وإن قال: مَن أسلم منكنَّ فقد فسختُ نكاحها، ولم ينوِ الطلاق، لم ينفذ الفسخ فيمَن يُسلم منهنَّ، وإن زعم أنَّه أراد الطلاق قُبِلَ؛ فإنَّ الفسخ قَبْلَ الإسلام لا يَقبل التعليق، فلم يجد لفظُ الفسخ نفاذًا في موضوعه، وأَبعدَ مَن قال: لا يُقبل.
ولو قال: من أسلم منكنَّ فهي طالق، نفذ الطلاق فيمَن تُسْلِم، وتبعه الاختيار، كما لو قال للمكاتَب: إن دخلتَ الدار فأنت حرٌّ، فإنَّه يعتق بالدخول، ويبرأ تبعًا للعتق وإن كان الإبراءُ لا يقبل التعليق.
ولو أسلم أربعٌ في دفعة، ففسخ نكاحهنَّ، ثم أسلم الأربعُ الأُخَرُ في دفعةٍ، ففسخ نكاحهنَّ؛ فإنْ منعنا الوقفَ نفذ الفسخ في الأواخر، وتعيَّن الأوائلُ للنكاح، وإن أجزنا الوقف نفذ في الأوائل، وتعيَّن الأواخر.
ولو أسلم الثمان واحدةً بعد واحدةٍ، فخاطب كلَّ واحدة بالفسخ عند إسلامها؛ فإنْ منعنا الوقفَ تَعيَّن نكاح الأوائل، وانفسخ نكاح الأواخر، وإن أجزنا الوقف بانت الأولى بإسلام الخامسةِ، والثانيةُ بإسلام السادسةِ، والثالثةُ بإسلام السابعةِ، والرابعةُ بإسلام الثامنةِ.
٢٣٦١ - فرع:
إذا أسلم خمسٌ منهنَّ أو ستٌّ، فحَصَرَ الاختيارَ فيهنَّ، صحَّ اتِّفاقًا، وإن أسلم الباقياتُ اختار أربعًا ممَّن حَصَرَ الاختيار فيهنَّ، كما لو أبهم طلقةً بين أربعٍ، ثم قال: التي قصدتُها بالطلاق في هاتين المرأتين، فتتعيَّن الأخريان للنكاح، ويعيِّن واحدةً من الاثنتين للطلاق.
стр. 1892
٢٣٦٢ - فرع:
لو أسلم على واحدةٍ، وطلَّقها؛ فإن أصرَّت حتى انقضت العدَّة لم يقع الطلاق، وإن أسلمت في أثنائها فوجهان؛ إذ الطلاق قابلٌ للتعليق.
٢٣٦٣ - فرع:
إذا أجزنا وقف الاختيار، فاختار أربعًا من الوثنيَّات قبل إسلامهنَّ، لم يصحَّ؛ فإنَّهنَّ لا يقبلن الاختيار، كما لا يُوْقَفُ بيعُ الخمر على التخلُّل، ويُحتمل أن يوقف الاختيار؛ فإنَّهنَّ لو أسلمن في العدَّة لتبيَّن بقاء نكاحهنَّ مع كفرهنَّ، بخلاف الخمر؛ فإنَّا لا نتبيَّن أنَّها مملوكةٌ عند التصرُّف.
٢٣٦٤ - فرع:
نصّ الشافعيَّ على أنَّ ابتداء العدَّة من حين إسلام أحد الزوجين، ولو نكح نكاحًا فاسدًا، ووطئ، فابتداءُ العِدَّة من آخر وطأة، أو من حين التفريق؟ فيه قولان؛ لأنَّهما يتخالطان مخالطةَ الأزواج، بخلافِ العدَّة في اختلاف الدين، وخرَّج بعض الأصحاب عدَّة اختلاف الدِّين على القولين، فإن قلنا: لا يُعتبر بإسلام السابق منهما، فالاعتبارُ بحال التعيُّن للفراق، والأوّل قولُ الجمهور.
٢٣٦٥ - فرع:
من أبهم طلقة بين نسوةٍ، أو أسلم على أكثرَ من أربعٍ، تحتَّم عليه بيانُ المطلَّقة، وتعيينُ أربعٍ للنكاح، قال الشافعيُّ: فإن امتنع حُبس، فإن امتنع مع الحبس عُزِّر؛ ليختار؛ إذ لا يجوز تركهنَّ غيرَ متعيِّناتٍ للفراق أو النكاح.
وقال الأصحاب: للحاكم أن يجمع بين الحبس والتعزير إن رأى ذلك
стр. 1893
في حقِّ كلِّ مَن توجَّه عليه حقٌّ، فامتنع من أدائه بغير عذرٍ.
وقال الإمام: لا يجمع بين الحبس والتعزير إلا إذا اعترف بالحقِّ، وبالقدرة عليه، فإن ثبت بالبيِّنة، وادَّعى الإعسار، لم يُعزَّر، وإن أقرَّ باليسار فلا يُعزَّر على الظاهر عنده، وظاهرُ كلام الأصحاب: وجوبُ التعزير إذا رآه، وإذا رأينا التعزير لم يتحتَّم، بل هو إلى رأي الوالي على ما سنذكره إن شاء الله.
ويجوز تكرارُ التعزير إذا تخلَّل بين كلِّ تعزيرين مدَّةٌ يبرأُ فيها من ألم التعزير السابق، فإن أصرَّ على الامتناع لم يَقُمِ الحاكمُ مقامه في الاختيار، وعليه نفقتهنَّ في مدَّة الامتناع اتِّفاقًا؛ لقدرته على تخليصهنَّ بالاختيار.
وإذا حُبس لم يُعزر حتى تمضي مدَّةُ الاستنابة، فلعله يفكِّر فيمن يختار.
* * *
٢٣٦٦ - فصل في موت الزوج قبل الاختيار
إذا مات الزوجُ قبل البيان فعدَّتهنَّ بالحمل إن كنَّ حواملَ، أو بأربعةِ أشهر وعشرٍ إن كنَّ من ذوات الأشهر، وإن كنَّ من ذوات الأقراء فعليهنَّ ثلاثةُ أقراء، وأربعةُ أشهر وعشرٌ (١)، وابتداءُ الأشهر من موت الزوج، وابتداء الأقراء من حين اختلف الدِّينُ على الأصحِّ، ومن الموت على الوجه الآخر.
стр. 1894
فإن أسلمن مع الزوج: فعدَّتهنّ من حين الإسلام، أو الموت؟ فيه الخلاف.
وأمَّا الميراث فقد قال ابن سُريجٍ: يُقسمُ بينهنَّ الربعُ أو الثمنُ في الحال إذا اعترفن بالإشكال؛ لأنَّ الإبهام قد تحقَّق في الظاهر والباطن، بخلاف الخناثى، فإنا نتوقع فيهم البيانَ، وبخلاف ما لو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فزينبُ طالقٌ، وإن لم يكن غرابًا فعمرةُ طالقٌ؛ فإنَّ الإبهام غير متحقِّق في الباطن، واختاره الإمام.
وقال الجمهور: إن اصطلحن على قسمة ذلك جاز، وإن أَبينَ وُقف بينهنَّ؛ فإن كنَّ ثمانيًا، فطلب أربعٌ فما دونهنَّ شيئًا لم نُجِبْهن، وإن طلب خمسٌ دُفع إليهنَّ ربعُ الموقوف إن أسقطن حقوقهنَّ ممَّا بقي، وكذلك إن لم يُسْقِطْنَها على الأصحَّ، وسواءٌ طلبنه ليقتسِمْنَه، أو ليُوقفَ بينهنَّ.
فإن كان فيهنَّ طفلةٌ فقد منع الشافعيَّ وليَّها أن يصالح على أقلَّ من ثُمن الموقوف؛ إذ يدُ كلِّ واحدةٍ ثابتةٌ على الثُّمن، فلا يرضَى بما دونه.
وإن كنَّ تسعًا لم يُدفع إلى الخَمْسِ شيءٌ.
وإن كنَّ ستًّا، فطلب أربعٌ أو ثلاثٌ، دُفع إلى الأربع النصفُ، وإلى الثلاث الربع.
ولو مات قبل البيان عن أربعٍ مسلماتٍ وأربعٍ كتابيَّاتٍ، أو نكح مسلمةً وكتابيَّةً، وطلَّق إحداهما مبهمًا، وقلنا: لا يقوم الوارثُ مقامه، فلا نقف شيئًا من الميراث، وأَبْعدَ مَن خالف في صورة الطلاق.
* * *
стр. 1895
٢٣٦٧ - فصل فيمن أسلم على امرأة ونكح أختها في عدَّتها
إذا أسلم على وثنيَّةٍ، ونكح أختها في العدَّة؛ فإن أسلمت قبل انقضاء العدَّة بطل نكاحُ الجديدة، وكذلك إن لم تُسْلِمْ عند الجمهور، وصحَّحه المزنيُّ؛ بناء على الوقف، وخرَّجه بعضهم على مَن زوَّج جارية مورِّثه، ثم بان أنَّه ورثها عند التزويج.
ولو طلَّق الوثنيَّة في عدَّتها، لم ينفذ الطلاق إن أصرَّت، وإن أسلمت في العدَّة نفذ عند الأكثرين، وبه قطع الإمام، وخرَّجه بعضهم على القولين في تزويج جارية الموروث.
ولو أَعْتقَ (١) عبدَ الموروث، ثم بان أنَّه ورثه عند العتق، نفذ عند المحقِّقين، وقيل: فيه القولان.
٢٣٦٨ - فرع:
لو سبقته الوثنيَّة بالإسلام، فنكح أختها في عدَّتها، ثم أسلما، تخيَّر بينهما؛ فإن اختار الجديدة انقطع نكاح القديمة من حين أسلمت، وإن اختار القديمة انقطع نكاح الجديدة من حين أسلما إن أسلما معًا، أو من حين إسلام السابق منهما.
* * *
٢٣٦٩ - فصل في نفقة مدَّة التخلُّف
إذا سبقت بالإسلام؛ فإن أسلم الزوجُ في العدَّة فعليه النفقةُ من حين
стр. 1896
أسلمت إلا على وجه بعيد.
وإن لم يُسلم حتى انقضت العدَّة، لزمته النفقةُ على الأصحِّ عند الأصحاب.
وبنى القاضي الخلافَ على أنَّ عدَّة اختلاف الدِّين: كعدَّة الرجعيَّة أو البائن؟ وفيه وجهان؛ من جهةِ أنَّ الزوج قادرٌ على إثبات النكاح بالإسلام، كما يقدر على إثباته بالرجعة.
وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّه لو سبق بالإسلام لم يملك إثبات النكاح، ولو أصرَّ لبانت باختلاف الدين، ولذلك لا يقع طلاقه عند الإصرار، بخلاف الرجعيَّة؛ فإنَّها لا تَبينُ إلا بانقضاء العِدَّة.
ولو سبقها بالإسلام فلا نفقة لها إن أصرَّت حتى انقضت العدَّة، وكذلك إن أسلمت في أثنائها على الجديد؛ لأنَّها ناشزةٌ بترك الإسلام، وأوجبها في القديم؛ لأنَّ المنع حصل من الزوج، ولذلك يلزمُه نصفُ المهر قبل الدخول، وعلى الجديد: لو قال: أسلمْتِ بعد إسلامي بشهر، فقالت: بل بعشرٍ، فالقولُ قوله، كما لو اتَّفقا على النشوز، واختلفا في مدَّته.
وإن اختلفا أيُّهما السابقُ بالإسلام، فالقولُ قولُها على الأصحِّ، كما لو اختلفا في أصل النشوز، وأَبعدَ مَن جَعَلَ القولَ قولَه تعليلًا بأنَّ الأصل بقاء كفرها.
* * *
٢٣٧٠ - فصل في حكم المهر
إذا أسلم أحدهما بعد الدخول وجب المسمَّى إن كان صحيحًا، ومهرُ
стр. 1897
المثل إن كان فاسدًا.
وإن أسلم قبل الدخول لزمه نصفُ المهر، وإن أسلمت قبل الدخول سقط الجميع.
ولو أسلما قبل الدخول، فادَّعى أنَّها سبقته؛ فإن قالت: لا أعلم، لم يُحكم لها بشيء في الحال، وإن قالت: بل أنت سبقتَ، فالقولُ قولُها، وإن قالت: أسلمنا على التعاقب فارتفع النكاح، وقال: بل أسلمنا معًا، فقولان مبنيَّان على القولين في حدِّ المدَّعي:
أحدهما: القولُ قولُها إذا جعلنا المدَّعي مَن يذكُر أمرًا خفيًّا، والمدَّعَى عليه مَن يذكر أمرًا جليًّا؛ لأنَّ اقتران الإسلام بعيدٌ في العادة.
والثاني: القولُ قولُه إذا جُعل المدَّعَى عليه مَن إذا سكت لم يُترك وسكوتَه.
وإن ادَّعى أنَّها سبقت بالإسلام، فقالت: بل أسلمنا معًا، ارتفع النكاح، وفي تشطُّر المهر القولان.
وإسلامهما معًا: هو أن يقترن آخِرُ حرفٍ من كلمة إسلامه بآخرِ حرفٍ من كلمة إسلامها، سواءٌ وقع أوّلُ حرف من الكلمتين معًا، أو على التعاقب.
وإن اختلفا بعد الدخول فلا أثر له في المهر، إلا أنَّهما إذا اتَّفقا على تاريخ انقضاء العدَّة، واختلفا في تاريخ الإسلام، أو اتفقا على تاريخ الإسلام، واختلفا في تاريخ انقضائها، أو لم يتعرَّضا للتاريخين، ففيه من التفصيل والخلاف ما في نظائره من دعوى الرجعة.
* * *
стр. 1898
٢٣٧١ - باب ارتداد الزوجين أو أحدهما
المرتدَّة لا ينكحها كافر ولا مرتدٌّ ولا مسلمٌ، والمرتدُّ لا ينكح كافرةً ولا مسلمةً ولا مرتدَّةً.
وإذا ارتدَّ الزوجان أو أحدُهما معًا، أو متعاقبَينِ؛ فإن كان قبل الدخول انقطع النكاح، ولا يعودُ بالإسلام، وإن كان بعد الدخول؛ فإن ارتفعت الردَّة في العدَّة فالنكاحُ بحاله، وإن لم ترتفع حتَّى انقضت العدَّة تبيَّن انقطاعُ النكاح من حين الردَّة، واحتُسب لها بتلك العدَّة.
وإن ارتدَّت وحدها، فوطئها في العدَّة؛ فإن أسلمت في العدَّة فلا مهر لها، وإن أصرَّت حتى انقضت لزمه مهرُ المثل على النصِّ.
ويسقط جميعُ المهر بردَّتها قبل الدخول، وشطرهُ بردَّته قبل الدخول.
وإن ارتدَّا معًا ارتفع النكاح، وفي التشطير وجهان.
وارتفاع النكاح بالردَّة فسخٌ، وليس بطلاقٍ، ولا يلزمُها قيمةُ البُضع إذا انفردت بالردَّة، ولا يسقط المسمَّى بالارتداد بعد الدخول عند الجمهور، وقيل: الفسخ بالردَّة بعد الدخول كالفسخ بالعيب الطارئ.
* * *
стр. 1899
٢٣٧٢ - باب عقد نكاح أهل الذمَّة
إذا تزوَّجها على صداقٍ فاسدٍ - كالخمر والخنزير - ثم أسلم، فأقوال:
أحدها، وهو المذهب: إن أسلما قبل القبض لزم مهر المثل، وإن أسلما بعد القبض فلا شيء لها.
والثاني: يجب مهر المثل إن لم تقبض في الكفر، وإن قَبضت فقولان.
والثالث: لا يجب إن قبضته، وإن لم تقبضه فقولان.
٢٣٧٣ - فرع:
إذا قبضت بعض الخمر، ثم أسلما، فلها من مهر المثل بحسابِ ما بقي.
ولو كاتب عبده (١) على خمرٍ؛ فإنْ قبضه في الشرك عَتَقَ، ولا شيء له بعد الإسلام، وإن قبض بعضَه في الكفر وبقيَّته في الإسلام، عتق، ورجع السيِّدُ بجميع القيمة عند الشافعيِّ وأصحابه؛ لأنَّ العتق بالكتابة كالمعلَّق بالصفة، فلم يحصل شيءٌ منه، والبراءةُ ممَّا قبض من الصداق حاصلةٌ في الشرك.
стр. 1900
وإن أصدق أجناسًا فاسدةً؛ كالكلاب والخنازير وزقاق الخمر: فهل يُعتبر بالأجناس، أو الأعداد، أو القيمة عند مَن يرى لها قيمة؟ فيه ثلاثة أوجه؛ فإن أصدق ستَّةَ أكلُبٍ، وثلاثة خنازير، وزقَّ خمر، فقَبضتِ الأكلُبَ، ثم أسلما، فقد قَبضتْ ثلثَ المهر إن اعتبرنا الأجناس، وثلاثةَ أخماسه إن اعتبرنا الأعداد، وما يقتضيه التقويمُ إن اعتبرنا القيمة.
وإن أصدقها أكلبًا، فالعددُ على وجه، والقيمةُ على آخر، وقيل: يُعتبر بمنفعة الأكلب، وهو راجعٌ إلى التقويم؛ فإنَّه يختلف باختلاف المنافع.
وإن أصدق خنزيرين، وأقبض أحدهما؛ فإن اعتبرنا التقويم قوَّمناهما، وأخطأ من قدَّرهما شاتين، وأوجب قيمة الشاتين.
وإن أصدق زقَّي خمر، فقَبضت أحدَهما؛ فإن اعتبرنا القيمةَ رُجع إليها، ويختلف باختلاف أنواع الخمر، وإن اعتبرنا العدد جعلناها قابضة للنصف، ويتَّجه أن يُعتبر بالكيل أو الوزن عند الإمكان.
٢٣٧٤ - فرع:
إذا ترابَوا، وتبايعوا الخمر أو الخنزير، ثم أسلموا، أو ترافعوا إلينا ورضُوا بحكمنا؛ فإن تقابضوا لم يُنقض ذلك، وإن لم يتقابضوا لم نحكم بشيء، ولا تجري الأقوالُ المذكورة في الصداق الفاسد، وقد قال عمر في الخمر: ولُّوهم بيعَها، وخذوا العشر من أثمانها.
ولو أتلف أحدهما على الآخر خمرًا؛ فإن أسلما قبل الغرم فلا شيء لربِّ الخمر، وكذلك لو أسلم المتلِفُ قبل الغرم، أو غرم القيمةَ دراهم، فلا رجوع بعد الإسلام، وإن أدَّى القيمة بإلزام حاكمهم، ورضُوا بحكمنا،
стр. 1901
فلا نوجب ردَّها على أصحِّ القولين؛ لأنَّهم يعتقدون نفوذَ الحكم، كما يعتقدون استحقاق القيمة إذا بُذلت طوعًا.
وإن أسلم المتلِف والمتلَفُ عليه فلا ردَّ عند المحقِّقين، وخرَّجه أبو محمد على القولين.
* * *
٢٣٧٥ - فصل في المتولِّد ممَّن يحلُّ نكاحه وممَّن لا يحلُّ
المتولِّد ممَّن تحلُّ ذبيحتُه ومناكحتُه وممَّن لا تحلُّ: إن كان أبوه ممَّن لا يحِلان منه - كالوثنيِّ والمجوسيِّ - فنكاحُه وذبيحتُه حرام قولًا واحدًا، وفي عكسه قولان.
ومَن تولَّد من يهوديٍّ ومجوسيَّةٍ فديتُه معتبرةٌ بأعلى الدِّينين على وجه، وعلى قولي المناكحةِ على آخر، فإن تمجَّس بعد البلوغ لم يُمنع عند القفال، ولا يمتنع أن يُخرَّج على تبديل الدِّين؛ فإنَّ ما يتعلَّق بالنسب من الأحكام معتبرٌ بجانب الأب.
والمتولِّد ممَّن تُقبل جزيتُه وممَّن لا تُقبل، يُقرُّ بالجزية عند المحقِّقين.
* * *
٢٣٧٦ - فصل في تحاكم أهل الذمّة
إذا حاكم الذمِّيُّ مسلمًا وجب الحكم اتِّفاقًا، مدَّعيًا كان أو مدَّعًى عليه، وإن كان خصمُه ذمِّيًّا من أهل ملَّته لزم الحكم على أصحِّ القولين، وإن كان من ملَّة أخرى فقد خرَّجه بعضهم على القولين، وقطع الجمهور بوجوب الحكم؛
стр. 1902
فإنَّهما لا يجتمعان على حاكمٍ واحدٍ، فيستمرُّ خصامهما في دار الإسلام.
ولو اتَّحدت الملَّة، ولم يكن لهم حاكمٌ ببلد الخصام، أو كان وامتنع أحدهما من التحاكم إليه، فينبغي أن يُلحق باختلاف الملَّة.
وأمَّا أهل العهد؛ فإن اتَّحدت ملَّتهم لم يجب الحكمُ اتّفاقًا؛ لأنَّا التزمنا الكفَّ عنهم دون الذبِّ والسياسة، وإن اختلفت ملَّتهم فقد قيل: يُلحق باختلاف ملَّة الذمِّيّين، ورتَّب آخرون الخلاف، وقالوا: إن أوجبنا الحكم عند اختلاف ملَّة الذمِّيّين قولًا واحدًا ففي المعاهَدين قولان، وقطع الأمام بأنَّه لا يجب.
وإن كان خصم المعاهَدِ مسلمًا وجب الحكم اتّفاقًا، وإن كان ذمِّيًّا فقد رتبه الأصحاب على تحاكم الذمِّيّين، فإن لم نوجبه بين الذمِّيّين فالذمِّيُّ مع المعاهد أولى، ولا وجه للترتيب عند الإمام؛ فإنَّا إذا أوجبنا الحكم على الذمِّيّ لم ننظر إلى خصمه كالمسلم، وإن لم نوجبه فلا فرق بين المعاهد والذمِّيّ.
وإن ترافعوا إلينا في عقود المعاملات حكمنا فيما لهم وعليهم بأحكام الإسلام، ولا نتعرَّض لِمَا انفصل في الشرك، كالتقابض، ولا يُستثنى من ذلك إلا النكاح؛ فإن اقترن بالعقد مفسدٌ؛ فإن انقضى المفسدُ قبل الإسلام نفَّذنا العقد، وإن اقترن بالإسلام أفسدناه.
وإن طلبت المجوسيَّةُ النفقة من زوجها اليهوديِّ؛ فإن قلنا: لا تحلُّ لأحد، وهو الأصحُّ، فلا نفقة لها، وإن أحللناها للكتابيِّ فُرضت نفقتها.
وإن نكح المجوسيَّ مَحْرمةً، فترافعوا إلينا، ورُضوا بحكمنا في التفريق،
стр. 1903
فُرِّق بينهم اتِّفاقًا، وإن طلبت النفقةَ لم نفرضها، وفي التفريق بينهما تردُّدٌ؛ لأنَّهم لمَّا أظهروا ذلك كان كإظهار الخمر.
٢٣٧٧ - فرع للأصحاب:
إذا التمست الحرَّة الكتابيّة التزويج، ولم يكن لها وليٌّ، وكانوا لا يرون أن تستقلَّ بالنكاح، ففي وجوب تزويجها القولان في الحكم، وقال الإمام: لا يتَّجه إجراء القولين إلا إذا عضلها الوليُّ.
* * *
стр. 1904
٢٣٧٨ - باب إتيان الحائض
من وطئ الحائض عمدًا أثم، ولم يَغْرم، وقال في القديم: يغرم، وهل يغرم عتق رقبة؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يغرم الرقبة، فعليه ديناران إن وطئ والدمُ عبيطٌ، ونصف دينار إن وطئ في آخر الدم، وأبعدَ أبو إسحاق، فأوجب الدينار في أيام الدم، ونصفَه بعد الانقطاع، وقبل الغُسل.
قال الإمام: لم يُحَرَّمْ وطءُ الحائض لأجل دمها، ولذلك يحرم بعد الانقطاع وقبل الغُسل، ولو تضمَّخ بالدم بعد انفصاله لم يَحْرُمْ.
٢٣٧٩ - فرع:
لا يجوز أن يجمع بين حرائر في الوطء إلا برضاهنَّ، فإن رضين جاز وطؤهنَّ بغُسلٍ واحد، والأفضلُ أن يغتسل بين كلِّ وطأتين، فإنْ لم يفعل غسَل فرجه وتوضَّأ، فإن لم يفعل غسل فرجه.
* * *
стр. 1905
٢٣٨٠ - باب إتيان النساء في أدبارهنَّ
وطء الزوجة والمملوكة في الدُّبر حرامٌ، وحُكي أنَّ الشافعيَّ توقَّف فيه في القديم، وحَكَى عنه محمد بن [عبد] الحكم أنَّه قال: في تحريمه حديثٌ غيرُ صحيح، والقياسُ عندي جوازُه، فحُكي ذلك للربيع فأَكْذَبه، وقال: نصَّ الشافعيُّ على تحريمه في ستَّةِ مواضعَ من كتبه.
وإن تلذَّذ بما بين الأَليتين من غير إيلاجٍ جاز.
ولا يتعلَّق بالوطء في الدبر تحليلٌ ولا إحصانٌ، ويتعلَّق به أحكامُ التغليظ؛ من تحريم المصاهرة، وإفسادِ العبادة، وإيجابِ العِدَّة والكفَّارة، وكذلك الحدُّ إلّا أن يقترن بزوجيَّةٍ، أو مِلْكٍ، أو شبهةٍ، واتَّفقوا على إيجابه المهرَ في النكاح الفاسد والشبهة، وإن وقع في نكاح صحيح قُرِّر المسمَّى عند المراوزة، وعند العراقيين وجهان.
وظاهر المذهب: أنَّه لا يثبت للبكر أحكام الثيِّب، خلافًا لطائفة من الأصحاب.
وقال الإمام: إنْ أثبتنا الإحصان بالوطء في النكاح الفاسد، فلا يبعد إثباتُه بالوطء في الدبر، وودِدْتُ ألَّا يجب به المهرُ، كما لا يجبُ بإتيان الذكور؛ فإنَّ جنسه محرَّم لا يُستباح، لكنَّهم اتَّفقوا على الإيجاب؛ لوقوعه في محلِّ
стр. 1906
الاستمتاع، فأَشْبهَ وطءَ الحائض، ولذلك لا يجبُ الحدُّ، ولو أتى المملوكَ لوجب الحدُّ، ولذلك قطعوا بنفي الحدِّ في المملوكة والزوجةِ وإن أوجبناه في المملوكة المحرَّمة بالرضاع.
* * *
стр. 1907
٢٣٨١ - باب مختصر الشِّغار
نكاح الشِّغار باطلٌ، وهو أن يَذكر في التزويج تزويجًا مشروطًا، ولا يُسمِّيَ مهرًا، ويَجْعلَ البُضعَ صَدَاقًا، مثل أن يقول: زوَّجتُكَ وليَّتي فلانةَ على أن تزوّجني وليَّتك فلانة، وبُضْع كلِّ واحدة منهما صداقُ الأخرى، سواءٌ اتَّحدت جهةُ ولايتهما أو اختلفت فيهما.
[إذا] (١) اجتمع مقابلةُ النكاح بالنكاح، والإخلاء عن المهر، وجَعْلُ البضع صداقًا، بطل العقد اتِّفافًا، وإن اختلَّ شيءٌ من ذلك فقد قال القفَّال: لا يبطل بترك المهر، ولا بجعل البُضع صَداقًا، وإنَّما يبطل بالتعليق؛ فإنَّه إذا قال: زوَّجتك ابنتي على أن تزوِّجني ابنتك، فقد تعلَّق انعقادُ النكاح الأوَّل على انعقاد الثاني، وهذه طريقةٌ حسنة.
وقال الجمهور: إن سمَّى المهر، ولم يجعل البُضْع صداقًا، صحَّ، وإن شرط في النكاح نكاحًا، ولم يذكر مهرًا، أو ذكر مهرًا، وجَعَلَ البُضْعَ صداقًا، فوجهان، مثل أن يقول: زوَّجتك أختي على أن تزوِّجني ابنتك، أو: زوَّجتُكها بألفٍ على أن تزوِّجني ابنتك، وبُضع كلِّ واحدة صداقُ الأخرى؛ فإنَّه قد شرك في البضع بجعله صداقًا، فصار كتزويج العبد على أن تكون
стр. 1908
رقبتُه صداقًا.
ومنع الإمام التعليل بالإشراك في البضع؛ فإنَّه إنَّما يفسد إذا شرك فيه على حكم الزوجيَّة، وإنَّما أضاف البضع هاهنا على جهة التمليك والعِوَضيَّة.
* * *
٢٣٨٢ - فصل في نكاح المتعة والمحلّل
النكاح المؤقَّت فاسدٌ؛ فإن وطئ فيه لم يُحدَّ على المذهب، ولا تحلُّ المطلَّقة ثلاثًا حتى تتزوَّج غيرَ المطلِّق، ويطأها، ويبينَها (١)، وتنقضيَ عدّتُها.
فإن استدخلتْ ذَكَر الزوج أحلَّها إن كان منتشرًا، وإن كان غير منتشر حلَّت عند أبي محمَّد، وقال العراقيُّون: إن كان ممكنَ الانتشار حلَّت، وإن لم يُتوقَّع انتشاره لم تحلَّ.
ولا بدَّ من تغييب الحشفة، أو قَدْرَها إن كانت مقطوعة، وقيل: إن قُطعت فلا بدَّ من إيعاب الجميع، فإن اكتفينا بقدرها فالاعتبارُ بحشفة ذلك العضو، وإن شُرط الإيعابُ؛ فإن بقي قدرُ الحشفة حلَّت، وإلا فلا.
ولا يُحلُّها وطء الشبهة وإن ظنَّها الواطئ زوجتَه، وكذلك وطءُ النكاح الفاسد على أصحِّ القولين، ولا تَحِلُّ بوطء المالك إجماعًا.
٢٣٨٣ - فرع:
اتَّفقوا على أنَّ تحليل الصبيِّ كتحليل البالغ، كما أنَّ وطء الصبيَّة يُحلُّها
стр. 1909
قبل البلوغ وبعده.
* * *
٢٣٨٤ - فصل فيما يفسد النكاح من الشروط
إذا شُرط على الزوج في العقد ألا يتزوّج على المرأة ولا يسافر، أو لا يتسرَّى، أو أن يهب شيئًا من إنسان، صحَّ النكاح، وفسد الشرط؛ إذ لا تبطُلُ العقود إلّا بما يقدحُ في مقصودها.
وإن شُرط الطلاق فسد النكاحُ إلا على قولٍ غريبٍ.
وإن شُرط أن لا يطأ، أو أن لا يطأ إلّا مرَّة، فوجهان أجراهما الإمام في قوله: زوَّجتكما على أن لا تحلَّ لك.
ومتى وقع المفسِدُ بين الإيجاب والقبول بطل النكاح، وإن تقدَّم على العقد لم يبطل، وأَبعدَ مَن جعل التواطُؤَ قبل العقد كالواقع بين القبول والإيجاب؛ أخذًا من مهر السرِّ والعلانية، وقد لعن رسول الله المحلِّل والمحلَّل له (١)، فحمل ذلك على شرط النكاح، أو توقيته بأوّلِ وطأةٍ؛ فإنَّه يُفسد النكاح اتِّفاقًا، واستدعاءُ المطلِّق التحليلَ حرامٌ على الأصحِّ، مُدخِلٌ للمحلِّل والمحلَّل له في اللَّعنِ وإن صحَّ النكاح.
* * *
стр. 1910
٢٣٨٥ - باب نكاح المحرم
نكاحُ المحرم قبل التحلُّل الأول محرَّمٌ باطل، وفيما بعده قولان.
ولا فرق بين الزوجين، والوليِّ بالولاية العامَّة أو الخاصَّة، والوكالةِ من الجانبين.
والأصحُّ جواز الرجعة، وانعقادُ النكاح بشهادة مُحْرِمَين.
* * *
стр. 1911
٢٣٨٦ - باب العيب في المنكوحة
لكلِّ واحدٍ من الزوجين فسخُ النكاح بالجنون والبَرَص والجُذام، وللمرأة الفسخ بالجَبِّ والعُنَّة، وللزوج الفسخُ بالرَّتق والقَرَن، ولا فسخ بما سوى ذلك كالبَهَق والعَمَى والقَرَع والتقريح، وفي العِذْيَوْط (١) والصنان والبَخَرِ المتفاحش الذي لا يَقبل العلاج وجهٌ: أنه يُفسخ بكلِّ واحد منهما.
وانفرد القاضي بإثبات الفسخ بكلِّ عيب يؤثِّر عند عامة الناس عيافةً وتقزُّزًا في الجماع، وقال: لو حصلت العيافةُ بعيوبٍ لا أثر لآحادها، ثبت الخيار باجتماعها.
٢٣٨٧ - فرع:
قال أبو محمد: لا فسخ بالبرص والجذام إلا أن يَسْتَحْكِما، واستحكامُ الجذام بأن يأخذ العضوُ في التقطُّع. وقال الإمام: يكفي سوادُ العضو وإن لم ينقطع، إذا قضى أهل البصر بالاستحكام.
ولم يتعرض الأصحاب لمراجعة أهل الخبرة في الجنون، ويقرب أن يقال: يراجَعون، فإن حكموا بأنه مرجوُّ الزوال فلا خيار، وإن استبعدوا
стр. 1912
الزوال ثبت الخيار.
٢٣٨٨ - فرع:
إذا ظهرت خنوثُة أحدهما ففي الفسخ مع يقين الذكورة خلافٌ مأخذُه العيافة والشهوة.
وقيل: إن قطع بذكورة الرجل فلا فسخ، وإن ظهرت بأمارةٍ معتبرة فأوجهٌ، ثالثها: إن ظهرت بإقراره ثبت الفسخ، وإلا فلا.
٢٣٨٩ - فرع:
إذا كانا معيبين، فإن اختلف جنس العيب ثبت الخيار، وإن اتحد فوجهان أجراهما الإمام فيما إذا كانت رتقاءَ والرجلُ مجبوب.
* * *
٢٣٩٠ - فصل في حكم الفسخ قبل الدخول وبعده
للمرأة الفسخ بالعيب المقارن للعقد والطارئ بعده، وللرجل الفسخُ بالمقارن، وفي الطارئ قولان.
ولا تفسخ المرأة بالعُنَّة الطارئة بعد الدخول، وأَبعدَ مَن ألحق الجَبَّ بالعُنَّة.
وأيهما فسخ قبل الدخول أسقط فسخُه المهر ولم يجب مهرُ المثل اتفاقًا، وأيهما فسخ بعد الدخول، فإن كان العيب مقرونًا بالعقد، ففي إسقاط المسمَّى والرجوعِ إلى مهر المثل قولان يجريان في إخلاف الصفات المشروطة في العقد؛ كالحرية وشرفِ النسب وغيرهما، والنصُّ: الرجوع
стр. 1913
إلى مهر المثل. وإن كان العيب طارئًا، فإن لم نُسقط المسمَّى عند اقتران العيب بالعقد فهاهنا أولى، وإن أسقطناه ثَمَّ فهاهنا أوجهٌ، ثالثها: إنْ حدث العيبُ قبل الدخول سقط وإلا فلا.
٢٣٩١ - فرع:
الفسخ بهذه العيوب على الفور كالردِّ بالعيب، ولا تقف على حكم الحاكم، ولا على حضور مجلسه إلا في العُنة، ولا يرجع بالأرش في عيوب النكاح.
٢٣٩٢ - فرع:
إذا فُسخ النكاح بالعيب فلا نفقة، ولا سُكْنَى للحائل، وفي نفقة الحامل وسكناها قولان؛ فإنَّ الفسخ يقطع آثارَ النكاح، بخلافِ الطلاق.
* * *
٢٣٩٣ - فصل في الرجوع بالمهر
إذا فَسَخَ بعيبٍ طارئ فلا رجوع له بالمهر اتِّفاقًا، وإن فَسَخَ بعيب مقارِنٍ للعقد؛ فإن قلنا: لا يرجع إذا غُرَّ بالحرّيّة، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يرجع ثَمَّ، فهاهنا قولان.
فإن قلنا: يرجع، رجع على الوليِّ إن عرف العيب، وإن جهله فوجهان.
فإن قلنا: يرجع على الجاهل، رجع إن كان مَحْرَمًا للزوجة، وإلا فوجهان.
فإن قلنا: لا يرجع على الجاهل، فعلمت المرأة، وكتمت، ففي
стр. 1914
الرجوع عليها القولان؛ فإن قلنا: يرجع عليها، فهل يترك لها أقلَّ ما يُجعل صداقًا؟ فيه وجهان.
* * *
٢٣٩٤ - فصل في فسخ الأولياء بالعيب
إذا رضيت المرأة بالعيب؛ فإن كان طارئًا فلا فسخ للأولياء اتِّفاقًا، وإن اقترن بالعقد فأوجُهٌ، ثالثها: لا فسخ إلا بالبرص والجنون والجذام، وقال العراقيّون: لهم الفسخ بالجنون، ولا فسخ بالجَبِّ والعنَّة، وفي البرص والجذام وجهان، وهذه الطريقة أحسن.
٢٣٩٥ - فرع:
إذا دعت الوليَّ إلى التزويج بمَعيبٍ، لم تَلْزمه الإجابةُ إن أثبتنا الخيار، وإن لم نثبته لزمته الإجابة، فإن امتنع كان عاضلًا.
* * *
٢٣٩٦ - فصل فيمن شرط كفر المرأة أو إسلامها فأُخلف شرطه
إذا شُرِط في الزوج أو الزوجة صفةٌ؛ كالحرّيّة والرقِّ، والكفر والإسلام، والنسب وغير ذلك، فأُخلفت الصفة بمثلها، أو دونَها، أو أفضلَ منها، ففي صحّة النكاح قولان، أصحُّهما: الصحّة، ولو أُخلفت الصفة المشروطة في البيع صحَّ اتِّفاقًا.
فإن قلنا: لا يصحُّ النكاح، فدخل بها، وجب المهر والعِدَّة، ولا نفقة ولا سكنى للحائل، وفي الحامل قولان.
стр. 1915
فإن شَرَطَ كفرَ المرأة أو إسلامَها، فأُخلف، وقلنا: يصحُّ النكاح؛ فإن شرط أنَّها كتابيّة، فظهرت مسلمة، فلا خيار اتِّفاقًا، وإن شرط الإسلام، فظهرت كتابيّةً، تخيَّر على ظاهر المذهب.
ولو شَرَطَ إسلامَ العبد المبيع، فأُخلف، تخيَّر اتِّفاقًا، ولو شَرَطَ كفرَه، فأُخلف، تخيَّر على ظاهر النصِّ؛ فإنَّ الكافر زائد الماليَّة؛ لرغبةِ الكفرةِ والمسلمين فيه، وهذا قولُ الجمهور.
وقيل: لا خيار؛ لأنَّ زيادة ماليَّته إنَّما حصلت بكفره، فكان ما يقابلُها من الماليَّة كثمن الخمر.
وقيل: إن كَثُرَ أهل الذمَّة ببلد الشرك، أو قَرُبَ من بلاد الكفَّار؛ بحيث يُتوقَّع طروقُهم، ورغبتُهم في شرائه، ثبت الخيار، وإلا فلا.
فإن أثبتنا الخيار، فأتلف هذا العبد، ضَمِنَ بما يُبذَلُ فيه وإن زاد على ثمن المسلم، وإن لم نثُبت الخيار لم يضمن ما زاد بسبب الكفر، كما يجوز شراءُ الجارية العوَّادة (١)، ولو أُتلفت لم تُضمن إلا بقيمتها بتقدير أنَّها لا تُحسِن الغناء.
* * *
стр. 1916
٢٣٩٧ - باب الأمة تغرُّ من نفسها
لا يُتصوَّر التغرير بالحرية إلا من الأمة، أو من وكيل السيِّد؛ فإنَّ السيِّد لو ذكر حريّتها لعتقت عليه.
فإذا غرَّه الوكيلُ بالحرية، وقلنا: يصحُّ النكاح؛ فإن كان ممَّن لا يَحِلُّ له نكاح الإماء بطل العقد، وإن حلَّ له نكاحُ الإماء فله حالان:
إحداهما: أن يكون حرًّا، فيتخيَّر على المذهب الأصحِّ.
وقيل: فيه وفي العبد أقوال، ثالثها: يتخيَّر الحرُّ دون العبد، فإن خيَّرناه، فأجاز، لزمه المسمَّى، ولم يرجع به على الغارِّ، وإن فسخ قبل الدخول، أو بعده، ففي سقوط المسمَّى وثبوتِ مهر المثل التفصيلُ والخلافُ المذكور في الفسخ بالعيب.
فإن علقت منه بأولادٍ بعد معرفته برقِّها، فهم ملكٌ لسيِّدها، وإن علقت بهم قبل معرفة الرقِّ انعقدوا أحرارًا، وعليه قيمتُهم باعتبارِ يوم ولادتهم، يَرجع بها على الغارِّ إجماعًا، وفي رجوعه بالمهر القولان، والأصحُّ: أنَّه لا يرجع، فإن قلنا: يرجع، أو أراد الرجوع بقيمة الولد، فلا يرجع حتى يغرم، وأبعد مَن أثبت الرجوعَ قبل الغرم.
ويجري هذا الخلافُ في رجوع الضامن قبل الأداء، وفي رجوع
стр. 1917
العاقلة على شهود القتل إذا رجعوا بعد صرف الدية، وقبل الغرم.
وإن كانت الأمة هي الغارَّةَ، تعلَّقت قيمةُ الولد والمهر بذمَّتها دون كسبها ورقبتها.
٢٣٩٨ - فرع:
إذا غرَّم الوكيلَ أُخذ منه جميعُ المهر، وإن أغرم الأمة فهل يبقى لها ما يجوز جعلُه صداقًا؟ فيه وجهان.
الحال الثانية: أن يكون عبدًا، فإن أبطلنا النكاح، فظهر الرقُّ قبل الدخول، فلا مهر ولا متعة، وإن ظهر بعد الدخول وجب مهرُ المثل في ذمَّته، أو رقبته، أو كسبه؟ فيه أقوالٌ أضعفُها: آخرها.
وإن قلنا: يصحُّ، ففي تخيُّره قولان، فإن أثبتناه فأجاز، أو نفيناه، لزمه المسمَّى في كسبه.
وإن فسخ؛ فإن قلنا: لا يسقط المسمَّى بالفسخ، فهو في كسبه، وإن أسقطناه بالفسخ فمهرُ المثل في ذمَّته، أو كسبه، أو رقبته؟ فعلى الأقوال، ويَقْوَى تعلُّقه بالكسب هاهنا؛ فإنَّه مهر نكاحٍ صحيحٍ مأذونٍ فيه.
وإن علقت منه بأولادٍ قبل معرفته بالرقِّ فهم أحرارٌ.
٢٣٩٩ - فرع:
إذا غرَّ الوكيل بحرية المكاتَبة فالمهرُ لها اتِّفاقًا، وفي الرجوع على الوكيل القولان، وفي قيمة الولد خلافٌ مبنيٌّ على أنَّه يتكاتب عليها أم لا، وفيه قولان، فإن قلنا: لا يتكاتب، فهو حقٌّ للسيِّد أو للأمّ؟ فيه قولان.
стр. 1918
وإذا غرم الزوجُ قيمةَ الولد [رجع] (١) على الوكيل إن كان هو الغارَّ، وإن كانت المكاتبةُ هي الغارَّةَ؛ فإن جُعلت القيمةُ للسيِّد رجع بها الزوجُ على المكاتبة، وإن جُعلت لها سقطت عن الزوج؛ إذ لا وجه لأخذها منه، ثم ردِّها عليه.
وإن رجع عليها بالمهر، فهل يترك لها ما يجوزُ جعلُه صداقًا؟ فيه الوجهان، وإذا لزمها قيمةُ الولد لم يتعلَّق برقبتها، بل يؤخذ من يدها، فإن لم يكن فمِن كَسْبِها، فإن فَضَلَ شيءٌ فهو في ذمَّتها يؤخَذُ بعد العِتْق.
* * *
٢٤٠٠ - فصل في الجناية على الولد
إذا انعقد الولد حرًّا، فوضعته ميتًا، فلا شيء للمالك إلا أن ينفصل بجنايةٍ، فتجب الغرَّةُ على العاقلة.
وللجاني أحوالٌ:
الأولى: أن يكون أجنبيًّا، فتُصرف الغرَّةُ إلى أبي الجنين وجدَّته، وفيما يُصرف إلى السيّد وجهان، أصحُّهما: الأقلُّ من قيمة الغرَّة أو عُشْرِ قيمة الأمِّ، وبنى الأصحابُ هذا الخلاف على أنَّ جناية العبد: تُفدى بأرشها، أو بالأقلِّ من الأرش أو القيمة؟ والأصح: أنَّه يُفدى بالأقلِّ.
واختار القاضي إيجاب عُشْرِ الغُرة، وفداءَ جناية العبد بالأقلِّ؛ لأنَّ الزوج فوَّت الرقَّ بظنِّه، ولم يفوِّت عند جناية عبده شيئًا، فإنْ أوجبنا الأقلَّ
стр. 1919
لم يلزمه أداؤه حتى يأخذ الغرَّة، فإن كان معه جدَّةٌ لزمه الأقلُّ من العُشر أو خمسةِ أسداسِ الغرَّة، وإن أوجبنا العُشْرَ لزمه الجميع، وإن لم يقبض الغرَّة، وكان معه الجدَّة.
الحال الثانية: أن يكون الجاني هو الزوج، فلا حقَّ له في الغرَّة، فإن أوجبنا العُشر صُرفت الغرَّة إلى الورثة، وعلى الزوج العشرُ للسيِّد، وإن أوجبنا الأقلَّ أُخذ عُشر قيمة الغرَّة، وصُرفت إلى السيِّد، فإن فَضَلَ من الغرَّة شيءٌ فهو للورثة، وإن لم يفضل شيءٌ، أو نقصت الغرَّة عن العُشر، فلا شيء للورثة.
الثالثة: أن يكون الزوجُ الجاني عبدًا، فتتعلَّق الغرَّة للوارث برقبته، وما يُصرف إلى السيِّد من العشر أو الأقلِّ بذمَّته.
الرابعة: أن يكون الجاني عبدًا للزوج، فتتعلَّق الغرَّة برقبته إلّا ما يرثه الزوج، فإن لم يكن وارثٌ عن الزوج لم يتعلَّق بالرقبة شيء، ولكنَّه يُجعل كالقابض للغرَّة؛ لأنَّا برَّأنا عبده لأجل مِلْكِه، فرجعت الفائدة إليه.
الخامسة: أن يكون الجاني هو السيِّد، فالغرَّةُ للورثة، ومقتضَى طريقة القاضي: أنَّ على الزوج العُشْرَ للمالك، وعلى قول الجمهور: لا يُصرف إلى السيِّد شيءٌ حتَّى توجد الغرَّة، فيُصرفَ إليه الأقلُّ حينئذٍ، قال الإمام: لا يتَّجه على قياس القاضي ولا الجمهور أن يُصرف إلى السيِّد شيء؛ إذ يَقبح أن تكون جنايته سببًا فيما يُصرف إليه.
* * *
стр. 1920
٢٤٠١ - فصل فيمن تزوَّج امرأة ظنَّها حرَّة أو مسلمة فأُخلف ظنُّه
إذا تزوَّج المسلم امرأة ظنَّها مسلمةً، فبانت كتابيةً، أو ظنَّها حرةً، فظهرت أَمَةً، وهو أهلٌ لنكاح الأمة، فالنصُّ: ثبوتُ الخيار في الكتابيَّة دون الأمة، وقيل: لا خيار فيهما؛ لبعد النكاح عن الخيار، ولذلك لا يثبت فيه خيارُ مجلسٍ، ولا شرطٍ، ولا رؤيةٍ.
وخرَّج بعضهم المسألتين على قولين؛ فإنَّ غلبة الإسلام والحرية تنزَّلُ منزلةَ التغرير بالشرط.
ومنهم مَن قرَّر النصَّين، وفرَّق: بأنَّه لا علامة للحرية والرقِّ، بخلافِ الكفر؛ فإنَّ شعار الوليِّ فيه ظاهرٌ، فإذا عُدم كان ذلك تلبيسًا منه، فأشبه الشرط.
وفرَّق الإمام: بأنَّ النفوس تنفر من وطء الكوافر دون الإماء، وبنى الخلافَ على أنَّ الكفر والرقَّ هل يُلحقان بالعيوب؟ فيه أوجهٌ؛ ثالثها: جَعْلُ الكفر عيبًا، والرقِّ ليس بعيبٍ.
٢٤٠٢ - فرع:
لو ظنَّت المرأة حرية الزوج، فبان عبدًا، ففي تخيُّرها خلاف.
* * *
٢٤٠٣ - فصل في التغرير بالفضائل والأنساب
إذا شُرط الزوج أنَّه عربيٌّ، أو قرشيٌّ، فأُخلف، ففي انعقاد النكاح
стр. 1921
قولان يجريان في إخلاف جميع الأوصاف.
فإن قلنا: ينعقد، فبان نسبُه دون نسبها، فلها الخيار اتِّفاقًا، فإن فسخت قبل الدخول، أو بعده، أو أجازت، فعلى ما ذكرناه في خيار الفسخ بالعيب في المهر وغيره، إلّا أنَّ لأوليائها الفسخَ إن أجازت؛ دفعًا للعار عن النسب.
وإن ظهر نسبُه مثل نسبها أو أفضل، وقلنا: ينعقد النكاح، ففي تخيُّرها قولان، واختار المزنيُّ إثبات الخيار، واستبعده الإمام؛ لبعدِ النكاح عن الخيار.
فإن قلنا: تتخيَّر، فأجازت، فلا خيار للأولياء؛ إذ لا عارَ.
ولو زوَّج أمته، وشَرَطَ حرية الزوج، فأُخلفت، وقلنا: يصحُّ النكاح، فلا خيار للأمة، وفي تخيُّر السيد القولان، وأولى بثبوتِ الخيار عند أبي محمد؛ لتضرُّره بضيق النفقة.
ولو شُرطت المرأة نسيبةً (١)، فأُخلف، وقلنا: يصحُّ النكاح؛ فإن بان دون نسب الزوج ففي تخيُّره قولان؛ إذ لا عار عليه في نكاح الخسيسة، وإن بان مثل نسب الزوج، فقولان مرتَّبان عند أبي محمد، ولا وجه للترتيب عند الإمام؛ إذ لا مأخذ للخيار إلا إخلافُ الشرط.
والحاصل: أنَّ حرية الزوج إذا شُرطت فأُخلفت، ثبت الخيار، وفي ظنِّ الحرية خلاف، ولها الخيارُ بإخلاف شرط النسب إن بان دون نسبها، وإن بان مثلَه أو أفضلَ فقولان.
стр. 1922
ولو زوَّجها من مجهولٍ بإذنها، فبان عدمُ الكفاءة، فلا خيار اتِّفاقًا إلا في ظنِّ الحرّيّة.
ولو شرط حريتها، فأُخلفت، فأقوالٌ؛ ثالثها: التفرقةُ بين الحرِّ والعبد.
وفي إخلاف إسلامها قولان.
وفي ظنِّ إسلامها وحريتها خلافٌ.
فإن أُخلف نسبها، فبان دون نسب الزوج أو مثلَه فقولان.
* * *
٢٤٠٤ - فصل في حكم الفسخ والانفساخ
كلُّ فسخٍ وقع بعيبٍ مقترنٍ بالعقد، أو شَرْطٍ ذُكر فيه، فإنَّه يُسقط المهر قبل الدخول، وهل يُسقطه بعد الدخول، ويوجب مهرَ المثل؟ فيه قولان.
والفسخ بالعيب الطارئ إن وقع قبل الدخول أسقط المهر، وإن وقع بعد الدخول؛ فإن لم نُسقط المسمَّى في العيب المقارِنِ فهذا أولى، وإن أسقطناه ثَمَّ فهاهنا ثلاثةُ أوجهٍ، ولا فرق بين الزوجين في جميع ذلك.
وأمَّا ما يقتضي الانفساخ من الأسباب، كالردَّة وغيرها؛ فإن وقعت قبل الدخول من المرأة سقط المهر، وإن وقعت من الرجل شطَّرت المهر، وإن وقعت بعد الدخول لم يسقط المسمَّى على النصِّ؛ فإنَّها لا تستند إلى العقد، بخلافِ العيوب، وألحقها بعضُهم بالفسخ بما يطرأ من العيوب.
* * *
стр. 1923
٢٤٠٥ - فصل في وقت الشروط في البيع والنكاح
لا أثر للشرائط المفسدةِ للبيع والنكاح وسائر المعاملات إلا أن تقترن بالعقد، وكذلك شرطُ الأجل والخيار، واشتراطُ الفضائل والمناقب في البيع والنكاح، فإنْ تقدَّم الشرط، ثم وقع العقد مطلقًا، ثبت حكمُ الإطلاق باتِّفاق، وإن تقدَّم عليه واتَّصل به، فلا أثر له إلا على وجهٍ بعيدٍ مأخوذٍ من مسألة مهر السرِّ والعلانية.
وإن قُرن التغرير بالحرية بالنكاح ثبتت أحكامه، وإن تقدَّم عليه بحيث يُعدُّ متَّصلًا به ثبتت أحكامه عند الإمام، واسْتَدَلَّ بأنَّ تغرير الأمة والمكاتَبة مُثْبتان الأحكام مع تعذُّر اقترانهما بالعقد، وبَنَى على ذلك أنَّ مَن اعترف بحرية أمة، ثم توكَّل في تزويجها بعد أيام، فليس بتغريرٍ (١)، ولو توكَّل في التزويج، ثم قال: هذه حرَّة؛ ترغيبًا في التزويج، ثمَّ زوَّج متَّصلًا، فقد غرَّ، وإن لم يرغِّب في التزويج، ثمَّ زوَّج على القُرْب، أو ذكر ذلك للترغيب، ثمّ زوَّج بعد زمنٍ يُعدُّ مثلُه فصلًا، فقد تَرَدَّدَ في ذلك، والعرفُ هو المحكَّم في الاتِّصال والانفصال.
وإن كانت الأمةُ هي الغارَّةَ، فلا يُتصوَّر اقتران تغريرها بالعقد، وحكمُه في الاتِّصال والانفصال كحكم تغريرِ الوكيل.
وقال: إذا حكمنا بفساد النكاح عند إخلاف شرط الحرية أو غيرها
стр. 1924
من الصفات، فلا بدَّ من اقتران الشرط بالعقد؛ لأنَّه من المفسِدات، فإن تقدَّم لم يفسد إلا على الوجه البعيد.
ولا تَثبتُ أحكام التغرير إلا إذا صدر من العاقد أو المنكوحة، فمَن سمع عدولًا يقولون: هذا العبد كاتبٌ، فاشتراه بناءً على قولهم، فأُخلف، فلا خيار له اتِّفاقًا، ولو سمع من يقول: هذه حرَّةٌ، فتزوَّجها اعتماد، على قوله، فأُخلف، لم يرجع عليه بشيء.
* * *
стр. 1925
٢٤٠٦ - باب الأمة تعتق وزوجها عبد
إذا عَتَقَتِ الأمة أو المستولَدةُ أو المكاتبةُ أو مَن بعضها حرٌّ فلا خيار لها إن كان زوجها حرًّا، وإن كان عبدًا، أو فيه جزء من الرقِّ، ثبت لها الخيارُ: على الفور، أو التأبيد، أو إلى ثلاثة أيّام؟ فيه أقوال أظهرها: الأوّل.
فإن جُعل ثلاثًا فابتداؤها من حين علمت بالعتق وبالخيار، وإن جُعل على الفور فحكمُه حكمُ الردِّ بالعيب، وإن جُعل مؤبَّدا لم يسقط إلا بالإسقاط، أو الإجازة، أو التمكين من الوطء مع العلم بحقيقة الحال.
فإن مكَّنت من الوطء، فلم يطأ، لم يسقط الخيار، وإن وطئها مكرِهًا، وقبض على فمها، لم يبطل خيارها اتِّفاقًا؛ لعجزها عن النطق بالفسخ، وإن لم يقبض على فمها ففيه تردُّدٌ للإمام، وإن وطئها بتمكينها، ثم ادَّعت الجهل، ففي قبول دعواها قولان، وفي محلِّهما طريقان:
إحداهما: أن تدَّعي الجهل بالعتق، ولا وجه لهذا؛ فإنَّ الأصل عدم علمها.
والثانية: أن تدَّعي الجهل بثبوت الخيار، فلا تُقبل على قول، كنظيره من الردِّ بالعيب، وتُقبل على الآخر؛ لأنَّ خيار العتق غيرُ مشهورٍ عند العوامِّ، وطرد الإمام القولين في دعواها الجهلَ بخيارِ الجنون والجذام، وفي دعوى
стр. 1926
الزوج الجهلَ بخيار الرَّتَق والقَرَن.
والضابط لإسقاط الخيار: أنَّ كلَّ ما يُشعِر بالرضا؛ من وطءٍ، أو تأخيرٍ، أو جهلٍ، أو غيرِ ذلك، إذا ادَّعى الجهل به؛ فإن غلب على الظنِّ كذبُ المدَّعي لم تُقبل دعواه، وإنْ أَمْكَنَ صدقُه على بُعدٍ، كدعوى الجهل بردِّ المبيع بالعيب، لم نصدِّقه، ولو صدَّقه البائع على الجهل ثبت الخيار اتِّفاقًا.
٢٤٠٧ - فرع:
قطع الأصحاب بأنَّ خيار عيوب النكاح على الفور، ومنهم مَن خرَّجه على الأقوال في خيار العتق.
٢٤٠٨ - فرع:
إذا اختارت المقام فالمهرُ المسمَّى للسيد، فإن كانت مفوِّضةً فمهرُ المثل للسيد إن عتقت بعد الدخول، وإن عتقت قبل الدخول فهو للسيد إن أوجبناه بالعقد، وإن أوجبناه بالوطء فوجهان أظهرهما: أنَّه لها، وإن فسخت قبل الدخول سقط المهر وإن جُعل للسيّد، وإن فسخت بعد الدخول لم يسقط المسمَّى، ولم يخرَّج على القولين في الفسخ بالعيب، ولا على الخلاف في الانفساخ بالردَّة؛ لأنَّها لا تملك المهر، والفسخُ سببُه طارئ.
٢٤٠٩ - فرع:
إذا عتق الزوج قبل فسخها سقط خيارها على الأصحِّ، ولا يُشترط في الخيار أن تكون مكرهةً على النكاح، ولذلك تتخيَّر المكاتَبة اتِّفاقًا.
стр. 1927
٢٤١٠ - فرع:
إذا عتقت الطفلة، أو كان زوجُها عنِّينًا أو مجنونًا، ثبت لها الخيارُ بعد البلوغ، ولا ينوبُ أحد عنها.
٢٤١١ - فرع:
إذا قالت: إن عتقتُ فقد رضيتُ بالمقام مع رقِّ الزوج، فلا عبرة بقولها.
٢٤١٢ - فرع:
إذا عتق زوج الأمة فلا خيار له على الأصحِّ.
٢٤١٣ - فرع:
إذا طلَّقها بعد عتقها طلاقًا رجعيًّا نفذ، ولم يَبطل الخيار، وإن طلَّقها طلاقًا مُبينًا، أو ثبت لها الخيار بعيبه، فأبانها بالطلاق، نفذ على الأصحِّ، وسقط الخيار، وقيل: يوقف؛ فإن فسخت بان بطلانُه، وإن أجازت نفذ.
ولو وطئها، ففسخت، وقلنا: لو طلَّقها بائنًا لم ينفذ الطلاق، فلا ينعطف الفسخُ على الوطء.
* * *
٢٤١٤ - فصل في عتق الرجعيّة
إذا عتقت الأمة في عدَّة الرجعة فلها أحوال:
الأولى: أن تُجيزَ النكاح، فلا تنفذ إجازتُها وإن قلنا بالوقف؛ فإنَّ شرط الوقف أن يكون محلُّ التصرُّف قابلًا لمقصوده، كما لا يُوقف بيعُ
стр. 1928
الخمر على تخلُّلها، وقيل: تصحُّ إجازتها، وينفذ (١) إبطال الفسخ.
الثانية: أن تعجِّل الفسخ، فينفذ، وهل تبني على عدَّة أمةٍ، أو تستأنف عدَّة حرّة؟ فيه قولان.
الثالثة: أن ترتقب ما يكون من الزوج، فلا يبطل خيارُها، وإن جُعل على الفور؛ فإن ارتجعها فلها الفسخُ والإجازة؛ فإن فسخت فهل تبني على عدَّة أمةٍ، أو تستأنف؟ فيه قولان، فإن قلنا بالبناء، فهل تبني على عدَّةِ حرّةٍ أو أمة؟ فيه قولان.
٢٤١٥ - فرع:
إذا عتقت المطلَّقة البائن في العدَّة فلا خيار لها، وتعتدَّ عدَّة أمةٍ على القديم، وفي الجديد قولان.
* * *
стр. 1929
٢٤١٦ - باب أجل العنِّين
العُنّة: هي العجز عن الوطء لآفةٍ في الذَّكَرِ، أو ضعفٍ في الدماغ، أو القلب، أو الكبد، أو مرضٍ في الجسد، وليست مأيوسةَ الزوال.
ولو عنَّ عن امرأة دون أخرى، تثبت أحكامُ العنَّة اتِّفاقًا، وكذلك لو عنَّ عن القُبُلِ دون الدبر، أو عنَّ عن افتضاض البكر دون الثيِّب.
ولا تثبت إلا لإقرار الزوج أو بيمين الردِّ، ولا تُسمع الشهادةُ بنفس العنَّة، وإن سَمع الشاهد إقرارَه لم يَجُزْ أن يشهد بنفس العنَّة، بل يشهدُ على إقراره؛ فإنَّ مَن سمع إنسانًا يقرُّ لرجلٍ بدار، فلا يجوز أن يشهد له بمِلْكِ الدار.
وإذا ثبتت العنَّة فلا يُفسخ بها في الحال اتِّفاقًا، بل يَضْرِبُ له الحاكم سنةً وإن كان عبدًا، ويعرِّفه أنَّه إن وطئ في السنة استمرَّ النكاح، وإن لم يطأ فلها الفسخُ بعد السنة.
ولا يَضْرِبُ المدَّةَ إلّا بطلب المرأة، فإن سكتت، واحتُمل أن يكون سكوتُها لدهشةٍ أو جهلٍ بالطلب، عرَّفها الحاكم ما لها وعليها، فإن سكتت بعد ذلك لم يَضْرِبِ المدَّة، كما لا يحلِّف إلا بطلب الخصم.
فإن جهلت حكم الواقعة، وأصرَّت على طلب ما ثبت لها في الشرع،
стр. 1930
ضَربَ المدَّة، وبيَّن حكمها.
هذا إن أقرَّ، فإن أنكر فالقولُ قوله، فإن حلف انقطع الخصام، وإن نكل رُدَّت عليها اليمين، فإن حلفت كان حَلِفُها كإقراره، وإن نكلت كان نكولُها كحَلِفهِ، وأبعد أبو إسحاق المروزيُّ، فمنع من ردِّ اليمين؛ تعليلًا بأنَّها لا تعرف العنَّة، وهو باطلٌ بردِّ اليمين في نيَّة كنايات الطلاق، ولأنَّها تعرف ذلك بقرائن الأحوال، وكثرةِ المِرَاس، وعلى مذهبه: لا معنى لتحليفه إذا أنكر؛ إذ لا فائدةَ لنكوله، ويُحتمل على مذهبه أن يُقضى بالنكول وتُضرب المدَّة.
* * *
٢٤١٧ - فصل في حكم العنَّة بعد الأجل
إذا مضت السنة من غير وطءٍ، ففسخت قبل الرفع إلى الحاكم، لم ينفذ اتِّفاقًا.
وإن رفعت الأمر إليه، فاعترف الزوج بأنَّه لم يطأ، ففيمن يفسخُ وجهان:
أحدهما: أنَّه الحاكم، فإن أذن لها كانت نائبةً عنه.
والثاني: الزوجة، كما في سائر العيوب.
وهل يُشترط أن يقول الحاكم: ثبت حقُّك، فتخيَّري؟ فيه وجهان.
وإن ادَّعى الوطء في المدَّة، فالقولُ قوله، فإن حلف لم تفسخ، وإن نكل رُدَّت عليها اليمين، فإن حلفت كان حَلِفُها كإقراره بأنَّه لم يطأ، وفيمن يتولَّى الفسخ الخلافُ.