الوجوه الخراسانيين (ت: ٣٨٤ هـ) (١).
المتأخرون: وهم من بعد الأربعمئة، كما يدلّ على ذلك استخدام العز ذلك في كتاب الأشربة في (فصل في التداوي بالخمر والنجاسات) مقرونًا بالقاضي حسين (ت: ٤٥٠ هـ)، والمتأخرون في اصطلاح الهيتمي يمتدّ من بعد عصر النووي (ت: ٦٧٦ هـ) إلى القرن العاشر؛ كما دلّت عليه عباراته في الفتاوى الفقهيَّة الكبرى (٢).
المُتَوَلِّي: عبد الرحمن بن مأمون، أبو سعد، له "التَّتِمَّة على إبانة شَيْخه الفوراني" وصل فيها إلى الحدود. قال النووي في ترجمة الفوراني: سمى المتولي كتابه التتمة؛ لكونه تتميمًا للإبانة [للفوراني] , وشرحًا لها، وتفريعًا عليها (٣) (ت: ٤٧٨ هـ).
المحامليّ: أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسن، صَنَّف "المجموع"، و"التجريد"، و"المقنع" (ت: ٤١٥ هـ) (٤).
المحمدون الأربعة: هم محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن المنذر، ومحمد بن خزيمة، ومحمد بن نصر، قال ابن السُّبكيّ عنهم: "والمحمدون
стр. 177
الأربعة من أصحابنا وقد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي المخرّجين على أصوله، المتمذهبين بمذهبه لوفاق اجتهادهم اجتهاده ... فإنّهم وإن خرجوا عن رأي الإمام الأعظم في مسألة من المسائل فلم يخرجوا في الأغلب، فاعرف ذلك، واعلم أنّهم في أحزاب الشافعيّة معدودون، وعلى أصوله مخرجون، وبطريقته مُتهذِّبون، وبمذهبه متمذهبون" (١).
المحققون: يستخدم إمام الحرمين في "نهاية المطلب" وتبعه العز بن عبد السلام في "الغاية في اختصار النهاية" هذا اللفظ كثيرًا، وقد تتبّع الدكتور الديب ﵀ ذلك عند الجُوَيْنِيّ في "نهاية المطلب" فظهر له أنَّ المحققين عنده هم:
١ - صاحب التقريب: القاسم بن محمد بن علي، ابن القفال الكبير المروزي (ت: ٣٩٩ هـ) (٢).
٢ - القفال الصغير المروزي، عبد الله بن أحمد (ت: ٤١٧ هـ).
٣ - الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني (ت: ٤١٨ هـ).
٤ - الشيخ أبو بكر الصيدلاني (ت: ٤٢٧ هـ).
٥ - الشيخ أبو علي السِّنْجِيّ (ت: ٤٣٠ هـ).
٦ - الشيخ أبو محمد الجُوَيْنِيّ (ت: ٤٣٨ هـ).
стр. 178
٧ - القاضي حسين (ت: ٤٦٢ هـ).
المحمودي أو أبو بكر المحمودي: هو محمد بن محمود أبو بكر المحمودي المروزي، من أصحاب الوجوه (ت بعد: ٣٠٠ هـ) (١).
المُزَنيّ: هو إسماعيل بن يحيى، أبو إبراهيم، تلميذ الشافعيّ وناصر مذهبه؛ قال النووي: "صَنَّف المزني كتابًا مفردًا على مذهبه لا على مذهب الشافعي" (٢)، وقال إمام الحرمين في "نهاية المطلب": "وإذا انفرد المزني برأي، فهو صاحب مذهب، فإذا خرَّج للشافعي قولًا، فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو يلتحق بالمذهب لا محالة" (٣). صنّف كتبًا كثيرة منها "المختصر" و"الجامع الكبير" و"الجامع الصَّغير" و"المنثور" و"المسائل" و"كتاب نهاية الاختصار" (ت: ٢٦٤ هـ) (٤).
يونس بن عبد الأعلى: صاحب الشافعيّ، وأحد رواة مذهبه الجديد (ت: ٢٦٤ هـ) (٥).
* * *
стр. 179
* طريقة العراقيين وكتبهم:
يُعدُّ تعليق الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو في نحو خمسين مجلدًا، مدار كتب أصحاب الشافعيّ العراقيين أو جماهيرهم مع جماعة من الخراسانيين، جمع فيه من النفائس ما لم يشاركه في مجموعه غيره، من كثرة المسائل والفروع وذكر مسائل العلماء وبسط أدلَّتها والجواب عنها، وعنه انتشر فقه أصحاب الشافعيِّ العراقيين، وهو شيخ طريقة العراق.
وممن تفقَّه عليه من أئمة الأصحاب أبو الحسن الماوردي، صاحب "الحاوي الكبير"، والقاضي أبو الطيِّب الطبري، صاحب "التعليقة" المشهورة، وسُليم الرازي، صاحب "المجرد"، وأبو الحسن المحاملي، صاحب "المجموع"، وأبو علي البندنيجي صاحب الذخيرة، وغير هؤلاء ممن لا يُحصى كثرة.
فإذا أطلقوا في الكتب لفظ: قال أصحابنا العراقيون كذا، وطريقة أصحابنا العراقيين كذا، فمرادهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني وأتباعه هؤلاء المذكورن.
كما أنهم إذا قالوا: في كتب العراقيين كذا، فإنه يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة العراقيين.
وأمّا طبقات طريقة العراقيين، فأولها كان من طبقة أصحاب الشافعي، منهم: أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الذي تفقه على الإِمام الشافعي ﵀، ومنهم الإِمام أحمد بن حنبل، وأبو جعفر الخلَّال أحمد بن خالد البغدادي، وأبو جعفر النهشلي ثم البغدادي، وأبو عبد الله الصيرفي،
стр. 180
وأبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز البغدادي، والحارث بن سُريج النَّقَّال وهو الذي نقل كتاب الشافعي "الرسالة" إلى عبد الرحمن بن مهدي (ت: ٢٣٦ هـ)، والحسن بن عبد العزيز المصري نزيل بغداد، والكرابيسي: الحسين بن علي البغدادي (ت: ٢٤٨ هـ).
والطبقة الثانية من العراقيين، كان على رأسهم: أبو القاسم الأنماطي، وأبو بكر النيسابوري، وأبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، والقاضي أبو عبيد علي بن الحسين بن حربويه البغدادي، وأبو إسحاق الحربي، وأبو الحسن المنذري.
والطبقة الثالثة من العراقيين، كان على رأسهم: ابن سُرَيج: أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج القاضي البغدادي شيخ الشافعية في عصره، ومنهم أبو سعيد الإصطخري، وأبو علي بن خيران، وأبو حفص المعروف بابن الوكيل: عمر بن عبد الله البغدادي.
والطبقة الرابعة، وهم تلامذة الثالثة، على رأسهم أبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة، وأبو الطَّيِّب محمد بن فضل بن مسلمة البغدادي، وأبو بكر الصيرفي البغدادي، وأبو العباس بن القاضي، وأبو جعفر الأستراباذي، وأبو بكر أحمد بن الحسين بن سهل الفارسي صاحب "عيون المسائل في نصوص الشافعي" (ت: ٣٥٠ هـ)، ومنهم أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن القطَّان (ت: ٣٥٩ هـ).
ثم جاءت الطبقة الخامسة من بعدهم، وعلى رأسهم: الداركي وهو: أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله البغدادي شيخ العراق، وأبو علي الطبري،
стр. 181
وأبو الحسن بن المرزبان.
ثم جاءت الطبقة السادسة من بعدهم، وهم تلامذة الطبقة الخامسة، وعلى رأسهم: أبو حامد الإسفراييني: أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي (ت: ٤٠٦ هـ)، وأبو الحسن الماسرجسي، وأبو الفضل النسوي.
ثم جاءت الطبقة السابعة، ومن أشهرهم أبو الحسن الماوردي صاحب كتاب "الحاوي"، والقاضي أبو الطيب، وسُليم بن أيوب الرازي، وأبو الحسن المحاملي، والشاشي، والبندنيجي، والقاضي أبو سعيد الأبيوردي.
ثم جاءت الطبقة الثامنة، وهي من خواتم طريقة العراقيين: منهم القاضي أبو السائب عقبة بن عبد الله بن موسى الهمداني، وأبو الحسن المحاملي الكبير، وأبو سهل أحمد بن زياد، وأبو بكر محمد بن عمر الزيادي البغدادي، وأبو محمد الجوزجاني، وأبو الطيب الصائد الخلال (١).
ومن كتب العراقيين: المجموع واللباب والمقنع للمحاملي، والذخيرة لأبي علي البندنيجي، والتقريب والمجرد لسُليم الرازي، وتعليق القاضي أبي الطيب الطبري، والحاوي الكبير، والإقناع للماوردي، والمعتمد لأبي نصر البندنيجي، والمهذب والتنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والشامل لابن الصباغ، والتهذيب لنصر المقدسي، وحلية الفقهاء لفخر الإِسلام الشاشي، والعدة للحسين بن علي الطبري، والذخائر لمجلي، وتعليقة الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والذخيرة للبندنيجي، والدريق للشيخ أبي حامد، وتعليقة البندنيجي، والمجموع والأوسط للمحاملي، والمقنع، واللباب، والتجريد
стр. 182
للمحاملي، واللطيف لأبي الحسن بن خيران، والكفاية للعبدري، والتهذيب لنصر المقدسي، والكافي وشرح الإشارة له، والكفاية للمحاجري، والتلقين لابن سراقة، وتذنيب الأقسام للمرعشي، والكافي للزبيدي، والمطارحات لابن القطان، والشافي للجرجاني، والتجريد له، والمعاياة له، والبيان للعمراني، والانتصار لابن أبي عصرون، والمرشد له، والتنبيه والإشارة له، والعدة لأبي عبد الله الحسين بن علي الطبري، وبحر المذهب للروياني، والحلية للروياني، والتنبيه لأبي إسحاق الشيرازي، وشرحه لابن يونس، وشرحه لابن الرفعة، ودفع التمويه عن مشكلات التنبيه لأحمد بن كتاسب (١).
* * *
* طريقة الخراسانيين وكتبهم:
هذه الطريقة وصفها أبو بكر السمعاني بأنهّا أمتن طريقةً، وأوضحها تهذيبًا وأكثرها تحقيقًا؛ وهو مقتضى كلام النووي فيما سيأتي. وشيخ هذه الطريقة القفّال الصغير المروزيّ: عبد الله بن أحمد بن عبد الله، الإِمام الزاهد الجليل البحر، أحد أئمة الدنيا.
قال ابن السُّبكيّ: وقد صار معتمدَ المذهب على طريقة العراق وحامل لوائها أبو حامد الإسفرايني، وطريقة خراسان والقائم بأعبائها القفال المروزي؛ هما رحمهما الله شيخا الطريقتين إليهما المرجع، وعليهما المعول (٢).
стр. 183
وفي كتب الشافعيّة إذا أطلقوا لفظ قال أصحابنا الخراسانيون كذا، وطريقة أصحابنا الخراسانيين كذا فمرادهم القفال المروزي، شيخ طريقة خراسان وأتباعه، وهم أبو بكر الصيدلاني، وأبو القاسم الفوراني، والقاضي حسين المرورّوزي، والشيخ أبو محمد الجويني، وأبو علي السنجي، قيل والمسعودي (١)، فتارة يقولون: قال الخراسانيون، وتارة يقولون: قال المراوزة، وهما عبارتان عن معبَّر واحد.
فالخراسانيون، وإن كانوا أعمّ من المراوزة؛ لأنَّ مدن خراسان العظيمة أربعة: مرو، ونيسابور، وبلخ، وهراة، لكنهم يعبر ون تارة عن طريقة الخراسانيين بقولهم: قال المراوزة؛ لأن شيخ طريقة الخراسانيين ومعظم أتباعه مراوزة، فالقفال المروزي أخذ عن أبي زيد المروزي، عن أبي إسحاق
стр. 184
المروزي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني أخذ عن أبي القاسم الداركي، عن أبي إسحاق المروزي.
فأبو إسحاق المروزي إليه منتهى الطريقين: طريقة البغداديين وطريقة الخراسانيين.
وأمّا طبقات طريقة الخراسانيين فقد كانت الطبقة الأولى منهم هي طبقة أصحاب الشافعي: منهم إسحاق بن راهويه الحنظلي، ومنهم حامد بن يحيى بن هانئ البلخي، وقد أخذ عن الشافعي، وأكثر عن سفيان بن عيينة (ت: ٢٠٢ هـ)، في حياة الشافعيِّ، وأبو سعيد الأصفهاني الحسن بن محمد، وهو أول من حمل علم الشافعي إلى أصفهان، وأبو الحسين النيسابوري علي بن سلمة بن شقيق (ت: ٢٥٢ هـ).
والطبقة الثانية طبقة تلامذتهم، وعلى رأسهم: أبو بكر ابن إسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح، وأبو عبد الله محمد بن نصر المروزي (ت: ٢٩٤ هـ)، وأبو محمد المروزي عبدان بن محمد بن عيسى، وأبو عاصم فضيل بن محمد الفضيلي الكبير، فقيه هراة ومفتيها، وأبو الحسن الصابوني، وأبو سعيد الدارمي، وأبو عمرو الخفاف رئيس نيسابور، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي البوُشنجي.
ثم بعد ذلك تلتهم طبقة ثالثة هي طبقة تلامذة هؤلاء، وعلى رأسهم: أبو علي الثقفي، وأبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصبغيّ، وأبو بكر المحمودي المروزي، وأبو الفضل يعقوب بن إسحاق بن محمود الهروي.
ثم بعد ذلك تلتهم طبقة رابعة هي تلامذة الطبقة الثالثة، منهم أبو إسحاق
стр. 185
المروزي تلميذ ابن سريج، والذي تلتقي عنده سلسلة الطريقتين، وأبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوري، وأبو الحسين النسوي، وأبو بكر البيهقي، وأبو منصور عبد الله بن مهران، وهو من أكابر أصحاب الوجوه.
وتأتي بعد ذلك الطبقة الخامسة، وعلى رأسهم: أبو زيد المروزي، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو العباس الهروي، وأبو حفص الهروي.
وتأتي الطبقة السادسة من تلامذتهم، وعلى رأسهم: أبو بكر القفال المروزي شيخ الطريقة، وأبو الطيب الصعلوكي، وأبو يعقوب الأبيوردي، وأبو إسحاق الإسفراييني.
ثم تأتي الطبقة السابعة، وعلى رأسهم: القاضي حسين، وأبو علي السنجي، وأبو بكر الصيدلاني.
ثم تأتي الطبقة الثامنة من الخراسانيين، وعلى رأسهم: إمام الحرمين.
ثم تأتي الطبقة التاسعة، وهي من أواخر طبقات هذه السلسلة، فمنهم إلكيا الهراسي، وأبو سعد المتولي، ومحيي السنة البغوي، والروياني، وحجة الإِسلام الغزالي.
فمن كتب الخراسانيين: "نهاية المطلب" لإمام الحرمين، وكتب الغزالي: "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" و"الخلاصة"، وتعليق القاضي حسين، والفتاوى له، والسلسلة للجويني، والجمع والفرق له، والإبانة، والعمدة كلاهما للفوراني، والتتمة للمتولي، والتهذيب للبغوي، والعدة لأبي المكارم الروياني، وبحر المذهب لأبي المحاسن الروياني، ومصنَّفات أبي علي السنجي الذي شرح مختصر المزني، والذي سماه إمام الحرمين بالمذهب
стр. 186
الكبير، وشرح تلخيص ابن القاص، وشرح فروع ابن حداد، التي اهتم الخراسانيون بشرحها كثيرًا، وشرح الوسيط لابن الرِّفعة، وإشكالات الوسيط والوجيز للعجيلي، وحواشي الوسيط لابن السكري، وإشكالات الوسيط لابن الصلاح (١).
قال النووي: واعلم أنَّه متى أُطلق "القاضي" في كتب متأخري الخراسانيين كالنهاية، والتتمة، والتهذيب، وكتب الغزالي، ونحوها فالمراد القاضي الحسين، ومتى أُطلق "القاضي" في كتب متوسطي العراقيين فالمراد القاضي أبو حامد المروردي (٢).
وإذا قالوا: في كتب الخراسانيين كذا، فإن هذا الإطلاق يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة خراسان (٣).
* * *
* الأصحاب وأصحاب الوجوه في المذهب:
عند دراستنا لفقه الإِمام، وأصحاب الطريقتين = ينبغي التمييز بين قولهم: "الأصحاب"، أو "أصحاب الشافعيّ"، وقولهم: "أصحاب الوجوه".
فإذا أطلقوا في الكتب لفظ "الأصحاب" فهذا الإطلاق يعمّ أصحاب
стр. 187
الطريقين ومن عاصرهم ومن كان قبلهم من الأئمة العظام ومن كان بعدهم.
ثم بعد أصحاب الطريقين جماعةٌ من الأصحاب ينقلون الطريقين كأبي عبد الله الحَليمي، والروياني صاحب "البحر"، ومجلي صاحب "الذخائر"، وإمام الحرمين، والمتولِّي صاحب "التتمة"، والغزالي، وغيرهم.
وأما "أصحاب الوجوه"، فهم أخصُّ من لفظ الأصحاب لأنَّ كل من كان من أصحاب الوجوه يدخل تحت لفظ الأصحاب ولا عكس، وأصحاب الوجوه معروفون ويدخل فيهم أصحاب الطريقين (١)؛ وأمّا تحديد توصيف "أصحاب الوجوه" فقد جاء من كلام الإِمام ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" قوله: "أن يكون في مذهب إمامه مجتهدًا مقيَّدًا فيستقلّ بتقرير مذاهبه بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلَّته أصول إمامه وقواعده، ومن شأنه أن يكون عالمًا بالفقه، خبيرًا بأصول الفقه، عارفًا بأدلة الأحكام تفصيلًا، بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تامّ الارتياض في التخريج والاستنباط قيِّمًا بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده، ولا يعرى عن شوب من التقليد له، لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل. مثل أن يخلَّ بعلم الحديث أو بعلم اللغة العربية، وكثيرًا ما وقع الإخلال بهذين العلمين في أهل الاجتهاد المقيد. ويتخذ نصوص إمامه أصولًا يستنبط منها نحو ما يفعله المستقل بنصوص الشارع، وربما مر به الحكم وقد ذكره إمامه بدليله، فيكتفي بذلك فيه ولا يبحث هل لذلك الدليل
стр. 188
من معارض؟ ولا يستوفي النظر في شروطه كما يفعله المستقل، وهذه صفة أصحاب الوجوه والطرق في المذهب" (١).
وقد اعتنى الإِمام النووي بتبيان أصحاب الوجوه من فقهاء الشافعية في تراجمهم في كتابه "تهذيب الأسماء واللغات"؛ فقد ميّزهم بذكر هذه الصفة بهم؛ ولعلّه أوّل من ميّزهم في التراجم؛ والله أعلم (٢).
* * *
* المقارنة بين طريقة العراقيين وطريقة الخراسانيين والجمع بينهما:
التفضيل بين الطريقتين، تفضيلٌ في المنهج والتأليف والتفريع، فطريقةُ العراقيين أثبتُ، وطريقة الخراسانيين أحسنُ تأليفًا؛ قال النوويُّ ﵀: "واعلم أنّ نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفا وبحثًا وتفريعًا وترتيبًا غالبًا: ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين، وقد أشار الأصحاب إلى الترجيح به، أن يكون الشافعي ذكره في بابه ومظنته وذكر الآخر في غير بابه بأن جرى بحث وكلام جرَّ إلى ذكره، فالذي ذكره في بابه أقوى؛ لأنَّه أتى به مقصودًا وقرّره في موضعه بعد فكر طويل، بخلاف ما ذكره في غير بابه استطرادًا فلا يعتنى به اعتناؤه بالأول.
стр. 189
وقد صرح أصحابنا بمثل هذا الترجيح في مواضع لا تنحصر" (١).
وأوّلُ من جمع بين طريقتَيْ العراق وخراسان الإِمام أبو علي السِّنْجِيُّ: الحسين بن شعيب بن محمد (ت: ٤٣٠ هـ)؛ قاله تاج الدين السُّبكيّ في أوّل ترجمته (٢).
وقال أيضًا عن الفوراني (ت: ٤٦١ هـ) عبد الرحمن بن محمد بن أحمد: إنه ذكر في خطبة الإبانة أنَّه بَيَّن الأصحَّ من الأقوال والوجوه، قال التاج السُّبكيّ: وهو من أقدم المبتدئين لهذا الأمر (٣).
وهكذا انتهى فقه الشافعيّ إلى هاتين الطريقتين، وأصبحت الكتب المعتبرة لا تعدوهما، فمتى اتفقت الطائفتان على فرع من الفروع، كان هذا القول المعتمد في المذهب.
ثمّ ظهر بعد ذلك عدد من العلماء ممّن لم يتقيّدوا بالنقل عن مدرسة واحدة منها، بل نقلوا عن هذه وتلك، مثل الرُّوياني (ت: ٥٠٢ هـ) صاحب "البحر"، وأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي (ت: ٥٠٧ هـ)، صاحب كتاب
стр. 190
"حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" المسمّى بالمستظهري، وابن الصبّاغ: عبد السيد بن محمد البغدادي (ت: ٤٧٧ هـ)، صاحب كتاب "الشامل شرح مختصر المزني"؛ هم عراقيون ينقلون عن الطريقتين.
والمتولّي: عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري (٤٧٨ هـ)، صاحب "التتمة"، وإمام الحرمين: عبد الملك بن عبد الله (ت: ٤٧٨ هـ)، صاحب "نهاية المطلب"، والإمام الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، صاحب "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، خُراسانيُّون ينقلون عن العراقيين.
وربما يعتمد كل غير طريقته في الفروع، فدوّنوا الفقه وجمعوا بين الطريقتين.
ثم قام إمام الحرمين بجمع طرق المذهب ووجوه الأصحاب المتقدمين في عمله العظيم "نهاية المطلب في دراية المذهب"، وقام بالترجيح فيما اختلف فيه الأصحاب، في ضوء قواعد المذهب، وسار تلميذه الغزالي من بعده على نهجه وأكمل ما بدأه وهذبه، وفتح المجال لتهذيب المذهب وتنقيحه، ذلك الغرض الذي خُدم وخُتم بجهود الإمامين الرافعي والنووي، ولهذا استحقَّا لقب الشيخين عند أئمة المذهب.
* تحرير المذهب:
بدأ فقه الشافعيّ قديمه وجديده يلتقيان في قول موحّد يمثل مذهب الشافعيّ، والراجح من قوله. وقد تُوِّجت الطريقة الثالثة الجامعة بين العراقيين والخراسانيين بظهور الإمامين الجليلين: الرافعيّ، والنوويّ، اللذين قاما بأكبر دور في تحرير المذهب وإرساء قواعده، وبظهورهما دخل
стр. 191
المذهب في دور التحرير والتنقيح. غير أنهّ يمكن عدّ كتاب "المهذّب" لأبي إسحاق الشيرازي، و"الوسيط" لأبي حامد الغزالي، أكثر الكتب تمثيلًا للمذهب عند علماء الفترة السابقة لظهور النووي، الذي يقول في هذين الكتابين: "واشتهر منها لتدريس المدرسين وبحث المشتغلين: كتاب "المهذّب" للعالم العلّامة شيخ المذهب أبي إسحاق الشيرازي، وكتاب "الوسيط" لحجّة الإِسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، وقد أصبح دروس وبحث المحصِّلين المحققين، وحفظ الطلاب المعتنين فيما مضى من الزمان، وفي هذه الأعصار في هذين الكتابين، لما فيهما من الفوائد والتحقيقات (١) ".
* * *
* قواعد الترجيح بين الأقوال والأوجه:
سلك الشافعية منهجًا علميًّا في الترجيح بين الأقوال والأوجه، سواء تعارض قولان: قديمٌ وجديد، أو قولان جديدان، وكذلك عند تعارض الأوجه.
١ - إذا تعارض قولان قديم وجديد فالعمل بالجديد (٢).
٢ - إذا تعارض قولان جديدان: هناك قواعد وأسس يعتمد عليها المفتي عند تعارض القولين، وليس له أن يختار أحدهما كيفما يشاء ودون
стр. 192
نظر واجتهاد، ومن هذه القواعد:
أ - العمل بآخر القولين من حيث التاريخ: فينظر أي القولين متأخر عن الآخر من حيث الزمن فيعمل بآخرهما.
ب - فإن لم يُعلم المتقدم من المتأخر فالعمل بما رجَّحه الشافعي من الأقوال وهاتان الحالتان عندما يكون القولان الجديدان في وقتين مختلفين.
يقول النووي: "ليس للمفتي ولا للعامل المنتسب إلى مذهب الشافعي ﵀ في مسألة القولين ... أن يعمل بما شاء منهما بغير نظر. بل عليه في القولين العمل بآخرهما إن علمه، أو بالذي رجحه الشافعي" (١).
أمّا إذا قالهما في وقت واحد ولم يرجح أحدهما، أو لم يعلم أقالهما في وقت واحد أو لم يرجح أحدهما أو لم يعلم أقالهما في وقتين أو وقت واحد فعلى المفتي:
ت - البحث عن أرجح القولين إن كان أهلًا للترجيح أو التخريج وإلَّا نقل الراجح منهما عن أصحاب الترجيح والتخريج.
ث - التوقف وذلك إن لم يتمكن من الترجيح بأي طريق.
يقول النووي: "وإن قالهما في حالة ولم يرجح واحدًا منها ... ، أو نقل عنه قولان ولم يعلم أقالهما في وقت أم في وقتين وجهلنا السابق، وجب البحث عن أرجحهما فيعمل به، فإن كان أهلًا للتخريج أو الترجيح استقلّ به متعرفًا ذلك من نصوص الشافعي ومآخذه وقواعده، فإن لم يكن أهلًا
стр. 193
فلينقله عن أصحابنا الموصوفين بهذه الصفة، فإن كُتبهم موضحة لذلك فإن لم يحصل له ترجيح بطريق توقف حتى يحصل" (١).
٣ - الترجيح بين الأوجه:
١) يعرف الراجح بما سبق إلَّا أنهّ لا اعتبار فيهما بالتقدم والتأخر إلَّا إذا وقعا من شخص واحد (٢).
٢) يترجح المنصوص على المخرج إلَّا إذا لم يوجد فرق بين المخرج والمنصوص، فإذا كان أحدهما منصوصًا والآخر مخرجًا فالمنصوص هو الصحيح الذي عليه العمل غالبًا (٣).
٣) "النص على فساد مقابله" (٤): يعرف الراجح من الأوجه عند النص على الوجه الآخر بأنّه فاسد، فيكون الأول هو الصحيح.
٤) "إفراده في محل أو جواب (٥): فإذا أفرد الوجه في مسألة خاصة، أو إجابة عن سؤال خاص فالعمل عليه في تلك المسألة لكونه خاصًّا بها.
٥) اعتبار ما صححه الأعلم فالأورع: وذلك حينما يكون المفتي ليس أهلًا للترجيح بين الأقوال أو الأوجه، فإنّه يعتمد ما صححه الأكثر والأعلم
стр. 194
والأورع فإن تعارض الأعلم والأورع قُدِّم الأعلم (١).
٦) اعتبار صفات الناقلين للقولين أو الوجهين: فإن المفتي إذا لم يجد ترجيحًا عن أحد، اعتبر صفات الناقلين للقولين أو القائلين للوجهين فما رواه البويطي والربيع المرادي والمزني مقدَّم عند أصحابنا على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة (٢).
٧) ما وافق أكثر أئمة المذاهب: فإذا كان أحد الوجهين يوافق آراء أكثر أئمة المذاهب، فيترجح الوجه الذي عليه الأكثرية، حكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي قولان أحدهما يوافق أبا حنيفة وجهين لأصحابنا:
أحدهما: أنّ القول المخالف أولى، وهذا قول أبي حامد الإسفراييني، فإن خالفه الشافعي إنّما خالفه لاطلاعه على موجب المخالفة.
الثاني: القول الموافق أولى وهو قول القفال؛ وهو الأصح؛ والمسألة المفروضة فيما إذا لم يجد مرجحًا فيما سبق (٣).
* * *
* اصطلاحات النووي في الترجيح:
وللإمام النووي ﵀ اصطلاحات في الترجيح أوردها في مقدّمة كتابَيْه: "روضة الطالبين وعمدة المفتين"، و"منهاج الطالبين وعمدة المفتين"؛
стр. 195
نوردها مشروحة للإيضاح من كلام الجلال المحلِّي؛ قال النوويُّ:
١ - فحيث أقول في الأظهر أو المشهور فمن القولين أو الأقوال [أي للشافعي] (١) فإن قويَ الخلاف [لقوة مدركه؛ وقوةُ المدرك وضعفُه راجع للدليل الذي استند إليه الإِمام الشافعي] (٢) قلت: الأظهر، وإلا فالمشهور.
٢ - وحيث أقول الأصح أو الصحيح فمن الوجهين أو الأوجه [للأصحاب يستخرجونها من كلام الشافعي ﵀] (٣) فإن قوي الخلاف. قلت: الأصح، وإلا فالصحيح.
٣ - وحيث أقول المذهب فمن الطريقين أو الطرق أو هي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب كأن يحكي بعضهم في المسألة قولين أو وجهين لمن تقدم، ويقطع بعضهم بأحدهما ثم الراجح الذي عبر عنه بالمذهب إما طريق القطع أو الموافق لها من طريق الخلاف أو المخالف لها] (٤).
٤ - وحيث أقول النص فهو نص الشافعي ﵀ ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرج.
٥ - وحيث أقول الجديد [وهو ما قاله الشافعيّ بمصر] فالقديم خلافه أو القديم [الذي قاله الشافعي ببغداد] أو في قول قديم فالجديد خلافه.
стр. 196
٦ - وحيث أقول: وقيل كذا؛ فهو وجه ضعيف والصحيح أو الأصح خلافه.
٧ - وحيث أقول: وفي قول كذا؛ فالراجح خلافه [ويتبيَّن قوة الخلاف وضعفه من مدركه] (١).
* * *
стр. 197
البابُ الثالثُ في كتاب (الغاية في اختصار النهاية)
стр. 198
البابُ الثالثُ في كتاب (الغاية في اختصار النهاية)
* نبذة عن الكتاب الأصل "نهاية المطلب في دراية المذهب" لإمام الحرمين:
يُعدُّ كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" من أهمِّ أوائل الكتب التي صنَّفها الشافعيّة وجمعت بين طريقتي العراقيين والمراوزة أو الخراسانيين، في جمع الأقوال والأوجه ونصوص أصحاب الوجوه.
وقد سلك فيه المؤلِّف ﵀ مسلك الشارح لمختصر الإمام المزنيِّ لذلك قال في مقدمة (النهاية): "وسأجري على أبواب (المختصر) ومسائلها جهدي، ولا أعتني بالكلام على ألفاظ (السواد) (١)، فقد تناهى في إيضاحها الأئمة الماضون، ولكني أنسب النصوص التي نقلها المزني إليه، وأتعرض لشرح ما يتعلق بالفقه منها -إن شاء الله تعالى- وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجهٌ غريب منقاس، ذكرتُ ندوره وانقياسه"؛ وأدرج في إيضاحه وشرحه تقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول وفروع.
وننقل هنا ما قاله فيه تلميذ العز بن عبد السلام، شهابُ الدّين أحْمَد بن يُوسُف اللَّبْلِيُّ (ت: ٦٩١ هـ) في "فهرسه" إذ قال: "واتفقت له - أي إمام
стр. 199
الحرمين - نهضة في أعلى ما كان من أيامه إلى أصبهان بسبب مخالفة بعض من الأصحاب فلقي بها من المجلس النظامي ما كان اللائق بمنصبه من الاستبشار والإعزاز والإكرام بأنواع المبارّ، وأجيب بما كان فوق مطلوبه وعاد مكرمًا إلى نيسابور، وصار أكثر عنايته مصروفًا، إلى تصنيف المذهب الكبير المسمى بـ "نهاية المطلب في دراية المذهب"، حتى حرَّره وأملاه، وأتى فيه من البحث والتقرير، والسبك والتنقير، والتدقيق والتحقيق، بما شفى الغليل، وأوضح السبيل، ونبَّه على قدره ومحلِّه في علم الشريعة، ودرَّس ذلك للخواص من التلامذة، وفرغ منه ومن إتمامه، فعقد مجلسًا لتتمَّة الكتاب، حضره الأئمَّة والكبار، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء، وتبجَّح الجماعة بذلك، ودَعَوا له، وأثنوا عليه، فما صُنِّف في الإسلام قبله مثله، ولا اتَّفق لأحد ما اتفق له، ومن قاس طريقته بطريقة المتقدمين في الأصول والفروع وأنصف = أقرَّ بعلوِّ منصبه، ووفور تعبه ونصبه في الدين، وكثرة سهره في استنباط الغوامض، وتحقيق المسائل، وترتيب الدلائل" (١).
يرى الباحثون (٢) أن هذا الكتاب، والذي سمّاه ابن الصلاح وغيره بـ "المذهب الكبير"، هو الخطوة الأولى لتحرير المذهب، والتي تُوِّجت فيما بعد على يد الشيخين: الرافعي والنووي، لذلك كان هذا الكتاب مقصد
стр. 200
العلماء في الفتوى، وعليه العولُ في نقل كثير من نصوص المتقدّمين ولا سيَّما أصحاب الوجوه من الخراسانيين فيما أُرجح، لسعة اطِّلاع إمام الحرمين، فضلًا عن قوة العارضة لديه في الصياغة والتأليف، وحُسن التبويب والتفريع.
ولن تُغني هذه العُجالة عن الرجوع إلى الأصل، فهو في غاية النفاسة، ولا أحسب أن كتابًا ألف في مذهب من المذاهب مثله؛ في استدلاله بعقله، لقوة استنباط إمام الحرمين، وفهمه، وإدراكه، وإحاطته بعلم المنطق؛ فضلًا عن علوِّ كعبه في الفقه، ورسوخ قدمه في الأدب وصناعة الكتابة؛ وقد تمثَّل فيه قول ابن السُّبكيّ في إمام الحرمين: "كان رجلًا محقِّقًا مدققًا، يغلبُ بعقله على نقله (١) ". وقد استوفى محقِّقه الدكتور عبد العظيم الديب الكلام عليه في مقدِّمته للكتاب، فلا حاجة للتوسُّع بذلك.
* * *
* مختصرات "نهاية المطلب في دراية المذهب" لإمام الحرمين الجوينيّ:
اختصر "نهاية المطلب" ثلاثة من كبار فقهاء عصرهم في المذهب؛ هم:
١ - إمام الحرمين: مؤلّف الكتاب الأصل "نهاية المطلب"، قال ابن السُّبكي في اختصاره لها: "وله مختصر النهاية اختصرها بنفسه وهو عزيز الوقوع، من محاسن كتبه، قال هو نفسه فيه: إنه يقع في الحجم من النهاية أقل
стр. 201
من النصف، وفي المعنى أكثر من الضعف (١) ". وينقل عنه النووي في المجموع قليلًا، ويبدو أنّ نسختها نادرة جدًّا، كما قال ابن السُّبكيّ، فلذلك يعزُّ النقل عنها في كتب المذهب.
٢ - ابن أبي عصرون: أبو سعد عبد الله بن محمد الموصلي (ت: ٥٨٥ هـ) شيخ الشافعية في مصر والشام، إذ كان الفقيه المقدَّم في البلد الذي ينزل فيها، ذكر اختصارَه ابنُ الصلاح؛ وقال: "وله تصانيف عديدة، منها: "صفوة المذهب في تهذيب نهاية المطلب" في نحو ثماني مجلدات، وقفتُ على شيء منه، فوجدتُه قد استدرك على الإمام أشياء لم أرتض ما وقع له فيها"، وذكر مسائل؛ وذكره ابن السُّبكيّ في طبقاته باسم: "صفوة المذهب على نهاية المطلب في سبع مجلدات" (٢). وسماه ابن قاضي شهبة: "صفوة المذهب في اختصار نهاية المطلب"، وقال: "في سبع مجلدات" (٣).
ووصف د. عبد العظيم الديب مختصر ابن أبي عصرون بقوله: "جرى في اختصاره على ذكر عبارة الإمام في "نهاية المطلب" كما هي دون تغيير يُذكر، وإنَّما يقوم اختصاره على حذف بعض الأمثلة، وبعض الاستطرادات، والإسهاب في الشرح أحيانًا" (٤).
٣ - العز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ): في "الغاية في اختصار النهاية"،
стр. 202
وهو هذا الكتاب؛ وسيأتي توصيفه في هذه المقدّمة.
والملاحظُ أنّ العلماء المختصِرين للكتاب كانوا شيوخ مصر والشام في عصرهم في إمامة المذهب الشافعيّ؛ وهو يدلّ على مكانة كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" لدى أهل العلم، وصعوبة الإقدام عليه، عناية واختصارًا وتهذيبًا، إلا لشيوخ العصر.
* * *
* توثيق نسبة الكتاب وعنوانه إلى المؤلّف:
ثبتت نسبة الكتاب إلى مؤلّفه في جلّ الكتب التي ترجمت له؛ فقد نسبه إليه أجلّةُ العلماء من المؤرّخين والفقهاء والحُفّاظ، مثل تقيّ الدِّين السُّبكيّ، وابن شاكر الكتبي، وابن تغري بردي، والزركشيّ، وتاج الدين ابن السُّبكيّ، وابن حجر العسقلاني، وجلال الدِّين السيوطيّ، وشمس الدين الداودي، والشيخ زكريا الأنصاريّ، والرمليّ، وأحمد البرلسي عميرة، وابن حجر الهيتمي، ونور الدِّين الشبراملسيّ، وحاجي خليفة، وإسماعيل باشا البغدادي.
وقد ورد عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلِّف عند أهل العلم كما يلي:
١ - "الغاية في اختصار النهاية": ورد عند ابن السُّبكيّ في "طبقات الشافعيَّة الكبرى" (٨/ ٢٤٨)، وتقيّ الدِّين ابن السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (١٠/ ٤٤٨)، و"فتاوى السُّبكي" (٢/ ٩١، و ٢/ ٢٨٩)، والسيوطي في "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أنّ الاجتهاد في كلّ عصر فرض" (ص: ٧)
стр. 203
(ق ٤ من مخطوطة جامعة الرياض)، والداودي في "طبقات المفسرين" (١/ ٣٢٠)، والشيخ زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب في شرح روض الطالب" (٣/ ٤٣٣)، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢/ ١٩٨٤)، وإسماعيل باشا البغدادي في "هدية العارفين" (١/ ٥٨٠)، وكذلك على النسخة (م) أو الأصل المنسوخة سنة (٦٤٢ هـ)، والنسخة (ل) المنسوخة سنة (٦٤٥ هـ) أي في عصر المؤلِّف.
٢ - "مختصر النهاية": ورد بهذه التسمية عند تاج الدين السُّبكيّ في كتابه "الأشباه والنظائر" (١)، وتقيّ الدِّين ابن السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (١١/ ٢٢٨)، وبدر الدين الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) في كتابه "المنثور في القواعد الفقهية" (٢)، وابن حجر في "رفع الإصر" (١/ ٢٤١)، والسيوطي في "الأشباه والنظائر في فروع وقواعد الشافعيَّة" (١/ ٧٤)، وفي "إرشاد المهتدين إلى نصرة المجتهدين" (ص: ٦)، والشيخ زكريا الأنصاري في "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" (٢/ ٤٥، و ٣/ ١٩٢، و ٥/ ١٠٩، و ٥/ ١٩٢)، والأدنه وي في "طبقات المفسرين" (ص: ٢٤٢)، والسيوطي في "حسن المحاضرة" (١/ ٣١٤)، والرملي الكبير في "حاشية أسنى المطالب في شرح روض الطالب للشيخ زكريا الأنصاري" في (١/ ١٢١ و ١/ ١٢٢،
стр. 204
١/ ٢٧٦ و ١/ ١٥٣)، وابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الفقهية الكبرى": (٤/ ٤٤٥ و ٦/ ٤٥٥)، وعميرة: أحمد البرلسي في "حاشيته على شرح المحلِّي على منهاج الطالبين" (٤/ ٣٠)، والشبراملسي في "حاشيته على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" للرملي (٤/ ١٧٧)، وكذلك على النسخة (ظ) المنسوخة في عصر المؤلّف.
٣ - "اختصار النهاية": ورد عند تقي الدّين ابن السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (١٢/ ٩٠)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (١٣/ ٢٣٥)، وفي طبقات الشافعيين (١/ ٨٧٥)، وابن قاضي شهبة في "طبقات الشافعيّة" (٢/ ١١١).
٤ - "الغاية": ورد هكذا عند تقي الدِّين ابن السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (١٠/ ٣٠٥، و ١١/ ٢٣٦، ١٠/ ٤٠١).
٥ - وممّن أشار إلى اختصاره "نهاية المطلب": ابن شاكر (٢/ ٣٥٢) في "فوات الوفيات"، وابن تغري بردي في "المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي" (٧/ ٢٨٨) وقالا: واختصر "نهاية المطلب"، وقال: ابن السُّبكيّ في "فتاواه" (٢/ ٢٨٧): "وعبارة ابن عبد السلام في اختصاره ... ".
ونلحظ أنّه قد ذُكر باسم "الغاية مختصر النهاية"، أو "الغاية"، اكتفاء بذكر صدر الكتاب عن تمامه، وذُكر باسمه المُجمل الدالِّ على وصفه: "مختصر النهاية"، و"اختصار النهاية"؛ لذلك آثرنا وضع العنوان كما جاء بتمامه على وجه التحقيق: "الغاية في اختصار النهاية".
* * *
стр. 205
* العز بن عبد السلام و"نهاية المطلب ":
من الواضح أنّ الإمام العز كان كلِفًا بكتاب "نهاية المطلب"، فقد اختصره في "الغاية"، وشرع في كتاب يجمع بينه و"الحاوي" للماورديّ أسماه "الجمع بين الحاوي والنهاية"، لكنّه لم يكمل، ولشدّة عنايته بـ "نهاية المطلب" وإعجابه وولعه وعنايته بها، كان العز رحمه الله تعالى سريع القراءة لها، لا يفوته من معانيها شيء، ويبدو أنّ المداومة على قراءتها، وتكرار ذلك، وإتاحة تقليب النظر فيها مرارًا، جعله مميِّزًا لِمُشكِلِها، هاضمًا لنصوصها، عارفًا ببيان الراجح والمرجوح منها، حتى إنّه كان يقرأ "نهاية المطلب" المطبوع في عشرين مجلّدًا في ثلاثة أيام؛ يشهد لذلك ما ورد في "ذيل تذكرة الحفاظ" للحسيني (٥/ ٢٠٢): "قال شيخنا الحافظ برهان الدين سبط ابن العجميّ:
وحُكيَ لي أنَّ الشيخ بهاء الدين بنَ عقيل حكى له عن قيِّم مسجد النارنج (١) بالقرافة أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يخرج إلى المسجد المذكور يوم الأربعاء، ومعه "نهاية إمام الحرمين" فيمكث بالمسجد يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة إلى قبيل الصلاة، فينظر في هذا الوقت "النهاية".
قال: الشيخ بهاء الدين وأنا أستبعد ذلك، فقال الشيخ سراج الدين البُلْقيني: ولا أستبعد لأنّ الشيخ عز الدين لا يُشكل عليه منها شيء، ولا يحتاج إلى أن يتأمَّل منها إلا شيئًا قليلًا أو ما هذا معناه، وأنا أنظر مجلدًا في يوم واحد.
стр. 206
قال شيخنا برهان الدين [سبط ابن العجميّ]: فذكرتُ هذه الحكاية لشيخنا سراج الدين ابن الملقن فقال لي عقيب ذلك: أنا نظرتُ مجلدين من الأحكام للمحب الطبري في يوم واحد".
* * *
* الكتب التي نقلت عن "الغاية في اختصار النهاية ":
نقل عن "الغاية في اختصار النهاية" عدد من أجِلَّة العلماء والفقهاء الأعلام الذين زيَّنوا بنقولهم كتبهم، ولا سيّما في توضيح كثير من عبارات الإمام الجويني، إذ كان العز ﵀ بمثابة مُحِلّ العبارة للفقهاء الذين جاؤوا بعده، فما ينقلوه من عباراته إمّا نقلًا لآراء العز أو إيضاحًا لمقال الجويني، أو نصًّا عنه لفائدة عزيزة.
وفي كتب المذهب، نُقولٌ عن "الغاية في اختصار النهاية" نجدها عند السُّبكيّ، والزركشيّ، وابن السّبكيّ، والسيوطيّ، والشيخ زكريا الأنصاريّ، والرمليّ، وعميرة، وابن حجر الهيتمي، والشبراملسيّ. ويشترك هؤلاء العلماء بخواصّ مشتركة، وهي كونهم من عمالقة المذهب المتأخّرين، إضافة إلى وقوفهم على كتب المذهب النادرة. ذلك أنّ ندرة الكتاب ونُسَخِه، وحياة العز المضطربة والقلقة بين الشام ومصر، وخلافاته مع الحكّام، ساهم في محدوديّة انتشار الكتاب فيما أُرجِّح، ولا سيَّما أنَّه ألّف لطبقة عالية من العلماء.
وأمَّا العلماء الذين نقلوا عنه في كتبهم ومواضعها فهم:
стр. 207
١ - السُّبكيّ: عبد الوهاب بن تقي الدين، تاج الدين (ت: ٧٧١ هـ) في كتابه "الأشباه والنظائر" (١)، وسمَّاه "مختصر النهاية".
٢ - الزركشي: محمد بن عبد الله بن بهادر، أبو عبد الله، بدر الدين (ت: ٧٩٤ هـ) في كتابه "المنثور في القواعد الفقهية" (٢)، وسمَّاه: "مختصر النهاية".
٣ - ابن السُّبكيّ: علي بن عبد الكافي، تقي الدين، أبو الحسن (ت: ٧٥٦ هـ) في:
أ - "تكملة المجموع":
١) (١٠/ ٤٤٨): وسماه "الغاية مختصر النهاية".
٢) ونقل عنه في (١١/ ٢٢٨): وسمّاه "مختصر النهاية".
٣) وذكره في (١٢/ ٩٠) باسم: "اختصار النهاية".
٤) وذكره في (١٠/ ٣٠٥، و ١١/ ٢٣٦) باسم: "الغاية".
٥) وقال في (١٢/ ٧٤): قال ابن عبد السلام في "اختصاره للنهاية".
٦) وقال في (١٠/ ٤٠١): " ... وذكر الإمام في النهاية عن الأئمة ما ظاهره يوافق كلام القاضي حسين وموافقيه واختصره الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في "الغاية" فأوضحه وبيَّن ما ذكرته فقال ... ".
стр. 208
ب - في "فتاوى السُّبكيّ": (٢/ ٩١، و ٢/ ٢٨٩): باسم: "الغاية في اختصار النهاية".
٤ - السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، أبو الفضل، جلال الدين (ت: ٩١١ هـ):
أ - في "إرشاد المهتدين إلى نصرة المجتهدين" (ص: ٦)، وسمَّاه: "مختصر النهاية".
ب - وفي "الأشباه والنظائر في فروع وقواعد الشافعيَّة" (١/ ٧٤): وسماه "مختصر النهاية".
٥ - الشيخ زكريا الأنصاري: زكريا بن محمد، زين الدين (ت: ٩٢٦ هـ):
١) في "أسنى المطالب في شرح روض الطالب": وسماه في (١/ ١٢١، و ٢/ ٢٨٠): "مُخْتَصر النِّهَايَةِ". وفي (٣/ ٤٣٣) وسماه: "الغايَة في اختصارِ النِّهايةِ".
٢) في "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية": (٢/ ٤٥، و ٣/ ١٩٢، و ٥/ ١٠٩، و ٥/ ١٩٢): وسمّاه: "مختصر النهاية".
٦ - الرملي الكبير: أحمد بن حمزة، شهاب الدين (ت: ٩٥٧ هـ) نقل عنه في "حاشية أسنى المطالب في شرح روض الطالب للشيخ زكريا الأنصاري" في (١/ ١٢١ و ١/ ١٢٢، ١/ ٢٧٦) وسماه: "مختصر النهاية"، وفي (١/ ١٥٣) وسمَّاه: "مختصر النهاية".
٧ - عميرة: أحمد البرلسي (ت: ٩٥٧ هـ) في "حاشيته على شرح المحلِّي
стр. 209
على منهاج الطالبين" (٤/ ٣٠): وسمَّاه: "مختصر النهاية".
٨ - ابن حجر الهيتمي: أحمد بن محمد بن علي (ت: ٩٧٤ هـ) في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (٤/ ٤٤٥ و ٦/ ٤٥٥): وسمّاه: "مختصر النهاية".
٩ - الشبراملسي: نور الدين بن علي (ت: ١٠٨٧ هـ) في "حاشيته على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" للرملي (٤/ ١٧٧): وسماه: "مختصر النهاية".
* * *
* موارد المؤلّف:
موارد العزِّ بن عبد السلام في هذا الكتاب هي موارد مؤلِّف الأصل إمام الحرمين الجويني؛ ولعلّ الإمام العزِّ ﵀ لم يتجاوز كتاب "نهاية المطلب" إلى كتاب آخر؛ فنقل عن الكتب بواسطته، وهو الذي أُرجِّحُه، وما أثبته الإمامُ العزِّ من اختلاف مع إمام الحرمين = فعن تحقيق وعلم واختيار وترجيح من الإمام العزِّ ﵀؛ ولا أحسبه نقلًا عن كتب المذهب وأصحاب الوجوه.
وأمَّا أصحاب الكتب التي رجع إليها المؤلِّف الأصل إمام الحرمين الجويني، وذكرهم العز بن عبد السلام في الكتاب تبعًا له؛ فهم:
أبو القاسم الفُوراني صاحب الإبانة، إبراهيم البلدي، ابن أبي هريرة، ابن الحدَّاد، ابن القاص صاحب التلخيص، ابن القفال الشاشي صاحب التقريب، ابن اللبَّان، ابن بنت الشافعيّ، ابن خيران، أبو العباس بن سُريج، أبو إسحاق، أبو الطيِّب الطبري، أبو الطيِّب بن سلمة، أبو القاسم
стр. 210
الأنماطي، أبو الوليد النيسابوري، أبو بكر الإسماعيلي، أبو بكر الأودني، أبو بكر الصيدلاني، أبو بكر الطوسي، أبو بكر الفارسي، أبو ثور، أبو جعفر الترمذي، أبو حامد المروروذي، أبو حفص ابن الوكيل، أبو زيد المروزي، أبو سهل الصعلوكي، أبو عبيد بن حربويه، أبو علي الطبري، أبو نصر القشيري، أبو يحيى البلخي، أبو يعقوب الأبيوردي، أبو حامد الإسفراييني، الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، الأستاذ أبو منصور البغدادي، أبو سعيد الإصطخري، البويطي، التَّتِمَّة للمتولي، التعليق (أو التعليقة) للقاضي حسين، حرملة، الحسين الكرابيسي، الحَلِيمي، الخِضْري، الربيع بن سليمان الجيزي، الربيع بن سليمان المرادي، الزبيري أو أبو عبد الله الزبيري، الزعفراني، الزيادي، الساجي، سهل الصعلوكي، أبو علي السِّنْجِيّ، الصغير المروزي، الصيدلاني، الصيرفي، القاضي أبو حامد، والشيخ أبو حامد، القاضي حسين، الماسَرْجِسِي، المتولِّي، المحامليّ، أبو بكر المحمودي، المُزَنيّ، الشيخ أبو حامد الإسفرايني، يونس بن عبد الأعلى.
وقد أتينا على ترجمتهم وتفصيلها في فقرة (مصطلحات رجال المذهب وكتبهم المشهورة المذكورين في الغاية في اختصار النهاية) من هذه المقدِّمة.
* * *
* مناقب "الغاية في اختصار النهاية ":
لم يُقدِمْ على اختصار "نهاية المطلب" إلا مؤلِّفها، وابن أبي عصرون، والعزُّ بن عبد السلام، كما بيَّنَّا. ويمتاز كتاب العز بما يأتي:
стр. 211
* صياغة نصِّ الجويني صياغةً جديدة، وحلّ مُشْكِلِ العبارات التي أوردها الجويني، وتسهيل الجمل أمام الفقهاء الذين جاؤوا بعده، والبُعد عن الاستدلالات المنطقيّة، وتخليصه من أقوال المذاهب الفقهيّة الأخرى، كالحنفيّة والمالكيّة والظاهرية، وكأنّه ألّفه ليكون دليلًا للمتفقه والمفتي، وجعله كتابًا شافعيًّا فحسبُ، محرَّر الأقوال، مهذّب النَّص، يُغنيه عن "نهاية المطلب" في العلم والعمل والفتوى.
* تقديم الكتاب بأسلوب جديد مبتكر، فالعزُّ بنُ عبد السلام لا يريد أن يُؤلِّف كتابًا جديدًا في الفقه، ولكنَّه كأنهّ أراد أن يُقدِّم للناس كتابًا جديدًا في الفقه مبنيًّا على كتاب إمام الحرمين، لذلك نجده يتَّفق معه في الكتب وترتيبها، ويختلف معه في التقسيم على الفروع والأبواب، لزيادة الإيضاح، وحُسن التأليف، وتقريب الكتاب إلى القارئ والمستفيد.
* وجود آراء ابن عبد السلام في الفقه الشافعي، من خلال مسحٍ كامل للفقه الإسلاميّ؛ فقد نقلت كتبُ المذهب من كتبه: "الفتاوى الموصليّة" و"الفتاوى المصريّة"، و"القواعد الكبرى" أو "قواعد الأحكام" الشيء الكثير، لكنّ النقل عن "الغاية في اختصار النهاية" لم يتيسّر إلا لكبار علماء المذهب (١)؛ ذلك أنّ عزَّة النسخة وندرتها وقلّة تداولها وحياة العز المضطربة منعت من الإفادة وانتشار هذا الكتاب العظيم. وخطّة المؤلف في الكتاب أنّه يضع رأيه كلّما رأى الحاجة ضروريّة، مخالفًا لإمام الحرمين تارةً، وموافقًا ومُقِرًّا
стр. 212
لصنيعه تارةً أخرى.
* من مظاهر الأدب عند ابن عبد السلام أنَّ مدرسته في الاختصار تحترم الكتابَ الأصل المختصَرَ، وتحترم مؤلِّفَه، فلا يذكر فيه جرحًا أو طعنًا أو سوءًا في ردِّ الأقوال ودفعها، وإنَّما يقول (قال الإمام) ويردُّ عليه بـ (قلتُ) فحسبُ. وهذا ما لمسناه من قبلُ في كتابه الذي حقَّقناه "مقاصد الرعاية أو مختصر رعاية المحاسبي"، حيث يقول فيه: (قال الشيخ) يقصد المحاسبيَّ، ويردُّ عليه بقوله: (قلتُ)، وهو لَعَمري نقاش علميٌّ ومساجلة جليلة؛ ولم يظهر معي ردٌّ قويٌّ إلا في نقاشه مع ابن الصلاح حول صلاة الرغائب، والتي بيَّنتُها في (فقرة مساجلاته وخلافاته مع علماء عصره).
وأمّا مناقبُها على لسان أهل العلم:
* فقد قال ابن السُّبكيّ: "والغاية في اختصار النهاية: دلَّت على قدره" (١).
* ووصف إيضاحه السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (١٠/ ٤٠١) فقال: " ... بمثلها ولا بالخالصة وإن قل الخليط وذكر الإمام في النهاية عن الأئمة ما ظاهره يوافق كلام القاضي حسين وموافقيه واختصره الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في الغاية فأوضحه وبيَّن ما ذكرتُه، فقال: وقد قالوا: إذا باع حنطة بحنطة في المكيالين ... ".
* وقال السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (١١/ ٢٣٦): " ... قال الإمام:
стр. 213
إن منعنا بلع السمكة حية فليس السمك مال ربا وإن جوزنا بلعها فقد تردد شيخي فيها. قال الإمام: والوجه القطع بأنه لا ربا فيها لأنها لا تعدّ لهذا وفرَّق صاحب التهذيب بين الصغار والكبار فإن الصغار هي التي تبتلع فلذلك قصر ابن عبد السلام في الغاية الخلاف عليها وجزم في الكبار بأنها ليست بربوية وهو مفهوم كلام الإمام وجزم صاحب التتمة في السمك الصغير إذا جوزنا ابتلاعه وفي الجراد الحي بجريان الربا فيهما قال الروياني وكذلك جرادة بجرادة يعني فيه وجهان ... ".
* وقال الدكتور عبد العظيم الديب في مقدمة تحقيقه "النهاية" (ص: ٤٠١) واصفًا "الغاية": "مختصر العز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ) واسم هذا المختصر: (الغاية في اختصار النهاية) وهو على غير منهج ابن أبي عصرون، فهو يترك عبارة الإمام جانبًا، ويصوغ الفصل صياغة جديدة غاية في الإيجاز ولذا كانت إفادتنا منه في حل المشكلات والمعوصات من المسائل؛ إذ كان يساعد على فهم المعنى والمغزى من مجمل المسألة، في كثير من الأحيان".
وقد استعان الدكتور عبد العظيم الديب ﵀ بكتاب العز ﵀ "الغاية في اختصار النهاية" بترميم نقص في مخطوطات "نهاية المطلب" مثل (٦/ ٥٤ و ٧/ ٥)، وبتسمية أبواب مثل (١٢/ ٤٠٢)، وتصحيح عبارات (١٣/ ٤١٣).
وأثبت الديب ﵀ الإشارة إلى "الغاية في اختصار النهاية" في أكثر من ثلاثين موضعًا في هوامش تحقيقه لكتاب "نهاية المطلب"، مستعينًا
стр. 214
بها في تقويم نصّ أوتقديم إضاءة عنه أو توضيح له؛ منها من كلّ جزء مثال: (٧/ ١٠٢، ١١/ ٣٦٤، ١٢/ ١٠١، ١٣/ ٧، ١٤/ ٥٩، ١٥/ ١٢٩، ١٨/ ١٢، ١٩/ ١٧).
وعتبنا الوحيد عليه هو تدوين وصف "الغاية في اختصار النهاية" في مقدّمته بإيجاز دون بيان فضلها المميّز.
* * *
* توصيف النسخ الخطّيّة المعتمدة في التحقيق:
وردنا الكتابُ بحمد الله كاملًا، إلَّا الجزء الثالث من الأجزاء الخمسة المكوَّنة من الأصل الخطّي (م)؛ إذ إنَّه فُقدَ ممَّا فُقِد من المخطوطات.
لكنّ الله منَّ علينا بأن وجدنا النصف الأول من الجزء الثالث في المكتبة العمرية من مجموعة مخطوطات المكتبة الظاهرية، كما سيأتي وصفه. ولا يوجد له مقابلٌ في النسخ الأخرى، ولا تتمَّة للنصف الثاني في أي من النسخ.
وهذا النقص في مخطوطات كتاب الغاية يتضمَّن: تتمّة كتاب القِراض، وكتاب المساقاة، وكتاب الإجارة، وكتاب المزارعة، وكتاب إحياء الموات، وكتاب العطايا والصدقات، وكتاب الهبات، وكتاب اللقطة، وكتاب الفرائض؛ كما يتبيَّن من مقابله من كتاب "نهاية المطلب" لإمام الحرمين.
وقد رجعنا في تحقيقنا إلى خمس نسخ عرفناها للكتاب؛ وهي النسخة (م) أو (الأصل): من دار الكتب المصريَّة، وتتضمّن خمسة أجزاء؛ والموجود
стр. 215
منها هو الأوّل، والثاني، والرابع، والخامس، والثالث مفقود.
وأما النسخة (ظ) المحفوظة بدار الكتب الظاهرية ضمن مجموعة المكتبة العمرية؛ فهي نصف الجزء الثالث المفقود في دار الكتب المصرية، وبذلك فإن هاتين النسختين أكملتا الكتاب، إلا النصف الثاني من الجزء الثالث، فقد بقيَ مفقودًا. ولم ترمِّمُه لنا النسخ الأخرى.
والنسخ الثلاث الأخرى هي النسخة (ح) من أحمد الثالث، والنسخة (ل) من مكتبة غوته، والنسخة (س) من مكتبة السليمانيَّة.
وأَمَّا أجزاء النسخ ومقابلها من النسخ الأخرى؛ فهي:
الجزء الأول المخطوط الأصل فيوجد له مقابل نسخة أخرى، وهي النسخة (ح) النسخة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث بإستانبول.
وأما الجزء الثاني من المخطوط الأصل فيوجد له مقابل نسخة أخرى، وهي النسخة (ل) المحفوظة بمكتبة غوته بتوبنغن بألمانيا.
وأمّا الجزء الثالث من المخطوط الأصل؛ فمفقودٌ كما قدّمنا؛ ويُوجد مقابل له النصف الأول منه وهي نسخة الظاهريَّة (ظ).
وأمّا الجزء الرابع من المخطوط الأصل؛ فنسختُه فريدة لا يوجد له مقابلٌ في النسخ الأخرى.
وأما الجزء الخامس والأخير من المخطوط الأصل فيوجد له مقابلٌ نسخة أخرى، وهي النسخة (س) وهي النسخة الموجودة في المكتبة السليمانيّة بإستانبول.