٢١١٣ - فصل فيمن أوصى لزيد وللفقراء
إذا وصَّى لزيد وللفقراء ففيما يستحقُّه زيد طريقان:
إحداهما: ثلاثة أقوال:
أحدها: يستحقُّ النصف.
والثاني: الربع؛ لأنَّ أقلَّ الفقراء ثلاثة، وهو رابعهم.
والثالث: يستحقُّ نصيبَ فقير، وفيه وجهان:
أسدُّهما: أنَّه يجوز أن يُعطى أقلَّ ما يُتَموَّل، كما يجوز في آحاد الفقراء.
وأبعدهما: أن يُنظر إلى من يتَّفق الصرفُ إليه من الفقراء، فيستحقُ الربع مع ثلاثة، والخُمسَ مع أربعة، والسدسَ مع خمسة، وجزءًا من أحدَ عشر مع العشرة، وإن جاز التفاوت بين الفقراء.
والطريقة الثانية، وهي ضعيفة: إن وصف زيدًا بالفقر، فقال: أوصيت لزيدٍ الفقير وللفقراء، ففيه الأقوال، وإن لم يتعرَّض لفقره: فهل يستحقُّ النصفَ أو الربع؟ فيه قولان.
وإن وصَّى لزيد ولقوم لا ينحصرون مع لزوم الصفة، كالعلويَّة والبَكريَّة؛ فإن قلنا: تصحُّ الوصيَّة لهم، فهو كما لو أوصى لزيد وللفقراء، وإن قلنا: لا تصحُّ، ففيما يستحقُّه زيد الطريقان على المذهب، وقيل: تبطل الوصيَّة إذا قلنا: يستحقُّ مثلَ ما يتَّفق صرفُه إلى واحد من الفقراء.
ولو أوصى بالثلث لزيدٍ وللملائكة، فهو كما لو أوصَى له وللبكريَّة، وقلنا بإبطال الوصيَّة للبكريَّة.
стр. 1682
٢١١٤ - فرع:
إذا وصَّى لزيد وللفقراء، وقلنا: يستحق الأقلَّ، فتقليلُ نصيبه وتكثيرُه إلى الوصى، وإن أوصى له وللبكريَّة، وأبطلنا الوصيَّة، فتقليل نصيبه وتكثيرُه إلى الوصيِّ أو إلى الوارث؟ فيه قولان، ولعلَّ الأصحَّ: أنَّه للوارث؛ فإنَّ الحقَّ له إذا بطلت الوصيَّة.
ولو أوصى لزيد ولجبريل، بطلت الوصيَّة في حق جبريل، وصحَّت في حق زيدٍ اتفاقًا؛ إذ لا جهالة في نصيبه.
وإن وصَّى بالثلث لزيد ولشيءٍ من الجمادات - كالريح والدار - فالأصحُّ: أنَّ لزيدٍ نصفَ الثلث، وقيل: يستحق الثلث.
ولو أوصى بالثلث لزيد ولدابَّةِ عمرٍو، كان النصف لزيد.
* * *
٢١١٥ - فصل في الوصيَّة للكافر والقاتل
إذا وصَّى لقاتله صحَّ على أقيس القولين، وفي محلِّ القولين طريقان:
إحداهما: إنْ قَتَلَه بعد الإيصاء ففيه القولان، وإن جرحه، فأوصى، ثمّ مات بالجرح، صحَّ الإيصاء اتِّفاقًا.
الثانية: إنْ جرحه بعد الوصيَّة بطلت، وإن أوصى بعد الجَرْحِ، ثم مات بالجُرْح، ففيه القولان، فإن قلنا: تصحُّ، فلا خيار للوارث، وإن قلنا: لا تصحُّ؛ فإن جعلنا الإجازة تنفيذًا ففي نفوذها بالإجازة وجهان، وإن جعلناها ابتداءَ عطيَّةٍ نفذت.
стр. 1683
"إذا منعنا الوصيَّة للقاتل، فقتلت أمُّ الولد سيِّدَها، عتقت؛ لأنَّها تعتق من رأس المال.
وإن قتل المدبَّر سيِّده فوجهان:
أحدهما: لا يعتق؛ فإنَّ التدبير وصيةٌ.
والثاني: يعتق؛ فإنَّ التدبير تعليق.
وإذا أبطلنا الوصيَّة للوارث، وأجزناها للقاتل، فأوصَى لوارثه، فقتله الموصَى له، صحَّت الوصيَّة له، وكان القتل سببًا لصحَّة الوصيَّة.
وإن وصَّى لحربيٍّ بسلاحٍ كان كبيعه منه، وإن أوصَى له بغير السلاح صحَّ اتِّفاقًا، وقال صاحب "التلخيص": لا يصحُّ؛ لانقطاع الموالاة، وقياسه: ألا تصحَّ هبة الحربيِّ، وقد نُقل عن الشافعيِّ إبطالُ الوصيَّة كما ذكره صاحب "التلخيص".
وتصحُّ الوصيَّة لأهل الذمَّة؛ لأنَّهم في معونتنا ونصرنا، ويلزمنا الذبُّ عنهم، فإذا أعنَّاهم بتعريض نفوسنا للهلاك جازت إعانتُهم بالمال.
والوصيَّة للمرتدِّ كالوصية للحربيِّ، وأولى بالصحَّة؛ لأنَّه في قبضتنا، فإن قلنا: يزول مِلْكُه، احتُمل أن يكون أولى بالبطلان.
* * *
٢١١٦ - فصل في الوصيَّة للعبد
تصحُّ الوصيَّة للعبد اتفاقًا، فإن عتق في حياة الموصي، وقَبِلَ الوصيَّة بعد موته، حصل المِلْكُ له، وإن بقي رقيقًا إلى أنْ قَبِلَ الوصيَّة، حصل
стр. 1684
الملك لسيِّده وقتَ القبول، فإن كان العبد مِلْكًا لوارث الموصي، فأعتقه بعد موت الموصي وقَبْلَ القبول، فقبل؛ فإن قلنا بتبيُّن استناد الملك إلى الموت بطلت الوصيَّة، وإن قلنا: يملك بالقبول، ملكها العتيق بقبوله.
ولو باعه الوارث بعد موت الموصي وقَبْلَ القبول، فقَبِلَ وهو في ملك المشتري؛ فإن قلنا بالوقف أو الإسناد لم يصحَّ القبول، وإن قلنا: يملك بالقبول، صحَّ، وحصل الملك للمشتري، وقد قطع الأصحاب بأنَّ مَن لا تصحُّ الوصية له، فلا تصحُّ لعبده إن بقي رقيقًا إلى وقت القبول.
٢١١٧ - فرع:
هل يُشترط إذنُ السيِّد في قبول العبد الوصيّةَ؛ فيه خلاف، فإن لم نشرطه فلا أثر لردَّ السيّد، ولا لقبوله، وإن شرطناه، فأعرض العبد عن الوصيَّة، أو ردَّها، فقَبِلَها السيِّد، ففي صحَّة قبوله وجهان.
٢١١٨ - فرع:
إذا جرح العبد رجلًا، فأوصَى له المجروح بشيء، صحَّ وإن منعنا الوصيَّة للقاتل؛ لأنَّ فائدة الوصية عائدة على سيِّده، وإذا جوَّزنا الوصيَّة للعبد القاتل، ومنعناها لعبد الوارث وعبد القاتل، فشرطُه أن يبقى على رقِّ ذلك السيّد، فلو عتق في حياة الموصي فقد صار هو الموصَى له؛ لرجوع الفائدة إليه، فإن كان فيه ما يمنع الوصيَّة بطلت، وإلا فالوصيَّة له.
* * *
٢١١٩ - فصل في الوصيَّة للدابَّة
إذا وصَّى لدابَّة إنسان رُوجع، فإن قال: أردتُ تمليكها، بطل اتِّفاقًا،
стр. 1685
وإن قال: أردتُ صرفه في حاجتها؛ من سقْيِها أو علفها، صحَّ، وإنْ أطلق لم يصحَّ.
ولو قال: وقفتُ هذا على المسجد، صحَّ، وصُرف في مصالحه عند الإمام؛ لعموم العرف بمثل ذلك، بخلاف الإضافة إلى الدابّة، وقال أبو عليٍّ: ينبغي أن يُراجَع، فإن قال: أردتُ الصرف في مصالح المسجد، صحَّ، وإن قال: أردت تمليك المسجد، أو: لم يكن لي نيَّة، بطل الوقف.
وإذا صحَّت الوصيَّة للدابَّة فلابدَّ من قبول مالكها، فإن ردَّها بطلت، وأبعدَ مَن قال: لا تقف على قبوله، ولا ترتدُّ بردَّته، وهذا يلزم منه تجويزُ الوقف على عبيد الإنسان ودوابِّه بغير إذنه.
فإن قلنا: تقف على قبوله، فقَبِلَ لم يملك الوصيَّة على الأظهر، وقيل: يملكها، ولا يلزمه صرفها في مصالح الدابَّة، فإن قلنا: لا يملكها، أنفقها الوصيُّ على الدابَّة، ولا يدفعها إلى مالكها، فإن لم يكن وصيّ فهل ينفقه الحاكم عليها؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا ينفقه، سلَّمه إلى المالك لينفقه عليها على حسب الإمكان، وليس له إبدالُه.
وإن وصَّى لعبد إنسان ملكه السيِّد اتِّفاقًا، ولا يلزمه صرفُه إلى العبد.
٢١٢٠ - فرع:
إذا مات إنسان، فدفع آخر إلى وارثه ثوبًا ليكفِّنَه فيه؛ فإن جعلنا كفن التركة ملكًا للوارث فقد جوَّز القفَّال هاهنا إبدال الكفن، وهو أبعدُ من مذهبه في إبدال وصيَّة الدابَّة؛ فإنَّ باذل الكفن لم يملِّكه من أحد، بل بذله ليُدرج فيه الميِّت.
стр. 1686
٢١٢١ - فرع:
إذا أوصى للدابَّة، ومات قبل البيان، رُوجِع وارثُه، فإن قال: نوى تمليك الدابَّة، بطلت الوصيَّة، وإن قال: نوى الصرف في مصالحها، صحَّت الوصيَّة، وإن قال: لا أعلم نيته، حلف على نفي العلم، وبطلت الوصيَّة.
* * *
٢١٢٢ - فصل فيمن تصحُّ وصيَّته
تصحُّ وصيَّة كلِّ مسلم بالغِ عاقلٍ حرٍّ، وفي وصيَّة الصبيِّ المميِّز وتدبيرِه قولان، وقطعوا بصحَّة وصية المحجور عليه بالسَّفَه؛ لصحَّة عبارته.
وإن وصَّى مكاتَبٌ أو قنٌّ؛ فإن ماتا على الرقِّ تبيَّن بطلان وصيَّتهما، وإن عتقا وتموَّلا فوجهان.
وإن أوصى الذمِّيُّ لشخص معيَّن صحَّ كالمُسْلِم، وإن وصَّى بما هو قربةٌ عندنا وعندهم، كعمارة المسجد الأقصى، فرُفع ذلك إلينا، أجزناه من ثُلثه، وأَلحق الشافعيُّ بذلك عمارة قبور الأنبياء، وألحق به أبو محمَّد عمارة قبور مشايخ الدين وعلماء المسلمين، وضبطه الإمام بكلِّ قبر يُتقرَّب بزيارته؛ فإنَّ عمارة نعشه لإدامة زيارته قربةٌ (١).
وإن وصَّى بما هو قربةٌ عندنا دونهم، كعمارة مساجدنا، أُنفذت وصيَّته بشرطها في محلِّها.
وإن وصَّى بما هو قربةٌ عندهم، ومعصيةٌ عندنا، كعمارة البِيعَ والكنائس وبيوت النيران، ورُفعت إلينا، أبطلناها.
стр. 1687
٢١٢٣ - باب الوصيَّة للقرابة
إذا قال: أوصيتُ لقرابتي، أو: لأقاربي، أو: لرحمي، أو: لأرحامي، أو: لذوي قرابتي، أو: لذوي رحمي فيختصُّ (١) ذلك بالبطن الأدنى الذي يُعرف به، ويُنسب إليه، مثل أن يوصي لقرابة رجل من بني شافع، فتختصُّ الوصيَّ ببني شافع دون بني عبد المطَّلب وبني عبد مناف وسائر بطون قريش وإن كان الشافعيُّ مطَّلبيًّا مَنافيًّا قُرشيًّا؛ فإنَّه إنَّما اشتَهر بشافعٍ، ولا ينتهي رهط الرجل إلى الخروج عن الحصر، كما ذكرناه في العلويَّة (٢)، فإن بلغت كثرتُهم مبلغ كثرة العلويَّة فقد اشتملوا على شُعَب، والموصي لقرابته من شعبةٍ من تلك الشُّعب يَشْتهِرُ بها.
وقال الأئمَّة: ما ذكره الشافعيُّ من الحمل على بني شافعٍ مختصٌّ بعهده القريبِ بأرومة شافع وجُرثومته، وقد انتشروا الآن، فلكلِّ منتسِبٍ إلى الأب العالي الشافعي (٣) بطنٌ يخصُّه، وهم فصيلته التي تؤويه.
стр. 1688
٢١٢٤ - فرع:
إذا كان الموصي عجميًّا دخل في اسم قرابته القرابةُ من قِبَلِ الأب، ومن قِبَلِ الأمِّ، وإن كان عربيًّا اختصَّ بقرابة الأب عند الجمهور، وقيل: يعمُّ الجهتين، واختاره الإمام.
٢١٢٥ - فرع:
إذا أطلق الوصيَّة للقرابة، دخل فيها مَن يَرِثُ ومَن لا يرث، فإنْ أبطلنا الوصيَّة للورثة فوجهان:
أقيسُهما: أنَّا نبطل الوصيَّة فيما يخصُّ الوارث.
والثاني: تصحُّ في الجميع، ويستحقُّه من ليس بوارث.
وهل يدخل الأبوان وأولاد الصلب في لفظ القرابة؟ فيه خلاف، فإن قلنا: لا يدخلون، ففي الأجداد والجدَّات والأحفاد خلاف.
٢١٢٦ - فرع:
إذا قال: أوصيت لأقربهم رحمًا بي، فالوصيَّةُ للأقرب بأبيه وأمّه عربيًّا كان أو عجميًّا؛ لأنَّ الرحم يشمل الأبوين، ومقتضى هذا: إذا قال: أوصيت لأرحامي، أو: ذوي رحمي، أن يدخل فيه من يُدلي بالأمِّ.
ولو قال: أوصيت لأقرب قرابتي؛ فإن كان عربيًّا فلا عبرة بجانب الأمّ، ويدخل فيه الأولاد، والأبوان اتِّفاقًا.
وإن وصَّى لأقرب قرابات زيد، فالأقرب مَن قَربت درجتُه من زيد، أو قويت قرابتُه، ولا عبرةَ بإرثهم من زيد، ولا بالذكورة والأنوثة، فيستوي
стр. 1689
أبو زيد وأمُّه، وابنه وابنته، وأَبعدَ مَن قدَّم الابن على الأب.
فإن اجتمعت البطون فلا خلاف أنَّا نقدِّم الأقرب فالأقرب، فنقدِّم الأولاد على الأحفاد، ونقدَّم مَن قرُب من أولاد البنات على مَن بعُد من أولاد البنين، ونقدِّم الأحفاد وإن سفلوا على الإخوة؛ لقوَّة القرابة، ونقدِّم المُدْلي بجهتين على المُدْلي بجهة، فيُقدَّم الأخ للأبوين على الأخ من أحدهما، وتقدَّم الأخت للأبوين على الأخت للأب، ويُسْوَّى بين الأخ للأب والأخ للأمّ، وبين بنت الأخ وابنُ الأخ؛ فإن العبرة بالدرجة والقوَّة، وقُربُ الدرجة مقدَّمٌ على القوَّة، فيُقدَّم ابن الأخ للأب على ابن ابن الأخ للأبوين؛ لاتّحاد الجهة، ويُقدَّم الإخوة ومَن بَعُدَ من بنيهم على الأعمام؛ لأنَّ جهة الأخوَّة مقدَّمةٌ على قرب الدرجة مع بُعْد الجهة، وفي الإخوة للأب أو للأبوين وبنيهما مع الجدّ قولان:
أحدهما: التسوية.
وأظهرهما: تقديم الإخوة وبنيهم؛ لأنَّ مدار هذا البابِ على القرب دون قوَّة العصوبة، بخلاف الولاء.
ويُقدَّم الجدُّ على الإخوة للأمِّ اتِّفاقًا، وهل يُسوَّى بين أبي الأُمِّ والأخ للأمِّ، أو يُقدَّم الأخ للأمِّ؟ فيه قولان.
وإن اجتمع إخوةٌ متفرِّقون، أو أخواتٌ متفرِّقات، فالوصيَّةُ لمن يُدْلي بالأبوين بالسويَّة بين المذكور والإناث.
وإن اجتمع بنو إخوةٍ متفرِّقين وبنو أخوات متفرّقات، فالوصيَّة لبني الإخوة وبنات الأخوات للأبوين بالسويَّة.
стр. 1690
ويُسوَّى بين الأعمام والعمَّات، وتجب التسوية بين الأعمام والأخوال.
٢١٢٧ - فرع:
إذا وصَّى لأقرب الناس به رحمًا، فكان الأقربُ وارثًا، وأبطلنا الوصيَّة للوارث، لم تُصرف الوصيَّة إلى مَن هو أبعدُ منه.
٢١٢٨ - فرع:
إذا وصَّى للأقربين، وذكر لفظًا يقتضي الجمع، وكان له ثلاثةٌ من البنين، وثلاثة من الحفدة، فالوصيَّة للبنين.
وإن كان له ابنٌ وحفيدان، فثلث الوصيَّة للابن، والباقي للحفيدين.
والضابط: أنَّا نصرف إلى الأقرب إذا وجدنا ثلاثةً منهم، فإنْ لم نجد الثلاثة صُرف إلى الموجود ما يخصُّه لو كانوا ثلاثة.
وإن وصَّى لذي قرابة فلان، وله قريبٌ واحد، فجميعُ الوصيَّة له اتفاقًا.
وإن قال: لأقارب فلان، أو: لذوي قرابته، أو: للأقربين، وله قريب واحد، فجميع الوصيَّة له؛ فإنَّ لفظ الجمع قد يُذكَر لبيان الجهة، وقيل: يُصرف إليه ثلث الوصيَّة.
* * *
٢١٢٩ - فصل في ألفاظ الوصايا
إذا وصَّى لآل رسول الله ﷺ ، فهم بنو هاشم وبنو المطَّلب الذين (١) تَحْرمُ عليهم الزكاة.
стр. 1691
وإن وصَّى لآل زيد، فوجهان يجريان في كلِّ لفظٍ مجمَلٍ متردِّدٍ بين احتمالات يَعْسُرُ جمعُها والتحكُّمُ بتعيين بعضها:
أحدهما: تبطل؛ لتردُّدها بين أهله، وأهل دِينه، وأصحاب الموالاة.
والثاني: تصحُّ. وهل يُجعل الآل كالقرابة؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يُجعلون كالقرابة، رُجع إلى الموصِي، فإن لم يكن فإلى الحاكم؛ ليتَّبع في ذلك رأيه في اجتهاده، ويرعَى الأصلحَ في جهات الاحتمالات، واستبعد الإمام الرجوعَ إلى الوصيِّ، وقال: هل يُرجع إلى الحاكم مع وجود الوصيِّ؟ فيه وجهان.
وإن وصَّى لأهل بيت زيدٍ، فأهلُه آله أو زوجته؟ فيه وجهان.
وإن وصَّى لأهله فالوصيَّة لزوجته، أو لمن يلزمه نفقته؟ فيه وجهان.
وإن وصَّى لأهل فلانةَ؛ فإن حملنا الأهل على الزوجة بطلت الوصيَّة هاهنا، وإن حملناها على مَن تجب نفقتُه، فهي هاهنا لمن تلزمُ المرأةَ نفقتُه.
وإن وصَّى لأَخْتان زيدٍ، فالوصيَّة لأزواج بناتِ زيدٍ، ولا تتعدَّى إلى أزواج العمَّات والخالات وسائرِ المحارم اتِّفاقًا، وفي أزواج إناث الأحفاد خلافٌ مأخذُه الخلافُ في دخولهم تحت لفظ الأولاد.
٢١٣٠ - فرع:
إذا طلَّق الختَن بنت زيد بعد الوصيَّة، فلا أثر لطلاقه إن كان رجعيًّا، وإن كان بائنًا، فمات الموصي وهي خليَّة، فلا وصيَّة لمن كان ختنًا عند الإيصاء، ويُحتمل تخريجه على الخلاف فيمن أقرَّ لوارث، فخرج عن الإرث، وإن كانت خاليةً عند الإيصاء ناكحة عند الموت فالوصيَّةُ لزوجها،
стр. 1692
وإن كانت ناكحةً عند الموت عزبةً عند القبول، أو بالعكس؛ فإن قلنا: تُملك الوصيَّةُ بالموت، أو قلنا بالوقف، فالوصيَّة للزوج، وإن قلنا: تُملك بالقبول، فقَبِلَها الزوجُ، ففي استحقاقه الوصيَّةَ خلافٌ.
وإن وصَّى لأصهار فلان، أو لأحمائه، فالوصيَّةُ لأبي زوجته وأمِّها، وفي أجدادها وجدَّاتها خلاف.
فإن كان لزيدِ زوجاتٌ، فالوصيَّة لآبائهنَّ وأمَّهاتهنّ لا غير، فلا يدخل فيها أبو امرأة أبيه، ولا أبو امرأة ابنه.
وإن وصَّى لأمَّهات فلانٍ، فالوصيّةُ للجدَّات من قِبَلِ الأمِّ، ولا حقَّ فيها للجدَّات من قِبَلِ الأب على الأظهر.
وإن وصَّى لآبائه دخل فيه الأجداد من قِبَلِ الأب، وفي الأجداد من قِبَلِ الأُمِّ خلافٌ.
وإن وصَّى لأجداده أو جدَّاته دخل فيه الأجداد والجدَّات من الجهتين اتِّفاقًا وإن كنَّ ساقطاتٍ غيرَ وارثات.
وإن وصَّى لبني فلان؛ فإن كانوا محصورين اختصَّ بالذكور، وأَبعدَ مَن أدرج فيه البنات، وإن كانوا قبيلةً - كبني شافع - دخل فيه الإناثُ اتِّفاقًا، فتصحُّ الوصيَّة إنْ أَمْكَنَ حصرُهم، وإن لم يُمْكِنْ فقولان.
وإن وصَّى لأولاد زيدٍ دخل فيه المذكور والإناث، وفي الأحفاد خلافٌ، وظاهر النصِّ: أنَّهم لا يدخلون، فإن قلنا بالنصِّ، فقال: أوصيتُ لأولاد فلان، ولا أولادَ له، وله أحفادٌ، ففي استحقاقهم الوصيَّةَ وجهان، فإن قلنا: يدخلون، دخل فيه أولادُ البنين، وفي أولاد البنات وجهان.
стр. 1693
وإن وصَّى لإخوة فلان؛ فإن كانوا ذكورًا فالوصيَّةُ لهم، وإن كنَّ إناثًا فلا شيء لهنَّ، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فلا شيء للإناث على النصِّ.
وإن وصَّى لمولاه، وله عتيقٌ أو مُعْتِقٌ، فالوصيَّةُ له، ولا يدخل فيه مولى المحالفة، فإن كان له عتقاءُ فالوصيَّةُ لكلِّ مَن ثبت ولاؤه عليه؛ فرضًا كان عتقُه أو تطوُّعًا، وفي أمّ الولد والمدبَّر خلاف، وإن كان له عتيقٌ ومُعْتِقٌ فهل يُقسم بينهما، أو يُوقف حتَّى يصطلحا؟ فيه قولان، وقال أبو ثور (١): يُقرع بينهما، وقال أبو حنيفة: تبطل الوصيَّة.
وإن وصَّى لجيرانه فقد حدَّ العراقيُّون الجوار بأربعين دارًا من كلِّ جانب، والظاهر من مذهب الشافعيِّ: أنَّ الجار هو الملاصِقُ من جميع الجوانب، وفيمَن لا يلاصِقون ويجمعُهم دربٌ غيرُ نافذ وجهان، وفيمن يحاذي في السكَّة النافذة وجهان؛ فإن قلنا: يَستحقُّ، لم نَشْرط حقيقةَ المحاذاة، فإن انحرف قليلًا فلا بأس، وضبطه الإمام بأن تكون دارُه من دار الموصي بحيث يُتَوقَّع منها ضررُ الاطِّلاع، وهذا ينبِّه على التفرقة بين الطريق الضيِّق والمتَّسع، فلا يكون المحاذي جارًا عند اتِّساع الطريق، فحصل من الخلاف ثلاثةُ أوجه.
وإن وصَّى لصنفٍ من أصناف الزكاة، صُرف إليهم على ما سنصِفُهم
стр. 1694
في قسْم الصدقات.
وإن وصَّى للفقراء والمساكين، وجب صرفُه إلى الصنفين، وإن وصَّى للفقراء جاز صرفه إلى المساكين، وكذلك عكسُه اتِّفاقًا في الصورتين.
وإن وصَّى للأرامل فالوصيَّةُ للبائنات عن أزواجهنَّ بموتِ أو غيرِه، فتصحُّ الوصيَّة لهنَّ وإن لم ينحصِرْنَ؛ حملًا على أقلِّ الجمع؛ لأن صفتهنَّ غيرُ لازمة، وفي اشتراط فقرهنَّ وجهان يجريان في كلِّ صفة تُشعر بضعفٍ في النفس، أو انقطاعِ كافلٍ، كاليتامى والأيامى والزَّمْنَى والأرامل والعميان، وظاهر النصِّ: الاشتراط، ولا يُشترط في الشيوخ والصبيان اتفاقًا.
وإن وصَّى للأيامى فالوصيَّة للأرامل وإن لم يتزوَّجن قط، بخلاف الأرامل، ولا فرق بين الثيِّب والأبكار.
وإن وصَّى لكلِّ ثيِّبٍ من بني بكر، اخْتَصَّتِ الوصيَّةُ بالنساء، وقيل: يدخل فيها مَن جامع من الرجال، وإن قال: لكل بكرٍ من بني فلان، اختصَّ بالنساء على الأصحِّ.
وإن وصَّى للأطفال أو الغلمان أو الصبيان، فالوصيَّةُ لمن لم يبلغ، والذراري كالصبيان على الأصحِّ، وقيل: لا يُشترط فيهم الصغَر، بل هم النسلُ كيف كانوا، ويندرج في لفظ الذرِّيَّة الأحفاد وإن لم ندرجهم في لفظ الأولاد.
وإن وصَّى للكهول أو الشيوخ أو الفتيان، رُجع (١) إلى ما يُفهَم من
стр. 1695
ذلك عُرفًا في الجبلات (١) المختلفة على ما ذكره الأصحاب.
وقال أبو يوسف: البالغ فتىً إلى ثلاثين، ثم كهلًا إلى خمسين، ثم شيخًا إلى آخر عمره.
وقال محمد: يكون فتىً وشابًّا إلى أربعين، ثم كهلًا إلى الخمسين، ثم شيخًا إلى آخر عمره.
وإن وصَّى لأيتام بني فلان، سُوِّيَ بين المذكور والإناث ممَّن لم يبلغ، فلا، يُتْمَ بعد البلوغ اتِّفاقًا.
وهذه الأصنافُ إنْ أَمْكَنَ حصرُها صحَّ الإيصاء لها، وإن بَعُدَ إمكانُ الحصر فقولان.
وإن وصَّى لعقب زيد، فالوصيَّةُ للذكور والإناث من الأولاد والأحفاد وإن سفلوا، وأَبعد مَن قال: يُقدَّم الأقرب فالأقرب من الأولاد والأحفاد، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ العقب يتناول الجميع، فإن مات الموصي في حياة زيد بطلت الوصيَّةُ عند الجمهور؛ فإنَّ الحيَّ لا يعقبه أحد، وقال الإمام: لا تبطل؛ فإنَّ الأولاد يُسمَّون عقبًا في حياة أبيهم، ثم يُحتمل أن تُوقَف الوصيَّة إلى أن يموت زيد، فيتبيَّن مَن يعقبه.
وإن وصَّى لورثة زيد، فالوصيَّةُ لكلِّ مَن يرثه بنسبٍ أو سببٍ من المذكور والإناث، ويُسوَّى بينهم وإن تفاوتوا في الميراث، فإن مات الموصي في حياة زيد، بطلت الوصيَّة عند الأصحاب، ويُحتمل أن تُوقف إلى أن
стр. 1696
يموت، فيتبيَّن مَن يرثه، فإن لم يترك زيدٌ وارثًا خاصًّا بطلت الوصيَّةُ، ولا يُقال: إنَّه أوصى للمسلمين، وإن خلَّف بنتًا واحدةً فهل تستحقُّ الوصيَّةَ أو نصفَها؟ فيه وجهان، فإن قلنا: تستحقُّ الجميع، استحقَّته وإن لم نقل بالردِّ.
وإن وصَّى لعصبة زيد، ثم مات في حياة زيد، فالوصيَّة لعصباته في حياته، وأَوْلاهم بالوصيَّة أَوْلاهم بالعصوبة على ما قاله الأصحاب؛ لأنَّ العصوبة تثبت للأقربين.
وإن وصَّى لعشيرة فلان فهم قرابتُه، وإن وصَّى لعترته فوجهان:
أحدهما: أنَّهم ذريَّته. قاله ثعلب وابنُ الأعرابيّ.
والثاني: عشيرته. قاله القُتَيبيُّ.
* * *
стр. 1697
٢١٣١ - باب ما يكون رجوعًا في الوصيَّة
التبرُّعات ضربان:
أحدهما: ما يتنجَّز في الحياة، كالصدقات والهبات المقبوضات، ومحاباة البيع والشراء والعتق والإبراء، فإن وقعت في الصحَّة فلا رجوع فيها؛ لأنَّها من رأس المال، وإن وقعت في مرض الموت حُسبت من الثلث، ولا رجوع للمتبرِّع في شيء منها، فإن علَّق العتق في الصحَّة، فوُجدت الصفة في مرض الموت، فالعبرةُ بوقت التعليق، أو بوقتِ وجود الصفة؟ فيه خلافٌ، وإذا وقع التبرُّع في مرض الموت، فلِلمتبرَّع عليه أن يتصرَّف فيه تصرُّفَ مِثْلِه كما يتصرَّف في تبرُّع الصحَّة، وإن كنَّا قد نتبيَّن انتقاض التصرُّفات فيما زاد على الثلث، أو في الجميع إن ظهر دَينٌ مستغرِقٌ.
الثاني: ما يُضاف إلى ما بعد الموت بإيصاء في الصحَّة، أو في مرض الموت، فيُحسب من الثلث، ويجوز للمتبرِّع الرجوعُ فيه، وفي الرجوع في التدبير بمجرَّد اللفظ من غير تصرُّفٍ قولان.
* * *
٢١٣٢ - فصل في بيان ما يكون رجوعًا في الوصيَّة
يصحُّ الرجوع في الوصايا بالصريح، وبما يتضمَّن الرجوع؛ فالصريحُ
стр. 1698
كقوله: فسختُ هذه الوصيَّة، أو: رفعتُها، أو: أبطلْتُها، أو: قطعتها، ونحوِ ذلك، فإن قال: حرَّمت هذه العين على فلانٍ، فظاهرُ المذهب: أنَّه رجوع.
ولو قيل له: أوصيتَ لفلان؟ فقال: لا أدري، لم يكن رجوعًا، وإن قال: ما أوصيتُ، كان رجوعًا على النصِّ وقولِ الأصحاب، وفيه احتمال؛ فإنَّه قد ينكر ناسيًا للإيصاء، وليس الإخبار إنشاءً.
وأمَّا ما يتضمَّن الرجوع فضربان:
أحدهما: التصرُّف القوليُّ المتضمِّن لقطع المِلْكِ؛ كالعتق والبيع اللازم، فإنَّه ينفذ متضمِّنًا للرجوع.
الثاني: ما لا يلزم، ويُشعر بقَصْدِ الرجوع، فيتضمَّن الرجوع، كما لو وكَّل في بيع العين الموصَى بها، أو عرضها على البيع، ولم يبعها، وفي الرهن وجهان، ولا فرق عند الإمام بين أن يُقبِضَ الرهن أو لا يُقبِضه، وإن وهب ولم يُقبِض كان رجوعًا، وفيه وجه لا يُعتدُّ به؛ [وإذا رأينا العرض على البيع رجوعًا] (١) فإن البيع بشرط الخيار رجوعٌ وإن فُسخ.
ومهما وقع من الموصي أمارةٌ ظاهرة في الرجوع ارتفعت الوصيَّة؛ فإنَّ الوصيَّة ضعيفةٌ لم يوجد فيها سوى الإيجاب، ولو تخلَّل بين الإيجاب والقبول في سائر العقود قاطعٌ لانقطع الإيجاب عن القبول.
ولا يصحُّ الرجوع في الهبة بالمخايل والعلامات؛ لأنَّ فسخَها تملُّكٌ
стр. 1699
جديد، ورفعٌ لملكٍ مستقرٍّ، ولو عرض البائع المبيع على البيع في مدَّة الخيار، لم يكن فسخًا عند الإمام؛ لأنَّ البيع قد تمَّ بالإيجاب والقبول، ولو عرض الموصَى به على البيع، ثمّ قال: نسيت الإيصاء، فالظاهر: انقطاعُ الوصيّة ظاهرًا وباطنًا، وفيه احتمال.
* * *
٢١٣٣ - فصل فيمن أوصى لرجل بعين ثم أوصى بها لآخر
إذا وصَّى لزيد بعبد، ثم وصَّى به لعمرو؛ فإن لم يتعرَّض للوصيّة الأولى، كان العبدُ بينهما نصفين اتفاقًا؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما تصرُّفٌ بتمامه، فازدحما على قسمته، فإن ردَّ الثاني الوصيّة كان العبد بكماله للأوَّل، وكذلك حكمُ كلِّ وصيّة تقتضيها الزحمة؛ لأنَّ الازدحام أصلٌ في الوصايا، فصار قانونًا يُرجع إليه، وهذه حسيكةٌ في باب الرجوع؛ لأنَّ الوصيّة الثانية دليلٌ ظاهر على الرجوع عن الأولى، فهي أَوْلَى برفعها من المعاملات الضعيفة.
وإن ذَكَر في الوصيَّة الثانية لفظًا يدلُّ على الرجوع، مثل أن قال: العبد الذي أوصيت به لزيد قد وصَّيت به لعمرو، أو: جعلتُه لعمرو، أو: هو لعمرو، كان ذلك رجوعًا.
٢١٣٤ - فرع:
قال الأئمَّة: إذا وصَّى بعبد، ثم دبَّره ولم يتعرَّض للوصية الأولى، كان التدبير رجوعًا عنها؛ فإنَّ المقصود منه مخالفٌ لمقصود الوصيَّة، فظهر أنّه أراد به الرجوع، ولأنَّ وقوع العتق في المدبَّر يتقدَّم على قبول الوصيَّة.
стр. 1700
وقال صاحب "التقريب": إن جعلنا التدبير وصيّةً، ففي كونه رجوعًا وجهان، وهو وجهٌ منقاس مخالفٌ لِمَا ذكره الأئمّة.
ولو دبَّر عبدًا، ثم أوصى به؛ فإن جعلنا التدبير وصيَّةً كان رجوعًا عند الأصحاب، وعند صاحب "التقريب" وجهان، وإن جعلناه تعليقًا بطلت الوصيَّة؛ فإنَّ التدبير لا يرتفع بالرجوع، والوصيَّةُ لا تنجِّز حقًّا، بخلافِ العتق المنجَّز، والبيعِ والهبة مع الإقباض.
وإن وصَّى لزيد بعبد، ثم قال: بيعوه بعد موتي، وتصدَّقوا بثمنه، كان رجوعًا.
ولو أوصى أن يُباع عبده، ويُتصدَّق بثمنه على الرقاب، ثمَّ أوصى بصرف ثمنه إلى الفقراء، قُسم الثمن بين الطائفتين نصفين.
* * *
٢١٣٥ - فصل فيما يتضمَّن الرجوع من الأفعال
إذا وصَّى بحنطةٍ ثم طحنها، أو بدقيقٍ ثم عجنه أو خبزه، أو بشاةٍ ثم ذبحها، أو بثوب ثم فصَّله وقطعه، كان رجوعًا؛ تعليلًا بزوالِ الاسم عند الأصحاب؛ فإنَّ زوالَه يجعل الموصَى به كالفائت المعدوم، وعلَّله الإمام بدلالته على قصد الموصي استعمالَ الموصَى به؛ فإن وصَّى بلحم ثم شواه، بطلت الوصيّةُ عند الإمام، ولا يَبْعُدُ بقاؤها عند الأصحاب؛ لبقاء الاسم، وإن وصَّى بخبز، ثم جعله فتيتًا، فوجهان للعراقيِّين؛ لبقاء الاسم.
وإن وصَّى بجارية أو عبدٍ، فاستخدمهما، أو زوَّج الجارية، لم يكن رجوعًا، وإن وطئها فأوجه:
стр. 1701
أشهَرُها: أنَّه ليس برجوع إلا أن يُنزِلَ، فيكون رجوعًا؛ لدلالة الإنزال على قصد التسرِّي.
والثاني: ليس برجوع وإن أنزل، وهو بعيدٌ.
والثالث: أنَّه رجوع وإن عزل.
ومن حلف لا يتسرَّى، ففيما يحنث به أوجهٌ:
أحدها: يحنث بمجرَّد الوطء.
والثاني: لا يحنث به إلا أن يُنزل.
والثالث، وهو ضعيف: لا يحنث إلا بأن يُفردَها عن خدم المهنة، ويحصِّنَها، ويُظْهِرَ أنَّه قصد الاستئثار بها، فيحنث حينئذٍ وإن لم يطأ.
٢١٣٦ - فرع:
إذا وصَّى بعين، ثم أحدث فيها زيادة؛ فإن بقي اسمها، مثل أن زاد في بناء الدار مع بقاء اسمها، لم يكن رجوعًا، وفي دخول الأعيان الزائدة في الوصيَّة خلافٌ تقدَّم، وإن زال الاسم بأن جعل الدار خانًا، كان رجوعًا عند الأصحاب، وعند الإمام فيه احتمالٌ.
وإن وصَّى بثوب مفصَّل، فخاطه، لم يكن رجوعًا، خلافًا للإمام.
وإن وصَّى بقطنٍ، فحشا به جبّةً لنفسه، فليس برجوعٍ عند الأصحاب، والأصحُّ عند الإمام: أنَّه رجوعٌ؛ لأنه (١) يفسد بالحشو، وتسقط قيمتُه
стр. 1702
باتِّساخه، وبطلانِ معظم مقاصدِ القطن.
ولو أوصى بحنطة، ثم خلطها بحنطة لنفسه، كان رجوعًا.
ولو وهب حنطة، ثم خلطها قبل القبض، كان رجوعًا اتِّفاقًا؛ إذ يَعْسُرُ معه القبض.
ولو أوصى بمقدارٍ من صُبرةٍ معيَّنةٍ، مثل أن قال: أوصيتُ له بصاعٍ من حنطةِ هذا البيت، فخلطها بحنطةٍ أخرى؛ فإن كانت الحنطةُ الثانية أجودَ من الموصَى بها كان رجوعًا، وإن كانت مثلَها فليس برجوع اتِّفاقًا، وإن كانت دونها فوجهان، ويُحتمل أن يُجعل رجوعًا في الأحوال الثلاث؛ فإنَّه لو باع حنطةً، ثم خلطها بمثله، أو أجود، أو أردأ، لتَعذَّرَ بذلك التسليمُ، فأولى أن يُجعل ما تعذَّر به التسليم رجوعًا.
* * *
стр. 1703
٢١٣٧ - باب في المرض الذي تجوز فيه العطية (١) ولا تجوز
إذا وقع التبرُّع في مرضٍ مَخُوفٍ؛ فإن برئ منه كان من رأس المال، وإن مات به كان من الثلث، والوصايا والتدبيرُ من الثلث وإن وقعا في الصحَّة.
والمخوف: ما لا يندر منه الهلاك.
ولا يُشترط أن يَنْدُرَ البرءُ منه، ولا أن ييأس المعالِج منه؛ فإنَّ البِرسام (٢) مَخُوفٌ، ولا يندر البرءُ منه، فما ظهر توقُّعُ الموت منه فهو مَخُوفٌ، وما ندر ترتُّبُ الموت عليه فليس بمخوفٍ؛ إذ لا يُظنُ توقُّع الموت منه؛ فإن ترتَّب على مرض غير مخوفٍ؛ فإن عرفنا تجدُّدَ سببٍ مخوفٍ أحلنا الموت عليه، وكان التبرُّع الواقع في المرض الأوَّل من رأس المال، وإن مات بذلك المرض، ولم يتجدَّد سببٌ آخر، فقد يقع الغلط في المرض الأوّل من وجهين:
أحدهما: ألا يكون من الجنس الذي ظنَّه الطبيب، فيتبيَّن أنّه مخوف؛ لترتُّب الموت عليه.
стр. 1704
الثاني: أن يقع الغلط لجهل الطبيب بقوَّة المريض الحاملة لذلك المرض، فيحصل الموت بذلك المرض؛ لضعف القوّة عن حمله من غير تجدُّد سبب آخر.
وإذا ترتَّب الموت على مرضٍ غير مخوفٍ؛ فإن قطع أهل البصر بتجدُّدِ مرضٍ في باطن الأعضاء الرئيسة كان تبرُّع المرض السابق من رأس المال، وإن قالوا: يمكن أن يتجدَّد مرضٌ آخر، وأن يموت بالمرض الأوّل؛ لضعف قواه عن حمله، وعسُر عليهم تمييز ذلك، فالظاهر: أنَّه مخوفٌ.
ويُحتمل أن يقال: الأصل الصحَّةُ إلى أن يظهر خلافها، وقد يقع مثل ذلك في سراية الجُرح إلى النفس لإيجاب القصاص وإسقاطه.
ومتى ترتَّب مرضٌ مخوفٌ على مرضٍ غير مخوف فإنَّا نراجع أهل البصر؛ فإن قالوا: يندر إفضاء الأوّل إلى الثاني، فليس الأوّل بمخوف، وإن قالوا: إنَّه يفضي إليه إفضاءً مظنونًا مخوفًا، فكلا المرضين مخوفٌ.
وإذا وقع المرض، ولم يظهر الخوف في أوَّله، فتزايد حتى قتل بالتزايد، ولم يحدث سببٌ آخر، فقد تبيَّن أنَّ أوّل المرض مخوفٌ، وذلك كالحمَّى؛ فإنَّها تنقسم إلى مخوفةٍ وغير مخوفةٍ، فإذا تبرَّع في ابتدائها قبل أن يعرف الطبيب أنَّها مخوفة، ثمّ تبيَّن أنَّها مخوفة، حُسب تبرُّعه من الثلث.
٢١٣٨ - فرع:
إذا ثبت أنَّ المرض مخوفٌ أو غيرُ مخوف، أُجري عليه حكمُه اللائقُ به، وإن أَشْكَلَ وتنازعوا، لم يَثبت كونُه مخوفًا إلا بعدلين عارفين مسلمين،
стр. 1705
ولا يثبت برجل وامرأتين إلَّا أن يكون بامرأة حيث لا يطَّلع عليه الرجال غالبًا، فيثبت بأربع نسوة، أو برجلين، أو برجل وامرأتين.
فإن لم يكن المرض مخوفًا في جنسه، وأشكل على أهل الخبرة: هل وقع الموت بذلك المرض أو بمرض حادث (١)؟
وإن ثبت مرض اتَّفقوا على صفته، ورجع الكلام إلى أنَّه مخوف، ورجع النزاع إلى نسبة قوَّة المريض إلى ذلك المرض، فلا بدَّ من مراجعة خبير موثوق به، ولم يُلحقه الإمام بالشهادات، وشَرَطَ فيه ما يُشترط في التقويم وتعديل الأجزاء في القسمة، فأجراه على الخلاف في العدد ولفظ الشهادة.
٢١٣٩ - فرع:
قال المزنيُّ: السِّلُّ ليس بمخوفٍ، وهذا مدخولٌ لا يرتضيه أهل البصائر؛ فإنْ طَرَدَه في كلّ مرض ليس بحادٍّ، كالدقِّ والاستسقاء ونحوهما من العلل التي لا يَسْرُعُ برؤها ولا الهلاكُ بها، كان بعيدًا من تحقُّق الخوفِ.
والهرمُ لا يُلحق بالأمراض المزمنة.
وإذا لم يكن المرض المزمنُ حادًّا فعلاجُه ممكنٌ في طول المدَّة؛
стр. 1706
ليمتزج إمكانُ العلافي وطولُ المدَّة بقوَّة المريض، ويُحكم بحسب ذلك؛ فإن قال أهل البصر: الخوف غالبٌ، فالمرضُ مخوفٌ، ولا نظر إلى طول المدَّة وقِصرها.
٢١٤٠ - فرع:
من كان بقطرٍ فيه طاعونٌ عامٌّ ولم يصبه منه شيء، أو حضر الصفَّ وقد التحم الفريقان بالقتال، ولم يُجرح، أو كان في سفينة مشرفة على الغرق؛ لاغتلام البحر، وتلاطم أمواجه، ولم تنكسر السفينة، أو أسره كفَّار يقتلون الأسارى، فالنصُّ: إلحاق هذه الأحوال بالمرض المخوف، ولو قُدِّم ليُقتل قصاصًا، فليس تقديمُه لذلك بمخوفِ، ففرَّق بعض الأصحاب: بأنَّ الظاهر من المسلم العفوُ عن القصاص، بخلافِ تلك الأحوال، وذكر غيره في الجميع قولين يُنظر في أحدهما إلى تحقُّق الخوف، وفي الآخر إلى سلامة بدنه.
٢١٤١ - فرع:
الطَّلْقُ مخوفٌ، والحبَلُ ليس بمخوفٍ؛ لأنَّ الحامل على الأحوال الصحيحة.
٢١٤٢ - فرع:
قال الأصحاب: الجوائفُ والجراحات الواصلة إلى العظم أو إلى مجتمع اللحم مخوفةٌ؛ فإن طردوا ذلك في كلِّ ما يوجب القصاص اتَّسق قياس البابين، وإن خصُّوه بما ذكروه -وهو ظاهر كلامهم- فالفرق أنَّ القصاص
стр. 1707
شُرع صونًا للأنفس، فثبت بأسبابه المذكورة، وأمَّا الخوف في الأمراض فلا يتحقَّق ما لم يثبت الخوف.
٢١٤٣ - فرع:
إذا أقرَّ لأجنبيٍّ في مرض موته قُبل إقراره، وانفرد صاحب "التلخيص" بحكاية قولٍ بعيد: أنَّه يُحسب من الثلث كالتبرُّع؛ لئلا يُجعل ذريعةً إلى الزيادة على الثلث.
٢١٤٤ - فرع:
إذا اسْتَغْرقَ الجنونُ أو الإغماء وقتَ الصلاة، سقط قضاؤها وأداؤها، ويسقط قضاء رمضان بالجنون، ولا يسقط بالأغماء، وأَبعدَ مَن خرَّج قولًا من الإغماء إلى الجنون.
٢١٤٥ - فرع:
قال أبو عليِّ: إذا خشي المريض زيادةَ الوجع فله أن يُفْطِر في رمضان، وما جوَّز الفطرَ في رمضان جوَّز أن ينتقل به المُظاهِرُ (١) من الصوم إلى الإطعام مع تراخي الكفَّارة، وهذا ظاهر إن قلنا: الاعتبار بوقت الوجوب، وإن قلنا: الاعتبار بوقت الأداء، فأطعم وهو مريض؛ فإن دام المرض شهرين فالأمر كما قال أبو عليٍّ، وإن انقطع دونهما فالأظهر ما ذكره أبو عليٍّ، وفيه احتمالٌ، والله تعالى أعلم.
وقد أَسْقَطتُ من كتاب الوصايا المسائلَ المتعلِّقة بحساب الجبر
стр. 1708
والمقابَلة؛ إذ لا يَحتمِلُ مثلَها هذا المختصرُ، والحمد لله على نعمه (١).
* * *
стр. 1709
٢١٤٦ - باب الأوصياء
اتَّفقوا على جواز نصب الوصيِّ.
وشرطه: الإسلام، والتكليف، والحرِّيَّة، والعدالة، وفي البصر وجهان، وزاد الإمام الرشدَ؛ فإنَّ السفيه العدلَ لا يصلُح لتنفيذ وصيَّةٍ، ولا نظرٍ على طفل؛ لعدم استقلاله.
وتُعتبر هذه الشروط عند موت الموصي، أو عند الوصيَّة، أو مِن حين الوصيَّة إلى الموت؟ فيه ثلاثة أوجه أصحُّها الأوّل، وأبعدُها الآخِر.
فإن قَبِلَ الوصيُّ الوصيّةَ، أو ردَّها في حياة الموصي، فلا حكم لذلك على الوجه الأوَّل، وعلى الوجهين الآخَرينِ خلاف، والأصحُّ: أنَّه لا حكم لقبوله وردِّه، فإن صحَّحنا القبول لم نشرط اتِّصالَه بالوصيَّة اتِّفاقًا.
ولا يصحُّ الإيصاء إلى مكاتَب، ولا إيصاء مسليم إلى كافر، وتصحُّ وصيَّة (١) الكافر إلى المسلم، وكذا إلى الكافر على الأظهر، إلَّا أن يوصيَ إلى المسلم بشيء، فيبعد تصحيحُه.
стр. 1710
وشرط الأصحاب العدالةَ في وكيل الوكيل، ومودَع المودَع إذا أراد السفر.
٢١٤٧ - فصل في تغيُّر حال الوصيِّ
ينعزل الوصيُّ بكلِّ ما يُثبِت عليه الولاية كالجنون، وكذا بالفسق على الأظهر، ولا يعود نظره بزوالهما.
وإن فسق الخليفة لم ينعزل على الأصحِّ، وإن فسق القضاة أو الولاة فوجهان.
والأصحُّ: أنَّ القبول معتبَر في الوصيَّة، ساقطٌ في الوكالة، وقيل: الوصيَّة كالوكالة.
وإذا قَبِلَ الوصيَّة فله عزلُ نفسه متى شاء.
ومَن أوصى بشيء، أو ترك أطفالًا ولم يوصِ، أو أوصى فانعزل وصيُّه، لزم الحاكمَ أن ينصب مَن يقوم بذلك بشرطِ أن يتَّصف بصفات الأوصياء.
فإن عجز الناظر عن بعض ما فُوِّض إليه؛ فإن كان نائبًا عن الحاكم، فله أن يعزله، وأن يضمَّ إليه من يُعِيْنه، وإن كان وصيًّا لم ينعزل بذلك، ولم يملك الحاكم عزلَه، بل يضمُّ إليه مَن يُعينه.
٢١٤٨ - فصل فيمن يوصي ويوصى عليه
لا تصحُّ الوصيَّة إلا على مَن يتولَّاه الموصي في الحياة، فلا يصحُّ
стр. 1711
إيصاء الأخ على أخيه، وفي الأمِّ عند عدم الأب خلافٌ مبنيٌّ على ولايتها المال.
وإن أوصى إلى أجنبيٍّ بشيء من البرِّ صحَّ مع استقلال الورثة، ولا اعتراض على الوصيِّ فيما يوافق الشرع ممَّا فُوِّض إليه من الجهات العامَّة؛ كالفقراء، وبناء المساجد.
ولا معنى للإيصاء بردِّ الغصب والوديعة؛ فإنَّ للمالك أَخْذَهما بغير إذن الوصيِّ.
ولا يكاد يظهر أثر الوصية للمعيَّنينَ (١)، ولا سيَّما بالأعيان المعيَّنة؛ فإنَّهم يأخذونها بغير إذنٍ، وإنْ أوصى بعتق عبد معيَّن لم يَعْتِقْ حتَّى يُعْتِقَه الوصيُّ.
وإن وصَّى بتجهيزه وتكفينه، ولم يعيِّن مالًا ولا يومًا، أو أوصى بقضاء دينه، أو بردِّ المغصوب، فافتقر إلى مؤونة، فأراد الوارث أداء ذلك من ماله، وتوفيرَ التركة، لم يملك الوصيُّ منعَه منه، وإن أراد أن يبيع من التركة ما يصرفُه في ذلك بنفسه، وأراد الوصيُّ أن يتعاطى ذلك، فأيُّهما أحقُّ؟ فيه وجهان.
٢١٤٩ - فصل في الوصيّة إلى اثنين
إذا أوصى ببرٍّ أو على أطفاله إلى اثنين على أن يستقلَّ كلُّ واحد منهما، جاز، فإن وصَّى للفقراء؛ فأيُّهما سبق إلى الصرف نفذ تصرُّفه.
стр. 1712
وإن عيَّن أحدُهما طائفةً منهم، وعيَّن الآخرُ غيرَهم، فاجتمعا، وتنازعا، فهل يفرِّقها الحاكم على مَن شاء، أو يُقْرِع بينهما؟ فيه وجهان.
وإن وصَّى إليهما على الاجتماع، أو أطلق، لم ينفذ شيء من التصرُّف إلَّا بالاجتماع، فإن وصَّى بعتق عبد معيَّن، فلا بدَّ أن يجتمعا على عتقه، ولا يُشرط في الاجتماع تلفُّظُ كلِّ واحد منهما بالإيجاب أو القبول، بل إذا صدر التصرُّف عن رأيهما، وباشره أحدهما بإذن الآخر، نفذ اتِّفاقًا.
ولهما توكيلُ مَن يتصرَّف بحضورهما ورأيهما، وإن وكَّلا من يتصرَّف من غير مراجعة لم يصحَّ؛ لأنّهما جعلا التصرُّف لواحد على خلاف شرط الموصي، ولا يُشترط اجتماعُهما فيما لا تتعلَّق به الوصيّة، كردِّ المغصوب.
٢١٥٠ - فصل في اختلافهما في حفظ المال
إذا تنازعا في حفظ المال؛ فإن كانا بمسكَنٍ واحد حفِظاه على العادة في مثله، وإن اختلف مسكنهما فالنصُّ ومذهبُ الجمهور: أنَّه يُقسم، فيحفظ كلُّ واحد نصفَه، فإن لم يقبل القسمة؛ فإن دفعاه إلى عدْل جاز، وإن امتنعا فالأصحُّ: أنَّ الحاكم يدفعه إلى عدل، وقيل: يُدفع إلى أحدهما بالقرعة، ولا فرقَ بين أن يَثبت تصرُّفُهما على الاستقلال أو الاشتراك.
وقيل: لا يُقسم في صورة الاشتراك، بل يقول الحاكم: إن اتِّفقتما على الحفظ، وإلا دفعناه إلى مَن يحفظه، فإن امتنعا سلَّمه الحاكم إلى عدل، وأَبعدَ مَن أوجب التسليم إلى عدلين، ولا فرقَ بين أن يقبل القسمة وألا يقبلها.
стр. 1713
٢١٥١ - فرع:
لو أذن أحدهما للآخر [أن] ينفرد بالحفظ أو التصرُّف لم يجز، بخلافِ إذنه في التصرُّف الصادر عن رأيهما، فإنَّه يقع بحضورهما، أو في غَيبةٍ قريبةٍ لا ينقطع الرأي بمثلها.
٢١٥٢ - فرع:
إذا مات أحد المشتركَيْنِ في النظر، أو فسَقَ، أقام الحاكم مقامه، فإن رأى التفويضَ إلى الآخر باجتهاده؛ ليكون وصيًّا ونائبًا عنه، فوجهان، وإن ماتا أو فسقا، فنصب عدلين جاز، وفي عدل واحد الوجهان، اختيار الإمام الجواز؛ فإنَّهما إذا خرجا عن الوصيَّة صار كما لو مات من غير إيصاء.
٢١٥٣ - فصل في وصيِّ الوصيِّ
ليس للوصيِّ أن يوصيَ فيما هو وصيٌّ فيه، فإن أذن له الموصي في ذلك فقولان.
ولو قال: مَن أوصيتَ إليه فهو وصيِّي، جاز على الأصحِّ، وقيل: فيه القولان.
والإيصاء قابلٌ للتعليق، فإذا قال: أنت وصيِّي حتّى يبلغَ هذا الصبيُّ رشيدًا، أو حتى يَقْدَمَ زيد، فهو الوصيُّ، صحَّ قولًا واحدًا.
٢١٥٤ - فروع متفرِّقة:
الأوّل: في الوصيّة إلى الأجانب مع وجود الجدِّ وأهليَّته وجهان،
стр. 1714
وإن أوصى ببرٍّ صحَّ مع وجود الجدِّ وجهًا واحدًا.
الثاني: إذا ضاقت التركة عن الديون، فأوصى بتقديم بعض الغرماء بدَينه، لم يصحَّ، وإن قدَّمه في مرض موته، ففي ردِّ الزائد على المحاصَّة وجهان.
ولو ضمن المريضُ دَينًا لأجنبيٍّ على وارثه لم يصحَّ، وفي عكسه وجهان. هذا في الضمان المقتضي للرجوع على المضمون عنه (١).
الثالث: إذا قال: ضع ثلثي حيث شئت، أو: أنَّى شئت، لم يملك وضعَه في نفسه، ولا في وارث الموصي، فإن أعطى الوارثَ شيئًا من ذلك، استردَّه ووضعه حيث شاء، وقيل: لا يستردُّه؛ لأنَّه قد وضعه حيث شاء، فانقلب إرثًا.
الرابع: إذا قال: أوصيتُ بثلثي لرجل عيَّنتُه للوصيِّ، فإذا عيَّنه لكم فصدِّقوه، فعيَّنه لهم، لم يلزمهم تصديقُه؛ لأنَّه ألزمهم تصديقَ مَن يجوز كذبُه، فإن شهد له الوصيُّ وحلف، استحقَّ.
الخامس: إذا أبطلنا إقرار المريض للوارث، فكان له على وارثه دينٌ قد ضمنه أجنبيٌّ، فأقرَّ بقبضه من الوارث، لم يبرأ الوارث، وفي الأجنبيِّ وجهان، ولو كان الدَّين على الأجنبيِّ، والوارث ضامن، فأقرَّ بالقبض من الأجنبيِّ برئ، وفي الوارث وجهان، وقال في "التقريب": إذا قلنا: لا يبرأ
стр. 1715
الوارث هاهنا، فينبغي ألَّا يبرأَ الأجنبيُّ؛ إذ يستحيل مطالبةُ الكفيل مع براءة الأصيل.
السادس: إذا أبطلنا الوصيَّة للقاتل، فأوصى لزيد بألف، ولعمرو بمثله، وخلَّف ابنين، فأقام أحدهما بيِّنةً أنَّ زيدًا قتل أباه، وأقام الآخرُ بيِّنةً أنَّ عمرًا قتله، ففيه أقوال:
أحدها: تنفيذ الوصيَّين؛ بناءً على تساقُط البيِّنتين.
والثاني: يستحقُّ كلُّ واحد نصفَ الدية على الذي ادَّعى أنَّه القاتل، ويبرأ عما بحصَّته من الوصيَّة، وللموصَى له حصَّتُه من الوصيَّة على الذي لم يدَّع عليه.
والثالث: يلزمهما الدية، وتبطل الوصيَّتان، ويُجعلان كالمشتركَيْنِ في القتل، ولا أصل لهذا.
السابع: إذا نفذ حاكم الذمَّةِ وقفًا على كنيسة، ورُفع إلينا، لم نُمضِه؛ إذ لا وقْعَ لأحكامهم، وقال في "التقريب": يُحتمل ألا يُنقض، كما لا يُنقض بيع الخمر إذا تقابضوا.
الثامن لصاحب التقريب: إذا قال لأَمته: إذا متُّ فأنتِ حرَّة على ألا تتزوَّجي، أو: فأنت حرَّة إن دمتِ على الإسلام، فلا تَعْتِقُ حتَّى تقبل بعد الموت؛ فإن قبلت عتقت، ولزمها قيمتُها، وهذا بعيد في شرط البقاء على الإسلام؛ لبُعد مقابَلته بالمال، بخلاف التعزُّب؛ فإنَّه تعطيلٌ لحقِّ الاستمتاع، فينبغي ألا تجب القيمة ولا يُشرطَ القبول في شرط البقاء على الإسلام؛ لأنَّه شرطٌ محْضٌ، وعلى هذا: لو قصد دوامَها على الإسلام إلى موتها فينبغي
стр. 1716
ألا تَعْتِقَ حتَّى تموت مسلمةً، فيتبيَّنَ أنَّها عَتَقَتْ عند وجود الشرط، وكذا لو علَّق التعزُّب بلفظ (إنْ) (١)، فينبغي ألا تَعْتِقَ إلا بالتعزُّب في جميع العمر، فإن نكحت نكاحًا صحيحًا بأن أنَّها لم تعتق.
٢١٥٥ - فرع:
زوائد الموصَى به -كالولد وغيرِه- بعد الموت وقَبْلَ القبول للموصَى له على قول، وللورثة على آخر؛ فإن كان على الموصي دينٌ، لم يُقضَ من الزوائد إلا على قول الإصطخريِّ؛ فإنَّه جعل للزوائد حكم التركة.
التاسع: أوصى بعبد قيمتُه عشرةٌ، وخلَّف عشرين غائبةً، فلا يُسلَّم إلى الموصَى له سوى ثلثِ العبد، ولا ينفذ تصرُّف الورثة في ثلثي العبد، وفي تصرُّف الموصَى له في ثلثه وجهان، قال الإمام: هذا إذا كان المال الغائب لا يمكن الوصول إليه لخوفٍ أو غيره؛ إذ لا يجوز بيعه؛ للعجز عنه، فأمَّا إن تيسَّر الوصول إليه عُرفًا لأَمْنِ الطريق، فالتصرُّفُ فيه نافذٌ، وزكاتُه واجبةٌ، وفي وجوب تعجيلها خلاف، فإن أوجبنا التعجيل فلا حكم لهذه الغَيبة، وإن لم نوجبه احتمِل ألا يُسلَّم إليه إلا ثلث العبد، وينفذ تصرُّفه فيه كما ينفذ تصرُّف الورثة في العشرين الغائبة.
٢١٥٦ - فصل في الوصيَّة بالحجِّ
إذا قال: أحِجُّوا عنِّي زيدًا حجَّ الإسلام بمئة، وهي أجرةُ المثل،
стр. 1717
صرفناها إلى زيد؛ فإن وُجِد من يحجُّ بأقلَّ منها، وامتنع زيدٌ أن يحجَّ إلا بالمئة، فلا يُجاب إلى ذلك عند المُعْظَمِ؛ فإنَّ الوصية لا تصحُّ إلا بتبرُّعٍ، ولا تبرُّعَ هاهنا، فأَشبهَ ما لو أوصى ألا تُباع تركتُه في قضاء دينه إلا من فلان، وإن كانت المئة أكثرَ من أجرة المثل صُرفت إليه إن احتمل الثلث الزيادة، وكان زيد أجنبيًّا، فإن امتنع أُحِجَّ غيرُه بأجرة المثل، أو أقلَّ، وإن كان ذلك في حجِّ تطوُّع حُسبت المئة من الثلث، فإن امتنع زيد من الحجِّ لم تبطل الوصيَّة على الأصحِّ، وقيل: تبطل، كما لو أوصى بشراء عبدِ زيد وإعتاقِه، فامتنع زيد من بيعه، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المقصودَ نفعُ ذلك العبد، وتحصيلُ الحجِّ، وإن كان وارثًا فالزائدُ على أجرة المثل وصيَّةٌ لوارث، فإن امتنع أُحِجَّ غيرُه بأجرة المثل.
وإن قال: أحِجُّوا عنِّي بمئة، ولم يعيِّن مَن يحجُّ، فالوصيُّ يعيِّن الحاجَّ، وفي سقوط ما زاد على أجرة المثل وجهان.
* * *
стр. 1718
الغاية في اختصار النهاية
تأليف
سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي
(المتوفى سنة ٦٦٠ هجرية)
تحقيق
إياد خالد الطباع
[المجلد الخامس]