← История

История · id 127698

التاريخ المعتبر في أنباء من غبر

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 251 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الحَمَويُّ الأصل، المصريُّ المولد والدار والوفاة، المعروف بابن الفارض: المنعوت بالشرف، له ديوان لطيف، وما ألطفَ قوله من جملة قصيدة طويلة يقول فيها: أَهْلًا بِمَا لَمْ أَكُنْ أَهْلًا لِمَوْقعِهِ ... قَوْلُ المُبَشِّرِ بَعْدَ اليَأسِ بِالفَرَجِ لَكَ البِشَارَةُ فَاخْلَعْ مَا عَلَيْكَ فَقَدْ ... ذُكِرْتَ ثَمَّ عَلَى مَا فِيكَ مِنْ عِوَجِ وقوله من قصيدة أخرى: لَمْ أَخْلُ مِنْ حَسَدٍ عَلَيْكَ فَلا تُضِعْ ... سَهَرِي بِتَشْنِيعِ الخَيَالِ المُرْجِفِ وَاسْأَلْ نُجُومَ اللَّيْلِ هَلْ زَارَ الكَرَى ... جَفْنِي؟ وَكَيْفَ يَزُورُ مَنْ لَمْ يُعْرَفِ؟ وَعَلَى تَفَنُّنِ وَاصِفِيهِ لِحُسْنِهِ ... يَفْنَى الزَّمَانُ وَفِيهِ مَا لَمْ يُوصَفِ كان رجلًا صالحًا، ترنم يومًا وهو في خلوة ببيت الحريري صاحبِ المقامات، وهو: مَنْ هُوَ الَّذِي مَا سَاءَ قَطْ ... وَمَنْ لَهُ الحُسْنَى فَقَطْ

стр. 947

قال: فسمع قائلًا، ولم ير شخصَه: مُحَمَّدُ الهَادِي الَّذِي ... عَلَيْهِ جِبْرِيلٌ هَبَطْ ولد في الرابع من ذي القعدة، سنة ست وسبعين وخمس مئة بالقاهرة، توفي بها يوم الثلاثاء، ثالث جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاثين وست مئة، ودفن من الغد بسفح المقطَّم. وللناس في نظمه كلام كثير، وأهل العلم يؤولون كلامه بتأويل حسن، وتعصَّب عليه فرقة يسيرة تكلموا فيه بما لا يليق، ونسبوه إلى الزندقة، وكان منهم أصحاب مناصب، ومن هو متعين، فانتقم الله منهم، وخرجت وظائفهم، ولزموا بيوتهم نادمين، وأخرج بعضهم من القاهرة، وكان عينًا بها، وهو برهان الدين البقاعي، نفاه السلطان إلى دمشق، وتخلفن بها إلى أن مات. ورئي مكتوبًا بضريح الشيخ عمر بالقرافة [ ... ]: إنَّ البُقَاعِي بِمَا قَدْ قَالَهُ مُطَالَبُ ... لاَ تَحْسَبُوهُ سَالِمًا فَقَلْبُهُ يُعاقَبُ [ ... ] هذا القلب. والفارض - بفتح الفاء، وبعد الألف راء مكسورة، وبعدها صاد معجمة -: نسبة إلى كتابه "فروض النساء على الرجال".

стр. 948

٢٦٣ - أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، الملقب: سيبويه: مولى بني الحارث بن كعب، وكان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يصنع فيه مثل كتابه، وحاله مذكور، وفضله مشكور، خرج من بغداد بسبب تعصب وقع عليه في مسألة، والصواب معه، وقصد بلاد فارس، فتوفي بقرية من قرى شيراز يقال لها: البيضاء في سنة ثمانين ومئة، وعمره نيف وأربعون سنة. وسيبويه: لقب فارسي، معناه بالعربية: رائحة التفاح، وقيل: سمي سيبويه؛ لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان، وكان في غاية الجمال. ٢٦٤ - أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين، التميميُّ المازني البصريُّ: كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر، وهو في النحو في الطبقة الرابعة من علي بن أبي طالب ﵁. ولد سنة سبعين، وقيل: خمس وستين للهجرة، وتوفي سنة أربع، وقيل: تسع وخمسين ومئة بالكوفة. ٢٦٥ - أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب، الكنانيُّ الليثيُّ، المعروفُ بالجاحظ، البصريُّ: العالم المشهور، صاحب التصانيف في كل فن، له مقالة في أصول الدين، وإليه تنسب الطائفة الجاحظية من

стр. 949

المعتزلة، وإنما قيل له: الجاحظ؛ لأن عينيه كانتا جاحظتين، والجحوظ: النتوء، وكان قد أصابه الفالج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور؛ لشدة حرارته، والنصف الأيسر لو قُرض بالمقاريض، ما أحسَّ من خَدَره وشدة برده. توفي في المحرم، سنة خمس وخمسين ومئتين بالبصرة، وقد نيِّف على التسعين سنة. ٢٦٦ - القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض، اليَحْصُبِيُّ السَّبْتِيُّ: إمام وقته في الحديث وعلومه، والنحو واللغة، وكلام العرب وأنسابهم، وله التصانيف المفيدة، منها: كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ "، وغيره من الكتب الجليلة، دخل الأندلس، وأخذ بقرطبة عن جماعة، ثم ولي قضاء غرناطة، وله شعر حسن، فمنه في خامات زرع بينها شقائق النعمانِ هبت عليه ريح: انْظُرْ إِلَى الزَّرْعِ وَخَامَاتِه ... يَحْكِي وَقَدْ مَاسَتْ أَمَامَ الرِّيَاحْ كَتِيبَة خَضْرَاءَ مَهْزُومَةً ... شَقَائِقُ النُّعْمَانِ فِيهَا الجِرَاحْ الخامة: القصبة الرطبة من الزرع. ومدحه أبو الحسن بن هارون المالقيُّ الفقيه الشاعر، فقال:

стр. 950

ظَلَمُوا عِيَاضًا وَهْوَ كَائِنُ بَيْنَهُمْ ... وَالظُّلْمُ بَيْنَ العَالَمِينَ قَدِيمُ جَعَلُوا مَكَانَ الرَّاءِ عَيْنًا فِي اسْمِهِ ... كَيْ يَكْتُمُوهُ وَإِنَّهُ مَعْلُومُ لَوْلاَهُ مَا فَاحَتْ أَبَاطِحُ سَبْتَةٍ ... وَالرَّوْضُ حَوْلَ قِبَابِهَا مَعْدُومُ روى عن مشايخ يقاريون المئة، ولد بمدينة سبتة في نصف شعبان، سنة يست وسبعين وأربع مئة، وتوفي بمراكش يوم الجمعة، سابع جمادى الآخرة، سنة أربع وأربعين وخمس مئة. ٢٦٧ - أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن المراكشي ابن أبي زيد ابن إسحاق، وقيل: اسمه عبد الله بن بلال بن عبد الرحمن بن إسحاق النغزاويُّ القيروانيُّ المالكيُّ: والنغزاوي مولى لنغزاوة: قبيلة من قبائل إفريقية، وهو صاحب "الرسالة" في مذهب الإمام مالك ﵁، وغيرها. ولد ﵁ في سنة ثمان عشرة وثلاث مئة، ومات في سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وعمره سبعون سنة، وفضائله كثيرة، وكان حافظًا لمذهب مالك، حتى قيل فيه: مالك الصغير - رحمة الله عليه -.

стр. 951

٢٦٨ - أبو الفضل عيسى بن سنجر بن بهرام الإربليُّ، المعروفُ بالحاجريِّ، الملقب: حسام الدين: وهو جندي، وله ديوان شعر تغلب عليه الرِّقة، فمن شعره: مَا زَالَ يَحْلِفُ لِي بِكُلِّ آيَةِ ... أَنْ لاَ يَزَالُ مَدَى الزَّمَانِ مُصَاحِبِي لَمَّا جَفَا نَزَلَ العِذَارُ بِخَدِّهِ ... فَتَعَجَّبُوا لِسَوَادِ وَجْهِ الكَاذِبِ وقال وهو في السجن لواقعة كانت سببًا في ذلك: أَحْبابَنَا أَيُّ دَاعٍ بِالبِعَادِ دَعَا ... وَأَيُّ خَطْبٍ دَهَانَا مِنْهُ تَفْرِيقُ لاَ كَانَ دَهْرٌ رَمَانَا بِالفِرَاقِ فَقَدْ ... أَضْحَى لَهُ فِي صَمِيمِ القَلْبِ تَمْزِيقُ كَانَتْ تَضِيقُ بِيَ الدُّنْيَا لِغَيْبَتِكُمْ ... فَكَيْفَ سِجْنٌ وَمِنْ عَادَاتِهِ الضِيقُ ثم بعد ذلك خرج من الاعتقال، واتصل بخدمة الملك المعظم صاحب إربل، وتقدم عنده. واتفق أنه خرج يومًا من بيته قبل الظهر، فوثب عليه شخص، وضربه بسكين، فأخرج حشوته، وتوفي من يومه، في نهار الخميس،

стр. 952

ثاني شوال سنة اثنتين وثلاثين وست مئة، وعمره خمسون سنة. والحاجري: نسبة إلى بليدة يقال لها: الحاجر بالحجاز، لم يبق منها غير الرسوم، ولم يكن منها وإنما لكونها استعملها في شعره كثيرًا، ومن ذلك: لَوْ كُنْتُ كُفِيتُ مِنْ هَوَاكَ البَيْنَا ... مَا بَاتَ يُحَاكِي دَمْعُ عَيْنِي عَيْنَا لَوْلاَكَ لَمَا ذَكَرْتُ نَجْدًا بِفَمِي ... مِنْ أَيْنَ أَنَا وَحَاجِرٌ مِنْ أَيْنَا * * * ٢٦٩ - قاضي القضاة عز الدين أبو عمر عبد العزيز ابن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، الحمَويُّ الأصل، الشاميُّ المولد: ولد بقاعة العادلية الكبرى في المحرم، سنة أربع وتسعين ولست مئة، وشيوخه سماعًا وإجازة يزيدون على الألف وثلاث مئة شيخ. ولي قضاء مصر مدة طويلة، وجعل الناصر إليه تعيين قضاة الشام، وجمع بين رئاسة الدين والدنيا، وأفتى وصنف، وعزل نفسه في آخر عمره بعد ما ولي القضاء تسعًا وعشرين سنة. وتوفي بمكة المشرفة في جمادى الآخرة، سنة سبع وستين وسبع

стр. 953

مئة، ودفن إلى جانب الفضيل بن عياض، والقشيري، وكان يقول: أشتهي أن أموت وأنا معزول، وأن تكونَ وفاتي بأحد الحرمين، فأعطاه الله ما تمناه. وله مصنفات عديدة مشهورة - رحمه الله تعالى -. ٢٧٠ - أبو محمد عبد الله الملقب: بهاء الدين بن عبد الرحمن بن عقيل العقيليُّ الطالبيُّ، الحلبيُّ ثم المصريُّ: رئيس العلماء، وصدر الشافعية بالديار المصرية، لزم أبا حيان اثنتي عشرة سنة في النحو، حتى قال عنه: ما تحت أديم السماء أنحى من ابن عقيل، وفرَّق على الفقهاء مدةَ ولايته القضاء - مع قصرها - نحو مئة وستين ألف درهم، فيكون ذلك زيادة على ثلاثة آلاف دينار، وكان القضاة قبله أمروا أن لا يكتب شاهدٌ وصيةً إلا بإذن القاضي، فأبطل ذلك، وقال: قد يموت الرجل بينما يحصل الإذن، وكانت ولايته القضاء بمصر مدة، ثم عزل، ثم عاد إليه، وشرح "الألفية"، و"التسهيل"، وكان عنده حشمة زائدة، توفي في ربيع الأول، سنة تسع وستين وسبع مئة، ودفن بقرب تربة الشافعي عن سبعين سنة. ٢٧١ - قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام الأنصاريُّ

стр. 954

السبكيُّ: ولد سنة سبع وعشرين وسبع مئة، سمع بالقاهرة من خلق كثير، ثم قدم مع والده دمشق، وقرأ على العلماء، وكان له يد طولى في النظم والنثر، ذا بلاغة، وصنف تصانيف عديدة مع صغر سنه، وانتشرت في حياته وبعد موته، وانتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب بالشام، وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله، وجرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله، وأُوذي فصبر، وسجن فثبت، ثم عاد إلى مرتبته، وعفا وصَفَحَ عمن قام عليه. وكان سيدًا جوادًا كريمًا، توفي في ذي الحجة، سنة إحدى وسبعين وسبع مئة، وقد جاوز الأربعين، ودفن بتربته بالصالحية. ٢٧٢ - أبو محمد عبد الرحيم بن الحسين بن علي بن عمر القرشيُّ الأسنوي المصريُّ: منقح الألفاظ، محقق المعاني، صاحب التصانيف النافعة المشهورة، أفتى وصنف، وصار أحد أعيان مشايخ القاهرة المشار إليهم، وكان لين الجانب، كثير الإحسان إلى الطلبة. قال الشيخ ولي الدين أبو زرعة بن العراقي: أفرد له والدي ترجمة سمعناها عليه، وحكى عنه فيها كشفًا ظاهرًا، وفيه يقول من أبيات: أَبْدَتْ مُهِمَّاتُهُ إِذْ ذَاكَ رُتْبَتَه ... إِنَّ المُهِمَّاتِ فِيه يُعْرَفُ الرَّجُلُ وله تصانيف مشهورة، توفي في جمادى الأولى، سنة اثنتين

стр. 955

وسبعين وسبع مئة. ومدحه تلميذه الشيخ كمال الدين الدميري بأبيات وضعها بخطه على "الكوكب" للأسنوي، ومنها: يَا كَوْكَبًا مِنْهُ بَدْرُ التَّمِّ خَجْلاَنُ ... قَامَتْ لِتَمْهِيدِ عُذْرِي فِيكَ أَرْكَانُ وَيَا غَزَالًا سَبَى قَلْبِي بِنَاظِرِهِ ... مَا الصَّبُّ مِنْهُ مُعَاذٌ وَهْوَ فتَّانُ يَا نُورَ عَيْنِي وَيَا أُنْسِي وَيَا شُغُلِي ... دَعْنِي أَبُوحُ فَمَا فِي الحُبِّ كِتْمَانُ يَا بَانَةً أَثْمَرَتْ بِالزَّهْرِ طَالِعَةً ... وَمَا الكَوَاكِبُ مِمَّا تَحْمِلُ البَانُ وهي طويلة. ٢٧٣ - نور الدين علي بن محمد بن محمد بن محمد، التاجرُ الكارميُّ، العسقلانيُّ الأصل، المصريُّ المشهورُ بابن حجر: والد الإمام الحافظ قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر، حفظ "الحاوي الصغير"، واشتغل على العلماء، وله نظم كثير، وأخبر ولدُه الحافظُ: أن من نظمه بمكة المشرفة، ولم يسمعه من لفظه، بل وجده بخطه بعد موته في

стр. 956

قصائده المكيات لنفسه: يَا رَبِّ أَعْضَاءُ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا ... مِنْ فَضْلِكَ الوَافِي وَأنْتَ الوَاقِي وَالعِتْقُ يَسْرِي فِي الغِنَى يَا ذَا الغِنَى ... فَامْنُنْ عَلَى الفَانِي بِعِتْقِ البَاقِي ثم قال: ومن سمع هذين البيتين، شهد للوالد أنه متضلع من علم الفقه والحديث والأدب، وأنه في طبقة بدر الدين بن الصاحب. توفي في رجب سنة سبع وسبعين وسبع مئة. ٢٧٤ - سراج الدين أبو حفص عمر، الزيلعيُّ المقدسيُّ الشافعيُّ: أحد علماء القدس الأخيار، توفي في رجب سنة ثمان وسبعين وسبع مئة، بالقدس الشريف، ودفن بالقلندرية بماملا. ٢٧٥ - الشيخ العلاء الملقب: علاء الدين علي بن أحمد بن محمد السِّيراميُّ الحنفيُّ: قدم من البلاد الشرقية إلى حلب، فلما بنى الملك الظاهر برقوق مدرسته بالقاهرة، طلبه من حلب، وولاه تدريسها، ومشيخة الصوفية، واستمر على ذلك إلى أن توفي، وكان متقنًا للعلوم، خصوصًا المعاني والبيان، توفي في جمادى الأولى، سنة تسعين وسبع

стр. 957

مئة عن نيف وسبعين سنة، ودفن بالقرب من تربة يونس الدوادار بالترب بالقاهرة. ٢٧٦ - الشيخ أبو يزيد البسطاميُّ: كان من أولياء الله تعالى العارفين، وله أحوال ظاهرة، توفي بالقدس الشريف سنة أربع وتسعين وسبع مئة، ودفن بماملا عند شيخه الشيخ علي العشقي المتوفَّى سنة إحدى وستين وسبع مئة. ٢٧٧ - الشيخ أبو حفص عمر بن نجم بن يعقوب، البغدادي ثم المقدسي، المعروف بالمجرد: ولد ببغداد سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وسمع "البخاري" بدمشق سنة ست وعشرين وسبع مئة، وأقام ببلد الخليل ﵇، وبنى به زاوية في غاية الحسن بناء ومنظرًا، وبنى أماكن بأعلاها، ورتب فيها من يتعلم القرآن، وأجرى لهم معاليم، وإذا قرأ القرآن عنده أحد، يخيره بين الإقامة عنده بشرط أن يشتغل في العلم، ويعطيه كتابًا، أو يذهب إلى بلده، ولا يدع أحدًا يقعد عنده بطَّالًا. وكان شيخًا طويلًا، يلبس على رأسه قبعة بلا عمامة، توفي في ذي الحجة، سنة خمس وتسعين وسبع مئة، ودفن بزاويته بالخليل ﵀، وعفا عنه -.

стр. 958

٢٧٨ - الشيخ عيسى بن عبد الرحمن، الخيّر الصالح، الشهيرُ بالغوري المجذوب، توفي بالقدس الشريف، سنة سبع وتسعين وسبعمائة بالمسجد الأقصى، عند جامع المالكية، خلف المصطبة، وكان صلحاء بيت المقدس يقولون: إنه كان خفيرها، ولما مات، قطعوا عباءته قِطعًا صغارًا، وحملوها في عمائمهم، وممن كان يعتقد فيه قاضي القضاة سعد الدين الديري - نفع الله به -. ٢٧٩ - أبو الحسن علي بن شرف الدين عيسى الشهير بابن الرصاص، الحنفيُّ: الشيخ العالم الكبير، شيخ القدس وعالمها، درَّس وأفتى، وتولى القضاء بصفد، وتوفي سنة ثلاث وثمان مئة. ٢٨٠ - كريم الدين أبو المكار عبد الكريم ابن الشيخ زين الدين داود بن أبي الوفا، البدريُّ الشافعيُّ: إمام المسجد الأقصى الشريف، كان من أهل الفضل، ومن شيوخ القراءة، وأخذ الحديث عن جماعة من المعتبرين، وكان معيدًا بالمدرسة الصلاحية، وباشر الإمامة بالمسجد الأقصى أربعين سنة، من سنة خمس وخمسين وثمان مئة، وكان - رحمه الله تعالى - سخيًا، ويتلقى الواردين، ويطعمهم، وكان يؤدي القراءة بالمحراب على الأوضاع، وله همة، ومروءة، وعنده تواضع وتودُّد للناس، توفي عشية يوم السبت، وصُلي عليه بعد الظهر من يوم

стр. 959

الأحد سابع جمادى الأولى، سنة خمس وتسعين وثمان مئة، ودفن بماملا ظاهر القدس الشريف، وكان يومًا مشهودًا، شهده الخاص والعام من العلماء والقضاة وناظر الحرمين، وغيرهم - رحمه الله تعالى، وعفا عنه. ٢٨١ - الشيخ سراج الدين أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي ابن أحمد، الأنصاريُّ الخزرجيُّ، المرسيُّ الأصل المصريُّ، المعروفُ بابن الملقِّن، وهو زوج أمه: الشيخ العالم، صاحب التصانيف المشهورة المفيدة. ولد في المحرم سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، قدم دمشق سنة سبعين، وعاد إلى مصر، وناب في القضاء مدة، ثم استقر في قضاء القضاة، وكانت غالب مصنفاته التي أذهب عمره في تحصيلها قد احترقت بالنار، فكان ممن حضر إليه مسليًا عنه مما حلَّ به من التشويش الحافظُ ابنُ حجر، وأنشده: لاَ يُزْعِجَنَّكَ يَا سِرَاجَ الدِّينِ إِنْ ... لَعِبَتْ بِكُتْبِكَ أَلْسُنُ النِّيرَانِ لِلْحَقِّ قَدْ قَرَّبْتَهَا فَتُقُبِّلَتْ ... وَالنَّارُ مُسْرِعَةٌ إِلَى القُرْبَانِ ويقال: إنه ظهر بعقله خَللٌ بعد ذلك، توفي في ربيع الأول، سنة أربع وثمان مئة، ودفن بمقبرة الصوفية.

стр. 960

٢٨٢ - الشيخ سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح، العسقلانيُّ الأصل، المصريُّ البلقيني، الشافعيُّ: المجتهد المحقق المدقق، الجامع بين أشتات العلوم، شيخ الإسلام، والعلم الفرد في وقته، المستغني عن الألقاب والأعلام، ذو الفضائل التي لا تسام، والمآثر والمحامد الجسام. مولده في شعبان، سنة أربع وعشرين وسبع مئة ببلده، فاق الأقران، وتميز على أبناء الزمان، وصار معظَّمًا عند الأكابر، وعوَّل الناس في الإفتاء عليه، وله مصنفات في أنواع العلوم، وتولى قضاء الشام سنة تسع وستين وسبع مئة مدةً يسيرة، ثم استعفى، وصار في آخر عمره عينَ الوجود، وبركة كل موجود. وكان تقيُّ الدين الأسديُّ الشهير بابن قاضي شُهبة كثيرًا ما يقول: لو رآه النووي والرافعي، لاستفادا منه أحمالًا من الفوائد. توفي إلى رحمة الله تعالى في يوم الجمعة، عاشر ذي القعدة، سنة خمس وثمان مئة. ٢٨٣ - أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر ابن إبراهيم المصريُّ، المعروف بالعراقي: شيخ المحدثين، وحافظ الديار المصرية. ولد في جمادى الأولى، سنة خمس وعشرين وسبع مئة، رحل إلى

стр. 961

الشام، وصنف، ونظم "الألفية في الحديث"، وشرحها شرحين: كبير، وصغير، وهو المشهور، وله مصنفات غير ذلك. ولي قضاء المدينة في رمضان سنة ثمان وثمانين، ثم استعفى، ورجع إلى مصر، وأخذ عنه الحفاظ، منهم: ولده ولي الدين، وغيره، وولي بالقاهرة مشيخة الحديث بعدة مواضع. وكان شافعي المذهب، حسن الوجه والشيبة، توفي في شعبان، سنة ست وثمان مئة، عن نيف وثمانين سنة. ٢٨٤ - شرف الدين عيسى بن حجاج السعديُّ، المصرىُّ الحنبليُّ، المعروفُ بعويس العالية: الأديب الفاضل، كان عالية في لعب الشطرنج، ويلعب به استدبارًا، وكان فاضلًا في النحو واللغة، وله النظم الرائق، وله قصيدة بديعة في مدخ النبي ﷺ مطلعها: سَلْ مَا حَوَى القَلْبُ مِنَ العِبَرِ ... فَكُلَّمَا خَطَرَتْ أَمْسى عَلَى خَطَرِ وله أشياء كثيرة. ولد سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وتوفي في أوائل المحرم، سنة سبع وثمان مئة.

стр. 962

٢٨٥ - الأمير علاء الدين علي بن نائب الصبيبة ناصر الدين محمد: ولي قلعة الصبيبة بعد والده، وولي الحجوبية بالشام غير مرة، وتوفي في المحرم سنة تسع وثمان مئة بالقبيبات، ثم نقل إلى القدس بعد مدة، ودفن بمدرسته التي أنشأها بالقدس الشريف على المسجد الأقصى بالصف الشمالي، حين كان نائبًا بالقدس الشريف. ٢٨٦ - أبو حفص عمر بن كمال الدين إبراهيم بن الصاحب ناصر الدين بن العديم: قاضي القضاة الحنفي بحلب، كان عالي الهمّة من رجال الدنيا، ثم ولي قضاء مصر في رجب سنة خمس وثمان مئة، وولي مشيخة الشيخونية ونظرها. ولد سنة إحدى وستين وسبع مئة بحلب، وكان بعينه عور، وتوفي في جمادى الآخرة، سنة إحدى عشرة وثمان مئة. ٢٨٧ - الشيخ عبد الله بن عبد الله بن مصطفى، الروميُّ، المشهورُ بالدالي (١): كان رجلًا صالحًا، لأهل بيت المقدس فيه اعتقاد عظيم، واشتهر أمره، ولما حج، مات بطريق مكة المشرفة في سنة إحدى عشرة وثمان مئة، وكان الأمير حسن الكشكلي ناظر الحرمين بنى له تربة بباب

стр. 963

الرحمة ليدفن فيها معه، فلما مات بطريق مكة، أوصى حسن أن يدفن عند الشيخ أبي عبد الله القرشي بماملا. ٢٨٨ - قاضي القضاة بمصر جلال الدين أبو الفضل (١) عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقينيُّ الشافعيُّ المصريُّ: ولد في رمضان، سنة ثلاث وستين وسبع مئة، اشتغل على والده وغيرِه، ولي قضاء العسكر، ثم عزل، واستمر مفتي دار العدل، ثم ولي القضاء بالديار المصرية في جمادى الآخرة، سنة أربع وثمان مئة، فباشر نحو سنة وأربعة أشهر، ثم عزل بابن الصالحي، ثم أعيد ثانيًا وثالثًا ورابعًا، وعزل بابن الأخنائي، ثم أعيد خامسًا، وعزل بالهروي، ثم أعيد سادسًا، واستمر إلى أن توفي، ومباشرته القضاء ثماني عشرة سنة، توفي بمصر بعد ما رجع من دمشق سنة أربع وعشرين وثمان مئة. ٢٨٩ - شرف الدين عيسى بن غانم قاضي القدس: شكا عليه أهل القدس مرارًا، وتوفي في شوال، سنة سبع وتسعين وسبع مئة شبه الفجأة، وجاء بعد موته كتاب السلطان بالكبس عليه وإهانته، فستره الله تعالى بالموت.

стр. 964

٢٩٠ - عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام، السلميُّ الدمشقيُّ الشافعيُّ: تفقه، وبلغ رتبة الاجتهاد مع الزهد، حتى ظهر حاله في المكاشفات، وأفتى بإبطال بيعة الظاهر بيبرس وسلطنته، فحضر إليه ليلًا، فلما أحس به، أطفأ المصباح، وغلَّق الأبواب، فأحضر الشموع، ودخل عليه، وسأله عن أمره، فأجابه بأمور، منها: أنه باقٍ في الرق، فاشترى نفسه من منصوب عن بيت المال حتى عتق، وعقد له ثانيًا، وكان قد رفع أولاد الفرنج على السروج، فأحضرهم الشيخ، وعرض عليهم الإسلام، فامتنعوا، فضرب رقابهم، وكانوا ثلاثة، وكان السلطان حذره من فساد يحصل على [الإ] سكندرية وغيرها، فأجاب بأني أتولى الدفع بعون الله تعالى، فعن قليل حوصرت الثغور بسبب ذلك، فأرسل الشيخ عز الدين قاصدًا من جماعته إلى [الإ] سكندرية، ورمى بها ورقة في البحر قيل: سواد المراكب، فشتتهم الله تعالى، ولم يصل منهم أحد. ولقِّب بسلطان العلماء، وكان حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار، يحضر السماع، ويرقص، وتوفي في جمادى الآخرة، سنة ست وستين وست مئة. ٢٩١ - شيخ الإسلام علاء الدين بن سليمان، المرداويُّ الحنبليُّ: عالم الحنابلة بدمشق، مصحح مذهب الإمام أحمد ومنقحه، قدم إلى دمشق وهو شاب في سنة سبع أو ثمان وثلاثين وثمان مئة، وأقام بمدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية، واشتغل بالعلم، فانتهت إليه رئاسة هذا

стр. 965

المذهب الشريف، وفضل على الشيخ تقي الدين أبي بكر بن قُندس البعليِّ شيخِ الحنابلة في وقته، وباشر نيابة القضاء عن بني مفلح في أيام قاضي القضاة علاء الدين علي بن مفلح، وفي أيام قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن مفلح. وصنف مصنفات كثيرة مفيدة، أعظمها: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" جعله على "المقنع"، وهو من كتب الإسلام، و"التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، و"التحرير في الأصول"، وغير ذلك من الكتب المفيدة. وانتفع الناس بمصنفاته في حياته وبعد وفاته، وتنزه عن مباشرة القضاء في آخر عمره، وصار قوله في كتبه حجة في المذهب، والمعول على قوله في الفتوى والأحكام في جميع المملكة، وهو الذي أجاز قاضي القضاة بدر الدين السعدي الحنبلي قاضي قضاة الديار المصرية بالإفتاء حين قدومه القاهرة في أيام قاضي القضاة عز الدين الحنبلي، وتوفي إلى رحمة الله تعالى في يوم الجمعة، سادس شهر جمادى الأولى، سنة خمس وثمانين وثمان مئة بمنزله بالصالحية، ودفن بسفح قاسيون ﵀، وعفا عنه -. ٢٩٢ - القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن مفلح، الحنبليُّ: باشر قضاء حلب، ثم تولى قضاء الشام، وكتابةَ السرِّ بها، ثم عزل، ثم تولى حلب مرارًا، ثم عزل، واستقر مكانه قاضي القضاة جمال الدين

стр. 966

التادفي، واستمر القاضي علاء الدين معزولًا إلى أن توفي في سنة إحدى وثمانين وثمان مئة بحلب، وكان من أهل العلم، وموصوفًا بالسخاء، إلا أنه لم يكن له حظ من الدنيا - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -. ٢٩٣ - الشيخ نور الدين أبو الحسن علي بن شهاب الدين الشيشيني الحنبليُّ: خليفة الحكم العزيز بالديار المصرية، باشر في أيام قاضي القضاة بدر الدين البغدادي الحنبلي، وقاضي القضاة عز الدين الحنبلي، وتوفي في أيامه، في شهور سنة سبعين وثمان مئة، وكان من أهل العلم، وكتابته على الفتوى جيدة. ٢٩٤ - شيخ الإسلام سراج الدين عمر العبَّادي، الشافعيُّ: مفتي الديار المصرية، كان فقيه الملك العزيز يوسف في أيام والده الملك الأشرف برسباي، وانتهت إليه رئاسة الفتوى بالديار المصرية، وهو شيخ قاضي القضاة الشيخ زكريا، وتولى نظر ديوان الأحباس إلى حين وفاته. توفي في يوم الخميس، تاسع عشر ربيع الأول، سنة خمس وثمانين وثمان مئة بالقاهرة. ٢٩٥ - الشيخ أبو الحسن علي بن محمد، البلبيسيُّ المخزوميُّ

стр. 967

الشافعيُّ: خليفة الحكم العزيز بالديار المصرية، والحاكم بالأعمال الشرقية وما أضيف إلى ذلك من الوظائف الدينية، والولايات الحكمية. كان من أهل العلم، وباشر نيابة الحكم بالقاهرة نحو أربعين سنة، وكان عفيفًا، لا يتناول على الأحكام الشرعية شيئًا، وكان يصدع بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، وتوفي في شهر رمضان، سنة ثمان وثمانين وثمان مئة، وصُلي عليه بالجامع الأزهر. ٢٩٦ - قاضي القضاة محيي الدين عبد القادر بن تقي، المالكيُّ الدميريُّ: كان من أهل العلم، باشر نيابة الحكم بالديار المصرية مدة طويلة، وكان موصوفًا بالعفة في مباشرته، فلما عزل قاضي القضاة برهان الدين اللقَّاني - المتقدم ذكرُه في حرف الهمزة في مستهل رجب، سنة ست وثمانين وثمان مئة - استقر قاضي القضاة محيي الدين المشار إليه عوضَه في يوم الاثنين، تاسع رجب المذكور، باشر القضاء، ونفذ أمره، وحصل له عارض في آخر عمره كالخلط المصرع، وكان يعرض له في المجالس والمحافل، حتى في مجلس السلطان، كل ذلك والسلطان يعضده، ويمتنع من عزله، إلى أن توفي في أوائل سنة ست وتسعين وثمان مئة. وكان قاضي القضاة برهان الدين اللقاني حصل له توعك، فأجمع الناس أن لا يستقر في الوظيفة غيره، فتوفي بعده بمدة يسيرة نحو الشهر، والوظيفة مستمرة الشغور، فاستقر بها أخوه لأبيه قاضي القضاة تقي الدين

стр. 968

عبد الغني بن تقي المالكي في أوائل سنة ست وتسعين وثمان مئة. ٢٩٧ - قاضي القضاة تاج الدين ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام سعد الديري الحنفيُّ - المتقدم ذكر والده في حرف السين -: انتهت إليه رئاسة القدس الشريف، وتولى قضاء الحنفية بالقدس في سنة إحدى وخمسين وثمان مئة عوضًا عن قاضي القضاة شمس الدين بن خير الدين خليل الحنفي - المتقدم ذكر والده في حرف الخاء -، واستمر القاضي شمس الدين بن خير الدين معزولًا إلى أن توفي في جمادى الأولى، سنة خمس وخمسين وثمان مئة. ونفذت كلمة القاضي تاج الدين المشار إليه، وعظم أمره باعتبار وجود والده، واستمر إلى سنة ست وستين وثمان مئة، فتنزه عن القضاء، وتوجه إلى القاهرة، وفوض إليه والده مشيخة المؤيدية، واستقر ولده قاضي القضاة ناصر الدين هبة الله في قضاء القدس الشريف، فلما توفي والده قاضي القضاة سعد الدين في سنة سبع وستين وثمان مئة، نزل عن المؤيدية في سنة ثمان وسبعين وثمان مئة، وشرع يتردد من القاهرة إلى القدس الشريف ذهابًا وإيابًا، إلى أن نفد جميع ما معه من المال، فحضر إلى القدس الشريف في سنة اثنتين وتسعين وثمان مئة، ونزل بقصره الذي أنشأه عند خان الملك الظاهر بيبرس، وأقام به مدة يسيرة، ثم قصد التوجه إلى القاهرة، فوصل إلى غزة، فأدركته الوفاة بها في يوم

стр. 969

الجمعة، سادس شهر شعبان، سنة اثنتين وتسعين وثمان مئة بالجامع الجاولي، ودفن بتربة هناك بجوار الجامع، وقد بلغ من العمر نحو مئة سنة - رحمه الله تعالى -. ٢٩٨ - القاضي أمين الدين عبد الرحمن الديريُّ: أخو قاضي القضاة سعد الدين المتقدم ذكره، ولي نظر الحرمين الشريفين بالقدس، والخليل ﵇ في أيام الملك الظاهر جقمق، وعزل منه، ثم عاد إليه، وعلت كلمته، ونفذ أمره، وتوفي في شهر شوال سنة خمس وخمسين وثمان مئة، وهو والد شيخ الإسلام بدر الدين محمد بن الديري الحنفي أحد علماء الديار المصرية ﵀. ٢٩٩ - قاضي القضاة جمال الدين بن عبد الله ابن شيخ الإسلام شمس الدين محمد الديري الحنفي ابن أخ قاضي القضاة سعد الدين الديري المتقدم ذكره: ولي قضاء الحنفية بالقدس الشريف في سنة سبع وستين وثمان مئة، ووقع التشاجر بينه وبين قاضي القضاة ناصر الدين هبة الله ابن القاضي تاج الدين المتقدم ذكره، وشرع كل منهما يسعى على الآخر، ويأخذ عنه، إلى أن ثبت أمر القاضي جمال الدين، واستقر في المنصب، واستمر به إلى أن عزل في سنة خمس وسبعين وثمان مئة، ولعله في شعبان منها، ثم استقر في الوظيفة قاضي القضاة خير الدين بن

стр. 970

عمران - الآتي ذكُره في حرف الميم - في شهر صفر، سنة ست وسبعين وثمان مئة، واستمر نحو سنتين. ثم توجه القاضي جمال الدين إلى القاهرة في ذي الحجة، سنة سبع وسبعين وثمان مئة، وتولى القضاء في شهر صفر سنة ثمان وسبعين وثمان مئة، وعاد إلى القدس، فلما وصل الرملة، حصل له توعُّك، فدخل القدس في يوم الخميس، وألبس التشريف، وركب وهو منزعج من التوعك، فلما دخل منزله، اشتد به الألم، ولم يقدَّر أنه حكم بحكم، ولا جلس في مجلس الحكم، واستمر أربعة عشر يومًا، وتوفي صبيحة يوم الأربعاء، ثاني عشر ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وثمان مئة، وقد بلغ من العمر نحو أربع وسبعين سنة، ودفن بماملا إلى جانب والده، وقبر والده إلى جانب الشيخ شهاب الدين أحمد بن أرسلان من جهة القبلة ﵀، وعفا عنه -. ٣٠٠ - قاضي القضاة نور الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن البدرشي، البحريُّ المالكيُّ المصريُّ: كان من أهل العلم، وله معرفة تامة بالعربية، وعلم الحساب والفرائض، وباشر نيابة الحكم بالقاهرة مدة يسيرة، ثم تولى قضاء المالكية بالقدس الشريف، ودخل إليها في أوائل المحرم، سنة ست وسبعين وثمان مئة، واستمر بها إلى حين وفاته، ولما توفي القاضي جمال الدين الديري المذكور قبلَه، حصر ضبط تركته، ثم توعك بعض الأيام، وتوفي صبيحة يوم السبت، ثاني جمادى الأولى،

стр. 971

سنة ثمان وسبعين وثمان مئة، بعد وفاة القاضي جمال الدين المذكور بعشرة أيام، ودفن بباب الرحمة - رحمه الله تعالى، وعفا عنه -. ٣٠١ - الشيخ عز الدين علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن عبد الواحد الشيبانيُّ، المعروفُ بابن الأثير، الجزريُّ: ولد بجزيرة ابن عمر في رابع جمادى الأولى، سنة خمس وخمسين وخمس مئة، ونشأ بها، ثم سار إلى الموصل، وقدم بغداد مرارًا، ثم رحل إلى الشام والقدس، وكان إمامًا عالمًا، وصنف كتاب "الكامل في التاريخ"، ابتدأ فيه من أول الزمان إلى سنة ثمان وعشرين وست مئة، وله غيره من المصنفات، توفي بالموصل في شعبان، سنة ثلاثين وست مئة ﵀، وعفا عنه -. ٣٠٢ - قاضي القضاة، علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد، الهاشميُّ المالكيُّ، الشهير بابن المزوار: تقدمت له ولاية القضاء بالقدس في سنة خمس وستين وثمان مئة، ثم عزل عنه، فلما توفي القاضي نور الدين البدرشي المذكور قبله، تولى عوضًا عنه، وكتب توقيعه في مستهل شوال سنة ثمان وسبعين وثمان مئة، ولم يدخل إلى القدس إلا في المحرم سنة ثمانين وثمان مئة، واستمر إلى جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين وثمان مئة، ثم توجه إلى القاهرة، وأقام بها، وهو مستمر على

стр. 972

الولاية إلى أن توفي في يوم الأحد، تاسع عشري جمادى الأولى، سنة خمس وثمانين وثمان مئة، وصُلي عليه بجامع المارديني. وكان عفيفًا في قضائه، لا يتناول غير معلومه المرتب على المسجد الأقصى، وهو في كل يوم عشرة دراهم فضة ﵀، وعفا عنه -.

стр. 973

حَرْفُ الغَينِ المُعْجَمَة ٣٠٣ - أبو الحارث غيلان بن عقبة بن بهيش بن مسعود بن حارثة، الشاعرُ المشهور بذي الرُّمَّة: أحد فحول الشعراء، وأحد عشاقهم المشهورين، ومن شعره السائر: إِذَا هَبَّتِ الأَرياحُ مِنْ نَحْوِ جَانِبٍ ... بِهِ أَهْلُ مَيٍّ هَاجَ قَلْبِي هُبُوبُهَا هَوًى تَذْرِفُ العَيْنَانِ مِنْهُ وَإِنَّمَا ... هَوَى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ حَلَّ حَبِيبُهَا وقال أبو عمرو بن العلاء: فُتح الشعر بامرئ القيس، وخُتم بذي الرُّمَّة. ٣٠٤ - الشيخ غانم المقدسيُّ: العالم الصالح الصوفي، كان شيخًا للصوفية بخانقاه صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمه الله تعالى - المعروفة بدار الترك بالقدس الشريف، وقفها لما فتح القدس، وهو والد

стр. 974

القاضي شرف الدين عيسى بن غانم الذي حكر أرض البقعة ظاهر القدس، الجارية في وقف الخانقاه المذكورة في سنة ثلاث وتسعين وسبع مئة، وصارت كرومًا، وزاد بذلك رَيعها لجهة الوقف، ورغب الناس فيها، وكثر الانتفاع بها، بعد أن كانت أرضًا مزدرعًا. وللشيخ غانم نظم رائق، توفي في سنة سبعين وسبع مئة بالقدس الشريف - رحمه الله تعالى -.

стр. 975

حَرْفُ الفَاءِ ٣٠٥ - الشهاب فتيان بن علي بن فتيان، الأسديُّ الحنفيُّ الدمشقيُّ، المعروفُ بالشاغوريِّ: كان فاضلًا شاعرًا، خدم الملوك، ومدحهم، وعلَّم أولادهم، ومن شعره: عَلاَمَ تَحَرُّكِي وَالحَظُّ سَاكِنْ ... وَمَا نبُّهْتُ فِي طَلَب وَلَكِنْ أَرَى نَذْلًا تُقَدِّمُهُ المَسَاوي ... عَلَى حُرٍّ تُؤَخِّرُهُ المَحَاسِنْ توفي سنة اثنتين وخمس مئة (١). ٣٠٦ - أبو العباس الفضل بن يحيى بن خالد بن بَرْمك، البرمكيُّ: أكثُرهم كرمًا، مع كرم البرامكة وسَعَة جودهم، وكان أكرمَ من أخيه جعفر، وقلَّده الرشيد عملَ خراسان، ثم إن الرشيد لما قتل جعفرًا، قبض على أبيه يحيى، وأخيه الفضل المذكور، وحُبسا، ثم أرسل الرشيد

стр. 976

مسرورًا الخادمَ، فأخرج الفضلَ من السجن، وسأله عن أموالهم، فأجاب بجواب لم يُرضِه، فضربه مئتي سوط، وتولى ضربَه الخدمُ، فضربوه أشدَّ الضرب، حتى كادوا أن يتلفوه، وتركوه ومضوا، وكان هناك رجل نصرانيٌّ للعلاج، فطلبوه لمعالجته، فعالجه وبرئ، فاقترض الفضلُ من بعض أصحابه عشرة آلاف درهم، وسَيَّرها له، فردها عليه، فاعتقد أنه قد استقَلَّها، فاقترض عليها عشرة آلاف درهم أخرى، وسيرها له، فأبى أن يأخذها، وقال: ما كنتُ لاَخذَ على رجل من الكرام كدِّي، والله! لو كانت عشرين ألف دينار، ما قبلتُها، فلما بلغ الفضلَ ذلك، قال: والله! إن الذي فعله هذا أبلغُ من الذي فعلناه في جميع أيامنا، وكان قد بلغه أن ذلك المعالج في شدة من الضيق والفاقة. وقد مدح البرامكَة جميعُ شعراء عصرهم، فمن ذلك: قول مروان ابن أبي حفصة في الفضل المذكور: عِنْدَ المُلُوكِ مَنَافِعٌ وَمَضَرَّةٌ ... وَأَرَى البَرَامِكَ لاَ تَضُرُّ وَتَنْفَعُ إِنَّ العُرُوقَ إِذَا اسْتَسرَّ بِهَا النَّدَى ... أَشِبَ النَّبَاتُ بِهَا وَطَابَ المَزْرَعُ إِنْ كَانَ شَرٌّ كَانَ غَيْرُهُمُ لَهُ ... وَالخَيْرُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِمْ أَجْمَعُ

стр. 977

وَإِذَا جَهِلْتَ مِنِ امْرِئٍ أَعْرَاقَهُ ... وَطِبَاعَهُ فَانْظُرْ إِلَى مَا يَصْنَعُ وكان الفضل كثير البرِّ بأبيه، وكان أبوه يتأذَّى من استعمال الماء البارد في الشتاء، فيحكى: أنهما كانا في السجن، ولم يكن يقدر على تسخين الماء، فكان الفضل يأخذ الإبريق النحاسيَّ وفيه الماء، فيُلصقه على بطنه زمانًا، عساه تنكسر برودته بحرارة بطنه؛ حتى يستعملَه أبوه بعد ذلك. ولد الفضل لسبعٍ بقين من ذي الحجة، سنة سبع وأربعين ومئة، وقيل: سنة ثمان وأربعين، وتوفي بالسجن سنة ثلاث وتسعين ومئة في المحرم، غداة جمعة بالرقة، وقيل: في شهر رمضان، سنة اثنتين وتسعين ومئة، ولما بلغ الرشيدَ موتُه، قال: أمري قريب من أمره، وكذا كان؛ فإن وفاته سنة ثلاث وتسعين ومئة، ليلة السبت، لثلاثٍ خلون من جمادى الآخرة، وكان قريبه في الولادة - أيضًا -. ٣٠٧ - أبو العباس الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله ابن أبي فروة - واسمه كيسان - مولى عثمان بن عفان ﵁: ولما آل الأمر إلى هارون الرشيد، واستوزر البرامكة، كان الفضل يروم التشبه بهم، ومعارضَتَهم، ولم يكن له من المقدرة ما يدرك بها اللحاقَ بهم، وكان في نفسه منهم شحناء وحسدٌ، وإذا أراد الله هلاكَ قوم، وزوالَ نعمتهم،

стр. 978

جعل لذلك أسبابًا، فمن أسباب زوال نعمة البرامكة: تقصيرهم بالفضل ابن الربيع، وسعي الفضل بهم، لما تمكن بالمجالسة من الرشيد، أوغرَ قلبه عليهم، ومالأه (١) إلى ذلك هو وكاتبهُم إسماعيل بن صبح حتى كان ما كان. ويحكى: أن الفضل دخل يومًا على يحيى بن خالد البرمكي، وقد جلس لقضاء حوائج الناس، وبين يديه جعفر يوقع في القصص، فعرض الفضلُ عليه عشرَ رقاع، فتعلَّل يحيى في كل رقعة بعلة، ولم يوقع في شيء منها البتةَ، فجمع الفضل عليه الرقاع، وقال: ارجعْنَ خائبات خاسئات، ثم خرج وهو يقول: عَسَى وَعَسَى يَثْنِي الزَّمَانُ عِنَانَهُ ... بِتَصْرِيفِ حَالٍ وَالزَّمَانُ عَثُورُ فَتُقْضَى لُبَانَاتٌ وَتُشْفَى حَسَائِفُ ... وَتَحْدُثُ مِنْ بَعْدِ الأُمُورِ أُمُورُ فسمعه يحيى وهو ينشد ذلك، فقال: عزمتُ عليك يا أبا العباس إلا رجعتَ، فرجع، فوقع له في جميع الرقاع، ثم ما كان إلا قليل حتى نكبوا على يده، وتولى بعدَهم وزارة الرشيد، وفي ذلك يقول أبو نواس، وقيل أبو حرزة:

стр. 979

مَا رَعَى الدَّهْرُ آلَ بَرْمَكَ لَمَّا ... أَنْ رَمَاهُمْ مَلْكُهُمْ بِأَمْرٍ فَظِيعِ إِنَّ دَهْرًا لَمْ يَرْعَ عَهْدًا لِيَحْيَى ... غَيْرُ رَاعٍ ذِمَامَ آلِ الرَّبِيعِ ومات الرشيد، والفضلُ مستمرٌّ على الوزارة، فقرر الأمور للأمين محمد بن الرشيد، ولم يلتفت للمأمون وهو بخراسان، ثم لما قويت شوكة المأمون، استتر في رجب سنة ست وتسعين ومئة، ثم ظهر لما ادعى إبراهيمُ بنُ المهدي الخلافهَ ببغداد، فلما اختلَّ حاله، استرَ الفضل ابن الربيع ثانيًا، وشرح ذلك يطول. ثم إن طاهر بن الحسين سأل المأمون الرضا عنه، فأدخله عليه، إلا أنه لم يزل بطالًا إلى أن مات، ولم يكن له في دولهَ المأمون حظ، وتوفي الفضل بن الربيع في سنة ثمان ومئتين. ٣٠٨ - الفضل بن سهل أبو العباس السرخسي أخو الحسن بن سهل: أسلم على يد المأمون في سنة تسعين ومئة، فوزَرَ للمأمون، واستولى عليه، حتى ضايقه في جارية أراد شراءها، وكانت فيه فضائل، فكان يلقب بذي الرئاستين؛ لأنه تقلد الوزارة والسيف، وكان مِنْ أخْبَرِ الناس بعلم النجوم، وأكثرهم إصابة في أحكامه، ولما ثقل أمره على

стр. 980

المأمون دسَّ عليه خادمه غالب المسعودي الأسود بسرخس، ومعه جماعة، وقتله مُغافصة يوم الجمعة، ثاني شعبان، سنة اثنتين ومئتين، وعمره ثمان وأربعون سنة، ومات والد الفضل سهل سنة اثنتين - أيضًا - بعد قتل ولده بقليل. ٣٠٩ - أبو العباس الفضل بن مروان، وزيرُ المعتصم: [و] هو الذي أخذ له البيعةَ ببغداد، وكان المعتصم يومئذٍ ببلاد الروم، وفوض إليه الوزارة يوم دخوله بغداد، وهو [يوم] السبت، مستهل رمضان، سنة ثماني عشرة ومئتين، وخلع عليه، وردَّ أمورَه كلَّها إليه، فتغلب عليه بطول خدمته، وتربيته إياه، واستقل بالأمور، وكذلك فعل في أواخر ولاية المأمون، وكان نصراني الأصل، قليل المعرفة بالعلم، حسن المعرفة بخدمة الخلفاء، وكان قد حبس يومًا لقضاء أشغال الناس، ورفعت إليه قصص العامة، فرأى في جملتها ورقةً مكتوب فيها: تَفَرْعَنْتَ يَا فَضْلُ بْنَ مَرْوَانَ فَاعْتَبِرْ ... فَقَبْلَكَ كَانَ الفَضْلُ وَالفَضْلُ والفَضْلُ ثَلاَثَةُ أَمْلاَكٍ غَدَوْا لِسَبِيلِهِمْ ... أَبَادَتْهُمُ الأَقْيَادُ وَالحَبْسُ وَالقَتْلُ وَإِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ فِي النَّاسِ ظَالِمًا ... سَتُودِي كَمَا أَوْدَى الثَّلاثَةُ مِنْ قَبْلُ

стр. 981

وأما الثلاثة الذين تقدموا، وهم: الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل، فلما وقف على هذه الأبيات، استدعاه، واعتذر إليه، وقضى حاجته. ثم إن المعتصم تغيَّر عليه، وقَبَض عليه في رجب، سنة إحدى وعشرين ومئتين، ولما قبض عليه، قال: عصى الله في طاعتي، فسلَّطني عليه. ثم خدم بعد ذلك جماعة من الخلفاء، ثم توفي في ربيع الآخر، سنة خمسين ومئتين، وعمره ثمانون سنة، وأخذ المعتصم من داره لما نكبه ألفَ ألفِ دينار، وأخذ أثاثًا وآنية بألف ألف دينار. ٣١٠ - الفُضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، التميميُّ، الطالقانيُّ الأصل، الزاهدُ المشهورُ: أحد رجال الطريقة، كان في أول أمره شاطرًا، يقطع الطريق بين أَبِيْوَرد وسَرَخْس، وكان سبب توبته: أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]. فقال: يا رب! قدْ آن. ثم صار من كبار السادات. ومن كلام الفضيل: إذا أحب الله تعالى عبدًا، أكثر غَمَّه، وإذا أبغض عبدًا، أوسعَ عليه معيشته أو دنياه.

стр. 982

ومناقبه كثيرة، قدم مكة، وجاور بها إلى أن مات في المحرم، سنة سبع وثمانين ومئة، ومولده بأَبِيْوَرْد، وهو منسوب إلى طالقان من خراسان. ٣١١ - أبو شجاع فناخسرو الملقب: عضد الدولة بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه، الديلميُّ: تسلم مملكة فارس بعد عمه معزِّ الدولة، ولم يبلغ أحد في أقاربه ما بلغه عضد الدولة من سعة الملك، والاستيلاء على الملوك وممالكهم، وهو أول من خوطب بالملك في الإسلام، وأول من خُطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من جملة ألقابه: تاج الملة، وكان فاضلًا، محبًا للفضلاء، مشاركًا في عدة فنون. وكتب أبو منصور أفتكين التركي متولي دمشقَ كتابًا إلى عضد الدولة مضمونُه: أن الشّام قد صفا في يدي، وزال عنه حكم صاحب مصر، فإن قَوَّيتني بالأموال والعُدد، حاربت القوم. فكتب عضد الدولة جوابه هذه الكلمات، وهي متشابهة في الخط لا تقرأ إلا بعد الشكل والنقط: غَرَّكَ عِزُّكَ، فَصَارَ قُصَارَ ذَلِكَ ذُلُّكَ، فَاخْشَ فاحِشَ فِعلك، فَعلَّك بِهَذَا تَهْدا. ولقد أبدع فيها كلَّ الإبداع.

стр. 983

وكان أفتكين مولى معز الدولة بن بويه، فتغلب على دمشق، وخرج على العزيز العُبيدي صاحبِ مصر، والتقى جيشاهما، وانكسر أفتكين وهرب، فقطع عليه الطريق دغفل الجراح البدري، وحمله إلى العزيز وفي عنقه حبلٌ، فأطلقه، وأحسن إليه، وأقام يسيرًا، ومات سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة. ولما احتضر عضد الدولة، لم يكن لسانه ينطق إلا بتلاوة: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩]. وعالش بعدها قليلًا، ومات بعلّة الصرع، في يوم الاثنين، ثامن شوال، سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة ببغداد، ودفن بدار الملك، ثم نقل إلى الكوفة، ودفن بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعمره سبع وأربعون سنة، وأحدَ عشرَ شهرًا، وثلاثة أيام. والبيمارستانُ العضدي ببغداد منسوب إليه. وهو الذي أظهر قبرَ علي بن أبي طالب ﵁ بالكوفة، وبنى عليه المشهد، وأوصى بدفنه فيه. وللناس فيه اختلاف كثير، حتى قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة الثقفي، وإن عليًا ﵁ لا يعرف قبره، وأصح ما قيل فيه: إنه مدفون بقصر الإمارة بالكوفة، والله أعلم. ٣١٢ - مجد الدين فضل الله بن فخر الدين عبد الرحمن بن

стр. 984

مكانس، المصريُّ: عني بالأدب، وله نظم حسن، وكتب بديوان الإنشاء بالقاهرة، ولم يكن مسعودًا في أمر دنياه. دخل رجل على والده الفخر وهو عنده، وصف له عبدًا حبشيًا في غاية الحسن، فتطلع والده لشرائه، وكان على رأسه مملوك في غاية الحسن، فأنشأ يقول: يَا مَنْ تَعَشَّقَ عَبْدًا بِالسَّمَاعِ بِهِ ... وَعِنْدَهُ أَبْيَضٌ كَالبَدْرِ فِي الحَمَلِ خُذْ مَا رَأَيْتَ وَدع شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ ... فِي طَلْعَةِ البَدْرِ مَا يُغْنِيكَ عَنْ زُحَلِ * * * ٣١٣ - أمير العرب فضل بن عيسى بن رملة بن جماز، أميرُ آل علي: ولي الإمرة بعد أخيه حادث خمسة وثلاثين سنة، وأخوه حادث ورث الإمرة بعد أبيه سنتين، ولما جاء الظاهر برقوق الكرك، رحل هو وعربه معه، وصار له بذلك عنده وَجاهة، وقبض عليه نوروز، وحبسه بقلعة دمشق، ثم إنه اتهم بمكاتبة المؤيد شيخ، فقتله في ذي القعدة، سنة ست عشرة وثمان مئة.

стр. 985

حَرْفُ القَافِ ٣١٤ - أبو عُبيد القاسم بن سلَّام - بتشديد اللام -: وكان أبوه عبدًا روميًا لرجل من أهل هراة، واشتغل أبو عبيد بالحديث والأدب والفقه، وكان ذا دين وسيرة جميلة، ومذهب حسن، وفضل بارع، وولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة، وله مصنفات نافعة في القرآن والحديث والفقه. وقال الهلال الرقي: مَنَّ الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي ﵁؛ تفقه في علم حديث رسول الله ﷺ ، وأحمدَ بن حنبل ﵁؛ ثبت في المحنة، ولولا ذاك لكفر الناس، ويحيى بن معين؛ نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأبي عبيد القاسم؛ فسَّر غريب الحديث، ولولا ذاك لاقتحم الناسُ الخطأ. وكان له هيبة ووقار، قدم بغداد، فسمع الناس منه كتبه، ثم حج، ومات بمكة المشرفة، وقيل: بالمدينة الشريفة، بعد فراغه من الحج سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومئتين، وقيل: في المحرم، سنة أربع وعشرين، ودفن في دور جعفر، ومولده بهراة.
следующие страницы →