والثانية: التجويز إِن بقَّينا الملك، وإِن نقلناه فوجهان من جهةِ أنَّ الوطء يتضمَّن الفسخ، فينقلب الملك إِلى البائع قبيل الوطء أو معه على الاقتران، وقطع أبو محمد بالجواز مهما كان للبائع خيار، ولا مهر على البائع وإِن حرَّمنا الوطء؛ لاقتران وطئه بانقلاب الملك إِليه (١). قال الإِمام: إِنَّما يباح وطء البائع إِذا قصد الفسخ.
* * *
١١٧٢ - فصل فيما يتضمَّنه الوطء من الإِجازة
وطء البائع متضمِّن للفسخ، ومَنْ أبهم طلاقًا بين زوجتيه، أو عتقًا بين أَمَتيه، فهل يكون وطؤه تعيينًا؟ فيه وجهان أجراهما بعض أئمَّة الخلاف في أنَّ وطء البائع هل يتضمَّن الفسخ؟ ولا يعدُّ هذا من المذهب، ووطء المشتري متضمّنٌ للإِجازة على الأصحِّ سواءٌ انفرد بالخيار أم لم ينفرد، فإِن جعلناه إِجازة وقد انفرد بالخيار فلا مهر عليه، ووطؤه في الإِباحة كوطء البائع إِذا كان له خيار، والمهر كالكسب في مثل هذه الحال.
* * *
١١٧٣ - فصل في إِحبال المشتري في مدَّة الخيار
إِذا أحبلها المشتري فالولد حرٌّ، والحدّ والمهر على ما مضى، والاستيلاد كالإِعتاق وفاقًا وخلافًا، وأيُّهما أولى بالنفوذ؟ فيه وجهان، ولا يَبعدُ القول بالتساوي، ولا يسقط المهر لأجل الاستيلاد إِذا أوجبناه حيث لا إِحبال، وأمّا
стр. 982
قيمة الولد فمُفرَّعة على الأقوال، فإِن نقلنا الملك؛ فإِن نفَّذنا الاستيلاد، ومنعنا ردَّه، فلا تجب القيمة.
وإِن منعنا الاستيلاد، أو أثبتناه وأجزنا ردَّه، ففسخ العقد، ففي القيمة وجهان كالاكتساب في هذه الحال، وإِن بقّينا الملك؛ فإِن فسخ البائع وجبت القيمة، وامتنع الاستيلاد، وإِن أجاز ففي تنفيذ الاستيلاد وجهان؛ فإِن منعناه ففي قيمة الولد وجهان، وإِن نفَّذناه فهل يستند إِلى الإِجازة أو إِلى ما قبلها؟ فيه وجهان؛ فإِن أسندناه إِلى الإِجازة فقد علِقَت في ملك البائع ففي قيمة الولد وجهان، وإِن أسندناه إِلى ما قبل الإِجازة فهل ملكها قبل العلوق أو بعدَه؟ فيه وجهان؛ كالوجهين في إِحبال الأب جارية الابن؛ فإِن ملّكناه قبيل العلوق فلا قيمة، وإِن ملّكناه بعد العلوق فوجهان.
* * *
١١٧٤ - فصل في إِحبال البائع في مدَّة الخيار
إِذا أحبلها البائع؛ فإِن كان له خيار نفذ استيلاده، ولا يلزمه قيمةُ الولد؛ لاقتران الوطء بالانفساخ، ولو انفرد المشتري بالخيار كان إِحبالُ البائع كإِحبال المشتري حيث لا ينفرد بالخيار، فيُفرَّع (١) على الأقوال، ثمّ يُفرض الفسخ والإِجازة.
* * *
стр. 983
١١٧٥ - فصل فيما يكون اختيار الفسخ والإِمضاء
كلُّ تصرُّف يتضمَّن زوال الملك، كالبيع والعتق؛ فإِنْ صحَّ فهو فسخ من البائع وإِجازة من المشتري، وإِن فسد فوجهان، وفي التزويج والإِجازة وجهان، والتسليم ليس بإِجازة من البائع اتِّفاقًا، وليس الاستخدام باختيار، وكذلك ركوب الدابّة على الأظهر، وإذنُ البائع في البيع ليس بإِجازة عند الصيدلانيِّ، فإِن رجع عن إِذنه فالخيار باقٍ، ولو وهبه أحدهما من غير إِقباض فليس باختيار عند الإِمام؛ لإِمكان الاستدراك، وفيه احتمال، ولو وهبه البائع من ابنه، وأقبضه، فالوجه القطع بأنّه اختيار، والعرضُ على البيع ليس باختيار على فحوى كلامهم.
وللرجوع في الشرع مراتب:
إِحداهنّ: ما ثبت على الفور، كالردِّ بالعيب، فيسقط بكلِّ ما يُشعر بالتأخير.
الثانية: الوصيَّة، وتبطل بكلِّ ما ينافي البقاء عليها، كالعرض على البيع، والهبة قبل القبض، وبكلِّ ابتداء لو تمَّ لأزال الملك.
الثالثة: الاختيار في زمن الخيار، وقد تقدّم.
الرابعة: رجوع الوالد في الهبة، والبائع في صورة الفَلَس، والأصل فيه التصريح بالرجوع، وفي البيع والعتق خلاف، وقطع الإِمام بتحريم وطء الو اهب، وأنَّه ليس برجوع.
١١٧٦ - فرع:
لكلّ واحد أن يفسخ بحضور الآخر، وفي غيبته، ولو أعتق المشتري
стр. 984
أو باع بمحضر من البائع، فسكت، لم يكن سكوته إِجازة، وإِن سكت عن الوطء فوجهان.
* * *
١١٧٧ - فصل في تلف المبيع في مدّة الخيار
إِذا تلف المبيع في مدّة الخيار؛ فإِن كان في يد البائع انفسخ العقد، وإِن كان في يد المشتري فطريقان:
إحداهما وهي المَرْضِية: الانفساخ إِن بقَّينا ملك البائع، وإِن نقلناه فوجهان. ومنهم مَن قطع بأنَّه لا ينفسخ؛ لأنَّه فات ملكه في يده، فإِن قلنا بالانفساخ سقط الثمن، ولزمت القيمة، وإِن منعنا الانفساخ؛ فإِن كان الثمن معيّنًا فللبائع الفسخ؛ اعتبارًا بما لو اطّلع على عيبه بعد فوات المبيع، فإِنَّه يردُّه، وإِن كان دينًا أو أراد المشتري الفسخ ففي نفوذه وجهان:
أحدهما: لا ينفذ، كما لو علم بعيب المبيع بعد فواته.
والثاني: ينفذ، كفسخ التحالف بعد التلف.
فإِن قلنا: لا ينفذ، لزم العقد واستقرَّ الثمن، وإِن نفَّذناه؛ فإِن أجاز استقرَّ الثمن، وإِن فسخ لزمت القيمة، وسقط الثمن.
١١٧٨ - فرع:
قال الصيدلانيُّ: إِذا قبض المشتري المبيع، ثم أودعه عند البائع، فتلف في يده في مدَّة الخيار فهو كالتلف في يد المشتري، فإِن قلنا بنقل الملك وأنَّ العقد لا ينفسخ، لزم الثمن، وإِن بقَّينا الملك انفسخ العقد ولزمت القيمة؛
стр. 985
لأنَّ يد البائع نائبة عن يد المشتري، وقال الإِمام: يتَّجه إِسقاط الضمان؛ لأنَّ الملك قد فات في يد مالكه، نعم إِن قلنا بالانفساخ بناءً على نقل الملك، فالتلفُ في يد البائع بعد الإِيداع موجبٌ للقيمة؛ لأنَّ ملكه قد تلف مضمونًا في يدٍ أمينة.
الطريقة الثانية للعراقيين: القطع بأنَّ العقد لا ينفسخ بحال، لكنْ إِن بقَّينا ملك البائع، فانقضى الخيار من غير فسخ، وجبت القيمة؛ لأنّ المبيع لمَّا تلف على ملك البائع تعذَّر نقله عند انقضاء الخيار إِلى المشتري، فسقط الثمن؛ لأنَّه في مقابلته.
وقال الإِمام: يجب تفريع هذا على الخلاف في بقاء الخيار عند التلف، فإِن بقَّيناه وجب القطع بالانفساخ، وإِن قلنا: لا يبقى، اتَّجه أن يحكم بانقلاب الملك إلى المشتري قبيل التلف، كما ينقلب الملك إِلى البائع إذا تلف في يده بعد اللزوم، فعلى هذا يجب الثمن دون القيمة؛ لأنَّ الملك قد استقرَّ باللزوم، وحيث تجب القيمة في هذه الصورة، فإِن بقَّينا الملك للبائع فهي كقيمة المستعار، وإِن نقلناه فالعبرة لوقت (١) التلف؛ لأنَّه وقت رجوع الملك إِلى البائع، ولا نظر إِلى قيمته قبل ذلك؛ لأنه كان ملكًا للمشتري، فلا يقوَّم عليه.
١١٧٩ - فرع:
إِذا انفرد المشتري بالخيار، فاستولد البائع الجارية المبيعة، فإِن حكمنا ببقاء ملكه ونفوذ استيلاده، فإِن كانت الجارية في يد المشتري فالوجه
стр. 986
الانفساخ؛ بناءً على الطريقة المَرْضيَّة، وإِن كانت في يد البائع انفسخ العقد؛ لأنَّه أتلف ملك نفسه قبل زوال يده، بخلاف ما لو أتلفه بعد اللزوم وقبل الإقباض، فإِنَّ ملك المشتري قد استقرَّ.
* * *
١١٨٠ - فصل في إِعتاق المبيع وثمنه في مدّة الخيار
إِذا اشترى عبدًا بجارية، وانفرد بالخيار، فإِن أعتق الجارية كان فسخًا، وإِن أعتق العبد كان إِمضاءً، وإِن أعتقهما معًا لم ينفذ عتقهما، وأيُّهما ينفذ؟ فيه وجهان أقيسُهما إِعتاق العبد؛ لما فيه من تقرير العقد، ويتأكَّد ذلك إِذا قلنا بنقل الملك، فإِنَّ عتقه لا يفتقر إِلى واسطة، ومال أبو عليٍّ إِلى أنَّه لا ينفذ العتق في واحد منهما، كما لو نكح أختين معًا، وقطع الإمام بتنفيذ عتق الجارية إِن بقَّينا ملك البائع على العبد؛ فإِنَّ الجارية باقية على ملك المشتري، فينفذ إِعتاقها قطعًا؛ لاجتماع الملك وقوة الفسخ، وينقدح ما ذكره أبو عليٍّ هاهنا.
* * *
стр. 987
١١٨١ - باب الربا وما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا ولا مؤجّلًا، والصرف
روى عبادة بن الصامت عنه ﵊: "لا تبيعوا الورِق بالوَرِقِ، ولا الذهبَ بالذهب، ولا البُرَّ بالبرِّ، ولا الشعير بالشعير، ولا التمرَ بالتمر، ولا الملحَ بالملح، إِلا سواءً بسواءٍ، عينًا بعينٍ، يدًا بيدٍ، ولكنْ بيعوا الوَرِق بالذهب، والذهبَ بالوَرِق، والبُرَّ بالشعير، والشعير بالبُرِّ، والملح بالتمر، والتمر بالملح، كيف شئتم يدًا بيد" (١).
والربا ضربان: ربا الفضلِ، وربا النَّسَاء، وعلَّة ربا الفضل في النقدين كونُهما جوهَرَيِ الأثمانِ، وفي المطعوم قولان: الجديد أنّ العلّة هي الطُّعْم وحدَه، والقديم هي الطعم مع التقدير بالكيل أو الوزن، فمتى اتّحد الجنس حرُم التفاضل والنَّساء، والتفرّق قبل التقابض، واتّحادُ الجنس محلّ العلّة، وليس جزءًا منها على القولين.
* * *
١١٨٢ - فصل في بيان الطعم الذي هو علّة الربا
كلُّ ما كان الطُّعم هو الغرضَ الغالبَ منه، كالأغذية والفواكه والأدوية
стр. 988
والطين الأرمنيِّ والزعفران، فهو رِبَويٌّ، ولا ربا في الطين الذي يأكله السفهاء، خلافًا لأبي محمّد، فإِن وُجد ما يقصد منه الطعم وغيرُه على التقارب في التساوي فالوجه القطع بأنَّه رِبويٌّ، والاعتبار بما يُعدُّ للطُّعم في حال الاعتدال والرفاهية دون سِنِي الأزم والمجاعة.
١١٨٣ - فرع:
المذهب أنَّ الماء مملوك، فيجري فيه الربا لأنَّه مطعوم، وفيه وجه: أنّه لا يُملك، وإِن قلنا: لا يملك، فيحرم بيعه بالدراهم وغيرها.
١١٨٤ - فرع:
السمك الكبار الذي لا يُبتلَع مثلُه في حال حياته ليس بربويٍّ ما دام حيًّا، والصغار الذي يُبتلع حيًّا في (١) جواز ابتلاعه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، فلا ربا فيه ما دام حيًّا.
والثاني: يجوز، وفي كونه ربويًّا تردّد، والوجه القطع بأنّه ليس بربويٍّ؛ إِذ لا يُعدُّ للابتلاع في الحياة.
١١٨٥ - فرع:
لا ربا في الكتَّان، ولا في دهنه على الأظهر؛ لأنَّهما لا يؤكلان إِلا نادرًا، فأَشْبَها الكبريت والقطران.
* * *
стр. 989
١١٨٦ - فصل فيما صُرف عن الطُّعم في العادة
كلُّ مطعوم صُرف في العادة عن الطُّعم، كدُهن الورد والبنفسج وغيرهما فهو رِبويّ إِلا على قول مُخرَّج مأخذُه أنّه لا يُعدُّ مطعومًا في العرف، وقال في "التقريب": دهن البنفسج ربويٌّ، وفي دهن الورد وجهان، فإِن جعلناها ربويَّةً فكلُّها جنس واحد؛ لأنَّها شَيرج (١) اكتسب روائح الأزهار.
وأمَّا وَدَك السمك (٢) المُعَدُّ للاستصباح وتدهينِ السفن، فلا ربا فيه عند العراقيين، وهذا يناقض ما ذكروه في الأدهان، والوجه تخريجه على الخلاف؛ لأنَّه مطعوم صَرَفه أهل العرف عن الطعم إِلى ما تعلَّق به من الأعراض.
* * *
١١٨٧ - فصل فيما يُعرف به تماثل المال الربويِّ
الاعتبار في تقدير المال الربويِّ بعصره ﵊، فما كان مكيلًا في عصره اعتُبر تماثله بالكيل دون الوزن، وما كان موزونًا اعتُبر تماثله بالوزن دون الكيل، ولا تتعيَّن مكاييل مكّة ولا موازين المدينة اتِّفاقًا، ويجوز التعديل بالقَرَسْطون والطيّار (٣)، وبالوضع في كِفَّتي الميزان، والوجه القطعُ
стр. 990
بجواز التعديل بكيلٍ عرفيٍّ لم يُعهَد في عصر الرسول ﷺ ، وكذلك الظاهر جوازه بقصعة لا يُعتاد بها الكيل، وفيه تردُّدٌ للقفَّال، ولا يكفي الوزن بالماء على الظاهر، وهو أن توضع الدراهم في ظرف، ويضبط غوصه في الماء، ثمّ يفعل ذلك بالعِوَض الآخر.
١١٨٨ - فرع:
ما جُهل تقديره في عصر الرسول ﷺ جاز بيعه اتّفاقًا، وهل يتعيّن فيه الكيل، أو الوزن، أو العادة الغالبة في محل المعاملة، أو يتخيّر بين كيله ووزنه؟ فيه أربعة أوجه أبعدُها آخِرُها، فإن كان فرعًا لأصلٍ مقدَّرٍ ففيه الأوجه الأربعة، وخامس أنّه يُقدَّر بما يُقدّر به أصله.
* * *
١١٨٩ - فصل في بيان الحال التي يُعتبر فيها التماثل
التماثل معتبر بحال الكمال، فكمال الرُّطَب في كونه تمرًا، فكلُّ رُطَبٍ أو عنب اعتيد تجفيفه فلا يباع رَطْبُه بيابسه ولا برطبه وإِن تساويا؛ لِجَهْلِنا بتماثله في حال جفافه.
وما لا يُجفَّف من الرطب والعنب، ولو جُفِّف لفسد واستحشف، ففيه
стр. 991
أربعة أوجه:
أحدها: لا يباع إِلا في حال الجفاف.
والثاني: يباع في الحالين، وهو القياس؛ اعتبارًا باللبن؛ إِذ كمالُهما (١) في حال الرطوبة.
والثالث: المنع بكلِّ حال.
والرابع: الجواز في حال الإِرطاب دون الجفاف.
وإِن باع الرُّطب الذي لا يُجفَّف بالتمر فظاهر كلامهم المنع، وأمَّا ما يُعتاد تجفيفه، ولم تَعمَّ العادة فيه كعمومها في الرطب، كالمشمش والخوخ، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يُباع إِلا في حال الجفاف.
والثاني: الجواز في حال الإِرطاب؛ لأنَّه غالب فيه، بخلاف الرطب والعنب.
والثالث: لا يُباع بحال؛ إِذ لم تستقرَّ له حال كمال، ولم يصر أحد إِلى الإِجازة في حال الإِرطاب دون الجفاف، بخلاف ما يفسده الجفاف؛ فإِنَّ تجفيفه غير معتاد، وتجفيف البِطِّيخ حيث يُعتاد من البلاد، كتجفيف الخوخ.
* * *
١١٩٠ - فصل فيما لا يُقدَّر شرعًا ولا عرفًا
ما لا يقدَّر في العرف بكيل ولا وزن، كالبيض والجوز واللوز والقِثَّاء
стр. 992
والسفرجَل والرمان، فيه قولان:
أحدهما، وهو القديم: أنَّه ليس بربويٍّ، فيجوز بيع بعضه ببعض كيف اتَّفق إِلا أنْ يُجفَّف ويوزن على ندور، فالظاهر أنّه ربويٌّ في حال الجفاف، ولو باع الشعير في السُّنبُل بمثله فقد منعه الإِمام؛ لأنّه وإِن لم يُقدَّر فهو من جنس المقدَّر.
وقال في الجديد: الكلُّ ربويٌّ، فلا يُباع بالعدد، وكذلك الوزن على الأصحِّ، ولو باع الجوز والبيض وزنًا فقد اتَّفقوا على منعه في الجديد، وفيه وجهٌ بعيد ذكره في "التقريب"، وليس بصحيح؛ لأنَّ قشورهما متفاوتة، ومقصودهما في أجوافهما، فإِن جُفِّف شيء من ذلك نادرًا ووُزِنَ، فإِن منعنا بيع الرطب بالوزن ففي اليابس وجهان، ولبُّ الجوز واللوز وحبُّ الرمان ربويٌّ قولًا واحدًا؛ للتقدير والطعم، ويجوز بيع الزيتون بالزيتون؛ لأنَّ كماله في حال كونه زيتونًا.
* * *
١١٩١ - فصل في بيع الحَبِّ بالدقيق وبما يُتَّخذ منه
كمال الحب في كونه حبًّا، فلا يباع بما يُتّخذ منه من دقيق أو خبز أو سويق؛ للجهل بالتماثل في حال الكمال، ولا يباع ما يُتّخذ منه بعضُه ببعض، كالدقيق بالدقيق، والخبز بالسويق، وقال العراقيّون: لا يُباع الخبز الطريّ بيابسٍ ولا طريٍّ، وفي اليابس باليابس وجهان، وللشافعيّ نصوص اتّفق أصحابه على رجوعه عنها:
стр. 993
أحدها: إِجازة بيع الدقيق بالدقيق، ومنعُه بالحبّ.
والثاني: أنَّ الحنطة تخالف دقيقَها، فيجوز تفاضلهما، والدقيق متجانس.
والثالث: أنَّ الحنطة تخالف السويق، وتُجانس الدقيق؛ لأنَّه حنطة مفرَّقة الأجزاء، وعلى هذا: الخبزُ والحنطة مختلفان، والدقيق مخالف للسويق.
وكلُّ ذلك غير معدود من المذهب.
وتُباع الحنطة المُسوِّسة بالمسوّسة، فإِن قربت من العفن فظاهر كلامهم الجواز، والمسوِّسة: هي التي بدأ تآكلُها، ولعلَّ الأصحاب أجازوا ذلك قبل التآكل، فلو خلت أجوافها (١) بالتآكل فالقياسُ القطعُ بالتحريم، كما يحرم بيع المقليَّةِ بمثلها، والمبلولةِ بمثلها وبالجافة؛ لأجل التجافي في الكيل، ولو بُلَّت الحنطة، ونُحّيت قشورها بالدَّقِّ والتهريس - وهي الكَشْكُ - فقد ألحقوها؛ لتسارع فسادها بالدقيق، ولو بلت وبقيت القشور، ثمّ جفّفت (٢)، فالوجه المنع، وفي إِزالة قشر الجاوَرس (٣) احتمال، ولا بأس بإِزالة قشور الأرز.
* * *
стр. 994
١١٩٢ - فصل فيما نُزع نواه
لا يباع تمر نزُع نواه بمثله، ولا بما لم يُنزع نواه؛ للتجافي (١) عند الكيل، وأبعدَ مَن أجازه في الصورتين، وفي يابس المشمش والخوخ وجهان؛ لأنَّ نزع نواهما معتاد، ولا مصلحة في إِبقائه، بخلاف نوى التمر؛ فإِنَّه يمنع من التسويس، وأبعدَ مَن شَرَطَ نزع نواهما؛ اعتبارًا بنزع العظم من اللحم.
* * *
١١٩٣ - فصل في قاعدة مدِّ عجوة
إِذا باع درهمًا ومدَّ عجوة قيمتُه درهمان بمُدَّي عجوة قيمةُ كلِّ واحد منهما درهمان، أو باع درهمًا ومدًّا قيمتُه درهمٌ بمدَّين قيمة كلِّ واحد منهما درهم، أو باع مدًّا ودرهمًا بمدٍّ ودرهم، فالبيع باطل؛ لِمَا يؤدّي إِليه توزيع الثمن على المثمَّن من المفاضلة أو الجهل بالمماثلة، وكلاهما مفسد للبيع في باب الربا، وإِنّما بطل إِذا استوت قيمة المُدَّين؛ لأنّ التقويم ظنٌّ وتخمين، وشرط تماثل الربا أن يقع محسوسًا.
ولو باع عشرة دراهم صحاحًا بعشرة مكسّرة جاز، ولو باع خمسةً صِحاحًا وخمسة مكسَّرة بمثلها أو بعشرة من الصحاح، أو المكسّرة، أو باع مدَّ عجوة ومدَّ صَيْحانيٍّ (٢) بمدِّ عجوة ومدّ صَيْحانيٍّ، ففي الكلِّ خلاف؛
стр. 995
لوقوع المسامحة بتفاوت ذلك، واختار أبو محمد المنع، وأجازه الإِمام، وقال: لم يزل الناس يتبايعون الصحاح بالمكسَّر مع اشتمال المكسَّر على قطع كبارٍ تزيد قيمتها على قيمة الصغار، ثم لم يَشرط أحد تساوي القطع.
ولو باع مئة دينار جيِّدة ومئةً رديئة بمئتين متوسِّطة، فقد منعه الشافعيُّ، ولم يخالفه أحد من الأصحاب سوى الإِمام.
* * *
١١٩٤ - فصل في بيع المنعقد بالنار
كلّ منعقد بالنار فبيعه بمثله حرام؛ للجهل بتماثله في حال الكمال، فلا يباع الدبس بالدبس بالاتّفاق، ولا بأس بتمييز العسل [عن الشمع] (١) بالشمس، فإِن اشتدّت حرارتها - كما في الحجاز - ففيه احتمال، والظاهر الجواز؛ لأنّ تأثيرها متناسب، بخلاف تأثير النار، وفي العسل المميَّز بالنار، والسكر والفانيذ (٢) وجهان، ولو أُغلي الماء أو الخلّ بالنار فلا بأس.
* * *
١١٩٥ - فصل في تجانس الأدهان والخلول والألبان
إِذا اختلف جنس الحبِّ فدقيقُه مختلف بالاتِّفاق، وفي لحم الحيوان
стр. 996
المختلِفِ الجنسِ قولان، وفي الأدهان والخُلول طريقان:
أحدهما: إِلحاقها باللُّحمان، ويفارق الدقيق، فإِنَّه (١) عين الحبِّ، بخلاف الخُلول والأدهان.
والطريقة الثانية، وهي المَرْضية: أنَّها أجناس؛ لأنَّ أصولها ربويَّة، بخلاف اللحمان، والظاهر أنَّ الألبان كاللحمان، وقَطَع بعضهم بالاختلاف.
وأما السكَّر الأحمر - وهو عكر الأبيض - فالأظهر أنَّه مجانس للأبيض، والأظهر أنَّ السكَّر والفانيذ مختلفان؛ لاختلاف قصبهما.
وفي عصير العنب مع خَلِّه وجهان أجراهما الإِمام في الحصرم مع العنب، والبلح مع التمر والرطب، واختار الاختلاف؛ لاختلافهما في الأسماء والمقصود والأوصاف.
والكُسْبُ (٢) ودهنه جنسان بالاتِّفاق، ولو اعتصر ماء اللحم، وبقي ما لا ينعصر، فالكلُّ جنس واحد، بخلاف الشيرج مع الكسب، فإِنَّا نعلم أنَّ في السمسم دهنًا وثفلًا من أصل خِلقته، واللحم كلُّه في الخلقة شيء واحد.
ويباع الشيرج بالشيرج، ومنعه ابن أبي هريرة من بين سائر الأدهان؛ ظنًّا أنَّه يختلط بالماء والملح، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الماء لا يخالط الأدهان، والملح يبقى في الكسب، ولذلك لا يوجد طَعمهُ في الشيرج.
* * *
стр. 997
١١٩٦ - فصل في المختلِطات الربويّة
إِذا اختلط جنس ربويّ بغيره لم يجز بيعه بمثله، كالسكَّر المختلط باللوز إِذا بيع بمثله، ولا يباع الشَّهْد بالشهد اتِّفاقًا، ويباع السمسم بالسمسم، ولا يباع بالشيرج، كما يباع اللبن باللبن، ولا يباع بما يُتَّخذ منه، وإِذا قلنا بتجانُسِ الألبان فلا يباع لبن البقر بلبن الإِبل مع التفاضل، وبباع سمن البقر بلبن الإِبل؛ إِذ لا سمن في لبن الإِبل.
* * *
١١٩٧ - فصل في بيع الخلول بالخلول
ويباع خلُّ العنب بعضه ببعض، ولا يباع بخلِّ الزبيب؛ لاشتماله على الماء، وعصيرُ الزبيب وخلُّه مجانسٌ لعصير العنب وخلِّه، ولا يباع خلُّ الزبيب بخلِّ الزبيب، ولا خلُّ التمر بخلِّ التمر؛ لاشتمالهما على الماء، وإِن باع خلَّ العنب بخلِّ التمر جاز إِن قلنا باختلافهما؛ إِذ لا ماء في خلِّ العنب، وإِن قلنا بتجانسهما لم يجز؛ لما في خلِّ التمر من الماء، وإِن باع خلَّ التمر بخلِّ الزبيب، فإِن قلنا بتجانسهما لم يجز، وإِن قلنا باختلافهما جاز إِن قلنا: لا ربا في الماء، وإِن جعلناه ربويًّا لم يجز؛ لجهالته واجتماعه مع غيره.
* * *
١١٩٨ - فصل في بيع اللَّبَن بما يتَّخذ منه
ويباع اللَّبنُ باللَّبنِ، ولا يباع بما يُتَّخذ منه كالمَخيض والجبن والسمن، وإذا مُيِّز السمن من المخيض اتُّخذ من المخيض الأَقِط والمصْل، واتَّفقوا على
стр. 998
أنَّ السَّمن والمخيض جنسان؛ لاختلافهما في الاسم والصفة والقصد.
ويُباع الرائب بالرائب، وهو الذي خَثُر بنفسه؛ لتساوي أجزائه في الانعقاد، وكذلك يُباع بالحليب، وقال الإِمام: إن كان موزونًا جاز، وإِن كان مكيلًا ففيه احتمال، ووجهُ الجواز: إِلحاق الرائب بالحنطة الصلبة، والحليب بالرِّخوة.
ويباع السمن بالسمن، والمخيض بالمخيض إِذا لم يكن في المخيض ماء، ولا يباع المخيض بالأقِط، ولا بالمصل، ولا يباع الأقط بالأقط، ولا بالمصل، ولم يفرِّقوا بين أن يُعقد الأقِط بالشمس الحارَّة أو النار.
ولا يُباع جبن بجبن ولا أقِطٍ ولا مخيضٍ ولا مصلٍ، وفي اللّبأ (١) باللِّبأ وجهان؛ لخفَّة أثر النار، وفي الزبد بالزبد وجهان:
أحدهما: الجواز كاللبن باللبن.
والثاني: المنع، كالشَّهْد بالشَّهْد؛ لأنَّ صفات السمن لائحةٌ من الزبد، كما يلوح العسل في الشهد.
* * *
١١٩٩ - فصل في اختلاط المال الربويِّ بما ليس بمقصود
ويُباع الزبد بالمخيض اتِّفاقًا؛ لأنَّ ما فيه من رغوة المخيض لا يُقصد،
стр. 999
بخلاف بيع الدرهم الهَرَويِّ بمثله أو بالذهب أو الورِق؛ لأنَّ ما فيه من الفضَّة مقصود، بخلاف الرغوة، وقد قالوا: إِذا باع حنطة بحنطة وفي المكيالين أو في أحدهما شعير أو تراب، فهو ممنوع إِنْ أثَّر في التماثل، جائز إن لم يؤثِّر.
ولو باع الشعير بحنطة فيها شعير؛ فإِن كان ممَّا لا يُقصد مثله صحَّ البيع سواءٌ أثَّر في المكيال أو لم يؤثِّر؛ فإِن كان متموَّلًا فقد أشاروا إِلى الجواز إِذا لم يكن مقصودًا.
١٢٠٠ - فرع:
الوجه القطعُ بطهارة الإنفحة، وقد أشاروا إِلى مخالفتها للَّبن وما يُتَّخَذ منه، وتشكَّك الإِمام في كونها مطعومة على حيالها حتّى يُعتبر فيها التماثل - كما في الملح بالملح - أو ليست بمطعومة.
* * *
١٢٠١ - فصل في بيع الشاة اللبون باللبن
إِذا باع شاة بلبن شاة؛ فإِن كان في ضرعها لبن يُقدَر على حلبه لم يصحَّ، وإِن لم يكن، أو كان ولكنَّه لا يُقصد حلبه، جاز؛ لأنَّه غير مقصود، فأَشْبَه بيع المخيض بالزبد.
وإِن باع شاةً بشاة، وفي ضرعهما لبن مقصود لم يجز - خلافًا لأبي الطيّب بن سلمة (١)، فإِنّه أجاز ذلك، كالسمسم بالسمسم، ووافق على
стр. 1000
المنع في اللبون باللبن - كما يمتنع بيع الشيرج بالسمسم.
* * *
١٢٠٢ - فصل في قسمة أموال الربا
كلُّ ربويٍّ حَرُمَ بيعُ بعضه ببعض ففي جواز قسمته قولان، مأخذُهما: أنّ القسمة بيع أو إِقرار؛ فإِن جعلناها بيعًا امتنعت إِلّا أن تدعو إِلى ذلك حاجة ماسَّة، كما ذكرناه في الزكاة.
* * *
١٢٠٣ - فصل في بيع دارٍ ذاتِ ماء بمثلها
إِذا باع دارًا فيها بئر بمثلها، وجعلنا الماء ربويًّا فوجهان، أقْيَسُهما المنع، وأظهرُهما الجواز؛ لأنّ الماء غير مقصود، بخلاف خلِّ التمر مع خلِّ الزبيب إِذا قلنا باختلافهما، فإِنّ الماء قد انقلب إِلى صفة الخلِّ، فصار مقصودًا على هذه الصفة.
* * *
١٢٠٤ - فصل في التقابض والنَّساء في أموال الربا
كلّ ما اتَّحدت علَّته في ربا الفضل، فإِنساؤه حرام، وقبضه في المجلس لازمٌ سواءٌ تجانَسَ أو اختلف، فلا يجوز إِسلام الدراهم في الدنانير، ولا التمر في الشعير، ويجوز إِسلام الثوب في الثوبين، والخشبة في الخشبتين؛ إِذ
стр. 1001
لا نظر إِلى اتِّحاد الجنس، وإِنَّما هو محلٌّ للعلَّة على القولين، ومجلسُ القبض كمجلس الخيار من غير فرق، فيصحُّ التقابض ما داما مجتمِعَين؛ فإِن تفرَّقا قبل القبض انفسخ العقد.
* * *
١٢٠٥ - فصل في الردِّ بالعيب في الصرف
إِذا باع النقد بجنسه أو بنقد آخر فله حالان:
إحداهما: أن يتعيَّن (١) العوضان، فإِن تلفا، أو تلف أحدهما قبل القبض، انفسخ العقد، وامتنع الإِبدال، وإِن تقابضا، ثمّ وَجد أحدُهما بما قبضه عيبًا، كرداءة الجنس، أو تشوُّش النقش، تخيَّر، فإِن ردَّه انفسخ العقد، وامتنع الإِبدال، وسواء ردَّه قبل القبض أو بعده، وإِن وجده نحاسًا؛ فإِن كان قد قال: بعتك هذا؛ صَحَّ العقد، وتخيَّر، وإِن قال: بعتك هذه الدراهم؛ ففي الصحَّة وجهان؛ فإِن صحَّحناه تخيَّر.
الحال الثانية: أن يقع العوضان في الذمَّة باعتبار الصفة، فيشترط قبضُهما في المجلس اتِّفاقًا؛ فإِن وجد أحدهما عيبًا تخيَّر، فإِن فسخ قبل التفرُّق فالعقد باقٍ، وله الإِبدال، وإِن فسخ بعد التفرُّق فهل يثبت (٢) الانفساخ، وأن المِلك لم يحصل؟ فيه قولان؛ فإِن قلنا: لا ينفسخ، فله طلب البدل المستحَقِّ له بالعقد، وإِن قلنا بالانفساخ امتنع الإِبدال، وإِن بان بعد
стр. 1002
الافتراق أنّ المقبوض نحاس، فقد بان الانفساخ، فإِن رضي به لم يَجُزْ، كما لو أسلم في جارية، فسُلِّم إِليه غلام، ولو تسلَّم جارية فوجدها على غير الصفة، ففسخ، فهل يجب على المسلَم إِليه استبراء الجارية؟ فيه القولان، وإِن ظهر بعضُ المقبوض نحاسًا انفسخ العقد فيه، وفي الباقي قَوْلَا تفريقِ الصفقة، وإِن ظهر بعضه رديءَ الجنس، فردَّه، ففيه القولان، فإِن قلنا بالانفساخ ففيما بقي قولا التفريق، وإن قلنا: لا ينفسخ، أبدل المعيب، ولا يخرج الباقي على التفريق؛ لأن الصفقة إِنَّما تُفرَّق إِذا اشتملت على صحيح وفاسد، أو مختلِفٍ في الأحكام، أو طرأ الفسخ على بعض العوض في الدوام.
* * *
١٢٠٦ - فصل في الذريعة
لا بأس بذريعةٍ لا تُناقِضُ أصول الشريعة؛ فمَن مَلَكَ ثمانين صحاحًا، فأراد تحصيل مئة مكسَّرة، فاشترى بالثمانين سلعة، أو نقدًا آخر، وألزم البيع، ثمَّ اشترى بها المئة المكسّرة، جاز.
* * *
стр. 1003
١٢٠٧ - باب بيع اللحم باللحم
اللحوم متجانسة أو مختلفة؟ فيه قولان؛ فإِن قلنا بالتجانس ففي البرّي مع البحري وجهان، وإِن قلنا بالاختلاف فالضأن والمَعْز جنس، والإِبل والبقر جنسان متنوِّعان، والوحشيُّ والأهليُّ جنسان يشتمل كلُّ واحد منهما على أجناس، فالأيِّلُ والظباء جنسٌ، وبقر الوحش وظباؤها جنسان، والبرّيُّ مع البحري جنسان، والسُّمُوك جنس، وفيها مع سائر الحيوان المائي وجهان، فإِن قلنا باختلافهما فحيوان الماء أجناس، فغنمه وبقره جنسان، والطيور أجناس؛ فالبطُّ والدجاج جنسان، والعصافير جنس مع اختلاف الجثث والألوان، والحمام جنس متنوِّع إِلى كلِّ ما عَبَّ وهَدَر، كالقُمرِيِّ والدُّبْسيِّ والقَطا والفواخِت واليمام.
* * *
١٢٠٨ - فصل في تجانس أجزاء الحيوان
كلُّ جزءٍ مخصوصٍ باسمٍ غير مضافٍ، ولا يعدُّ لحمًا في الإِطلاق، كالكرش والرئة والكَبِد والمعاء والطِّحال، ففيه طريقان:
أحدهما: أنَّها من جنس اللحم إِن قلنا بتجانس اللحوم، وإِن قلنا بالاختلاف فوجهان، ولا تُعدُّ هذه الطريقة من المذهب عند الإِمام.
стр. 1004
والطريقة المشهورة: أنَّها مختلِفة من الحيوان الواحد إِن قلنا باختلاف اللُّحمان، وإِن قلنا بالتجانس فكلُّ ما حنث به الحالف على الامتناع من أكل اللحم فهو من جنس اللحمان، وفيما لا يحنث بأكله وجهان كالوجهين في اللحم البرّيِّ مع لحوم الحيتان.
وقطعوا بأنَّ الأكارع لحم في الأيمان، وهي من الشاة مجانِسة للحمها، والظاهر عند الإِمام أنّها ليست لحمًا؛ لأنّها أعصاب تحويها الجلود وإِن أُكلت كما يُؤكل اللحم.
ولا يَحْنَثُ بالشحم اتِّفاقًا، وكذلك لا يَحنثُ بالكبد والكرش والرئة والمعى والطحال عند الجمهور، وقيل: فيها قولان.
والقلب لحم عند المراوزة والصيدلانيّ، وكالكبد في طريقة العراق.
والكلية كالقلب عند الإِمام، وسمين اللحم لحم بالاتِّفاق، وكذلك الرؤوس.
والمحقِّقون على أنَّ الألية ليست بلحم ولا شحم، ويُحتمل إِلحاقُها بسمين اللحم.
والعظم الصلب والغُضروفيُّ والمشاشيُّ والمخاخ غير معدودة من اللحمان.
* * *
١٢٠٩ - فصل فيما يُشترط في بيع اللحم باللحم
إِذا حكمنا باختلاف اللحوم جاز التفاضل بشرط الحلول والتقابض؛
стр. 1005
فإِن قلنا بالتجانس أو بيع لحم الشاة بعضِه ببعض؛ فإِن زالت رطوبته بالجفاف، ونُزع عظمه، جاز بيعه إِلا أن يكون فيه ملحٌ يظهر أثره في الميزان، وإِن بِيع وهو رطب لم يجز على المذهب وقولِ الأكثر، وقيل: فيه كالخوخ الرطب وجهان، وإِن بِيع مع العظم فالأكثرون على البطلان، بخلاف نوى التمر؛ فإِنَّ بقاءه يُصلح التمر، وبقاء العظم يفسد اللحم؛ فإِن أخَّرنا بقاء العظم فلا يُشترط تساوي العضوين، بل يجوز بيع الفخذ بالجنب مع تفاوت العظام.
قال الإِمام: لو بِيع عضو نُزع بعضُ لحمِه بعضوٍ لم يُنزع منه شيء؛ فإِن كان المنزوع قليلًا جاز، وإِلا فلا.
* * *
стр. 1006
١٢١٠ - باب بيع اللحم بالحيوان
إِذا باع لحم الشاة بشاة لم يجز بالاتِّفاق، وإِن باعه ببقرة أو بعيرٍ حَرُمَ إِن قلنا بتجانس اللحم، وإِن قلنا بالاختلاف فقولان أقيَسُهما الصحَّة، ووجه المنع: نهيُه ﵇ عن بيع اللحم بالحيوان (١)، وأبعدَ مَن أجرى القولين في بيع العبد بلحم الحيوان؛ لاندراجه في العموم.
* * *
стр. 1007
١٢١١ - باب ثمر الحائط يُباع أصله
إِذا باع شجرًا عليه ثمر؛ فإِن كان بارزًا من أوّل خلقه كالتين، أو بارزًا من كمّه كالطلع وغيره، فهو للبائع إِلّا أن يَشرطه المبتاع، وإِن كان مستترًا كالطلع في كمّه، والورد في زرّه، وكرسف الحجاز في جوزه، فهو للمشتري، وكذلك الثمر الذي تحيط به مراكب الزهر على هيئة الخوخ الصغار، كالمشمش والخوخ.
وفيما استتر بالزهر من غير إِحاطة كالكُمَّثْرى والتفاح وجهان.
وفي إِلحاق القشر الأعلى من الجوز بالكِمَام مذهبان؛ إِذ القشر معدود من الثمر؛ ولذلك يُقطف معه، بخلاف الكمام؛ فإِنها تبقى على الشجر.
* * *
١٢١٢ - فصل في حكم الثمار قبل الإبار وبعده
الإبار: تشقيق الكمام؛ ليذرَّ فيها طلع الفحول، وقد يتأبَّر الثمر بنفسه، ثم تنتشر إِليه رياح الفحول، وإِناث الثمار قبل الإبار للمشتري، وكذلك الفحول على المذهب، ولو أُبِّر بعض ثمر البستان فله حالان:
أحدهما: أن يتَّحِدَ النوع؛ فإِن باع البستان صفقةً واحدة فالجميع
стр. 1008
للبائع، وإِن أفرد غيرَ المأبور بالبيع فلأيِّهما يُحكم به؟ فيه وجهان.
الثانية: أن يختلف نوعه، ويؤبَّر أحد نوعيه؛ فإِن باع الجميع في صفقة واحدة فالمأبور للبائع، وفي غير المأبور وجهان، وإِن أفرد أحد النوعين بالبيع؛ فإِن كان غيرَ مأبور فهو للمشتري، وإِن كان مأبورًا فهو للبائع. والفحول مع الإِناث نوعان.
١٢١٣ - فرع:
إِذا أبَّر بعضَ الشجر، ثمَّ أطْلَع الباقي بعد البيع، فالمأبور للبائع والباقي على ما تقدَّم من اتِّحاد النوع أو اختلاف الأنواع، وقال ابن أبي هريرة: لا إتباع؛ إِذ لا إطْلاع.
١٢١٤ - فرع:
لو أفرد الثمر بالبيع قبل الإبار صحَّ عند المُعْظَم، خلافًا لأبي إسحاق، وذكر في "التقريب" قولين، كبيع الحنطة في السنابل، وهو حسن.
١٢١٥ - فرع:
إِذا ظهرت الأوراق؛ فإِن لم تكن مقصودةً دخلت في البيع بالاتِّفاق، وكذلك المقصودة، خلافًا لأبي إسحاق، ولا خلاف فيما يُعتاد قطعه من أغصان الخِلَاف (١)؛ لأنه جزء من الأشجار.
* * *
стр. 1009
١٢١٦ - فصل فيما يستحقُّه البائع من إبقاء الثمار
إِذا بقي الطلع للبائع فالكمام للمشتري عند أبي محمّد؛ لأنها جزء من الشجر، ولا يُلزم البائع بالقِطاف قبل أوانه، ولا سقيَ على المشتري، وإِنّما عليه التمكين من السقي إِن لم يضرَّ بالشجر، وإِن أضرَّ السقي بالشجر، وأضرَّ تركه بالثمر بإِفسادٍ أو نقصٍ عن الاقتصاد، أو كان السقي مُضِرًّا بالثمر، وتركه مضرًّا بالشجر، فهل يُقدَّم حقُّ البائع، أو المشتري، أو يستويان؟ فيه ثلاثة أوجه؛ فإِن قلنا بالتسوية، فترك أحدُهما حقَّه فذاك، وإِن تشاحَّا فسخ الحاكم العقد، وإِن كان السقي نافعًا للشجر والثمر، والتركُ مضرًّا بالشجر؛ لامتصاص الثمرِ رطوبتَه، فإِن تمكَّن البائع من السقي أُجبر على أحد أمرين من السقي أو قطع الثمر، وإِن تعذَّر السقي فهل يجبر على القطع؟ فيه وجهان ذكرهما العراقيُّون، ويجيء هاهنا وجه التسوية، وهذا الخلاف مخصوص بما يحتاج إِليه من السقي، وأمّا ما لا يحتاج إِليه ويضرّ بالشجر فهو ممنوع.
١٢١٧ - فرع:
لو كان السقي مضرًّا بالشجر دون الثمر، ولو سقى الشجر لعظمت زيادة الثمر، احتُمل منعُ البائع من السقي؛ إِذ لا ضبط للزيادات، واحتُمل تمكينه منه إِذا قلنا برعاية جانبه.
* * *
١٢١٨ - فصل في اختلاط الثمر المبيع بما يحدث من ثمر للبائع
إِذا اشترى الثمر دون الشجر، فلحقه ثمر للبائع، واختلطا بحيث
стр. 1010
لا يتميَّزان، فله حالان:
أحدهما: أن يكون التلاحق نادرًا؛ فإِن وقع الإِبهام قبل التخلية فأقوال:
أحدها: الانفساخ، كما لو باع ذُرةً فسقطت منه في لُجَّة، ويئس منها.
والثاني: لا ينفسخ، وللمشتري الخيار.
والثالث، وهو بعيد: لا انفساخَ ولا خيار؛ فإِنْ أثبتنا الخيار، فترك البائع حقَّه من الثمار، أُجبر المشتري على القبول، وسقط الخيار، كما سنذكره في ترك النقل في الردّ بالعيب. كذا ذكره الأصحاب، وقال الإِمام: في الإِجبار على قبول النقل خلافٌ، وهذه الصورة أولى به؛ فإِن قلنا بالإِجبار سقط الخيار، وإِلّا فلا، وإِن وقع الإِبهام بعد التخلية، فإِن جُعلت الجوائح من ضمان البائع فهو كالإِبهام قبل التخلية، وإِن جعلت من ضمان المشتري فلا انفساخ ولا خيار، كما لو اختلطت الحنطة المبيعة بحنطةٍ للبائع بعد القبض، فلا طريق إِلّا المصالحة، أو التوقُّف، أو المنازعة.
الثانية: أن يكون التلاحق ممّا يقع لا محالة في مدّة بقاء الثمر للمشتري، فإِن شُرط القطع صحَّ البيع؛ فإِن لم يقطع حتّى وقع الإِبهام فحكمه ما سبق حرفًا بحرف، وإِن لم يشرط القطع لم يصحَّ البيع إِلا على قول بعيد أنَّه موقوف، فإِن سمح البائع بحقِّه تبيَّنت الصحَّة، وإِلَّا فلا.
١٢١٩ - فرع:
لو باع الشجر دون الثمر، فلحقه ثمرٌ للمشتري، ووقع الإبهام، فلا فسخ ولا انفساخ؛ إِذ لا تعذُّر في المبيع، وكذلك لو اشترى الشجر، فأثمر وتعيَّب الثمر قبل القبض، فلا خيار بتعيُّب الثمر، وألحقها بعض الأصحاب
стр. 1011
بالمسألة السابقة في الفسخ والانفساخ، وهو ظاهر نَقْل المزنيِّ، والأوَّل هو القياس.
* * *
١٢٢٠ - فصل في التنازع عند الإِبهام
إِذا انثال على الحنطة المَبيعة حنطةٌ للبائع، وتنازعا في المقدار، فالقول قولُ البائع فيما قَبْلَ القبض، وقولُ المشتري فيما بعده؛ نظرًا إلى اليد في الصورتين، وينبغي ألا يُتعرَّض للبيع؛ كيلا يجري التخالف لأجل التنازع في قدر المبيع، وإِن وقع ذلك في الثمار، فإِن كان قبل التخلية فالقول قول البائع، وفيما بعد التخلية وجهان مأخذهما ضمان الحوائج، فمن جعلت من ضمانه فاليد له، وفيه وجه ثالث: أنّ الثمر في أيديهما؛ لتعلُّقه بهما؛ إِذ يجب سقيه على البائع، وينفذ فيه تصرُّف المشتري.
١٢٢١ - فرع:
إِذا وقع الاختلاط بعد القبض، واعترفا بالالتباس، ورضيا بألا يُفسخ العقد، رجع أمرهما إِلى الوقف أو الاصطلاح.
١٢٢٢ - فرع:
إِذا اشترى جزَّةَ قُرْطٍ بشرط القطع، فلم يفِ بالشرط حتى ظهرت الزيادة، فما زاد في جهة الطول فهو للبائع لا يلزمه تسليمه، والحكمُ في ذلك كالحكم في اختلاط الثمار، وأَبعدَ مَن قال: لا انفساخ في هذه الصورة.
* * *
стр. 1012
١٢٢٣ - فصل في دخول البناء والغرس في بيع الأرض
إِذا قال: بعتك الأرض، أو الساحة، أو البقعة، وفيها بناء أو شجر، فظاهر نقل المزنيِّ: أنَّهما يدخلان في البيع، وفي مثله في الرهن: لا يدخلان، ولهم في النصَّين طرق:
أضعفُها: الفرق بقوّة البيع وضعف الرهن.
والثانية: قولان، أصحّهما: أنَّهما لا يدخلان في الصورتين.
والثالثة: الجزم بأنَّهما لا يدخلان، وتأوَّلَ نقلَ المزنيّ، أو يُحمل على الإِخلال [في النقل] (١)، وعلى الأصحِّ لو قال: بعتك الأرض بحقوقها ففي دخول البناء والغراس وجهان أشهرُهما الدخول، وأقيسُهما أنّهما لا يدخلان؛ إِذ الحقوق في العرف عبارة عن المَمَرِّ ومُطَّرَح التراب ومَجرى الماء وأمثالها.
* * *
١٢٢٤ - فصل فيما يدخل في بيع الدار
إِذا قال: بعتك الدار، دخل في البيع كلُّ معدود من أجزاء الدار، ولا يدخل ما ليس بمثْبَتٍ، كالأمتعة والسلاليم المنقولة والرفوف الموضوعة، وفي المفتاح وجهان؛ لأنَّه تابع للأَغْلاق، وهي من جملة الدار، وإِن كان فيها حمَّام لم يدخل على النصِّ، وحمله الربيع على حمَّامات الحجاز؛ لأنها خشب يُنقل ويُحوَّل (٢)، بخلاف الحمَّام المبنيِّ؛ فإِنَّه يدخل؛ لأنَّه من مرافق الدار.
стр. 1013
وإِن كان فيها شجر، وقلنا: لا يدخل في بيع الأرض، ففي شجر الدار أوجه؛ أعدلُها: أنّها تدخل إِلّا أن تبلغ مبلغًا يجوز تسمية الدار لأجلها بستانًا، فلا تدخل.
وأمّا الثوابت: فكلُّ مثبَّت لإِكمال البناء فهو من الدار، كالرفوف المثبَّتة في البناء؛ تتمَّةً للمرافق، والمراقي المبنيَّة بالطُّوب والجِصِّ، وكذلك مراقي الخشب إِذا أُثبتت للتخليد على الأصحِّ، وأمَّا ما أُثبت لئلّا يتحرَّك عند استعماله؛ كالأجاجين (١) المثبَّتة، والرفوف والسلاليم المُسمَّرة، فلا يدخل على الأقيس.
وفي حَجَري الرحا أوجُه؛ أقيسُها: أنَّهما لا يدخلان، والثاني: يدخلان. والثالث: يدخل الأسفل دون الأعلى.
ولو قال: بعتك الطاحونة، دخل الأسفل، وكذلك الأعلى على الأظهر، ولو أُثبتت الأجاجين في مدبغة في الدار؛ فإِن قال: بعتك المدبغة، دخلت الأجاجين، وإِن قال: بعتك الدار، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالدخول من أجاجين الدار، وإِذا قلنا: البناء والغراس لا يدخلان في بيع الأرض، فالخلاف جارٍ فيما أُثبت من السلاليم والحجر الأسفل والأجاجين.
١٢٢٥ - فرع:
إِذا كان في الدار بئر أو معدن عُدَّ كالنفط والقار، فما يحدث منهما بعد الشراء للمشتري، والحاصل عند البيع من المعدن للبائع بالاتّفاق.
стр. 1014
وأمّا الماء، فإِن قلنا بأنه يُملك فالموجود منه للبائع، وإِن عَمَّتِ العادة بالمسامحة فيه، وإِن قلنا: لا يملك؛ فهو للمشتري.
* * *
١٢٢٦ - فصل فيما يدخل في بيع القرية والبستان
إِذا قال: بعتك البستان، أو الباغ (١)، دخل الشجر، وكذلك البناء على قول الأكثر، وألحقه الإِمام بأشجار الدار، وفي عروش الكرم تردُّد لأبي محمد، وقطع الإِمام بالدخول؛ لأنَّها مفهومة في العرف من لفظ البستان والكرم، وإِن باع القرية دخلت الدور والمزارع والأبنية، وفي الشجر قولان، وأولى بالدخول من شجر الدار؛ لأنّها مألوفة في القرى، بخلاف الدور.
* * *
١٢٢٧ - فصل في بيع الأرض المزروعة والمبذورة والدارِ المشحونة
إِذا باع الأرض مع زرعها صحَّ البيع فيهما، وإِن باعها مع بذرها؛ فإِن منعنا بيع الغائب لم يصحَّ بيع البذر، وقيل: يصحُّ تبعًا للأرض، وإِن أجزنا بيع الغائب لم يَبعُد التصحيح عند الإِمام؛ فإِن لم يصحَّح بيع البذر ففي الأرض قولا تفريقِ الصفقة.
وإِن باع الأرض ولم يتعرَّض لزرعها فله حالان:
стр. 1015
إحداهما: أن لا يكون مُخْلِفًا، فلا يدخل بالاتِّفاق، ويصحُّ بيع الأرض على الأصح، وقيل: بتخريجه على بيع المأجور، لكن الفرق أنّ تسليم المزروعة ممكن، بخلاف المأجور.
ولو باع دارًا مشحونة بمتاع للبائع لا يتأتَّى نقله إِلا في مدَّة لها أجرة صحَّ البيعُ على المنقول، والقياسُ: التسوية بينها وبين الأرض المزروعة.
١٢٢٨ - فرع:
إِذا علم المشتري بزرع الأرض وشحنة الدار فلا خيار له، وإِن جهلهما تخيَّر، وشَرْطُ تخيُّره في الدار أن تتعطَّل مدَّة لها أجرة، وقيل: لا خيار في الدار؛ إِذ لا تخلو عن الأمتعة في الغالب، وإِن أجاز البيع في الأرض فهل يستحقّ الأجرة لمدَّة بقاء الزرع؟ فيه وجهان؛ وجه المنع: أنَّه تمكَّن من الفسخ فأشبه الرضى بالعيب.
١٢٢٩ - فرع:
لو باع أرضًا مبذورة من غير تعرُّض للبذر فهو كبيع المزروعة حرفًا بحرف.
١٢٣٠ - فرع:
لو تسلَّم الدار المشحونة، والأرضَ المزروعة أو المبذورة، ففي ثبوت يده ثلاثة أوجه:
المذهب: الثبوت؛ لأنّ الرقبة مسلَّمة إِليه، وإِنّما التعذّر في الانتفاع. والثاني: لا يثبت قبل الفراغ.
стр. 1016
والثالث: يثبت في الأرض دون الدار.
الحال الثانية: أن يكون الزرع ممّا يُخْلِفُ، فإِن لم يظهر منه شيء ففيه من الخلاف ما في البناء والغراس، وقطع أبو محمد بدخوله، وفرَّق بينه وبين الغراس بكمونه وظهور الغراس، وإِن ظهر من الجزة شيء فهو للبائع بالاتّفاق، وفي أصوله الخلافُ.
* * *
١٢٣١ - فصل فيمن اشترى أرضًا فوجد فيها أحجارًا
الأحجار إِن كانت خَلْقيّة دخلت في البيع، وإِن كانت في أساس فهي كالغراس، وإِن كانت مُودَعةً لم تدخل اتِّفاقًا كالكنوز، فإِن جهلها المشتري فللأرض حالان:
أحدهما: أن تكون بيضاء، فلها أحوال:
الأول: ألّا يضرَّ ترك الأحجار ولا نقلُها، فلا خيار له، ويؤخذ البائع بالنقل، وأبعدَ مَن خيَّره بين النقل والإِبقاء.
الثاني: أن يتضرَّر بالبقاء دون النقل، أو يكون في النقل ضرر يزول في مدَّة لا أجرة لمثلها، فيؤخذ البائع بالنقل، ولا خيار له؛ لأنّه قد أزال الضرر، فأشبه ما لو اختلَّ سقف المبيع قبل القبض خللًا يسيرًا يُمْكن تداركُه في مدَّة قريبة من غير استعمالِ عينٍ للبائع جديدةٍ، أو غُصب العبد، فاستردَّه البائع عن قُرْب، أو مَرِض فأزال مرضه بالعلاج على الفور، فلا خيار للمشتري في هذه الصور.
стр. 1017
الثالث: ألّا تتضرَّر رقبة الأرض، ولا يتأتَّى النقل إِلا بتعطيل مدَّة لها أجرة، فيثبت الخيار، فإِن بذل البائع الأجرة لإِسقاط الخيار، ففي سقوطه وجهان:
أحدهما: يسقط، ويُؤخذ البائع بالنقل.
والثاني: لا يسقط، كما لو بذل الأرش لإِسقاط الردّ بعيب قديم، فإِنّه لا يسقط اتّفاقًا.
فإِن أجاز فهل يستحقّ الأجرة لمدة النقل، فيه ثلاثة أوجه؛ في الثالث: تجب لِما بعد القبض دون ما قبله.
فإِن حصلت حفائر أُخذ البائع بطَمِّها اتّفاقًا.
ولو هدم جدار إِنسان لزمه أَرشُ النقصان دون إِعادة البنيان.
والفرق بينهما: أنّ الصفاتِ منقسمة إِلى المثليّ والمتقوّم كالأعيان، فردْم الحفائر مثليّ، فأُخذ به، وإِعادة البناء متقوّم فألزم بأرشه.
ولو أزال لبنةً من جدار، وأمكن الردّ إِلى ما كان من غير تفاوت، فهو كردم الحفائر.
الحالة الثانية: أن يكون في الأرض غرس، فله أحوال:
الأولى: ألّا تتضرَّر بنقل ولا ترك، فحكمُه ما سبق.
الثانية: أن تتضرَّر بالقلع والترك، فيتخيَّر؛ فإِن أجاز أُخذ البائع بالنقل، وفي أرش النقص الأوجُهُ الثلاثة المذكورة في الأجرة، وأولى بالوجوب من الأجرة؛ لأنّه في مقابلة إِجراء المبيع وصفاته، بخلاف الأجرة.
стр. 1018
الثالثة: أن يتضرّر بالترك دون النقل، فيُلزم البائع بالنقل، ولا خيار إِلّا أن تتعطَّل المنافع، فيتخيَّر، فإِن أجاز ففي الأجرة الخلاف.
الرابعة: أن يتضرَّر بالنقل دون الترك، فلا يُمنع البائع من النقل، وله حالان:
أحدهما: أن يترك الأحجار، فيُجبر المشتري على القبول، ويسقط الخيار بالاتّفاق، فإِن قال البائع: تركت الأحجار، ففي اعتبار لفظ الترك وجهان، فإِن اعتبرناه ففي إِفادته الملك قهرًا وجهان، فإِن قلنا بإِفادته الملك فلا رجوع فيه بحال، وإِن قلنا: لا يفيد، لَزِمَ الوفاءُ بالترك بالاتِّفاق، فلا رجوع له إِلا أن يزول سبب الترك، كما لو انقلع الغرس أو قلعه المشتري، وإِن وهبه الحجر فإِن كان بحيث لا تصحُّ هبته مفردة ففي صحَّتها هاهنا وجهان مرتَّبان على لفظ الترك، وأولى بالاعتبار؛ لأنَّها عقد، فإِن اعتبرناها ففي المِلْكِ خلافٌ مرتَّبٌ على الترك، وأولى بالحصول، وإِن وُجدت شروط الهبة فالمذهبُ إِفادتُها للمِلك، وخرَّجها بعضهم على الخلاف؛ لأنّها صَدَرت عن حاملٍ عليها.
الحال الثانية: أن ينقل فيتضرَّر الغرس، فيتخيَّر المشتري، فإِن أجاز ففي الأرش الخلاف، وقطع بعضهم بوجوبه هاهنا؛ لقدرة البائع على دفع الضرر بترك الحجر على وجه يجبر المشتري على القبول.
١٢٣٢ - فرع:
إِذا كان المشتري عالمًا بحقيقة الحال فيما ذكرناه من الصور، فلا أرش له ولا خيار، ولو اشترى أرضًا فغرسها، ثم اطَّلع على دفينِ أحجارٍ يمنع
стр. 1019
العروق من الانتشار، ففي تخيُّره وجهان، ووجه المنع: أنَّه ليس من شرط المبيع أن يصلح لضروب الانتفاع.
* * *
стр. 1020
١٢٣٣ - باب الوقت الذي يحلُّ فيه بيع الثمار وردُّ الجائحة من كثب
إِذا باع الثمرة على الشجر فلها حالان:
إحداهما: أن تكون مُزْهِية، فيجوز بيعها مطلقًا وبشرط القطع وبشرط التبقية، والإِطلاقُ محمول على التبقية إِلى الجذاذ، لأنَّه العرف المعتاد.
ولو باع البناء أو الشجر بشرط القلع صحَّ.
وإِن أطلق استحقَّ المشتري إِبقاءَهما ما بقيا، وليس لذلك حكم الإِعارة، فلو رام البائع القلع وغرم الأرش لم يكن له ذلك، ولا يملك المشتري المغارس على أصحِّ القولين، ولا يجوز له الانتفاع بالمغارس بعد الانقلاع إِلا إِذا ملَّكناه.
الحال الثانية: ألا تكون مُزْهية، فلا يجوز بيعها مطلقًا، ولا بشرط التبقية، وإِنْ شرط قطعها صحَّ بيعها (١)، وإِنَّما امتنع شرطُ إِبقائها؛ لأنَّها متعرِّضة للآفات، أو لامتصاصها ما في شجر البائع من الرطوبات، ولا مبالاة بالامتصاص بعد الزَّهْو؛ لأنَّه نَزْرٌ قليل، وإن باعها قبل الزَّهْوِ مع الشجر صحَّ تبعًا للشجر إِن علَّلنا بالتعرُّض للآفات، أو لاجتماعهما في ملك المشتري إِنْ علَّلنا بامتصاص الرطوبات، وإِن باعها من مالك الشجر فوجهان مأخذهما المعنيان،