البصرة، وقدم بغداد في أيام الرشيد.
وحُكي عنه أنه قال: رأيت بعض الأعراب يفلي ثيابه، فيقتل البراغيث، ويدع القمل، فقلت: يا أعرابي! لم تفعل هكذا؟ فقال: أقتل الفرسان، ثم أعطِف على الرجّالة.
ولد سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وعشرين ومئة، وتوفي في صفر سنة ست عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: سبع عشرة ومئتين بالبصرة، وقيل: بمرو، وله من التصانيف كتب كثيرة جدًا.
* * *
٢١٧ - أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، الثعالبيُّ النيسابوريُّ: راعي لمعات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، رأس المؤلفين في زمانه، وإمام المصنفين بحكم قرانه، له من التآليف "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر"، وشيء كثير من المصنفات.
ولد سنة خمسين وثلاث مئة، وتوفي سنة تسع وعشرين وأربع مئة.
ونسبته بالثعالبي إلى خياطة جلود الثعالب وعملها؛ لأنه كان فَرَّاء.
* * *
٢١٨ - أبو محمد عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب، الكلبيُّ، الملقب: ديكُ الجِنِّ: الشاعر المشهور، أصله من أهل سَلَمْية، ومولده بحمص، وهو من شعراء الدولة العباسية.
стр. 912
ولد سنة إحدى وستين ومئة، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وتوفي أيام المتوكل سنة خمس، أو ست وثلاثين ومئتين، وكان له جارية يهواها اسمها دنيا، فاتهمها بغلامه وصيف، فقتلها، وندم على ذلك، وأكثر من التغزل فيها، فمن ذلك قوله:
بِأَبِي نَبَذْتُكِ بِالعَرَاءِ المُقْفِرِ ... وَسَتَرْتُ وَجْهَكِ بِالتُّرَابِ الأَعْفَرِ
بِأَبِي نَبَذْتُكِ بَعْدَ صَوْنٍ لِلْبِلَى ... وَرَجَعْتُ عَنْكِ صَبَرْتُ أَمْ لَمْ أَصْبِرِ
لَوْ كُنْتُ أَقْدِرُ أَنْ أَرَى أَثَرَ البِلَى ... لَتَرَكْتُ وَجْهَكِ ضَاحِيًا لَمْ يُقْبَرِ
وقال عنه ابن العفيف عند بلوغه ذلك: هذا الذي يقال له: الجنون فنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مما فعل هذا المجنون الذي فعل بالأحباب ما لا يفعل بالكلاب.
وأخباره ونوادره كثيرة.
* * *
٢١٩ - أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة ابن الحجاج بن مطر، التميميُّ السعديُّ: كان شاعرًا مجيدًا، طاف البلاد، ومدح الملوك، وله ديوان كبير، ولد سنة سبع وعشرين وثلاث مئة،
стр. 913
وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس، ثالث شوال، سنة خمس وأربع مئة ببغداد، ودفن في مقبرة الخيزران من الجانب الشرقي، ومن قوله:
وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تَنَوَّعَتِ الأَسْبَابُ وَالدَّاءُ وَاحِدُ
* * *
٢٢٠ - أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني، الفقيهُ الشافعيُّ: من رؤوس الأفاضل مذهبًا وأصولًا وخلافًا، نقل عنه: أنه قال: لو احترقت كتب الشافعي، لأمليتها من خاطري.
ولد في ذي الحجة، سنة خمس عشرة وأربع مئة، وقتله الملاحدة في جامع آمل يوم الجمعة، في حادي عشر المحرم، سنة اثنتين وخمس مئة بسبب التعصب في الدين ﵀.
* * *
٢٢١ - أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد، المخزوميُّ، الشاعرُ المعروفُ بالببغاء: من أهل نصيبين، له رسائل ونظم، ومن شعره:
وَمُهَفْهَفٍ لَمَّا اكْتَسَتْ وَجَنَاتُهُ ... خِلَعَ المَلاَحَةِ طُرِّزَتْ بِعِذَارِهِ
стр. 914
لَمَّا انتُصَرْتُ عَلَى أَلِيمِ جَفَائِهِ ... بِالقَلْبِ كَانَ القَلْبُ مِنْ أَنْصَارِهِ
كَمُلَتْ مَحَاسِنُ وَجْهِهِ فَكَأنَّمَا اقْـ ... ـتَبَسَ الهِلاَلُ النُّورَ مِنْ أَنْوَارِهِ
توفي يوم السبت، سلخ شعبان، سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، ولُقب بالببغاء؛ لحسن فصاحته، وقيل: للُثغة في لسانه.
* * *
٢٢٢ - أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة ابن محمد، القشيريُّ، الفقيهُ الشافعيُّ: كان علامة في الفقه والتفسير والحديث، والأصول والأدب والشعر، والكتابة، وعلم التصوف، جمع بين الحقيقة والشريعة، أصله من ناحية أُستوا، [من] العرب الذين قدموا خراسان، صنف "التفسير الكبير"، و"الرسالة" في رجال الطريقة.
ومن شعره:
سَقَى اللهُ وَقْتًا كُنْتُ أَخْلُو بِوَجْهِكُمْ ... وَثَغْرُ الهَوَى فِي رَوْضَةِ الأُنْسِ
ضَاحِكُ أَقَمْنَا زَمَانًا وَالعُيُونُ قَرِيرَةٌ ... وَأَصْبَحَتُ يَوْمًا وَالْجُفُونُ سَوَافِكُ
стр. 915
ولد في ربيع الأول، سنة ست وسبعين وثلاث مئة، وتوفي صبيحة يوم الأحد قبل طلوع الشمس، سادس عشر ربيع الآخر، سنة خمس وستين وأربع مئة بمدينة نيسابور، ودفن بالمدرسة بجانب شيخه ابن الدَّقاق.
وكان ولده أبو نصر عبد الرحيم إمامًا كبيرًا، توفي ضحوة نهار الجمعة، سنة أربع عشرة وخمس مئة بنيسابور، ودفن بالمشهد المعروف بقُم، وتنسب إليه هذه الأبيات:
القَلْبُ نَحْوَكَ نَازِعُ ... وَالدَّهْرُ فِيكَ مُنَازِعُ
جَرَتِ القَضِيَّةُ بِالنَّوَى ... مَا للِقَضِيَّةِ وَازِعُ
وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّنَي ... لِفِرَاقِ وَجْهِكَ جَازِعُ
وتوفي شيخه الدقاق أبو علي الحسين النيسابوري إمام وقته سنة اثنتي عشرة وأربع مئة.
والقشيري: نسبة إلى قشير بن كعب، وهي قبيلة كبيرة.
* * *
٢٢٣ - تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن أبي بكر: محمد بن
стр. 916
[أبي] المظفر (١) المنصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن جعفر ابن أحمد بن عبد الجبار بن الفضل بن الربيع، التميميُّ السمعانيُّ، الفقيه الشافعيُّ، الحافظ، الملقَّب: قوام الدين: رحل في طلب العلم والحديث إلى شرق الأرض وغربها، وشمالها وجنوبها، ولقي العلماء، وأخذ عنهم، وكان عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ، وكان إمامًا جليلًا.
ولد في ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وخمس مئة بنيسابور، وتوفي بمرو سنة أربع عشرة وست مئة (٢).
* * *
٢٢٤ - أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس، الأزديُّ الصِّقِلِّيُّ، الشاعر المشهور.
فمن معانيه البديعة قوله من قصيدة أولها:
قُمْ هَاتِهَا مِنْ كَفِّ ذَاتِ الوِشَاحِ ... فَقَدْ نَعَى اللَّيْلَ بَشِيرُ الصَّبَاحِ
стр. 917
بَاكِرْ إِلَى اللَذَّاتِ وَارْكَبْ لَهَا ... سَوَابِقَ اللَّهْوِ ذَوَاتِ المزَاحِ
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرْشُفَ شَمْسُ الضُّحَى ... رِيقَ الغَوَانِي مِنْ ثُغُورِ الأَقَاحِ
توفي في رمضان سنة سبع وعشرين وخمس مئة، وكان قد عمي، وفي أبياته ما يدل على أنه بلغ الثمانين.
* * *
٢٢٥ - أبو طالب عبد الجبار بن محمد بن علي بن محمد، المعافريُّ: كان إمامًا في اللغة وفنون الأدب، ودخل الديار المصرية سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، وهو حسن الخط على طريق المغاربة، وله مكتوب على ظهر كتاب "الذيل في اللغة" بيتان، وهما:
أُقْسِمُ بِاللهِ عَلَى كُلِّ مَنْ ... أَبْصَرَ خَطِّي حَيْثُمَا أَبْصَرَهْ
أَنْ يَدْعُوَ الرَّحْمَنَ لِي مُخْلِصًا ... بِالعَفْوِ وَالغُفْرَانِ وَالمَغْفِرَهْ
والمعافرة: قبيلة كبيرة نسبة إلى المعافر بن يعفر، غالبهم بمصر.
* * *
стр. 918
٢٢٦ - أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد ابن جعفر، المعروف بابن الصباغ، الفقيهُ الشّافعيُّ: كان فقيه العراقيين في وقته، وكان حجة صالحًا، ومن مصنفاته في الفقه "الشامل"، وهو صحيح النقل، ثابت الأدلة، وله غير ذلك من الكتب المفيدة.
ولي التدريس بالنظامية ببغداد أول ما فتحت، ثم عزل بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكانت ولايته لها عشرين يومًا، ولما توفي أبو إسحاق، أعيد إليها أبو نصر المذكور.
وبدئ بعمارتها في ذي الحجة، سنة سبع وخمسين وأربع مئة، وفتحت يوم السبت، عاشر ذي القعدة، سنة تسع وخمسين.
ولد سنة أربع مئة ببغداد، وكُفَّ بصره في آخر عمره، وتوفي في جمادى الأولى، سنة سبع وسبعين وأربع مئة ببغداد.
* * *
٢٢٧ - القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد ابن الحسين بن هارون بن مالك بن طوق صاحب الرحبة: كان فقيهًا مالكيًا أديبًا شاعرًا.
صنف في مذهبه كتبًا كثيرة، وشرح "الرسالة"، وتولى القضاء ببادرايا وباكسايا، وخرج إلى مصر في آخر عمره، فمات بها، ومن شعره:
стр. 919
مَتَى تَصِلُ العِطَاشُ إِلَى ارْتِوَاءٍ ... إِذَا اسْتَقَتِ البِحَارُ مِنْ الرَّكَايَا
وَهَلْ تُنْبِي الأَصَاغِرُ عَنْ مُرَادٍ ... وَقَدْ جَلَسَ الأَكَابِرُ فِي الزَّوَايَا
إِذَا اسْتَوَتِ الأَسَافِلُ وَالأَعَالِي ... فَقَدْ طَابَتْ مُنَادَمَةُ المَنَايَا
ولي القضاء بمدينة أسعرد، وكان مولده نهار الخميس، السابع من شوال، [سنة اثنتين وستين وثلاث مئة ببغداد، وتوفي] سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، وكانت وفاته بمصر، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الإمام الشافعي، ومن شعره:
بَغْدَادُ دَارٌ لِأَهْلِ المَالِ طَيِّبَةٌ ... وَلِلمَفَالِيسِ دَارُ الضَّنْكِ وَالضِيقِ
ظَلَلْتُ حَيْرَانَ أَمْشِي فِي أَزِقَّتِهَا ... كَأَنَّنِي مُصْحَفٌ فِي يَدِ زِنْدِيقِ
* * *
٢٢٨ - عبد الحميد بن يحيى بن سعد، مولى بني عامر: الكاتبُ البليغ المشهور، وبه يضرب المثل في البلاغة، وهو من أهل الشام، وكان أولًا معلم صبية يتنقل في البلدان، وهو أول من أطال الرسائل، واستعمل
стр. 920
التحميدات في فصول الكتب.
وكان كاتبَ مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الجعدي آخر ملوك بني أمية.
ومن كلامه: خير الكلام ما كان لفظه فحلًا ومعناه بِكرًا.
وكان كثيرًا ما ينشد:
إِذَا خَرَجَ الكُتَّابُ كَانَتْ دُوِيُّهُمْ ... قِسِيًّا وَأَقْلاَمُ الدُّوِيِّ لَهَا نَبْلَا
ولما قتل مروان، استخفى بالجزيرة، فغمز عليه، فأخذ، ودفعه أبو العباس السّفاح إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب شرطته، فكان يحمي له طستًا بالنار، ويضعه على رأسه حتى مات.
وقيل: إنما قُتل مع مروان، وكان قتلُ مروان يوم الاثنين، ثالث عشر ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومئة بقرية بوصير من أعمال الفيوم بالديار المصرية.
* * *
٢٢٩ - أبو عمرو (١) عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى، البصريُّ الكرديُّ الشهرزوريُّ المعروف بابن الصلاح، الملقب: تقي الدين، الفقيه الشافعيُّ: أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث، والفقه
стр. 921
وأسماء الرجال، وله مشاركة في فنون عديدة، وفتاويه مسددة، سافر إلى خراسان، ثم رجع إلى الشام، وتولى التدريس بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف، ثم انتقل إلى دمشق، وتولى تدريس المدرسة الرواحية، وكان من العلم والدين على قدم عظيم، وله مصنفات، وجمع أصحابه فتاويه في مجلد.
ولد سنة سبع وسبعين وخمس مئة، وتوفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصُلي عليه بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وأربعين وست مئة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر.
وتوفي والده في ذي القعدة، سنة ثماني عشرة وست مئة بحلب، ودفن بباب الأربعين، وكان مولده سنة تسع وثلاثين وخمس مئة.
* * *
٢٣٠ - أبو الفتح عثمان بن جِنِّي، الموصليُّ النحويُّ المشهورُ: كان إمامًا في علم العربية والأدب، وكان أبوه جني مملوكًا روميًا لسليمان ابن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، وكان أعور، وإلى ذلك أشار بقوله:
صُدُودُكَ عَنِّي وَلَا ذَنْبَ لِي ... يَدُلُّ عَلَى نِيَّةٍ فَاسِدَهْ
فَقَدْ وَحَيَاتِكَ مِمَّا بَكَيْتُ ... خَشِيتُ عَلَى عَيْنِيَ الوَاحِدَهْ
وَلَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ لَا أَرَاكَ ... لَمَا كَانَ فِي تَرْكِهَا فَائِدَهْ
стр. 922
ولابن جني المصنفاتُ المفيدة: منها "اللمع"، و"شرح ديوان المتنبي"، وسماه "النشر"، وغير ذلك.
ولد في الثلاثين والثلاث مئة بالموصل، وتوفي يوم الجمعة، لليلتين بقيتا من صفر، سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة ببغداد - رحمه الله تعالى -.
* * *
٢٣١ - أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، المصريُّ (١) الفقيهُ المالكيُّ، المعروفُ بابن الحاجب، الملقب: جمال الدين: كان والده حاجبًا [للأمير عز الدين] (٢) موسك الصلاحي، وكان كرديًا، واشتغل ولده بالقاهرة في القرآن، والفقه على مذهب مالك، والعربية، وبرع في علومه، ثم انتقل إلى دمشق، وتبحر في الفنون، وصنف "المختصر" المتداول بين الناس، وغيره، ثم عاد إلى القاهرة، ثم انتقل إلى الإسكندرية، وتوفي بها في ضحى نهار الخميس، سادس عشري شوال، سنة أربعين وست مئة (٣)، ودفن خارج باب البحر.
وكان مولده في أواخر سنة سبعين وخمس مئة.
* * *
стр. 923
٢٣٢ - الشيخ عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان ابن الحسن بن مروان، الهكاريُّ مسكنًا: العبد الصالح المشهور، الذي تنسب إليه الطائفة العدوية، سار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير، ولد بقرية يقال لها: بيت فار من أعمال بعلبك، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن، وتوفي سنة سبع، وقيل: خمس وخمسين وخمس مئة في بلدة الهكارية، ودفن بزاويته، وعاش تسعين سنة.
* * *
٢٣٣ - أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، القرشيُّ الأسديُّ: أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وأبوه الزبير أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والزبير ابن صفية عمة النبي ﷺ ، وأم عروة أسماءُ بنت أبي بكر الصديق، وهي ذات النطاقين، وإحدى عجائز الجنة، وعروة شقيقُ عبد الله بن الزبير، بخلاف أخيهما مصعب؛ فإنه لم يكن من أمهما.
وكان عالمًا صالحًا، وأصابته الأكلة في رجله وهو بالشام، فقُطعت رجله عند الوليد، وهو مشغول عنه بمن يحدثه، فلم يتحرك، ولم يشعر الوليد أنها قطعت حتى كُويت، فوجد رائحة الكي، ولم يترك وِرْدَه تلك الليلة، وعاش بعد قطع رجله ثمان سنين، وهو الذي حفر بئر عروة بالمدينة، وهي منسوبة إليه، وليس بالمدينة بئر أعذب منها.
ولد سنة اثنتين، وقيل: ست وعشرين، وتوفي سنة ثلاث، وقيل: أربع وتسعين بقرية يقال لها: فُرع - بضم الفاء - ناحية الربذة، بينها وبين
стр. 924
المدينة أربعة أميال، وهي ذات نخيل ومياه، ودفن هناك ﵁.
* * *
٢٣٤ - أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله، مولى عبد الله بن عباس: أصله من البربر من أهل المغرب، وكان لحصين بن الحر العنبري، فوهبه لابن عباس حين ولي البصرة لعلي (١) بن أبي طالب، واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن، وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها.
روي أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت الناس.
وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحدًا أعلمَ منك؟ قال: عكرمة.
ومات مولاه ابن عباس وعكرمةُ على الرق، ولم يعتقه، فباعه ولده علي بن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فاستقاله، فأقاله، وأعتقه، وتوفي سنة سبع ومئة، وعمره ثمانون سنة.
* * *
٢٣٥ - أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروفُ بزين العابدين، ويقال له: علي الأصغر: وليس للحسين عقبٌ إلا من ولد زين العابدين هذا، وهو أحد الأئمة الاثني عشر، ومن سادات التابعين.
ولد في شهور سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وتوفي سنة أربع وتسعين
стр. 925
للهجرة بالمدينة الشريفة، ودفن بالبقيع في قبر عمه الحسن بن علي بن أبي طالب في القبة التي فيها قبر العباس ﵃.
* * *
٢٣٦ - أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن زين العابدين المذكور: وهو أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، وكان المأمون قد زوجه ابنته أم حبيب سنة اثنتين ومئتين، وجعله ولي عهده، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم، وكانت ولادة (١) علي المذكور يوم الجمعة، في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ومئة بالمدينة، وقيل: بل ولد سابع شوال، وقيل: ثامنه، وقيل: سادسه، سنة إحدى وخمسين ومئة (٢)، وتوفي سنة ثلاث ومئتين بمدينة طوس، وصلى عليه المأمون، ودفنه ملاصق قبر أبيه الرشيد.
* * *
٢٣٧ - القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، الفقيهُ الشافعيُّ: كان فقيهًا أديبًا شاعرًا، وهو القائل:
يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَا ... رَأَوْا رَجُلًا عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا
стр. 926
وله:
مَا لِي وَمَا لَكَ يَا فِرَاقُ ... أَبَدًا رَحيلٌ وَانْطِلَاقُ
يَا بِئْسَ مَوْتِي بَعْدَهُمْ ... وَكَذَا يَكُونُ الاشْتِيَاقُ
توفي في سلخ صفر، سنة ست وستين وثلاث مئة بنيسابور، وعمره ست وسبعون سنة، وكان حسن السيرة في قضائه، وكانت وفاته بالري، وهو قاضي القضاة، وقيل: في سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة، وحُمل تابوته إلى جرجان من خراسان، ودفن بها، وهي مدينة عظيمة.
* * *
٢٣٨ - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، البصريُّ المعروفُ بالماورديِّ، الشافعيُّ: كان من وجوه الفقهاء الشافعية، ومن كبارهم، حافظًا للمذهب، وله: "الحاوي" الذي لم يطالعه أحد إلا شهد له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب، وفوض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد، وله شعر حسن.
وقال لما خرج من بغداد راجعًا إلى البصرة:
أَقَمْنَا كَارِهِينَ لَهَا فَلَمَّا ... أَلِفْنَاهَا خَرَجْنَا كَارِهِينَا
стр. 927
وَمَا حُبُّ البِلَادِ بِنَا وَلَكِنْ ... أَمَرُّ العَيْشِ فُرْقَةُ مَنْ هَوِينَا
خَرَجْتُ أَقَرَّ مَا كَانَتْ لِعَيْنِي ... وَخَلَّفْتُ الفُؤَادَ بِهَا رَهِينَا
وإنما قال ذلك؛ لأنه من أهل البصرة، فشق عليه فراقها.
توفي يوم الثلاثاء، سلخ ربيع الأول، سنة خمسين وأربع مئة، وعمره ست وثمانون سنة.
والماوردي: نسبة إلى بيع الماورد.
* * *
٢٣٩ - أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر (١) إسحاق بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله ﷺ : وإليه تنسب الطائفة الأشعرية.
ولد سنة سبعين ومئتين بالبصرة، وتوفي سنة نيف وثلاثين وثلاث مئة، وقيل: سنة أربع وعشرين وثلاث مئة، وقيل: سنة ثلاثين، ودفن بين الكرخ وباب البصرة، وكان أولًا معتزليًا، ثم تاب من القول بالعزل وخلق القرآن وردَّ على المعتزلة، وضبط له من التصانيف خمسة وخمسون مصنفًا.
* * *
стр. 928
٢٤٠ - أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبريُّ، الملقب: عماد الدين، المعروف بالكياالهراسي، الفقيهُ الشافعيُّ: كان من أهل طبرستان، وخرج إلى نيسابور، وكان حسن الوجه، جهوري الصوت، فصيح العبارة، ثم خرج من نيسابور إلى العراق، وتولى النظامية ببغداد إلى أن توفي، وتولى القضاء.
وسئل عن يزيد بن معاوية، فأفتى بفسقه، وأفتى أبو حامد الغزالي بخلاف ذلك، وبعدم جواز لعن يزيد، وباستحباب الترحم عليه، وبفسق من لعنه.
وكانت ولادة الكيا في ذي القعدة، سنة خمسين وأربع مئة، وتوفي يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرم، سنة أربع وخمس مئة ببغداد، ودفن بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ولما دفن، وقف قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني على قبره، وقال:
عَقُمَ النِّسَاءُ فَلَا يَلِدْنَ شَبِيهَهُ ... إِنَّ النِّسَاءَ بِمِثْلِهِ لَعَقِيمُ
والكيا بالعجمية: الكبير القدر، المقدم بين الناس - رحمه الله تعالى -.
* * *
٢٤١ - أبو الحسن (١) علي بن الأنجب أبي المكارم المفضل بن
стр. 929
علي بن أبي الغيث، المقدسيُّ الأصل، الإسكندرانيُّ المولد، المالكيُّ المذهب: كان فقيهًا فاضلًا، من أكابر الحفاظ في الحديث والعلوم. صحب السِّلَفي، والمنذري، وبهما انتفع، وأنشد للمنذري:
ثَلَاثُ بَاءَاتٍ بُلِينَا بِهَا ... البَقُّ وَالبُرْغُوثُ وَالبَرْغَشُ
ثَلاَثَةٌ أَوْحَشُ مَا فِي الوَرَى ... وَلَسْتُ أَدْرِي أَيُّهَا أَوْحَشُ
وكان ينوب في الحكم بثغر الإسكندرية، ودرَّس بالمدرسة المعروفة به هناك، ثم انتقل إلى القاهرة، ودرس بها إلى حين وفاته، وتوفي في مستهل شعبان، سنة إحدى عشرة وست مئة، عن سبعة وستين سنة.
* * *
٢٤٢ - أبو الحسن علي بن محمد بن سالم التغلبي، الفقيهُ الأصولي، الملقب: سيف الدين، الآمديُّ: كان في أول اشتغاله حنبليًا، واشتغل في ذلك مدة، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، ثم انتقل إلى الشام من بغداد، ثم انتقل إلى الديار المصرية، وتولى الإعادة بالمدرسة المجاورة لضريح الشافعي، وتصدر بالجامع الظاهري، ولما اشتهر فضله، حسده جماعة من الفقهاء، وتعصبوا عليه، ونسبوه إلى فساد العقيدة، والتعطيل، ومذهب الفلاسفة والحكماء (١)، وكتبوا محضرًا
стр. 930
يتضمن ذلك، ووضعوا خطوطهم بما يُستباح به الدم، ثم حُمل المحضر إلى رجل فيه عقل ومعرفة ليكتب فيه مثلَهم، فقال:
حَسَدُوا الفَتَى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ ... فَالقَوْمُ أَعْدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ
كَضَرَائِرِ الحَسْنَا يَقُلْنَ لِوَجْهِهَا ... حَسَدًا وَبُؤْسًا إِنَّهُ لَدَمِيمُ
وكتب فلان بن فلان.
ولما رأى سيف الدين تعصبهم، ترك البلاد، وخرج مستخفيًا إلى الشام، واستوطن حماة، ثم انتقل إلى دمشق، [ودرس] بالعزيزية، ثم عُزل عنها لسبب اتهم به، وأقام بطالًا في بيته، وتوفي على ذلك في رابع صفر، سنة إحدى وثلاثين وست مئة، وله تصانيف مفيدة تزيد عن عشرين مصنفًا.
* * *
٢٤٣ - أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن فيروز، الأسديُّ بالولاء، الكوفيُّ المعروفُ بالكسائي، أحدُ القراء السبعة: كان إمامًا في النحو واللغة والقرآن، ولم يكن له في الشعر يد، توفي سنة تسع وثمانين ومئة بالري، وكان قد خرج إليها صحبة هارون الرشيد، وكان الرشيد يقول: دفنت الفقه والعربية بالري، - رحمه الله تعالى -.
* * *
стр. 931
٢٤٤ - أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، البغداديُّ الدارقطنيُّ الحافظُ المشهور: كان عالمًا حافظًا، فقيهًا على مذهب الإمام الشافعي، وشهد يومًا عند القاضي ابن معروف، ثم ندم في سنة ست وسبعين وثلاث مئة، وقال: [كان] يقبل قولي على رسول الله ﷺ بانفرادي، وصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر! وصنف "السنن"، و"المختلف والمؤتلف"، وغيرهم.
وخرج من بغداد إلى مصر، وحصل له خير ورزق واسع.
ولد في ذي القعدة، سنة ست وثلاث مئة، وتوفي يوم الأحد، لثمانٍ خلون من ذي القعدة، وقيل: ذي الحجة، سنة خمس وثمانين وثلاث مئة ببغداد، ودفن قريبًا من معروف الكرخي في مقبرة باب الدير.
والدارقطني: نسبة إلى دار القطن ببغداد، وكانت محلة كبيرة.
* * *
٢٤٥ - أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل، المعروفُ بالأخفش الأصغر، النحويُّ: كان عالمًا ثقة، وهو غير الأخفش الأكبر، والأخفش الأوسط.
وكان الأخفش الأكبر أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد من أهل هَجَر من مواليهم، وكان نحويًا لغويًا.
والأوسط هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة، صاحب سيبويه.
وكان وفاته في ذي القعدة، وقيل: في شعبان، سنة خمس عشرة،
стр. 932
أو ست عشرة وثلاث مئة فجأة ببغداد.
والأخفش: هو صغير العين.
وكان الأخفش كثيرًا ما ينشد، ويملي على الناس:
هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنيِّ غَيْرُ جَائِيكَا ... وَإِنَّنِي غَيْرُ مَاشٍ فِي نَوَاحِيكَا
واللهِ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا بِزِينَتِهَا ... وَادٍ بِكَفِّكَ لَمْ أَحْلُلْ بِوَادِيكَا
وَلَوْ مَلَكْتَ رِقَابَ النَّاسِ كُلِّهِمُ ... شَرْقًا وَغَرْبًا لَمَا جِئْنَا نُهَنِّيكَا
* * *
٢٤٦ - أبو الحسن علي بن أحمد بن علي الواحدي: صاحبُ التفاسير المشهورة، وكان أستاذ عصره في النحو والتفسير، وصنف فيه "البسيط"، و"الوسيط"، و"الوجيز"، ومنه أخذ الغزالي أسماء كتبه الثلاثة، وتوفي عن مرض طويل في جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين وأربع مئة بمدينة نيسابور.
* * *
٢٤٧ - أبو القاسم الحافظ علي بن محمد بن الحسين بن هبة الله أبي الحسن (١)، المعروفُ بابن عساكر، الدمشقيُّ، الملقب ثقة الدين: كان محدث الشام، ومن أعيان الشافعية، رحل إلى بغداد، وخراسان،
стр. 933
ونيسابور، وهراة، وأصبهان، والجبال، وصنف التصانيف، و"التاريخ الكبير الدمشقي" في ثمانين مجلدة، أتى فيه بالعجائب، وله شعر حسن، منه - وقد التزم الزاي قبل اللام -:
تَوَلَّى شَبَابِي كَأَنْ لَمْ يَكُن ... وَجَاءَ المَشِيبُ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ
كَأَنيِّ بِنَفْسِي عَلَى غِرَّةٍ ... وَخَطْبُ المَنُونِ بِهَا قَدْ نَزَلْ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي ممَنْ أَكُونُ ... وَمَا قَدَّرَ اللهُ لِي فِي الأَزَلْ
ولد في أول المحرم، سنة تسع وتسعين وأربع مئة، وتوفي ليلة الاثنين، الحادي عشر من شهر رجب، سنة إحدى وسبعين وخمس مئة بدمشق، وحضر الصلاةَ عليه السلطان صلاح الدين، ودفن عند والده بباب الصغير - رحمه الله تعالى -.
* * *
٢٤٨ - أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد الهمداني، المصريُّ السخاويُّ المقرئ النحويُّ، الملقب: علم الدين: اشتغل بالقاهرة على الشاطبي، ثم انتقل إلى دمشق، وتقدم بها على علماء فنه، وله خطب وأشعار، توفي بدمشق، ليلة الأحد، ثاني عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث وأربعين وست مئة، عن تسعين سنة.
ولما حضرته الوفاة، أنشد لنفسه:
قَالُوا غَدًا تَأْتِي دِيَارَ الحِمَى ... وَيَنْزِلُ الرَّكْبُ بِمَغْنَاهُمُ
стр. 934
وَكُلُّ مَنْ كَانَ مُطِيعًا لَهُمْ ... أَصْبَحَ مَسْرُورًا بِلُقْيَاهُمُ
قُلْتُ فَلِي ذَنْبٌ فَمَا حِيلَتِي ... بِأَيِّ وَجْهٍ أَتَلَقَّاهُمُ
قَالُوا أَلَيْسَ العَفْوُ مِنْ شَأْنِهِمْ ... لَا سِيَّمَا عَمَّنْ تَرَجَّاهُمُ
* * *
٢٤٩ - أبو الحسن علي بن هلال، المعروفُ بابن البواب، الكاتبُ المشهور: لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله، ولا قارَبَه، وكان أبوه بوابًا، فلهذا نسب إليه، وكان شيخه في الكتابة ابن أسد الكاتب، وتوفي في ثاني جمادى الأولى، سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة ببغداد، ودفن بجوار الإمام أحمد.
وأول من [خَطَّ] بالعربي: إسماعيل ﵇، وقيل: مرامر ابن مرة من أهل الأنبار، ومنه انتشرت الكتابة في الناس، وجميع كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب اثنا عشر كتابة: العربية، والحميرية، واليونانية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية، والرومية، والقبطية، والبربرية، والأندلسية، والهندية، والصينية.
فخمسٌ منها بطل استعمالها، واضمحلت، وذهب من يعرفها، وهي: الحميرية، واليونانية، والقبطية، والبربرية، والأندلسية.
وثلاث قد بقي استعمالها في بلادها، وعدم من يعرفها في بلاد الإسلام، وهي: الرومية، والهندية، والصينية.
وحصلت أربع، وهي: العربية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية.
* * *
стр. 935
٢٥٠ - أبو الحسن علي بن العباس بن جريج، المعروف بابن الرومي، مولى عبيد الله بن جعفر بن المنصور، الشاعرُ المشهور: صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، فمن ذلك قوله:
وَإِذَا امْرُؤٌ مَدَحَ امْرَأً لِنَوَالِهِ ... وَأَطَالَ فِيهِ فَقَدْ أَرَادَ هِجَاءَهُ
لَوْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ بُعْدَ المُسْتَقَى ... عِنْدَ الوُرُودِ لَمَا أَطَالَ رِشَاءَهُ
ولد في رجب، سنة إحدى وعشرين ومئتين ببغداد، وتوفي في ثاني جمادى الأولى، سنة ثلاث وثمانين ومئتين.
وكان سبب موته: أن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبد الله وزيرَ الإمام المعتضد كان يخاف من هجوه، وفَلتات لسانه بالفحش، فدسَّ عليه ابنَ فراس، فأطعمه خشتنانكه مسمومة وهو في مجلسه، فلما أكلها أحسَّ بالسم فقام، فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ قال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، فقال: سلِّم على والدي، فقال له: ما طريقي على النار، وخرج من مجلسه، وأتى منزله، فكان الطبيب يتردد إليه، ويعالجه بالأدوية النافعة للسم، فزعم أنه غلط عليه في بعض العقاقير.
* * *
٢٥١ - أبو القاسم علي بن إسحاق بن خلف، البغداديُّ، المعروفُ بالزاهي: الشاعرُ المشهور، توفي في جمادى الآخرة، سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة ببغداد، ودفن بمقابر قريش، ومن شعره:
стр. 936
وَلَمْ أَخْلَعْ عِذَارِي فِيكَ إِلَّا ... لِمَا عَايَنْتُ مِنْ حُسْنِ العِذَارِ
وَكَمْ أَبْصَرْتُ مِنْ حَسَنٍ وَلَكِنْ ... عَلَيْكَ لِشِقْوَتِي وَقَعَ اخْتِيَارِي
والزاهي: نسبة إلى قرية من قرى نيسابور، ونسب إليها جماعة.
٢٥٢ - أبو الفتح علي بن محمد الكاتب البُسْتي: الشاعر المشهور، صاحبُ الطريقة الأنيقة في تجنيس الأنيس البديع التأسيس؛ فمن ألفاظه البديعة قوله: من أصلح فاسدَه، أرغم حاسدَه، من أطاع غضبه، أضاع أدبَه، عاداتُ السادات سادات العادات.
ومن شعره:
إِذَا تَحَدَّثْتَ فِي قَوْمٍ لِتُؤْنِسَهُمْ ... بِمَا تُحَدِّثُ مِنْ مَاض وَمِنْ آتِ
فَلاَ تَعُدْ لِحَدِيثٍ إِنَّ طَبْعَهُمُ ... مُوَكَّلٌ بِمُعَادَاةِ المُعَادَاتِ
وتوفي سنة أربع مئة ببخارى - رحمه الله تعالى -.
٢٥٣ - أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب، الباخرزيُّ، الشاعر المشهور: كان أوحد عصره في فضله وذهنه، كان في شبابه مشتغلًا بالفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁، ثم شرع في فن الكتابة، ورأى من الدهر العجائب سفرًا وحضرًا، وغلب أدبه على فقهه، فاشتهر به، وله ديوان شعر، فمن معانيه الغريبة قوله:
стр. 937
وَإِنِّي لأَشْكُو لَسْعَ أَصْدَاغِكَ الَّتِي ... عَقَارِبُهَا فِي وَجْنتَيْكَ تَحُومُ
وَأَبْكِي لِدُرِّ الثَّغْرِ مِنْكَ وَلِي أَبٌ ... فَكَيْفَ يُدِيمُ الضِحْكَ وَهْوَ يَتِيمُ
وقوله من جملة أبيات:
يَا فَالِقَ الصُّبْحِ مِنْ لأْلاَءِ غُرَّتهِ ... وَجَاعِلَ اللَّيْلِ مِنْ أَصْدَاغِهِ سَكَنَا
بِصُورَةِ الوَثَنِ اسْتَعْبَدْتَنِي وَبِهَا ... فتنْتَنِي وَقَدِيمًا هِجْتَ لِي شَجَنَا
لا غَرْوَ أَنْ أَحْرَقَتْ نَارُ الهَوَى كَبِدِي ... فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَى مَنْ يَعْبُدُ الوَثَنَا
وقتل الباخرزي بباخرز في ذي القعدة، سنة سبع وستين وأربع مئة، وذهب دمُه هدرًا.
وباخرز: ناحية من نواحي نيسابور، تشتمل على قرى ومزارع، خرج منها جماعة من الفضلاء وغيرهم.
٢٥٤ - جمال الملك أبو القاسم علي بن أفلح العبسي: الشاعرُ المشهور، مدح الخلفاء فمَنْ دونَهم، ولقي الرؤساء، وله ديوان جيد،
стр. 938
فمنه يخاطب محبوبه:
يَا جَاهِلًا قَدْرَ المَحَبَّةِ سَاءَنِي ... مَا ضَاعَ مِنْ كَلَفِي وَمِنْ تَبْريحِي
سِيَّانِ عِنْدَكَ مُغْرَمٌ بِكَ هَائِمٌ ... وَخَليُّ قَلْبٍ فِيكَ غَيْر قَرِيحِ
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ طَبْعَكَ هَكَذَا ... لَمْ أَعْصِ يَوْمَ نُصِحْتُ فِيكَ نَصِيحي
مَا كَانَ فِي عَزْمِي السُّوُّ وَإِنَّمَا ... ألْزَمْتَنِيهِ بِكَثْرَةِ التَّقْبِيحِ
توفي يوم الخميس، ثاني شعبان، سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع وثلاثين وخمس مئة، وعمره أربع وستون سنة، وأربعة عشر يومًا، ببغداد، ودفن بالجانب الغربي بمقابر قريش ﵀.
٢٥٥ - أبو الحسن علي بن رستم بن هردوز، المعروفُ بابن الساعاتي، الملقَّب: بهاء الدين: الشاعر المشهور، له ديوان جيد، وديوان آخر لطيف سماه: "مقطعات النيل"، ومن شعره:
وَلَقَدْ نزَلْتُ بِرَوْضَةٍ حَرْبِيَّةٍ ... رَتَعَتْ نَوَاظِرُنَا بِهَا وَالأَنْفُسُ
стр. 939
فَظَلَلْتُ أَعْجَبُ حَيْثُ يَحْلِفُ صَاحِبِي ... وَالمِسْكُ مِنْ نَفَحَاتِهَا يَتَنَفَّسُ
مَا الْجَوُّ إِلَّا عَنْبَرٌ وَالدَّوْحُ إِلَّا ... جَوْهَرٌ وَالرَّوْضُ إِلَّا سُنْدُسُ
سَفَرَتْ شَقَائِقُهَا فَهَمُّ الأُقْحُوَا ... نُ بِلَثْمِهَا وَرَنَا إِلَيْهِ النَّرْجِسُ
فَكَأَنَّ ذَا ثَغْرٌ وَذَا خَدٌّ يُحَا ... وِلُهُ وَذَا أَبَدًا عُيُونٌ تَحْرُسُ
توفي في الثالث والعشرين من شهر رمضان، سنة أربع وست مئة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم، وعمرُه إحدى وخمسون سنة، وستة أشهر، واثنا عشر يومًا، ولد بدمشق.
٢٥٦ - أبو الفضائل علي بن أبي المظفر يوسف (١) بن أحمد بن عبيد الله بن الحسين بن أحمد بن جعفر، الآمديُّ الأصل، الواسطيُّ الدار والمولد، وهو من بيت معروف بواسط بالصلاح والرواية والعدالة، قدم بغداد، وأقام بها مدة متفقهًا على مذهب الشافعي، وتولى القضاء بواسط في أواخر صفر، سنة أربع وست مئة، وله معرفة بالحساب،
لِي أَرْبَعٌ شُهَدَاءُ فِي حِفْظِ الوَلاَ ... دَمْعٌ وَحُزْنٌ مُفْرِطٌ ويدلها
وَبَلابِلٌ تَعْتَادُتِي لَوْ أَنَّهَا ... يَوْمًا غَدَتْ مِثْلِي لأصْبَحَ كَالسُّهَا
لاَمَ العَذُولُ عَلَى هَوَاكِ وَمَا ارْعَوَى ... وَنهَاهُ عَنْكِ اللَّائِمُونَ وَمَا انتهَى
قَالُوا اشْتَهَاكِ وَقَدْ رَآكِ مَلِيحَةً ... عَجَبًا وَأيُّ مَلِيحَةٍ لاَ تُشْتَهَى
أَنَا أَعْشَقُ العُشَّاقَ فِيكِ فَلاَ أَرَى ... مِثْلِي وَلاَ لَكِ فِي المَلاَحَةِ مُشْبِهَا
وله غيرها أشعار رقيقة، وتوفي سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، عن تسعين سنة، بواسط.
٢٥٧ - عماد الدولة أبو الحسن علي بن بُويه الديلمي، صاحبُ بلاد فارس، كان أبوه صيادًا، وليست له معيشة إلا من صيد السمك، وكان له إخوة هو أكبرهم: ركن الدولة، ومعز الدولة وغيرهما، وكان عماد الدولة سبب سعادتهم، وانتشارِ صيتهم، فاستولى على البلاد، وملكوا العراقين، والأهواز، وفارس، وساسوا أمور الرعية، وملك
стр. 942
عمادُ الدولة في أول ملكه شيراز، ثم تمكن حاله، واستقرت قواعده، وتوفي في جمادى الأولى، سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة بشيراز، ودفن بدار المملكة، وأقام ستة عشر [سنة] في الملك.
٢٥٨ - أبو حسن علي بن منقذ بن نصر، الملقب: سديد الملك صاحبُ قلعة شَيْزَر: وهو أول من ملكها من بني منقذ، وكان شجاعًا، غضب على مملوكه، فقال:
أَسْطُو عَلَيْهِ وَقَلْبِي لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ ... كَفَّيَّ غَلَّهُمَا غَيْظًا إِلَى عُنُقِي
وَأَسْتَعِيرُ إِذَا عَاتَبْتُةُ حَنَقًا ... وَأَيْنَ ذُلُّ الهَوَى مِنْ عِزَّةِ الحَنَقِ
وكان موصوفًا بقوة الفطنة.
وحكى: أن تاج الملوك محمود بن صالح صاحب حلب تقدم إلى كاتبه أبي نصر محمد بن الحسين أن يكتب إلى سديد الملك كتابا يتشوقه ويستعطفه، ويستدعيه إليه، وفهم الكاتب أنه يقصد له شرًا، وكان صديقًا له، فكتب الكتاب كما أمر إلى أن بلغ: إن شاء الله تعالى، وشدَّد النونَ وفتحَها، فلما وصل الكتاب إليه، قرأه، وأجاب عنه بما اقتضاه الحال، وكتب في جملة الكتاب: أنا الخادم المقر بالإنعام، وكسر الهمزة من: أنا، وشدد النون، فلما وصل الكتاب إلى محمود، وقف عليه الكاتب،
стр. 943
وسُرَّ بما فيه، وكان الكاتب قد قصد قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠].
فأجاب سديد الملك: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة: ٢٤]، فكانت هذه معدودة من تيقظه وفهمه، وتوفي سنة خمس وسبعين وأربع مئة.
٢٥٩ - الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن بن ريدان (١)، الحكميُّ اليمنيُّ، الملقبُ: نجم الدين، الشاعرُ المشهور: من تهامة باليمن من مدينة يقال لها: مرطان، وبها مولده، رحل إلى زبيد، وحج سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وسيره قاسم بن هاشم بن فليتة صاحبُ مكة رسولًا إلى الديار المصرية، فدخلها سنة خمس وخمسين وخمس مئة، وصاحبها يومئذٍ الفائزُ بن الظافر، والوزير الصالح بن رُزيك، وأنشد في تلك الدفعة قصيدته الميمية التي يقول فيها:
الحَمْدُ لِلِعيسِ بَعْدَ العَزْمِ وَالهِمَمِ ... حَمْدًا يَقُومُ بِمَا أَوْلَيْتَ مِنْ نِعَمِ
لاَ أَجْحَدُ الحَقَّ عِنْدِي لِلرِّكَابِ يَدٌ ... تَمَنَّتِ اللُّجْمُ فِيَها رُتْبَةَ الخُطُمِ
стр. 944
ومنها:
سَرَيْتُ مِنْ كَعْبَةِ البَطْحَاءِ وَالحَرَمِ ... وَفْدًا إِلَى كَعْبَةِ المَعْرُوفِ وَالكَرَمِ
فَهَلْ دَرَى البَيْتُ أَنِّي بَعْدَ فُرْقَتِهِ ... مَا سِرْتُ مِنْ حَرَمٍ إلَّا [إِلَى] حَرَمِ
وزالت دولة الفاطمية وهو في البلاد، ولمَّا ملك صلاح الدين، مدحه، ومدح جماعة من أهل بيته، ثم إنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعة من رؤساء البلد على التعصب مع المصريين، وإعادة دولتهم، فأحسَّ بهم صلاح الدين، وكانوا ثمانية، من جملتهم الفقيه عمارةُ المذكور، فمسكهم، وشنقهم، وذلك في يوم السبت، ثاني شهر رمضان، سنة تسع وستين وخمس مئة بالقاهرة.
ويقال: إن القاضي الفاضل من جملة من أشار على الملك الصالح بقتله، فإنه استشاره في أمره، فقال له: نضربه؟ فقال: الكلب يُضرب، فيزيد نَبْحه، فقال: نحبسه؟ فقال: يطول لسانه، فقال: نقتله؟ قال: الملوك إذا فعلت شيئًا، لم يعارضها أحد، فعلم المقصود، وقتله، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
٢٦٠ - أبو القاسم عمر بن أبي علي الحسين بن عبد الله بن أحمد، الخرقيُّ الحنبليُّ: كان من أعيان الفقهاء الحنابلة، وصنف في مذهبهم
стр. 945
كتبًا كثيرة، من جملتها: "المختصر"، وكان أودعها بغداد لمَّا عزم على السفر إلى دمشق، فغرِقت في غيبته، وتوفي بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة.
٢٦١ - أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله البكري، الملقب: شهاب الدين السهرورديُّ، ونسبه متصل بأبي بكر الصديق: كان فقيهًا شافعي المذهب، شيخًا صالحًا، ولم يكن في آخر عمره مثله، وكان شيخ الشيوخ ببغداد، وله نفس مبارك.
حكى من حضر مجلسه: أنه أنشد يومًا على الكرسي:
لاَ تَسْقِنِي وَحْدِي فَمَا عَوَّدْتَنِي ... أَنِّي أَشِحُّ بِهَا عَلَى جُلَّاسِي
أَنْتَ الكَرِيمُ وَلاَ يَلِيقُ تَكَرُّما ... أَنْ يَعْبُرَ النُّدَمَاءَ دَوْرُ الكَاسِ
وله تآليف حسنة، منها: كتاب "عوارف المعارف".
ومولده بسهرورد في أوائل شعبان، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وست مئة ببغداد، ودفن من الغد بالوردية.
٢٦٢ - أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي،
قال: فسمع قائلًا، ولم ير شخصَه:
مُحَمَّدُ الهَادِي الَّذِي ... عَلَيْهِ جِبْرِيلٌ هَبَطْ
ولد في الرابع من ذي القعدة، سنة ست وسبعين وخمس مئة بالقاهرة، توفي بها يوم الثلاثاء، ثالث جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاثين وست مئة، ودفن من الغد بسفح المقطَّم.
وللناس في نظمه كلام كثير، وأهل العلم يؤولون كلامه بتأويل حسن، وتعصَّب عليه فرقة يسيرة تكلموا فيه بما لا يليق، ونسبوه إلى الزندقة، وكان منهم أصحاب مناصب، ومن هو متعين، فانتقم الله منهم، وخرجت وظائفهم، ولزموا بيوتهم نادمين، وأخرج بعضهم من القاهرة، وكان عينًا بها، وهو برهان الدين البقاعي، نفاه السلطان إلى دمشق، وتخلفن بها إلى أن مات.
ورئي مكتوبًا بضريح الشيخ عمر بالقرافة [ ... ]:
إنَّ البُقَاعِي بِمَا قَدْ قَالَهُ مُطَالَبُ ... لاَ تَحْسَبُوهُ سَالِمًا فَقَلْبُهُ يُعاقَبُ
[ ... ] هذا القلب.
والفارض - بفتح الفاء، وبعد الألف راء مكسورة، وبعدها صاد معجمة -: نسبة إلى كتابه "فروض النساء على الرجال".
стр. 948
٢٦٣ - أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، الملقب: سيبويه: مولى بني الحارث بن كعب، وكان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يصنع فيه مثل كتابه، وحاله مذكور، وفضله مشكور، خرج من بغداد بسبب تعصب وقع عليه في مسألة، والصواب معه، وقصد بلاد فارس، فتوفي بقرية من قرى شيراز يقال لها: البيضاء في سنة ثمانين ومئة، وعمره نيف وأربعون سنة.
وسيبويه: لقب فارسي، معناه بالعربية: رائحة التفاح، وقيل: سمي سيبويه؛ لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان، وكان في غاية الجمال.
٢٦٤ - أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين، التميميُّ المازني البصريُّ: كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر، وهو في النحو في الطبقة الرابعة من علي بن أبي طالب ﵁.
ولد سنة سبعين، وقيل: خمس وستين للهجرة، وتوفي سنة أربع، وقيل: تسع وخمسين ومئة بالكوفة.
٢٦٥ - أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب، الكنانيُّ الليثيُّ، المعروفُ بالجاحظ، البصريُّ: العالم المشهور، صاحب التصانيف في كل فن، له مقالة في أصول الدين، وإليه تنسب الطائفة الجاحظية من
стр. 949
المعتزلة، وإنما قيل له: الجاحظ؛ لأن عينيه كانتا جاحظتين، والجحوظ: النتوء، وكان قد أصابه الفالج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور؛ لشدة حرارته، والنصف الأيسر لو قُرض بالمقاريض، ما أحسَّ من خَدَره وشدة برده.
توفي في المحرم، سنة خمس وخمسين ومئتين بالبصرة، وقد نيِّف على التسعين سنة.
٢٦٦ - القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض، اليَحْصُبِيُّ السَّبْتِيُّ: إمام وقته في الحديث وعلومه، والنحو واللغة، وكلام العرب وأنسابهم، وله التصانيف المفيدة، منها: كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ "، وغيره من الكتب الجليلة، دخل الأندلس، وأخذ بقرطبة عن جماعة، ثم ولي قضاء غرناطة، وله شعر حسن، فمنه في خامات زرع بينها شقائق النعمانِ هبت عليه ريح:
انْظُرْ إِلَى الزَّرْعِ وَخَامَاتِه ... يَحْكِي وَقَدْ مَاسَتْ أَمَامَ الرِّيَاحْ
كَتِيبَة خَضْرَاءَ مَهْزُومَةً ... شَقَائِقُ النُّعْمَانِ فِيهَا الجِرَاحْ
الخامة: القصبة الرطبة من الزرع.
ومدحه أبو الحسن بن هارون المالقيُّ الفقيه الشاعر، فقال:
стр. 950
ظَلَمُوا عِيَاضًا وَهْوَ كَائِنُ بَيْنَهُمْ ... وَالظُّلْمُ بَيْنَ العَالَمِينَ قَدِيمُ
جَعَلُوا مَكَانَ الرَّاءِ عَيْنًا فِي اسْمِهِ ... كَيْ يَكْتُمُوهُ وَإِنَّهُ مَعْلُومُ
لَوْلاَهُ مَا فَاحَتْ أَبَاطِحُ سَبْتَةٍ ... وَالرَّوْضُ حَوْلَ قِبَابِهَا مَعْدُومُ
روى عن مشايخ يقاريون المئة، ولد بمدينة سبتة في نصف شعبان، سنة يست وسبعين وأربع مئة، وتوفي بمراكش يوم الجمعة، سابع جمادى الآخرة، سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
٢٦٧ - أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن المراكشي ابن أبي زيد ابن إسحاق، وقيل: اسمه عبد الله بن بلال بن عبد الرحمن بن إسحاق النغزاويُّ القيروانيُّ المالكيُّ: والنغزاوي مولى لنغزاوة: قبيلة من قبائل إفريقية، وهو صاحب "الرسالة" في مذهب الإمام مالك ﵁، وغيرها.
ولد ﵁ في سنة ثمان عشرة وثلاث مئة، ومات في سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وعمره سبعون سنة، وفضائله كثيرة، وكان حافظًا لمذهب مالك، حتى قيل فيه: مالك الصغير - رحمة الله عليه -.