الحال الثانية: أن يقول: ظننتُ أنَّ المجيبةَ عمرةُ، فخاطبتُ بالطلاق بناءً على هذا الظنَّ، فلا تَطْلُقُ عمرةُ؛ لأنَّه خاطبَ غيرها بالطلاق، وتطلقُ زينبُ على أظهرِ الوجهين، ويُحتمل أن يقال: تطلقُ زينبُ في الحكم، وفي عمرةَ وجهان.
* * *
٢٧٣٤ - فصل في فروع شتَّى
الأول: إذا قال: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، بل هذه، وعُلم أنَّه أراد طلاق الثانية بقوله: بل هذه، فتطلقان بدخول الأولى.
فإن قال: أردتُ تعليقَ طلاق الثانية بدخولها، فوجهان:
أحدهما: لا يُقبل، فتطلق بدخول الأولى، واختاره القفَّال مستشهدًا بمن قال: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، ثم قال لأخرى: أنت شريكتُها، فإن أراد أنَّها تطلقُ بدخول الأولى قُبِل، وإِن أراد أنَّها تطلقُ بدخولها بنفسها لم يقبل، وخرَّج الإمام ما استشهد به القفَّال على الخلاف.
والثاني: يُقبل (١)، فيلغو لفظُه، فإنَّه ليس بصريحٍ، بخلافِ قوله: بل هذه.
الثاني: إذا طلَّق الحرُّ الذمِّيُّ، ثم حارب واستُرِقَّ، فاراد نكاح المطلَّقة، فإن كان قد طلَّق واحدةً فله أن ينكحها على أخرى، وإن كان قد طلَّق طلقتين، فله أن ينكحها على الأصحِّ، وقيل: لا يحل إلا بمحلِّل.
стр. 2172
الثالث: إذا طلَّق العبدُ، ثمّ عتق، فإن كان قد طلَّق واحدة فله أن ينكح على طلقتين، وإِن كان قد طلَّق طلقتين لم يحلَّ إلا بمحلِّلٍ، وفيه وجهٌ غريب.
الرابع: إذا قال لغير الممسوسة: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ طلقةً، ثم قال: إن دخلتِها فأنتِ طالقٌ طلقتين، فدخلت قبل المسيس، طلقت ثلاثًا؛ لاتِّحاد وقت الوقوع، كما يُسوَّى بين العبدين في التدبيرين المتعاقبين.
وإِن قال: إن طلَّقتكِ فأنتِ طالقٌ مع المنجَّزة، ثم طلَّق، وقعت المنجَّزة، وفي المعلَّقة وجهان.
ولو قال: إن أعتقتُ سالمًا فغانمٌ حرٌّ معه، فأعتق سالمًا مع ضِيْقِ التركة، فهل يتقدَّم سالم؟ فيه الوجهان.
وإِن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلها طلقةٌ، فقد قيل: لا يقعُ شيءٌ، وقيل: يقع طلقةٌ، وقيل: طلقتان، ولا وجه لوقوع طلقتين.
الخامس: إذا قال العبد لزوجته: إن دخلتِ الدار فأنت طالقٌ ثلاثًا، فعتَق، ثم دخلتْ، وقع طلقتان على أقيس الوجهين؛ لأنَّه لم يملك تعليقَ الثالثة.
وإِن قال لأمته: أوَّلُ ولدٍ تلدينه فهو حرٌّ، فعلقت بعد ذلك بولدٍ، فلا تَعْتِقُ على الأقيس؛ لعدم المِلْكِ حالَ التعليق.
وإِن قال: إن مات سيِّدي فأنتِ طالقٌ طلقتين، فقال السيِّد: إن متُّ فأنتَ حرٌّ، فمات، وعتق، فله رجعتُها على المذهب؛ لأنَّ الحريّة والطلاقَ وقعا معًا، وأبعدَ مَن أوجب التحليل.
وإن قال: أنت طالقٌ في آخر جزءٍ من حياة سيِّدي، فعتق بموت السيِّد
стр. 2173
لم تثبت الرجعة، فإنَّها لا تثبت عَقيب الطلاق، وإنَّما تثبت معه.
السادس: إذا تزوَّج بجارية أبيه، وعلَّق طلاقها بموت الأب، فمات الأبُ بريئًا من الدَّين، لم تطلق على الأصحِّ، فإنَّ الانفساخ والإرث يقعان معًا، وإِن كان على الأب دينٌ؛ فإن نقلنا التركة إلى الوارث فالجوابُ كما مضى، وإِن قلنا بمذهب الإصطخريِّ طلقت.
السابع: إذا قال: أنتِ طالقٌ مع موتي، أو: مع أوّلِ موتي، أو: مع انقضاء عدَّتك، لم تطلق على المذهب، وخرَّجه الخضري على التعليق بالولادة.
ولو قال للرجعيّة: أنت طالقٌ مع آخر جزء من عِدَّتكِ، طلقت على الأصحِّ.
الثامن: إذا نكح حاملًا من زنىً ووَطِئها، ثم قال: أنت طالقٌ للسنَّة، لم تطلق في الحال؛ إذ لا أثر لحملها، فأشبهَ الطلاقَ في طهرٍ جامعها فيه.
ولو رأت الحاملُ الدم وجعلناه حيضًا، فقال: أنت طالقٌ للسنَّة؛ فإن كان الحملُ منه فوجهان، وإِن كان من الزِّنى لم تطلق في الحال، وقال أبو محمد: يجب القطع على هذا القياسِ بأنَّ الحامل من الزِّنى تحيض، وفيما قال نظر؛ فإنَّ الأمر الطبيعيَّ لا يختلف بالحِلِّ والحرمة.
التاسع: إذا طلق العبد طلقتين وأُعتق، وأَشكلَ أيُّهما سبق، فلا تحلُّ إلّا بمحلِّلٍ على الأصحِّ، وإِن ادَّعى سَبْقَ العتق، وادَّعت سبقَ الطلاق، فإن اتَّفقا على وقت العتق؛ كيوم الجمعة مثلًا، فقال: طلَّقتُ يوم السبت، فقالت: بل يوم الخميس، فالقولُ قولُه مع يمينه، وإِن اتَّفقا على وقت الطلاق، فادَّعى
стр. 2174
تقدُّم العتق عليه، وادَّعت التأخير عنه، فالقولُ قولُها مع اليمين.
العاشر: إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا يومَ يَقْدَمُ فلان، فقَدِمَ ليلًا، لم تطلق على المذهب، وفيه وجهٌ، وإن قَدِمَ نصفَ النهار فهل تطلقُ عَقِيب القدوم، أو مع أوَّل الفجر؟ فيه قولان، فإن خلعها ضحىً، أو ماتت، فقدم في بقيَّة النهار، فإن قلنا: تَطْلُق عقيبَ القدوم، لم يقع شيء، وإِن قلنا: تطلق بأوَّل الفجر، وقع الثلاث.
الحادي عشر: إذا قال: أنت طالقٌ واحدةً، بل ثلاثًا، إن دخلت الدار، ففي تعلُّق الثلاث بالدخول وجهان، فإن قلنا: لا يتعلَّق، تنجَّزت واحدةٌ، وتعلَّقت ثنتان، وإِن قال ذلك قبل الدخول، فإن قلنا: تتنجَّز الواحدةُ، بانت بها، فإن نكحها بعد ذلك لم تطلق بالدخول، وأَبعدَ مَن خرَّجه على عوْدِ الحنث، وإن علمنا الثلاثَ فهل يقع قبل المسيس واحدةٌ أو ثلاث؟ فيه وجهان يجريان في كلِّ لفظين يقتضيان الوقوعَ معًا، كقوله: إن دخلتِ فأنت طالقٌ وطالقٌ.
الثاني عشر: إذا قال: إنْ دخلتِ الدار طالقًا فأنتِ طالقٌ، أو: أنت طالقٌ إن دخلتِ الدار طالقًا، فلم يطلِّق حتى دخلت، لم تطلق بالدخول.
الثالث عشر: إذا قال: لزوجته الأمة: إن اشتريتكِ فأنت طالقٌ، فقال السيّد: إن بعتكِ فأنت حرّةٌ، فاشتراها منه، عتقت في خيار المجلس، وطَلَقت إن بقَّينا المِلْكَ للبائع، وإِن نقلناه إلى المشتري لم تطلق؛ لأنَّ العتق يترتَّب على الملك.
إذا قال: إن كان أوَّلُ ولد تلدينه ذكرًا فأنت طالقٌ واحدةً، وإِن كان أنثى
стр. 2175
فأنت طالقٌ طلقتين، فإن ولدتهما على التعاقُبِ، وأَشْكلَ السابقُ وقعت طلقةٌ، وإِن ولدتهما معًا لم تَطْلُقْ على المذهب، ويُحتمل إيقاع الثلاث، فإنَّ الأوَّل ما لا يتقدَّمه شيءٌ، ولا يُشترط أن يتأخَّر عنه شيءٌ، فإنَّها لو ولدت ذكرًا طَلَقتْ وإِن لم تلد بعده شيئًا.
ولو قال لعبديه: مَن جاء منكما أوّلًا فهو حرٌّ، فجاءا معًا، لم يعتق واحدٌ منهما اتِّفاقًا.
الرابع عشر: إذا نكح جاريةَ أخيه، ثم علَّق طلاقها بموته (١)، فمات، فورثها أو بعضَها، لم تطلق على الأصحِّ، فإن قال الأخ: إذا متُّ فأنتِ حرَّةٌ، فمات وعتقت، طلقت، وإِن قال: أنت حرَّة بعد موتي بشهرٍ، فإن قلنا بالأصحِّ، وبقَّينا مِلْكَ الميت، طلقت؛ لبقاء النكاح، وإِن نقلناه إلى الوارث انفسخ النكاح على الأصحِّ، ولم تطلق.
الخامس عشر: إذا قال: أنتِ طالقٌ أعظمَ الطلاق، أو: أكبرَه، أو: ملء الأرض، أو: ملء العالم، أو: عدد التراب، طلقت طلقةً، وإِن قال: أنت طالقٌ أكثر الطلاق، أو: ملء هذه البيوت الثلاث، أو: ملء السماوات، أو: عدد أنواع التراب، وقع الثلاث.
السادس عشر: إذا قال: أنت طالقٌ هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، وقع الثلاث، وإِن أشار بواحدةٍ وقعت واحدةٌ، وإن أشار باثنتين وقع طلقتان، وهذا فيما يوجب العلم من الإشارة، فإنْ لم يتَّضح ذلك بنغمةٍ أو نظرٍ إلى الأصابع، وقعت واحدةٌ إلا أن ينويَ العدد.
стр. 2176
السابع عشر: قال الأصحاب: إذا قال: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدار إن كلَّمتِ زيدًا، فشرطُ الطلاق أن يترتَّب الكلامُ على الدخول، فإنْ كلَّمتْه ثم دخلت، لم تطلق؛ لأنَّه علَّق الطلاق عند الدخول بالكلام، فكان تعليقًا للتعليق، والتعليقُ يقبل التعليقَ، واستبعد الإمامُ اشتراطَ الترتيب، فإنَّ ذكر الصفتين من غير عاطفٍ لا يقتضيه، وقال: لو قال: إنْ دخلتِ إن كلَّمتِ إن أكلتِ فأنت طالقٌ، فقد علَّق بهذه الصفات، فإنْ لم يشرط الأصحاب الترتيبَ هاهنا فلا فرق بين الصورتين، وإِن شرطوه فلا وجه له في الصورتين، وإِن قال: إن كلَّمتِ ودخلت فأنت طالقٌ، لم تطلق حتَّى تدخل وتكلِّم، ولا يُشترط الترتيب.
إذا قال: أنت طالقٌ إن كلمتِ فلانًا إلى أن يقدم فلان، فالتأقيتُ متعلِّقٌ بالصفة، فإن كلَّمتْه قبل القدوم طلقت، وإلّا فلا.
الثامن عشر: إذا قال: إن دخلتِ الدار فأنت طالقٌ، وكرَّر ذلك مرارًا، فان أراد التحديدَ أو التأكيدَ وقع ما أراد متعلِّقًا بدخلةٍ واحدةٍ، وإِن أراد تعليق الثلاث بثلاثِ دخلاتٍ دُيِّن، ولم يُقبل في الحكم.
التاسع عشر: قال القاضي: إذا قال: أربعُكُنَّ طوالقُ إلا فلانةَ، أو: إلّا واحدةً، على الإجمال، لم يصحَّ الاستثناء؛ إذ لا يُستعمل لذلك عرفًا، وفيه احتمالٌ ممَّا لو قال: أنت طالقٌ ثلاثًا إلّا واحدةً. ولو قال: أربعُكُنَّ إلا فلانةَ طوالقُ، صحَّ الاستثناء، ولعلَّه يقول: إذا قال: هؤلاء العبيدُ الأربعةُ لكَ [إلا هذا]، لم يصحَّ الاستثناء، ولو قال: لكَ أربعةُ أَعْبُدٍ [عليَّ] (١) إلا عبدًا،
стр. 2177
صحَّ؛ لأنَّ الإشارة مقوِّيةٌ للكلام، بخلاف إرسال الكلام بغير إشارةٍ.
العشرون: إذا قيل له: أطلَّقتَ امرأتكَ؟ فقال: نعم، طَلَقتْ إن نوى، وإِن لم ينوِ فقولان.
وقال أبو عليٍّ: هذه الطريقةُ غيرُ مَرْضيَّةٍ، فلا تَطْلُقُ وإِن نوى؛ لأنَّ (نعم) إخبارٌ، فلا تصلحُ للإنشاء، ولا يجوزُ أن يُختَلَف في كونه إقرارًا؛ فإنَّه لو قال لخصمه: لي (١) عليك ألفٌ، فقال: نعم، لحَكَم عليه الحاكم بأنَّه مقِرٌّ، ولو سمعه الشهودُ لتحمَّلوا الشهادةَ على صريح الإقرار، وإِن قال: أردتُ أنِّي طلَّقتها في نكاحٍ سابقٍ، فهو كما لو قال: أنت طالقٌ الشهرَ الماضي، وفسَّر بالطلاق في نكاحٍ سابق.
ولو قيل له: ألك زوجةٌ؟ فقال: لا، فهو كذبٌ صريحٌ لا حُكمَ له عند الأصحاب، وجعله المحقِّقون كنايةً في الإقرار بنفي النكاح، وجعله القاضي صريحًا في ذلك، فلو قيل له: هذه زوجتك؟ فقال: لا، كان صريحًا في الإقرار بنفي النكاح.
ولو قيل: أطلَّقْت امرأتك؟ فقال: قد كان بعضُ ذلك، لم تطلق؛ لاحتمالِ أنْ يريد التعليقَ أو سؤالَ الطلاق.
ولو قال: بعتكَ هذا، فقال: نعم، أو قال الدلَّال للمالك: بِعْ متاعَكَ من هذا، فقال: نعم، لم يصحَّ اتِّفاقًا؛ لأنَّ (نعم) خبرٌ يَحتمِلُ الصدق والكذب، فلا يَصْلُحُ للإنشاء الذي لا يحتملها.
стр. 2178
ولو قال: بِعْ متاعك من هذا بألف، فقال: بعتُ، ولم يذكر الثمن، ولا خاطَبَ المشتري، فالوجهُ القطعُ بالبطلان، وفي جعله إقرارًا اضطرابٌ؛ لأنَّ طلب الدلَّال قرينةٌ تُشعر بالإنشاء.
ولو قالت للزوج: "طلاق ده مرا"، فقال: "دادم" (١) لم تطلق، خلافًا للقاضي.
الحادي والعشرون: إذا قال: أنت طالقٌ طلقةً فطلقتين، وقع ثلاثٌ، فإن قال: أردتُ إعادة الأولى في الثنتين، فقد ردَّه الجمهور، وقَبِلَه آخرون.
ولو قال: "تواززني مَن بيك طلاق ودو طلاق هشته اي" (٢) وقع ثلاثٌ عند القفَّال، وعند القاضي اثنتان.
الثاني والعشرون: إذا قال: طلِّقي نفسَكِ إن شئتِ ثلاثًا، فشاءت واحدةً، وطلَّقت واحدة، لم يقع شيءٌ إِلّا أن يقول: أردتُ بذكر الثلاث تفسير الطلاق، فتقع الواحدة.
وإِن قال: طلِّقي نفسك إن شئتِ واحدة، فقالت: شئتُ ثلاثًا، وطلَّقتُ
стр. 2179
ثلاثًا، لم يقع شيء؛ لأنَّه علَّق التفويض على أن تشاء واحدةً، ويُحتمل إيقاع واحدة؛ لاندراجها تحت مشيئة الثلاث، ولا يكفي في الصورتين أن تقول: شئتُ الطلاق، بل تقولُ: شئتُ واحدةً، أو: ثلاثًا، وطلَّقتُ نفسي؛ لأنَّ التفويض قد تعلَّق بمشيئة ذلك، فلا يتحقَّق بدونها.
وإِن قال: طلِّقي نفسك ثلاثًا إن شئتِ، أو: طلِّقي نفسك واحدةً إن شئتِ، فلا بدَّ من المشيئة، فإن شاءت ثلاثًا في تفويض الواحدة، أو واحدةً في تفويض الثلاث، وقعت واحدةٌ.
الثالث والعشرون: إذا كان البيتُ مملوءًا جوزًا، فقال: إن لم تُعرِّفيني عددَ هذا الجوز، أو: إن لم تذكري عدده، فأنت طالقٌ، برَّ بأن تذكر العدد المستيقَن، كعشرة آلاف مثلًا، ثم تزيد واحدةً واحدة إلى أن ينتهي إلى عددٍ يُعلم أنَّه لا يزيد عليه، واستبعد الإمام ذلك؛ لأنَّ المفهوم العرفيَّ خلافُه، وهو في قوله: إن لم تعرِّفيني، أبعدُ، إذ لم يحصل بقولها تعريفٌ.
وإِن قال: إِن لم تعدِّيه فأنت طالقٌ، فهل يبرُّ بما ذكرناه؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يبرُّ، بدأت بالعدِّ من الواحدة إلى حصول اليقين، ولم يشترط أحدٌ أن تعدَّ بالفعل، وزعموا أنَّ العدَّ بمجرَّد اللسان كافٍ، وقال الإمام: إن أخذت تعدُّ وترمق كلَّ جوزةٍ فهو عدٌّ، وإِن هَذَتْ في جانب البيت بذكر العدِّ فليس بعدٍّ عرفًا.
الرابع والعشرون: إذا اختلط دراهمُهما، أو نوى تمرٍ أكلاه، فقال: إن لم تَمِيْزي دراهمي من دراهمك، أو: إن لم تَمِيْزي نوى ما أكلتُ من نوى ما أكلتِ، فأنت طالقٌ، برَّ بأن يفرِّق الجميعَ بحيث لا يلتصق منه اثنان،
стр. 2180
خلافًا للإمام فيه وفي نظائره؛ فإنه يَحْمِلُ اللفظ في ذلك على ما يُفهم منه في العرف.
الخامس والعشرون: إذا كان في فيها تمرةٌ، فقال: إنْ أكلتِها فأنت طالقٌ، وإِن أمسكتها فأنت طالقٌ، وإِن ألقيتِها فأنت طالقٌ، برَّ بأن كل البعض وتلقي البعض.
السادس والعشرون: إذا قال وهي في ماءٍ جارٍ: إن خرجتِ منه فأنت طالقٌ، وإِن أقمتِ فيه فأنت طالقٌ، فمكثت، لم تَطْلُقْ؛ لانحدار الجَرْية التي كانت فيها، إلا أن ينوي الخروج من جملة الماء، وخالف الإمامُ فيه.
السابع والعشرون: إذا قال وهي على سُلَّم: إن نزلت منه فأنت طالق، وإن صعدتِ فأنتِ طالق، وإن مكثتِ فأنت طالق، برَّ بأن تُحملَ عنه، أو تَطفرَ (١) منه، أو يُضْجَعَ [السُّلَّم] وهي عليه، أو يُنصَب سلَّمٌ آخَرُ، فتتحوَّل إِليه.
٢٧٣٥ - فرع:
إذا قال: إن أكلتِ هذه الرمَّانة فأنتِ طالق، فأكلَتْها إلّا حبَّهً، برَّ، وفيه احتمال.
وإن قال: إن أكلتِ هذا الرغيفَ فأنت طالق، فأكلته إلا فُتاتةً، لم تَطْلُق، وقال الإمام: إن كانت الفتاتةُ محسوسةً فهي كالحبة، وإن دقَّ مدركُها على الحسِّ فلا أثر لها في بِرٍّ ولا حِنْث.
стр. 2181
٢٧٣٦ - فرع:
إذا وصفته بما يكره من صفات الذمِّ، فقال: إن كنتُ كما قلتِ فأنتِ طالقٌ؛ فإنْ قَصَدَ مكافأتها بتنجيزِ الطلاق طَلَقتْ في الحال، وإِن قصد التعليقَ على تلك الصفة، فإن تحقَّقت طلقتْ، وإِن انْتَفَتْ أو أَشْكَلَتْ لم تطلق، وإِن أطلق فقد قيل: يتنجَّز الطلاق، وقال الإمام: يتعلَّق إلا أن يعمَّ العرفُ في ذلك بالمكافأة، وقد قالت امرأةٌ لزوجها: يا جهودروى، فقال: إن كنتُ كما قلتِ فأنتِ طالقٌ، واختلفوا فيه في زمن الإمام، فحمله بعضُهم على صَفَار الوجه، وحمله آخرون على مَخِيلة الذلِّ، وقال الإمام: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّ المسلِمَ لا يتَّصفُ بذلك.
٢٧٣٧ - فرع:
إذا قال: إن لم أطلِّقك اليوم فأنت طالقٌ اليوم، فمضى اليومُ، لم تطلق عند ابن سريج، وغلَّطه أبو حامد، فأوقع الطلاق في آخر اليوم، كما لو قال: إن لم أطلِّقْكِ فأنت طالقٌ، فإنَّها تطلق في آخر العمر، فإن خالف في ذلك أحدٌ فقد خرق الإجماع.
٢٧٣٨ - فرع:
إذا قال: إن خالفتِ أمري فأنت طالقٌ، ثم قال: لا تقعدي، فقعدتْ، لم تطلق، وإِن قال: إن خالفتِ نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي، فقعدت، طلقت؛ فإنَّ الأمر بالشيء نهيٌ عن أضداده، وخالف الإمام في ذلك، وقال: لو كان نهيًا عن الأضداد لتوقَّقنا في الطلاق، فإنَّ الأيمان لا تنبني على ما يُعتقد في الأصول.
стр. 2182
٢٧٣٩ - فرع:
إذا قال: أنت طالقٌ بمكَّة، وأراد التنجيز، قُبِل، وإِن أراد التعليق على إتيان مكَّة قُبل، وإِن أطلق فوجهان.
٢٧٤٠ - فرع:
إذا قال: إن قمتِ فأنتِ طالقٌ، ثم قال: عجَّلتُ تلك الطلقة المعلَّقة، طلقت في الحال، فإن قامت ففي وقوع الطلاق وجهان مأخذُهما: أنَّ المعلَّق هل يقبل التنجيز؟
قلتُ: وفيه إشكالٌ؛ فإنَّه إن لم يقبل التنجيز فينبغي ألَّا تطلق في الحال.
٢٧٤١ - فرع:
إذا قال: إذا مضى حينٌ، أو: عصرٌ، أو: دهرٌ، أو: حِقْبٌ، أو: زمانٌ، فأنت طالقٌ، طلقت بمضيِّ لحظةٍ لطيفةٍ، وهذا بعيدٌ في العصر والدهر؛ فإنَّ العصر عبارةٌ عن زمانٍ يحوي أممًا، وينقرضُ بانقراضهم، والدهرُ كالعصر؛ على بعدٍ فيه.
٢٧٤٢ - فرع:
إذا قال: أنت طالقٌ اليوم إذا جاء الغد، لم تطلق، ولا يبعد أن تطلق إذا جاء الغد طلاقًا مستندًا إلى اليوم.
٢٧٤٣ - فرع:
إذا قال: أنت طالقٌ طلقتين إحداهما بألفٍ، فلها حالان:
إحداهما: ألَّا تقبل، فلا تقع الطلقتان، وفي الواحدة وجهان أقيُسهما
стр. 2183
الوقوع، ووجه المنع: أنَّها تابعةٌ للمقابَلَة بالمال.
ولو قال: أنت طالق طلقتين إحداهما بألف، والأخرى بغير شيء، وقعت الواحدةُ اتِّفاقًا، ويُحتمل إجراؤها على الخلاف.
الحال الثانية: أن تقبل الألفَ؛ فإن قلنا: لا تَطْلُق إن لم تقبل، وقع إن قَبِلت طلقتان، وإِن قلنا: تطلقُ بالقبول؛ فإن أجزنا خلع الرجعيَّة وقع طلقتان أُولاهما رجعيّة، وإِن منعنا الخلع: فهل يقع طلقةٌ رجعيَّة، أو طلقتان رجعيَّتان؟ فيه وجهان.
وإِن وقع ذلك قبل الدخول فقبِلَتْ، فإن قلنا: لا تطلق قبل الدخول، وقع هاهنا طلقتان، وإِن أوقعنا الواحدةَ قبل الدخول، بانت هنا بطلقةٍ واحدة، ولم يصحَّ الخلع؛ لوقوع قبوله بعد البينونة.
٢٧٤٤ - فرع:
إذا قالت: طلِّقني ثلاثًا بألفٍ، فطلَّق واحدةً، بانت، ولزمها ثلثُ الألف، وفيه وجهٌ غريب: أنَّها لا تطلق.
ولو قال: أنت طالقٌ ثلاثًا بالف، فقالت: قبلتُ واحدةً، أو قالت: قبلتُ واحدةً بثلثِ الألف، لم تَطْلُقْ، وإِن قالت: قبلتُ واحدةً بالألف، طَلَقتْ ثلاثًا على الأصحِّ، وقيل: واحدةً، وقيل: لا تطلق، كمن باع عبدين بألفٍ، فقبِلَ المشتري أحدهما بالألف.
وقال أبو عليٍّ: يُحتمل أن يصحَّ في أحد العبدين، كما لو قال: بع هذا بألفٍ، فباعه بألفٍ وثوبٍ، فإن قلنا: تَطْلُقُ، لزمها الألف، وقال ابن سريج: مهرُ المثل، وهو متَّجهٌ إن أوقعنا واحدةً، بعيدٌ إن أوقعنا الثلاث.
стр. 2184
٢٧٤٥ - فرع:
إذا خالع إحدى امرأتيه، فأرضعت الأخرى رضاعًا محرِّمًا، فإن تقدَّم الخلعُ على الرضاع صحَّ، وإلّا فلا، فإن اختلفا في التقدُّم؛ فإن اتَّفقا على وقت الخلع، فادَّعت تقدُّم الرضاع عليه، وادَّعى التأخُّر عنه، فالقولُ قولُه مع يمينه، وإِن اتَّفقا على وقت الرضاع، فادَّعت تأخُّر الخلع عنه، وادَّعى الزوج التقدُّم، فالقول قولُها.
٢٧٤٦ - فرع:
إذا قالت: طلِّقني بألفٍ، فقال: طلَّقتُك بخمسِ مئةٍ، طلقت على المذهب، وقيل: لا تطلق، كما لا يصحُّ نظيرُه من البيع، ويُحتمل أن يصحَّ البيعُ عند أبي عليٍّ، فإن قلنا: تطلقُ، فتستحقُّ الألفَ أو الخمسَ مئة؟ فيه خلافٌ، ويُحتمل وجوبُ مهرِ المثل.
ولو قال: إن رددتَ عبدي فلك دينار، فقال: أردُّه بنصف دينارٍ، فالوجهُ القطعُ بوجوب الدينار؛ إذ لا أثر للقبول في الجعالة، ويُحتمل أن يجري على الخلاف.
٢٧٤٧ - فرع:
إذا ادَّعى الخلع بألفٍ، فأنكرت، بانت، فإن أقام شاهدًا وحلف، أو شاهدًا وامرأتين، استَحَقَّ الألف.
ولو ادَّعت الخلع، فأنكر، لم يثبت إلَّا بشاهدين.
وإن ادَّعى الزوج بعد الفُرقة أنَّه وطئ؛ لتثبت العِدَّة والرجعة، لم تثبت إلَّا بشاهدين، وإِن ادَّعته المرأة لتأخذ جميع المهر، ثبت بشاهدٍ ويمين،
стр. 2185
وبشاهد وامرأتين.
وإِن ادَّعت مهرًا في النكاح، لم يثبت النكاحُ إلَّا بشاهدين، خلافًا لأبي محمَّد؛ فإنَّ مقصوده الأظهرَ ليس بمال.
٢٧٤٨ - خاتمة:
ألفاظ التعليق والصفات إذا أُطلقت؛ فإن اتَّفقت اللغةُ والعرفُ حُمل اللفظُ عليهما، وإِن اختلفا حُملت على العرف عند الإمام، وعلى اللغة عند الأصحاب، وإِن أشكل اللفظُ لغةً وعرفًا؛ فإن كان مُثَبَّجًا (١) لغا؛ إذ لا يقع الطلاقُ بمجرَّد النيَّة، وإِن تردَّد بين احتمالاتٍ رُوجع المطلِّق، والله أعلم.
стр. 2186
الغاية في اختصار النهاية
تأليف
سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي
(المتوفى سنة ٦٦٠ هجرية)
تحقيق
إياد خالد الطباع
[المجلد السادس]
стр. 2187
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2188
الْغَايَة فِي اخْتِصَار النِّهَايَة (٦)
стр. 2189
طبعة خَاصَّة
الْكتاب طبع على نَفَقَة
وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية
وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه
turathuna@islam.gov.qa
إدارة الشؤون الإسلامية
ص. ب: ٤٢٢
الطبعة الأولى
١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر
لبنان - بيروت
ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢
هَاتِف: ٠٠٩٦١١٦٥٢٥٢٨
فاكس: ٠٠٩٦١١٦٥٢٥٢٩
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
стр. 2190
كِتَابُ الرَّجْعَةِ
стр. 2191
كتاب الرجعة
٢٧٤٩ - للعبد على زوجته الحرّةِ والرقيقةِ رجعةٌ وطلقتان، وللحرِّ على الحرَّة والرقيقة ثلاثُ طلقاتٍ ورجعتان، وإِن اختلف الزوجان في وقت الطلاق، أو في انقضاء العدَّة بالأشهر، فالقولُ قول الزوج مع يمينه .
وإِن كانت العدَّة بوضع الحمل، فإن كان كاملًا فالقولُ قولها، خلافًا لأبي إسحاق، وإِن كان سقطًا ظهر تخطيطُها فالقولُ قولها، ولا يلزمُها إظهارُ السقط للناس، وإِن كان مضغةً لم يظهر تخطيطُها ففي انقضاء العدَّة به خلاف، فإن قلنا: تنقضي، فالقولُ قولها، وأقلُّ مدَّة السقط مئةٌ وعشرون يومًا من حين إمكان الوطء، فلا تُصدَّق فيما دونها، وأقلُّ مدّة المضغة ثمانون يومًا من حين الإمكان.
وإِن كانت العدَّة بالأقراء، فادَّعت أقلَّ ما يمكن أن تنقضي به العدَّة؛ فإن كانت عادتُها كذلك، أو كانت مختلفةً، فالقولُ قولها، وإِن كانت مستقيمةً على أغلب الطهر والحيض، قُبل قولها في الأقلِّ على أصحِّ الوجهين، فإن قبلناه ففي ثبوت العادة هاهنا بالمرَّة خلافٌ مشهور، وإن رددناه بَعُدَ إثبات العادة بالمرَّة والمرَّتين هاهنا بخلافِ ما ذكرناه في الحيض.
٢٧٥٠ - فرع:
إذا ادَّعت الانقضاء فيما لا يمكن صِدْقُها فيه لم يُقبل قولُها حتّى يمضي
стр. 2192
زمن الإمكان، فإن أكذبت نفسها، وادَّعت الانقضاء الآن قُبل اتِّفاقًا، وإِن أصرَّت على الدعوى السابقةِ قُبل على المذهب، كنظيره من دعوى غلط الخارص، وقيل: لا تُقبل.
* * *
٢٧٥١ - فصل فيما يحرم بالطلاق
يحرم بالطلاق الرجعيِّ الوطء، وجميعُ أنواع الاستمتاع من المسِّ والنظر وغيرهما، وهي في التحريم كالبائنة، وفي إزالته للمِلْكِ أقوالٌ ثالثها الوقف، فإن راجع بان أنَّه لم يَزُلْ، وإِن لم يراجع بان أنَّه زال، واستبعد الإمام قول الوقف وقول الزوال؛ للاتِّفاق على بقاء الزوجيِّه، وثباتِ الميراث، وإِن وطئ لم يحدَّ، ولا مبالاة بهذيان مَن خالف في ذلك.
* * *
٢٧٥٢ - فصل في ألفاظ الرجعة
ولا تصحُّ إلّا بقول الناطق، أو إشارة الأخرس، فالصريحُ أن يقول: راجعتك، أو: ارتجعتك، من غير صلةٍ فيهما، أو: رددتك إليَّ، وإِن قال: رددتُك فوجهان، والوجهُ إلحاقُ رجعتك براجعتك، وإِن قال: أمسكتك، فهو صريحٌ، أو كناية، أو ليس بشيء؟ فيه ثلاثةُ أوجه تجري في لفظ التزويج والنكاح مع التباين في التعليل.
وقال الإمام: إن لم نشرط الشهادة في الرجعة انعقدت بالكناية مع النيَّة، وإِن شرطناها لم تنعقد؛ لعدم اطِّلاع الشهود على النيّة، ويُحتمل أن
стр. 2193
يشهدوا على اللفظ، ويبقى التنازع في النيّة.
٢٧٥٣ - فرع:
حصر العراقيون ألفاظَ الرجعة فيما تقدَّم، ودلَّ كلام أبي عليٍّ على خلاف ذلك، فلو قال: رفعتُ الحرمةَ بيننا، وما أشبهَ ذلك، كان صريحًا في الرجعة عند أبي عليٍّ.
٢٧٥٤ - فرع:
إذا قال: راجعتُك بالمحبة، أو: للمحبّة، أو: بالإهانة، أو: للإهانة، وقال: أردتُ رجوعًا إلى الحبِّ أو الإهانة دون الردِّ إلى النكاح، قُبل، وإن قال: أردتُ الرجعة، قُبل، وكذلك إن أطلق، وفيه احتمال.
* * *
٢٧٥٥ - فصل في وطء الرجعيّة
إذا وطئ الرجعيَّة في العدَّة؛ فإن لم يراجع لزمه مهرُ المثل اتِّفاقًا، وكذا إن راجَعَ على النصِّ، وإِن وطئ المرتدَّة في العدَّة؛ فإن أصرَّت لزمه المهرُ، وإن أسلمت في العدَّة لم يجب شيء، فخرَّج بعضُهم الصورتين على قولين، ولا وجه للإيجاب في الردَّة؛ فإنَّ الموقوف إذا بان أحد طرفيه صار كأنَّه لم يكن.
٢٧٥٦ - فرع:
اختلفوا في كون الرجعيَّة زوجةً، فلو قال: زوجاتي طوالقُ، طلقت الرجعيَّةُ عند أبي محمَّد، وخرَّجه الإمام على الخلاف.
стр. 2194
٢٧٥٧ - فرع:
إذا طلَّق زوجته الأمةَ طلاقًا رجعيًّا، ثم اشتراها في العدَّة، لزمها الاستبراء؛ لانتقالها من تحريم الطلاق إلى الملك، فإنْ بقي من العدَّة قدرُ الاستبراء أو أكثرُ حلَّت بانقضاء العدَّة، وإِن بقي أقلُّ فوجهان:
أحدهما، قاله المُعْظَم: يكفيه الأقلُّ من بقيَّة العدَّة أو الاستبراء.
والأقيس: وجوبُ الاستبراء.
وقال الإمام: الحكم بمساواة بقيّه العدَّة للاستبراء تجوُّزٌ، فإنَّ الاستبراء بالحيض، والعدَّةَ بالأطهار، وحقيقةُ ذلك: أنَّ الحيضة الكاملة لا تقع في العدَّة إلا وبعدها طهرٌ يتبيَّن انقضاؤه بالطعن في حيضةٍ أخرى، فإنْ كان الأمر كذلك هاهنا اكتُفي بالحيضة، وإِن بقي من العدَّة بقيّةٌ من طهرٍ فهل يُكتفى بها، أو نشرط حيضًا؟ فيه الوجهان، وإن جعلنا الاستبراء بالطهر على قولٍ تُصُوِّر مساواتُه لبقيّة العدّة.
٢٧٥٨ - فرع:
إذا طلَّق زوجته الأمة ثلاثًا، ووطئها المالكُ، لم تحلَّ إلا بمحلِّلٍ على المذهب، وقيل: تحلُّ إلا أن تعتق، فلا تحلُّ إلّا بمحلِّلٍ.
٢٧٥٩ - فرع:
لا يُشترط في الرجعة إذنُ المرأة، ولا حضورُ وليِّها اتِّفاقًا، والإشهاد شرطٌ في القديم، محبوبٌ في الجديد، فإن راجع العبدُ بغير إذن السيِّد صحَّ اتِّفاقًا.
стр. 2195
وقال القاضي: إن شرطنا الإشهاد لم يصحَّ إلا بإذن السيِّد؛ لأنَّ مأخذ القولين: أنَّ الرجعة في حكم الابتداء أو الاستدامة، وعلى ذلك خرَّج رجعة المُحْرِم، ولا يُعدُّ ما ذكره من المذهب.
٢٧٦٠ - فرع:
لا تصحُّ الرجعة إلا منجَّزة، فلو قال: مهما طلَّقتُكِ فقد راجعتُك، ثم طلَّق، لم تصحَّ الرجعة.
ولو قال للرجعيَّة: مهما راجعتُكِ فأنت طالقٌ، فراجَعَ، طَلَقتْ، وأبعدَ مَن قال: لا تطلق؛ لأنَّ مقصود الرجعة الإباحةُ، فلا يُعلَّق بها نقيضُها.
* * *
٢٧٦١ - فصل في دعوى الرجعة بعد نكاح زوج آخر
إذا قضت العِدَّة وتزوَّجت، فادَّعى المطلِّقُ أنَّه راجع في العدَّة؛ فإن أقام بيِّنةً بطل النكاح الثاني، وإِن صدَّقته لم يَبْطُلْ، وفي تغريمها المهرَ قولان، وإن أنكرت.
فإن قلنا: تغرم، حُلِّفت، فإن نكلت حَلَفَ واستحقَّ الغرم، ولم يبطل النكاح الثاني على المذهب، وقيل: إن جعلنا يمين الردِّ كالبيِّنة بطل النكاح الثاني، ولا وجه لهذا.
وإِن قلنا: لا تَغرم، لم تحلف إلّا إذا أبطلنا النكاح بيمين الردِّ.
وإِن ادَّعى على الزوج الثاني لم تُسمع دعواه على المذهب؛ إذ لا يد له على الزوجة، وفيه وجهٌ للعراقيّين.
стр. 2196
٢٧٦٢ - فرع:
إذا ادَّعى الرجعة بعد انقضاء العدَّة، فكذَّبته، فحلَّفناها على ذلك، ثم صدَّقته، صحَّ التصديقُ عند العلماء، بخلاف ما لو أقرَّت بما يوجب المَحْرَميَّة من نسب أو رضاع، ففرَّق بعضهم بتأبُّد الحرمة، وفرَّق الإمام بأنَّ الإنكار في الرجعة مستَنِدٌ إلى النفي، وفيما يوجبُ المَحْرميّة إلى الإثبات، ولذلك لو أثبتت الطلاق بيمين الردِّ، ثم أكذبت نفسها، لم يُعتبر تكذيبُها، وجعل الإمام مراتبَ الإقرار ثلاثةً:
أحدها: ما يتعلَّق الإقرار به لإثبات، فلا يصحُّ الرجوع فيه إذا تعلَّق به حقُّ الغير، كحقِّ الله تعالى في الطلاق.
الثانية: ما يتعلَّق بنفي فعل الغير، فله الرجوعُ فيه إلا أن يتضمَّن قولُه الأوّلُ سقوطَ حقّه؛ كقوله: لم يُتْلِفْ زيدٌ عليَّ شيئًا، ثم يدَّعي عليه الإتلاف.
الثالثة: أن يتعلَّق القولُ الأوَّل بالنافي، كما لو نكحت، فقالت: لم أرضَ، ثمَّ قالت: تذكَّرتُ أنِّي رضيتُ، ففي قبول ذلك احتمال.
* * *
٢٧٦٣ - فصل في الاختلاف في وقوع الرجعة في العدَّة
إذا توافَقَا على انقضاء العدَّة، وعلى التلفُّظ بالرجعة، فله أحوال:
الأولى: أن يتَّفقا على أنَّها انقضت يوم الجمعة، ويقول: راجعتُ يومَ الخميس، فتقول: بل يومَ السبت، ففيه أوجه:
أحدها، وهو مذهبُ المراوزة: القول قولُها؛ لزوال سلطان الرجعة،
стр. 2197
فلا يُقبل قولُه، كالحاكم والوكيل بعد انعزالهما.
والثاني: القولُ قوله؛ استبقاءً للنكاح، كما في العنَّة.
والثالث، وهو مذهب العراقيّين، واختيار صاحب "التقريب": إنْ سبق أحدُهما فالقولُ قوله، وإِن ادَّعيا معًا فوجهان، فإن سبق فقال: راجعتُكِ يوم الخميس، فقالت: انقضت العدَّة يومَ السبت، ولم تراجِعْ يومَ الخميس، فالقول قولُه مع يمينه على البتِّ، وإِن سبقت فقالت: ضُحَى الجمعةِ انقضت عدَّتي، فقالْ راجعتُك أمس، فالقولُ قولها مع يمينها على نفي العلم.
الحال الثانية: أن يتَّفقا على التلفُّظ بالرجعة يوم الجمعة، ويقول: انقضت العدَّة يومَ الخميس، وتقول: بل يوم السبت، فعلى قول المراوزة: القول قوله، وعلى الآخر: القولُ قولها، وعلى الثالث: يُنظر إلى السابق، وإِن ادَّعيا معًا فعلى الوجهين.
الثالثة: أن يقول: راجعتُك قبل انقضاء العدَّة، وتقول: بل بعدَه، ولا يتعرَّضا لوقت العدَّة، ولا لوقت الرجعة، ففيه وجهان. قال ابن سريج: قد يتعارض أصلان، فيُغلَّب التحريم، ويظهر النظرُ إلى السبق، فإن استويا ففيه الوجهان.
* * *
٢٧٦٤ - فصل في الاختلاف في أصل الرجعة
إذا توافقا على وقت انقضاء العدَّة، فقال: راجعتُك قبل انقضائها، فقالت: لم تراجِعْ أصلًا، فالقولُ قولها باتِّفاقٍ ذَكَره في "التقريب"، وغلَّطه الإمام، وقسم ذلك على الأحوال الثلاثة، وأجراه على الخلاف المذكور
стр. 2198
فيها؛ تعليلًا بأنَّها لم تعترف في تلك الأحوال برجعةٍ صحيحةٍ، وإنَّما أقرَّت بالتلفُّظ بالرجعة.
* * *
٢٧٦٥ - فصل في الاختلاف مع بقاء العدَّة
إذا تنازعا في الرجعة مع بقاء العدَّة، فالقولُ قوله مع يمينه؛ لقدرته على الإنشاء، وغَلِطَ من جَعَلَ القولَ قولَها.
وقال القفَّال: من أقرَّ بما يملكُ إنشاءَه كان إقراره إنشاءً له، وطرده أبو محمد في الإقرار بالطلاق، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الإقرار والإنشاء ضدَّان، فلا يُعبَّر بأحدهما عن الآخر، وقد صحَّ عن الشافعيِّ وأصحابه أنَّ الإقرار بالطلاق ليس بطلاق، وما نُقل عن الشافعيِّ من أنَّ ناكح الأمة إذا أقرَّ بأنَّه نكحها مع أمنِ العَنَتِ كان إقرارُه طلاقًا، فهو خللٌ من الناقل.
٢٧٦٦ - فرع:
إذا أنشأ الرجعة، فقالت عقيب الإنشاء: قد انقضت عدَّتي، بطلت الرجعة، فإنَّها لو صحَّت لحصلت مع فراغ اللفظ، كسائر ما يتعلَّق بالألفاظ، وإقرارُها بالانقضاء خبرٌ عن ماضٍ، وهي مصدَّقةٌ فيه، فتقع الرجعةُ بعد انقضاء العدَّة، فإن قال: أردتُ بقولي: راجعتُكِ، الإخبارَ عن رجعةٍ سابقةٍ، قيل له: فمتى راجعتَ؟ فإن قال: أمسِ، كان كما لو سبقت المرأة بدعوى الانقضاء، فقال: راجعتُك قبل ذلك، فإنَّ قوله صريحٌ في الإنشاء، وقد انقضت العدَّة بقولها.
стр. 2199
٢٧٦٧ - فرع:
إذا أوجبنا العدَّة بالخلوة ثبتت الرجعةُ على الأصحِّ، وإِن أوجبناها بالوطء في الدُّبر ثبتت الرجعة على الأقيس.
٢٧٦٨ - فرع:
إذا قال: مهما وطئتُك فأنت طالق، ثم وطئ، وقلنا: يجبُ المهرُ بوطء الرجعيَّة، فمكث، أو نزع ثمّ أعاد، فهو كما لو قال: إنْ وطئتك فأنت طالق، فوطئ واستدام أو نزع ثمّ أعاد على جهل.
٢٧٦٩ - فرع:
إذا طلَّق المرتدُّ، ثم أسلم قبل انقضاء العدَّة، نفذ الطلاق اتِّفاقًا، ولا تصحُّ الرجعةُ مع ردَّة الزوجين، ولا مع ردَّة أحدهما وإِن اجتمعا على الإسلام في العدَّة، خلافًا للمزنيِّ فيما إذا اجتمعا على الإسلام في العدَّة، فإنَّ الإسلام لا يُخرج الرجعة عن وقوعها في الردَّة، فأشبهَ ما لو باع الخمر فصارت خلًّا، بخلاف الطلاق، فإنَّه يقبل الوقف.
٢٧٧٠ - قاعدة:
إذا اقترن الجهلُ بتصرُّفٍ لا يَقبل الوقفَ؛ فإنْ لم يستند إلى أصلٍ ماضٍ فلا حكم له، كمن باع عبدًا يظنُّه لغيره، فإذا هو له، فيصحُّ البيع، وإِن استند إلى أصل كمن باع مالَ مورِّثه، فإذا هو له فقولان، والطلاق لا يدفعه الظنُّ، وإِن استند إلى أصل.
٢٧٧١ - فرع:
إذا قال لأمته: إن قيَّض الله بيننا نكاحًا فأنتِ حرَّةٌ قبله، فنكحها، فقد
стр. 2200
قطع صاحبُ "التقريب" ومعظم المحقِّقين بصحَّة النكاح، فإنَّه أنشأه على بصيرةٍ، وأَبْعَدَ مَن خرَّجه على قولي الوقف.
стр. 2201
٢٧٧٢ - باب المطلَّقة ثلاثًا
إذا طلَّق الحر ثلاثًا، والعبد ثنتين، حرمت المطلَّقة عليهما حتى تنكح زوجًا آخر، فيطأها، ثمّ يفارقَها وتنقضي عدَّتُها، ولا تحلُّ بوطء السيِّد اتِّفاقًا، ولا بالوطء في النكاح الفاسد على أصحِّ القولين، فإن قلنا: تحلُّ به، لم تحلَّ بوطء الشبهةِ على أظهر الوجهين.
ويُشترط في النكاح الفاسد: أن يظنَّ الواطئ صحَّته، فإن عَلِمَ أحدُهما بفساده وجَهِلَه الآخرُ، لم تَحلَّ عند الإمام.
وشرط الإمام في وطء الشبهة: أن يعتقد أنَّها زوجتُه، فإنْ اعتقد أنَّها مملوكتُه لم تحلَّ.
ويُشرط في الوطء المحلِّل تغييبُ الحشفة أو مقدارِها في الفرج، فلا تحلّ بالوطء في الدبر اتِّفاقًا، وتَحلُّ بوطء الخصيِّ والعنِّين والمراهق، وإِن كانت في حيضٍ أو إحرام.
وفي العنِّين قولٌ بعيدٌ غريبٌ طرده أبو محمد في وطء المراهق مع الانتشار، وإِن اشتدَّ جَلْبُ ذَكَرِه بإصبعها، فإن كان منتشرًا أو فاترًا، يتوقَّع منه الانتشارُ حلَّتْ، وإنْ لم يُتوقع ذلك منه كطفل له أيّامٌ لم تحلَّ عند الأصحاب، وفيه إشكال؛ فإنَّه وطءٌ تامٌّ، ولا يجوز أن يُختَلَف في وجوب الغسل.
стр. 2202
٢٧٧٣ - فرع:
ممَّا تُخفَّف به الغيرة أن تُزوَّج بعبدٍ صغير إذا جوَّزنا ذلك ويطأها، ثمَّ تملكه فينفسخ النكاح.
٢٧٧٤ - فرع:
إذا وطئها الزوج الثاني في عدَّة رجعةٍ، أو مع ردَّةِ أحدهما، لم تحلَّ، وقال المحقِّقون: إن قلنا: تحل بالوطء في النكاح الفاسد حلَّت هاهنا، وإِن قلنا: لا تحلُّ بالوطء في النكاح الفاسد؛ فإن لم يقع الرجعة ولا الإسلام حتى انقضت العدَّة لم تحلَّ، وإِن وقعا في العدَّة ففيه احتمال.
٢٧٧٥ - فرع:
إذا ادَّعت أنَّها تحلَّلت، وانقضت عدَّتها، فإنْ أَمْكَنَ صدقُها جاز نكاحُها إن غلب على الظنِّ صدقُها، وإِن غلب على الظنِّ كذبُها صحَّ النكاح، وكُرِه، وأَبعدَ مَن أبطل النكاح، وإِن استوى الأمران صحَّ النكاح، والأَوْلَى اجتنابها، فإن قال الزوج الثاني: ما وطئتُها، فلا عبرة بقوله، والله أعلم.
* * *
стр. 2203
كِتَابُ الإِيْلاءِ
стр. 2204
كِتَابُ (١) الإِيْلاءِ
٢٧٧٦ - الإيلاء حرام، وهو: أن يحلف بالله تعالى أو بصفةٍ من صفاته الأزليَّة أنَّه لا يطأ زوجتَه مطلقًا، أو أكثرَ من أربعةِ أشهرٍ ولو بلحظةٍ لطيفةٍ لا يُمْكِنُ الرفعُ فيها إلى الحاكم .
وإِن التزم بالوطء بعد المدَّة أمرًا كالعتق والنذر والطلاق صحَّ الإيلاء على الجديد، وإِن قرَّبه الوطء من حنثٍ لم يصحَّ إيلاؤه على الأصحِّ، وإِن حلف على أربعة أشهرٍ فما دونها لم يصحَّ الإيلاء.
وإِن قال: والله لا وطئتكِ أربعةَ أشهرٍ، فإذا مضت فوالله لا وطئتُكِ أربعةَ أشهرٍ، وحلف كذلك أيمانًا كثيرةً، لم يصحَّ الإيلاءُ، وفي تحريمه احتمالٌ، فإن حرَّمناه فالوجهُ ألَّا يأثم إِثْمَ مُوْلٍ، وأبعدَ مَن قال: إذا حلف يمينين على مدَّتين متَّصلتين يزيدُ مجموعهما على أربعة أشهر صحَّ الإيلاء، وإِن قال: والله لا وطئتُكِ أربعةَ أشهرٍ، فلما انقضت قال: والله لا وطئتك أربعة أشهر، لم يصحَّ الإيلاء اتّفاقًا.
стр. 2205
٢٧٧٧ - فرع:
إذا وطئ الحالف وحنث، فإن لم يثبت الإيلاءُ بيمينه كالحلف على أربعة أشهرٍ وجبت الكفَّارة اتِّفاقًا، وإن ثبت حكمُ الإيلاء: فإن حنث بعد المدَّة وجبت الكفَّارة في أصحِّ القولين، وإِن حنث في المدَّة فقولان مرتَّبان عند القاضي، وأولى بالوجوب، ولا فرق بينهما عند الإمام.
* * *
٢٧٧٨ - فصل في ألفاظ الجماع؛ وهي أقسام
الأوَّل: صريحٌ لا يُديَّن فيه، كالنيك، وإدخال الذَّكر في الفرج، وإيلاجه فيه، فإن نوى به الضمَّ والالتزام لم يُديَّن، ولفظُ الافتضاض صريحٌ في الأبكار، فإنْ نوى به الضمَّ والالتزام لم يُديَّن على الأصحِّ.
الثاني: صريحٌ يُديَّن فيه، وهو الجماع اتِّفاقًا، فإن نوى به الاجتماعَ دُيِّن، وفي الوطء والإصابة طريقان:
إحداهما: أنَّهما صريحان.
والثانية: فيهما قولان.
والقطعُ بذلك قريبٌ في الوطء، بعيدٌ في الإصابة، والوِقاعُ كالوطء عند الإمام، وفي المباضعة والمباشرة والمماسَّة والملامسة وما يصدر منها قولان.
الثالث: الكنايةُ؛ كقوله: لأبعدَنَّ عنك، أو: لأسُوأَنَّك، أو: لا يجمع رأسي ورأسَك وسادةٌ، والقربان والغشيان كالمسِّ، أو هما كنايتان؟ فيه
стр. 2206
طريقان، ويجوز أن يُلحق الإتيانُ بالقربان، وإِن قال: لا أقربُكِ، لم يبعد أن يُجعل كنايةً؛ لشيوعه في قرب المكان، بخلافِ لفظ القربان.
* * *
٢٧٧٩ - فصل في تكرير ضرب المدَّة في الإيلاء الواحد
إذا صحَّ الإيلاء تربَّص به أربعة أشهر، ولا يقف على ضرب الحاكم، فإن كان الإيلاء مطلقًا طُولب بعد المدَّة، فإن طلَّق ثمّ ارتجع، لم يُطالب حتى تمضي أربعةُ أشهر ابتداؤها من حين الرجعة اتِّفاقًا، ثم يُطالب بالفيئة أو الطلاق، فإن لم يرتجع حتى بانت فحكمُ الحنث والبرِّ باقٍ في البينونة، فإن نكحها ففي عود الإيلاء قولان، فإن قلنا: يعودُ، لم يُطالب حتى تنقضي أربعةُ أشهرٍ بعد النكاح.
وإِن قال: والله لا أصبتُك خمسة أشهر، والله لا أصبتُك سنةً، فوطئ في الشهر الخامس، انحلَّت اليمينان، والأصحُّ وجوبُ كفَّارتين؛ لتعدُّد الحنث، وكذا الخلافُ في كلِّ يمينين يحلُّهما فعلٌ واحد، كمن حلف لا يأكل الخبز، ولا يأكل طعام زيد، فأكل خبز زيد.
وإِن طلَّق لمَّا طُولب، ثم راجع؛ فإن بقي من المدَّة أكثرُ من أربعة أشهرٍ لم يُطالَبْ حتى تنقضي أربعةُ أشهرٍ ابتداؤها من حين الرجعة.
وإِن قال: والله لا أصبتك خمسةَ أشهر، فإذا مضت فوالله لا أصبتك سنةً، فإذا مضت أربعةُ أشهرٍ من الخمسة فله حالان:
إحداهما: أن يطأ فتنحلَّ يمينه، وفي الكفّارة قولان، فإذا مضت أربعةُ أشهر ابتداؤها بعد الخامس، فطولب فوطئ، انحلَّت اليمينُ الأخرى،
стр. 2207
وفي الكفَّارة قولان.
الثانية: أن يطلِّق بعد المدَّة الأولى، ثم يراجعَ، فلا يُطالَبُ بمقتضى اليمين الأولى، فإن وطئ في الشهر الخامس فالوجهُ إيجابُ الكفَّارة، ثم يُوقف أربعةَ أشهرٍ ابتداؤها أوَّل السادس، فإن طلَّق انقطع الطلبُ، وإن راجع؛ فان بقي من السنة أربعةُ أشهرٍ فما دون ارتفع الإيلاء، فإنْ وطئ وجبت الكفَّارة، وإِن بقي أكثرُ من أربعة أشهرٍ ففي عودِ الإيلاء قولان، وإِن طلَّق ثلاثًا لمَّا طُولب، ثم نكح بعد التحليل، احتُمل أن يُجعل عودُ الإيلاء كعود الطلاق، فإنَّ حكم الإيلاء توجيهُ (١) الطلب بما يملكه من الطلاق، واحتُمل ألَّا يُلحق بالطلاق؛ لأنَّ المقصود إنَّما هو الفيئةُ، والطلاقُ مشروعٌ عند تعذُّرها.
* * *
٢٧٨٠ - فصل في الإيلاء بالصوم
إذا قلنا بالجديد، فقال: إن وطئتكِ فلله عليَّ صومُ شهرٍ، صحَّ الإيلاء، وهل يلزمُه الصوم إذا حنث، أو كفَّارةُ يمينٍ، أو يتخير بينهما؟ فيه ثلاثة أقوال.
وإن قال: إن وطئتك فلله عليَّ صومُ هذا الشهر، وقلنا: يتعيَّن صومُه، لم يصحَّ الإيلاء، فإنْ وطئ في الشهر ففيما يلزمُه الأقوالُ، وإن قال: إن وطئتكِ فلله عليَّ صوم أمس، فوطئ، لم يلزمه شيءٌ؛ لإلغاء كلامه.
стр. 2208
٢٧٨١ - فصل في الإيلاء بالطلاق
إذا قال: إن وطئتكِ فأنتِ طالقٌ ثلاثًا، فوطئ، طلقت كما (١) غيَّب الحشفة، فإن وصل النزعَ بالإيلاج فلا حدَّ ولا مهر، وكذلك لا يأثم، خلافًا لابن خيران، وإِن مكث جاهلًا فقد سكت الشافعيُّ عن المهر، وقال: لو طلع الفجرُ على الصائم المجامِع، فمكث، لزمته الكفَّارةُ، فقيل: في الكفارة والمهر قولان، وفرَّق بعضهم: بأنَّ مهر النكاح متعلِّق بأوّل هذا الوطء، فلو أوجبنا مهرًا آخر لتعلَّق بوطءٍ واحدٍ مهران، ولا وجودَ لمثل هذا في الكفَّارة، وإِن علم تحريم المكث لم يُحدَّ على الأصحِّ.
وإِن نزع وعاد فقد قطع الأصحاب بأنَّ العود وطءٌ جديد يتعلَّق به الحدُّ والمهرُ، وقال أبو محمَّد: إن عاد بعد قضاء الوطر فهو كذلك، وإِن عاد قبل قضاء الوطر مع تواصل الزمان، ففي وجوب المهر خلافٌ كالخلاف في صورة المكث، وهاهنا أولى بالإيجاب، ويُشترط لإيجاب المهر جهلُ المرأة، ولا أثر لعلمه في إسقاط المهر.
٢٧٨٢ - فرع:
إذا طُولِب بعد المدَّة، فوطئ أو طلَّق طلقةً رجعيَّةً، انقطع الطلبُ، فإن راجع ضُربت المدَّة وطُولب، فإن طلَّق ثمَّ راجع، ضُربت المدَّة وطولب، فإن طلَّق بعدها أو وطئ، وقعت الطلقة الثالثة، ولو تركها حتى بانت بالطلقة الأولى، ثم نكحها ففي عود الإيلاء قولان.
стр. 2209
٢٧٨٣ - فرع:
إذا قال لغير الممسوسة: إن وطئتُكِ فأنت طالقٌ، ثم وطئ بعد الطلب، انحلَّت اليمينُ بطلقةٍ رجعيَّةٍ، وإِن قلنا: إن الطلاق يقع مع الصفة أو يترتَّب عليها.
* * *
٢٧٨٤ - فصل في الإيلاء بإعتاق عبد عن الظهار
إذا قال: إن وطئتكِ فعبدي حرٌّ عن ظهاري إن تظاهرْتُ، لم يعتق حتى يطأ ويُظاهِرَ، فإنْ ظاهَرَ صحَّ الإيلاء، فإنْ وطئ بعد ذلك عتق العبد اتِّفاقا، ولم يُجْزِ عن الظهار؛ إمَّا لأنَّه مستحَقٌّ بالتعليق، أو لأنَّه تقدَّم على الظهار، فأشبهَ ما لو نجَّز العتق عن الظهار ثم ظاهر.
ولو ظاهَرَ من واحدة، ثم قال لأخرى: إن وطئتكِ فعبدي حرٌّ عن ظهاري، صحَّ الإيلاء، فإنْ وطئ عَتَقَ، وفي إجزائه وجهان يجريان فيما لو علَّق المُظاهِرُ العتقَ بدخول الدار، والأصحُّ إجزاؤه عن الظهار.
٢٧٨٥ - فرع:
إذا قال: إن وطئتك فعبدي هذا حرٌّ عن ظهاري، ولم يكن ظاهَرَ، حُكم عليه بأنَّه أنشأ الإيلاء، وأقرَّ بالظهار، ولم يَثْبُتْ واحدٌ منهما في الباطن، فإنَّ هذا اللفظَ لا يَصلُحُ للإنشاء، فإنْ نوى تعليق العتق على ظهارٍ ينشئه في المستقبل فهو كما لو قال: أنتَ حرٌّ عن ظهاري إن تَظَهَّرْتُ.
стр. 2210
٢٧٨٦ - فصل في الإيلاء بنذر الإعتاق
إذا قال: لله عليَّ أن أعتق هذا العبدَ أو أتصدَّق بهذه الدراهم، تَعيَّنَا، فلا يلزمُه غيرهما اتِّفاقًا.
ولو قال: لله عليَّ أن أصوم يومَ كذا، تعيَّن على المذهب.
وإِن كان في ذمَّته دراهمُ من نذرٍ أو زكاةٍ أو صومٍ عن نذرٍ أو كفَّارةٍ أو قضاءٍ، فقال: لله عليَّ أن أصوم يوم كذا عمَّا في ذمَّتي، أو: أُخرج هذه الدراهمَ عمَّا لزمني، لم يلزمه ذلك اتِّفاقًا.
ولو لزمه عتقٌ عن نذرٍ أو كفَّارةٍ، فقال: لله عليَّ أن أعتق هذا عمَّا في ذمّتي، لزمه ذلك، خلافًا للمزنيِّ.
ولو لزمه زكاةٌ، فقال: لله عليَّ أن أصرفها إلى فلانٍ وفلانٍ، لزمه ذلك عند القاضي، ومال الإمام إلى قول المزنيِّ، وعدَّه من المذهب، وعَلَّل بأن النذر لا يوجبُ إلا القربات المقصودات، وليس التعيينُ قربةً مقصودةً، وفرَّق الأصحاب بأنَّ للعبد حقًّا في العتق، بخلافِ تعيُّنِ اليوم للصوم، والدراهمِ للزكاة، ولذلك يدَّعي العبدُ بالعتق، ويحلف إذا نكل السيِّد.
ولو ظاهر عن واحدة، وقال لأخرى: إن وطئتكِ فلله عليَّ أن أعتق هذا عن ظهاري، صحَّ الإيلاء، خلافًا للمزنيِّ، وهل يلزمه العتقُ، أو كفَارةُ يمين، أو يتخيَّر بينهما؟ فيه أقوالُ نذْرِ اللجاج، فإنْ أوجبنا العتق، فأعتقه عن الظهار، عتق اتِّفاقًا، وأجزأه على الأصحِّ.
ولو لم يعلِّق النذرَ بالوطء، بل قال: لله عليَّ أن أعتق هذا عن الظهار، فأعتقه، فالوجهُ القطعُ بإجزائه عن الظهار، وإِن أوجبنا كفَّارة يمين، فأعتقه عن الظهار، أجزأه، وبقي عليه كفَّارة اليمين، وإِن أعتقه عن كفَّارة اليمين بقي