الثانية: أن يُشْرِعه إِلى طريق عائم، وهو المسلوك النافذ، فيجوز بشرط ألا يضرَّ الطارقينَ من المشاة والركبان، ولا مخاصمة فيه للآحاد، ولا يقف على إِذن الإِمام، وحدُّه أن يرفعه بحيث لا تصطكُّ به الكنائس (١) على الجِمال سواءٌ كان الطريق واسعًا أو ضيِّقًا، وأبعدَ مَن شرط ألا يُنال رأسُ رمح منصوب مع راكب.
١٦٥٦ - فرع:
إِذا بنى دكَّةً، أو غرس شجرةً بفناء داره، أو بفناء دار غيره؛ فإِن أضرَّ بالطارقين مُنع، وإِن لم يضرَّ فقد منعه أبو محمَّد، وأجازه آخرون، واختاره القاضي، ولابدَّ لهؤلاء من التفرقة في إِشراع الأجنحة بين الطرق الواسعة والضيِّقة.
الثالثة: أن يُشْرِعه إِلى درب خاصٍّ، وهو المنسَدُّ الأسفلِ، فإِن لم يكن من أهل الدرب لم يجز؛ وإِن كان من أهله فطريقان:
إحداهما للعراقيّين: أنَّه كالإِشراع إِلى الشارع العامِّ، ولعلَّهم لم يجعلوا عرصة الدرب مِلْكًا لأربابه، وإِنَّما أثبتوا لهم حقَّ الطروق على الاختصاص.
الطريقة الثانية: وهي المشهورة: أنَّ لمن تسفَّل عن الجناح أن يمنع وينقضَ، وفيمن علا وجهان مأخذُهما أنَّهم: هل يشاركون في جميع
стр. 1332
الدرب أم لا؟ وفيه وجهان.
وأيُّ جادّة صُودفت نافذةً مسلوكةً حُكم بأنَّها شارعٌ عامٌّ يُستحقُّ طروقها، ويجوز إشراع الأجنحة إِليها، وفتحُ الأبواب.
وتصير البقعة شارعًا عامّا بأحد أمرين: إِمَّا تسبيلُ المالك، وإمَّا أن تُحيي البلدة أو القرية، وتُفتحَ أبوابها إِلى صوبٍ واحد نافذ؛ ليتَّخذ مسلكًا بين البساتين والدور؛ لأنَّ وضع الأبنية على هذه الهيئة يقوم مقام تأثير الإحياء في المُحْيىَ، ولا يفتقر ذلك إِلى نطق المُحْيِين.
ويجوز استطراقُ جميع المَوات، فإِن كان الناس يطرقونه جاز إِحياؤه وصرفُه عن الممرِّ بالتحويط وغيره، وقال أبو محمد: لا يجوز ذلك في الجادَّة المِيتاء التي يَطْرُقها الرفاق، وتردَّد في بُنيَّات الطرق (١) التي يعرفها خواصُّ كلِّ بقعة.
وأمَّا الدرب المنسدُّ فيختصُّ بالذين أبوابهم فيه، ولهم سدُّه والمنعُ من دخوله، وإنَّما يجوز دخوله عند فتحه؛ لأنَّه من المباح المستند إِلى قرائن الأحوال.
وقال الأئمَّة: يملكون عرصته، ولهم أن يوسعوا بها دورهم ورباعهم. ولو صار الجميع لواحد، فأدخله في ملكه، وفتح الأبواب إِلى الشارع العامِّ جاز. وجوَّز أبو محمَّد بيعه، ويثبت اختصاصهم بملكه بالطريق الذي يثبت به الشارع العامُّ، غيرَ أنَّها أثبتت على هيئة الاختصاص، فمُلكت كذلك،
стр. 1333
ولو أراد الأسفل أن يُدخل في ملكه ما يحاذيه من الدرب فهل للأعلى المنع؟ فيه وجهان.
* * *
١٦٥٧ - فصل في فتح المنافذ والكُوى والأبواب
يجوز إِحداث الأبواب إِلى الشارع العامِّ، وإِن أحدث بعض أهل الدرب المنسدِّ بابًا؛ فإِن كان أسفلَ مِن دارهِ فللأسفلين المنعُ، وفي الأعلَين وجهان، وإِن كان فوق بابه، ففيمن علا عنه أو حاذاه وجهان، وفيمن سفل طريقان:
إحداهما: لا يمنع.
والثانية: فيه وجهان (١)، كما في الإِشراع.
وقال الإِمام: إِن سَدَّ الباب القديم فلا منع لسافل ولا عالٍ، وإِن لم يسدَّه اتَّجه المنع للأسفل، وفي الأعلى الوجهان، وكذلك يثبت المنع لمن حاذى الباب الحادث، أو حاذى ما بين القديم والحادث.
وأمَّا فتح المنافذ والكُوى من غير إِشراع شيء في الهواء فلا منع منه.
ولو فتح بابًا للضوء دون الطروق فوجهان؛ لأنَّه يشهد بحق الطروق، بخلاف الفتحة العالية.
ولمن بابُ داره في درب منسدٍّ أن يفتح لها بابًا إِلى الشارع، ولو كان بابها إِلى الشارع، لم يفتح إِلى الدرب إِلّا بإِذن أهله (٢)، فإِن أذنوا كان إِعارة
стр. 1334
للممرِّ يرجعون فيها متى شاؤوا، ولا شيء عليهم، بخلاف الإِعارة للبناء.
وإن ملك دارين بينهما جدار، وبابُ كلِّ واحدة إِلى درب منسدٍّ، ففتح بينهما بابًا، فهل لأهل الدربين المنع؟ فيه وجهان؛ أقيسهما: أنَّهم لا يمنعون، وإِن كان باب إحداهما إِلى الشارع، وباب الأخرى إِلى درب منسدٍّ، ففتح بينهما بابًا، فهل لأهل الدرب المنع؟ فيه الوجهان.
* * *
١٦٥٨ - فصل في اشتراك المدَّعِيين فيما صُدِّقَ فيه أحدهما
إِذا ادَّعى اثنان على رجل دارًا، فأقرَّ لأحدهما بنصفها (١)، فلهما أحوال:
الأولى: أن يضيفا الدعوى إِلى جهتين مختلفتين، فيقول أحدهما: النصف لي وهبْتَنِيه، ويقول الآخر: النصف لي بعتنيه، فيقرٌّ لأحدهما، ولا يصدِّقه في الجهة، فلا يشاركه الآخر اتِّفاقًا.
الثانية: أن يضيفا إِلى إِرث يقتضي الإِشراك، فيقولا: ورثناها عن أبينا، فيقرُّ لأحدهما بالنصف، فيشاركه الآخر فيه، وأبعدَ مَن منع المشاركة إِذا أقرَّا بالقبض، وادَّعيا عليه الغصب، ولو صالح المُقَرَّ له على النصف بغير إِذن أخيه، لم يصحَّ في نصيب أخيه، وفي نصيبه قولا تفريقِ الصفقة، وظاهر النصِّ: أنَّ الصلح يصحُّ في الجميع، ولا وجه له وإِن ذهب إِليه طائفة من الأصحاب.
الثالثة: أن يضيفا إِلى جهة متَّحدة، كالهبة والشراء، فإِن ادَّعيا تعاقب
стр. 1335
الشراء فلا مشاركة، وإن ادَّعيا وقوعه معًا ففي المشاركة وجهان، وإِن أطلقا ذكر الشراء رُوجع (١) المقَرُّ له، فإِن ذكر التعاقب فلا شركة، وإن ذكر الاقتران فوجهان.
الرابعة: أن يطلقا الملك، ولا يتعرَّضا للسبب، فهو كالإِضافة إِلى الشراء.
١٦٥٩ - فرع:
إِذا باعا عبدهما بثمن معلوم، فهل ينفرد أحدهما بقبض نصيبه من الثمن؟ وإِن قبض شيئًا من الثمن فهل يشاركه صاحبه؟ فيه وجهان.
* * *
١٦٦٠ - فصل فيمن ادّعى نصف دار، فأقرَّ له بالجميع
إِذا ادَّعى اثنان دارًا على إِنسان، كلُّ واحد يدَّعي النصف، فأقرَّ لأحدهما بالجميع، فإِن كان قد اقتصر على الدعوى بالنصف سُلِّم إِليه الجميع، وإن ادَّعى أنَّ النصف له، والنصفَ الآخرَ لصاحبه، فليس له إِلا النصف، وأمَّا النصفُ الآخر فهل يُترك في يد المقرِّ، أو يحفظه الحاكم حِفْظَ ما لا يتعيَّن مالكُه إِلى أن يتبيَّن أمره، أو يُسلَّم إِلى المدَّعي الآخر؟ فيه ثلاثة أوجه أبعدُها آخرها؛ لأنَّه إِثباتٌ للمِلْك بمجرَّد الدعوى.
وإِن ادَّعى أنَّه لا يملك سوى النصف، ولم يتعرَّض للنصف الآخر؛ فإِن مضى زمن يمكن أن يملك فيه النصف الآخر سُلِّم إِليه الجميع، وإِن لم
стр. 1336
يمكن ففيه الأوجه الثلاثة.
ومن أقرَّ لزيد بعبد في يد عمرو، ثمَّ أكذب نفسه واشترى العبدَ، صحَّ ولزم تسليمه إِلى زيد؛ لاعترافه السابق، بخلاف ما لو ادَّعى في مسألتنا أنَّ النصف له، والنصفَ الآخر لصاحبه، فأقرَّ له بالجميع؛ فإِنَّ الإِقرار له مردودٌ بقوله، فلا حكم له.
* * *
١٦٦١ - فصل في التنارع في الجدران
إِذا تنازع الجاران جدارًا حائلًا بين عرصتيهما، أو بين بيتين من داريهما، أو بين عرصة وبيت؛ فإِن اتَّصل بأحد البناءين اتِّصالَ ترصيف، وبالبناء الآخر اتِّصال مجاورة، فهو في يد صاحب البناء المرصَّف باتِّفاق العلماء، وإنَّما يظهر الترصيف في الزوايا، وإِن اتَّصل بالبناءين اتِّصال مجاورة أو اتِّصال ترصيف فهو في أيديهما.
والترصيف: أن يدخل رصف كلِّ واحد من الجدارين في الآخر من أعلاه إلى أسفله بحيث لا يمكن إِحداثه بعد البناء، وإن ظهر إِحداثه بعد البناء بأن يوجد في جزءين من الجدارين رصفٌ وتداخلٌ بنزع طوبةٍ وإدخال أخرى، فلا عبرة بذلك. هكذا ذكره الأئمَّة.
والمجاورة: التصاق أحد الطرفين بالآخر من غير تداخل.
وإن كان الجدار مبنيًّا على خشبة طرفها في ملك أحدهما فالخشبة مِلْكُه، والجدار في يده. كذا ذكره العراقيُّون، وفيه احتمال، ولا يُرجَّح
стр. 1337
أحدهما بوضع الجذوع؛ لأنَّه زيادة انتفاع، فأشبه ما لو تنازعا دارًا يسكنانها، ولأحدهما فيها متاع؛ ولأنَّ الجذوع توضع بعد إِكمال البناء، بخلاف الترصيف، ولا ترجيح بالأَزَج (١) إِن كان الجدار منتصبًا، والأزج على منتهاه، وإِن كان متقوِّسًا من أصله لأجل الأزج فهو لمالك الأزج.
قال الشافعيّ: ولا أنظر إِلى من إِليه الدواخلُ والخوارج وأنصاف اللَّبِنِ: ومَعَاقد القُمُط.
فالدواخل والخوارج: الكتابة بالجصِّ والآجرِّ، وكذلك التزويقات والطبقات المزيِّنة للجدران.
وأراد بأنصاف اللَّبِن: الأنصافَ المكسَّرة يكون جانبها المكسور إِلى أحدهما، والصحيحُ إِلى الآخر.
والقُمُط: جَمْع قِمَاط، وهو الخيط الذي يُشدُّ به الجصُّ والخشب على السطوح، فقد يكون عقده ممَّا يلي صاحبه.
ولا ترجيح بشيء من ذلك، خلافًا لمالك.
* * *
١٦٦٢ - فصل في وضع الجذوع على الجدار المشترك والمختصّ بالجار
إِذا طلب الجارُ وضع جذوعه على الجدار المشترك، أو على جدارِ يختصُّ به الجارُ، فهل للجار منعه؟ فيه قولان؛ الجديدُ: أنَّ له المنعَ؛ إِذ
стр. 1338
لا يجوز التصرُّف في المشترك بغير رضا الشريك، فإِن أذن في ذلك فهو إِعارة يرجع فيها متى شاء، فإِذا رجع فالأصحُّ أنَّ له قلعَ الجذوع، وعليه أرشُ النقض، كما في الإِعارة للغراس، وقيل: لا حقَّ له إِلا في أجرة المثل لمَا يُستقبل، وإِذا أثمر الغراس لم يكن له قلعُه قبل الجذاذ؛ لأنَّ له أمدًا يُنتظر كالزرع.
١٦٦٣ - فرع:
إِذا انهدم الجدار، فأعاده المالك، لم يجز للمستعير إِعادة الجذوع بغير إِذن إِن أعاده بآلة مستجدَّة، وإِن أعاده بالآلات القديمة فوجهان، إِلّا أن يَمنع صاحب الجدار، فلا يجوز الوضع، ولا غرم على صاحب الجدار، فإِن أجزنا الوضع فوضع، لم يجز النقض إِلا بالأرش، وإِن فرَّعنا على القديم جاز الوضع عند احتياج البناء بشرطين:
أحدهما: ألّا يثقل الجدار بما يؤدِّي إِلى انهدامه.
والثاني: أن تكون الأقطار الثلاثة للواضع، فإِن كانت الأقطار الأربعة للغير امتنع الوضع، وقيل: يجوز.
والمراد بالحاجة: حاجةُ البناء دون الباني، فلو بنى ما لا يحتاج إِليه، جاز الوضع إِذا كان البناء محتاجًا إِليه، وفيه نظر؛ إِذ لا يبعد اعتبار الحاجة إِلى أصل الوضع، كما في ضبَّة الفضة (١).
١٦٦٤ - فرع:
إِذا تنازعا شجرة أو جدارًا بين داريهما، فأقام أحدهما بيِّنة، صارت
стр. 1339
اليد له على المَغْرس والأساس، كما لو تنازعا دارًا لا يسكنانها وفيها متاع لأحدهما.
ولو أقرَّ بجدار أو شجرة، أو قامت بذلك بيِّنة، فهل تكون البيِّنة والإِقرار مُوجِبان لمِلْك المَغْرس والأساس؟ فيه قولان كالقولين في دخولهما في البيع.
* * *
١٦٦٥ - فصل في المهايأة والمنع من الانتفاع بالمشترك
ليس لأحد الشريكين أن يفتح كوَّة في الجدار المشترك، ولا أن يبني عليه، ولا يَتِدُ فيه وتدًا ليعلِّق فيه شيئًا، ولكلِّ واحد منهما الإِسناد إِليه، وإِسناد بعض الأمتعة التي لا يُعتدُّ بمثلها، وكذلك يجوز الاستناد إِلى الجدار المختصِّ بالغير إِلا أن يمنع منه المالك، ففيه تردُّدٌ للأصحاب يُخرَّج عليه تمانع الشركاء من الاستناد إِلى المشترك، ولا يمنع صاحب الجدار مَن في الشارع أن يستظلَّ بجداره.
وليس لأحد الشركاء سُكنى الدار بغير رضا الباقين، فإِن اتَّفقوا على المهايأة جاز، ولا إِجبار عليها على الأصحِّ؛ فإِن تراضوا بها، فاستوفى أحدُهم نوبته، ثمَّ مَنعَ الآخَرَ، جاز، وعليه الأجرة لِمَا استوفاه من حصَّة شريكه، وإِن رأينا الإِجبار على المهايأة وجب تعاقُب النُّوَب أبدًا، ولم يجز الرجوع فيها إِلا برضا الجميع.
١٦٦٦ - فرع:
إِذا لم نجبر على المهايأة، فتمانعَ الشركاء، فالأصحُّ التعطيل إِلى
стр. 1340
التوافق، وأبعدَ مَن قال: تُباع إِذا امتنعوا من المهاياة وأصرُّوا على الطلب، ولم يذكر أحد من الأصحاب الإِجبار على الإِيجار؛ إِذ لا توقيف في أجَل الإِجارة، ولا يجوز التحكُّم به.
* * *
١٦٦٧ - فصل في قسمة الجدار والأساس
إِذا اتَّفق الشريكان على قسمة الجدار في كلِّ العرْض ونصفِ الطول، أو بالعكس، جاز.
وإِن طلب أحدهما القسمة في كلِّ الطول ونصفِ العرض، فلا إِجبار على الأصحِّ؛ لأن القرعة قد تخرج على النصف الذي يلي الجار، فلا ينتفع به، أو لأنَّ حقيقة الإِفراز لا تُمْكن فيه؛ إِذ لا يُتصوَّر وضع الجذوع عليه إِلا معتمِدةً على حصَّة الجار، وفي هذا نظر؛ لاتِّفاقهم على جواز ذلك تراضيًا، وأبعدَ مَن أجبر على القسمة وقال: يتعيَّن لكل واحد النصف الذي يليه بغير قرعة.
وإن طلب أحدهما القسمة في كلِّ العرض ونصف الطول، ففي الإِجبار وجهان مأخذُهما المعنيان؛ إِن نظرنا إِلى خروج القرعة على خلاف الغرض وقع الإِجبار، وإِلا فلا.
ولو انهدم الجدار، وظهر الأساس أُجبر على القسمة في كلِّ العرض ونصف الطول؛ لانتفاءِ المعنيين، وفي عكسه وجهان مأخذُهما المعنيان.
* * *
стр. 1341
١٦٦٨ - فصل في عمارة أحد الشريكين الجدار بجزء منه
إِذا اتَّفق الشريكان على عمارة الجدار بآلاته القديمة، واستويا في العمل والاستئجار عليه، بشرط أن يكون الثلث لأحدهما، والثلثان للآخر، فهذا وعدٌ بالهبة، والجدار بينهما على ما كان، وأبعدَ مَن سوَّغ ذلك وقال: لو باع أحدهما النصف الذي يملكه بثلثي النصف الذي لشريكه صحَّ، وصار الثلثان لأحدهما، والثلث للآخر، وقطع الإِمام بمنع ذلك، وقال: لو باع أحدهما نصفه بنصف شريكه لم يصحَّ؛ إِذ لا فائدة فيه، وكذلك قال: لو باع أحد الشريكين نصف الدار الذي يملكه بالنصف الذي يملكه شريكه، فلا يصحُّ البيع، ولا تثبت شفعة ولا غيرها.
ولو انفرد أحدهما بالعمارة على أن يكون له الثلثان؛ فإِن كان البناء بالآلات القديمة صحَّ؛ لأنَّه جَعَلَ سدسَ الأُسِّ وسدسَ الآلة أجرةً لعمله على الثلث الذي بقي لشريكه، وإن شرط السدسَ بعد البناء لم يصحَّ؛ لأنَّه تعليق في عين، وإن كان البناء بآلات للباني؛ فإِن أشار إِلى الآلات أو وَصَفَها بصفات السلَم، ففيه قولا تفريقِ الصفقة بين المختلِفات في الأحكام؛ لأنَّه باع ثلث الآلات، وضَمَّ إِليها عمله عليها.
كذا ذكره الإِمام، وفيه نظر؛ لأنَّه أخر نفسَه على العمل بالآلات قبل أن يملكها الشريك.
١٦٦٩ - فرع:
إِذا اصطلحا على وجه يصحُّ على أن يحمل أحدُهما على الجدار ما شاء،
стр. 1342
بطل الصلح؛ إِذ الجدار لا يحتمل ذلك، والقدرُ المحتمل مجهول.
* * *
١٦٧٠ - فصل في التنازع في السقف
إِذا تنازع صاحب العُلْوِ وصاحب السُّفل في السقف الحائل بينهما، فإِن أمكن بناؤه بعد سقف العلو (١) فهو في أيديهما، وإن عُلم أنَّه بُني قبل بناء العلو، كالأَزَج الذي لا يمكن إِحداثُه على وسط الجدار، فهو بيد صاحب السفل سواءٌ كان الجدار منتصبًا أو متقوِّسًا.
١٦٧١ - فرع:
إِذا كان السقف بينهما فلصاحب العلو أن يجلس عليه، ويضع عليه الأثقال المعتادة اتِّفاقًا؛ إِذ لو مُنع من ذلك لتعطَّل العلو، بخلاف التصرُّف في الجدار المشترك، وإِن علَّق فيه صاحب السفل شيئًا؛ فإن لم يؤثر فيه على طول الزمان -كالثوب وغيره- فلا منع منه، وإِن أثَّر فثلاثة أوجه:
أحدها، وهو المذهب: أنَّ له ذلك على الاقتصاد والاعتياد.
والثاني: ليس له سوى الاستظلال؛ لأنَّه قدرُ الضرورة في حقِّه.
والثالث: يجوز ما لم ينصب وتدًا في جِرْم السقف.
قال أبو محمّد: إِن منعنا الأسفل من نصب الوتد فالأعلى أولى، وإِن
стр. 1343
أجزناه للأسفل ففي الأعلى وجهان؛ لأنَّ التعليق يفتقر إِلى نصب الوتد، بخلاف انتفاع الأعلى.
* * *
١٦٧٢ - فصل في عمارة المِلْك المشترك
إِذا استرمَّ المِلْكُ المشترك، فاتَّفق الشريكان على عمارته، أو على إِهماله، جاز، وإن طلب أحدهما العمارة ففي إِجبار الآخر قولان، الجديد: أنَّه لا يُجبر، كما لو انفرد بالملك.
فإِذا انهدم العلو والسفل المشتركين، أو كان العلوُ لأحدهما والسفل للآخر، فامتنع الأسفل من العمارة، ففي الإِجبار القولان، فإِن قلنا: لا يُجبر، فللأعلى الانفرادُ ببناء السفل بالآلات القديمة أو بآلة من عنده اتِّفاقًا، فإِذا أعاده فلصاحب السفل أن يسكن ويستظلَّ كما كان، وليس للأعلى أن يغرِّمه، ولا أن يمنعه من ذلك، وأبعد مَن قال: إِنْ بناه بآلة من عنده فله المنع إِلى أن يبذل قيمة الآلة، وإن أراد الأعلى هدمَه لم يكن له ذلك إِن بناه بالآلات القديمة، فإِن هدمه غرم الأرش على المذهب، وإن بناه بآلة من عنده فله هدمه، ولا يمنع الأسفل من السكون إِلى اتِّفاق الهدم.
وإِن قلنا بالقديم، فلا يُجبر إِلا على عمارة لو تُركت لاختلَّ الملك، ولا يُجبر على ما يجلب الزيادة.
فإن غاب أحدهما باع القاضي ما له في العمارة، فإِن لم يجد فله أن يستدين عليه، وأن يأذن للحاضر في الإنفاق بشرط الرجوع، والأَوْلَى أن يُشهِد على ذلك؛ قطعًا للخصام، فإن لم يُشهد، فانكر الغائب، فالقول
стр. 1344
قوله مع يمينه، وإن أنفق الحاضر بغير مراجعة الحاكم ففيه أوجه:
أحدها: يرجع.
والمعظَم على أنَّه لا يرجع.
والأعدلُ أنَّه إِن فُقد الحاكم رجع، وإلا فلا.
وإن بناه الأعلى بآلة من عنده لم يكن له نقضه إِذا بذل الأسفل قيمته بلا خلاف على القديم.
* * *
١٦٧٣ - فصل في بيع حقوق الأملاك
يجوز التعاوض على حقوق الأملاك كمجاري المياه ومَسِيلها، وحقِّ الممَرِّ والبناء على السّطح والأرض، وكلّ حق مقصود يتعلَّق بعين الملك، ولا يتناول جزءًا منها، ومن زعم أنّ المبيع هو الصفحة العليا من الملك فهو غالط، ويجوز ذلك مؤبَّدًا ومؤقَّتًا، وفي انعقاد المؤبَّد بلفظ الإِجارة وجهان.
ويُشترط الإِعلام اللائق بذلك، فيُشترط في البناء على الأرض تعيين الأرض، ومعرفةُ رقعة البناء دون قدْر البنيان، وإن كان على جدار أو سطح شُرط معرفة قدر البنيان، كطول الجدران وعرضها، وأنَّها مرصَّفة أو مطبَّقة، ويُعرف السقف بما يثبته، ولا يُشترط ذكر الوزن، وأبعد من شرطه؟ لمجاوزته العادة في الإِعلام.
وإن شرط أن يبني ما شاء، جاز إِن كان على الأرض، وبطل إِن كان على الجدران.
стр. 1345
١٦٧٤ - فرع:
إِذا كان البناء على السطح، فانهدم السفل، لم ينفسخ العقد بالانهدام بعد التسليم، فإِن أُعيد السفل عاد حقُّ البناء.
ولو انهدمت الدار المأجورة انفسخت الإِجارة، ثم لا تعود بإِعادة البنيان، وعلى مَن أتلف السفل ضمانُ قيمة العلو للحيلولة بأن يقال: كم قيمة حقِّ البناء على هذا المكان؟ فإِذا عاد البناء وجب ردُّ القيمة، ولا تجب أجرة البناء في مدَّة الانهدام، كما لو أتلف دارًا، فإِنَّه لا يضمن قيمة المنفعة بعد الانهدام، ويوضح ذلك أن قيمة حقِّ البناء المؤبَّد بعد العود كقيمته قبل الانهدام.
١٦٧٥ - فرع:
إِذا اختلَّ المِلْكُ الذي يجري فيه الماء، لم يلزم ربَّ الماء المشاركةُ في العمارة؛ إِذ لا حق له في الأعيان، فإِن كان الاختلال بسبب الماء ففيه احتمال، والظاهر أنَّه لا فرق، وليس لربِّ الماء دخول الأرض التي تجري فيها ماؤه إِلا لحاجة، كتنقية الحَماة وسدِّ شقٍّ أو غيرِ ذلك، فيجوز الدخول على ما ذكره الأصحاب.
* * *
١٦٧٦ - فصل في تنازع الأعلى والأسفل في عرصة الدار والخان
إِذا كان سُفْلُ الدار أو الخان لأحدهما، والعلوُ للآخر، فتنازعا في العرصة، فإِن كان مرقى العلو في صدر الخان، فالعرصةُ في أيديهما اتِّفاقًا،
стр. 1346
ويُحتمل ألا يثبت للأعلى إِلا حقُّ الاجتياز، وإِن كان المرقى في الدهليز فالعرصةُ للأسفل، أو لهما؟ فيه وجهان، ولعل الأصحَّ أنَّها للأسفل، وإِن كان المرقى في نصف العرصة فهما شريكان في باب الخان إِلى المرقى، وفيما جاوزه إِلى صدر الخان الوجهان (١).
وإِن ملك أحدُهما بعض العلو، أو بعض السفل، فحصَّته من العرصة على قَدْرِ حقِّه من الملك، وإِن كان المرقى خارج الخان فإِلحاقُه بمرقى الدهليز في غاية البعد، والمرقى في يد الأعلى إِن لم ينتفع به الأسفل، وإِن انتفع به بتصفيف الصُّفْريات وغيرها فلا حقَّ له فيه على الأصحِّ، وإِن كان تحته بيتٌ مسكون فهو في أيديهما، وإِن لم ينتفع به الأسفل إِلا بوضع الجرار والكيزان تحت الدرج فاليد لصاحب العلو على الظاهر، وأُسُّ الدرج في يدِ مَن الدرجُ في يده، كما تقدَّم في أسّ الجدار ومغارس الأشجار.
* * *
١٦٧٧ - فصل في انتشار الأشجار إِلى ملك الجار
إِذا انتشرت أغصان أشجاره أو عروقها إِلى ملك جاره فله منعه، فإِن أمكن ضمُّ الأغصان إِلى الأشجار اكتفى بذلك، وإن لم يمكن إِلا بالقطع قُطعت، والعروق أولى بالقطع؛ لأنَّها انتشرت إِلى الملك، والأغصان إِلى حقِّ الملك، وما نبت على العروق من القضبان فهو لمالك العروق وإِن نبتت في ملك الجار.
стр. 1347
١٦٧٨ - فرع:
إِذا ورث ثلاثة دارًا عن أبيهم، فادَّعى عليهم مدَّع أنَّ أباهم غصبها منه، فصدَّقه أحدهم، وصالح عن الجميع، فصلحُه عن إِخوته كصلح الأجنبيِّ على العين مع الإِنكار، فإِن أبطلناه في نصيب الإِخوة ففي نصيبه قولا تفريقِ الصفقة.
١٦٧٩ - فرع:
إِذا ادَّعى على اثنين دارًا، فصدَّقه أحدهما على النصف، وصالحه عليه، فطلبه الآخر بالشفعة، فله ذلك إِن اختلف سبب الملكين، وإن اتَّحد كالإِرث فلا شفعة له؛ لأنَّ إنكاره تضمَّن تكذيب المدَّعي في جميع الدعوى، وأبعدَ مَن أثبت الشفعة.
* * *
١٦٨٠ - فصل في الصلح على الزرع الأخضر أو على جزء منه شائع
إِذا صالح عن الزرع الأخضر بعدما أقرَّ به فلابدَّ من شرط القطع إِن كانت الأرض لغير المقِرِّ، وإِن كانت للمقِرِّ فوجهان.
وإن أقرَّ بجزء شائع من الزرع، ثمَّ صالح عليه، لم يصحَّ الصلح وإِن شرط القطع؛ إِذ لا يمكن قطعه إِلا بقطع الجميع، ولا يُتصوَّر بيع نصف الزرع الأخضر بشرط القطع إِلّا إِذا كان الزرع والأرض لاثنين، فاصطلحا على أن تكون الأرض لأحدهما والزرعُ للآخر بشرط القطع، ففي الصحَّة
стр. 1348
وجهان؛ إِذ يجب قطع أحد النصفين بالشرط، والآخر لتفريغ المبيع، ومن منع قال: لا يتعيَّن القطع طريقًا في تفريغ الأرض، وقال الإِمام: إِن قلنا بالصحَّة ففي وجوب الوفاء بالتفريغ احتمال.
ولو باع الأرض دون زرعها، وشرط أن يقلع الزرع، ففي وجوب الوفاء بالتفريغ تردُّد للأصحاب.
* * *
стр. 1349
كتاب الحوالة
стр. 1350
كتاب الحوالَة
١٦٨١ - يُشرط في الحوالة: رضى المُحيل، وهو المَدِين، ورضى المحتال، وهو ربُّ الدين، ولا يُشترط رضى المحال عليه، وأبعدَ مَن شَرَطَه، والحوالة: معاوضةٌ، أو استيفاء، أو مركَّبة منهما؟ فيه أوجهٌ أصحُّها التركيب، وعلى قولٍ بعيد: هي ضمانٌ بإِبراء، فكأنَّ المحال عليه ضمن الدَّين على أن يبرأ من دين المحيل، ويبرأ المحيل من دين المحتال .
* * *
١٦٨٢ - فصل فيما تجوز الحوالة به وعليه
ولا تجوز إِلا بدين على دين، وتصحُّ بكلِّ دين متجانس مستقرٍّ لازِم، ولا تجوز بحالٍّ على مؤجَّل، ولا بمؤجَّل على حالٍّ، ولا بصحاح على مكسَّر، ولا بمكسَّر على صحاح، ولا بدراهم على دنانير، ولا بدنانير على دراهم، وأبعدَ مَن أجازها بالمؤجَّل على الحالِّ إِذا غلَّبنا الاستيفاء؛ إِذ يجوز تعجيل المؤجَّل، وقد طرده بعضهم في كلِّ ما يجوز استيفاؤه بالتراضي، وهو بعيد، وذكر أبو محمَّد وجهين في كلِّ ما يتوقَّف استيفاؤه على التراضي.
والضابط: أنَّ كلَّ ما لا يُؤخذ عن الدين إِلا بمعاوضة، فلا تجوز الحوالة به، وما يُستوفى بغير تراضٍ تجوز الحوالة به، وفيما يتوقَّف على
стр. 1351
التراضي وجهان.
وأجازها العراقيون في المثليَّات، وذكروا في المتقوِّمات كالحيوان والعرْضِ في القرض وجهين.
والأصحُّ أنَّها لا تجوز بنجم الكتابة، ولا عليه، وأجازها العراقيُّون به، ومنعوها عليه على المذهب عندهم، وقال الإِمام: إِن أحال بجميع النجوم دفعة واحدة، أو بالنجم الأخير، جاز؛ لأنَّه يعتق ويبقى الدين على المُحال عليه، ولو أُحيل عليه بالنجم الأخير لم يصحَّ، فإِنَّه لو صحَّ عتق وبرئ، ولو برئ سقط دين المحتال.
* * *
١٦٨٣ - فصل في الحوالة على من لا دين عليه
إِذا أحال على مَن لا دين عليه فوجهان مبنيَّان على المعاوضة والاستيفاء، فإِن غلِّب الاستيفاء صحَّت الحوالة، وإِلا فلا، وبناهما الإِمام على الخلاف في الضمان بشرط براءة الأصيل، فإِن صحَّحناها لزمت، وأبعدَ مَن قال بالجواز ما لم يؤدِّ الدَّين إِلى المحتال، فإِن قلنا: يلزم، فللمحال عليه مطالبةُ المحيل بتخليصه قبل أن يغرِّمه المحتال، وقال القفَّال: ليس له ذلك، لكن إِذا غرِّم رجع على المحيل إِن شرط الرجوع، وإِن لم يشرطه فوجهان.
ولو قبض المحتال الدَّين، ثمَّ وهبه منه، ففي رجوعه قولان كالقولين فيما إِذا وهبت الزوجة صداقها من زوجها، ثمِّ طلقها قبل الدخول.
ولو أبرأته؛ فإِن قلنا: لا رجوع إِذا وهبته، فالإِبراء أولى، وإِن قلنا
стр. 1352
بالرجوع في الهبة، ففي الإِبراء قولان أجراهما أبو محمد في إِبراء المحتال، ومنع العراقيُّون الرجوع عند إِبراء المحتال.
* * *
١٦٨٤ - فصل في إفلاس المحال عليه
إِذا أفلس المحال عليه، أو جحد ولا بيِّنة، فلا رجوع على المحيل.
ولو ظنَّ المحتال يساره عند العقد، فبان إِعساره، ففي الفسخ أوجه ثالثها: إِن شرط يساره فسخ، وإِلا فلا، والخلاف في ذلك، وفي ثبوت خيار المجلسِ والشرطِ، مبنيٌّ على تغليب المعاوضة أو الاستيفاء.
١٦٨٥ - فرع:
إِذا أحال بمؤجَّل على مؤجَّل حلَّت الحوالة بموت المحال عليه، ولا تَحلُّ بموت المحيل؛ لبراءته بالحوالة.
* * *
стр. 1353
١٦٨٦ - باب في مسائل تَحرَّى فيها المُزَنيّ معنى قول الشافعيِّ
إِذا أحال المشتري البائعَ بالثمن، ثمَّ ردَّ المبيعَ بعيب، ففي انفساخ الحوالة طريقان:
إحداهما: إِن ردَّ قبل قبض المبيع انفسخت الحوالة، وإِلا فلا.
والثانية، وعليها الجمهور: أنَّ في الانفساخ قولين في الحالين، أصلهما: تغليب المعاوضة أو الاستيفاء، فإِن غلَّبنا المعاوضة لم ينفسخ، كما لو اعتاض عن الثمن، ثمَّ ردَّ المبيع بالعيب، وإن غلَّبنا الاستيفاء انفسخت؛ لأنَّها رفق في الاستيفاء، فإِذا بطل الأصل بطل الرفق التابع، كما لو قبض الصحاح عن المكسَّر، فرُدَّ عليه المبيع بالعيب، فإِنَّه يلزمه ردُّ الصحاح؛ إِذ الصحَّة تابعة، ولو قبض المكسر عن الصحاح، لم يرجع إِلا بالمكسَّر.
١٦٨٧ - فرع:
قال أبو محمد: إِذا أحال بالثمن في مدَّة الخيار جاز على الأصحِّ، فإِن اختار الفسخ بطلت الحوالة اتِّفاقًا؛ لأنَّها إِنَّما صحَّت على تقدير الإِفضاء إِلى اللزوم، والحوالة المتعلقة بالثمن لا تقطع الخيار اتّفاقًا.
* * *
стр. 1354
١٦٨٨ - فصل في التفريع على أنَّ الحوالة لا تنفسخ بالردِّ بالعيب
إِذا قلنا: لا تنفسخ الحوالة بالردِّ، فللبائع مطالبةُ المحال عليه بالدين، فإِن أبرأه طالَبَ المشتري البائعَ بالثمن؛ لأنَّ إِبراءه كاستيفائه، وإِن قبض الدين فللمشتري أن يرجع عليه بالمقبوض، وللبائع أن يبدله بمثله، وإن لم يقبض رجع عليه المشتري على أقيس الوجهين؛ إِذ الحوالة كالاستيفاء، فإِن قلنا: لا يرجع، فله إِلزام البائع بمطالبة المحال عليه، وأبعدَ مَن منع ذلك.
* * *
١٦٨٩ - فصل في التفريع على الانفساخ بالردِّ
إِذا قلنا بالانفساخ، فردَّ المبيع قبل قبض الحوالة، انفسخت الحوالة، وانقلب الدين إِلى المشتري، ولا طلبةَ على البائع، وإِن قبضه البائع بعد الانفساخ لم يقع عنه، ولا عن المشتري، وأبعد من أوقعه عن المشتري.
ولو أحال الزوج زوجته بالصداق، ثم انفسخ النكاح قبل الدخول، فحكمُه حكم الردِّ بالعيب، وفي طلاقها قبل الدخول طريقان:
إِحداهما: أنَّه كالانفساخ قبل الدخول.
والثانية: لا تنفسخ الحوالة قولًا واحدًا؛ لأنَّ الطلاق تصرُّف في الملك، وليس بفسخ، ولذلك يمتنع رجوع الصداق بالزيادة المتَّصلة.
ولو أحال البائع على المشتري بالثمن، ثمَّ ردَّ عليه المبيع بالعيب، فطريقان:
стр. 1355
أصحُّهما: أنَّ الحوالة لا تنفسخ؛ لتعلُّق الحق بغير العاقدين.
والثانية: فيها الطريقان، فإِن قلنا: لا تنفسخ رجع المشتري على البائع إِن كان قد قبض الحوالة، وإِن لم يقبضها فوجهان.
* * *
١٦٩٠ - فصل في الاختلاف
إِذا أمر المدين ربَّ الدين أن يقبض دينًا للمدين على ثالث، ثم اختلفا، فلهما حالان:
الأوَّل: ألا يتَّفقا على جريان لفظ الحوالة؛ بأن يقول الآمِر: قلتُ لك: اقبض ديني من فلان، ونويتُ التوكيل، أو يقول: قلتُ: وكَّلتك في القبض، فيقول المأمور: بل قلتَ: أحلْتُك، أو يقول: قلتَ: اقبضه، ونويتَ الحوالة، فالقول قول الآمر، فإِن كان اختلافهما قبل القبض فليس للمأمور القبض، وهل له مطالبة الآمِر؟ فيه وجهان، وإِن كان اختلافهما بعد القبض، فإِن كان المقبوض تالفًا فلا مطالبة للآمِرِ على المأمور، ولا للمأمور على الآمر؛ لأنَّ الآمر مقرٌّ بالوكالة، والمأمور مقرٌّ بالبراءة بالحوالة، وإِن كان باقيًا؛ فإِن تمكَّن من استيفاء حقِّه ردَّ المقبوض، وطالب بحقِّه، وإِن عسر استيفاء حقِّه فله أخذ المقبوض؛ لأنَّه من جنسه.
ولو انعكس اختلافهما، فادَّعى الآمر الحوالة، والمأمورُ الوكالة، فالقول قول المأمور في نفي الحوالة، فإِن كان ذلك قبل القبض لم يملك القبض؛ لأنَّ جحوده للوكالة يتضمَّن العزل، وإِن قبضه؛ فإِن تلف في يده ففي
стр. 1356
الضمان وجهان، وإِن كان باقيًا بيده؛ فإن عسر عليه استيفاء حقِّه فالوجه أن يتملَّك المقبوض؛ لأنَّه من جنسه، وإِن لم يعسر: فهل يكتفي بما قبض، أو يطالب بحقِّه؟ فيه وجهان، فإِن قلنا: يطلب حقَّه، فالمقبوض موقوف؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يدَّعي أنَّه ملك صاحبه، فإِن قال الآمر: إِن لم تصدِّقني أنَّ المقبوض حقَّك فقد وفَّيتكه الآن، فلا خلاف في هذه الصورة، لكن قد يُحتاج إِلى الإِتيان بصورة القبض، كما ذكرناه فيمن يقبض حقًّا له ممَّا في يده.
الحال الثانية: أن يتَّفقا على جريان لفظ الحوالة، ويقول الآمر: أردتُ به الوكالة، فيقول المأمور: بل أردتَ الحوالة، فظاهر قول المزنيِّ: أنّ القول قول الآمر؛ نظرًا إِلى نيَّته التي لا تُعلم إِلا من جهته، وخرَّج ابن سُريج قولًا: أنَّ القول قول المأمور؛ نظرًا إِلى صريح اللفظ.
وقيل: إِن قال: أحلتك بما لي على فلان، فالقول قول الآمر، وإِن قال: أحلتك بما لَك عليَّ على الذي لي على فلان، فالقول قول المأمور، ومنع الإِمام إِجراء الخلاف في هذه الصورة، وقطع بأنَّ القول قول المأمور.
فإِن صدَّقنا الآمر ففي انقطاع علائق الحوالة وجهان أقيسهما الانقطاع، فإِن قلنا: لا تنقطع، فهي كالحوالة الفاسدة، إِن تسلَّم المأمور المال، ففي براءة المحال عليه وجهان، فإِن قلنا: يبرأ، فللآمر مطالبة المأمور، وإِن قلنا: لا يبرأ، ردَّ المأمور المال على المحال عليه؛ وللآمر مطالبة المحال عليه بالمال، وقال الإِمام: الوجه أن يبرأ المحال عليه؛ لاتِّفاقهما على وقوع القبض بالإِذن.
ولو قال الآمر: أردتُ لفظ الحوالة، وقال المأمور: لم أقبل إِلا الوكالة،
стр. 1357
فقياس قول المزنيِّ: أنّ القول قول المأمور، وقياس ابن سريج أنَّ القول قول الآمر.
١٦٩١ - فروع:
الأوّل: يجوز تعدُّد المحيل واتِّحاد المحتال؛ بأن يحيل زيد عمرًا على بكر، ثم يحيل بكر عمرًا على خالد، ويجوز اتِّحاد المحال عليه وتعدُّد المحتال؛ بأن يحيل زيد عمرًا على بكر، ثم يحيل عمرٌو خالدًا على بكر، ثم يحيل خالدٌ عبدَ الله على جعفر.
الثاني: تجوز الحوالة بأرش الجناية على أرش الجناية إِن كان من النقدين، وإن كان إِبلًا؛ فإِن منعنا الحوالة في المتقوِّمات لم تجز، وإِن أجزناها فوجهان مأخذُهما القولان في الاستيفاء والاعتياض.
الثالث: إِذا ضمن ضمانًا يوجب الرجوع، ثم أحال الضامن المضمون له بالمال فله الرجوع؛ لأنَّ الحوالة كالأداء.
ولو ضمن اثنان عن رجل خمسةً خمسةً، وضمن كلُّ واحد منهما ما على صاحبه، فأحال أحدهما المضمون له بالعشرة، فإِنَّه يرجع بخمسة على صاحبه، وبخمسة على المضمون عنه.
الرابع: إِذا أحال بثمن العبد المبيع، ثم تصادق المتبايعان على حرِّيَّته، عَتَق، ولم تبطل الحوالةُ ما لم يوافقهما المحتال.
الخامس: إِذا ظهر المحال عليه عبدًا لغير المحيل فالحوالة صحيحة، ولا طلب إِلا بعد الإِعتاق، فإِن فسخ المحتال الحوالة جاز؛ فإِن جوَّزنا الفسخ بالإِعسار نفذ فسخه، وإِن منعناه فهاهنا وجهان؛ إِذ لا نهاية للرقِّ،
стр. 1358
وإِن ظهر أنَّه عبد للمحيل فقد قال في "التقريب": إِن كان كَسُوبًا تعلَّق الدَّين بكسبه، وإِن لم يكن كسوبًا تعلَّق بذمَّته.
وقال الإمام: لا تصحّ الحوالة إِلا إِذا جوَّزناها على من لا دين عليه، أو قلنا بأنَّ مَن ملك عبدًا له عليه دينٌ فلا يسقط دينه بالملك الطارئ، ولا وجه لصحَّة الحوالة على غير هذين التقديرين؛ إِذ لا يُتصوَّر أن يثبت للسيِّد على عبده دينٌ يتعلَّق بذمَّته أو كسبه، فإِن جوَّزنا الحوالة على من لا دين عليه تعلَّقت الحوالة بكسبه، وإِن لم يكن كسب فبذمته.
السادس: إِذا أحال على اثنين بعشرة على كلِّ واحد بخمسة، وشرط أن يكفل كلُّ واحد منهما صاحبه، فإِن غلَّبنا المعاوضة جاز، وإِن غلَّبنا الاستيفاء لم يجز.
* * *
стр. 1359
كتاب الضمان
стр. 1360
كتاب الضمان
١٦٩٢ - يُشترط في الضمان: رضى الكفيل، ولا يُشترط رضى الأصيل، وفي المضمون له وجهان، والأكثرون على أنَّه لا يُشترط، فإِن شُرط ففي القبول وجهان، فإِن شُرط فلا بدَّ أن يتَّصل بالضمان كاتِّصال القبول بالإِيجاب في سائر العقود، وإِن شرط الرضى دون القبول جاز أن يتقدَّم على الضمان بطويل الزمان (١)، فإِن تأخَّر عنه فهو كالإِجازة إِن جوَّزنا وقف العقود، وإِن لم يُشرط رضاه ولا قبوله فهل يُشترط أن يعرف الضامنُ المضمونَ له، والمضمونَ عنه؟ فيه أوجه:
أحدهما: يُشترط معرفتهما.
والثاني: لا يُشترط.
والثالث: يُشترط معرفة المضمون له وحدَه، واختاره في "التقريب".
والرابع: يُشترط معرفة المضمون عنه وحدَه.
* * *
١٦٩٣ - فصل في رجوع من أدَّى دين إِنسان بغير ضمان
إِذا أدَّى دَين إِنسان بغير إِذنه برئ، ولا يرجع عليه اتِّفاقًا، وإِن أدَّاه
стр. 1361
بإِذنه؛ فإِن شرط الرجوع رجع اتِّفاقًا، وإِن لم يشرطه رجع على الأصحِّ.
وفي اقتضاء الهبة المطلقة للثواب أقوال، ثالثُها: التفرقةُ بين أن يكون الواهب ممَّن يستثيب مثلُه من المتَّهب أو لا يكون، فرتَّب أبو محمَّد الرجوع بالدين على وجوب الثواب، وجعل الدين أولى بالرجوع، وقال: لا يمتنع تخريج وجه ثالث يُفرَّق فيه بين أن يكون المؤدِّي ممَّن يَسترفِدُ من الآمر أو لا يكون، ولو أوجر إِنسانًا طعامًا في غير المخمصة لم يرجع.
* * *
١٦٩٤ - فصل في إِجبار المضمون له على قبول الدين من الضامن
إِذا لم يُشرط رضا المضمون له، فأدَّى الضامن الدين؛ فإِن ضمن بغير إِذن الأصيل لم يُجبر المضمون له على قبول الدين، بل هو بالخيار، إِن شاء طلب، وإِن شاء ترك، كما لو أدَّى دينَ غيره بغير إِذنه، فإِنَّ ربَّ الدين لا يُجبر على القبول، وإِن ضمن بإِذن الأصيل؛ فإِن أثبتنا الرجوع أُجبر المضمون له على القبول، وإِن لم يثبت الرجوع ففي الإِجبار على القبول وجهان، كالوجهين فيمن أُمر بقضاء الدين من غير ضمان، وقلنا: لا رجوع، والأشهر الإِجبار؛ لوقوع الأداء بإِذن المدين، ولو قال: أدِّ ديني بشرط الرجوع، فلا خلاف في الإِجبار على القبول.
* * *
١٦٩٥ - فصل في رجوع الكفيل على الأصيل
للضمان والأداء أحوال:
стр. 1362
الأول: أن يقعا بغير إِذن الأصيل، فلا رجوع اتِّفاقًا.
الثانية: أن يقعا بإِذنه، فيرجع عليه اتِّفاقًا، سواءٌ شرط الرجوع أو لم يشرط، ويُحتمل إِذا لم يشرط الرجوع أن يُخرَّج على الوجهين فيما إِذا قال للأجنبي: أدِّ ديني، ولم يَشرط الرجوع، وقد رمز إِليه في "التقريب"، ولم يصرِّح به أحد من الأصحاب.
الثالثة: أن يضمن بالإِذن، ويؤدِّي بغير إِذنٍ، فثلاثة أوجه؛ الثالث: إِن أُجبر على الأداء ولم يقدر على مؤامرة الأصيل رجع، وإلا فلا، وهو الذي ذكره العراقيُّون، ومال إِليه في "التقريب"، واختار الإِمام أنَّه يرجع في الحالين.
الرابعة: أن يضمن بغير إِذن، ويؤدِّي بالإِذن، فوجهان رتَّبهما الإِمام على ما إِذا أمر الأجنبيَّ بأداء الدين، ولم يشرط الرجوع، والضامن أولى بألا يرجع.
* * *
١٦٩٦ - فصل في إِشهاد الضامن على الأداء وتقصيره فيه
إِذا أشهد الضامنُ على الأداء عدلَيْن، أو عدلًا وامرأتين، رجع، وفي المستورينِ وجهان، وفي العدل الواحد ليحلف معه وجهان، ولا وجه للمنع؛ إِذ لم يَشرط أحد من الأصحاب إِشهاد من يتَّفق العلماء على قبول شهادته، فإِن أدَّى ولم يُشْهِد (١)؛ فإِن كذبه الأصيل وربُّ الدين فلا رجوع،
стр. 1363
وإِن صدَّقه الأصيل وكذَّبه ربُّ الدين وحلف، فوجهان، وإن كذَّبه الأصيل وصدَّقه المَدِين سقط الدَّين، وفي الرجوع وجهان.
فإِن منعنا الرجوع إِذا ترك الإِشهاد، فادَّعى أنَّه أشهد عدلَيْن وماتا، فإِن صدَّقه الأصيل رجع على الأصحِّ، وإِن كذَّبه فوجهان، وإِن قال: أشهدتُ زيدًا وعَمرًا، فكذَّباه، فهو كترك الإِشهاد على ما دلَّ عليه كلام الأصحاب، وإِن قالا: لا يَبعد أنَّا شهدنا ونسينا؛ ففيه تردُّد، وهو أولى بالمنع ممَّا إِذا ادَّعى موت الشهود.
١٦٩٧ - فرع:
إِذا منعنا الرجوع عند ترك الإِشهاد، فأدَّى الدينَ مرَّةً أخرى، وعلم الأصيل بذلك، فالأصحُّ أنَّه يرجع، وهل يرجع بما غرمه أولًا أو بما غرمه ثانيًا؟ فيه وجهان يظهر أثرهما عند اختلاف صفتهما.
* * *
١٦٩٨ - فصل فيما يرجع به الضامن
إِذا أدَّى مثلَ دين الأصيل رجع به، وإِن أدَّى عنه عوضًا -كالثوب والعرْض- بريء الأصيل، ورجع بقيمة العرض إِن ساوت قيمة الدين، وإن زادت لم يرجع بالزيادة اتِّفاقًا، وإِن نقصت برئ الأصيل من جميع الدين، وهل يرجع الكفيل بجميع الدين أو بقيمة العرض؟ فيه وجهان يتفرَّع عليهما ما إِذا ضمن ذمِّيٌّ عن مسلم دينًا لذمِّيٍّ، فصالحه عنه بخمرٍ، ففي صحَّة الصلح -لتعلُّقه بالمسلِم- وجهان؛ فإِن قلنا: يصحُّ، فللمضمون له أن يطالب الضامن، وإلا فلا.
стр. 1364
فإِن قلنا بالمطالبة، فهل للضامن الرجوع؟ فيه وجهان:
إِن قلنا: يرجع بقيمة العرْض، فلا رجوع هاهنا؛ إِذ لا قيمة للخمر.
وإِن قلنا: يرجع بالدين، رجع هاهنا؛ لتحصيله براءة الأصيل.
١٦٩٩ - فرع:
إِذا أمر أجنبيًا بقضاء دينه، فأدَّى عَرْضًا، برئ المدين، وفي الرجوع أوجهٌ:
أصحُّها: الرجوع كالضامن.
والثالث: إِن قال: أدِّ ديني، رجع، وإن قال: أدِّ الدنانير التي عليَّ، لم يرجع.
١٧٠٠ - فرع:
إِذا ادَّعى على حاضر وغائب أنَّهما اشتريا عبده وقبضاه، ثمَّ ضمن كلُّ واحد منهما ما على الآخر، وأقام بيِّنة بذلك، حُكم عليهما بالثمن، فإِن أدَّاه الحاضر، وأراد الرجوع على الغائب، نُظر: فإِن لم ينكر، بل وكَّل عند الدعوى، أو سكت عن الجواب، فله أن يرجع، وإن صرَّح بالإِنكار، فإن أصرَّ عليه فلا رجوع، وإن اعترف بعد ذلك فلا رجوع على أقيس الوجهين، وإن سكت بعد قيام البيِّنة فلم يقرَّ ولم ينكر، ففيه تردُّدٌ لأبي محمَّد.
١٧٠١ - فرع:
إِذا ضمن الصداق، ودفعه إِلى الزوجة، فارتدَّت قبل الدخول، رجع ما قبضتْه إِلى مِلك الزوج، ولم يكن لها إِبدالُه، فإن رجع الضامن على
стр. 1365
الزوج فله إِبدال ما رجع إِليه؛ لأنَّ ثبوت ملك الزوجة فيه يتضمَّن ملك الزوج له بطريق القرض.
١٧٠٢ - فرع:
إِذا أثبتنا الرجوع قبل الأداء، فضمن عن زيدٍ بشرط أن يضمن له عمرو ما يرجع به، ففي صحَّة الضمان وجهان، فإِن قلنا: لا يصحُّ، فلا شيء على الضامن، وإن قلنا: يصحُّ، ثبت الشرط، فإِن لم يفِ به تخيَّر الضامن في فسخ الضمان، كالبيع إِذا شرط فيه الضمان، وهذا بعيد؛ إِذ الضمان لا يقبل الخيار، ولا نعرف خلافًا أنَّ الضمان بشرط الخيار باطل.
١٧٠٣ - فرع:
إِذا ضمن العبد دين سيِّده بإِذنه، ثمَّ أدَّاه بعد العتق، ففي رجوعه به وجهان، كالوجهين في رجوعه بالأجرة إِذا أعتقه وهو مأجور.
* * *
١٧٠٤ - فصل في رجوع الضامن قبل الأداء ومطالبته بالتخليص
إِذا أراد الضامن الرجوع قبل الأداء، أو عاوض الأصيل عمَّا يرجع به، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وإن أبرأ (١) فوجهان. وقال الإِمام: إِن أثبتنا الرجوع قبل الأداء صحَّ الإِبراء، وإِلا فقولان؛ إِذ وُجد سبب الوجوب، ولم يجب.
стр. 1366
وإِن أدَّى الصحاح عن المكسَّر لم يرجع بالصحاح اتّفاقًا، وإِن أدَّى المكسَّر عن الصحاح لم يرجع إِلا بالمكسَّر، بخلاف الرجوع بعوض القرض الناقص؛ لأنَّ هذا استيفاءٌ وليس بمعاوضة.
ولو طولب الضامن بالدين فله أن يطالِبَ الأصيل بتخليصه، وأبعدَ مَن منع ذلك، وقال الإِمام: إِن أثبتنا الرجوع قبل الأداء فله طلب التخليص، وإِن لم يثبت الرجوع قبل الأداء فالمذهبُ أنَّه يطالِبُ بالتخليص إِن طُولب، وليس له ذلك قبل الطلب.
ولو حبس الضامن، وأثبتنا له الرجوع قبل الأداء، فله أن يطلب حبس الأصيل، وأبعدَ من منع ذلك.
* * *
١٧٠٥ - فصل في ضمان المجهول وما لم يجب
إِذا ضمن مجهولًا لم يجب، ولم يوجد سبب وجوبه؛ فإِن لم يمكن الوصول إِلى معرفته لم يصحَّ، مثل أن يقول: ضمنت لك شيئًا، وكذا لو قال للمدين: ضمنت عنك شيئًا، وإن أمكن التوصُّل إِلى معرفته فقولان:
القديم: أنَّه يصحُّ، ولا يطالب إِلَّا بعد الوجوب، وليس له الفسخ بعد الوجوب، وفيما قبله وجهان، فإِذا قال: ضمنت لك ثمن ما تبيعه من فلان، صحَّ، وإن لم يعيّن المبيع، ويصير بذلك ضامنًا لجميع الأثمان، وإِن قال: إِذا بعتَ من فلان فأنا ضامن للثمن، فإِنَّه يختصُّ بثمن العقد الأوَّل، وأمَّا معرفة المضمون له؛ فإِن شرطناها في الدين الثابت فهاهنا أولى، وإِن لم
стр. 1367
نشرطها، ثَمَّ ففيه هاهنا -لكثرة الغرر- وجهان، ثمَّ تجري الأوجهُ الأربعة، واشتراط المعرفة هاهنا أولى؛ لما فيه من غرر الجهل وعدم الوجوب.
ولو علَّق ضمان الدين الواجب بوقت معلوم، أو بقدوم إِنسان، جاز على هذا القول.
وأمَّا القول الجديد، وبه الفتوى: فيُشترط في معرفة الدين ما يُشترط في معرفة الأثمان، ويصحُّ إِن عرفه الضامن وجهله المضمون عنه، وإن جهله المضمون له، فوجهان مأخوذان من اشتراط قبوله ورضاه، ولو عرفه الأصيل والمضمون له، وجهله الضمين، لم يصحَّ الضمان.
ولو ضمن ما لم يجب بطل إِن لم يوجد سبب وجوبه، وإِن وجد فقولان مشهوران، وذلك مثلُ أن يضمن نفقة الزوجة لمدَّة معلومة ممَّا يُستقبل من الزمان.
ولو ضمن الثمن في مدَّة الخيار صحَّ وجهًا واحدًا، وفيه احتمال لا سيَّما إِن بقينا الملك للبائع، وإِن قال: ضمنتُ من درهم إِلى عشرة، وجُوِّز كونُ الدين درهمًا وكونُه عشرة، ففي ضمان العشرة وجهان.
وفي ضمان الجُعل قبل العمل طريقان:
إِحداهما: المنع.
والثانية: على القولين فيما وُجد سبب وجوبه ولم يجب.
ولا يصحُّ ضمان نجوم الكتابة؛ إِذ لا يلزم بحالٍ، وأبعد من خرَّجها على القولين فيما لم يجب، ووُجد سبب وجوبه، وفي ضمانها على القديم وجهان.
стр. 1368
١٧٠٦ - فرع:
إِذا جوَّزنا للضامن تغريم المضمون عنه قبل أداء الدين، فضمن عن زيد بإذنه على أن يضمن عن زيد بهذا الضمان عمرٌو، ففي صحَّة الضمان بشرط الضمان وجهان، فإِن قلنا: لا يصحُّ فسد الضمان، ولا شيء على الضامن، وإِن قلنا: يصحُّ؛ فإِن وفَّى المضمون عنه وأعطى الضامن فذاك، وإن لم يفِ تخيَّر الضامن بين فسخ الضمان والبقاء عليه، كنظيره في الضمان المشروط في البيع، وهذا بعيد عن وضع الضمان؛ فإِنَّ البيع يقبل الخيار، والضمان لا يقبله، ولا خلاف أنّ شرط الخيار مُفسِد للضمان.
* * *
١٧٠٧ - فصل في ضمان الدرَك ويسمَّى ضمان العهدة
ومقصوده: التزام الثمن إِن ظهر استحقاق المبيع، ويصحُّ على القديم، وفي الجديد أقوال، ثالثها: لا يصحُّ إِلا بعد قبض الثمن، والمذهب: الصحَّة على الإِطلاق، والقولان الآخران مخرَّجان.
وإن ضمن سلامة الثمن عن الزيف ففيه الأقوال، وكذلك ضمان نقصان صنجة الثمن عند ابن سُريج على الأقوال، وإن جوَّزنا ضمان عهدة الاستحقاق، فصرَّح بالضمان إِن فسد البيع بشرط مُفسد، أو بفوات شرط معتبر، أو إِن ردَّ المبيع بالعيب، فوجهان، والفرق: إِمكان التحرُّز من المفسدات، وتعذُّرُه عن الاستحقاق، فإِن جوَّزنا ذلك ففي اندراجه في مطلق ضمان العهدة وجهان، ولو خصَّ الضمان بالاستحقاق اختصَّ به اتِّفاقًا، وكذلك إِن خصَّه بغيره من المفسدات إِن جوَّزنا ذلك، ولا يُعلَّق ضمان
стр. 1369
العهدة بالإِقالة إِن جُعلت بيعًا، وكذلك إِن جُعلت فسخا على الجديد؛ إِذ لا استناد لها إِلى العقد، بخلاف الردّ بالعيب.
١٧٠٨ - فرع:
إِذا استُحِقَّ بعضُ المبيع أُخذ الضامنُ بما يقابل المستحَقَّ، وفي فساد البيع في الباقي قولان، فإِن أفسدناه ففي تعلُّق الضمان به الوجهان في عهدة المفسدات، وإِن لم نبطله، فاختار الفسخ، ففيما يُقابِل المفسوخَ وجهان، كالردِّ بالعيب.
١٧٠٩ - فرع:
إِذا ضمِن نقصَ الصنجة، فادَّعى البائع نقص الثمن، فالقولُ قوله، وليس له مطالبة الضامن إِلا ببيِّنة أو اعتراف. هذا قياس الأصول.
ولو كان الثمن عشرة، فادَّعى المشتري إِقباضها، وقال البائع: إِنَّما قبضتُ تسعة، فالقول قول البائع، وله مطالبةُ المشتري، وليس له أن يطالب الضامن على أقيس الوجهين.
* * *
١٧١٠ - فصل في ضمان الحالِّ مؤجَّلًا والمؤجَّل حالًّا
إِذا ضمن المؤجلَ بما يساويه في الأجل صحَّ، وأيُّهما مات حلَّ ما عليه دون ما على صاحبه، فإِن مات الأصيل، فأراد الكفيل إِلزام ربِّ الدين بقبضه من التركة، أو أن يُبْرِئه من الضمان، فله ذلك على أظهر الوجهين، وإِذا حلَّ المؤجَّل، أو كان أصل الدين حالًا، فضمنه مؤجَّلًا، لم يثبت الأجل اتِّفافًا،
стр. 1370
ويفسد الضمان على أظهر الوجهين، ولو ضمن المؤجَّل حالًّا ففي صحَّة الضمان وجهان.
فإِن قلنا: يصحُّ، ففي ثبوت الأجل (١) وجهان مأخذُهما: أنَّ الشرط الفاسد هل يُفسد الضمان، فإِن أثبتنا الأجل فهل يثبت تبعًا أو مقصودًا؟ فيه وجهان يظهران عند موت الأصيل، فإِن جعلنا الأجل تابعًا حلَّ الدين على الضامن، وإِلا فلا.
١٧١١ - فرع:
إذا ضمن الصَّداق ضمانًا موجبًا للرجوع، ودفعه إلى الزوجة، فارتدت قبل الدخول؛ فإن كانت العين باقية رجعت إلى الزوج، وليس لها إبدالها، فإذا رجع الضامنُ على الزوج، لم يلزمه أن يردَّ عليه تلك العين.
ولو ضمن العبد عن سيِّده دينًا بإذنه، فأدَّاه بعد العتق، ففي رجوعه به على السيد وجهان، كالوجهين في رجوع العبد المأجور بأجرة مثله إذا عتَق في أثناء المدَّة.
١٧١٢ - فرع:
إِذا جوَّزنا ضمان المؤجَّل حالًّا، فأطلق الضمان، ودينُ الأصيل مؤجَّل، فهل يثبت الضمان حالًّا أو مؤجَّلًا؟ فيه وجهان أظهرهما: ثبوت الأجل، وعلى هذا: هل يُشترط أن يعرف تأجُّل الأصل ومقدار الأجل؟ فيه على الجديد وجهان.
* * *