٢٤٥٤ - فصل في إطلاع الثمر والزرع والغرس
حملُ النساء زيادةٌ ونقصان، وحمل البهائم كذلك، أو زيادةٌ محضة؟ فيه وجهان.
والطلع قبل الإبار زيادةٌ محضةٌ، فإن أصدقها نخلًا، فأثمر وأُبِّر، ثم طلَّق قبل الدخول، فلهما أحوال:
الأولى: أن يطلبَ قطعَ الثمر؛ ليَرْجِعَ إليه نصفُ الشجر، أو يطلبَ الرجوعَ في نصف الثمر ونصفِ الشجر، أو يرجعَ في نصف الشجر، ويدعَ الثمر إلى الجذاذ، فلا يلزمُها ذلك اتِّفاقًا، وكذلك لو رجع في نصف الشجر، والتزم السعيَ على أظهر الوجهين؛ فإن قلنا: يُجاب إلى ذلك، فامتنع بعد ذلك، لم يُجبَر عليه، ويَبين بطلانُ رجوعه في الشطر.
ولو أصدقها جاريةً، فولدت ولدًا يختصُّ بها، فأراد الرجوع؛ فإنْ لم يلتزم الإرضاع لم نُجبه، وإن التزمه فعلى الوجهين.
الثانية: أن تطلب المرأة تأخُّر الرجوع إلى الجذاذ، أو أن يرجع في نصف الشجر، ويسقي نصيبه، فلا تُجاب اتِّفاقًا، فإن بادرت الجذاذ عقيب الطلاق تشطَّر الصداقُ إن لم ينقص الشجر بالثمر، أو بقطع الأغصان.
ولو رضيت برجوع نصف الشجر، ونصف الثمر؛ فإن كان مؤبَّرًا ففي وجوب الإجابة وجهان، ووجهُ الإجبار: إلحاقُ الثمر بالزيادة المتَّصلة؛ لعسر الأمر، وإن كان غير مؤبَّر أُجبر عند الجمهور، وقيل: فيه الوجهان.
الثالثة (١): أن يتراضيا بتأخُّر الرجوع إلى الجذاذ، فلكلِّ واحدٍ منهما
стр. 1962
أن يرجع فيما وعد به.
ولو اتَّفقا على تعجيل الرجوع في نصف الشجر، وإبقاءِ الثمر إلى الجذاذ، لزمهما ذلك، ولكلِّ واحدٍ أن يمتنع من السقي، وإنْ سَقَى لم يُمنع منه، وإذا لم يُجبَر واحدٌ منهما، فالواجبُ نصفُ القيمة، فإن رجعا بعد ذلك إلى شيء ممَّا قدَّمناه ففيه التفاصيلُ السابقة.
٢٤٥٥ - فرع:
إذا رأينا التشطُّر بنفس الطلاق، فلا تشطُّر هاهنا إلا بالتراضي، أو بإجبارِ أحدهما على ما نُجبره عليه.
٢٤٥٦ - فرع:
الحمل كالزيادة المتّصلة، وانعقادُ أنوار الأشجار كإطْلاعِ النخل، وانعقادُ الثمر مع تناثر (١) النَّوْرِ بمثابة الإبار.
والزرع نقصٌ محضٌ، فيتخيَّر الزوج بين الرجوع بنصف الأرض، أو بنصفِ قيمتها بيضاءَ؛ فإنَّها لا تنتفع بالسقي، بخلافِ الأشجار.
ولو بذلت له نصف الزرع لم تلزمه الإجابة؛ لأَجْلِ النقص، وغلط من خرَّجه على الخلاف في بذل الثمار، ولو ابتدرت قلعَ الزرع فله نصفُ القيمة؛ لضعف الأرض بالزرع، فإن لم تضعف بذلك انحصر حقُّه في نصفها، وإن اختار نصف الأرض، وإبقاءَ الزرع، فعليه إبقاؤه بغير أجرة.
والغرسُ كالزرع في جميع ما تقدَّم، والحرثُ زيادةٌ محضةٌ إن كانت
стр. 1963
الأرض معدَّةً للزرع، وإن كانت معدَّة للبناء فنقصٌ محضٌ.
٢٤٥٧ - فرع:
إذا أصدق جاريةً حاملًا، أو شاةً ماخضًا؛ فإن قابلنا الحمل بقسطٍ من الثَّمن رجع إليه نصفُ الأمِّ، وكذلك نصفُ الولد على الأصحِّ، وقيل: لا يرجع به؛ لأنَّ ولادته كالزيادة المتَّصلة، وهذا لا يستقيمُ؛ إذ لا يمكن اعتبارُ قيمته قبل الانفصال، وإنَّما يُعتبر يوم الولادة، فتكونُ الزيادة مقابَلةً بالقيمة، فجاز أخذُها، فإن نقصت الأمُّ بالولادة فهو كتعيُّب أحد العبدين.
ولو بقي الولد بعد الوضع أيّامًا، ثم طلَّق، لم يرجع بنصفه؛ لزيادته. وإن قلنا: لا يُقابَلُ بقسطٍ، فالولدُ كلُّه لها، وعليه نقصُ الولادة إن حصل في يده، وإن حصل في يدها ثبت له الخيار.
وإن حملت في يده، ووضعت في يدها، فقد خرَّجه الإمام على الخلاف في تعيُّب المبيع عند المشتري بسببٍ وُجد عند البائع.
٢٤٥٨ - فرع:
إذا انهدمت الدار المُصْدَقة عنده؛ فإنْ سَلِمَ النِّقض ثبت لها الخيار، وإنْ تلف؛ فإن جُعل كإحدى العينين فهو كتلف أحد العبدين، ففيه تفريقُ الصفقة، وإن جُعل النقضُ كالصفة فهو كسقوط اليد بآفةٍ.
ومتى ثبت الرجوع بالبدل أو ببعضه، فهل يُعتبر بمهر المثل، أو القيمة؟ فيه القولان.
ولو أُخذ الصداق بالشفعة قبل الطلاق رجع بنصف القيمة، وإن طلَّق مع حضور الشفيع فأيُّهما أولى؟ فيه وجهان، فإن قدَّمنا الشفيع، فكان غائبًا
стр. 1964
عند الطلاق، ثم حضر، ففي تقديمه وجهان، وقيل: إنْ أَخَذَه فهو أحقُّ به، وإن لم يأخذه فالشفيعُ أولى به، ولا يستقيمُ إلا إذا وقفنا التشطُّر على الاختيار.
* * *
٢٤٥٩ - فصل في خلط الرطب بصقره
إذا أصدق نخلةً بثمرتها، فأخذها وجعلها مع صقرها في قوارير؛ فإن لم ينقص الصقر ولا الرطب، فلا خيار، وإن نقصت القيمةُ دون المقدار ثبت الخيار، فإن فسخت فهو كالفسخ بجناية الزوج، وإن أجازت ففي رجوعها بالأرش قولا ضمانِ العقد أو اليد.
وإن نقص الصقر بتشرُّب الرُّطَبِ، فهو كإتلافه بعض الصَّداق، ولا يسقط الضمان بزيادة قيمةِ الرطب، كما لو أصدقها دابَّةً وقضيمًا، ثمَّ سمَّن الدابَّةَ بعلف القضيم، فإنَّه يضمنه.
وإن كان الصقر له؛ فإن لم ينقص الرطب أَخَذَ الصقر، ولا خيار؛ فإن كان أخْذُ الصقر عنه ينقصه، أو إخراجُهما من القوارير، فتَرَكَ لها الصقرَ والقوارير، فالأظهر: أنَّها تُجْبَر كمسألة النعل (١)، وهل التركُ تمليكٌ، أو اعتراضٌ؟ فيه وجهان يظهر أثرهما في رجوعه إذا فُرِّغت القوارير، وانقلع النعل.
стр. 1965
ويُحتمل أن يقال: تُخيَّر إن لم يُجعل التركُ تمليكًا، وإن جُعل تمليكًا فوجهان.
٢٤٦٠ - فرع:
لو أصدقها نخلة، فأثمرت عنده، فجعل على ثمرها صقرًا من عنده، فهو كصَبغِ الغاصبِ الثوبَ، وإن كان الصقرُ لها فهو كمن غَصَبَ ثمرًا وصقرًا، وفعل ذلك.
والصقر: قُطارَةُ الرُّطَبِ قبل أن يُطبْخ، فإن طُبخ فهو الدبس، وإنَّما يوضع على الرطب في القوارير؛ ليحفظ رطوبته.
* * *
٢٤٦١ - فصل في الجمع بين البيع والإصداق
إذا قال: زوَّجتكَ بنتي، وبعتكَ عبدي بألف، فقال: تزوَّجتها، واشتريتُه بالألف، أو قال: قبلتُ النكاح، وبيعَ العبدِ بالألف، أو كان العبدُ للزوج، فقال: زوِّجني بنتك على هذا العبدِ على أن تعطيني ألفًا، فهذا جمعٌ بين مختلفي الأحكام، فإن صحَّحناه، فكانت قيمةُ العبد ألفًا، ومهر المثل ألفًا، فردَّت العبدَ بالعيب، رجعت بألفٍ هو الثمن، وهل يرجع بمهر المثل، أو بقيمة نصف العبد؟ فيه القولان.
وإن ردَّت نصفه بحكم البيع أو الإصداق، فقولان كردِّ أحد العبدين.
ولو انفسخ النكاح قبل الدخول، رجع إليه النصفُ، وبقي النصف مبيعًا.
стр. 1966
وإن طلَّق قبل الدخول رجع بربعه، وبقي لها نصفٌ بالبيع، وربعٌ بالصداق.
* * *
٢٤٦٢ - فصل في تدبير الصداق قبل الطلاق
النصُّ: أنَّ التدبير يمنع التشطير، واختلفوا، فقيل: لا يمنع قولًا واحدًا، وهو بعيد، وقيل: يمنع قولًا واحدًا؛ لِمَا فيه من العرض كالزيادات المتَّصلة.
ولو أوصت بعتقه، أو علَّقته على صفةٍ، فوجهان.
وقيل: إن جُعل التدبير تعليقًا بصفةٍ مُنِعَ، وإلا فلا.
ولا يستقيمُ هذا؛ فإنَّ التعليق لا يمنع من إزالة المِلْك.
ولو باع عبدًا بثوب، فدبَّره المشتري، ثم ردَّ الثوبَ بالعيب، رجع بالعبد قولًا واحدًا، وكذلك كلُّ فسخ؛ لقوَّته، وكونِهِ لا يمتنعُ بالزيادة المتَّصلة، وألحق بعضُهم الفسوخ بالتشطير.
ولو زال مِلْكُها عن الصداق زوالًا لازمًا، ثم عاد، ففي التشطُّر وجهان أَوْلاهما: منع التشطُّر؛ لضعفه.
ولو زال زوالًا جائزًا؛ كما في البيع في زمن الخيار، ففي إلحاقه باللازم وجهان.
ولو زال الرهنُ أو الزيادةُ المتَّصلة تشطَّر.
ولو دبَّرته، ثمَّ رجعت، وقلنا: يجوز، فهل يُلحق بالزائل العائد، أو بالزيادة المتَّصلة؟ فيه وجهان.
стр. 1967
وانفساخُ الكتابة كعود الزوال اللازم عند القاضي، ورتَّبه الإمام، وجَعَلَه أولى بالرجوع؛ لبقاء المِلْكِ كالرهن.
* * *
٢٤٦٣ - فصل في مهر السرّ والعلانية
إذا تواطأ في السرِّ على قَدْرِ المهر، وأنْ يُظهرا أكثر منه، فعقداه في الجهر بالأكثر، فقد نقل المزنيُّ قولين، فقيل: يثبتُ مهرُ الجهر قولًا واحدًا؛ إذ لا أثر لِمَا تقدَّم العقودَ، وقيل: قولان، وفي محلِّهما طريقان:
إحداهما: أن يتَّفقا على التعبير بالألفين عن الألف.
والثانية: إجراء القولين وإن لم يتوافقا على ذلك؛ لأنَّ قَصْدَهما يرجع إليه.
وبنى الأئمَّةُ على ذلك جميعَ الأحكام المأخوذة من الألفاظ، فمن قال لزوجته: إذا قلت: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، فإنه أعربه عن طلقة، أو عن أن تقومي أو تقعدي، ولا أقصد الطلاق (١)، فلا تُقبل إلّا على الوجه البعيد في مهر السرّ.
* * *
стр. 1968
٢٤٦٤ - فصل فيمن ادَّعت نكاحين في يومين
إذا ادَّعت أنَّه نكحها يوم الخميس بعشرةٍ، ويومَ الجمعة بعشرين، وطلبت المهرين، سُمعت الدعوى، فإنْ ثبت العقدان بإقرارٍ أو بيّنةٍ أو بيمينٍ مردودةٍ، لزمه المهران إن سكت، وإن ادَّعى نفيَ الإصابة في النكاح الأوّل، فالقولُ قولُه مع يمينه، ويسقط تشطُّر المهر، كما أنَّ المودَعَ مطالبٌ بالوديعة ومحبوسٌ عليها إن سكت، وإن ادَّعى الردَّ أو التلفَ قُبل قوله.
ولو قال: كان العقد الثاني تجديدًا للإشهاد على العقد الأوّل، فهذا اعترافٌ منه بالعقدين، فإن قال: إنَّما اعترفتُ بصورة العقد، ولم أعترف بصحَّته، لم يُقبل، فإن كان مُقِرًّا بعقد يُحمل إقرارُه على الصحيح، وكذلك لو ادَّعى عينًا، فقال المدَّعى عليه: بعنيها، فقد أقرَّ له بها؛ لأنَّ استدعاء البيع يُحمل على الصحيح.
* * *
٢٤٦٥ - فصل فيمن تزوَّج نسوة بصداق واحد
إذا كاتب عبيده بعوضٍ واحدٍ صحَّ، وإن نكح نسوةً أو خلعهنَّ بعِوَضٍ واحدٍ صحَّ النكاح، وثبتت البينونةُ، وفي صحَّة العوض قولان.
ولو ملك جماعةٌ عبيدًا؛ لكلِّ واحد عبدٌ أو عبيدٌ، فباعوهم بعوضٍ واحد، لم يصحَّ.
وللأصحاب في هذه النصوص طرق:
إحداهنَّ: تقريرها؛ فإنَّ الشرع متشوِّفٌ إلى العتق، والعوضُ ركنُ
стр. 1969
البيع، بخلاف الخُلْع والنكاح.
والثانية: في الجميع قولان، أصحُّهما: البطلان، كما لو باع عبده بما باع به فلانٌ داره، بل أولى؛ إذ لا يمكنُ معرفةُ العوض هاهنا إلا بالتخمين، وثَمَّ يُعرف بالتحقيق.
فإن قلنا بالصحَّة، فالنجومُ موزَّعةٌ على قيم العبيد اتِّفاقًا، ويوزَّع الثمن على قيم العبيد، وعوضُ الخُلْع والنكاح على مهور الأمثال، وفيه قولٌ بعيد: أنَّ عوض الخلع والنكاح موزَّع على الرؤوس.
وإن أبطلناهما رجع بمهر المثل قولًا واحدًا.
والثالثة: تصحيح الكتابة، وإلحاقُ البيع بالخُلْع والنكاح، ولا يمتنعُ عكسهما؛ لتأكُّدِ رعاية أوصاف الأثمان.
ولو ملك أربعةٌ أربعةَ أعبدٍ؛ لكلِّ واحد ربعُ الجميع، فباعوهم بثمن واحدٍ من شخصٍ واحدٍ، صحَّ قولًا واحدًا.
* * *
٢٤٦٦ - فصل في الإصداق عن الطفل
إذا زُوِّج الطفلُ بمهر المثل، أو بما دونه، صحَّ، وإن زاد على مهر المثل، أو نقصَ الطفلةَ عنه، ففي صحَّة النكاح قولان بناهما بعضُهم على الخلاف في فساده بفساد الصداق، وأجراهما الإمامُ على قولنا: لا يَفْسُدُ النكاح بفساد الصداق؛ من جهةِ أنَّ زوجةَ الطفل لم ترضَ إلا بالزيادة، وزوجَ البنت لم يرض إلا بالنقصان، ورضاهما معتبر في هذا الجنس،
стр. 1970
بخلافِ الرضا بالخمر والخنزير، فإن صحَّحناه لزم مهر المثل.
ولو أصدق عنه عينًا من مال الأب صحَّ، وانتقلت إلى الطفل، ثم إلى زوجته اتِّفاقًا، فإن قصد بذلك الهبةَ، أو قال: لم أقصد شيئًا، حُمل على الهبة، وإن قال: نويتُ القرض، قُبل عند الإمام، وفي كلامهم ما يدلُّ على أنَّه لا يُقبل، فإن رجع الصداق بفسخ، أو تشطَّر بالطلاق، دخل في ملك الطفل، فإن رجع فيه الأب فعلى وجهي الزائل العائد.
ولو أصدق عنه أمَّه لم يصحَّ؛ إذ لو صحَّ لمَلَكها، وعَتَقَتْ، وبطل الإصداق.
ولو أصدقَ أكثرَ من مهر المثل من عنده، ففي صحَّة إصداقه احتمالٌ.
ولو أدَّى المهر عن أجنبيٍّ، فتشطَّر، فهل يرجع إليه، أو إلى الأجنبيِّ؟ فيه وجهان، واختار الإمامُ الرجوع إلى الدافع؛ إذ لا ولاية له على الأجنبيِّ.
وإنْ أَصْدقَ عن طفله دَينًا لم يضمنه على الجديد، بل يدفعُه من مال الطفل، وإن ضمنه عنه فلا أثر لضمانه على القديم، ويصحُّ على الجديد، وللزوجة مطالبتُه به من ماله أو مالِ الطفل، قبل البلوغ وبعده؛ فإن أدَّاه، وأراد أن يرجع به، نُظر إلى قصده، وجُعل بمثابة اشتراط الضامن الرجوعَ في محلِّ الخلاف والوفاق، فإن تشطَّر الصداقُ لم ينحصر رجوعُ الأب في شطره، وكان كسائر أملاك الطفل.
وإن قلنا بالقديم، فشُرِطَ نفيُ الضمان، فقد نُقل عن القاضي بطلانُ العقد، وهو وهمٌ من الناقل، ولعله قال: يَفْسُدُ الشرطُ، ويصحُّ النكاح، ويجبُ الضمان؛ فإنَّ النكاح لا يفسد بمثل هذا، فإن أدَّاه لم يرجع به عند
стр. 1971
القاضي، كما لا ترجع العاقلةُ على الجاني، وهذا لا يصحَّ، ولا سيَّما إذا ألزمناه تزويجَ المجنون إذا ظهرت حاجتُه، ولأنَّ الصبيَّ مطالبٌ بعد البلوغ بالمهر وحقوقِ النكاح، بخلافِ الجاني؛ فإنَّه لا يطالبُ مع إمكان مطالبةِ العاقلة.
٢٤٦٧ - فرع:
من ضمن دَينًا مستقرًّا بشرطِ براءةِ الأصيل، ففي صحة ضمانه وجهان، فلو ضمن الأبُ المهرَ بشرط براءة الطفل؛ فإن قلنا بالقديم فَسَدَ الشرط، وفي بطلان الصداق احتمالٌ، وإن قلنا بالجديد احتُمل التخريج على الخلاف في الدَّين المستقرِّ.
فإن قلنا: لا يصحُّ، ففي فساد العقد بفساده قولان، وإن قلنا: يصحُّ، ويبرأ الأصيل، لم يصحَّ الشرط هاهنا؛ فإن العقد يقتضي لزوم العوض للعاقد، وفي فساد الضمان بفساد الشرط وجهان.
* * *
٢٤٦٨ - فصل في تصرفات الأب
تصرُّف الأب أقسام:
الأول: ما يتحتَّم عليه، كحفظ المال، وبيعِهِ إن طُلِبَ بغبطةٍ، وتنميتِهِ بحيث لا تأكلُه مؤن المال، وكذلك شراءُ ما يباع بأقلَّ من ثمن المِثْلِ إن لم يشتره لنفسه.
الثاني: ما لا يَلْزمُه، وهو كلُّ ما يؤدِّي إلى الإكداد والإجهاد،
стр. 1972
وشغله (١) عن مهامِّ نفسه، كسفر البرّ والبحر، وصعودِ الأنجاد، وهبوطِ الأغوار.
الثالث: ما يؤمر فيه بحُسن النظر، ولا يلزمُه على الأظهر، وهو ما بين القسمين الأولين، فإن ظهرت المصلحةُ في تزويج الطفل أو البنت، ففي الوجوب احتمالٌ، والأظهر: أنه لا يجبُ في حقِّ الطفل؛ لأجل المؤونة، وعدمِ الحاجة، وإن ظهرت حاجةُ المجنون أو المجنونة إلى النكاح لوجب.
ولو تبرَّم بحفظ ماله، فنصب عليه ناظرًا، أو رفعه إلى الحاكم، جاز عند الإمام، وله استئجارُ عامل على المال، وإن طلب من الحاكم أجرةً لنفسه؛ فإن وجد متبرِّعًا لم تَجُزْ على الأظهر، وإن لم يجده ففيه احتمالٌ، والظاهر: منعه.
* * *
стр. 1973
٢٤٦٩ - باب التفويض
إذا قالت الحرَّة الرشيدة لوليِّها: زوِّجني بلا مهرٍ، فزوَّجَها، ونَفَى المهرَ، أو زوَّج الرجلُ أمتَه، ولم يتعرَّض للمهر، صحَّ النكاح، وكان تفويضًا.
والتفويض في اللغة: تخيير الغير، والإحالةُ على رأيه، فالذي يطابقُ اللغة أن تقول: زوِّجني إن شئت بمهرٍ، وإن شئتَ بلا مهرٍ.
وإنْ أذنت في النكاح، ولم تتعرَّض للمهر، حُمل على طلب المهر اتِّفاقًا، والوكيلُ في التزويج إن سُمِّي له شيء فنقص منه بطل النكاح، وإن زاد صحَّت الزيادة والنكاح، وإن لم يُسمَّ له شيءٌ، ففوَّض، أو نقصَ عن مهر المثل، بطل النكاح على أصحِّ القولين، وبه قطع الإمام؛ فإن مخالفة العُرْفِ كمخالفة اللفظ؛ بدليل بطلان بيع الوكيل بالغبن.
فإن قلنا: يبطل، فزوَّج مطلقًا، فالظاهرُ انعقاده بمهر المثل، وفيه احتمالٌ، وإن زوَّج بخمرٍ فالظاهرُ البطلان؛ لظهور المخالفة.
ولو فوَّض المجبِر بُضْعَ الصغيرة، أو البالغة، أو نَقَصَهما عن مهرِ المثل، ففي صحَّة النكاح قولان، فإن قلنا: يصحُّ، وجب مهرُ المثل اتِّفاقًا، وغيرُ المجبِر إن نقص عن المسمَّى فهو كالوكيل، وإن لم يسمِّ له شيئًا ففوَّض، أو نقص عن مهر المثل، فطريقان أقيسهما: أنه كالوكيل، والثانية
стр. 1974
أنه كالمجبِر.
* * *
٢٤٧٠ - فصل فيما يوجب مهر المفوّضة (١)
ولا يجبُ بالعقد باتِّفاق العراقيِّين، وكذا المراوزةُ على أصحِّ القولين، وفي موت أحدهما قولان عند الفريقين، ويجب بالوطء اتِّفافًا؛ ليتميَّز نكاحنا عن نكاح رسول الله ﷺ ، أو ليتميَّز النكاحُ عن السفاح.
وعن القاضي: إن قالت بعد العقد: جامِعْني ولا مهر عليك، لم يلزمه المهرُ، وإن لم تقل ذلك فعنه جوابان، كما في وطء المرهونة بإذن الراهن.
ولا يُعدُّ ذلك من المذهب؛ فإنَّ الوطء المحترم لا يخلو عن مهرٍ إلا في ملك اليمين، أو في تزوُّج العبدِ بأمةِ سيِّده، أو في تفويض الكفَّار إذا اعتقدوا نفي الصداق، ولأنَّ وطء المرهونة يقع في غيرِ نكاحٍ، فلا يَبْعدُ خلوُّه عن المهر، بخلافِ الوطء في النكاح.
واتَّفقوا على أنَّ لها طلبَ الفرض قبل الدخول، وأنَّ الطلاق قبل الدخول لا يشطِّر، بل يوجِبُ المتعةَ، وقال أبو محمد: إن أوجبناه بالعقد تشطَّر، ولم تملك طلب الفرض، كما لو وجب مهرُ المثل بفساد التسمية، ولا يعدُّ هذا من المذهب، ولا يُلحق به، ولا معنى لطلب الفرض بعد الدخول اتِّفاقًا.
стр. 1975
وعلى تخريج القاضي: لا تملك طلب الفرض قبل الدخول، وقياسُه: أنَّه لو فَرَضَ لها شيئًا لم تستحقَّه؛ لأنَّه إلحاقُ زيادةٍ بالعقد، إلا إذا شرط أن تأذن في الوطء على أنْ لا مهر، فلها طلبُ الفرض، وليس لها طلبُ شيءٍ من المهر على القولين، وبهذا يبطلُ قولُ الإيجاب بالعقد.
* * *
٢٤٧١ - فصل في الفرض
إذا تراضيا بما يفرضه الزوج من الدَّين أو العين، عُروضِها ونقودِها، صحَّ، ولا يُشرط قبولُها اتِّفاقًا، وكذلك لا يُشترط علمُهما بقدرِ مهر المثل على الأصحِّ، وقيل: يُشترط.
وقيل: إن أوجبنا المهر بالعقد شُرط، وإلّا فلا.
وقال الإمام: لا يُشرط إن أوجبناه بالوطء، وإن أوجبناه بالعقد لم يُشرط إن علما أنَّ المفروض أنقصُ من مهر المثل، وإنْ أَمْكَنَ أن يكون أكثر منه؛ فإن كان مخالفًا لجنس المهر فالوجه: ألا يُشرط العلم، وإن كان من جنسه اتَّجه الاشتراط.
فإن نقص المفروضُ عن مهر المثل جاز عند الأصحاب على القولين، وإن زاد على مهر المثل؛ فإن أوجبناه بالوطء صحَّ على الظاهر، فإن كان من جنس مهر المثل ففيه احتمالٌ، وإن أوجبناه بالعقد لم يجز عند الإمام.
ويجوز فرضُ المؤجَّل على الأصحِّ، وقال الإمام: إن أوجبناه بالوطء ثبت الأجل، وفيه احتمالٌ، وإن أوجبناه بالعقد بعُد ثبوتُ الأجل، وفيه
стр. 1976
احتمالٌ، قال الإمام: وكنت أودُّ أن يثبت للفرض حكمُ المعاوضة من الإيجاب والقبول وغيرهما، إذا قلنا: يجبُ بالعقد، ويُحتمل أن يلحق بالاعتياض عن الأثمان.
٢٤٧٢ - فرع:
إذا فَرَضَ لها بغيرِ رضاها، لم يصحَّ إن نقص عن مهر المثل، وإن فرض مهرَ المثل، ففيه احتمالٌ؛ فإن رضاها يقوم مقام قبولها.
٢٤٧٣ - فرع:
إذا تراضيا بفرض الخمر لغا الفرضُ، ولها طلبُ الفرض بعد ذلك، ولا يُجعل كفساد التسمية المقرونة بالعقد.
ولو فرض لها أجنبيٌّ برضاها، لم يَجُزْ على الأصحِّ، فإن أجزناه برئ الزوجُ، وطالبتِ الفارضَ، فإن تشطَّر المفروضُ، فهل يرجع شطرُه إلى الزوج أو الفارض؟ فيه وجهان.
٢٤٧٤ - فرع:
يتشطَّر المفروض بالطلاق قبل الدخول، وكذلك مهرُ المثل عند فساد التسمية.
٢٤٧٥ - فرع:
إذا طالبته بالفرض، فامتنع، أو فرض دون مهر المثل، رُفع إلى الحاكم، ويحتَّم عليه فرضُ مهر المثل حالًّا، ولا يُتصوَّر فرضُه حتى يُعرف قَدْرُه، فإن فرضه مؤجَّلًا برضاها لم يجز عند المحقِّقين، وإن زاد على مهر المثل أو نقص، لم يجز إلا بالقَدْر اليسير الذي لا يُؤْبَهُ له، وَيسُوغُ الاجتهاد
стр. 1977
فيه، وقال الإمام: إنَّما عفا الأصحاب عمَّا يُتغابن بمثله، ولا يُقطع بزيادته أو نقصه، وهذا على الحقيقة مهرُ المثل.
ولو فوَّضَا الفرضَ إلى الحاكم، كان وكيلًا عن الزوج، فيفرِضُ ما يتراضيان به.
٢٤٧٦ - فرع:
إذا أبرأت عن المهر لم يصحَّ إن أوجبناه بالوطء، ولا يُخرَّج على الخلاف في الإبراء عمَّا وُجد سببُ وجوبه ولم يجب، وإن أوجبناه بالعقد لم يصحَّ في القَدْرِ المجهول، وفي المعلوم قولان.
ولو أبرأت عن المتعة قبل الطلاق لم يصحَّ، ولم يُخرَّج على الخلاف فيما وُجد بسبب وجوبه؛ فإنَّ سبب وجوب المتعة هو الطلاق، وليس النكاح سببًا خاصًّا في إيجاب المتعة.
* * *
٢٤٧٧ - فصل في التفويض الفاسد
يَفْسُدُ التفويض غالبًا بصدوره عمَّن لا يملكه، فإذا فُوِّض بُضْعُ السفيهة بإذنها، وقلنا: يصحُّ النكاح، وجب مهرُ المثل، وإذا صحَّ التفويض، فزوَّجها بالمهر، صحّ النكاح والتسميةُ، كمن قال لوكيله: بع بألف، فباع بألفين، إلا أنْ تصرِّح بأن التزويج بالمهر خارجٌ عن إذنها، فيلحق بنظيره في الوكالة.
٢٤٧٨ - فرع:
إذا قالت الرشيدة: زوِّجني بما شئت، أو بما شاء الخاطبُ؛ فإن عيَّن
стр. 1978
الخاطبُ مهرًا، فزوَّجه به، صحَّ النكاحُ والصَّداق.
وقال القاضي: يجب مهر المثل؛ لأنها أذنت أن يَعقد بمجهولٍ فخالفها.
ولا يصحُّ ما قال؛ لأنها أذنت في العقد بما يقدِّره الخاطب، ولم تقصد إعادة لفظها في العقد، ولو أعاد لفظها، فقال: زوَّجتُك بما شئتَ، وجب مهرُ المثل، ولكنْ إن حملنا إذنها على التزويج بما يعيِّنه الخاطب، فينبغي أن تخرَّج صحَّةُ النكاح على الخلاف فيما إذا قالت: زوِّجني، فزوَّجها بأقلَّ من مهر المثل، أو زوَّج بخمرٍ.
* * *
٢٤٧٩ - فصل في بيان مهر المثل
يجب مهرُ المثل من غالبِ النقد، فإن استوى نقدان قُوِّم بأحدهما، ونسبةُ المهر إلى البُضع كنسبة القِيَمِ إلى المتقوِّمات، ويعتبر مهرُ المثل بكلِّ امرأة تنتسبُ إلى مَن تنتسِبُ الموطوءة إليه، كالأخواتِ للأب، والعمَّات، وبناتِ الإخوة للأب، وبناتِ الأعمام، ولا عبرةَ بالأمَّهات، والبنات، وبنات الأخوال والخالات، وبناتِ العمَّات والإخوةِ للأمّ، وبنات الأخوات للأب؛ إذ لا نسب لهنَّ إلى مَن تُنسب الموطوءةُ إليه، فإن ساوت التي وجب مهرُها نساء العشيرة اعتُبر مهرُها بمهورهنَّ، وإن خالفتهنَّ بصفة حمدٍ أو ذمٍّ، زِيد في مهرها أو نُقص، على ما تقتضيه الصفاتُ، فإن اختصَّت بمزيَّةٍ في العقل، أو عفَّةٍ، أو صراحةِ نسبٍ، أو صباحةِ وجهٍ، أو سلامةِ خَلْقٍ، أو يسارٍ، زِيد مهرُها بسبب ذلك.
стр. 1979
ولا خلافَ في اعتبار المال والجمال في مهر المثل، بخلاف الكفاءة؛ فإنَّها معتبرة لدفع العار، والمهر غرامةُ متلَفٍ.
وإن سامحتْ واحدةٌ من نساء العشيرةِ نادرًا، فلا عبرةَ بذلك، وإن سامح الجميعُ بعد المغالاة اعتُبر ذلك؛ فإنه انحطاطُ سعرٍ، كنظيره من القِيَم، وإن كانت مهورهنَّ مؤجَّلةً أُثبت من الحالِّ ما يساوي المؤجَّل، فإن رضيت بالتأجيل لم يُجبها إلى ذلك؛ إذ لا مدخل للأجل في قِيَم المتلَفات، ولو كنَّ يسامحن رجال العشيرة في المهر، ولا يسامحن الأجانبَ، اعتُبرت المسامحة إذا كان الخاطبُ من العشيرة، ولا تُعتبر في حقِّ الأجانب.
وأَلْحَقَ أبو محمد رجال العشيرة بالأجانب؛ إذ القِيَمُ لا تختلف باختلاف المتلِفين، ووافقه الإمامُ في وطء الشبهة، دون وطء النكاح.
٢٤٨٠ - فرع:
إذا لم تُعرف عشيرةُ المرأة اعتُبر مهرُها بالرغبة في مثلها على ما هي عليه.
* * *
٢٤٨١ - فصل في الاختلاف في المهر
إذا اختلف الزوجان في قدر المهر، أو جنسه، أو وصفه، تحالفا، وفُسخ الصَّداق دون النكاح، ولزم مهرُ المثل، وأَبْعَد ابن خَيْرانَ، فقال: إن نقص ما ادَّعته عن مهرِ المثل لم تَجِبِ الزيادة، ولو أصدق ألفًا، ففسد الصداقُ؛ لفساد شرطٍ، لزم مهرُ المثل وإن زاد على الألف، وقال ابن خيران: لا يُزاد على الألف.
стр. 1980
وإن اختلفا بعد زوال النكاح تحالفا، ولزم مهرُ المثل بعد الدخول، أو شطرُه قبل الدخول.
ولو انفسخ النكاح قبل الدخول بسبب يقتضي ردَّ جميع الصداق، لم يتحالفا إن اتَّفقا على أنَّه لم يُقبضها الصداق؛ إذ لا فائدة للتحالف، وقد ارتدَّ إليه الجميع.
وإن قال: أصدقتُكِ ألفين، ودفعتُهما إليك، فردَدْتِ عليَّ أحدَهما، فقالت: إنَّما أصدَقْتَني ألفًا، فقبضتُه، ثم رَدَدْتُه لمَّا انفسخ النكاح، فالقولُ قولُها مع يمينها، ولا يتحالفان؛ لأنَّ فائدة التحالف تركُ المسمَّى، والرجوعُ إلى مهر المثل.
ولو وقع هذا التنازُعُ مع بقاء النكاح لم يتحالفا؛ لأنه يدَّعي عليها التزام أكثر ممّا تدّعيه.
ولو قالت: عقدتَ النكاح بألفٍ، فقال: لم نذكر صَداقًا، ولم يدَّع التفويض، تَحَالَفَا، ولزم مهرُ المثل؛ لأن الإذن المطلقَ في النكاح يقتضي مهر المثل، فكأنَّ الزوج يدَّعي النكاحَ بمهر المثل، وهي تدَّعيه بالمسمَّى، وللمحقِّقين تردُّدٌ في هذا؛ إذ يتَّجه أن يُجعل القولُ قولَه مع يمينه، فإن حلف لزمه مهرُ المثل.
وإذا ادَّعت النكاح بمهرٍ يساوي مهرَ المثل، فادَّعى الزوج مسمًّى دونه، تحالفا عند الأصحاب.
ولو قال: هذا ولدي، ولم يُضِفْه إلى التي تزعم أنَّها أمُّه، فلا مهر لها عليه، وإن أضافه إليها، فقال: هذا ولدي من هذه، لزمه مهرُ المثل عند
стр. 1981
القاضي؛ لأنَّ النسب إنَّما يلحق بوطءِ الشبهةِ، أو النكاحِ، وكلاهما موجبٌ لمهر المثل، واستدخالُ الماء بعيدٌ.
* * *
٢٤٨٢ - فصل في تخالف الزوج والوليِّ
وإذا تنازَعَ الزوجُ والوليُّ المجبِر، ففي تحالُفهما خلافٌ مبنيٌّ على الخلاف في حَلِفِ الوليِّ في حقوق الصبيِّ، وفيه أربعُ طرقٍ:
إحداهنَّ: لا يحلف فيما لا ينشئه، كالإتلاف وغيره، وفيما ينشئه إذا اختلفا في صفته - كالبيع والنكاح - وجهان.
الثانية: القطعُ بحَلِفِهِ فيما ينشئه؛ لقبول إقراره فيه، وكذلك القيِّمُ والوصيُّ والوكيل، ولا شكَّ في حَلِفِ الوكيل فيما يتعلَّق بالعهدة.
الثالثة: لا يحلف في شيءٍ من حقوقه إلا النكاح؛ فإنه يحلف إن نفَّذنا عفوه عن الصداق، وإن منعناه لم يحلف.
الرابعة: في حلفه في جميع الحقوق وجهان، فإن ادَّعى إتلافًا أو غيرَه؛ فإن قلنا: لا يحلف، عُرضت اليمين على الخصم، خلافًا لأبي محمد، فإن حلف انقطع الخصام، وإن نكل وُقف على بلوغ الطفل، وإن قلنا: يحلف عُرضت اليمين على الخصم؛ فإن نكل حلف الأب، وثبت الحقُّ، وإن نكل عن يمين الردِّ فالأصحُّ: أنَّا نقف على بلوغ الطفل؛ فإن حلف بعد البلوغ استحَقَّ، وأبعدَ مَن قال: تنقطع الخصومةُ بنكول الأب.
وإن كان التنازعُ في الصَّداق، حلف الزوج: لقد تزوَّجها بألف، ولم يتزوَّجها بألفين، وحلفت هي: لقد تزوَّجها بألفين، ولا تعلم أنَّه تزوَّجها
стр. 1982
بألفٍ، ولا تحلف على نفي العلم إلا إذا ادَّعى عِلْمَها.
٢٤٨٣ - فرع:
إذا اختلف الزوجان في قبض الصداق، فالقولُ قولُها مع يمينها، وإن اتَّفقا على القبض، واختلفا في جهته، فزعم الزوجُ أنَّه من الصداق، وزعمت أنَّه هديَّةٌ، أو وقع مثلُ ذلك في سائر الديون، فالقولُ قولُ الدافع مع يمينه.
فإن قال: لم أقصد شيئًا، فقد تقدَّم نظيره في الرهن.
وللأب قبضُ صداق المحجور عليها، ولا يقبض صداق الرشيدة، إلا أن تكون مجبَرةً فطريقان:
إحداهما: لا يقبضه قولًا واحدًا، كسائر أموالها.
والثانيه: فيه قولان بناهما المحقِّقون على الخلاف في عفوه عن صداقها.
والأصحُّ: أنه لا يقبضه.
* * *
٢٤٨٤ - فصل في اختلاف الزوجين
إذا ادَّعت الصداق، ولم تتعرَّض للنكاح، حلف أنَّه لا يَلزمُه تسليمُ ما ادَّعته، ولا يَلزمُه التعرُّضُ للزوجيَّة، فإن سأله الحاكم عنها فهو فضولٌ لا يجب إجابتُه، وإن التمست سؤاله عن الزوجيَّة فوجهان:
أحدهما: لا يسأله، كمن قال للحاكم: سَلْ خصمي: هل لي عليه ألفٌ أم لا؟
стр. 1983
والثاني: يسأله، ويَلزمُه الجواب؛ لتعلُّق ذلك بدعوى الصَّداق.
وإن ادَّعت بالنكاح والصَّداق سأله عنها (١)، وإن اقتصرت على دعوى النكاح، فصدَّقها وأنكر المهر؛ فإن اعترف بخلوّ النكاح عن المهر ولم يدَّع التفويضَ، لزمه مهرُ المثل، وإن اقتصر على إنكارِ المهر، لزمه مهرُ المثل عند القاضي إذا حلفت أنَّها لم ترض بأقلّ منه، فإن طلَّقها قبل الدخول فعليه شطرُه، وعلَّل: بأنَّ النكاح إذا لم تصحَّ فيه التسميةُ بمثابة الوطء المحترَم، ولم يحمله على التفويض؛ لندرته، ولأنَّ الأصل عدمُ تصريحها بنفي المهر.
وإن سكت، أو قال: لا أدري، فظاهر قول القاضي: أنَّه بمثابة إنكار المهر، وقال: لو ادَّعت على الوارث أن مورِّثه تزوَّجها، وأقامت البيِّنة بالنكاح، فلها مهرُ المثل إذا حلفت أنَّها لم ترض بأقلَّ منه، فإنْ لم يكن لها بيّنة، وكان الوارثُ طفلًا، وُقف حتى يبلغ؛ فإن اعترف بالنكاح فهو كما لو قامت به البيِّنة، فيجب مهرُ المثل.
وقال الإمام: قياسُ المذهب فيما ذكره القاضي: أن يُجعل القولُ قولَ الزوج أو الوارثِ مع اليمين على البتِّ، أو حلف الوارث على نفي العلم، ولا يُكتفى بسكوته، ولا بتردُّده، فإن حلفا وجب أقلُّ ما يُتموَّل، وإن نكلا حلفت، وحُكم لها بما حلفت عليه.
* * *
стр. 1984
٢٤٨٥ - باب الشرط في المهر
قال الشافعيُّ: إذا نكحها بألفٍ على أنَّ لأبيها ألفًا، بطل الصداق، ولو نكحها بألف على أن يعطيَ أباها ألفًا، جاز، وفي هذين النصَّيْنِ (١) طرق:
إحداهنَّ: البطلانُ في الصورتين.
والثانية: التفرقةُ بأنَّ اللام تقتضي التمليك، بخلافِ الإعطاء، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه لم يُضِفِ الألفِ الثانيَ إليها، ولأنَّ الإعطاء المقترِنَ بـ (على) يقتضي التمليك، فلو قال: اشتريتُ عبدَكَ على أن أعطيكَ ألفًا، صحَّ الشراء.
والثالثة: إجراء قولين في الصورتين، ويجب طردُهما في نظير ذلك من البيع، مثل أن يقول: بعتُكَ هذا بألفٍ على أن أعطيك ألفًا، أو: على أنَّ لك ألفًا.
فإن قلنا بالطريقة الأولى، فأَصْدَقَها ألفًا، أو ألفين على أن يعطي أباها ألفًا بإذنها، فلا يبعد التصحيح؛ لأنَّه التزم المالَ، والعملَ الذي هو الدفعُ إلى الأب، ولا يتَّجه إلا الطريقةُ الأولى، وحُمل ما ذكره المزنيُّ على اختلالٍ في النقل؛ فإن قلنا بالصحَّة، فالألفُ الآخَرُ لها دون أبيها، وهي واعدةٌ للأب، أو واهبةٌ، أو موكِّلةٌ في الهبة، ولو شرط الزوج أن يهب الألف أو
стр. 1985
الألفين للأب، بطل الإصداق.
* * *
٢٤٨٦ - فصل في الشرط في النكاح
إذا شرط ما يقتضيه النكاح صحَّ، وما لا يقتضيه ضربان:
أحدهما: ما يَظهر تأثيرُه في مقصود النكاح، فيَفْسُدُ النكاحُ، كالتأقيت، ونفي الوطء، وكذلك شرطُ الطلاق على المذهب.
الثاني: ما لا يظهر تأثيرُه في مقصود النكاح، فيفْسُدُ الصَّداق، ويصحُّ النكاح، ويجب مهرُ المثل، كما لو شَرَطَ أن تخرج من منزله متى شاءت، أو لا يتسرَّى عليها، أو لا يتزوَّج، أو أن يجمعها مع ضرَّاتها في مسكنٍ واحد، أو لا ينفق عليها، أو لا يَقْسِم لها.
٢٤٨٧ - فرع:
يثبُتُ في الصداق خيارُ الخُلْف، وخيارُ العيب، وخيار الرؤية إن جوَّزنا إصداق الغائب، وفي خيار الشرط خلافٌ، فإن منعناه، فشَرَطه، فسد الصداق، وصحَّ النكاح على أصحِّ القولين، فإن أبطلنا النكاح، فهل يَبْطلُ بكلِّ مفسدٍ للصَّداق، أو يختصُّ بفساد الصَّداق بالخيار؟ فيه خلاف.
* * *
стр. 1986
٢٤٨٨ - باب عفو المهر
لا يصحُّ عفو الوليِّ عن المهر، وقال في القديم: يصحُّ بشرط أن يكون مُجْبِرًا، وأن يعفوَ قبل الدخول، وبعدَ الطلاق، وأن يكون ديِّنًا، والزوجةُ عاقلةٌ طفلةٌ، وكذلك المجنونةُ، خلافًا للمراوزة، وكذلك إن خلعها بالصداق جاز على الأظهر، فإن كان الصداقُ عينًا، فوهبه، أو خلع به، لم يجز، خلافًا لأبي محمد.
ولا يعفو عن مهر الثيِّب البالغ، وأمَّا البكرُ البالغُ؛ فإن كانت سفيهةً فهي كالصغيرة، وإن كانت رشيدةً فقولان.
ولو ثابت الطفلة قبل الدخول بوطءِ شبهةٍ، لم يَنفُذْ عفوه؛ لسقوط إجباره، وأبعدَ مَن نفَّذ العفو عند الطلاق وبعده إذا كانت صغيرة؛ نظرًا إلى بقاء ولايته على المال، والثَّيّبُ (١) الصغيرةُ بمثابة الثيِّب البالغ في التزويج.
٢٤٨٩ - فرع:
إذا تشطَّر المهر المعيَّن، فلأحدهما هبةُ شطره من الآخر، فإنْ كان بيد المتَّهب فهو كهبة الوديعة من المودَع، ولا تصحَّ هبتُه بلفظ العفو، وصحَّحه القاضي في حقِّ الوليِّ والزوجين، دون سائر الهبات، فإن قلنا بالأصحِّ،
стр. 1987
فليس لفظُ الإبراءِ والعفوِ بكنايةٍ في الهبات؛ لأنَّهما وُضعا للإسقاط دون التمليك.
ولو أبرأ أحدُهما الآخر من حصَّته من الصَّداق وهو دينٌ، لم يفتقر إلى القبول على الأصحِّ، وإن أبرأه بلفظ الهبة صحَّ اتِّفاقًا، فإنْ شرطنا القبول في لفظ الإبراء، فلفظ الهبة أولى، وإلا فوجهان.
* * *
٢٤٩٠ - فصل في هبة الصداق من الزوج قبل الطلاق
إذا تسلَّمت الصَّداق، وباعته من الزوج بمحاباةٍ، أو بغيرِ محاباةٍ، فطلَّقها قبل الدخول، لزمها نصفُ القيمة، ولو اتَّهبه وقبضه، ففي رجوعه بنصف القيمة قولان يجريان في الأسباب المُوجِبة لارتداد جميع الصداق، وفيما لو باع عبدًا بثوب، فاتَّهب الثوب، وردَّ العبد بالعيب، ففي رجوعه بقيمة الثوب القولان، فإن قلنا: لا يرجع بقيمة الثوب، فقد رمز الأصحاب إلى تردُّدٍ في نفوذ الردِّ؛ إذ لا فائدة فيه، بخلافِ الطلاق، وانفساخِ النكاح بسائر الأسباب.
ولو كان الصَّداق دَينًا مِثْليًّا أو متقوِّمًا، فأبرأته منه، فطريقان:
إحداهما: لا يرجع قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان.
ولو قبضت الدَّين، ثم وهبته منه، فطريقان:
إحداهما: يرجع.
والثانية: فيه القولان.
стр. 1988
وإن اتَّهب النصف؛ فإن قلنا: يرجع إذا اتَّهب الكلَّ، رجع هاهنا، وهل يرجع بنصف العين؛ حصرًا للهبة في نصيبها، أو بنصف العين ونصف القيمة؛ إشاعةً للهبة في النصيبين، أو يتخيَّر بين موجَبِ القول الثاني، وبين الرجوع بنصف القيمة؟ فيه ثلاثة أقوال تجري فيما لو أصدقَها أربعين شاة، فأخذ الساعي منها شاة، وفي نظائر ذلك.
ولو وهبت النصفَ من أجنبيٍّ، رجع بالنصف، وفيما يرجع به الأقوال.
وإن قلنا: لا يرجع إذا اتَّهب الجميع، فهاهنا أوجهٌ:
أحدها: لا يرجع بشيء؛ حصرًا للهبة في نصيبه.
والثاني: يرجع بنصف العين؛ حصرًا للهبة في نصيبها.
والثالث: يرجع بربع الجملة؛ إشاعةً للهبة في النصيبين.
فإن قلنا: يرجع بجميع حقِّه، ففي كيفيَّة رجوعه الأقوالُ عند الأصحاب، وهذا وهم؛ [إذ] (١) لا ينقدحُ الرجوعُ بتمام الحقِّ إلا على قول الحصر، وقد انحصر حقُّه فيما بقي، فلا معنى لإعادة الأقوال.
وقد تساهلوا في هذه المسائل بقولهم: تجب القيمة، أو ربعُها، ومرادُهم بذلك: قيمةُ النصف، وقيمةُ الربع.
ولو أصدقها إناءين، فانكسر أحدهما، فعلى قولٍ: يرجعُ بنصف الصحيح، وقيمةِ نصفِ (٢) الآخر، وعلى قولٍ: يتخيَّر بين هذا، وبين الرجوع
стр. 1989
بقيمة النصفين، بخلاف ما لو وجد المشتري بأحدِ العبدين عيبًا، فله ردُّهما اتّفاقًا؛ فإنَّ البيع متَّحد لا يتعدَّدُ بتعدُّدِ المبيع، فلا يمكن فسخُ بعضه، بخلافِ تشطُّر الصداق، فإنَّه ثبت بقهر الشرع.
* * *
٢٤٩١ - فصل في الاختلاع بالصداق
إذا أصدقها عشرة دراهم، ثم خلعها بجنسٍ آخر، صحَّ، فإن كان قبل الدخول لزمه خمسةُ دراهم، وإن خلعها بدراهم صحَّ، وعليه خمسةٌ قبل الدخول، أو عشرةٌ بعده، ثم تجري أقوالُ التقاصِّ، وإن خلعها (١) بعد الدخول بالعشرة المصْدَقة صحَّ، وبرئ منها، وإن خلعها بالعشرة قبل الدخول تشطَّرت، وفي بطلان الخلع قولا تفريق الصفقة، فإن أبطلنا الخلع: فهل يرجع بمهر المثل، أو ببدل الدراهم؟ فيه قولان، وإن صحَّحنا الخلع فله عليها خمسة، وله الخيارُ، فإن فسخ: فهل يرجع بنصف مهر المثل، أو بنصف البدل؟ فيه القولان، ولا خيارَ له إلا إذا جهل حكمَ التشطُّر والتفريق.
وإن خلعها بعشرةٍ مطْلَقةٍ صحَّ، ولم تُحسب من الصداق، فلها عليه خمسةٌ، وله عليها عشرةٌ.
ولو خلعها قبل الدخول بنصف الصَّداق؛ فإن قالت: اختلعتُ بالخمسة التي تبقى لي، صحَّ، وبرئ من العشرة؛ خمسة بالخلع، وخمسة بالتشطير.
وإن قالت: اختلعتُ بخمسةٍ شائعةٍ في النصيبين، فعلى الخلاف في
стр. 1990
التفريق، فإن أبطلنا الخُلعَ: فهل يرجعُ بخمسةٍ، أو بمهر المثل؟ فيه القولان، وكذلك إن صحَّحناه ففسخ، وإن أجاز؛ فإن قلنا: يخيَّر (١) بالتمام، برئ من سبعةٍ ونصفٍ، والباقي لها، وإن قلنا: يُخيَّر (٢) بالبعض، فقولان:
أحدهما: يرجع بنصف مهر المثل، فيبرأ من سبعةٍ ونصفٍ، ولها عليه درهمان ونصفٌ.
والثاني: ترجع بدرهمين ونصفٍ، ويبرأ من سبعةٍ ونصفٍ.
وإن قالت: اختلعتُ بنصف المهر، أو بخمسةٍ منه، ولم تتعرَّض لحصرٍ ولا إشاعة: فهل يُنزَّل على الإشاعة، أو يُلحق ببيع أحد الشريكين نصف الدار مطلقًا؟ فيه طريقان، والفرق: أنَّ الشريك لا يملكُ سوى النصفِ، فنُزِّل تصرُّفه عليه، وهاهنا المرأةُ مالكةٌ لجميع الصَّداق، فشاع تصرُّفُها فيه.
* * *
стр. 1991
٢٤٩٢ - باب الحكم في الدخول وإرخاء الستر
للمرأة الامتناعُ من تسليم نفسها حتى تقبض جميع الصداق، ولا يُبدأ بها في تسليم نفسها، وهل يُبدأ بالزوج، أو يجبران، أو يُجبر واحد منهما؟ فيه أقوال.
فإن قلنا: لا يُبدأ به، فليس لها طلبُ الصداق حتى تسلِّم نفسها، فإن وطئها استقرَّ المهر، وثبت الطلب، وإن سلَّمت، فلم يطأ، فلها الطلب، فإن امتنعت بعد التسليم سقط الطلب.
وإن قلنا: يجبران، دُفع المهر إلى عدلٍ، وأُجبرت على التسليم، فإذا سلَّمت نفسها أخذت الصَّداق، فإن لم يطأ بعد التسليم، فعلى العدل أن يسلِّمه إليها عند الإمام، فإن تسلَّمته، ثم منعت الوطءَ فله أن يستردَّه.
وإن قلنا: يُبدأ به، فشرطُه أن يكون بحيث يتأتَّى منها التمكينُ، كما يُشترط في البداية بالبائع التمكُّن من تسليم المبيع.
٢٤٩٣ - فرع:
لو تبرَّع بالبداية، فامتنعت من التسليم، فله الاستردادُ إن أوجبنا البداية به، وإن لم نوجبها أُجبرت على التسليم، وليس له الاستردادُ إن لم يكن لها عذرٌ عند التسليم، وكذا المعذورةُ على الأصحِّ.
стр. 1992
وقال الإمام: يجب إجراء الخلاف في غير المعذورة، بل يتَّجه أن يقال: إن سلَّمه عالمًا بالعذر لم يرجع، وإلّا فوجهان؛ فإنَّه يتوقَّع التمكينَ عند انتفاء العذر.
٢٤٩٤ - فرع:
إذا سلَّم الصداق لزمها التسليمُ، ولا تُمهل إلا مدَّة التهيُّؤ والاستعداد، وقدَّرها الأصحابُ بثلاثة أيَّام، وهي تقريبٌ عند الإمام، والاستعداد: تهيئةُ البدن بالتنظُّف اللائق بالحال، ويختلفُ باختلاف الأشخاص والأحوال، ولا عبرة بغير ذلك.
٢٤٩٥ - فرع:
إذا طلب تسليمَ الصغيرة التي لا تُطيق الجماع، أو المريضةِ التي يضرُّها الوقاع، وشَرَطَ أنَّه لا يطأ، فلا يجابُ إلى ذلك وإن كان ثقةً؛ إذ لا يؤمَنُ من هيجان الشهوة، ونزغات الشيطان، ولهذا حُرِّمت الخلوةُ بالأجنبيَّة على أعدل البريَّة.
فإن رضيت المريضةُ بالخلوة، فله أن يستمتع بها استمتاعًا غيرَ مضرٍّ، فإن أفضاها لم يُمكَّن من الوطء حتى تندمل، والقولُ قولُها مع يمينها في الاندمال، وإن طال الزمان؛ فإنْ أَمْكَنَ معرفةُ ذلك أَمر الزوجُ أربع نسوةٍ ثقاتٍ بكشف الحال؛ فإن أَخبرت بالاندمال فله الوطء.
ويجب تسليمُ الحائض، فإنْ طلب منها الضمَّ والالتزام والاجتماع في شعارٍ، لزمها ذلك اتِّفاقًا، فإن عرفت من حاله أنَّه يطؤها في الحيض، ففي امتناعها احتمالٌ، ولا يَبْعدُ فيه التجويزُ، ولا الإيجابُ.
стр. 1993
٢٤٩٦ - فرع:
إذا وطئها طائعة فليس لها الامتناعُ لأجل المهر، وإن أكرهها فوجهان، وإن قالت: متى أقبضْتَني الصداقَ مكَّنتك، وجبت نفقتُها، وإن لم تقل ذلك فقولان (١).
* * *
٢٤٩٧ - فصل فيما توجبه الخلوة من العدَّة وتقرير الصداق
الجديد: أنَّ الخلوة لا تقرِّرُ المهر، ولا تُوجب العدَّة، وقال في القديم: تقرِّر المهر، وتُوجب العدَّة، وقَطَعَ الأصحابُ بإثباتِ الرجعة على القديم.
وقال المحقِّقون: لا أثر للخلوة بالرَّتقاء، ولا بمَن لها عذرٌ شرعيٌّ كالصوم المفروض، والحيض، والإحرام، ولم يقل أحد من الأصحاب بالفرق بين العدَّة والتقرير، ولو قيل بإثبات التقرير دون العدَّة لاتَّجه، وقد قطع بعض الأصحاب بأنَّ الخلوة لا تقرِّر، ولا توجِبُ العدَّة، وحُمل الخلافُ على أنَّهما لو اختلفا في الوطء، ففي المصدَّق منهما القولان.
* * *
стр. 1994
٢٤٩٨ - باب المتعة
إذا طُلِّقت المفوَّضة قبل الدخول والفرض فلها المتعةُ إجماعًا، وإن فُرض لها، أو سُمِّي الصَّداقُ في العقد، وطُلِّقت قبل الدخول، فلا متعةَ لها إلا على قولٍ بعيد، وإن دخل بها فلها المتعةُ على الجديد.
ولا تجب المتعةُ بالموت اتِّفاقًا، ولا بفُرقةٍ صادرةٍ من المرأة، أو بسببٍ يقطع النكاح، ولا بما يَصْدُر منه لمعنىً فيها، كفسخِهِ بعيبها، ويجب بما يصدر من الأجانب كالرضاع، وما ينفرد به الزوجُ كالإسلام، والردَّة واللعان، والخلع والطلاق، وكذلك طلاقها نفسَها بإذنه، والضابط: أنَّ كل ما شطَّر المهر فهو موجبٌ للمتعة، وكلَّ ما اقتضى سقوطَ المهر قبل الدخول فلا يوجبُ المتعة.
٢٤٩٩ - فرع:
إذا اشترى زوجتَه قبل الدخول فالمذهبُ التشطُّرُ، ولا متعةَ؛ إذ لا يجب له شيءٌ على نفسه، وغلط من قال: يجب للبائع؛ فإنَّه إن قدَّم وجوبها على الفُرقة فقد خالف الإجماع، ولو باع الأمة المفوّضة، فطُلِّقت في ملك المشتري، فالمتعةُ للمشتري؛ فإنها تجبُ مع الفُرقة، ولا تتقدَّمها، واتَّفقوا على تغليط المزنيِّ في إيجاب المتعة بفسخ العُنَّة، وأخطأ من أسقطها في
стр. 1995
الخلع؛ لانتسابه إليها، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه مشطِّر؛ نعم (١) إن جُعل فسخًا فقد تمارى بعضهم في التشطير، فيليقُ به التردُّد في المتعة.
* * *
٢٥٠٠ - فصل في قدر المتعة
وفي قدرها وجهان:
أحدهما: أقلُّ ما يتموَّل ممَّا يجوز إصداقُه.
وأصحُّهما: أنَّ التقدير إلى الحاكم.
وهل يُعتبر بحاله، أو حالها؟ فيه وجهان:
أحدهما: الاعتبار بحاله، فيجب أقلُّ ما يُمتَّع به مثلُه في العادة.
والثاني: الاعتبارُ بحالها، فيجب أقلُّ ما يُفْرَضُ لمثلها في العادة، وهو خلافُ ظاهر القرآن.
واعتبرها أبو محمد بحالهما.
وقال الإمام: يُفرض لها ما يسدُّ مسدًّا ممَّا بداخلها من الفراق، ويختلف ذلك باليسار والإعسار، واستَحَبَّ في القديم قَدْرَ ثلاثين درهمًا، وقال في بعض الكتب: ينبغي للحاكم أن يفرض مِقْنعةً، أو ثوبًا، أو خادمًا.
واتَّفق المحقِّقون على تنقيص المتعة عن نصف مهر المثل، فإن سُمِّي المهر في العقد، وأوجبنا متعةَ المدخول بها، فالاعتبارُ بمهر المثل على
стр. 1996
أشبه الاحتمالين.
* * *
٢٥٠١ - فصل في الوليمة
الوليمة: كلُّ مأدبة تُصنع لحادثِ سرورٍ، كالإملاكِ والنفاس والعرس والختان، وأفضلُها وليمةُ العرس، ولا يجب شيءٌ منها إلا وليمةُ العرس، وفيها طريقان:
إحداهما: أنَّها لا تجب.
والثانية: في وجوبها قولان.
ومَن دُعي إلى وليمةِ عرسٍ، أو غيرِها، ففي وجوب الإجابة خلافٌ، فإن قلنا: تجب، فعلم أنَّ امتناعه لا يَعِزُّ على الداعي ففيه احتمالٌ.
وإن حضر لم يلزمه الأكلُ على الأصحِّ، وإنْ أوجبناه كفاه أقلُّ ما يتناوله الاسم، ولو قال لنائبه: ادعُ مَن لقيت، لم تَجِبِ الإجابةُ.
ولو دُعي جمعٌ (١)، فأجاب بعضُهم، ففي السقوط عن الباقين وجهان خصَّهما الإمام بما إذا دُعي (٢) الجميع، وقال: لو خصَّ كلَّ واحدٍ بالدعوة، أو خصَّ كل واحدٍ من الجماعة بالسلام، تعيَّنت الإجابةُ على الكل.
فإن كان في الدعوة أراذلُ لا يلائمون المدعوَّ ففي سقوط الإجابة وجهان.
стр. 1997
فإن كان صائمًا عن فرضٍ أجاب، وأبان عُذْرَه، وإن كان متنفِّلًا؛ فإن لم يعزَّ على الداعي صومُه أتمَّ الصيام، وإنْ عزَّ عليه فالأَوْلَى أن يفطر ويقضيَ.
وإن كان في الدعوة منكرٌ كالمعازف؛ فإنْ عَلِمَ أنَّها تُزال هيبةً له فليَحْضُرْ؛ فإنه من باب النهي عن المنكر، فإن لم ينزجروا، وعجز عن المنع، فلا يقعد معهم مختارًا.
وإن كان في الدار صورُ الحيوان: فهل يُكره دخولُها، أو يحرم؟ فيه وجهان، أصحهما: الكراهةُ، فإن حرَّمنا الدخول، وجب الخروج، هذا في الشاخصة، والمنقوشةِ على السقوفِ والجدران، وكذلك إذا كانت الصورُ على الأُزُرِ المرتفعة، والمساند، والسُّجوف، ويَحْرُمُ تعاطيها، والأمرُ باتّخاذها.
ولا بأس بصور الشجر، وفي تصوير حيوانٍ بلا رأسٍ وجهان، ولا يجوز لبس ثوبٍ مصوَّرٍ عند أبي محمد.
والناهي عن المنكر يَحُطُّ الستر، ولا يفسده؛ لأنَّه يصلح للافتراش، وهو جائز، وأجاز أبو محمد استصناعَ الثياب المصوَّرة؛ لصلاحيتها، للفرش، ومنعه الإمام.
* * *
٢٥٠٢ - فصل في النثر
إذا نُثر السكَّر، أو الجوز في العرس كُرِهَ التقاطُه؛ لمخالفته للمروءة،
стр. 1998
وربّما كان بعضُهم آثَر عند الناثر من البعض، وقال الشافعيّ: الأولى: ألا يُنثر.
قال الإمام: لا تبعد كراهيتُه؛ لتأديته إلى المكروه (١)، وقد يُباح إذا لم يؤثَر بعضُهم على بعضٍ، والحاضرون سواءٌ فيما سقط على الأرض، فمن أخذ منه شيئًا بيده، أو بسط حِجْرَه لذلك فوقع فيه مَلَكَه، فإن سُلب منه فالسالبُ غاصبٌ؛ لأنَّ المِلْكَ قد حصل بمجرَّد إثبات اليد، وإن لم يبسط حجره لذلك، جاز أخذُ ما وقع في حجره إن لم يرغب فيه، وإن رغب فوجهان، كما لو عشعش طائرٌ في دار إنسانٍ، وإن سقط من حجره؛ فإن لم يبسط حجره لذلك مَلَكَه مَن ابتدره، وإن كان راغبًا فيه، كما لو طار الطائر من داره مع رغبته فيه، وإن كان بسط حِجْرَه لذلك لم يَزُلْ مِلْكُه على أظهر الوجهين.
ولو نصب شبكةً في طريق الصيد، فوقع فيها، ثم أفلت، ففي زوال الملك الوجهان، ولو أخذه آخذٌ قبل الإفلات لم يملكه.
وإذا نُثر الجوز أو اللوز، أو قُدِّم الطعامُ للضيف، لم يفتقر إلى لفظٍ على المذهب، بل يُكتفى في ذلك بقرائن الحال، وأبعدَ مَن شرط لفظًا دالًّا على الغرض، كقوله: كلوا، أو: خذوا، ولا يُشترط في ذلك تمليكٌ،
стр. 1999
ولا قبولٌ، ولا إيجابٌ.
ولا يملك الضيفُ ما يأكلُه على الأصحِّ، وإن قلنا: يملكه، فهل يملك اللقمة برفعها، أو بوضعها في فيه، أو ببعض مضغها، أو ببلعها؟ فيه أربعةُ أوجهٍ.
وقال أبو محمد: لا يملكُه بحالٍ، وحَمَلَ الخلاف على أنَّ الإباحة: هل تلزمُ حتى يمتنعَ رجوعُ المالك؟ والأصحُّ: أنَّ الإباحة لا تلزم مع بقاء المستباح.
٢٥٠٣ - فروع مفرَّقة:
الأول: إذا قال لعبده: تزوَّج فلانةَ الحرَّةَ، واجعل رقبتك صَداقَها، فسد الإذنُ، ولو زوَّجه حيث يملكُ إجبارَه، وجَعَلَ رقبتَه صداقًا؛ فإن كانت الزوجةُ أمةً صحَّ النكاح، وإن كانت حرَّةً فسد اتِّفاقًا.
فإن طلَّق الأمة قبل الدخول، فالشطرُ لمالك الأمة، أو للسيّد الأوّل؟
فيه وجهان، أصحُّهما: أنَّه للأوّل.
فإن أعتقه مالكُ الأمة، ثم طلَّق قبل الدخول؛ فإن جعلنا الشطر للأول، فعلى مالك الأمة نصفُ قيمة العبد للأوّل، وإن جعلناه لمالك الأمة فللعبد عليه نصفُ قيمته.
ولو زوَّجه بمهرٍ في الذمَّة، ثم باعه، وتشطَّر المهر، فالشطرُ للبائع على وجه، وللمشتري على آخر، والأصحُّ: أنَّه لمن اكتسبه في مِلْكه، وكلُّ تفريعٍ ذكرناه في الشطر فهو جارٍ في جميع المهر إذا جرى بسببٍ يقتضي ارتداده.
стр. 2000
الثاني: إذا أصدقَ الذمِّيُّ خمرًا، وسلَّمه فاستحال خلًّا، فأسلما، فطلَّق قبل الدخول، فلا شيء له على الأصحِّ، وقيل: يرجع بنصف الخلِّ، فعلى هذا: لو أتلفتْه قبل الطلاق فالأصحُّ: أنَّه يرجع بنصف مثل الخلِّ، وقيل: لا يرجع بشيء.
ولو أصدقها جلدَ ميتةٍ، فدبغتْه بعد الإسلام، ثمَّ طلَّقها فطريقان:
إحداهما: لا يرجع بشيء اتِّفاقًا؛ لأن المِلْك حصل بفعلها.
والثانية: فيه الوجهان، فإن قلنا: يرجع، فأتلفته قبل الطلاق، لم يرجع بشيء؛ إذ ليس بمثليٍّ، ولا يمكنُ إيجابُ قيمته؛ إذ لا قيمةَ له يوم الإصداق، وفيه احتمال.
ولو باعت الجلد والخلَّ، أو وهبتْهما، فهو كما لو تلفا في يدها، أو أتلفتْهما، وما ذكرناه في الشطر فهو جارٍ في الجميع إذا جرى ما يوجبُ ردَّ الجميع.
الثالث: أصدقها عبدًا، فهزل ثمَّ سمن من غير زيادة، فإنَّه يتشطَّر اتِّفاقًا، وإن كان حليًّا، فكسرته وأعادته صنعة أخرى، لم يلزمه أخذُه، وإن أعادت صنعته الأولى فوجهان، فإن قلنا: لا يرجع، فهل يرجع بقيمته من غير جنسه، أو بوزنه تبرًا، وبنصف أجرة الصانع من نقد البلد؟ فيه وجهان.
ولو غصب إناءً وزنهُ ألفٌ، وقيمتُه بسبب الصنعة ألفان، وحرَّمنا اتّخاذ الأواني، فكسره، فرجع إلى ألفٍ، فلا يغرم قيمة الصنعة إلا على وجهٍ بعيدٍ، فإنَّ ما لا يتقوَّم لا يختلفُ باختلاف المتْلَفَيْنِ.
ولو غصب مغنِّية قيمتُها بسبب الغناء ألفان، وألفٌ من غير غناء،