم قطع علائقه، واستعفى من الخدمة، ونزل عن راتبه، ولازم
стр. 879
بيته واشتغاله إلى أن مات عشية اليوم الثالث من رجب، سنة تسع وأربعين (١) وأربع مئة بمصر، ودفن بالقرافة الكبرى - رحمه الله تعالى -.
وبابشاذ: بباءين موحّدتين بينهما ألف، ثم شين معجمة، ثم ألف وذال معجمة -، وهي كلمة أعجمية معناها: الفرح والسرور.
* * *
١٧٨ - أبو الغارات طلائع بن رزيك، الملقب الملكُ الصالح، وزيرُ مصر: كان والياً بمنية خصيب من أعمال صعيد مصر، فلما قُتل الظافر إسماعيل صاحبُ مصر، دخل القاهرة، وتولى الوزارة في التاسع عشر من ربيع الأول، سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وكان فاضلاً، سمحاً في العطاء، سهلاً في اللقاء، جيد الشعر، وله ديوان في جزأين، ومن شعره:
وَمُهَفْهَفٍ ثَمِلِ القَوَامِ سَرَتْ إِلَى ... أَعْطَاِفِه النَّشَوَاتُ مِنْ عَيْنَيْهِ
مَاضِي اللِّحَاظِ كَأَنَّمَا سَلَّتْ يَدِي ... سَيْفِي غَدَاةَ الرَّوعِ مِنْ جَفْنَيْهِ
قَدْ قُلْتُ إِذْ خَطَّ العِذَارُ بِمِسْكَةٍ ... فِي خَدِّهِ أَلِفَيْهِ لاَ لاَمَيْهِ
стр. 880
مَا الشَّعْرُ دَبَّ بِعَارِضَيْهِ وَإِنَّمَا ... أَصْدَاغُهُ نَفَضَتْ عَلَى خَدَّيْهِ
النَّاسُ طَوْعُ يَدِي وَأَمْرِي نَافِذٌ ... فِيهِمْ وَقَلْبِي الآنَ طَوْعُ يَدَيْهِ
فَاعْجَبْ لِسُلْطَانٍ يَعُمُّ بِعَدْلِهِ ... وَيجُورُ سُلْطَانُ الغَرَامِ عَلَيْهِ
وَاللهِ لَوْلاَ اثْمُ الفِرَارِ وَأَنَّهُ ... مُسْتَقْبَحٌ لَفَرَرْتُ مِنْهُ إِلَيْهِ
ولما مات الفائز، وتولى العاضد مكانه، استمر على وزارته، وزادت حرمته، وتزوج العاضدُ ابنته، ثم عمل الحيلة في قتله، فأجلس له جماعة من أجناد الدولة يقال لهم: أولاد الراعي في موضع من القصر مستخفين فدخل القصر نهاراً، فوثبوا عليه، وجرحوه جراحات عديدة، فوقع الصوت، فعاد أصحابه إليه فقتلوا الذين جرحوه، وحُمِل إلى داره، ومات من يومه.
وكانت ولادته سنة خمس وتسعين وأربع مئة (١)، وخرجت الخلع
стр. 881
لولده العادل محيي الدين رُزيك (١).
وكان قد دفن بالقاهرة، ثم نقله ولده العادلُ من دار الوزارة التي دفن بها، وهي المعروفة بإنشاء الأفضل إلى تربته التي بالقرافة الكبرى، وكان نقله في تاسع عشر صفر، سنة تسع وخمسين وخمس مئة في تابوت، وركب خلفه العاضد إلى تربته، وهذا الصالح هو الذي بنى الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة.
* * *
١٧٩ - أبو يزيد طَيفور بن عيسى بن آدم بن علي البسطاميُّ: الزاهدُ المشهور، كان جده مجوسياً، ثم أسلم، وسئل أبو يزيد: بأي شيء وجدتَ هذه المعرفة؟ فقال: ببطنٍ جائع، وبدنٍ عارٍ.
وله كرامات مشهورة ظاهرة، توفي سنة إحدى وستين ومئتين.
* * *
١٨٠ - الأمير سيف الدين طشتمر اليلبغاويُّ الدوادارُ: كان دوادار أستاذه يَلْبُغا، ثم صار دوادارَ الملك الأشرف، ثم ولي نيابة دمشق يسيراً، ثم ذهب إلى مصر، واستقر أتابكَ العساكر، ثم بعد شهر قبض، وسجن بالإسكندرية، ثم أُخرج إلى دمياط، ثم ولي نيابة صفد، ثم استعفى، وسأل الإقامة بالقدس، فأُجيب إلى ذلك.
стр. 882
وكان يحب العلماء، ويجالسهم، وله اشتغال على الشيخ سراج الدين البلقيني، وأجازه بالإفتاء.
توفي في شعبان، سنة ست وثمانين وسبع مئة فجأة بالخلاء بالمدرسة التنكزية، ودفن بمدرسته التي أنشأها بالقدس الشريف - رحمه الله تعالى -.
стр. 883
حَرْفُ الظَّاءِ المُعْجَمَة
١٨١ - أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر ابن حِلْس الدؤلي: كان من سادات التابعين وأعيانهم، صحب عليَّ بن أبي طالب ﵁، وشهد معه وقعة صِفِّين، وهو بصريٌّ، وهو أولُ من وضع النحو، فقيل: إن علياً ﵁ وضع له: الكلام ثلاثة أضرُب: اسم، وفعل، وحرف، ثم دفعه إليه، وقال: تَمِّمْ على هذا.
وأول ما وضع: باب التعجب، وقال: استأذنت عليَّ بن أبي طالب أن أضع نحوَ ما وضع، فسُمِّي: نحواً.
ومن شعره:
وَمَا طَلَبُ المَعِيَشةِ بِالتَّمَنِّي ... وَلَكِنْ أَلْقِ دَلْوَكَ فِي الدِّلاَءِ
تَجِيءُ بِملْئِهَا (١) طَوْراً وَطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأَةٍ وَقَلِيلِ مَاءِ
стр. 884
واستخلفه علي بن أبي طالب عاملاً على البصرة، ولم يزل حتى قُتل علي، وأصابه الفالج، وكان معروفاً بالبخل.
وتوفي بالبصرة سنة تسع وستين في طاعون الجارف، وعمره خمس وثمانون سنة.
وقيل: مات قبل الطاعون بالفالج.
وقيل: توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين.
والدُّؤل المنسوب إليها: قبيلة من كنانة.
* * *
١٨٢ - أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله الجذاميُّ، الإسكندرانيُّ، المعروف بالحداد، الشاعرُ المشهور: له ديوان شعر أكثره جيد.
ومن شعره:
رَحَلُوا فَلَوْلاَ أَنَّنِي ... أَرْجُو الإِيَابَ قَضَيْتُ نَحْبِي
وَاللهِ مَا فَارَقْتُهُمْ ... لَكِنَّنِي فَارَقْتُ قَلْبِي
وله في كرسي النسخ:
حَرْفُ العَيَنِ المُهْمَلَة
١٨٣ - أبو بكر عاصم بن أبي النجود: مولى بني جُذيمة، كان أحدَ القراء السبعة، والمشار إليه في القراءات.
توفي سنة سبع وعشرين ومئة بالكوفة.
* * *
١٨٤ - أبو بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس، الأشعريُّ: وكان أبوه صاحبَ رسول الله ﷺ ، قدم عليه من اليمن في الأشعريين، فأسلموا، وأبو بردة كان قاضيًا على الكوفة، وليها بعد القاضي شريح، وله مكارم ومآثر مشهورة.
وسمي أبا بردة؛ لأن أبا شيخ بن الغرق كساه عند فطامه بردتين، وكان رضيعًا على يده، وغدَا به على أبيه، فكناه: أبا بردة، فذهب اسمه.
توفي سنة أربع ومئة، وقيل: ست، أو سبع ومئة، ومات هو والشعبي في جمعة واحدة.
* * *
стр. 887
١٨٥ - أبو عمرو (١) عامرُ بن شَراحيل بن عبد، الشعبيُّ: كوفيٌّ تابعيٌّ جليلُ القدر، وافر العلم، يقال: إنه أدرك خمس مئة من أصحاب رسول الله ﷺ .
ولد لأربعِ سنين بقين من خلافة عمر ﵁، وكان نحيلًا نحيفًا.
وقيل: كانت ولادته لستِّ سنين خلت من خلافة عثمان.
وقيل: سنة عشرين من الهجرة.
وتوفي بالكوفة سنة أربع ومئة، وقيل: ثلاث، وقيل: سبع ومئة فجأة، ونسبته بالشعبي نسبة إلى شَعْب: وهو بطن من همذان، وكان كثيرًا ما يتمثل بقول مسكين الدارمي:
لَيْسَتِ الأَحْلاَمُ فِي حَالِ الرِّضَا ... إِنَّمَا الأَحْلاَمُ فِي وَقْتِ الغَضَبْ
* * *
١٨٦ - أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح المروزيُّ: مولى بني حنظلة، كان قد جمع بين العلم والزهد، تفقَّه على سُفيان الثوري، ومالك بن أنس، وروى عنه "الموطأ"، وكان كثير الانقطاع، محبًا للخلوة، شديد التورع، وكذلك كان أبواه، وكان له شعر، فمنه:
стр. 888
قَدْ يَفْتَحُ المَرْءُ حَانُوتًا لِمَتْجَرِهِ ... وَقَدْ فَتَحْتَ لَكَ الحَانُوتَ بِالدِّينِ
بَيْنَ الأَسَاطِينِ حَانُوتٌ بِلاَ غَلَقٍ ... يَبْتَاعُ بِالدِّيْنِ أَمْوَالَ المَسَاكِينِ
صَيَّرْتَ دِينَكَ شَاهِينًا تَصِيدُ بِهِ ... وَلَيْسَ يَصْلُحُ أَصْحَابُ الشَّوَاهِينِ
ولد سنة ثماني عشرة ومئة، وكان قد توجَّه في بعض الغزوات إلى هيت، فتوفي بها في رمضان، سنة إحدى، وقيل: سنة اثنتين وثمانين ومئة.
* * *
١٨٧ - أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث، الفقيهُ المالكيُّ المصريُّ: كان أعلمَ أصحاب مالِكٍ، وأفضَتْ إليه رئاسة الطائفة المالكية بعد أشهبَ، وروى عن مالك "الموطأ" سماعًا، وكان من ذوي الأموال، ويقال: إنه دفع للإمام الشافعي ﵁ عند قدومه إلى مصر ألفَ دينار من ماله.
ولد سنة خمسين ومئة، وتوفي في شهر رمضان، سنة أربع عشرة ومئتين بمصر، وقبره إلى جانب قبر الشافعي.
* * *
стр. 889
١٨٨ - أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة، الحضرميُّ المصريُّ: كان مكثرًا من الحديث والأخبار والرواية، ولاه أبو جعفر المنصور القضاء بمصر في مستهل سنة خمس وخمسين ومئة، وهو أول قاضٍ ولي بمصر من قبل الخليفة، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين دينارًا، وكان ولاة البلد قبل ذلك يقضون، ويولون القضاء.
توفي بمصر في منتصف ربيع الأول، سنة أربع وسبعين (١) ومئة، وعمره إحدى وثمانون سنة.
* * *
١٨٩ - أبو سعيد عبد الله بن كثير، أحدُ القراء السبعة، المكيُّ الداريُّ، - والدار: بطن من لَخْم، منهم تميمٌ، وقيل: إنما نُسب إلى دارين؛ لأنه كان عطارًا، وهو موضع الطيب، وهذا هو الصحيح - وكان قاضي الجماعة بمكة، وهو من الطبقة الثانية من التابعين.
ولد بمكة سنة خمس وأربعين، ومات بها سنة عشرين ومئة.
وراوياه: محمد بن عبد الرحمن المكي المخزومي الملقب: قُنْبَل، توفي سنة إحدى وتسعين ومئتين، وله ست وتسعون سنة، والآخر أحمدُ
стр. 890
ابن محمد بن عبد الله بن القاسم البزي الفارسي (١)، توفي سنة خمسين (٢) ومئتين.
* * *
١٩٠ - أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله، الفقيهُ الشافعيُّ المعروف بالقَفَّال، المروزيُّ: كان وحيدَ عصره، وله في مذهب الشافعي من الآثار ما ليس لغيره، وكان اشتغاله بالعلم على كبر بعد ما أفنى شبيبته في عمل الأقفال، ولذلك قيل له: القفَّال.
توفي في سنة سبعَ عشرة وأربع مئة، وهو ابن تسعين سنة، ودفن بسجستان، وقبره بها يزار.
* * *
١٩١ - أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد، الجوينيُّ: الفقيهُ الشافعيُّ، والدُ إمام الحرمين، كان إمامًا جليلًا مهابًا، لا يجري بين يديه إلا الجِدُّ، وصنف "التفسير الكبير"، وفي الفقه، وغير ذلك.
توفي سنة ثمان وثلاثين وأربع مئة في ذي القعدة.
* * *
١٩٢ - أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى، الدبوسيُّ الفقيهُ الحنفيُّ:
стр. 891
كان من كبار أصحاب أبي حنيفة، ممن يضرب به المثل، وهو أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود، وروي: أنه ناظر بعض الفقهاء، فكان كلما ألزمه أبو زيد، يبتسم ويضحك، فأنشد أبو زيد:
مَا لِي إِذَا أَلْزَمْتُهُ حُجَّةً ... قَابَلَنِي بِالضِّحْكِ وَالقَهْقَهَهْ
إِنْ كَانَ ضِحْكُ المَرْءِ مِنْ فِقْهِهِ ... فَالدُّبُّ فِي الصَّحْرَاءِ مَا أَفْقَهَهْ
وله تصانيف كثيرة، توفي سنة ثلاثين وأربع مئة، ودبوسة المنسوب إليها: مدينة بين بخارى وسمرقند.
* * *
١٩٣ - أبو محمد عبد الله بن القاسم بن المظفر، الشهرزوريُّ، المنعوت بالمرتضى: كان مشهورًا بالفضل والدين، وكان مليح الوعظ، مع الرشاقة والتجنيس، اشتغل ببغداد، ثم رجع إلى الموصل، وتولى بها القضاء، وله شعر رائق، منه:
يَا قَلْبُ إِلاَمَ لاَ يُفِيدُ النُّصْحُ ... دَعْ مَزْحَكَ كَمْ جَنَى عَلَيْكَ المَزْحُ
مَا جَارِحَةٌ مِنْكَ عَدَاهَا جُرْحُ ... مَا تَشْعُرُ بِالخُمَارِ حَتَّى تَصْحُو
стр. 892
توفي في ربيع الأول، سنة إحدى عشرة وخمس مئة بالموصل.
* * *
١٩٤ - أبو محمد عبد الله بن أبي السريِّ التميميِّ محمد بن هبة الله ابن مطهر بن أبي عصرون، الحديثيُّ الموصليُّ: الفقيه الشافعي، كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، وممن سار ذكره، وانتشر أمره، وله المصنفات النافعة، وتقدم عند نور الدين صاحبِ الشام، وبنى له المدارس بحلب وحماة وحمص وبعلبك، وغيرِها، وتولى القضاء بسنجار، ونصيبين، وحران، وغيرِ ذلك.
وفي سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة عاد إلى دمشق، وتولى القضاء بها، ثم عمي في أواخر عمره قبل موته بعشر سنين، وابنه محيي الدين محمد ينوب عنه، وهو باقٍ على القضاء، ومن شعره:
أُؤَمِّلُ وَصْلًا مِنْ حَبِيبٍ وَإِنَّنَي ... عَلَى ثِقَةٍ عَمَّا قَلِيلٍ أُفَارِقُهْ
تَجَارَى بِنَا خَيْلُ الحِمَامِ كَأَنَّمَا ... يُسَابِقُنِي نَحْوَ الرَّدَى وَأُسَابِقُهْ
فَيَا لَيْتَنَا مِتْنَا مَعًا ثُمَّ لَمْ يَذُقْ ... مَرَارَةَ فَقْدِي لَا وَلَا أَنَا ذَائِقُهْ
ولد يوم الاثنين، الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين
стр. 893
وتسعين وأربع مئة بالموصل، وتوفي في حادي عشري من رمضان، سنة خمس وثمانين وخمس مئة بدمشق، ودفن بمدرسته التي أنشأها داخل البلد، وهي معروفة به.
* * *
١٩٥ - أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي، المعروفُ بابن الدَّهان، الموصليُّ، ويعرف بالحمصيِّ، الفقيهُ الشافعيُّ: كان فقيهًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا، وهو من أهل الموصل، ثم تقلبت به الأحوال حتى تولى التدريس بحمص، وأقام بها، فلهذا ينسب إليها.
ومن شعره السائر:
يُضْحِي يُجَانِبُنِي مُجَانَبَةَ العِدَا ... وَيَبِيتُ وَهْوَ إِلَى الصَّبَاحِ نَدِيمِي
وَيَمُرُّ بِي يَخْشَى الرَّقِيبَ فَلَفْظُهُ ... شَتْمٌ وَغُنْجُ لِحَاظِهِ تَسْلِيمُ
توفي بحمص في شعبان، سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة.
* * *
١٩٦ - أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم ابن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، العباسيُّ الهاشميُّ: كان أديبًا بليغًا شاعرًا، مخالطًا للعلماء والأدباء، معدودًا من جملتهم إلى أن
стр. 894
جرت له الكائنة: اتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد ووجوه الكُتَّاب، فخلعوا المقتدر يوم السبت، لعشرٍ بقين من ربيع الأول، سنة ست وتسعين ومئتين، وبايعوا عبد الله المذكور، ولقّبوه: المرتضي بالله. وقيل: الغالب، وقيل: الراضي، فأقام يومًا وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تراجعوا، وحاربوا أعوان ابن المعتز، وشتتوهم، وأعادوا المقتدر إلى دَسْتِه، واختفى ابن المعتز، فأخذه المقتدر، وسلَّمه إلى مؤنس الخازن، فقتله، وسلَّمه إلى أهله ملفوفًا في كساء، ودفن في خرابة بإزاء داره.
وله تصانيف وأشعار رائقة، ومن ظريف شعره قوله:
وَمُهَفْهَفٍ يَسْعَى عَلَى النُّدَمَاءِ ... بَعَقِيقَةٍ فِي دُرَّةٍ بَيْضَاءِ
وَالبَدُرُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ كَدِرْهَمٍ ... مُلْقًى عَلَى يَاقُوتَةٍ زَرْقَاءِ
كَمْ لَيْلَةٍ قَدْ سَرَّنِي بِمَبيتِهِ ... عِنْدِي بِلا خَوْفٍ مِنَ الرُّقَبَاءِ
وَمُهَفْهَفٍ عَقَدَ الشَّرَابُ لِسَانَهُ ... فَحَدِيثُهُ بِالرَّمْزِ وَالإِيمَاءِ
حَرَّكْتُهُ بِيَدِي وَقُلْتُ لَهُ انُتَبِهْ ... يَا فَرْحَةَ الخُلَطَاءِ وَالنُّدَمَاءِ
стр. 895
فَأَجَابَنِي وَالسُّكْرُ يَخْفِضُ صَوْتَهُ ... بِتَلَجْلُجٍ كَتَلَجْلُجِ الفَأْفَاءِ
إِنِّي لأَفْهَمُ مَا تَقُولُ وَإِنَّمَا ... غَلَبَتْ عَلَيَّ سُلاَفَةُ الصَّهْبَاءِ
دَعْنِي أَفِيقُ مِنَ المُدَامِ إِلَى غَدٍ ... وَاحْكُمْ عَلَيَّ بِمَا تَشَا مَوْلاَئِي
وكان شديدَ السمرة، مسنون الوجه، يخضب بالسواد -، ﵀، وعفا عنه -.
* * *
١٩٧ - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي بن الحسن بن إبراهيم ابن طَباطَبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، الحجازيُّ الأصل، المصريُّ الدار والوفاة: كان طاهرًا كريمًا فاضلًا، وكان له رباع وضياع، ونعمة ظاهرة، وكان بدهليزه رجل يكسر اللوز كل يوم من أول النهار إلى آخره برسم الحلوى التي ينفذها لأهل مصر من كافور الأخشيدي إلى مَنْ دونه، ويطلق للرجل المذكور دينارين في كل شهر أجرة تكسير اللوز.
وكان حسن المذهب، ولد سنة ستٍّ وثمانين ومئتين، وتوفي في رجب، سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة، ودفن بقرافة مصر، وقبره معروف بإجابة الدعاء.
* * *
стр. 896
١٩٨ - أبو العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب، الخزاعيُّ: كان سيدًا نبيلًا، عالي الهمة شهمًا، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه، وكان واليًا على الدِّينَور، ثم أمره بالخروج إلى خراسان لمّا أحدثَ الخوارجُ في أعمال نيسابور الفسادَ، فتوجه، وحارب الخوارج، وقدم نيسابور في رجب، سنة خمس عشرة ومئتين.
وكان عبد الله ظريفًا، وله شعر مليح، فمن شعره:
تَتَّقِي سُخْطَنَا الأُسُودُ وَنَخْشَى ... سَخَطَ الخِشْفِ حِينَ يُبْدِي الصُّدُودَا
نَمْلِكُ العَبِيدَ ثُمَّ تَمْلِكُنَا البِيضُ ... المَصُوناَتُ أَعْيُنًا وَخُدُودَا
فَتَرَانَا يَوْمَ الكَرِيهَةِ أَحْرَا ... رَاً وَفِي السِّلْمِ لِلغَوَانِي عَبِيدَا
وكان عبد الله قد تولى الشّام والديار المصرية، والبطيخ العبدلاوي الموجود بمصر منسوب إلى عبد الله المذكور، وقد نُسب إليه؛ لأنه كان يستطيبه، وهو أول من زرعه هناك.
وتوفي في ربيع الأول سنة ثماني وعشرين ومئتين بمرو.
* * *
١٩٩ - عبد الله بن خُليد، مولى جعفر بن سليمان، أصله من الري،
стр. 897
يُفَخِّم الكلام ويُعربه، وكان كاتبَ عبد الله بن طاهر المذكور، وشاعره، ومنقطعًا إليه.
وصل يومًا إلى باب عبد الله المذكور، فحجب من الدخول، فقال:
سَأَتْرُكُ هَذَا البَابَ مَا دَامَ إِذْنُهُ ... عَلَى مَا تَرَى حَتَّى يَخِفَّ قَلِيلًا
إِذَا لَمْ أَجِدْ يَوْمًا إِلَى الإِذْنِ سُلَّمًا ... وَجَدْتُ إِلَى تَرْكِ اللِّقَاءِ سَبِيلًا
فبلغ ذلك عبد الله، فأنكره، وأمر بدخوله.
وقبَّل يومًا كفَّ عبد الله بن طاهر، فاستخشنَ مسَّ شاربه، فقال: شوكُ القنفذِ لا يؤلم كفَّ الأسد، فأعجبه كلامه، وأمر له بجائزة سنية.
توفي سنة أربعين ومئتين.
* * *
٢٠٠ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة، البكريُّ الأندلسيُّ: الشاعر المشهور، كان شاعرًا ماهرًا، ناظمًا ناثرًا، ومن شعره:
وَمُعَذَّرٍ رَاقَتْ حَوَاشِي صُدْغِهِ ... فَقُلُوبُنَا وَجْدًا عَلَيْهِ رِقَاقُ
لَمْ يَكْسُ عَارِضَهُ السَّوَادُ وَإِنَّمَا ... نَفَضَتْ عَلَيْهِ سَوَادَهَا الأَحْدَاقُ
стр. 898
توفي بالأندلس سنة سبع عشرة وخمس مئة.
* * *
٢٠١ - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله، المعروف بابن الخشَّاب، البغداديُّ الحنبليُّ: العالم المشهور في الأدب والنحو، والتفسير والحديث، وحفظ الكتاب العزيز بالقراءات، وكان متضلعًا من العلوم، وله شعر حسن، منه في الشمعة:
صَفْرَاءُ مِنْ غَيْرِ سَقَامٍ بِهَا ... كَيْفَ وَكَانَتْ أُمُّهَا الشَّافِيَهْ
عَاِرَيةٌ بَاطِنُهَا مُكْتَسٍ ... فَاعْجَبْ بِهَا عَارِيةً كَاسِيَهْ
وله لغز في الكتاب، وهو:
وَذِي أَوْجُهٍ لَكِنَّهُ غَيْرُ بَائِحٍ ... بِسِرٍّ وَذُو الوَجْهَيْنِ للسِّرِّ مُظْهِرُ
يُنَاجِيكَ بِالأَسْرَارِ أَسْرَارُ وَجْهِهِ ... فَتَسْمَعُهَا بِالعَيْنِ مَا دُمْتَ تَنْظُرُ
ولد سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة، وتوفي عشية الجمعة، ثالث شهر رمضان، سنة سبع وستين وخمس مئة ببغداد.
* * *
стр. 899
٢٠٢ - أبو الرداد عبد الله بن عبد السّلام بن عبيد الله بن الرداد، المؤذنُ البصريُّ، صاحبُ المقياس بمصر: كان رجلًا صالحًا، وتولى مقياس النيل بجزيرة مصر، والنظر في أمره، وما يتعلق به في سنة ست وأربعين ومئتين، واستمرت الولاية في أمر ذلك لولده إلى الآن.
توفي سنة تسع وسبعين ومئتين.
* * *
٢٠٣ - أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، الأوزاعيُّ: إمام أهل الشام، لم يكن بها أعلم منه، قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وكان سكن بيروت، روى عنه الثوري، وأخذ عنه عبد الله بن المبارك، وجماعة، ولد ببعلبك سنة ثمان وستين للهجرة، وقيل: ثلاث وتسعين، ومنشؤه بالبقاع، وكان فوق الربعة، خفيف اللحية، به سمرة، توفي بمدينة بيروت في صفر، سنة سبع وخمسين ومئة، وقبره في قرية على باب بيروت يقال لها: حشوش، وأهلها مسلمون، مدفون في قبلة مسجدها، وأهلُ القرية لا يعرفونه، بل يقولون: ها هنا رجل صالح ينزل عليه النور، ولا يعرفه إلا الخواص من الناس.
* * *
٢٠٤ - أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، العنسيُّ (١)
стр. 900
الدارانيُّ: الزاهد المشهور، أحد رجال الطريقة.
ومن كلامه: من أحسنَ في نهاره، كُفي في ليله، ومن أحسن في ليله، كفي نهاره، ومن صدق في ترك شهوته، أذهبها الله من قلبه، والله تعالى أكرمُ من أن يعذب قلبًا بشهوة تُركت له.
توفي سنة خمس عشرة ومئتين.
والداراني: نسبة إلى داريّا، وهي قرية بغوطة دمشق.
* * *
٢٠٥ - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران، الفورانيُّ المروزيُّ، الفقيهُ الشافعيُّ: كان مقدَّم الفقهاء الشافعية بمرو، وهو أصولي فروعي، وطبَّق الأرض بالتلامذة، توفي في شهر رمضان، سنة إحدى وستين وأربع مئة بمدينة مرو، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة ﵀.
* * *
٢٠٦ - أبو سعد عبد الرحمن بن محمد، واسمه مأمون بن علي، وقيل: إبراهيم، المعروف بالمتولي، الفقيهُ الشافعيُّ النيسابوريُّ: كان جامعًا بين العلم والدين وحسن السيرة، تولى التدريس بالنظامية ببغداد بعد وفاة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ثم عزل عنها في بقية سنة ست وسبعين وأربع مئة، وأعيد أبو نصر بن الصباغ صاحب "الشامل"، ثم عُزِلَ وأعيد أبو سعيد، واستمر عليها إلى حين وفاته.
стр. 901
ولد بنيسابور سنة ست، وقيل: سبع وعشرين وأربع مئة، وتوفي ليلة الجمعة، ثامن عشر شوال، سنة ثمان وتسعين وأربع مئة ببغداد.
* * *
٢٠٧ - أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله، الدمشقيُّ، الملقبُ فخر الدين، المعروف بابن عساكر: الفقيه الشافعيُّ، إمام وقته في علمه ودينه، درَّس بالقدس زمانًا، ودمشق، وهو ابن أخي الحافظ أبي القاسم علي بن عساكر صاحب "تاريخ دمشق".
ولد سنة خمس وخمس مئة.
* * *
٢٠٨ - أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن عبيد الله بن الجوزيِّ، القرشيُّ: منسوب إلى أبي بكر الصديق، التيميُّ البكر [يُّ] البغدادي، الفقيهُ الحنبلي، الواعظ، الملقب: جمال الدين، الحافظ علامة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ، صنف فيه فنونًا عديدة وتفسيرًا وتاريخًا، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا، حتى قيل: إنه جُمعت الكراريس التي كتبها، وحُسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة، فكان ما خص كلَّ يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل، وجمعت براية الأقلام التي كتب بها حديثَ رسول الله ﷺ ، فحصل منها شيء كثير، فأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل، فكفت، وفضل منها.
стр. 902
وله أشعار لطيفة، ومن شعره:
عَذِيرِيَ مِنْ فِتْيَةٍ بِالغَرَامِ ... قُلُوبُهُمُ بِالجَفَا قُلَّبُ
يَرَوْنَ العَجِيبَ كَلاَمَ الغَرِيبِ ... وقولُ القريب (١) فَلَا يُعْجِبُ
وَعُذْرُهُمُ عِنْدَ تَوْبِيخِهِمْ ... مُغَنِّيَةُ الحَيِّ لَا تُطْرِبُ
وله في مجالس الوعظ أجوبة نادرة.
فمن أحسن ما يحكى عنه: أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ﵄، فرضي الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاما شخصًا يسأله عن ذلك، وهو على الكرسي، فلما سأله، قال: أفضلُهما من كانت ابنتُه تحته.
ونزل في الحال حتى لا يراجَع في ذلك.
فقالت السنيّة: هو أبو بكر، وقالت الشيعة: هو علي، وهذا من لطائف الأجوبة، ولو حصل هذا بعد التأني وإمعان النظر، كان في غاية الحسن، فضلًا عن البديهة.
ومحاسنه يطول شرحها.
ولد تقريبًا سنة ثمان أو عشر وخمس مئة، وتوفي ليلة الجمعة، ثالث عشر رمضان، سنة سبع وتسعين وخمس مئة.
وكان ولده محيي الدين أبو محمد يوسف محتسبَ بغداد.
стр. 903
وكان يتردد في الرسائل إلى الملوك، ثم صار أستاذ دار الخلافة، وتوفي في وقعة التتر قتيلًا سنة ست وخمسين وست مئة ببغداد، وكان سبطه شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزاغلي الواعظُ المشهور حنفيَّ المذهب، صنف تاريخًا في أربعين مجلدًا أسماه: "مِرآة الزمان".
توفي بدمشق بمنزله بجبل قاسيون في الحادي والعشرين من ذي الحجة، سنة أربع وخمسين وست مئة.
والجوزي: نسبة جده، وهو مكان ببغداد يسمى: مشرعة الجوز بالجانب الغربي.
* * *
٢٠٩ - أبو القاسم عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله بن الخطيب، الخثعميُّ السهيليُّ: الإمام المشهور، صاحب كتاب "الروض الأُنف" في شرح سيرة النبي ﷺ ، وله "التعريف والإعلام"، و"نتائج الفِكَر"، و"مسألة رؤية الله في المنام ورؤية النبي ﷺ "، و"مسألة السر في عَور الدجال"، وغير ذلك.
وقال ابن دِحية: أنشدني، وقال: إنه ما استعمل إنشادَها أحدٌ، وسألَ الله بها في حاجة، إلا أعطاه إيّاها، وهي:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ. إلى آخرها.
وهي مشهورة، وأشعاره كثيرة.
توفي بحضرة مراكش، يوم الخميس، السادس والعشرين من
стр. 904
شعبان، سنة إحدى وثمانين وخمس مئة وقت الظهر، وكان مكفوفًا.
* * *
٢١٠ - أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وقيل: عثمان، الخراسانيُّ القائمُ بالدعوة العباسية: كان أديبًا لبيبًا، تولى خراسان، وقال المأمون: أَجَلُّ ملوك الأرض ثلاثة، وهم الذين قاموا بنقل الدُّول: الإسكندر، وأزدشير، وأبو مسلم الخراساني.
وكان أسمر، جميلًا، نقي البشرة، حسن اللحية، طويل الشعر، طويل الظهر، قصير الساق والفخذ، خافض الصوت، فصيحًا بالعربية والفارسية، حلو المنطق، لم يُر ضاحكًا ولا مازحًا إلا في وقته، تأتيه الفتوحات العظام، فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الحوادث القادحة، فلا يُرى مكتئبًا، ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة واحدة، ويقول: الجماع جنون، ويكفي الإنسانَ أن يُجن في السنة مرة.
ولد في سنة مئة للهجرة في خلافة عمر بن عبد العزيز، ونهض بالدعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة، ولما ظهر بخراسان، كان أول ظهوره بمرو يوم الجمعة، لتسعٍ بقين من شهر رمضان، سنة تسع وعشرين ومئة، وكان السفاح كثير التعظيم لأبي مسلم؛ لما صنعه ودبَّره في نصرة الدولة العباسية.
ثم لما مات السفاح في ذي الحجة، سنة ست وثلاثين ومئة، وتولى أخوه أبو جعفر المنصور، وكانت صدرت من أبي مسلم أسباب
стр. 905
وقضايا غيَّرت قلبَ المنصور عليه، فعزم على قتله، وبقي حائرًا بين الاستبداد وأمر الاستشارة، فاستشار في أمره مسلمَ بنَ قتيبة، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فقال: حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذنًا واعية.
وكان أبو مسلم قد حج، فلما عاد، نزل إلى الحيرة التي عند الكوفة، فلم يزل المنصور يخدعه بالرسائل حتى أحضره إليه، ثم جلس المنصور، ودخل عليه أبو مسلم، فسلَّم، فرد ﵇، وأجلسه وحادثه، ثم عاتبه، وقال له: فعلتَ وفعلتَ.
ومن جملة ما عاتبه: ألست الكاتبَ إليَّ تبدأ بنفسك قبلي تخطب عمتي آسية.
وأخذ أبو مسلم يده بيده يعرُكها ويقبِّلها، ويعتذر إليه، فقال له المنصور، وهو آخر كلامه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه جماعة رتبهم المنصور وراء السرير الذي خلفه، وخبطوه بسيوفهم وقتلوه، وكان قتله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان، وقيل: للثلاثين، ولعله سنة سبع وثلاثين ومئة، وكان ذلك برومية، وهي: بلدة بالقرب من بغداد على دجلة من الجانب الغربي، ثم أنشد المنصور:
فَأَلْقَتَ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى ... كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيَابِ المُسَافِرُ
стр. 906
ثم أقبل المنصور على مَنْ حضره، وأبو مسلم طريحٌ بين يديه، وقال:
زَعَمْتَ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُقْتَضَى ... فَاسْتَوْفِ بِالكَيْلِ أَبَا مُجْرِمِ
اشْرَبْ بِكَأْسٍ كُنْتَ تَسْقِي بِهَا ... أَمَرَّ فِي الحَلْقِ مِنَ العَلْقَمِ
وقد اختلف الناس في نسب أبي مسلم: فقيل: من العرب، وقيل: من العجم، وقيل: من الأكراد.
وكان أبو مسلم في دولته قد قتل خلقًا لا يُحصون كثرة، وكان عدة من عرف من أعيان مَنْ قتله ستَّ مئة ألف، سوى من لم يعرف، وسوى من قتل في الحروب.
* * *
٢١١ - الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نبُاتة، الجذاميُّ (١) الفارقيُّ، صاحبُ الخطب المشهورة: كان إمامًا في علوم الأدب، ورُزق السعادة في خطبته التي وقع الإجماع على أنه ما عُمل مثلها، وهو من أهل ميَّافارقين.
стр. 907
ولد سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة، وتوفي سنة أربع وسبعين وثلاث مئة.
ورئي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: دُفع إلى ورقة فيها سطران بالأحمر، وهما:
قَدْ كَانَ أَمْنٌ لَكَ مِنْ قَبْلِ ذَا ... وَاليَوْمَ أَضْحَى لَكَ أَمْنَانِ
وَالصَّفْحُ لَا يَحْسُنُ عَنْ مُحْسِنٍ ... وَإِنَّمَا يَحْسُنُ عَنْ جَانِي
ونبُاتة: - بضم النون وفتح الباء والتاء المثناة -.
* * *
٢١٢ - أبو علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد علي ابن القاضي السعيد أبي محمد، الحسن [بن] الحسين بن المفرج، اللخميُّ، العسقلانيُّ المولد، المصريُّ الدار، المعروفُ بالقاضي الفاضل، الملقب: محيي الدين (١): وزير السلطان صلاح الدين، تمكن منه غاية التمكن، وبرز في صناعة الإنشاء، ففاق المتقدمين، ولما مات صلاح الدين، ترقَّت منزلته بعد وفاته عند ولده الملك العزيز في المكانة والرفعة، ولما توفي العزيز، وقام ولده المنصور
стр. 908
بالمُلك بتدبير عمه الأفضل نور الدين، كان على حاله، ولم يزل كذلك إلى أن وصل الملك العادل، فعند دخوله القاهرة توفي القاضي الفاضل في ليلة الأربعاء، سابع عشر ربيع الآخر، سنة ست وتسعين وخمس مئة بالقاهرة فجأة، ودفن بتربته بسفح المقطم في القرافة الصغرى، وبنى بالقاهرة مدرسة بدرب ملوخية.
وكان ولده بهاء الدين الأشرف أبو العباس أحمد كبيرَ المنزلة عند الملوك، ولد في المحرم، سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة بالقاهرة، وتوفي بها في ليلة الاثنين، سابع جمادى الآخرة، سنة ثلاث وأربعين وست مئة، ودفن إلى جانب قبر أبيه.
* * *
٢١٣ - أبو عمرو، ويقال: أبو عمر عبدُ الملك بن عمير بن سويد ابن حارثةُ اللخميُّ الكوفيُّ القرشيُّ (١): كان قاضيًا على الكوفة بعد الشعبي، وهو من مشاهير التابعين، رأى علي بن أبي طالب ﵁، وروى عن جابر بن عبد الله، توفي سنة ست وثلاثين ومئة في ذي الحجة، وهو ابن مئة سنة وثلاث سنين.
* * *
стр. 909
٢١٤ - السيد عبد القادر بن محيي الدين أبو محمد بن أبي صالح، عبد الله بن جنكي دوست، الجيليُّ، ثم البغداديُّ، المشهور بالكيلاني، الحنبليُّ الزاهدُ: شيخ العصر، وقدوة العارفين، وسلطان المشايخ، وسيد أهل الطريقة، صاحب المقامات والكرامات والعلوم والمعارف والأحوال المشهورة، وهو سيد شريف من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره.
ولد سنة سبعين، أو إحدى وسبعين وأربع مئة بكيلان، وكان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، له كتاب "الغُنية لطالبي طريق الحق"، وكتاب "فتوح الغيب".
توفي ليلة السبت، ثامن ربيع الآخر، سنة إحدى وستين وخمس مئة بعد المغرب، وله تسعون سنة، ودفن من وقته بمدرسته بباب الأزج ببغداد ﵁.
* * *
٢١٥ - أبو المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي يعقوب، يوسف بن عبد الله الجويني: الفقيهُ الشافعيُّ الملقب: ضياء الدين، المعروف بإمام الحرمين، أعلمُ المتأخرين من أصحاب الشافعي على الإطلاق، سار إلى بغداد، ثم إلى الحجاز، وجاور بمكة المشرفة أربع سنين يدرِّس ويفتي، ويجمع طرق المذهب، ولهذا قيل له: إمام الحرمين، ثم عاد إلى نيسابور.
стр. 910
وصنف في كل فن.
ولد في ثامن شهر المحرم، سنة تسع عشرة وأربع مئة، ولما مرض، حمل إلى قرية من أعمال نيسابور، يقال لها: يستقان، موصوفة باعتدال الهواء، وخفة الماء، فمات بها ليلة الأربعاء وقت العشاء الآخرة، الخامس والعشرين من ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وأربع مئة، ونقل إلى نيسابور تلك الليلة، ودفن من الغد في دارهم، ثم نقل بعد سنتين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب أبيه - رحمه الله تعالى -.
ومما رُثي به:
قُلُوبُ العَالَمِينَ عَلَى المَغَالِي ... وَأَيَّامُ الوَرَى شِبْهُ اللَّيَالِي
أَيُثْمِرُ غُصْنُ أَهْلِ العِلْمِ يَوْمًا ... وَقَدْ مَاتَ الإِمَامُ أَبُو المَعَالِي
وكان تلامذته يومئذٍ قريبًا من أربع مئة واحد، فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا على ذلك حولًا كاملًا.
* * *
٢١٦ - أبو سعيد عبدُ الملك بن قُرَيب بن عبد الملك بن صالح (١) ابن مظهر المعروف بالأصمعي، الباهليُّ: وإنما قيل له: الباهلي؛ لأنه كان صاحب لغة ونحو، وإمامًا في الأخبار والنوادر، وهو من أهل
стр. 911
البصرة، وقدم بغداد في أيام الرشيد.
وحُكي عنه أنه قال: رأيت بعض الأعراب يفلي ثيابه، فيقتل البراغيث، ويدع القمل، فقلت: يا أعرابي! لم تفعل هكذا؟ فقال: أقتل الفرسان، ثم أعطِف على الرجّالة.
ولد سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وعشرين ومئة، وتوفي في صفر سنة ست عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: سبع عشرة ومئتين بالبصرة، وقيل: بمرو، وله من التصانيف كتب كثيرة جدًا.
* * *
٢١٧ - أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، الثعالبيُّ النيسابوريُّ: راعي لمعات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، رأس المؤلفين في زمانه، وإمام المصنفين بحكم قرانه، له من التآليف "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر"، وشيء كثير من المصنفات.
ولد سنة خمسين وثلاث مئة، وتوفي سنة تسع وعشرين وأربع مئة.
ونسبته بالثعالبي إلى خياطة جلود الثعالب وعملها؛ لأنه كان فَرَّاء.
* * *
٢١٨ - أبو محمد عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب، الكلبيُّ، الملقب: ديكُ الجِنِّ: الشاعر المشهور، أصله من أهل سَلَمْية، ومولده بحمص، وهو من شعراء الدولة العباسية.
стр. 912
ولد سنة إحدى وستين ومئة، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وتوفي أيام المتوكل سنة خمس، أو ست وثلاثين ومئتين، وكان له جارية يهواها اسمها دنيا، فاتهمها بغلامه وصيف، فقتلها، وندم على ذلك، وأكثر من التغزل فيها، فمن ذلك قوله:
بِأَبِي نَبَذْتُكِ بِالعَرَاءِ المُقْفِرِ ... وَسَتَرْتُ وَجْهَكِ بِالتُّرَابِ الأَعْفَرِ
بِأَبِي نَبَذْتُكِ بَعْدَ صَوْنٍ لِلْبِلَى ... وَرَجَعْتُ عَنْكِ صَبَرْتُ أَمْ لَمْ أَصْبِرِ
لَوْ كُنْتُ أَقْدِرُ أَنْ أَرَى أَثَرَ البِلَى ... لَتَرَكْتُ وَجْهَكِ ضَاحِيًا لَمْ يُقْبَرِ
وقال عنه ابن العفيف عند بلوغه ذلك: هذا الذي يقال له: الجنون فنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مما فعل هذا المجنون الذي فعل بالأحباب ما لا يفعل بالكلاب.
وأخباره ونوادره كثيرة.
* * *
٢١٩ - أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة ابن الحجاج بن مطر، التميميُّ السعديُّ: كان شاعرًا مجيدًا، طاف البلاد، ومدح الملوك، وله ديوان كبير، ولد سنة سبع وعشرين وثلاث مئة،
стр. 913
وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس، ثالث شوال، سنة خمس وأربع مئة ببغداد، ودفن في مقبرة الخيزران من الجانب الشرقي، ومن قوله:
وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تَنَوَّعَتِ الأَسْبَابُ وَالدَّاءُ وَاحِدُ
* * *
٢٢٠ - أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني، الفقيهُ الشافعيُّ: من رؤوس الأفاضل مذهبًا وأصولًا وخلافًا، نقل عنه: أنه قال: لو احترقت كتب الشافعي، لأمليتها من خاطري.
ولد في ذي الحجة، سنة خمس عشرة وأربع مئة، وقتله الملاحدة في جامع آمل يوم الجمعة، في حادي عشر المحرم، سنة اثنتين وخمس مئة بسبب التعصب في الدين ﵀.
* * *
٢٢١ - أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد، المخزوميُّ، الشاعرُ المعروفُ بالببغاء: من أهل نصيبين، له رسائل ونظم، ومن شعره:
وَمُهَفْهَفٍ لَمَّا اكْتَسَتْ وَجَنَاتُهُ ... خِلَعَ المَلاَحَةِ طُرِّزَتْ بِعِذَارِهِ
стр. 914
لَمَّا انتُصَرْتُ عَلَى أَلِيمِ جَفَائِهِ ... بِالقَلْبِ كَانَ القَلْبُ مِنْ أَنْصَارِهِ
كَمُلَتْ مَحَاسِنُ وَجْهِهِ فَكَأنَّمَا اقْـ ... ـتَبَسَ الهِلاَلُ النُّورَ مِنْ أَنْوَارِهِ
توفي يوم السبت، سلخ شعبان، سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، ولُقب بالببغاء؛ لحسن فصاحته، وقيل: للُثغة في لسانه.
* * *
٢٢٢ - أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة ابن محمد، القشيريُّ، الفقيهُ الشافعيُّ: كان علامة في الفقه والتفسير والحديث، والأصول والأدب والشعر، والكتابة، وعلم التصوف، جمع بين الحقيقة والشريعة، أصله من ناحية أُستوا، [من] العرب الذين قدموا خراسان، صنف "التفسير الكبير"، و"الرسالة" في رجال الطريقة.
ومن شعره:
سَقَى اللهُ وَقْتًا كُنْتُ أَخْلُو بِوَجْهِكُمْ ... وَثَغْرُ الهَوَى فِي رَوْضَةِ الأُنْسِ
ضَاحِكُ أَقَمْنَا زَمَانًا وَالعُيُونُ قَرِيرَةٌ ... وَأَصْبَحَتُ يَوْمًا وَالْجُفُونُ سَوَافِكُ
стр. 915
ولد في ربيع الأول، سنة ست وسبعين وثلاث مئة، وتوفي صبيحة يوم الأحد قبل طلوع الشمس، سادس عشر ربيع الآخر، سنة خمس وستين وأربع مئة بمدينة نيسابور، ودفن بالمدرسة بجانب شيخه ابن الدَّقاق.
وكان ولده أبو نصر عبد الرحيم إمامًا كبيرًا، توفي ضحوة نهار الجمعة، سنة أربع عشرة وخمس مئة بنيسابور، ودفن بالمشهد المعروف بقُم، وتنسب إليه هذه الأبيات:
القَلْبُ نَحْوَكَ نَازِعُ ... وَالدَّهْرُ فِيكَ مُنَازِعُ
جَرَتِ القَضِيَّةُ بِالنَّوَى ... مَا للِقَضِيَّةِ وَازِعُ
وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّنَي ... لِفِرَاقِ وَجْهِكَ جَازِعُ
وتوفي شيخه الدقاق أبو علي الحسين النيسابوري إمام وقته سنة اثنتي عشرة وأربع مئة.
والقشيري: نسبة إلى قشير بن كعب، وهي قبيلة كبيرة.
* * *
٢٢٣ - تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن أبي بكر: محمد بن