والثالث: يثبت في الأرض دون الدار.
الحال الثانية: أن يكون الزرع ممّا يُخْلِفُ، فإِن لم يظهر منه شيء ففيه من الخلاف ما في البناء والغراس، وقطع أبو محمد بدخوله، وفرَّق بينه وبين الغراس بكمونه وظهور الغراس، وإِن ظهر من الجزة شيء فهو للبائع بالاتّفاق، وفي أصوله الخلافُ.
* * *
١٢٣١ - فصل فيمن اشترى أرضًا فوجد فيها أحجارًا
الأحجار إِن كانت خَلْقيّة دخلت في البيع، وإِن كانت في أساس فهي كالغراس، وإِن كانت مُودَعةً لم تدخل اتِّفاقًا كالكنوز، فإِن جهلها المشتري فللأرض حالان:
أحدهما: أن تكون بيضاء، فلها أحوال:
الأول: ألّا يضرَّ ترك الأحجار ولا نقلُها، فلا خيار له، ويؤخذ البائع بالنقل، وأبعدَ مَن خيَّره بين النقل والإِبقاء.
الثاني: أن يتضرَّر بالبقاء دون النقل، أو يكون في النقل ضرر يزول في مدَّة لا أجرة لمثلها، فيؤخذ البائع بالنقل، ولا خيار له؛ لأنّه قد أزال الضرر، فأشبه ما لو اختلَّ سقف المبيع قبل القبض خللًا يسيرًا يُمْكن تداركُه في مدَّة قريبة من غير استعمالِ عينٍ للبائع جديدةٍ، أو غُصب العبد، فاستردَّه البائع عن قُرْب، أو مَرِض فأزال مرضه بالعلاج على الفور، فلا خيار للمشتري في هذه الصور.
стр. 1017
الثالث: ألّا تتضرَّر رقبة الأرض، ولا يتأتَّى النقل إِلا بتعطيل مدَّة لها أجرة، فيثبت الخيار، فإِن بذل البائع الأجرة لإِسقاط الخيار، ففي سقوطه وجهان:
أحدهما: يسقط، ويُؤخذ البائع بالنقل.
والثاني: لا يسقط، كما لو بذل الأرش لإِسقاط الردّ بعيب قديم، فإِنّه لا يسقط اتّفاقًا.
فإِن أجاز فهل يستحقّ الأجرة لمدة النقل، فيه ثلاثة أوجه؛ في الثالث: تجب لِما بعد القبض دون ما قبله.
فإِن حصلت حفائر أُخذ البائع بطَمِّها اتّفاقًا.
ولو هدم جدار إِنسان لزمه أَرشُ النقصان دون إِعادة البنيان.
والفرق بينهما: أنّ الصفاتِ منقسمة إِلى المثليّ والمتقوّم كالأعيان، فردْم الحفائر مثليّ، فأُخذ به، وإِعادة البناء متقوّم فألزم بأرشه.
ولو أزال لبنةً من جدار، وأمكن الردّ إِلى ما كان من غير تفاوت، فهو كردم الحفائر.
الحالة الثانية: أن يكون في الأرض غرس، فله أحوال:
الأولى: ألّا تتضرَّر بنقل ولا ترك، فحكمُه ما سبق.
الثانية: أن تتضرَّر بالقلع والترك، فيتخيَّر؛ فإِن أجاز أُخذ البائع بالنقل، وفي أرش النقص الأوجُهُ الثلاثة المذكورة في الأجرة، وأولى بالوجوب من الأجرة؛ لأنّه في مقابلة إِجراء المبيع وصفاته، بخلاف الأجرة.
стр. 1018
الثالثة: أن يتضرّر بالترك دون النقل، فيُلزم البائع بالنقل، ولا خيار إِلّا أن تتعطَّل المنافع، فيتخيَّر، فإِن أجاز ففي الأجرة الخلاف.
الرابعة: أن يتضرَّر بالنقل دون الترك، فلا يُمنع البائع من النقل، وله حالان:
أحدهما: أن يترك الأحجار، فيُجبر المشتري على القبول، ويسقط الخيار بالاتّفاق، فإِن قال البائع: تركت الأحجار، ففي اعتبار لفظ الترك وجهان، فإِن اعتبرناه ففي إِفادته الملك قهرًا وجهان، فإِن قلنا بإِفادته الملك فلا رجوع فيه بحال، وإِن قلنا: لا يفيد، لَزِمَ الوفاءُ بالترك بالاتِّفاق، فلا رجوع له إِلا أن يزول سبب الترك، كما لو انقلع الغرس أو قلعه المشتري، وإِن وهبه الحجر فإِن كان بحيث لا تصحُّ هبته مفردة ففي صحَّتها هاهنا وجهان مرتَّبان على لفظ الترك، وأولى بالاعتبار؛ لأنَّها عقد، فإِن اعتبرناها ففي المِلْكِ خلافٌ مرتَّبٌ على الترك، وأولى بالحصول، وإِن وُجدت شروط الهبة فالمذهبُ إِفادتُها للمِلك، وخرَّجها بعضهم على الخلاف؛ لأنّها صَدَرت عن حاملٍ عليها.
الحال الثانية: أن ينقل فيتضرَّر الغرس، فيتخيَّر المشتري، فإِن أجاز ففي الأرش الخلاف، وقطع بعضهم بوجوبه هاهنا؛ لقدرة البائع على دفع الضرر بترك الحجر على وجه يجبر المشتري على القبول.
١٢٣٢ - فرع:
إِذا كان المشتري عالمًا بحقيقة الحال فيما ذكرناه من الصور، فلا أرش له ولا خيار، ولو اشترى أرضًا فغرسها، ثم اطَّلع على دفينِ أحجارٍ يمنع
стр. 1019
العروق من الانتشار، ففي تخيُّره وجهان، ووجه المنع: أنَّه ليس من شرط المبيع أن يصلح لضروب الانتفاع.
* * *
стр. 1020
١٢٣٣ - باب الوقت الذي يحلُّ فيه بيع الثمار وردُّ الجائحة من كثب
إِذا باع الثمرة على الشجر فلها حالان:
إحداهما: أن تكون مُزْهِية، فيجوز بيعها مطلقًا وبشرط القطع وبشرط التبقية، والإِطلاقُ محمول على التبقية إِلى الجذاذ، لأنَّه العرف المعتاد.
ولو باع البناء أو الشجر بشرط القلع صحَّ.
وإِن أطلق استحقَّ المشتري إِبقاءَهما ما بقيا، وليس لذلك حكم الإِعارة، فلو رام البائع القلع وغرم الأرش لم يكن له ذلك، ولا يملك المشتري المغارس على أصحِّ القولين، ولا يجوز له الانتفاع بالمغارس بعد الانقلاع إِلا إِذا ملَّكناه.
الحال الثانية: ألا تكون مُزْهية، فلا يجوز بيعها مطلقًا، ولا بشرط التبقية، وإِنْ شرط قطعها صحَّ بيعها (١)، وإِنَّما امتنع شرطُ إِبقائها؛ لأنَّها متعرِّضة للآفات، أو لامتصاصها ما في شجر البائع من الرطوبات، ولا مبالاة بالامتصاص بعد الزَّهْو؛ لأنَّه نَزْرٌ قليل، وإن باعها قبل الزَّهْوِ مع الشجر صحَّ تبعًا للشجر إِن علَّلنا بالتعرُّض للآفات، أو لاجتماعهما في ملك المشتري إِنْ علَّلنا بامتصاص الرطوبات، وإِن باعها من مالك الشجر فوجهان مأخذهما المعنيان،
стр. 1021
وإِنَّما حُمل الإِطلاق على التبقية إِلى الجذاذ؛ لأنّه عرفٌ عامٌّ في جميع البلاد، والعرف العامُّ مؤثِّر في توابع العقود، ولذلك يتقيَّد الثمن المطلَق بغالب النقود.
ولو عمَّ عرفٌ في بعض الأمصار بإِباحة منافع الرهن للمرتهن، أو بشروط فاسدة في القرض، فأطلق العقد، ففي فساده حملًا على ذلك العرف خلاف؛ لأنّه خاصٌّ.
وإِن ندر عُرفٌ في ناحية بقطع الحصرم قبل أن يصير عنبًا، فأطلق البيع، فهل يصحُّ بناءً على ذلك العرف؟ فيه خلاف.
١٢٣٤ - فرع:
إِذا بقي الثمر المأبور للبائع، فأصابته آفة تمنع نموَّه، فهل يُجبر على قطعه؟ فيه قولان.
* * *
١٢٣٥ - فصل في بيان الزهو وبدوِّ الصلاح
الزَّهْو: أن يبدو صلاح الثمر بحيث يطيب أكله، وذلك بالتلوُّن في المتلوِّنات، وبالتموُّه في المتموِّهات، ولا يُشترط البلوغ إِلى الغاية المقصودة؛ لأنَّ بين بدوِّ الصلاح وتكامله نحوٌ من شهرين، ويُعتبر في القِثَّاء انتهاؤه إِلى حال يؤكل فيها غالبًا، وشروع الناس في الأكل هو الضابط في الجميع؛ لأنَّهم يَشْرَعون في الأكل عند أوائل الزهو، وإِذا اتَّحد البستان، فأَزْهَى بعض ثمره، فإِن اختلف الجنس فلا إتباع في جواز البيع، وإِن اختلف النوع أو
стр. 1022
اتَّحد فإتْباع غير المُزْهي للمُزْهي في جواز البيع كإتْباع غيرِ المأبور للمأبور حرفًا بحرف. ولو باع ثمرة غير مُزْهية بعد ظهور الزهو في بستان آخر للبائع أو لغيره فلا إتْباع بالاتِّفاق.
ولو أَزْهى أحدُ بستانيه، فباعهما صفقةً واحدة، فلا إتْباع عند العراقيّين، وخالفهم الإِمام إِذا تقارَبَا تقارُبًا لا يؤثِّر في التغايُر، ولا حاجز إِلّا جدار، ولو اتَّحد البستان واختلف الملك، ووقع الزهو أو الإبار في بعض الثمار، ففي إتْباع المبيع لغير المبيع خلاف سواءٌ كان ما أبقاه البائع لنفسه أو لغيره.
* * *
١٢٣٦ - فصل في بيع الزرع
إِذا كان الزرع مُخلِفًا بعد الجزِّ كالقرط لم يجز بيعه إِلّا بشرط القطع وإِن أمِن العاهات؛ لأنّه عرضة للاختلاط، وإِن كان ممَّا لا يُخلف؛ فإِن نجا من العاهة جاز بيعه، ولا نظر إِلى ما يحصل فيه من الزيادات؛ لأنّه يملكه بعروقه، وإِن لم ينجُ من العاهة لم يجز بيعه إلّا بشرط القطع، وقد قيَّده الأصحاب بالاخضرار، ولا عبرة بالخضرة، وإِنَّما العبرة بالنجاة من الآفات.
وإِن باع البطِّيخ مع أصوله؛ فإِن بدا صلاحه جاز، وما يحدث منه بعد الشراء فهو للمشتري، وإِن لم يبدُ صلاحه لم يجز إِلا بشرط القطع؛ لأنَّه مع أصوله عرضة للعاهة، بخلاف بيع الثمر قبل الزهو مع الشجر، وإِن باعه دون أصوله فليشرطْ قطعَه إِن لم يبدُ صلاحه، وإِن بدا لم يُشترط، ثمّ يتبع الصغار الكبار، وما يحدث بعد الشراء فهو للبائع.
стр. 1023
١٢٣٧ - فرع:
الكُرْسُف في بلادنا كالزرع، بخلاف كرسف الحجاز فإِنَّه شجر تتعاقب عليه الثمر.
* * *
١٢٣٨ - فصل فيمن باع الشجر واستثنى الثمر
إِذا باع الشجر وعليه ثمر غير مأبور، فاستثناه لنفسه، صحَّ الاستثناء إِن شرط القطع، وإِن أطلق فقولان، فإن قلنا: لا يصحُّ، دخل الثمر في البيع على ظاهر كلامهم؛ لبطلان الاستثناء، وعند الإِمام يبطل العقد إِلحاقًا للاستثناء الفاسد بالشرط الفاسد؛ إِذ كيف يملكه المشتري مع التصريح بإِخراجه من البيع.
وإِن قلنا: يشترط التقييد بالقطع، فقيَّد به، لزمه الوفاء به، وإِن قلنا: لا يُشترط، جاز الإِبقاء، ولا خلاف أنَّ الثمر المأبور إِذا بقي للبائع لم يجب قطعه وإِن لم يبدُ صلاحه.
وعبَّر الأصحاب عن القولين في شرط القطع في الاستثناء بأنّ المِلْك المشرِف على الزوال إِذا استُدرِك فهل يلحق بالزائل العائد؟ فيه وجهان يجريان فيما لو دبَّر عبدًا، فجنى جناية مستغرقةً (١)، فمات ولم يخلِّف غيرَه، ففداه الوارث، فإِن جعلنا المشرِف على الزوال كالزائل فالولاء للوارث، وإِلا فهو للميت. هذا إِذا جعلنا الإِجازة تنفيذًا، فإِن جعلناها ابتداءَ عطيةٍ، قطعنا بأنَّ
стр. 1024
الوارث هو المعتِق، وافتقر العتق إِلى لفظه.
* * *
١٢٣٩ - فصل في بيع المستتر بالقشور أو السنابل
كلُّ ما كان بقاؤه وصلاحه في قشره، كالجوز في القشر الأسفل، والرمَّانِ والبيضِ، جاز بيعه في قشره، ولا يجوز بيع الجوز والباقلاء في القشرة العليا اليابسة، وفي الرطبة وجهان: أظهرُهما: الجوازُ في الباقلاء، ويجوز بيع الشعير في السُّنبل، وفي الحنطة في السنبل والأرزِّ في القشور أقوال؛ في الثالث: يجوز بيع الأرزِّ دون الحنطة؛ إِذ يَغْلب ادِّخاره في قشوره، ولا يجوز بيع نيل المعدن في ترابه، ولا الجَزَرِ واللِّفْتِ والفِجْلِ في الأرض. هذا كلُّه إِن منعنا بيع الغائب، وإِن أجزناه صحَّ البيع في جميع ما ذكرناه.
* * *
١٢٤٠ - فصل في الاستثناء في الثمر والأرض والصُّبْرَة
إِذا باع ثمر البستان إلا جزءًا شائعًا معلومًا صحَّ، وإِن باعه إِلّا مدًّا لم يصحَّ، وإِن باع الصبرة إِلا مدًّا؛ فإِنْ عُلم أمدادها صحَّ، وإِلّا فلا، ويكفي العلم بالأمداد وإِن لم تُذكر، وإِن باع صاعًا من صبرة صحَّ إِن عُلمت الصِّيعان (١)، وهل يُنزَّل على الإِشاعة أو الإِبهام؟ فيه وجهان؛ فإِن نُزِّل على الإِشاعة، فتلف بعض الصبرة، انفسخ من الصاع بالحساب، وإِن نُزِّل على الإِبهام، بقي المبيع ما بقي من الصبرة صاعٌ، والقول بالإِشاعة اختيار القفَّال، واعتبره بما
стр. 1025
لو باع صاعًا من صيعان مفرَّقة على الإبهام، وإِن جُهلت صيعان الصُّبْرة بطل البيع إِن علَّلنا بالإِشاعة، وصحّ إِن علّلنا بالإِبهام، وإِن باع عشرة أَذرع من أرض لم يصحَّ إِن جُهل ذرعها، وإِن عُلم فوجهان مأخذهما المعنيان.
١٢٤١ - فرع:
قال الشافعيّ: لو باعه ثمر البستان بثلاثة آلاف درهم إِلا ما يخصُّ ألف درهم؛ فإِن أراد: إِلا ما يخصُّها من الثمن، صحَّ؛ لأنَّه باع الثلثين بألفين، وإِن أراد: إِلا ما يخصُّ جزءًا من قيمة الثمر لو قُوِّم، لم يصحَّ.
* * *
١٢٤٢ - فصل في وضع الجوائح
إِذا باع الثمر المُزْهي مطلَقًا أو بشرط التَّبْقية، وسلَّمه على الشجر، فهلك، فله أحوال:
الأولى: أن يهلِك بآفة سماوية كالبرْد والبرَد والحرِّ والصواعق، فهل ينفسخ البيع ويسقط الثمن؟ فيه قولان:
أحدهما: ينفسخ؛ للاتِّفاق على وجوب السقي على البائع إِلى وقت الجذاذ.
والثاني وهو المذهب: أنَّه لا ينفسخ؛ للاتِّفاق على تنفيذ تصرُّفات المشتري المفتقرةِ إِلى كمال القبض، فإِن قلنا بالانفساخ، فتلف البعض، انفسخ العقد فيه، وفيما بقي قولا تفريقِ الصفقة في الدوام.
الثانية: أن يتلف بالسرقة، فالأصحُّ أنّها لا تلحق بآفات السماء؛ لاستناد
стр. 1026
ذلك إِلى تفريط المشتري، فأشبه ما لو اشترى الثمر قبل الزهو بشرط القطع، فأخَّر قطعه حتى هلك بالجوائح، فإِنَّه يتلف من ضمانه ولا انفساخ.
الثالثة: أن يتلف وقد أخَّر الجذاذ عن وقته تأخيرًا يُعدُّ به مفرِّطًا متوانيًا، فالضمان عليه قولًا واحدًا.
الرابعة: إِذا أخَّر الجذاذ عن الوقت بيوم أو يومين بحيث لا يُعدُّ متوانيًا، وقد يَطلب بذلك تكاملًا لا يحصل في الجَرِين (١)، فالمذهب أنَّه من ضمانه، ورمز بعضهم إِلى تخريجه على الخلاف، وقد رتَّبوا السقي على ما ذكرناه، فأوجبوه على البائع حيث ينفع إِلى أوان الجُذاذ، ورتَّبوه بعده على ما ذكرناه، ولا نعرف خلافًا أن البائع لا يلزمه حفظ الثمر بالناطور إِلى وقت الجذاذ، وقيل: فيه القولان (٢).
الحالة الخامسة: أن يتلف بترك السقي؛ فإِن لم يشعر به المشتري فقد قيل بالانفساخ، وقيل: فيه القولان؛ فإِن قلنا: لا ينفسخ، لزم البائعَ ضمانُ العدوان.
* * *
١٢٤٣ - فصل في تعيُّب الثمر بعد التخلية
إِذا تعيَّب الثمر بآفة سماوَّية؛ فإِن جُعلت الجوائح من ضمان البائع
стр. 1027
ثبت الخيار، وإِلا فلا، وإِن تعيَّب بترك السقي ثبت الخيار بالاتِّفاق، وقال الصيدلانيُّ: إِذا انقطع الماء تخيَّر بمجرَّد الانقطاع، فإِن لم يشعر حتَّى تلف الثمر فلا خيار، وفي الانفساخ القولان، فإِن قلنا بالانفساخ سقط الثمن، وإِن قلنا: لا ينفسخ، فعلى البائع ضمان العدوان بالقيمة، أو المثل؛ لأنَّ ترك السقي كجنايةٍ ذاتِ سريان، وإِن علم بذلك قبل التلف تخيَّر، فإِنْ سرى العطش إِلى التلف ففي الانفساخ القولان، فإِن قلنا: لا ينفسخ، فقد أشاروا في الضمان إِلى جوابين، فإِن قلنا بالضمان فلا يضمن ما كان يحصل من الزيادات بسبب السقي.
* * *
стр. 1028
١٢٤٤ - باب المحاقلة والمزابنة والعرايا
المحاقلة والمزابنة باطلتان، والمحاقلة: بيع الحنطة في السنبل بخرصِها من الحنطة.
ولو باع الزرع قبل بدوِّ الحَبِّ بالحنطة جاز؛ لأنَّه حشيش غير مطعوم.
والمزابنة: بيع الرطَب على النخل مخروصًا بتقديرِ كونه تمرًا بتمرٍ على الأرض.
والعرايا: مستثناة من المزابنة، ولا تختصّ بالفقراء إِلّا على قولٍ بعيد.
وصورتها: أن يُخْرصَ الرطبُ على النخل، ثم يُقدَّر تمرًا، ويُباع بمثله تمرًا على الأرض، وذلك جائز فيما نقص عن خمسة أوسق، ممنوعٌ فيما زاد، وفي الخمسة قولان، ومَيلُ النصِّ إِلى الجواز، واختار المزنيُّ البطلان.
ولو اشترى أوساقًا كثيرة في صفقات تنقص كلُّ صفقة عن الخمسة جاز.
وإِن اشترى اثنانِ تسعةَ أوسق من واحد أو اثنين جاز، وإِن اشترى واحدٌ تسعةً من اثنين، فوجهان من جهةِ أنَّه دخل في ملكه تسعة أوسق دفعة واحدة.
وإِن باع رطبًا مقطوفًا مخروصًا تمرًا بتمر، ففيه خلاف، وإِن باع الرطب بالرطب مخروصَينِ تمرًا فثلاثة أوجه، في الثالث: يجوز إِن كانا على الشجر، وإِن كانا أو أحدُهما على الأرض لم يجز.
١٢٤٥ - باب بيع الطعام قبل أن يُستوفَى
المبيع قبل القبض من ضمان البائع، بمعنى: أنَّه لو تلف لانقلب الملك إِليه، ولو عاب لتخيَّر المشتري، فإِذا قبضه المشتري صار التلف والعيب من ضمانه، ولا يجوز بيعه قبل القبض وإِن رضي البائع وقَبض الثمن؛ لأنَّه لو صحَّ وفُرض تلفُه لانقلب المِلْكُ إِلى كلِّ واحد من البائعين على الاستقلال، وتلف ملكًا لهما، وهذا مُحال يعبِّر عنه الفقهاء بتوالي الضمانين.
والإِجارة وتزويج الأمة نافذان، وإِن أثبتنا حقَّ الحبس.
وقيل: لا ينفذان وإِن نفينا حقَّ الحبس؛ لضعف المِلْك.
وقال الإِمام: إِن أثبتنا حقَّ الحبس فينبغي أن نفرِّق في التزويج بين ما قبْلَ تأدية الثمن وما بعدها؛ لأنّ التزويج مُنقِصٌ للقيمة، وكذلك إِن فُرضت إِجارة مُنقصة.
وإِجارةُ المأجور قبل القبض باطلة بالاتِّفاق.
والرهن والهبة بعد تأدية الثمن كالإِعتاق، وفيما قبل التأدية أوجه، في الثالث: تنفذ الهبة دون الرهن؛ لأنَّ ما بطل بيعه لم ينفذ رهنه، وقياس هذا بطلان الرهن بعد التأدية؛ لبطلان البيع، فإِن نفَّذناهما وأثبتنا حقَّ الحبس، فلا يمنع المشتري من تسليمهما بعد التأدية، ويمنع من ذلك قبل التأدية بالاتِّفاق.
стр. 1031
والإِعتاق بعد التأدية نافذ على المذهب، وكذلك قبل التأدية إِن نفينا حقَّ الحبس، وإِن أثبتناه فأوجُهٌ، يفرَّق في الثالث بين الموسِر بالثمن والمعسِر به، ورتَّبه أبو محمَّد على عتق الرهن، ورآه أولى بالنفوذ؛ لأنَّ حقَّ الحبس غير مقصود.
* * *
١٢٤٦ - فصل في اليد المانعة من التصرُّف والتي لا تمنع
كلٌّ عوضٍ تَعيَّنَ في معاوضةٍ محْضةٍ فلا ينفذ التصرُّف فيه قبل قبضه، كالمبيع والأجرة والعوض في الإِقالة إِن جعلت بيعًا، وفيما تعيَّن بمعاوضة غيرِ محضةٍ - كالصَّداق وبدَل الخُلع والصلح عن دمِ العمد - قولان.
وكلُّ يد ثبتت على مِلْكٍ تامٍّ من غير معاوضةٍ فلا تَمنع التصرُّفَ إِذا قدَر المالك على الأخذ، كيد المودعَ والمقارِض والمستعير والغاصب والمستام، وكذلك تنفيذ تصرُّفات الواهب فيما رجع فيه، والقابلِ للوصيّة، والمردودِ عليه بالعيب، والمقايِلِ إِن جُعلتِ الإِقالة فسخًا، وإِن لم يقبضوا شيئًا من ذلك.
* * *
١٢٤٧ - فصل في بيان القبض
القبض مختلِف باختلاف المقبوض، وله أحوال:
الأولى: أن يكون ثابتًا كالعقار، فقبضُه بالتخلية، وهي: تمكينُ المقبض مع تمكُّن القابض عند زوال يد المقبض (١)، وهذا يستدعي حضور
стр. 1032
القابض والمقبوض، فإِن غاب المقبوض فسنذكره في الرهون.
الثانية: ما لا يتقدَّر، أو يتقدَّر لكن بِيعَ جزافًا، فلا تكفي فيه التخلية على أصحِّ القولين حتى ينقلَه بما يسمَّى نقلًا، فإِن كان بمكانٍ لا يختصُّ به البائع، كالمسجد والشارع، حصل القبض بأن ينقله المشتري بإِذن البائع، أو ينقله البائع إِلى المشتري مع زوال المانع، ولا بدَّ من شعور المشتري بذلك، فلو نقله إِليه وهو نائم، أو نقله إِلى غير جهة المشتري، لم يصحَّ القبض.
ولو نقله إِليه وهو كارهٌ حصل القبض على الأصحِّ، وقيل: لا يحصل، كنظيره في الإِيداع، وبناه الإِمام على الإِجبار على قبض الدين الحالِّ؛ فإِن قلنا بالإِجبار فالظاهر أن هذا إِقباض، وفيه احتمال، وإِن قلنا: لا يُجبَر، فليس هذا بإِقباض، ولا يَبْعُدُ أن يقبضه السلطان عنه.
وإِن كان بينهما مسافةُ التخاطب، فنَقَله البائع إِلى أكثر من نصفها، صحَّ، ولا يصحُّ إِن نقل إِلى ما دون النصف، وفي النصف وجهان، ولو زاد على مسافة التخاطب كعشرين ذراعًا، فنقله أحدَ عشرَ ذراعًا، فليس بإِقباض عند الإِمام، بل ينبغي أن ينقله إِلى حدٍّ تناله يد المشتري من غير انتقال وقيام.
١٢٤٨ - فرع:
لا يُشترط النقل في ضمان العدوان، فلو أنزل راكبًا وركب مكانه، أو أزعجه عن بساط وجلس عليه، ضمِن، وأبعدَ مَن شَرَطَ النقل في ضمان العدوان؛ فإِن قلنا: لا يُشترط، فاستولى المشتري على المبيع من غير
стр. 1033
نقل، لم ينفذ تصرُّفه على الظاهر، لكن ينتقل إِليه الضمان، وأبعدَ مَن قال: لا يضمن، كما لا يتصرَّف، ولو فرضت التخلية من غير نقلٍ ولا استيلاء؛ فإِن لم يقبله المشتري فلا تصرُّف ولا ضمان، وإِن قَبِلَ لم ينفذ التصرُّف، وفي الضمان وجهان.
١٢٤٩ - فرع:
إِذا انفرد المشتري بالقبض صحَّ إِن كان بعد أداء الثمن، وإِن كان قبله وأثبتنا الحبس انتقل الضمان، ولا ينفذ التصرُّف على الظاهر؛ اعتبارًا بما لو اشترى الطعام مكايلةً، وقبضه جزافًا.
١٢٥٠ - فرع:
إِذا اختصَّ المكان بالبائع بملكٍ أو إِعارةٍ أو استئجارٍ فلا يكفي النقل بإِذن البائع؛ لأنَّ الدار بما فيها في يده، ولذلك لو نازعه دخيل في متاع بقرب الدخيل فالقول قول ربِّ الدار ما لم يختص الدخيل بالمتاع؛ كثوبٍ هو لابسه، أو متاعٍ يحتوي عليه.
ولو أذن له في النقل إِلى بقعة أعارها منه أو أجَّرها، أو قال: اقبض المبيع وانقله إِلى تلك الزاوية، صحَّ القبض؛ لأنَّ إِذنه في ذلك إِعارة للزاوية، ولو قال: انقل المبيع إِلى تلك الزاوية، لم يصحَّ القبض؛ لأنّه لم يتعرَّض له.
١٢٥١ - فرع:
إِذا اعتبرنا النقل، فباع دارًا بما فيها من متاع، ففي اعتبار النقل في المتاع وجهان.
стр. 1034
١٢٥٢ - فرع:
إِذا دفع الكيل إِلى المَدِين ليملأه له، فملأه، لم يكن ذلك إِقباضًا؛ لأنه تقدير مجرَّد.
الثالثة (١): المقدَّر إِذا اشتراه مكايلةً أو موازنة، فلا يصحُّ قبضه إِلّا بالكيل بعد العقد فيما شُرط كيلُه، أو الوزنِ فيما شُرط وزنُه، كما لو باع الصُّبرة كلَّ صاع بدرهم، أو كلَّ رِطلٍ بدرهم؛ فإِن وزَن ما شُرط كيلُه، أو كال ما شُرط وزنه، لم يصحَّ إذا شرطنا النقلَ (٢).
ولو اشترى الحنطة مكايلةً وتركها في الكيل، ثمَّ باعها مكايلةً، فهل يكفي صبُّها بين يدي المشتري، أو لا بدَّ من استئنافِ كيلها بعد صبِّها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يكفي؛ لنهيه ﵇ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان (٣)، فقيل: أراد بالصاعين: صاع البائع وصاع المبتاع.
والثاني: يكفي، كما لو اشتراها مكايلةً، فملأ المكيال، ونقله، فإِنَّه يكفيه وإن لم يفرغ المكيال، وقد قال الأصحاب: إِذا شرطنا النقل فالكيل مع التفريغ إِقباض، لكن لا بدَّ مع ذلك من النقل على ما ذكرناه في كيفية النقل، فلو كاله في غير جهة المشتري فهذا كيلٌ وليس بنقلٍ، فإِن وقع
стр. 1035
الكيل على صورة النقل كفى ذلك، وإِن لم يقع على صورة النقل شُرط نقله بعد ذلك؛ لأنَّ مجرَّد الكيل تقدير، وليس بإِقباضٍ، فإِذا وقع الكيل على صورة النقل حصل التقدير والإِقباض.
* * *
١٢٥٣ - فصل فيمن اشترى مكايلةً وقبض جزافًا
إِذا اشترى عشَرة آصُع، وأشار إلى صُبرة يمكن زيادتها على العشرة، ثمَّ قبض الصُّبرة جزافًا بإِذن البائع، انتقل إِليه الضمان بالاتِّفاق، وهل ينفذ بيعه في القَدْر المستيقَن؟ فيه وجهان، فإِن نفذناه فباع الجميع، بطل فيما زاد على المستيقَن، وهل يبطل في المستيقَن، أو يخرَّج على تفريق الصفقة؟ فيه خلاف.
ولو قبضها بغير رضا البائع، وقلنا: ينتقل الضمان، وأثبتنا الحبس، لزم ردُّها على البائع، ولا ينفذ البيع وجهًا واحدًا، كالرهن.
ولو قبض بإِذن البائع ونفَّذنا بيعه، فباع، لم يكن للبائع نقضُه، وإِن منعنا البيع فهل للبائع نقضُ يده وردُّه إِلى الحبس؟ فيه احتمال.
١٢٥٤ - فرع:
إِذا ادَّعى القابض نقصًا متفاحشًا قُبل قولُه فيما قَبَضه جزافًا، ولا يُقبل فيما قبضه بالكيل إِلا فيما يمكن الخطأُ بمثله في المكيال.
* * *
стр. 1036
١٢٥٥ - فصل فيمن لزمه دين، فأذِن في قبضه من عين أو دين
إِذا استقرَّ لزيد في ذمَّة عمرو طعامٌ مَكِيل بسَلَمٍ أو قرْض أو إِتلاف، وثبت لعمرو مثلُه على خالد، فقال عمرو لزيد: استوفِ حقَّك من خالد، ففعل، لم يصحَّ القبض، ولا ينفذ تصرُّف القابض، ويلزمه الضمانُ كالمستام، ولو قال: اقبض حقِّي من خالد، صحَّ القبض، وكان المقبوض من ضمان الإِذن، ولو قال: اقبض لي حقِّي، ثم اقبض منه حقَّك، صحَّ القبض؛ للإِذن، حتى لو تلف في يد القابض كان من ضمان الإِذن.
وفي قبضه لنفسه وجهان يجريان فيما لو قال: اقبض حقَّك من صبرتي هذه؛ فإِن قلنا: لا يصحُّ، لم ينفذ تصرُّفه فيه؛ لأنّه لم يملكه، بخلاف قبض الجزاف.
ولو قال: اشترِ بهذه الدراهم طعامًا لنفسك، لم يصحَّ، وقال القفّال: يمكن حمل ذلك على إِقراض الدراهم، أو على هبتها. كما لو قال: أعتق عبدك عن كفَّارتي، ففعل، نفذ العتق حملًا على الهبة دون الإِقراض.
وإِن قال: اشترِ لي طعامًا في الذمَّة، واقبضْه لنفسك، صحَّ الشراء دون القبض، وإِن قال: اقبضه لي، ثمَّ اقبض منه حقَّك، صحَّ الشراء والقبض؛ للإِذن، وفي قبض المأذون الوجهان.
* * *
١٢٥٦ - فصل في قبض الربويِّ جزافًا أو من غير رؤية
إِذا باع الطعام بالطعام كيلًا، وقبضاه جزافًا، ثمَّ افترقا، ففي بطلان العقد
стр. 1037
وجهان أجراهما بعضهم فيما لو تبايعاه في الذمَّة، وتقابضاه من غير رؤية، وألحق الإِمام قبض الغائب ببيع الغائب؛ لأنّ القبض سبب مملِّك كالبيع، فإِن قلنا: لا يصحُّ، بطل العقد بالافتراق، بخلاف قبض الجزاف؛ لأنَّ القبض فيه وارد على عين مملوكة، وإِن صحَّحنا القبض ففيه احتمال من جهةِ أنَّهما تفرَّقا مع جواز البيع؛ لأنَّا إِذا جوَّزنا قبض ما لم يرَ فلا بدَّ فيه من الخيار.
وتردَّد الإِمام في الخيار فيما لم يره القابض، من جهةِ أنّه إِن كان على الصفة المستحَقَّة فلا فائدة في ردِّه؛ لأنَّه يملك إِلزامه به بعد الردِّ، وليس ذلك بفسخ، بخلاف الخيار في العقد، ويجوز أن يُجعل ذلك فسخًا للقبض.
* * *
١٢٥٧ - فصل في قبض الموزون مجازفةً
إِذا ثبت له دين موزون ببيع أو قرض أو غيرهما لم يستحقَّ قبضه إِلَّا بالوزن، فلو دفع إِليه المَدِينُ كيسًا فيه دراهمُ مجهولةٌ، وقال: خذها بحقِّك؛ لم يحصل القبض، ولم يملك الدراهم، ويلزمه ضمانُها، وإِن قال: خذ حقَّك ممَّا في الكيس، فأخذه بالوزن، ففيه الوجهان، ولو تلفت الدراهم قبل الوزن فلا ضمان، لأنَّه وكيل ما لم يقبض، فصار كما لو أذن المودِع في استخدام الوديعة، فإِنَّ يد الإِيداع تستمرُّ إِلى الاستخدام.
* * *
١٢٥٨ - فصل في الاستبدال عن الدُّيون والأثمان
وللدَّيْن أحوال:
стр. 1038
أحدها: أن يكون مثمَّنًا كالمسلَم فيه، فلا يجوز إِبداله قبل قبضه؛ لأنَّ الإِبدال بيع، وفي الحوالة به وعليه ثلاثة أوجه:
أصحُّها: المنع، والثاني: الجواز، والثالث: تجوز به، ولا تجوز عليه.
فإِن أجزناها مطلقًا جازت بالسَّلَم على القرض والسَّلَم؛ بناءً على أنَّها قبض واستيفاء.
الثانية (١): أن يكون مستقرًّا بقرض أو إِتلاف أو ضمان؛ فإِن باعه من المَدين صحَّ وشُرِطَ القبض في المجلس إِن كان عقْدَ ربًا، وإِن لم يكن عقدَ ربًا، واستبدل عينًا صحَّ، ولا يُشترط قبضها في المجلس على الأصح، وظاهر النصِّ أنَّه يُشترط، وإِن باعه من غير المَدِين لم يجز إِن باعه بدينٍ، وإِن باعه بعينٍ فقولان.
الثالثة: أن يكون من الأثمان، ففي جواز الإِبدال أقوال؛ يجوز في الثالث بين النقدين دون سائر الأموال، وقال في "التقريب": إِن منعنا الإِبدال بالعرض ففي إِبدال الدراهم بالدراهم أو بالدنانير وجهان؛ لاشتراك النقود في الغرض المقصود.
* * *
١٢٥٩ - فصل في بيان الأثمان
وفي الأثمان أوجه:
أحدها: أنَّها النقدان المضروبان.
стр. 1039
والثاني: ما اتَّصل بباء الأثمان، فلو قال: بعتك هذه الدراهم بهذا العبد، فالدراهم مبيعٌ، والعبد ثمنٌ.
والثالث: إِن اشتمل العقد على نقد فهو الثمن، ولا نظر إِلى الباء، وإِن لم يكن نقدٌ فالثمن ما اتَّصل بباء الأثمان.
فإِن خصَّصنا الثمن بالنقد، فجَعْلُه مثمَّنًا مبنيٌّ (١) على صحَّة السلَم في الأثمان، وفيه وجهان أجراهما أبو محمَّد فيما لو قال: بعتك ألفَ درهم بهذا العبد، والأصحُّ الصحَّة؛ فإِن منعنا ذلك، فقال: بعتك هذه الدراهم بهذا العبد، ففي الصحَّة وجهان.
وإِن قال: بعتك هذا العبدَ بثوب في ذمَّتك، صحَّ العقد، وهل يثبت للثوب حكم السلَم أو الثمن؟ فيه وجهان، مأخذهما: أنَّ العرض هل يصير ثمنًا إِذا أُلصق بباء الأثمان؟ ولا يجب تسليم العبد في المجلس إِلّا إِذا جُعل سلمًا، ففي وجوب التسليم وجهان.
والحاصل: أنّ الإِبدال ممنوع في المثمَّن من الديون والأعيان، وفي الثمن أقوال.
* * *
١٢٦٠ - فصل في تلف المبيع قبل القبض
إِذا تلف المبيع قبل القبض فله أحوال:
стр. 1040
الأولى: أن يتلف بآفة (١) فينفسخ البيع، وينقلب الملك إِلى البائع قبيل التلف، فيلزمه تجهيز المبيع وتكفينه، وتُسلَّم الزوائد للمشتري؛ لحدوثها على ملكه، وأبعدَ مَن قال: يتبيَّن زوال الملك من حين العقد حتَّى كأن العقد لم يوجد (٢)، وتكون الزوائد للبائع.
الثانية: أن يُتلفه أجنبيٌّ، فلا انفساخ عند المراوزة؛ لبقاء القيمة، وفي طريقة العراق قولان؛ فإِن قلنا بالانفساخ سقط الثمن، وطالَبَ البائعُ المتلِفَ بالقيمة، وإِن قلنا: لا ينفسخ، تخيَّر المشتري، فإِن فسخ سقط الثمن، وكانت القيمة للبائع، وإِن أجاز استقرَّ الثمن، وكانت القيمة للمشتري، فإِذا غرمها الأجنبي، فهل للبائع حبسُها على الثمن؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: ليس له ذلك، فيأخذها المشتري، ولا حقَّ للبائع إِلا في الثمن؛ لأنَّ حقَّ الحبس تابع، بخلاف نظيره من الرهن، فإِنه مقصود، ولذلك لو أتلفه الراهن لزمته القيمة؛ لتكون رهنًا مكانه، ولو أتلف المشتري المبيع لم يلزمه بذلُ القيمة لأجل الحبس.
والثاني: له أن يحبسها، فإِن تلفت في يده بآفة سماوية لم ينفسخ البيع على المذهب؛ إِذ ليست بمبيع، وأبعدَ مَن قضى بالانفساخ.
الثالثة: أنَّ إِتلاف البائع كالآفة أو كإِتلاف الأجنبيِّ؟ فيه للمراوزة قولان، وللعراقيين طريقان:
стр. 1041
أحدهما: ينفسخ (١) قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان؛ فإِن أُلحق بالأجنبيِّ فلا انفساخ عند المراوزة، وعند العراقيّين القولان، فإِن قلنا: لا ينفسخ، تخيَّر المشتري، فإِن أجاز أخذ القيمة، وإِن فسخ أخذ الثمن، وقطع أبو محمد بأنَّ البائع لا يحبس القيمة هاهنا؛ لأنّه أبطل حقَّه من الحبس بإِتلافه، وفيه احتمال بعيد.
١٢٦١ - فرع:
إِذا غصب المشتري المبيع، وأثبتنا الحبس، لزمه ردُّه، ولا ينفذ تصرُّفه فيه، فإِن تلف ضمِنه، وإِن أتلفه البائع في يد المشتري فقولان:
أحدهما: تجب القيمة، ولا خيار للمشتري.
والثاني وهو الظاهر: أنَّه يتخيَّر، ويجعل إِتلاف البائع كالاسترداد، ويُحتمل أن ينفسخ العقد بالإِتلاف، ويُجعل كأنَّه قبضه وأتلفه، فيُخرَّج على الخلاف في إِتلاف البائع.
الرابعة (٢): أن يتلفه المشتري، أو يعتقه، وينفذ عتقه، فيكون ذلك كقبضه، فيستقرُّ العقد والثمن، ولا يغرم القيمة لأجل الحبس بالاتِّفاق؛ لأنّه أتلف مِلْكَ نفسه.
* * *
стр. 1042
١٢٦٢ - فصل في تلف بعض المبيع قبل القبض
إِذا تلف منه ما يمكن إِفراده بالبيع، وليس جزءًا ممَّا بقي، كعبد من عبدين، ومدٍّ من مدَّيْن، انفسخ العقد فيما تلف، وفيما بقي قولان، فإِن قلنا: لا ينفسخ، فأجاز المشتري، فَبِقِسْطه من الثمن على الأصحِّ، وفي سقف الدار وجهان:
أحدهما: أنَّه كأحد العبدين؛ لأنَّه يمكن بيعُه وإِن عَسُرَ ذلك قبل فصله.
والثاني: أنّ السقف وغيرَه من بنيان الدار كأطراف العبد.
* * *
١٢٦٣ - فصل في التعيُّب قبل القبض
إِذا عاب المبيع بزوال صفة لا تُفرد بتقويمٍ ولا عقد، كَيَدِ العبد إِذا سقطت، فلها أحوال:
أحدها: أن تسقط بآفة سماوَّية، فيتخيَّر المشتري، فإِن أجاز لزمه جميع الثمن، وإِن فسخ سقط.
الثانية: أن يقطعها أجنبيٌّ، فيتخيَّر المشتري، فإِن أجاز استقرَّ الثمن، وطالب الأجنبيَّ بنصف القيمة، وإِن فسخ سقط، وسواءٌ أُلحق إِتلافُه بالآفات أو لم يُلحق.
الثالثة: أن يقطعه البائع، فإِن أُلحق في الإِتلاف بالأجنبيِّ فقد تقدَّم تفريعه، وتثبت له مطالبةُ البائع بالأرش فَسَخ أو أجاز. كذا ذكره الإِمام، وفيه نظر إِذا فسخ، وإِن أُلحق بالآفات، ففسخ المشتري، فليس له إِلا الثمن،
стр. 1043
وإِن أجاز استقرَّ عليه الثمن ولا أرش له.
الرابعة: أن يقطعه المشتري، فيُجعل قابضًا لبعض المبيع على ما تقتضيه نسبة الثمن إِلى أَرش النقصان دون نصف القيمة، بخلاف الأجنبيِّ، والبائعِ إِذا أُلحق بالأجنبيِّ، فإِنّهما لو قطعا يَدَي العبد ورجليه لضمنا قيمتيه (١) في وقتي القطعين، وتسلَّمها المشتري إِن أجاز، ولا يلزمه إِلّا الثمن؛ لأنَّ قطعه قبْضٌ، فلا ينزَّلُ بمنزلة (٢) الجناية.
* * *
стр. 1044
١٢٦٤ - باب بيع المُصَرَّاة
التَّصْرِية: جمْعُ اللبن في الضروع والأخلاف؛ لإِيهامِ غزارة اللبن، ويثبت الخيار بتصرية الشاة والناقة والبقرة، وبكلِّ تدليسٍ يُشْبِه التَّصْرِية، كتجعيد شعر المملوك، وحبسِ ماء القناة وإِرساله عند البيع، أو الإِجارة في الأَرْحية وغيرها، ولا خيار بما لا يظهر، كنقطة مداد في ثوب العبد.
وفيما يظهر بعضَ الظهور؛ كالتلطيخ بمداد يظهر من مثله الكتابة (١)، أو علفِ الدابة حتّى يربوَ بطنها ويُظنَّ حملها، وجهان.
ولو علم بالتصرية فلا خيار له على الأصحّ، وإِنْ درَّ اللبنُ على حدِّ التصرية اتِّفاقًا ففي الخيار وجهان، كالوجهين فيمن لم يَعرف بالعيب حتَّى زال.
ولو تحفَّل اللبنُ بنفسه فوجهان، مأخذُهما: أنّ التدليس كالشرط مع الخلف أو كالعيب؛ إِذ تظهر غزارة لبن المصرَّاة، كما تظهر السلامة من العيوب.
وفي تصرية الجارية والأتان وجهان.
وإِذا عَرَفَ التصرية قبل ثلاثة أيّام: فهل يتخيَّر على الفور، أو إِلى ثلاثة
стр. 1045
أيام؟ فيه وجهان، ولا يُعتبر ابتداء الثلاثة من حين الاطِّلاع، وهل يُعتبر من حين العقد أو من حين التفرُّق؟ فيه كخيار الشرط وجهان، فلو اطَّلع في آخر جزء من الثلاثة تخيَّرَ على الفور اتِّفاقًا.
* * *
١٢٦٥ - فصل فيما يردُّ بدلًا عن لبن المصرَّاة
وقد وردت السنَّة بصاع من تمر، وفي غيره من الأقوات وجهان، كما في الفطرة، ولا يتعدَّى الخلاف إِلى الأقِط، وهل يجب من التمر بقيمة اللبن، أو يجب الصاع بكلِّ حال؟ فيه وجهان، فإِن قدَّرنا بالقيمة فقد يلزمه آصعٌ أو بعضُ صاع، على قَدْرِ كثرة القيمة وقلَّتها.
وإِن اعتبرنا الصاع، فكان بقيمة الشاة أو أكثر، ففي وجوبه وجهان، فإِن قلنا: لا يجب، اعتُبرت قيمة تلك المصرَّاة بالحجاز، والقيمةُ المتوسِّطة للتمر بالحجاز، فيجب من التمر بهذه النسبة، وبهذا قطع في "التقريب"، وقال العراقيون: إِن بلغت قيمة الصاع نصفَ قيمة الشاة وجب إِخراجه، وإِن زادت على النصف ففيه الوجهان.
وغلِط من أوجب ردَّ اللبن إِن لم يتغيَّر، أو ردَّ مثلِه إِن تغيَّر، أو قيمةَ المثل إِن تعذَّر. قال الإِمام: إِذا لم يتغيَّر ففي ردِّه مع الشاة احتمال، وإِن تغيَّر فلا يُخرَّج على الخلاف فيمن اشترى عبدين فتعيَّب أحدهما، وأراد ردَّ الثاني بعيب قديم.
١٢٦٦ - فرع:
إِذا رضي بالمصرَّاة وأراد الردَّ بعيبٍ آخر، فله ذلك، ويردُّ الصاع بدل
стр. 1046
اللبن، وشذَّ من خرَّج هذه المسألة على تفريق الصفقة.
١٢٦٧ - فرع:
إِذا أثبتنا الخيار بتصرية الجارية: فهل يَردُّ الصاع، أو لا يلزمه شيء؟ فيه وجهان، وقال الإِمام: إِن قدَّرنا التمر بقيمة اللبن، فلم يكن لِلَبن الجارية قيمة، لم يجب شيء، وإِن أوجبنا الصاع ففيه هاهنا وجهان. هذا إِذا لم يكن اللبن متقوِّمًا، وإِن كان له قيمة فلا بدَّ من بدله، وهل يُبدل بالصاع، أو بقيمته من تمر أو قوتٍ آخَر؟ فيه الوجهان، وأمَّا لبن الأتان؛ فإِن حكمنا بنجاسته، أو بأنَّه طاهر محرَّم، فلا يُقابَل بشيء، وإِن حكمنا بإِباحته على قول الإصطخريِّ فهو كلبن الجارية.
١٢٦٨ - فرع:
نُقل عن الشافعيِّ: أنّه لو حلب غير المصرَّاة، وردَّها بعيب قديم، لم يلزمه بدل اللبن؛ لأنَّه لا يُعلم إِلا في صورة التصرية، وفيه نظر؛ لأنَّ اللبن معلوم في الضروع، والوجه إلحاقه بالحمل؛ فإِن قلنا: يُقابَل بقسط من الثمن، فلا بدَّ من البدل، وإِن لم يُقابَل فالجواب كما نُقل.
* * *
стр. 1047
١٢٦٩ - باب الخراج بالضمان والردِّ بالعيب
إِذا اطَّلع المشتري على عيب مقارِنٍ للعقد، أو حادثٍ قبلَ القبض، فله الردُّ إِن لم يتعيَّب المبيع في يده، فإِن زاد زيادةً متَّصلة، كالسِّمَن والأوراق وكُبْر الأغصان، ردَّه بزيادته، وفي ورق الفِرصاد (١) وجهان، وإِن كانت الزيادة منفصلةً، كالولد والكسب والثمر، ردَّه دون الزيادة؛ لأنَّها حدثت على ملكه، فلا يمتنع الردُّ بذلك، ولا بوطء الثيِّب، ولا بالانتفاع والاستخدام.
* * *
١٢٧٠ - فصل في الردِّ إِذا تعدَّد البائع أو المشتري
تتعدَّد الصفقة بتعدُّد البائع، وكذلك عند تعدُّد المشتري على أصحِّ القولين، ولو تعدَّد الوكيل واتَّحد الموكِّل، أو اتَّحد الوكيل وتعدَّد الموكِّل، فبأيِّهما يُعتبر؟ فيه ثلاثة أوجه؛ في الثالث: يُعتبر جانب البائع بالموكِّل، وجانبُ المشتري بالوكيل؛ لأنَّه لو خالف في الشراء انعقد العقد له، بخلاف وكيل البائع، وهذا لا يطَّرد إِلا إِذا كان الشراء في الذمَّة؛ فإِن كان تعيَّن فلا فرق بينه وبين وكيل البائع.
стр. 1048
ولو اتَّحد العاقد من الجانبين، فقبض البائع بعض الثمن، فلا يلزمه تسليمُ شيء من المبيع إِذا أثبتنا حقَّ الحبس، وأبعد من ألزمه بتسليم ما يقابِل المقبوض من المبيع حيث لا ينقص بالقسمة كذوات الأمثال، وإِنَّما لا يلزمه ذلك فيما لا ينقسم؛ لأنَّ حقَّ الحبس ضعيف لا يحتمل المناوبة؛ ولذلك يبطل حقُّ الحبس بإِعارته من المشتري على أحد الوجهين، بخلاف الرهن؛ لأنَّه عَقْدٌ مقصود، وحقُّ الحبس تابع.
ولو اشترى الواحد عبدًا من اثنين فله ردُّه عليهما وعلى أحدهما، ولو أوجبا العقدَ فقبل في نصيب أحدهما صحَّ اتِّفاقًا، ولو مات المشتري عن اثنين لم ينفرد أحدهما بردِّ نصيبه؛ نظرًا إِلى اتِّحاد العقد؛ ولو اشترى اثنان عبدًا من واحد، فردَّاه عليه جاز، وإِن انفرد أحدهما بردِّ نصيبه جاز على أصحِّ القولين، فإِن منعناه فهل هو معلَّل بعيب التشقيص، أو باتحاد الصفقة؟ فيه وجهان يُخرَّج عليهما ردُّ ما لا يَنْقُصه التشقيص من ذوات الأمثال، ولو يئس أحدهما من الردِّ بإِعتاق نصيب الآخر رجع بالأرش، وإِن رضي شريكه بالعيب ففي رجوعه بالأرش وجهان من جهة أنَّ الردَّ ممكِنٌ بأن يملك نصيب شريكه، ثمَّ يردَّ العبد ليرجع في نصف الثمن، ويُجبِر المشتري البائعَ على القبول، كما في مسألة النعل، وهذا بعيد؛ لأنَّ النعل تابع بخلاف نصف العبد.
ولو ترك البائع حقَّه من الثمار في صورة الاختلاط، فلا إِجبار على أقْيَس الوجهين، فإِن أجبرنا البائع على القبول في نصف العبد، ففي ثبوت الأرش قبل تملُّكه وجهان أصحُّهما الثبوت؛ لأنَّ توقُّع العَود بعيد.
ولو غاب أحدهما ولم يبطل حقُّه، ففي ثبوت الأرش للحاضر لأجل الحيلولة وجهان.
стр. 1049
١٢٧١ - فرع:
لو سلَّم أحدهما ما يخصُّه من الثمن؛ فإِن قلنا بالتعدُّد سلَّم إِليه نصف العبد، وإِلا فلا.
١٢٧٢ - فرع:
إِذا قلنا بالتعدُّد، فأوجب العقد منهما، فقَبِلَ أحدهما، ففي انعقاد البيع في حصَّته وجهان؛ أقْيسُهما: الصحَّة كنظيره من الخلع، وأظهرهما في النقل: المنع؛ لأنّ خطابه اقتضى جوابين، فإِذا أجابه أحدهما لم ينتظم الخطاب مع الجواب.
* * *
١٢٧٣ - فصل في بيان العيوب
كلُّ نقيصةٍ مذمومةٍ يَغلبُ وجودُ ضدِّها، وتَنقص العين أو القيمة عن المعتاد في ذلك الجنس، فهي عيب؛ فالخِصاءُ - وإِن زادت به القيمة - عيبٌ؛ لنقصه من العين، والإِصبع الزائدة عيب؛ لنقصها من القيمة.
ويشترط في نقصان العين أن يَفُوت به غرضٌ مالي أو غير مالي، فلو قطع من ساق العبد قطعة لا تؤثِّر في غرض ولا ماليَّة فليست عيبًا، وقال في "التقريب": لو قطعت أذن الشاة؛ فإِن منع من إجزاء التضحية فهو عيب، وإِلّا فلا (١).
стр. 1050
والبخَر والبول في الفراش، واعتياد الزنا، عيوب في العبيد والإِماء، وكذلك العُنّة على الظاهر، وإِنَّما يكون البول في الفراش عيبًا إِذا وقع في غير أوانه، فإِن وقع من صبيٍّ لا يندر من مثله فليس بعيب.
والصُّنَان (١) عيب، وشَرَط الإِمام فيه أن يفوح بغير سبب، ويفتقرُ إِلى علاج يخالف المعتاد، وقال: إِن كان ممَّا يعمُّ الشباب عند التحرُّك والعرق (٢) فليس بعيب.
وشَرط في البخَر أن يكون ناشئًا من المعدة، فإِن كان من قلح الأسنان بحيث يزيله الاعتناء بتنظيف الفم، فليس بعيب.
واحتباس الحيض ليس بعيب إِلّا أن يقع في سنٍّ يقضي أهلُ الصناعة بندرته فيه.
والكفر عيب إِلا على وجهٍ للعراقيين، وقال الإِمام: إِن غلب (٣) العبد المسلم، وكان الكفر مُنْقِصًا للقيمة، فهو عيب، وإِن لم يغلب إيمان العبيد، ولم تنقص القيمة بالكفر، فظاهر المنقول أنَّه عيب، والقياسُ خلافه، وإِن لم ينقص الكفر مع القيمة مع اضطراب العادة، فالوجه القطع بأنَّه ليس بعيب.
* * *
стр. 1051
١٢٧٤ - فصل فيما يثبت به خيار الخلف
كلُّ فضيلة لا يعمُّ وجودُها، ولا يقتضي الذمَّ عدمُها؛ كالجعودة في الشعر، والبكارة في الجارية، والحِرَف والكتابة، فليس عدمها عيبًا، لكن إِن شرطها فأُخْلفت ثبت الخيار.
وإِن شَرط ما لا غرض فيه ولا ماليَّة، كالحمق وتشوُّه الخَلْق، فلا خيار.
وإِن شَرط ما يتعلَّق به بعضُ الأغراض من غير ماليَّة، كالسبوطة والثيوبة، فوجهان.
وما ثبت الخيار بإخلافه اتِّفاقًا يثبت الخيار بالتدليس به، وما اختُلف في الخيار بإخلافه كالسبوطة إِذا دلَّس بها، فلا خيار عند الصيدلانيِّ، وألحق الإِمام تدليس الفعل بتلبيس القول في الخلاف والوفاق، فإِذا سبِّط شعر الجارية، فبانت جعودته، ففي الردِّ وجهان.
١٢٧٥ - فرع:
إِذا شَرط الكفر فأُخلف؛ فإِن تاخمنا الكفَّار بحيث يُكثرون التردُّد إِلينا، وزادت القيمة بسبب الكفر، ثبت الخيار إِلا على وجه بعيد، وإِن لم تزد قيمة الكافر فوجهان، كالسبوطة إِذا أُخلفت.
واعتياد الجند نزول الدار [عيب] (١)، وثقل خراج القرية عيب.
والرجوع فيما يكون عيبًا وما لا يكون إلى أهل الخبرة، والقيم
стр. 1052
تتفاوت بالرغبات (١).
* * *
١٢٧٦ - فصل في موانع الردّ ومبطلاته
ويثبت الردُّ على الفور والبدار، فإِن رضي بالمعيب مع القدرة على الردِّ، أو قصَّر في الردِّ، أو سكت مع إِمكان التلفُّظ بالردِّ، بطل حقُّه، ولا أرش له.
واتّفقوا على أنَّ البائع لا يجبر على الأرش عند إِمكان الردِّ، وإِن تراضيا على الأرش فوجهان، وظاهر النصِّ المنعُ؛ فإِن أخذه على ظنِّ الجواز، فاسترجع منه، ففي عَوْدِ حقّه من الردِّ وجهان، وللردّ موانع:
الأول: هلاك المبيع، أو استيلاده، أو زوال ماليَّته بالعتق، مانع للردِّ موجبٌ للأرش، ولو دفع القيمة ليرجع إِليه الثمن لم يكن له ذلك اتّفاقًا، ويُعرف الأرش بأن يُقوَّم المبيع سليمًا ومعيبًا، ثم يُنظر ما بين القيمتين، ويُرجع بمثل نسبته إِلى القيمتين من الثمن، فإِن نقص عشر القيمة فالأرش عشر الثمن، وعلى هذه النسبة أبدًا، ولا أرش للخصاء إِن لم يُنقص القيمة؛ لأنَّ الأعراض لا تتقوم.
المانع الثاني: زوال الملك بجهة لا ردَّ فيها، إِذا لم يعرف العيب حتى زال مِلْكُه (٢) بجهة لا ردَّ فيها - كالهبة - ثمَّ عاد، ففي ثبوت الردِّ وجهان، فإِن
стр. 1053
قلنا: لا يثبت، رجع بالأرش سواءٌ اطَّلع قبل العود أو بعده، وإِن أثبتنا الردَّ فله الردُّ بعد العود، وفي مطالبته بالأرش قبل العود وجهان يجريان ما دام العَوْد ممكنًا، والمحقِّقون على الإِثبات.
ولو باع عبدًا بجارية وتقابَضَا، ثمَّ تلف العبد أو أعتق أو زال الملك فيه بهبةٍ لازمةٍ، ثم ظهر على عيب في الجارية، ردَّها، ورجع بقيمة العبد؛ لأنّ الملك فيها لم يزل، وإِن وهب العبد، فرجع إِليه بهبة، ثمّ ردت عليه الجارية، فهل يرجع عليه بالعبد أو بقيمته؟ فيه طريقان:
إحداهما: يرجع به.
والثانية: فيه الوجهان؛ لأنَّ المسترَدَّ ليس بمقصود، بخلاف المردود.
المانع الثالث: زوال الملك بجهةٍ تُثبت الردَّ، كالبيع وغيره.
إِذا باع ما اشتراه، فاطَّلع الثاني على عيبه، فله أحوال:
الأولى: أن يردَّه، فيردَّه المشتري الأوَّلُ على البائع الأوَّل: يجوز بالاتِّفاق؛ لأنّ الفسخ يردُّ الملك السابق.
الثانية: أن يرضى بعيبه، فيبطل ردُّه، وفي رجوع المشتري الأوَّل بالأرش على البائع قولان؛ أظهرُهما وأشهرهما: أنّه لا يرجع، وأميلُهما إِلى القياس: أنَّه يرجع.
الثالثة: ألا يعرف العيب، ولا يرضى به، ففي رجوع الأوَّل بالأرش خلاف.
الرابعة: أن يعتقَه ويرجع بأرش العيب، فيرجع الأول بالأرش بلا خلاف.
стр. 1054
الخامسة: أن يبيعه من المشتري الأوَّل، ثم يطَّلع على العيب، فللمشتري الأوَّل حالان:
إحداهما: أن يردَّه على المشتري الثاني، ثم يردَّه المشتري الثاني عليه، ثمَّ يردَّه على البائع الأوَّل، فيجوز ذلك؛ لأنَّ الجهات قد ارتفعت بالفسوخ.
الثانية: أن يردَّه على البائع الأوَّل، فهل له ذلك؟ فيه وجهان مرتَّبان على العود بجهةٍ لا ردَّ فيها، وهاهنا أولى بالمنع؛ لأنَّ ردَّه بأقرب الجهات ممكن، بخلاف الهبة؛ إِذ لا يمكن ردُّها على الواهب.
السادسة: أن يبيعه من المشتري الأوَّل، فهذا مبنيٌّ على الخلاف في ترويج العيب، وفي الردِّ بجهة لا ردَّ فيها.
المانع الرابع: التعيُّب في يد المشتري: إِذا تعيَّب في يد المشتري بسبب في يد المشتري لم يلزم البائع قبوله بغير أرش، وإِن رضي بقبوله مجَّانًا جاز، ولا أرش للمشتري، وإِن تراضيا على الأرش جاز، بخلاف ما لو بقي المبيع بحاله، ولا يسقط حقُّ المشتري من الردِّ والأرش؛ فإِن تراضيا بالردِّ مع أرش العيب الحادث، أو بالإِمضاء مع أرش العيب القديم، جاز.
وإِن بذل البائع أرش العيب القديم، وبذل المشتري أرش العيب الحادث، أو طالب البائعُ بأرش الحادث، وطالب المشتري بأرش القديم، فأيُّهما يجاب؟ فيه ثلاثة أوجه؛ الثالث: أنَّه لا يُجاب مَن يَطلب الردَّ وضمَّ الأرش؛ لأنَّه إِدخال شيء جديد في حكم العقد، بخلاف أرش العيب القديم، فإِنَّه من مقتضيات العقد، وصاحب هذا الوجه يقول: إِذا تراضيا بالردِّ مع أرش الحادث كان ذلك مقايلةً.
стр. 1055
وقال الإِمام: لو عاب المبيعُ في يد المشتري، فتقايلا مع ضمِّ أرش الحادث، ففيه احتمال؛ لأنَّ الإِقالة إِن جُعلت بيعًا فشرطها أن تقع بالثمن الأول، وإِن جعلت فسخًا فالفسخ تلو العقد، فلا (١) يجوز اختلاف موردهما، والذي يطابق القاعدة: أنَّ الردَّ يختصُّ بالمبيع دون الأرش، وأن تُشبَّه يدُ المشتري باليد الضامنة في إِيجاب الأرش، وإِنما يجب ضمُّ الأرش مع الردِّ؛ لأنَّا قد لا نثق بالتزام المشتري للأرش.
ويقرب تخريجُ هذا على ما لو اشترى عبدين، فتلف أحدهما، فظهر في الثاني عيب، فهل يملك ردَّه مع قيمة التالف؟ فيه قولان؛ فإِن قلنا: يردُّ، فضمُّ أرش الحادث بذلك أولى؛ لأنَّه تابع، وإِن قلنا: لا يُردُّ، ففي أرش الحادث احتمال من جهةِ أنَّه تابعٌ غيرُ متأصِّلٍ، ولو تقايلا على العبد الباقي وقيمة التالف، فقد منعه الإِمام، بخلاف التقايل مع الأرش، فإِنَّه تابع.
١٢٧٧ - فرع:
إِذا أخذ المشتري أرش العيب القديم بالتوافق، ثمَّ زال العيب الحادث، فهل يُردُّ المبيع والأرش؟ فيه وجهان، وإِن زال الحادث بعد قضاء القاضي بالأرش فوجهان مرتَّبان، وأولى بالردِّ، وإِن تراضيا من غير قبض ولا قضاء فوجهان مرتَّبان على القضاء، وأولى بالردِّ، وإِن لم يظهر العيب القديم حتَّى زال الحادث فالمذهب ثبوت الردِّ، ولا يُعتدُّ بخلاف ذلك.
١٢٧٨ - فرع:
إِذا اطَّلع على عيب الدابَّة بعدما أنعلها، فإِنْ لم تتعيَّبْ بقلعه قلعه