روى قتادة عن أنس، قال النووي في "شرح صحيح مسلم": هو مدلس، فإن قال: عن أنس، ينبغي أن يتوقف فيه حتى يقول: قال أنس ويصرح بسماعه من أنس، ولهذا وقع خبط في روايته عن أنس ابتداء قراءة النبي ﷺ بالحمد لله رب العالمين، وكذلك رواية القنوت قبل الركوع، وقد روى بعده أيضًا، فينبغي أن يتثبت فيما يكون من هذا القبيل.
وقوله: "شعر بين شعرين"، الروايات في صفة الشعر كثيرة، واختلافها بحسب حاله، فإن كان يقصره تارة، ويوفره أخرى، ويحلقه مرة، ويفرقه أخرى، ويسدله، فلذلك جاءت الروايات كما ترى.
قوله: "كان أهل الكتاب يسدلون"، أي: يسبلون شعرهم.
قوله: "صدعت الفرق بين يافوخه"، بالخاء المعجمة، اليافوخ: هو الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل، يفعول، وجعه يآفيخ، الياء زائدة، وفرق الشعر: جعله فرقتين.
قوله: عن أم هانئ، هي شقيقة علي بن أبي طالب، اسمها هند، وقيل: فاختة، أسلمت عام الفتح، والغدائر: بالغين المعجمة والدال المهملة: واحدتها غديرة.
قوله: "فلا يريدون أن يقع شعرة إلا في يد رجل". أي: لم يدعوا شيئًا منه يقع إلى الأرض طلبًا لبركته وتعظيمًا له.
وقوله: عن محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة، هو أبو بكر محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك، من سبي عين التمر، يقال: ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، كان فقيهًا زاهدًا من أعظم التابعين، المشهور بفنون العلم، وفاته سنة عشر ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة، وعبيدة بفتح العين المهملة، وكسر الباء الموحدة، وسكون المثناة تحت بعدها، هو: أبو مسلم، ويقال: أبو عمرو:
стр. 807
عبيدة بن عمرو، وقيل: عبيدة بن قيس بن عمرو السلماني من بني سلمان بن يشكر، بن ناجية، بطن من مراد، أحد المخضرمين، جاهلي إسلامي، يقال: أسلم قبل وفاة النبي ﷺ لسنتين ولم يلقه، وسمع أكابر الصحابة، واشتهر بصحبة علي وابن مسعود، وكان أعور، روى عنه إبراهيم النخعي، وابن سيرين، وفاته سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين.
السلماني: بفتح السين المهملة وسكون اللام، وناجية: بالنون والجيم والمثناة تحت.
الوجه
قوله: "إذا مشى تَكفَّأ" وفي رواية: "تَكفَّا تكفِّيًا" أي: تمايل إلى قدام، هكذا روي غير مهموز، والأصل الهمز، وبعضهم يرويه مهموزًا، لأن مصدر تفعل من الصحيح تفعل، كتقدم تقدمًا، وتكفَّا تكفِّيًا، والهمزة حرف صحيح، فأما إذا اعتل، انكسرت عين المصدر، ومنه تخفَّى تخفيًا، وتسمى تسميًا، فإذا خففت الهمزة التحق بالمعتل وصار تكفِّيًا بالكسر.
وسعيد الجريري: بضم الجم، هو أبو مسعود من بني جرير بن عباد بطن من بكر بن وائل البصري تابعي، وفاته سنة أربع وأربعين ومائة، وأبو الطفيل، بضم الطاء المهملة: عامر بن واثلة - بالمثلثة - الليثي الصحابي: مولده عام أحد، نزل الكوفة
الفم
قوله: "أشكل العين"، أي: في بياضها شيء من الحمرة، وهو محمود محبوب، يقال: ماء أشكل: إذا خالطه الدم، وقد خطَّؤوا سِماكًا في تفسيره الشكلة بسعة شق العين، وهو سِماك بكسر السين المهملة وتخفيف الميم وآخره
стр. 808
كاف، ابن حرب، أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة بن ربيعة بن عامر بن ذهل بن ثعلبة الذهلي البكرى الكوفي، وهو أخو محمد وإبراهيم ابني حرب، تابعي مشهور، أدرك ثمانين صحابيًا، ذهب بصره فدعا الله تعالى فرده عليه.
و"منهوس العقبين"، بالسين المعجمة والمهملة، وأصل النهس: أخذ اللحم بأطراف الأسنان، وبالمعجمة: أخذه بالأضراس.
الكلام
قوله: "ترسل أو ترسيل"، يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه: إذا لم يعجل، والترسل والترسيل سواء.
قوله: "ولم يكن يرجّع" التَّرجيع: ترديد القراءة، وقيل: هو تقارب ضروب الحركات في الصوت.
وقوله: كان يمد بعض المد، هكذا حكي، أي: دون غاية المد، وروى عن عبد الله بن مغفل ترجيعه بمد الصوت قي القراءة نحو آآ آآ آآ، وأجيب بأن هذه القراءة التي رواها كانت يوم الفتح وهو راكب على ناقته فحدث الترجيع في صوته من تحريك الناقة.
خاتم النبوة
قوله: "عند ناغِضِ كتفيه"، بالنون والغين والضاد المعجمتين، ويروى في ناغض كتفه الأيسر، ويروى في نفض كتفيه، النغضة والنغض والتناغض: أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه.
وقوله: "جمعًا" وفي رواية: "كأنه جمع"، يريد جمع الكف، وهو أن يجمع الأصابع ويضمها، يقال: ضربه بجمع كفه بضم الجيم.
وقوله: "عليه خيلان" جمع خال، وهو الشامة في الجسد.
стр. 809
وقوله: "كأمثال الثَّآليل"، بالمثلثة جمع ثُؤلول، وهو هذه الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة.
قوله: "مثل زرِّ الحجلة"، وهو واحد الأزرار التي يشد بها الكللُ والسُّتور على ما يكون في حَجَلةِ العروس، وقيل: هو بتقديم الراء على الزاي، ويريد بالحجلة: القبجة، مأخوذٌ من أرَزِّت الجرادة: إذا كبست ذنبها في الأرض فباضت، ويشهد له قوله في الحديث السابق: مثل بيضة الحمامة.
المشي
قوله: "كأن الشمس تجري في وجهه"، قال الطيبي: شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه، معنى قول الشاعر:
يَزيدُك وجهُه حسنًا ... إذا ما زدْتَّه نظرًا
قال: وفيه أيضًا عكس التشبيه للمبالغة ويجوز أن يقدر متعلق الخير الاستقرار، فيكون من باب تناسي التشبيه، فجُعِلَ وجهه مقرًا ومكانًا لها، ومن باب تناسي التشبيه قول الشاعر:
هي الشمس منزلها في السماء ... فعَزِّ الفؤاد عزاءً جميلًا.
العرف: هو بفتح العين المهملة وسكون الراء: الريح، ويريد به الريح الطيبة.
ذكر الأخلاق
هي جمع خلق، والخلق بضم اللام وسكونها: الدين، والطبع، والسجية. قال في "النهاية" وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها، بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها المختصة. ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع. انتهى كلامه.
стр. 810
ونوضحه بتعريف الخلق، وبيان ما ذكره، من أنه: صفة للنفس كما قاله العلماء في علم الأخلاق، فنقول: الخلق: ملكة تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير روية وفكر، والملكة: كيفية بالنفس، سريعة الزوال، والنفس الإنسانية لها ثلاثة قوى. القوة العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشهوانية، وله فيها تصرف يستولي بعضها على بعض بسببه، فهيئة استيلاء القوة العقلية على القوتين تسمى فضيلة، وهيئة استيلائهما عليها تسمى رذيلة، وإذا ثبتت هذه الهيئة، سميت خلقًا، وإذا عرضت ثم زالت سميت حالًا، فالفضيلة: حالة للنفس مشتملة على كمالها الخاص بها، والرذيلة: حالة للنفس مشتملة على نقصانها الخاص بها، والفضيلة وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وكل من الطرفين يسمى رذيلة، وكل من قسمي الفضائل والرذائل ينقسم إلى أصول ولوازم، فأصول الفضائل أربعة: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة، وأصول الرذائل ثمانية: الخبث، والبله، والتهور، والجبن، والشره، والجمود، والظلم، والانظلام.
فالحكمة: وسط بين الخبث والبله، والشجاعة وسط بين التهور والجبن، والعفة: وسط بين الشره والجمود، والعدالة: وسط بين الظلم والانظلام. ولوازم الفضائل تظهر بذكر تفصيلها، لوازم الحكمة: اللب وثقابة الرأي. ولوازم الشجاعة: كبر النفس، والحلم، والكرم، والرحمة. ولوازم العفة: الحياء، والسخاء، والحرية، والخيرية. ولوازم العدالة: هي جملة اللوازم. ولوازم الرذائل: مقابلات، فلوازم الخبث والبله. الدهاء والجربزة (١) والغمارة والحمق، ولوازم التهور والجبن: الكبر، وصغر النفس، والترفع، والتذلل، والبذخ، والنذالة، والعجب، والقساوة. ولوازم الشره والجمود: الوقاحة، والتخبث، والتبذير،
стр. 811
والتقتير، والبخل، والحسد، والشماتة، والشرارة. ولوازم الظلم والانظلام هي جملة اللوازم، وهذا ذكر تعريف الكل من الأخلاق: الفضائل والرذائل مفصلًا.
الحكمة: تطلق باشتراك الاسم على ما يذكر في علم الأخلاق: وعلى الحكمة التي هي عبارة عن العلم الخاص، فالحكمة التي يطلب تعريفها في علم الأخلاق: عبارة عن كمال النفس باقتناء الملكات الفاضلة بحيث تصير أفعالها مستمرة على النظام.
الشجاعة: مطاوعة الرأي بالسواء في الإقدام والإحجام.
العفة: قلة الشوق إلى اللذات الحسية.
العدالة: اجتماع الفضائل في النفس.
اللب: فضيلة يكون الانسان بها حسن الرأى في الأمور.
ثقابة الرأي: فضيلة يقتدر بها الإنسان على التوصل إلى الأمور العظيمة مع استحقاره لها.
الحلم: فضيلة يكون الإنسان بها غير منفعل من المغضبات.
الكرم: فضيلة يلتذ الإنسان بها بما يبذله من الخير للغير.
الرحمة: فضيلة يتألم الإنسان بها لشر ينال الغير.
الحياء: فضيلة يكون الإنسان [بها بعيدًا] (١) عن الأمور المذمومة.
السخاء: فضيلة يكون بها الإنسان فعالًا للجميل في المال.
стр. 812
الحرية: فضيلة يلتذ ويتألم بها الإنسان لخير وشر ينال الغير، كما يلتذ ويتألم في حق نفسه.
الخبث: استقصاء الرؤية في استنباط ما يظن أنه خير وليس بخير.
البله: مقابله.
التهور: مطاوعة النفس في الإقدام أشد من مطاوعتها في الإحجام.
الجبن: مقابله.
الشره: شده الشوق إلى اللذات الحسية.
الجمود: مقابله.
الظلم: باعتبار الأخلاق: اجتماع الرذائل في النفس المصونة بالخير بلا استحقاق.
الانظلام: خلو النفس عن الفضائل لاحتمال الضرر من الغير بلا استحقاق.
ولوازم الفضائل مقابلات حدود لوازم الرذائل، فلا حاجة إلى التطويل بذكرها، وحيث ظهر لك بيان حقائق الأخلاق، وعرفنا لكل منها، فاعلم أن مرادهم بقوله في أوصاف رسول الله ﷺ : الأخلاق هي الفضائل، وهي بينة من أحاديث الكتاب، إذا تأملتها وقعت على تفصيل جميع الفضائل منها، وأنها كانت حاصلة لرسول الله ﷺ بأسرها.
قوله: "ما فعل النغير" تصغير نغر بضم النون وفتح الغين المعجمة وبالراء: هو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار، ويجمع على نغران.
قوله: "كان فزع بالمدينة"، أي: استغاثوا، يقال: فزعت إليه، الفزع في الأصل: الخوف، ثم وضع موضع الإغاثة والنصر.
стр. 813
قوله: "ولقد فزع أهل المدينة"، أي: استغاثوا. يقال: فزعت إليه فأفزعني، أي: استغثته فأغاثني.
وقوله: "لن تراعوا" من الرّوْع، وهو الخوف والفزع.
وقوله: "وجدناه بحرًا"، أي: واسع الجري، وسمي البحر بحرًا لسعته.
وقوله: "وكان فيه قطاف" بكسر القاف: هو تقارب الخطو في سرعة من القطف وهو القطع، وقد قطف يقطف قطفًا وقطافًا.
قوله: "كنا إذا احمر البأس"، أي: إذا اشتد الحرب استقبلنا العدو به، وجعلناه لنا وقاية. وقيل: أراد: إذا اضطرمت نار الحرب وتسعرت، كما يقال بين القوم: اضطرمت ناره تشبيهًا بحمرة.
قوله: "أرجح الناس عقلًا"، في تعريف العقل خلاف وأقوال، أحسنها تعريف الحارث المحاسبي، قال: غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات.
قوله: "بُردٌ نجراني"، بالنون والجيم والراء، نسبة إلى نجران: موضع معروف بين الحجاز والشام، والبرد: نوع من الثياب معروف.
قوله: "أشد حياء من العذراء في خدرها"، العذراء: الجارية التي لم يمسها الرجل وهي البكر، وقد سبق ذكره، والخدر: ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر.
تنبيه
المشبهون برسول الله ﷺ : جعفر بن أبي طالب، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال لجعفر: "أشبهت خلقي وخلقي"، والحسن بن علي بن أبى طالب، وقثم بن
стр. 814
العباس بن عبد المطَّلب الشهيد بسمرقند، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ومسلم بن معاوية بن أبي لهب، وكابس بن ربيعة بن عدي، وخُبِّرَ معاوية أن كابس بن ربيعة بالبصرة يشبه بالنبي ﷺ ، فكتب إلى عبد الله بن عامر بن كريز ليرفده إليه، فلما رآه من باب الدار، قام إليه عن سريره فتلقاه، وقبل ما بين عينيه، ووصله وأقطعه المرْغَاب، ذكره الثعالبي في كتابه المسمى بـ "اللطائف".
стр. 815
الفصل الثالث في اللباس
قوله: في حديث الهجرة: "في ركب"، اسم من أسماء الجمع، كسفر ورهط، ولهذا صغر على لفظه، فقيل: ركيب، وقيل: جع راكب، كصاحب وصحب، ولو كان ذلك لقيل في تصغيره: رويكبون، كما قيل: صويحبون. قال الجوهري: والركب أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والجمع أركب، وهذا الذي قاله هو الأصل، ثم اتسع فأطلق على صاحب الإبل وغيرها.
وقوله: "قافلين"، أي: راجعين، مصدر قفل يقفل: إذا عاد من سفره، وقد يقال في الذهاب والرجوع، لكن أكثر ما يستعمل في الرجوع.
وقوله: "فلما أووا إلى بيوتهم"، أي: رجعوا، يقال: أويت إلى المنزل، وآويت غيري وأويته مقصورًا، وأنكر بعضهم المقصور المتعدي.
وقوله: "على أطم من آطامهم"، قال الجوهري: الأطم مثل الأجم، يخفف ويثقل، والجمع آطام، وهي حصون لأهل المدينة.
وقوله: "يزول بهم السراب"، يقال: زال به السراب: إذا ظهر شخصه فيه خيالًا.
стр. 816
وقوله: "هذا جدكم"، أي: سعدكم الذي تنتظرونه، والجد: السعادة والحظ والغنى.
الحمرة
الحلة: واحدة الحلال، ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبان من جنس واحد.
الصفرة
قوله: "والعبير عندنا للزعفران" وقال في "النهاية": العبير: نوع من الطيب ذو لون يجمع من أخلاط، و"الورس" بفتح الواو وسكون الراء: نبت أصفر يصبغ به، وهذه الأحاديث المذكورة في الصفرة ليس العمل عليها اليوم على الإطلاق، بل للناس فيها خلاف. قال الشيخ النواوي: اختلف أصحابنا في الثياب المعصفرة، وهي المصبوغة بعصفر، فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها.
وفي رواية عنه أنه أجاز لباسها في البيوت وأفنية الدور، وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها. وقال جماعة من العلماء: هي مكروهة كراهة تنزيه، وحملوا النهي عن لبس القسي والمعصفر على هذا، لأن لبس النبي ﷺ حلة حمراء ثابت. وفي "الصحيحين" حديث ابن عمر.
وقوله: "رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة"، وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج، فليس بداخل في النهي، وعمل بعضهم هذا النهي على المحرم بالحج أو العمرة، وأما الأحاديث الدالة على لبس المزعفر، فقد قال البيهقي: نهى الشافعي الرجل عن
стр. 817
الزعفران، وأباح له المعصفرة. قال الشافعي: إنما رخصت في المعصفر لأني لم أجد أحدًا يحكي عن النبي ﷺ النهي عنه، إلا ما قال علي ﵁: نهاني ولا أقول: نهاكم.
قال الشيخ النواوي: قال البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدل على النهي على العموم، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقوله له: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها"، ثم ذكر أحاديث آخر، ثم قال: لو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها إن شاء الله، ثم ذكر إسناد ما صح عن الشافعي أنه قال: إذا صح حديث النبي ﷺ على خلاف قولي، فاعملوا بالحديث، ودعوا قولي. وفي رواية: فهو مذهبي. قال البيهقي: قال الشافعي: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، قال: وآمره إذا تزعفر أن يغسله. قال البيهقي: فتبع السنة في المزعفر، فمتابعتها في المعصفر أولى، وحديث النهي عن المزعفر في "صحيح مسلم"، وهو قوله: نهى رسول الله ﷺ أن يتزعفر الرجل، فثبت ما ذهب إليه الشافعي وموافقوه من تحريم لبس الثوب المزعفر على الرجل.
الحبرة
بالحاء المهملة، يقال: برد حَبير، وبرد حِبرَة بوزن عنبة على الوصف والإضافة وهو برد يمان، والجمع حِبَرٌ وحِبرات، والحبير من البرود: ما كان مَوْشيًّا مُخطَّطًا.
القميص
قوله: "إلى الرسغ"، بالراء والسين المهملتين وبالغين المعجمة: هو مفصل ما بين الكف والساعد، نقله النووي عن قول الأزهري في "شرح المختصر"، وقال الجوهري في: "الصحاح": الرُّسْغ من الدواب: الموضع
стр. 818
المستدقُّ الذي بين الحافر ومَوْصل الوظيف من اليد والرجل: قال النووي: وقال ابن دريد في "الجمهرة": الرسغ: موضع الكف في الذراع، وموصل القدم في الساق، ومن ذوات الحافر: موصل وظيفي اليدين والرجلين في الحافر، ومن الإبل: موصل الأوظفة في الأخفاف، قال: وجمع الرسغ أرساغ، ويقال: رصغ بالصاد.
الجبة
قوله: "أخرجت إلينا أسماء جبة طيالسة"، بإضافة جبة إلى طيالسة، والطيالسة: جمع طيلسان بفتح اللام، وقد يكسر، وهو غريب ضعيف.
وقوله: "لها لبنة شبر من ديباج كسرواني"، اللبنة: رقعة تعمل موضع جيب القميص والجبة، والديباج: الثياب المتخذة من الإبريسم، فارسي معرب، وقد تفتح داله، والجمع ديابيج بالياء والباء، لأن أصله دباج، وكسرواني بكسر الكاف وفتحها: نسبة إلى كسرى صاحب العراق.
وقوله: "وفرجيها مكفوفين"، أي: ورأيت فرجيها مكفوفين، فهما منصوبان بهذا الفعل المقدر، ومعنى مكفوفين: أي: جعل لهما كفة بضم الكاف، وهو ما يكف به جوانبها، ويعطف على ذيلها وكميها وفرجيها وفي الحديث دليل على التبرك بآثاره ﷺ ، وجواز لبس الثواب له فرجان، واستعمال القليل من الحرير، وقد روي أن ذلك جائز ما لم يزد على مقدار أربع أصابع، لقول عمر ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع.
وقوله: "وعليه جبة شامية ضيقة الكمين"، هذا في السفر، فأما غالب لبسه ﷺ ، فلم يكن ضيق الكمين.
стр. 819
الرداء: هو الثوب، أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقيه وبين كتفيه فوق ثيابه.
القناع: القناع والِمقْنعَة، ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها من ثوب، وقال الليث: القناع من المقنعة، وعن الأزهري: أنه لا فرق بين القناع والمقنعة، وهو مثل اللحاف والملحفة، والقرام والمقرمة، فسمي الثوب الذي يغطي به الرجل رأسه قناعًا من ذلك، وقد يكون نحو خرقة تجعل على الرأس تقي العمامة الدهن عند الادِّهان.
الإزار: قوله: "أخرجت إلينا كساءً ملبدًا"، أي: مرقعًا، يقال: لبدت القميص ألبده ولبدته، ويقال للخرقة إلى يرقع بها صدر القميص: اللِّبْدَةُ، والتي يُرقع بها قَبُّهُ: القبيلة، وقيل: الملبَّدُ: الذي ثخن وَسطُه وصَفُق حتى صار يشبه اللَّبَدَة.
قوله: "ببردة منسوجة"، هي الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صِفر تلْبَسهُ الأعراب، جمعها بُرَد. فلهذا سألهم الراوي عنها ليعلمهم أنها الشملة لا الكساء الأسود، والشملة: هي الكساء، والمئزر: يتشح به، وجمعها شمال، وقد قال علي ﵁ للأشعث بن قيس: إن أبا هذا ينسج الشمال باليمين، وهو من أحسن الألفاظ وألطفها بلاغة وفصاحة.
الإزرة: بالكسر: الحالة وهيئة الاتزار، مثل: الركبة والجلسة.
السراويل: يُذَكَّر ويؤنَّث، والجمع: السَراويلات، قال سيبويه: سَراويلٌ واحدةٌ، وهي أعجمية أعربت، وأشبهت من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، وبعض النحاة لا يصرفها منكرة أيضًا لزعمه أنها جمع سِروال وسروالة، قال الجوهري: والعمل على الأول، والثاني أقوى.
стр. 820
قال ابن عبد البر: سويد بن قيس يختلف في حديثه، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين.
لبس القباء: بالقاف والباء الموحدة، واحد الأقبية.
قوله: "فروج حرير" بالجيم: هو القباء الذي فيه شق من خلفه.
المرط: بكسر الميم: هو الكساء، ويكون من صوف، وربما كان من خَزٍ أو غيره، وجمعه: مروط بالطاء المهملة، ومُرحَّل، بضم الميم وبالحاء المهملة، أي: نقش فيه تصاوير الرحال.
لبس الثوب يوم الجمعة
قوله: "كما كسوتنيه"، مرفوع المحل مبتدأ، والخبر "أسألك" وهو المشبه، أي: مثلما كسوتنيه من غير حول ولا قوة، ارزقني خيره، والضمير في كسوتنيه راجع إلى المسمى من العمامة وغيرها.
النعل: مُخصَّرة معقبةُ مُلَسَّنَةً، مخصرة بالخاء المعجمة، أي: قطع خصرها حتى صارا مستدقين، ورجلٌ مخصر: دقيق الخصر، وقيل: المخصرة: التي لها خصران، والمعقبة: التي لها عقب، والملسَّنة، أي: دقيقة على شكل اللسان. وقيل: هي التي جعل لها لسان، ولسانها: الهنة الناتئة في مقدمها، ومعنى أشركْهُما: اجعل لهما شِراكًا بكسر الشين المعجمة، والشراك: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها، والقِبالان بكسر القاف: زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الأصبعين.
стр. 821
الفصل الرابع في الزينة
قوله: "فيه فص حبشي"، يحتمل أنه أراد من الجزع والعقيق، لأن معدنهما اليمن والحبشة، أو نوعًا آخر ينسب إليها، قاله في "النهاية".
الخضاب
قوله: "ولو شئت أن أعد شمطات"، الشمطات: الشعرات البيض التي كانت في شعر رأسه، يريد قلتَّها.
قوله: "مخضبة" المخضب بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة: شبه المركن، وهي إجَّانة يغسل فيها الثياب، و"الجلجل" بضم الجيم: الجرس الصغير الذي يعلق في أعناق الدواب وغيرها.
قص الشارب
قوله: "تحفي شاربك" بالحاء المهملة، أي: تبالغ في قصها.
الطيب
قوله: "يستجمر"، أي: يتبخر بالخاء المعجمة.
стр. 822
وقوله: "بالألوَّة غير مطراة"، الألوة بفتح الهمزة وضمها: العود الذي يتبخر به، والمطراة: التي يعمل عليها ألوان الطيب وغيرها كالعنبر والمسك والكافور.
المشط
قوله: العاج: الذَّبْل، وقيل: شيء يتَّخذ من ظهر السُّلحفاة فأما العاج الَّذي هو عظم الفيل، فنجس عند الشَّافعي، طاهر عند أبي حنيفة.
الفراش
قوله: "نمرقة" بضم النون والراء وكسرهما وبغير هاء، وجمعها: نمارق وهي الوسادة.
قوله: "ورأى النمط"، بالنون وكسر الميم وبالطاء المهملة: وهو بساط له خمل رقيق، وجمعه أنماط.
قوله: "قرام ستر"، الإضافة فيه كقولك: ثوب قميص، هذا على أن يكون القرام [مضافًا، والقرام] بكسر القاف: هو الصَّفيق من صوف ذي ألوان، وقيل: القرام: الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، وكذلك أضافه.
قوله: "تحت نضد" بالنون والضاد المعجمة والدال المهملة، قال في "النهاية": هو بالتحريك السرير الذي تنضد عليه الثياب، أي: يجعل بعضها فوق بعض.
стр. 823
الفصل الخامس في ذكر الكراع
اللواء والراية
قال الجوهري: ولواء الأمير ممدود، ثم قال: والألوية: المطارد، وهي دون الأعلام والبنود. وقال في "النهاية": اللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، ورايته وألويته مختلفة الألوان، حكى كل من الرواة ما رأى منها. وذكر النووي وغيره: أنه كان للنبي ﷺ راية سوداء مربعة من نمرة، ولواء أبيض وروي أسود.
السيوف
قوله: "سيف قلعي"، منسوب إلى القلعة بفتح القاف وفتح اللام: وهو موضع بالبادية تنسب السيوف إليه "والمخذم" بالخاء والذال المعجمتين، والخذم: سرعة القطع، فلذلك سمي السيف مخذمًا، و"رسوب" بفتح الراء وبالسين المهملة والباء الموحدة: فعول، من رسب يرسب: إذا ذهب إلى أسفل، وإذا ثبت سمي رسوبًا لأنه يذهب في الضربة ويغيب فيها.
стр. 824
الرماح والقسي
قوله: "قوس شوحط" بالشين المعجمة والحاء والطاء المهملتين، والشوحط: ضرب من شجر الجبال يتخذ منه القسي، والواو زائدة، و"النبع" بالنون، ثم الموحدة، ثم العين المهملة: شجر يتخذ منه القسي. قيل: كان شجرًا يطول ويعلو، فدعا عليه النبي ﷺ فقال: "لا أطالك الله من عود" فلم يطل بعد.
الخيل
الخيل جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط، والنساء سميت بذلك لاختيالها في مشيتها لطول أذنابها، والاختيال مأخوذ من التخيل، وهو التشبه بالشيء، فالمختال يتخيل في صورة من هو أعظم منه كبرًا، والخيال صورة الشيء، والجمهور على أن الخيل لا واحد له من لفظه. وعن أبي البقاء أنه قال في إعرابه: وقيل: واحده خائل مثل طائر وطير، وواحد الخيل عند الجمهور الفرس، والفرس اسم للذكر والأنثى.
عن أبي حاتم السجستاني أنه قال في كتابه "المذكر والمؤنث": الخيل مؤنثة، وتجمع على خيول، وتصغير الخيل: خييل.
قوله: "ذو الفضول" سميت بذلك لفضله كان فيها وسعة.
السكب: بفتح السين المهملة وسكون الكاف وبالموحدة [فرس كثير الجري].
"المرتجز": بالراء والتاء المثناة فوق، ثم الجيم والزاي: هو الذي اشتراه من الأعرابي، فشهد له خزيمة بن ثابت.
لزاز: بكسر اللام وبزائين.
стр. 825
"الظرب": بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء وبالباء الموحدة.
"اللحيف": بضم اللام وفتح الحاء المهملة، وقيل المعجمة، وقيل: النحيف بالنون.
"سبحة": من قولهم: فرس سابح: إذا كان حسن مد اليدين في الجري.
قوله: "فبهش لذلك"، بالباء الموحدة والشين المعجمة، أي: أعجبه، يقال لمن نظر شيئًا فأعجبه: بهش إليه.
قوله: يلوي ناصية فرسه: أي: يفتلها.
"الأرثم": بالراء والمثلثة: الذي أنفه أبيض وشفته العليا.
قوله: "بغلة شبهاء"، هي دلدل بضم الدال المهملتين، كان رسول الله ﷺ يركبها في الأسفار، وعاشت حتى ذهبت أسنانها، فكان يجرش لها الشعير، وماتت بينبع.
"عفير": بضم العين المهملة وفتح الفاء، وعن القاضي عياض: بالغين المعجمة، واتفقوا على تغليطه فيه، قاله الشيخ النووي، مات عفير في حجة الوداع.
стр. 826
الفصل السادس في ذكر إبله وماشيته
قال الجوهري: الإبل لا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها أدخلتها الهاء، فقلت: أبَيْلة وغُنَيْمة ونحو ذلك، وربما قالوا للإبل: إبل يسكنون الباء تخفيفًا، والجمع آبال، وإذا قالوا: إبلان وغنمان، فإنما يريدون قطيعين من الإبل والغنم، وأرض مَأبَلةٌ، أي: ذات إبل، والنسبة إلى الإبل أبَلي يفتحون الباء استيحاشًا لتوالي الكسرات.
اللقاح: بالقاف من النياق: ذوات الألبان، الواحدة: لقوح، واللقِّحة بالكسر والفتح، وهي الناقة القريبة العهد بالنتاج، والجمع: لِقحٌ، وقد لقحت لقحًا ولقاحًا، وناقة لقوح: إذا كانت غزيرة [اللبن]، وناقة لاقح: إذا كانت حاملًا، ونوق لواقح.
قوله: "عطنتين"، بالعين ثم الطاء المهملتين ثم النون، أي لا شعر عليهما.
قوله: كانت القصواء من نعم بني الحريش، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء
стр. 827
وبالشين المعجمة. قال الجوهري: وحريش قبيلة من بني عامر.
الغنم: قال الجوهري: اسم مؤنث موضوع للجنس كما ذكر في الإِبل.
وقوله: "وأمرت لنا بخزيرة" بالخاء المعجمة والزاي، ثم بالياء المثناة تحت، ثم الراء: هي لحم يُقطَّع صغارًا، ويصب عليه الماء، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم، فهي عصيدة. وقيل: الخزيرة: حساء من دقيق ودسم، وقيل: إذا كان من دقيق فهي حريرة، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة.
وقوله: بهمة، بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء: ولد الضأن الذكر والأنثى. قيل: وقوله: "اذبح لنا مكانها شاة" يدل على أن البهمة اسم الأنثى، لأنه إنما سأله ليعلم أذكرًا ولد أم أنثى، وإلا فقد كان يعلم أنه إنما يولد أحدهما.
قوله: "في ذكر المنائح: رمرم" من رَمَّتِ الشاة، بالراء، وارتمَّتْ من الأرض: إذا أكلت.
قوله: "يبدو إلى هذه التلاع" البداوة: الخروج إلى البادية بفتح أولها وكسره، والتلاع: مسايل الماء من علو إلى أسفل، واحدها. تلعة، وقيل: هو من الأضداد، يقع على ما انحدر من الأرض وأشرف منها.
الشفقة على البهائم
قوله: "أو حائش نخل" الحائش بالحاء المهملة والمثناة تحت والشين المعجمة: النخل الملتف المجتمع، كأنه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض.
وقوله: "فمسح ذفْراه" بكسر الذال المعجمة، وتفتح، وبالفاء والراء، قال في "النهاية": ذِفْرَي البعير: أصل أذنه، وهما ذفريان، والذفرى مؤنثة، وألفها للتأنيث أو للإلحاق.
стр. 828
الفصل السابع في ذكر مواليه
والمراد بهم: العبيد والإماء، قال الجوهري: والمولى: المعتَق، والمعتِق، وابن العم والجار، والناصر، وكل من ولي واحدًا فهو وليه، قال: والمولى: الحليف، قال: والنسبة إلى المولى: مَوْلوي، والخدم: جمع خادم، ويقع على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال، كحائض وعائق، قاله في "النهاية".
стр. 829
الفصل الثامن في ذكر المدينة وما معها
[قال] الجوهري: مدن بالمكان: أقام به، قال: وبه سميت المدينة، وهي فعيلة، وتجمع على مدائن بالهمز، وعلى مُدن ومَدن بإسكان الدال وضمها، وفيه قول آخر: أنها مفعلة، من دنت، أي: ملكت.
قال: وسألت أبا علي الفارسي عن همز مدائن؟ فقال: فيه قولان: من جعله فعيلة من قولك: مدن بالمكان، أي: أقام، همزه، ومن جعله مفعلة من قولك: دين، أي: ملك، لم يهمزه، كما لا يهمز معايش. وإذا نسبت إلى مدينة الرسول ﷺ قلت: مدني، وإلى مدينة المنصور، قلت: مديني، وإلى مدائن كسرى، قلت: مدائني، للفرق بين النسب لئلا يختلط، قال الشيخ النووي: وقوله: للفرق بين النسب، هذا هو الأغلب وقد جاء خلافه، وذلك معروف عند أهل الحديث، قال: وقال قطرب وابن فارس: هي من دان، أي: أطاع، والدين: الطاعة.
قوله: "ما بين لابتي المدينة"، اللابة: الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها: لابات، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين.
قوله: "إنها طيبة"، وفي رواية: أمر أن تسمى المدينة طيبة وطابة، وهما من الطيب، لأن المدينة كان اسمها يثرب، والثرب: الفساد، فكرهه لذلك،
стр. 830
وهم تأنيث طيب، وطاب بمعنى الطيب، وقيل هو من الطيب الطاهر، لخلوصها من الشرك.
قوله: "أوضع راحلته"، أي حملها على سرعة السير، يقال: وضع البعير يضع وضعًا، وأوضعه راكبه إيضاعًا بالضاد المعجمة والعين المهملة.
المسجد
قال الجوهري: قال الفراء: كل ما كان على فعل يفعُل، مثل: دخل يدخل، فالمفعل منه بالفتح، اسمًا كان أو مصدرًا، ولا يقع فيه الفرق، مثل: دخل مدخلًا، وهذا مدخله، إلا أحرفًا من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك: المسجد، والمطلع، والمغرب، والمشرق، والمسقط، والمفرق، والمجزر، والمسكن، والمرفق: من رفق يرفق، والمنبت، والمنسك، من نسك ينسك، فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم، قد روي مسكِن ومسكَن، وسمعنا المسجِد والمسجَد، والمطلِع والمطلَعِ، قال: والفتح في كله جائز وإن لم نسمعه. وما كان من باب فعل يفعل، مثل: جلس يجلس، فالموضع بالكسر والمصدر بالفتح للفرق بينهما، يقول: نزل منزلًا بفتح الزاي، تريد: نزلًا نزولًا، وهذا منزلة فتكسر، لأنك تعني به الدار، قال: وهو مذهب تفرد به هذا الباب من بين أخواته، وذلك أن المواضع والمصادر فيغير هذا الباب ترد كلها إلى فتح العين ولا يقع فيها الفروق.
قوله: "وكان مربدًا للتمر"، بالراء والباء الموحدة، قال الجوهري: المربد: الموضع الذي تحبس فيه الإبل وغيرها، قال: وأهل المدينة يسمون الموضع الذي يجفف فيه التمر مِرْبَدًا، وهو المسطح والجرين في لغة أهل نجد.
قوله: "هذا الحمال لا حمال خيبر"، قال في "النهاية": الحمال بالكسر
стр. 831
- يعني كسر الحاء المهملة - من الحمل، وهو الذي يحمل من خيبر التمر، أي: إن هذا في الآخرة أفضل من ذاك وأحمد عاقبة، كأنه جمع حِمل أو حَمل، ويجوز أن يكون مصدر حمل أو حامل.
قوله: "حتى ألقى بفناء أبي أيوب" الفناء بكسر الفاء: المتسع أمام الدار، ويجمع على أفنية، وأبو أيوب: اسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة أبو أيوب الأنصاري النجاري، من بني غنم بن مالك بن النجار غلبت عليه كنيته، أمه: هند بنت سعد بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأكبر، شهد العقبة وبدرًا وسائر المشاهد، قاله ابن عبد البر، وقال: وعليه نزل رسول الله ﷺ في خروجه من بني عمرو بن عوف حين قدم المدينة مهاجرًا من مكة، فلم يزل عنده حتى بنى مسجده في تلك السنة وبنى مساكنه، ثم انتقل رسول الله ﷺ إلى مسكنه، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين مصعب بن عمير.
عن أبي رهم السمعي، أن أبا أيوب الأنصاري حدثه قال: نزل رسول الله ﷺ في بيتنا الأسفل، وكنت في الغرفة، فأهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة نتبع الماء شفقة أن يخلص إلى رسول الله ﷺ ، ونزلت إلى النبي ﷺ وأنا أشفق، فقلت: يا رسول الله، لا ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر النبي ﷺ بمتاعه أن ينقل ومتاعه قليل، قال: وكان أبو أيوب مع علي في حروبه كلها، ثم مات في القسطنطينية من بلاد الروم في زمان معاوية، وكانت غزاته تلك تحت راية يزيد، هو كان أميرهم يومئذ، وذلك سنة خمسين، أو إحدى وخمسين، قال: والأصح سنة اثنتين وخمسين، قال: وقيل: إنه مرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت، فاحملوني، فإذا صاففتم العدو،
стр. 832
فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا. قال: وقبر أبي أيوب قرب سورها معلوم إلى اليوم، معظم، يستسقون به فيسقون، ﵁.
وقوله: "فأرسل إلى ملأ بني النجار"، الملأ: أشراف الناس ورؤساؤهم، ومقدموهم الذين يرجعون إلى قولهم، وجمعه: أملاء.
قوله: "وكان فيه خرب" بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء، جع خربة، كنقمة ونقم، ويجوز أن يكون بكسر الخاء وسكون الراء على التخفيف جمع خربة، كنعمة ونعم، ويجوز أن يكون بفتح الخاء وكسر الراء، كنبقة ونبق، وقد روي بالحاء المهملة والثاء المثلثة، يريد به الموضع المحروث للزراعة.
المنبر
قال الجوهري: نبرت الشيء أنبره نبرًا: رفعته، ومنه سمي المنبر.
قوله: "مثل أصوات العشار" هي النوق اللاتي أتى على حملهن عشرة أشهر، جمع عشراء.
قوله: "خار الجذع كخوار الثور"، بالخاء المعجمة، الخوار: صوت البقر.
وقوله: "حتى ارتج المسجد"، أي: اضطراب من كثرة البكاء قال الجوهري: والرّجرجة: الاضطراب، وارتج البحر وغيره, اضطرب. وارتج، بالراء والتاء المثناة فوق وتخفيف الجيم.
الأسطوانة
قال الجوهري: النون فيها أصلية، وهي أفعوالة، مثل أقحوانة، لأنه يقال: أساطينُ مُسطنَّة، قال: وكان الأخفش يقول: هي فُعلوانة فال: وهذا يوجب أن
стр. 833
تكون الواو زائدة، وإلى جنبها زائدتان: الألف والنون وهذا لا يكاد يكون، قال: وقال قوم: هو أفعُلانة ولو كان كذلك لما جمع على أساطين، لأنه لا يكون في الكلام أفاعين، وجمل أسطوان، أي: مرتفع.
قوله: "فإذا انكفت الناس"، أي: رجعوا وانضموا في بيوتهم.
مسجد قباء
بضم القاف وتخفيف الباء وبالمد، مذكر منون مصروف، وحكي فيه القصر، وحكى فيه التأنيث وترك الصرف، والمختار الأول.
قوله: "ومحلوف عمر"، أي: حلفه، قال الجوهري: حلف: أي: أقسم، يحلف حلفًا وحَلِفًا ومَحْلوفًا، قال: وهو أحد ما جاء من المصادر على مفعول، مثل: المجلود، والمعقول، والميسور.
وادي العقيق
هو واد من أودية المدينة مسيل للماء، قال في "النهاية": وهو الذي ورد ذكره أنه واد مبارك بكسر القاف، قال في "النهاية": حرة واقم، واقم: أطم من آطام المدينة، وإليه تنسب الحرة.
أحد
بضم الهمزة والحاء: جبل بجنب المدينة على نحو ميلين.
الآبار
بئر بضاعة
بضم الموحدة وكسرها، بالمدينة بديار بني ساعدة، قيل: هو اسم للبئر وقيل: اسم لصاحبها.
стр. 834
بئر أبي الهذيل براتج
راتج بالراء كسر المثناة فوق، بالجيم: اسم أطم من آطام المدينة.
بئر غرس
بفتح الغين المعجمة وسكون الراء والسين المهملة بالمدينة، قال الواقدي: كانت منازل بني النضير بناحية الغرس.
بئر العسيرة
بفتح العين المهملة، قال في "النهاية": العسير هو بفتح العين وكسر السين: بئر بالمدينة كانت لأبي أمية المخزومي، وسماها النبي ﷺ بيسيرة.
стр. 835
الفصل التاسع في العبادات
الطهارة
الطهارة في اللغة: الطهارة والتنزه عن الأدناس. وفي الشرع: رفع الحدث وإزالة النجاسات أو ما في معناهما، كالتيمم، وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، والغسل، وإزالة النجاسة، والأغسال المسنونة، وطهارة المستحاضة وسلس البول ومن في معناهما ممن به حدث دائم، يقال: طهر الشيء بفتح الهاء وضمها لغتان، والفتح أفصح، يطهر طهرًا، وطهارة. والخلاء بالمد في الأصل: هو المكان الخالي كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثم كثر حتى تجوز به عن غير ذلك.
قوله: "من الخبث والخبائث" بضم الخاء والباء جمع خبيث وذكر الخطابي في أغاليط المحدثين روايتهم له بإسكان الباء، وليس كذلك، لأن فعلًا بضم الفاء والعين تخفف عينه قياسًا، فلا يتعين أن يكون المراد بالخبث بسكون الباء ما لا يناسب المعنى، بل يجوز أن يكون وهو ساكن الباء بمعناه وهو مضموم الباء. نعم من حمله وهو ساكن الباء على ما لا يناسب المعنى، فهو غلط في الحمل على هذا المعنى، لا في اللفظ. قال في "النهاية": الخبث بضم الباء جمع خبيث والخبائث
стр. 836
جمع الخبيثة يريد ذكور الشياطين وإناثهم وقيل: هو الخبث بسكون الباء، وهو خلاف طيب الفعل من فجور وغيره، والخبائث: يريد بها الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة.
قوله: في حديث ابن مسعود: الغائط: هو المطمئن من الأرض. وقيل لموضع قضاء الحاجة: الغائط، لأن العادة أن تقضى في المنخفض من الأرض حيث هو أستر له، ثم اتسع فيه فصار يطلق على النجو نفسه.
وقوله: "إنها ركس". قال الجوهري: والركس: الرجس. وقال أيضًا: الرجس: القذر. وقال في "النهاية": هو شبيه المعنى بالرجيع يقال: ركست الشيء وأركسته: إذا رددته ورجعته.
وقوله: "ابغني أحجارًا" بهمزة الوصل أي: أعني على الطلب.
قوله: "هدف".الهدف: كل بناء مرتفع مشرف وحائش نخل قد تقدم: أنه النخل الملتف المجتمع.
السباطة
السباطة والكناسة: الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس الناس من المنازل. وقيل: هي الكناسة نفسها، أضافها إلى القوم إضافة تخصيص، لا ملك، لأنها كانت مواتًا مباحة، وسبب قومه قائمًا لعذر، واختلف فيه، فقيل: لم يجد موضعًا للقعود. وقيل: بل لمرض منعه منه، وكانوا يتداوون به من وجع الصلب، ولم يثبت أنه بال قائمًا من غير عذر.
السواك
السواك بالكسر: المسواك، ما يدلك به الأسنان من العيدان، يقال: ساك فاه يسوكه: إذا دلكه بالسواك، فإذا لم تذكر الفم، قلت: استاك.
стр. 837
إزالة النجاسات
قوله: "لا تزروموه" بتقديم الزاي على الراء، أي لا تقطعوا عليه بوله، لأن مفسدة أذى المسجد قد حصلت، فلا ينبغي أن تحصل مفسدة أخرى، وهي إيذاء الرجل المسلم، فإن قطع البول مضرة، وربما حصل منه مرض.
قوله: "فسنه" بالسين المهملة والنون، أي: صبها، والسن: الصب في سهولة، ويروى بالسين المعجمة.
الوضوء
الوضوء من الوضاءة، وهي الحسن. والوضوء بالضم: الفعل نفسه، يقال: توضأت أتوضأ توضؤًا ووضوءًا، وبالفتح: الماء الذي يتوضأ به، وقد أثبت سيبويه الوضوء والطهور والوقود بالفتح في المصادر فهي تقع على الاسم والمصدر.
المقاعد
المقاعد بفتح الميم وكسر القاف: دكاكين عند دار عثمان بن عفان. وقيل: درج، وقيل: مكان موضع بقرب المسجد اتخذه للقعود لقضاء حوائج الناس.
قوله: استنثر. الاستنثار: إخراج الماء من الأنف. يقال: نثر الرجل وانتثر واستنثر: إذا حرك النثرة في الطهارة. وقيل: الاستنثار هو الاستنشاق.
قوله: "الوضوء بماء فيه تمر" ولم يقل: بالنبيذ، لأن قوله: تمرة طيبة وماء طهور، يدل على أن الماء كان باقيًا على حاله لم تؤثر فيه حلاوة التمر، إذ لو اختلط به التمر يصدق على التمر وصفه حينئذ بأنه طيب، لأنه فسد بكونه انماع في الماء وذهب عنه اسم التمر، وعن الماء اسم الماء، وحدث للجميع اسم هو النبيذ.
стр. 838
ترك الوضوء من النوم الخفيف الغطيط
الغطيط بالغين المعجمة والطاء المهملة: الصوت الذي يخرج من نفس النائم، وهو ترديده حيث لا يجد مساغًا، وقد غط يغط غطًا وغطيطًا.
ترك الوضوء مما مسته النار
قوله: "انتشل عرقًا من قدر" أي: أخذه قبل النضج، وهو النشيل، والعرق بفتح العين المهملة وسكون الراء: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وجمعه: عراق، وهو جمع نادر.
المسح على الخفين
الأداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، كالسطيحة ونحوها، وجمعها: أداوى.
الكظامة
الكظامة بالظاء المعجمة: كالقناة، وجمعها كظائم، وهي آبار تحفر في الأرض متناسقة، ويخرق بعضها إلى بعض تحت الأرض، فتجتمع مياهها جارية، ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الأرض، وقيل: الكظامة: السقاية، وقيل: أراد بالكظامة: الكناسة، وقد فسره في الحديث: بالميضأة، والميضأة، بالضاد المعجمة والقصر كسر الميم وقد تمد: مطهرة كبيرة يتوضأ منها، وزنها مفعلة ومفعالة والميم زائدة.
التيمم
التيمم في اللغة: القصد. يقال: تيممت فلانًا ويممته وأممته، أي: قصدته.
стр. 839
وفي الشرع: استعمال التراب الطاهر في الوجه واليدين إلى المرفقين مع نية استباحة الصلاة عند أحد الأعذار المبيحة له.
وقوله: "فتمرغت في الصعيد" أي: تقلبت في التراب، ظن أن الجنب يحتاج أن يوصل التراب إلى جميع جسده كالماء.
قوله: عن أبي الجهيم هو أبو الجهيم: بضم الجيم وفتح الهاء وزيادة ياء مثناة تحت، اسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة بكسر الصاد المهملة، الصحابي ابن الصحابي.
وقال ابن عبد البر: أبو جهيم، ويقال: أبو الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، أبوه من كبار الصحابة. قال: وقد روى عن أبي جهيم هذا عمير مولى ابن عباس في التيمم في الحت على الجدار. والحت: بالمثناة فوق: الحك.
الجنابة
الجنابة في الأصل: البعد، وسمي الإنسان جنبًا، لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة، والجنب: هو الذي يجب عليه الغسل بالجماع أو خروج المني، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد، وقد يجمع على أجناب وجنبين أيضًا، وأجنب يجنب إجنابًا، والجنابة الاسم. والغسل بالفتح: مصدر غسل الشيء غسلًا، وبالكسر: ما يغسل به الرأس من سدر وخطمي ونحوه، وبالضم: اسم للاغتسال، واسم للماء الذي يغتسل به.
فقولنا: غسل الجنابة، وغسل الميت، وغيرهما من الأغسال، كله يجوز بضم الغين وفتحها لغتان فصيحتان.
قوله: "ثم يكسل" بالسين المهملة، أكسل الرجل، أي: إذا جامع ثم داركه فتور فلم ينزل، ومعناه: صار ذا كسل.
стр. 840
قوله: "من قدحٍ، يقال له: الفرق" بالتحريك مكيال يسع ستة عشر رطلًا وهي اثنا عشر مدًا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق: خمسة أقساط، والقسط: نصف صاع، فأما الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلًا.
قوله: "يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وفقهاء الحجاز، ورطلان عند أبي حنيفة وفقهاء العراق، فيكون الصاع على قول الشافعي خمسة أرطال وثلث رطل، وعلى قول أبي حنيفة ثمانية أرطال.
قال الشيخ النواوي: ومن أهم ما ينبغي أن يعرف ضبط رطل بغداد، فإنه ترتب عليه أحكام كثيرة في الزكوات والكفارات وغيرهما، وهو مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، فإنه تسعون مثقالًا، وكل مثقال درهم وثلاثة أسباع. وقيل: مائة وثمانية وعشرون فقط. وقيل: مائة وثلاثون، وبهذا جزم الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" والرافعي، لكنه ضعيف، والأظهر الأول.
وقوله: وفي رواية: كان يغتسل بخمس مكاك، ويتوضأ بمكوك، أراد بالمكوك: المد، وقيل: الصاع، والأول أشبه. وفي رواية: بخمسة مكاكي، وهي جمع مكوك على إبدال الياء من الكاف الأخيرة. والمكوك: اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه.
الحائض وما يجوز من مباشرتها
قوله: "في فور حيضتها" أي: أولها، وفور كل شيء: أوله، والحيضة بالكسر: الاسم من الحيض والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة من الجلوس، والحيضة بالفتح: المرة الواحدة من دفع الحيض ونوبه وأنت تفرق بينهما بما يقتضيه قرينة الحال.
стр. 841
وقوله: وأيكم يملك أربه، أي: حاجته، أي: إنه كان غالبًا لهواه، وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء، يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان: أحدهما: أنه الحاجة، يقال: فيها الأرب والإرب والإربة والمأربة، والثاني: أرادت به: العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة.
قوله: العرق. العرق بفتح العين: عرقت واعترقته وتعرقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك، وقد تقدم ذكر العرق.
الأغسال المسنونة
أي المشروعة، لأن منها ما هو واجب، ومنها ما هو سنة.
قوله: "ومن غسل ميتًا" أي: يؤمر بالغسل من غسل الميت، لأنه لم يروا أن النبي ﷺ غسل ميتًا قط.
قوله: "كان الناس مجهودين" من الجهد: المشقة، والجهد بالفتح: المشقة. وقيل: المبالغة والغاية. وبالضم: الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير، ومعناه في الحديث: أنهم كانوا في مشقة من التعب والعمل لأنفسهم بأنفسهم.
ذكر الصلاة
وهي في اللغة: الدعاء عند جمهور العلماء، واشتقاقها من الصلوين، وهما عرقان من جانبي الذنب، وعظمان ينحنيان في الركوع والسجود. قيل: ولهذا كتبت الصلاة في المصحف بالواو، وقيل غير ذلك، وذكروا أشياء كثيرة لا يصح دعوى الاشتقاق فيها لاختلاف الحروف الأصلية، ومن شرط الاشتقاق: الاتفاق
стр. 842
في الحروف الأصلية. وعن الأزهري وغيره: أنها من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الآدمي تضرع ودعاء.
قوله: "بينما أنا في الحطيم": هو الموضع المشهور بالمسجد الحرام بقرب الكعبة عن الأزرقي عن ابن جريج قال: الحطيم: ما بين الركن الأسود والمقام وزمزم، والحجر سمي حطيمًا، لأن الناس يزدحمون على الدعاء فيه، ويحطم بعضهم بعضًا، والدعاء فيه مستجاب. قال: ومن حلف هناك آثمًا عجلت عقوبته، وروي أشياء كثيرة في ناس كثيرين عجلت عقوبتهم باليمين الكاذبة فيه، بالدعاء عليهم بظلمهم.
تقديم الصلوات
قوله: "الرمضاء" بالراء والضاد المعجمة: هي الرمل.
الأذان
الأذان: الإعلام قال النووي: وأذان الصلاة معروف، ويقال فيه: الأذان، والأذين والإيذان، قاله الهروي. قال: وقال شيخي: الأذين، هو المؤذن المعلم بأوقات الصلاة، فعيل بمعنى مفعل، وقال الأزهري: الأذان: اسم من قولك آذنت فلانًا بكذا أؤذنه إيذانًا: أي: أعلمته. والأذان: إعلام بالصلاة. ويقال: أذن المؤذن تأذينًا وأذانًا، أي: أعلم الناس بوقت الصلاة، فوضع الاسم موضع المصدر، قال: وأصل هذا من الأذن كأنه يلقي في آذان الناس بصوته إذا سمعوه علموا أنهم قد ندبوا إلى الصلاة.
القيام والقعود
قوله: "لما بدَّن رسول الله ﷺ " بتشديد الدال وفتحها. يقال بدن تبدينًا: إذا أسن، وروي بضم الدال المخففة، ومعناه: كثر لحمه، أي: بالنسبة
стр. 843
إلى ما كان قبل ذلك، وقد جاء في وصفه ﷺ أنه كان ضخمًا، ولم يرد السمن واللحم المفرط، لأنه خلاف المعروف من وصفه ﷺ .
وقوله: كان أكثر صلاته وهو جالس، أي: صلاة النافلة، كما في حديث أم سلمة الذي بعد هذا الحديث.
القراءة
قوله: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، في إسناده قتادة عن أنس وهو مدلس، فإذا قال: عن أنس لا يحتج بعنعنته حتى يصرح بالسماع منه، وقد جاء في طريق، قيل لقتادة: أسمعته من أنس؟ قال: نعم. قال الشيخ النواوي: وهذا تصريح بسماعه، فينتقي ما يخاف من إرساله لتدليسه، ومذهب الشافعي وطوائف من السلف والخلف أن البسملة من الفاتحة، فإنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة.
قال النووي: واعتمد أصحابنا أنها كتبت في المصحف بخط المصحف، وكان هذا باتفاق الصحابة وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن، وأجمع بعدهم المسلمون كلهم في الأعصار إلى يومنا هذا على ذلك، وأجمعوا أنها ليست في أول براءة، وأنها لا تكتب فيها، وهذا يؤكد ما قلنا.
قراءة النظائر
قوله: "هذًا كهذِّ الشِّعر" أي: أتسرعون في قراءة القرآن إسراعًا كما تسرعون في قراءة الشعر؟ فنصبه على المصدر، والهذ: سرعة القطع، بالذال المعجمة.
والدقل: رديء التمر ويابسه وما ليس له اسم خاص، فيترك منثورًا لا يجمع ليبسه ورداءته.
стр. 844
الجهر وكيفية القراءة
قوله: "كان يمد مدًا. . إلى آخره"، المد: مخصوص ببعض الحروف، وهي ثلاثة: الواو، والألف، والياء، فإذا كان بعدها همز تُمَدُّ قدر ألف، وقيل: ألفين إلى خمس ألفات، وإن كان بعدها تشديد، تمد بقدر أربع ألفات، مثل: دابة، وإن كان بعدها ساكن تمد بقدر ألفين، نحو: صاد، وتعلمون، ونستعين، عند الوقف، فإذا كان بعد حرف المد غير ما ذكرنا، لم يمد حرف المد إلا بقدر خروجه من الفم، نحو: إياك، وتعلمون، ونستعين عند الوصل، فمد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من هذا القبيل، لم يكن إلا بقدر خروج حرف المد من الفم، إلا الرحيم عند الوقف، فيمد بقدر ألفين.
الركوع
قوله: "ولم يصب برأسه" أي: لم يمله إلى أسفل.
"ولا يقنعه" بالقاف والنون، أي: لا يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره، تقول: أقنعه يقنعه إقناعًا.
السجود
قوله: "وفتح أصابع رجليه"، بالخاء المعجمة، أي: نصبها وغمز موضع المفاصل منها وثناها إلى باطن الرجل، وأصل الفتخ: اللين، ومنه قيل للعقاب: فتخاء، لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها.
قوله: "عن عبد الله بن مالك بن بحينة"، هي أم عبد الله، ومالك أبوه، وبحينة بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وسكون الياء المثناة تحت، وفتح النون، ثم الهاء، واسمها: عبدة بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وأمها أم
стр. 845
صيفي بنت الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى عن محمد بن سعد، أن بحينة أسلمت وبايعت النبي ﷺ .
وقوله: "رفع عجيزته"، العجيزة بكسر الجيم: العجز، وهي للمرأة خاصة، فاستعارها للرجل.
التشهد
التحيات: جمع تحية، وهي الملك، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: الحياة، وجمعت، لأن ملوك العرب كان منهم تحية يحييه بها أصحابه، فقيل: جميع تحياتهم لله تعالى.
والبركة: كثرة الخير، وقيل: النماء.
والطيبات: أي الكلمات الطيبات، ورجح بعض العلماء تشهد ابن مسعود بأن فيه واو العطف، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلًا، بخلاف حديث ابن عباس، فإنه بسقوط الواو منه جملة واحدة، وأجيب بأن الواو العاطفة مقدرة فيه أيضًا، وإنما حذفت اختصارًا، كما في قوله: كيف أصبحت، كيف أمسيت؟ مما يزرع الود في فؤاد الصديق.
قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا"، يجوز فيهما حذف الألف واللام من السلام بلا خلاف، والإيتان بهما أفضل، وجوز حذفهما من سلام التحلل بعض الشافعية، ومنعه الباقون لأنه لم ينقل، ومعنى السلام عليك أيها النبي، والسلام علينا، والسلام في آخر الصلاة: التعويذ باسم الله الذي هو السلام، تقديره: الله عليكم حفيظ وكفيل، كما يقال: الله معك، أي: الله متوليك، وقيل: معناه: السلامة والنجاة لك، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقيل: الانقياد لك، كما في