٢٨٣٩ - فرع:
إذا أقَّت بخمسة أشهر، فمضت أربعةٌ قبل الوطء، فإن جعلنا العودَ بالإمساك لم يكن مُوْليًا، وكذلك إن جعلناه بالوطء، وفيه وجهٌ بعيدٌ.
٢٨٤٠ - فرع:
إذا رأينا توقيت الظِّهار، فقال: أنت عليَّ حرامٌ سنةً، أو: يومًا، ثبت حكم التحريم على الأصحِّ، وقيل: لا يثبت؛ لأنَّه ورد مطلقًا.
* * *
стр. 2242
٢٨٤١ - باب عتق الرقبة المؤمنة في الظِّهار
إيمانُ العتيق وسلامتُه من العيوب شرطٌ في جميع الكفَّارات، وكفَّارة الظهار مرتَّبة بالعتق، ثم الصوم، ثم الطعام.
ولو نذر عِتْقَ كافرٍ أو مَعِيْبٍ، معيَّنٍ أو في الذمَّة، لزمه الوفاء، وإن أطلق ففي إجزاء الكافر والمَعيب قولان مأخذُهما: أنّ النذر المطلَق مُنَزَّلٌ على أقلِّ الواجبات، أو أقلِّ القربات؟ فيه قولان.
* * *
٢٨٤٢ - فصل فيما يصحُّ به الإسلام
ويصحُّ إسلام كلِّ مكلَّفٍ مختارٍ، فإن أُكره، فإن كان حربيًّا صحَّ إسلامه، وإن كان ذِمِّيًّا فوجهان، ولا حكم لألفاظ المجنون.
ولا يصحُّ إسلام الصبيِّ على المذهب.
وإنْ لَفَظَ الأعجميُّ بالإسلام، فإنْ عَلِمْنا أنَّه يَعْرِفُ معناه صحَّ، وإلا فلا.
ومن أتى بالشهادتين، وتبرَّأ من كلِّ ملَّة تخالفُ الإسلام، صحَّ إسلامه، وكذا إن لم يتبرَّأ على الأصحِّ، ولا يلزمُه أن يُعْرِبَ عن جميع قواعد العقائد اتِّفاقًا؛ لأنَّ التوحيد متضمِّنٌ لصفات الإله، والشهادةُ بالرسالة تتضمَّن تصديقَ
стр. 2243
الرسول في جميع ما قال، فإنْ أبى بإحدى الشهادتين، فإن كانت على وفق ملَّته لم يصحَّ إسلامه، كمَن قال: محمد رسول الله، وهو يعتقد اختصاصَ رسالته بالعرب، وإن كانت على خلافِ ملَّته، كاعتراف اليهوديِّ أو النصرانيِّ برسالة محمدٍ، أو اعترافِ الوثنيِّ أو المعطلِ بالتوحيد، ففي صحَّة إسلامه طريقان:
إحداهما: لا تصحُّ حتى يأتي بالشهادتين.
والثانية للمحقِّقين: يُحكم بإسلامه، فإن امتنع من الشهادة الأخرى كان مرتدًّا، فعلى هذا: لو اعترف اليهوديُّ أو النصرانيُّ بصلاةٍ مِن صلاتنا، أو حكمٍ يختصُّ بملَّتنا ممَّا لو جحده مسلمٌ لكفر به، ففي الحكم بإسلامه وجهان:
أحدهما للمحقِّقين: يُحكم به، فإن امتنع من التصديق ببقيَّة الأحكام كان مرتدًّا (١).
٢٨٤٣ - فرع:
يصحُّ إسلام الأخرس بالإشارة، وأَبعدَ مَن شَرَطَ إقامةَ صلاةٍ.
* * *
стр. 2244
٢٨٤٤ - باب ما يجزئ من الرقاب وما لا يجزئ
لا يجزئُ إعتاق المكاتَب؛ لأنه ناقصُ الرقِّ أو ناقصُ العتق، فإنَّه في حكم الإبراء، أو لأنَّ عتقه واقعٌ عن الكتابة، فلا يتأدَّى به حقَّان، فإن كانت الكتابةُ فاسدةً، وقلنا: لا يَسْتَتْبعُ الأكسابَ والأولاد، فإن علَّلنا بنقصِ الرقِّ أو نقصِ العتق أجزأ، وإلأ فلا.
ولا تُجْزِئُ أمُّ الولد إلا إذا جوَّزنا بيعَها.
ويُجزئُ المرهونُ والجاني إن نفَّذنا عتقهما، وكذا الغائبُ إن تواصلت أخباره، وإن غلب على الظنِّ هلاكُه؛ لانقطاع خبره، فقولان، فإن قلنا: يُجزئ، فأعتقه، جاز له الوطءُ في الظِّهار، وإن قلنا: لا يجزئ، فظهرت حياتُه، تبيَّن إجزاؤه.
ويُجزيء المغصوبُ بيد ظالمٍ لا يغالَب، وأَبعدَ مَن منع.
وإن اشترى مَن يعتق عليه بنيَّة الكفَّارة، صحَّ الشراء، ونفذ العتقُ ولم يُجْزِئه.
ومَن اشترى قريبه مَلَكَه ثم عَتَقَ، وإن اشترى نفسَه فهل يملكُها ثم يَعْتِقُ، أو يَعتقُ على ملكِ البائع؟ فيه خلافٌ يبتني عليه ثبوتُ الولاء.
* * *
стр. 2245
٢٨٤٥ - فصل في عتق الأشقاص
إذا ملك المُعْسِرُ نصفَ عبدين، فأعتقهما عن الكفَّارة، ففي الإجزاء أوجُهٌ؛ ثالثها: إن كان باقيهما حرًّا أجزأا، وإلّا فلا.
وإن أعتق وهو موسرٌ شقصًا من عبد مشترَك، وقلنا بتعجيل السِّراية، فإن نوى عتقَ الجميع عن الكفَّارة، ولَفَظَ بذلك، أجزأه، وكذلك إن لم يتلفَّظ على الأصحِّ، وإن نوى نصيبه وحده لم يُجْزِئْه الجميعُ اتّفاقًا، كمن أعتق نصفَ عبدٍ يملكُه عن الكفَّارة، وإن علَّقنا السِّراية بأداء القيمة، فإن نوى عتقَ نصيبه حين أعتق، فلمَّا أدَّى القيمة نوى حصَّة شريكه، أجزأه اتّفاقًا، كمن علَّق عتق الكفَّارة بدخول الدار، وأبعد أبو حامد، فشرط أن ينوي عتقَ الجميع حالَ إعتاق نصيبه، وإن نوى عتق الجميع حين أعتق وعزبت النيّة عند أداء القيمة، ففي إجزاء النيَّة السابقة وجهان، فإنَّ تقديم النيَّة لا يجوزُ مع الإمكان.
ولو أعتق عبدين كاملين، ونوى التكفير بنصفهما، فوجهان.
ولو لزمه كفَّارتان، فقال: أَعتَقْتُهما عن كفَّارتيَّ النصفَ من كلِّ واحدٍ منهما عن كفَّارةٍ، أجزأه على النصّ، وفيه دليلُ على إجزاء العتق في نصف عبدين.
وقيل: يُجزئ هاهنا، وإن مُنع ثَمَّ؛ لأنَّ القصد حصولُ عتق العبدين عن كفَّارتين.
ولو قال: أعتقتُهما عن كفَّارتيَّ أجزأه، وهل ينصرف إلى كلِّ كفَّارةٍ عتقٌ، أو يتوزَّعان؟ فيه وجهان؛ أظهرهما: أنَّه يقع عن كلِّ كفَّارةٍ عبدٌ.
* * *
стр. 2246
٢٨٤٦ - فصل في استدعاء العتق
إذا قال: أعتِقْ مستولَدَتَك بألفٍ، فأعتقها، عَتَقَتْ على المالك، واستَحَقَّ الألفَ فداءً، كخلع الأجنبيّ.
وإن قال: أَعْتِقْ عبدك عنِّي بألفٍ، فأعتقه، عَتَقَ على الطالب، ولزمه الألفُ.
وإن قال: أَعْتِقْه عنِّي، فأعتقه، عَتَقَ عن الطالب، ولم يلزمه شيءٌ، وذكر في "التقريب" في وجوب القيمة وجهين.
وقال الإمام: إن كان العتقُ المطلوب عن كفَّارةٍ ففيه الوجهان، كنظيره فيمن قال: اقْضِ دَيني، ولا يُخرَّج على ثواب الهبة المطلَقة، وإن كان عتقَ تبرُّعٍ فينبغي أن يُخرَّج على الخلاف في ثواب الهبات.
ومتى وقع العتقُ عن الطالب مَلَكَه، فإن كان بغير عوضٍ حُمل على الهبة، كمن اتَّهب عبدًا، وأعتقه قبل القبض بإذن الواهب، فإنَّه يَعْتِقُ على المتَّهب، وهل يحصلُ المِلْكُ مع طلب العتق، أو مع شروع المالك في لفظ العتق، أو عقيب لفظ العتق ثُم تترتَّب الحريةُ عليه، أو مع آخرِ لفظِ العتق ثم تترتَّب الحرية عليه، أو تقع الحرية والملكُ معًا عند أبي إسحاق؟ فيه خمسةُ أوجهٍ.
ولا يتَّجه الأوّل ولا الثاني، وقولُ أبي إسحاق هفوةٌ، والرابع والخامس مبنيَّان على أنَّ الطلاق والعتق: هل يقعان مع آخر لفظهما، أو يتعقبانه؟ وفيه وجهان.
ولو قال: أعتِقْ عبدك عن نفسك ولك عليَّ ألفٌ، فأعتقه، ففي وجوب
стр. 2247
الألف وجهان، فإن قلنا: لا يجبُ، عَتَق عن المالك، وكذا إن أوجبناه على الأصحِّ.
ولو قال: أعتِقْ مستَوْلَدَتَك عنّي ولك ألفٌ، فأعتقها، لم يستحقَّ الألف؛ لتعذُّرِ نقل المِلْكِ، وفيه وجهٌ بعيد.
ولو قال: طلِّقْ زوجتك عنِّي ولك عليَّ ألفٌ، فأجابه، فالوجهُ لزوم الألف؛ إلغاءً لقوله: عنِّي، أو حملًا على معنى: لأَجْلي.
ولو قال: أَعْتِقْ عبدك ولك علئ ألفٌ؛ فإن قلنا: لا يجبُ العوض إذا قال: أعتقه عن نفسك، فالأصحّ أنَّه يُلحق بما لو قال: أعتقه عن نفسك، وقيل: يُلحق بما لو قال: أعتقه عنِّي، وإن قلنا: يجب العوضُ إذا قال: أعتقه عن نفسك، ورأينا إيقاعَ العتق عن المالك، فهل يقع هاهنا عنه، أو عن الطالب؛ فيه وجهان.
ولو قال: أعتقه عن كفَّارتي، وذكر عوضًا أو أطلق، فأعتقه، أجزأ عن الكفَّارة.
ولو قال: أعتقه عن نفسك ولك عليَّ ألف، فاعتقه عن كفَّارة نفسه، لم يُجزئه وإن قلنا: لا يستحقُّ الألف، فإنَّه لم يُخْلِص العِتْقَ لله .
ولو قال الطالب: قل: إذا جاء الغدُ فعبدي هذا حرٌّ عنك بألف، فأجابه، فحُكْمُه حكم نظيره من الخلع، فيَعْتِقُ عن الطالب، ويقع تعليقُ الملك تبعًا للعتق، وهل تجبُ الألفُ أو القيمةُ؟ فيه خلاف.
وإن قال: أعتقه عنِّي على خمر، فأجاب، عتق عن الطالب اتِّفاقًا، فإنَّ العتق إذا قُوبل بالعوض الفاسد إيجابًا وقبولًا نفذ الطلاق.
стр. 2248
٢٨٤٧ - فرع:
قال الأصحاب: إذا قال: أعتقْهُ غدًا ولك ألفٌ، فأعتقه من الغد، عتق على الطالب، ولزمه الألفُ، وهذا مستدرَك عند صاحب "التقريب" والإمام؛ فإنَّ طَلَبَ العتق بالعوض مقتضٍ لاتِّصال الجواب، فليُلحق بنظيره من الخلع.
* * *
٢٨٤٨ - فصل في النيَّة في الكفَّارات
تُشترط النيَّة في جميع الكفَّارات، ولا يُشترط تعيينُ السبب اختلفَ الجنسُ أو اتَّحد، فمَن لَزِمَه عتقٌ يجهل أنَّه عن قتلٍ، أو وطءٍ في الصوم، أو يمينٍ، أو ظهارٍ، أو لزمه عن ذلك صومٌ، أو طعامٌ، فنوى العتقَ عمَّا عليه، أو نوى الصوم أو الإطعام عمَّا لزمه، أجزأه.
ولو لزمه عتقٌ يَجهل كونَه عن كفَّارةٍ أو نذرٍ، فنوى العتقَ عمَّا لزمه، أجزأه عند القاضي، والظنُّ أنَّه يطَّرد ذلك في صوم النذر مع صوم الكفَّارة، وفيما قاله احتمال.
ولو لزمه صومٌ عن كفَّارة، وعتقٌ عن أخرى، وطعامٌ عن ثالثةٍ، فأطعم وأعتق وصام بنيَّة الكفّارة، أجزأه إذا لم يعيِّن، وانصرف كلُّ واجبٍ إلى جهته.
ولو أطعم مئةً وعشرين مدًّا عن كفَّارتين، أو صام أربعةَ أشهرٍ ولم يعيِّن، أجزأه.
ولو صام شهرًا عن كفَّارة، ونوى بالثاني كفَّارةَ أخرى، لم يجزئه
стр. 2249
الأوّل؛ لانقطاع التتابع.
ولو أطعم مدًّا عن كفَّارة، ومدًّا عن أخرى، وهكذا إلى مئةٍ وعشرين مدًّا، أجزأه؛ إذ لا تتابُع في الإطعام.
٢٨٤٩ - فرع:
إذا لزمه كفَّارةُ قتْلٍ، فنوى التكفيرَ مطلقًا، أجزأه، ولو حسِبَها كفَّارةَ ظهار فنواها، ثم تبيَّن أنَّها كفَّارةُ قتلٍ، لم يجزئه؛ فإنَّه إذا عيَّن السبب فلا بدَّ من إصابته، فإنَّ مِن شَرْطِ الواجب أن يندرج تحت إطلاق النيَّة.
٢٨٥٠ - فرع:
يكفِّر الكافر الأصليُّ بالعتق والطعام دون الصيام، وإن ارتدَّ بعد وجوب الكفَّارة، فإن بقَّينا مِلْكَه كفَّرَ بالعتق والطعام، وإن أزلناه: فهل يبقى عليه قَدْرُ الكفَّارة من العتق أو الطعام؟ فيه وجهان.
ويُبَقَّى قَدْرُ ديونه اتّفاقًا، وقال الإصطخريّ: لا يُبقَّى مِلْكُه على قدر الدَّين.
فإنْ أراد بذلك الدَّينَ الواجبَ قبل الردَّة، فقد خالَفَ الناس، وإن أراد به ما يجبُ بعد الردَّة فلا يجوزُ خلافه.
وفي "التقريب" وجهٌ: أنَّا لا نُخرِجُ من ماله إلا أقلَّ واجبٍ في الكفَّارة.
ولعلَّه يريدُ به الكفَّارة المخيَّرة.
* * *
стр. 2250
٢٨٥١ - باب ما يجزئ من العتق في الرقاب الواجبة
يُشترط في الرقبة المعتَقَة في جميع الكفَّارات: السلامةُ من كلِّ عيبٍ يَنْقُص العملَ نقصًا ظاهرًا، ولا عبرةَ بعيبٍ يُثبت الخيار في البيع إذا لم يضرَّ بالعمل إضرارًا بيِّنًا، فلا يجزئ الأعمى، ولا مقطوعُ إحدى اليدين أو إحدى الرجلين، ولا من قُطعت إبهامه أو مُسَبِّحتُه أو وسطاه أو الخنصر والبنصر من إحدى اليدين، فإن قُطعت أصابع الرجلين أجزأه اتّفاقًا.
وإن قطعت الخنصر من يد، والبنصرُ من أخرى، أو كان به عيبٌ يَنْقص الماليَّةَ دون العمل، أو ينقصُ العمل نقصًا يسيرًا؛ كالعَوَر والحَوَل والبَرَص والبَهَق والخَرَق وضَعْف الرأي والقَرَع والوَكَع والكَوَع، أجزأ، ولا بأس بقطع الأَنْمَلَة إلا من الإبهام، وقطعُ أَنْمَلَتين من كلِّ إصبع كقطع تلك الإصبع، وفي قطع الأنامل العليا من جميع الأصابع نظرٌ وتأمُّلٌ.
٢٨٥٢ - فرع:
لا يجزئ المجنون، فإن تقطَّع الجنونُ أجزأ على النصِّ، وقال الإمام: إن كانت أوقاتُ الجنون أكثرَ فما أظنُّ الشافعيَّ يُجيز ذلك، وإن استويا ففيه احتمالٌ.
стр. 2251
٢٨٥٣ - فرع:
المرضُ المانع من العمل إن رُجي زواله أجزأ، فإن مات منه ففيه تردُّدٌ، والظاهرُ الإجزاءُ، وإن كان مأيوسَ الزوال؛ فإن مات منه لم يُجزئ، وإن برئ فالظاهرُ الاجزاءُ، وفي الأخرس طرقٌ:
إحداهن: لا يُجزئ إلَّا من يُفْهِم بإشارته.
والثانية: الإجزاء، إلا أن يَجمع الخَرَسَ والصَّمَمَ.
والثالثة: قولان يجريان في الأصمِّ الأصلخ، والأصحُّ الإجزاء.
٢٨٥٤ - فرع:
يجزئ الطفلُ ابن يوم، وإن أعتق حَمْلًا وقلنا: إنَّه يُعرف، فلا يُجزئه قبل الوضع اتِّفاقا، فإن انفصل حيًّا، وعلمنا أنَّ العتق صادف حياتَه، فظاهرُ كلام المراوزة: أنَّه لا يجزئ، وأشار العراقيُّون إلى تردُّدٍ واحتمال.
* * *
стр. 2252
٢٨٥٥ - باب من له الكفارة بالصوم
إذا فقد الرقبةَ وثمنَها، أو وجدها مع احتياجه إلى خدمتها؛ لمروءةٍ تَنْقُصُ بخدمته لنفسه، أو زمانةٍ أو مرضٍ، أو وجد مسكنًا بقَدْرِ حاجته، فله أن يصوم، وإن كان له مالٌ لا يخرجه عن حدِّ المسكنة، أو مَلَك مالًا لو اشترى منه الرقبة لصار إلى حدِّ المسكنة، فله أن يصوم على قياس قول الأصحاب؛ فإنَّ التضرُّر بهذا أشدُّ من التضرُّر بترك المروءة التي يَرْجع معظمُها إلى رعونات النفوس.
٢٨٥٦ - فرع:
إذا كان المسكن متَّسعًا يكفي بعضُه للسكن، وتحصُلُ الرقبة بباقيه، لم يَصُم، وإن كان له عبدٌ نفيسٌ يحتاج إليه لضرورةٍ أو مروءةٍ، أو مسكنٌ نفيسٌ بقَدْرِ الحاجة، ولو باع العبدَ والمسكنَ لحَصَلَ بثمن العبد عبدٌ للخدمة وعبدٌ للكفَّارة، وبثمن المسكنِ عبدٌ للكفَّارة ومسكن في محلَّةٍ أخرى؛ فإن لم يألفهما لقُرْبِ عهدهما لم يصم، وإن أَلِفَهما صام على أظهر الوجهين.
٢٨٥٧ - فرع:
إذا غاب مالُه لم يَصم في كفَّارةٍ مرتبة، وفي كفَّارة الظهار مع كونها مرتَّبةً وجهان؛ لتضرُّره بتأخُّر الغشيان.
стр. 2253
والصومُ شهران هلاليَّان متتابعان، وإن عمَّهما النقصان؛ فإن انكسر الأوَّلُ أكمل ثلاثين من الثالث، وأجزأه الثاني إن كمل، وكذا إن نقص على الأصحِّ، ولا تجب نيَّةُ التتابع، أو تجب في الليلة الأولى، أو في جميع الليالي؟ فيه أوجهٌ أصحُّها: أوَّلها.
وإن أفطر بإغماءٍ أو سفرٍ أو مرضٍ يُباح بمثلهما الفطرُ في رمضان جاز، وفي انقطاع التتابع بالمرض والإغماء قولان، وفي السفر قولان مرتَّبان أظهرهما الانقطاعُ، ولا ينقطع بالحيض.
ولو نسي النيَّة في اليوم الأخير، أو تعمَّد إفساده، لم يجز الماضي عن الكفَّارة، وهل يَبْطُلُ أو ينقلبُ نفلًا؟ فيه قولان يجريان في كلِّ عبادة مفروضةٍ يفتقر فرضُها إلى شرطٍ لا يفتقرُ إليه نفلُها.
وقال الإمام: يُحتمل أن يُلحق نسيانُ النيّة بالأعذار، لكنْ قطع الأصحاب بالبطلان من جهةِ أنَّ النسيان لا يؤثِّر في ترك المأمورات.
ولو أفطر في صوم الكفَّارة بغير عذرٍ بَعُد جوازُ ذلك، وإن ترك النيَّة لغير عذرٍ: فهل يُمنع لِمَا فيه من إبطال الفرض السابق، أو يجوز لتراخي الكفَّارة؟ فيه احتمال.
* * *
٢٨٥٨ - فصل في بيان وقت اليسار والإعسار في الكفَّارات
إذا كان موسرًا عند وجوب الكفَّارة المرتَّبة، معسِرًا عند أدائها، أو بالعكس، فالاعتبارُ بحالِ الوجوب، أو الأداء، أو بأغلظهما؟ فيه أقوالٌ.
стр. 2254
فإن اعتبرنا حال الوجوب، فكان موسرًا عنده مُعْسِرًا عند الأداء، لم يبرأ إلا بالعتق، وإنْ أَعْسَر بعد ذلك لم يُجْزِه، وإن كان معسرًا عند الوجوب لزمه الصوم، فإن كان عبدًا، فكفَّر بالعتق بعدما عتق، أجزأه على الأصحِّ، وقيل: لا يجزئه؛ لأنَّه لم يكن مُتَصَوَّرًا منه عند الوجوب، وإن كان حرًّا مُعْسِرًا، فكفَّر بالعتق بعد اليسار، أجزأه، وأَبعدَ مَن خرَّجه على الخلافِ في العبد.
ولو صام المعسر، ثمَّ وجد الرقبةَ في أثناء الصوم، أجزأه الصوم، خلافًا للمزنيِّ وبعض الأصحاب.
وإن اعتبرنا حالَ الأداء، نظر إلى صفته حالَ تعاطي التكفير، فإن صام لإعساره، ثم وجد الرقبة، لم يلزمه عتقُها.
وإن اعتبرنا الأغلظ، فاقترن اليسارُ بحال الوجوب أو الأداء لم يبرأ إلا بالعتق، وإن اقترن بهما الإعسارُ وتخلَّلهما يسارٌ، كفَّر كفَّارة المعسر؛ إذ لا أثر لليسار إلا في حال الوجوب، أو في حال تعاطي الأداء.
* * *
стр. 2255
٢٨٥٩ - باب الكفارة بالطعام
إذا عجز مَنْ فرضُه الصومُ بِهَرَمٍ أو مرض يُباحُ بمثلهما الفطرُ في رمضان، فله أن يُطعم، وكذا إن سافر سفرًا يُباح بمثله الفطرُ في رمضان، ولم يَشترط الأصحاب ملازمةَ المرض بحيث يَبْعُدُ في الظنِّ زوالُه، وهذا مشكِلٌ في السفر، وأمَّا المرض؛ فإنْ توقَّع بقاءَه شهرين، أجزأه الإطعامُ وإن شفي بعد الإطعام عن قُرْبٍ، ولو طرأ مرضٌ يُعلم زواله بعد يومٍ أو يومين، فإنَّه يبيح الفطر، ولا يجوزُ الإطعام عند الإمام.
ولو أفرطتْ به الغلمةُ لم يُفْطِرْ في رمضان اتِّفاقًا، وهل يُطعم في الكفَّارات؟ فيه وجهان.
والطعامُ: ستُّون مُدًّا بمدِّ رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من الطعام المجزئ في الفطرة لستِّين مسكينًا ممَّن يجوز للمكفِّر صرفُ زكاته إليهم، ويُشترط التمليكُ في ذلك، وألَّا ينقصوا عن ستِّين، فإن دفع ستِّين مدًّا إلى مسكينٍ واحد في ستِّين يومًا، أو غدَّى الستِّين وعشَّاهم بذلك، لم يُجْزِئه، ولو قال لهم: خذوا هذا الطعام، فأخذوه، وجَهِلَ ما صار إلى كلِّ واحد منهم، لم يُجزئه إلا مدٌّ واحد.
٢٨٦٠ - فرع:
إذا قال: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي، أو: إن دخلتِ الدار
стр. 2256
فوالله لا أضربُك، ثم كفَّر قبل الضرب، وقبل دخول الدار، لم يجزئه على الأصحِّ، وكذا لو قال: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ عليَّ كظهر أمِّي، ثم قال: إن دخلتِ الدار فعبدي حرٌّ عن ذلك الظهار، ثمَّ أعتقه عن الكفَّارة قبل دخول الدار.
* * *
стр. 2257
كتاب اللعان
стр. 2258
كتاب اللعان
٢٨٦١ - مَن صحَّ طلاقُه صحَّ لعانُه حتى الكافرُ والعبدُ؛ لأنَّ الغالب على اللعان حكمُ الأيمان، لكنَّه يشبه الشهادة من جهةِ أنَّه لو نكل عنه، ثم رغب فيه، مُكِّن منه، بخلاف النكول عن الأيمان .
* * *
٢٨٦٢ - فصل في اللعان حيث لا ولد
مَن رأى زوجته تزني حيثُ لا نسبَ يتعرَّضُ للثبوت، جاز له قذفُها ولعانُها، والأولى أن يفارقها من غيرِ قذفٍ ولا لعانٍ، وكذلك لو رآها مع إنسانٍ في شعارٍ على النعت المكروه، ولم يشاهد الوطءَ، أو رآها في الخلوة مرارًا على ريبةٍ، أو استفاض أنَّه يُزْنى بها، فرآهما في الخلوة على ريبةٍ، أو أخبره برؤية الزِّنى مَن يثق به، وإن لم يكن من أهل الشهادة، فكل ذلك مُجوِّزٌ للقذف واللِّعان، وليس له ذلك بمجرَّد الاستفاضة.
٢٨٦٣ - فرع:
إذا لزمه الحدُّ بالقذف فله دفعُه باللعان، وإن قدر على إقامة البيِّنة، فإن سقط الحدُّ باقرارٍ، أو عفوٍ، أو بيِّنةٍ، ففي جواز اللعان لدفع العار وجهان.
* * *
стр. 2259
٢٨٦٤ - فصل في نفي النسب باللعان
مَن أتت زوجتُه بولدٍ يلحقُه في الحكم، فإنْ عَلِمَ انتفاءه عنه بأنْ تضعَه لأقلَّ من ستَّة أشهر، أو لاكثر من أربع سنين من حين الوطء، أو تيقَّن أنَّه لم يطأ، فيلزمُه القذف، ونفيُه باللعان، وإن جوَّز كونَه منه فله أحوال:
الأولى: ألا يستبرئها بعد الوطء، فيَلحقه، ولا يحلُّ له قذفٌ ولا لعانٌ وإن رآها تزني قبل الوطء أو بعده، وقال الإمام: إنْ منع الأصحاب القذف واللعان لنفي الولد فهذا قريبٌ، وإن منعوا ذلك مع أنَّه لا ينفي النسب فلا وجه له.
الثانية: أن يستبرئها، فتضعه لستَّة أشهرٍ فصاعدًا من حين الاستبراء، ففي جواز القذف والنفي باللِّعان وجهان، وقال العراقيُّون: إن وقع بعد الاستبراء شيءٌ من الرِّيَبِ المذكورة لزمه نفيُه، وإن لم يقع شيءٌ منها لم يجز، وفيه وجهٌ آخر دلَّ عليه كلام الأئمَّه، وهو جوازُ النفي عند الرَّيبة، ومنعُه عند انتفائها؛ إذ لا يتِّجه إيجاب النفي مع الإمكان.
الثالثة: أن تأتي بعد القذف بولدٍ شديدٍ الشَّبَهِ برجلٍ آخر، فإنْ لم تكن ريبةٌ حَرُمَ النفي، وإن كانت فوجهان.
الرابعة: أن تضعه شديد السواد، وأبواه أبيضان، ففي جواز نفيه للعراقيِّين وجهان، ولم يتعرَّضوا لشرط الريبة هاهنا، فغالبُ الظنِّ أنَّهم يشرطونها، ولا عبرة بغير الألوان من الخلق؛ كالحُسْن والقبح، والنَّقْصِ والكمال، ولا بتقارب الألوان، كالسُّمرة والأدمة مع بياض الأبوين.
стр. 2260
٢٨٦٥ - فرع:
يثبت النسبُ بمجرَّد إمكانِ العلوقِ في النكاح، فإذا ولدت لستَّة أشهرٍ من حين إمكانِ اجتماعِ الزوجين، لَحِقَ، ولا يَلْحَقُ مع امتناعِ الاجتماع.
* * *
٢٨٦٦ - فصل في السنِّ الذي يلحق فيه الولد
إذا ولدت امرأةُ الغلامِ حالَ الطعن في السنة العاشرة لم يَلْحَقْه على المذهب، وإن ولدت لعشرِ سنين وستَّةِ أشهرٍ لحق، وإن ولدت لعشرِ سنين فوجهان، فإن قلنا: يلحق، فقال: أنا بالغٌ، فله نفيُه باللعان، وإن قال: أنا صبيٌّ، لم يلاعِنْ، فإنْ أكذَبَ نفسَه في دعوى الصِّبا فله نفيُه باللعان، وفي كلامهم ما يدلُّ على أنَّ تكذيبه لا يُقبل، فإن قال: بلغتُ بعد قولي: أنا صبيٌّ، قُبل.
* * *
٢٨٦٧ - فصل في اللحاق بالممسوح والخصيِّ والمجبوب
يصحُّ نكاح الممسوح والخصيِّ والمجبوب اتِّفاقًا، والنسبُ لاحقٌ بالمجبوب، وكذلك الخصيُّ عند المحقِّقين، وإن أحاله الأطباء، وقيل: يُراجَعون، فإن قالوا: يولدُ له، لَحِقَ، وإن قالوا: لا يولد له، لم يلحق، ولا أصل لذلك.
والممسوحُ لا يَلْحقُه النسب عند العراقيّين، ولا حاجةَ إلى المراجعة، ويلحقه عند الإصطخريِّ والقاضي والصيدلانيِّ بغير مراجعةٍ، واستبعده الإمام.
* * *
стр. 2261
٢٨٦٨ - فصل فيمن أقرّ بقذف أو تصرُّف، ثم ادَّعى الجنون حال التصرُّف
إذا أقرّ عند الحاكم بقذفٍ، أو بيعٍ، أو غيرهما من التصرُّفات، أو قامت البيِّنة على إقراره بذلك، فقال: كنتُ مجنونًا عند القذف والتصرُّفِ، ففي قبول قوله أقوالٌ؛ ثالثها: إنْ عُهد له جنونٌ فالقولُ قوله، وإن لم يُعهد فالقولُ قول خصمه، وهذا هو الأصحُّ عند بعض الأصحاب.
فإنْ قَبِلْنا قوله حلف على البتِّ: ما قذف ولا تصرَّف إلّا في حال الجنون، وإن قبلنا قول خصمه، حلف على نفي العلم بجنونه حالَ التصرّف.
وإضافةُ التصرُّف أو القذف إلى الصبيِّ كإضافتهما إلى الجنون المعهود.
ولو أقام كلُّ واحدٍ منهما بيِّنةً على دعواه ثبت القذفُ والتصرُّفُ المضاف إلى حالِ العقل والبلوغ إن كانت البيِّنتان مطلَقَتَين، أو مختلفتي التاريخ، وإن اتَّحد التاريخُ؛ فإن قلنا بالتهاتُرِ فهو كما لو لم يكن بيِّنةٌ، وإن قلنا بالاستعمال، فلا وقف ولا قسمة، وتجري القرعةُ عند القاضي، وخالفه الإمام.
* * *
٢٨٦٩ - فصل في لعان الأخرس
يصحُّ قذفُ الأخرس ولعانُه بالإشارة المُفْهمة، فإن انطلق لسانُه، فقال: لم أُرِدْ بذلك قذفًا ولا لعانًا، لم يُقبل، وفي صحَّة اللعان بالإشارة إشكالٌ إذا قلنا: تتعيَّن ألفاظُ اللِّعان، فإنَّ الإشارة لا تأتي على ذلك، والقياسُ أن يقال: كلُّ شيء يختصُّ بصيغةٍ معيَّنة، فلا يصحُّ بالإشارة، ولو
стр. 2262
كان في الأصحاب مَن يشرط أن يَكتب، أو أن يُذْكَرَ له الصيغُ، ويقال له: تشهدُ بكذا وكذا؟ فيشير، لكان قريبًا.
٢٨٧٠ - فرع:
إذا قذف الناطق، ثم اعْتَقَلَ لسانُه، فالأصحُّ أنَّه يُمْهَلُ ثلاثًا، فإن انطلق لسانُه، وإلا حُمل على الإشارة، وعلى قولٍ: يُرَاجَع أهل البصر، فإن قالوا: نستطلِقُ لسانَه، انتظروا وإن طالت المدَّة.
* * *
٢٨٧١ - فصل في القذف في النكاح وبعده
اللِّعانُ مختصٌّ بالأزواج، فإذا أطلق الزوج القذفَ، فإن كان موجِبًا للحدِّ، فإنْ طَلَبَتْه فله دفعُه باللِّعان، وكذا إن سكتت على الأصحِّ، وإن عَفَتْ لاعَنَ لنفي النسب، فإن لم يكن نسبٌ فوجهان.
وإن كان موجِبًا للتعزير فالتعزيرُ ضربان:
أحدهما: تعزيرُ التكذيب، كتعزير مَن قذف زوجتَه الأمةَ أو الكافرةَ، فإن طلبت التعزير فالأصحُّ أن له دفْعَه باللعان، وإن عَفَتْ فوجهان، وإن تعذَّر طلبُها لصغرها أو جنونها، فوجهان مرتَّبان، وأولى بجواز اللعان، وليس لوليِّها طلبُ التعزير اتّفاقًا، وإن سكتت وهي عاقلةٌ، فوجهان مرتَّبان على المجنونة، وأولى بجواز اللعان؛ لتمكُّنها من الطلب في جميع الأزمان.
الثاني: تعزير التأديب، كتعزير مَن قذف المحدودةَ في الزنا ببيِّنةٍ أو إقرارٍ، فلا يلاعِنُ على الأصحِّ، وأبعدَ مَن قال: يلاعِنُ، وقيل: في اللِّعان
стр. 2263
لاختلاف النصِّ قولان، فإن قلنا: لا يلاعِنُ، عُزِّر، وهل يقف هذا التعزير على طلبها، أو يتولاه السلطان؟ فيه وجهان أصحُّهما عند الإمام: التوقُّف على الطلب؛ لأنَّها المقصودةُ بالأذى، بخلافِ ما لو قال: الناسُ زُناةٌ، فإنَّ تعزيره إلى السلطان.
ولو قال: زنيتِ وأنتِ بنتُ يومٍ، أو: شهرٍ، عُزِّر، وفي توقُّف التعزير على الطلب وجهان ظاهران، وإنْ وقفناه على الطلب، فأراد السلطان تعزيره ردعًا فالوجه: أن يصبر إلى أن يتبيَّن الطلب، وإن وقفناه على طلبها، وأثبتنا اللعان، فإنْ طلبت عُزِّر، وإن عَفَتْ فوجهان، وإن سكتت فوجهان مرتَّبان.
ولو قذف في النكاح بزنىً قبل النكاح لزمه الحدُّ، أو التعزير، فإن كان ثَمَّ نسبٌ متعرِّض للثبوت، فله نفيُه باللعان على أظهر الوجهين، وإن لم يكن فليس له اللعان اتِّفاقًا.
ولو أبانها، وقذفها بزنىً مضافٍ إلى النكاح؛ فإن كان ثَمَّ نسبٌ لاعَنَ، وإن لم يكن لم يلاعِنْ، وفيه وجهٌ غريب.
٢٨٧٢ - فرع:
يلاعن في النكاح الفاسد؛ لنفي الولد، فإن لم يكن ولدٌ، فإنْ عَلِمَ بفساد النكاح لم يلاعِنْ، وإن لاعَنَ على ظنِّ الصحّة، ثم تبيَّن الفساد، ففي سقوط الحدِّ وجهان.
ويلاعِنُ المجنونةَ لنفي الولد، فيسقط التعزيرُ، وتتأبَّد الحرمة، فإن لم يكن ولدٌ فوجهان، فإن ماتت قبل اللِّعان انتقل التعزيرُ إلى ورثتها، وله إسقاطُه باللعان.
стр. 2264
ولو قذف العاقلةَ، فجُنَّت، لاعَنَ لنفي الولد، فإنْ لم يكن فوجهان.
ولو قذف المجنونةَ بزنىً مضافٍ إلى حالِ العقل وجب الحدُّ، وليس لأحدٍ أن يطلبه، فإن ماتت انتقل إلى الورثة، وله دفعُه باللعان.
ولو قذف أمةً (١)، فطلَبُ التعزير مختصٌّ بها دون سيِّدها؛ إذ لا حقَّ للمالك في ذمَّتها، ولا في عِرْضها، وإنَّما حقُّه فيما يَؤُولُ إلى ماليَّتها، وفي انتقال التعزير إليه بموتها وجهان.
وإن قَذَفَ [السَّيد] عبدَه، فله طلبُ تعزيره، وُيحتمل ألا يَملك ذلك، بل يقال للسيِّد: لا تؤذِه، فإن أبى كان كمجاوزة الحدِّ في الاستخدام.
* * *
٢٨٧٣ - فصل فيمن يرث حدَّ القذف
حدُّ القذف حقٌّ للآدميِّ يقف على طلبه، ويسقطُ بعفوه، ويرثُه جميع ورثته، أو يختصُّ بذوي الأنساب منهم، أو بالعصبات الذين يَلُون التزويج؟ فيه أوجهٌ، فإن جُعل لعصبات التزويج ففي ثبوته للابن وجهان، فإن أثبتناه قُدِّم على سائر العصبات.
ولو قذف ميتًا ثبت الحدُّ لمَن كان يرثُه بتقدير وقوع القذف في الحياة، وفي الزوجين خلافٌ مرتَّبٌ، وأولى بالمنع؛ لوقوع القذف بعد ارتفاع النكاح، فإن عفا بعضُ الورثة: فهل يسقط الحدُّ بكماله، أو تسقط حصَّةُ العافي، أو يبقى كمالُ الحدِّ للباقين؟ فيه أوجهٌ أظهرُها آخرُها؛ فإنَّه لو سقط لم يكن له
стр. 2265
بدلٌ، بخلافِ القصاص، ولا وَقْعَ لبعض الحدِّ في الزجر.
ولو قذف إنسانًا، ثم ورثه، سقط الحدُّ، ولا يُتصوَّر نظيرُه في القصاص؛ لعدم الميراث.
* * *
٢٨٧٤ - فصل في لعان الذِّمِّيِّ
إذا قذف الذمِّيُ زوجته ففي إجباره على اللعان قولان، وإن لاعَنَ المسلمُ الذمّيةَ، فالأصحُّ أنَّها لا تُجبر على اللعان؛ لتعلُّقه بخالص حقِّ الله تعالى، ولأنَّه ليس حقًّا للزوج، ولذلك لا يتوقَّف لعانُ المسلمة على طلب الزوج، ولا يسقطُ بإسقاطه، بخلافِ لعانِ الذمّيِّ، فإنَّه يتعلَّق بحقِّ زوجته من التعزير، وخرَّجه بعضُهم على القولين في إجبار الذمّيِّ.
* * *
٢٨٧٥ - فصل فيمن أنكر القذف، ثم طلب اللعان
إذا ادَّعت على زوجها أنَّه قذفها، فله أحوال:
الأولى: أن يسكت، فلها إثباتُه بالبيِّنة، فإنَّ البيِّنة تُسمع؛ لعدم الإقرار، لا لحقيقة الإنكار، فإذا ثبت فله أن يدفعه باللِّعان.
الثانية: أن يقول: ما قذفتُك، ولا زنيتِ، فتُقيم (١) البيِّنةَ بالقذف، فإن لم يُنشئ قذفًا لم يلاعِنْ، وإن أنشأه لاعَنَ عند القاضي، وقال الإمام:
стр. 2266
لا يلاعنُ إلا أن يقذف بعد مضيِّ زمانٍ يتَّسع للزنى، ثم يصير كمن قذف أجنبيَّةً، ثم تزوَّجها وقذفها، فإنْ لاعَنَ عن قَذْفها في النكاح لم يسقط حدُّ القذف السابق إلّا إذا قلنا بإسقاط حصانتها في حقِّه، ويؤكِّد هذا أنَّ من برَّأَ إنسانًا من الزنى، ثم قذفه، فإنَّه يُحدُّ.
الثالثة: أن يقول: ما قذفتُكِ، فتقيم (١) البيِّنةَ بالقذف، فإن تأوَّل كلامَه بأنَّ الذي صدر منه كان صدقًا، ولم يكن قذفًا، لاعَنَ، وإن لم يتأوَّله بذلك فوجهان.
* * *
٢٨٧٦ - فصل في قذف الصبيِّ
لا يتعلِّق بقذف الصبيِّ حدٌّ، ولا تعزير، بل يؤدّبه الوليُّ، كما يؤدِّبه في وجوه الإصلاح، ولو همَّ بتأديبه، فبلغ، تركه عند القفَّال وإن كان واليًا؛ إذ لا يُؤَدَّب الصبيُّ بما يؤدَّب به البالغ، فإنَّ ضرْبَ البالغ عقابٌ، وضربَ الصبيِّ إصلاحٌ، كرياضة الدوابِّ، ولهذا يُؤمر بقضاء الصلوات، فإن بلغ قبل قضائها تركناه.
* * *
٢٨٧٧ - فصل في لعان المرتدِّ والرجعيَّة
إذا قذف رجعيَّةً، لاعن وإن لم يراجع، وإن ارتدَّ، وقذف بعد الدخول،
стр. 2267
فله أن يلاعن مع الردَّة، وله أن يلاعن إذا أسلم، فإنْ لاعَنَ في الردَّة، وأصرَّ حتى انقضت العدَّةُ، صحَّ اللِّعان، وسقط الحدُّ إنْ لاعن لنفي النسب، وإن لم يكن نسبٌ، فوجهان، ولا يُشترط لتسليطه على اللِّعان أن نَجهل ردَّته، وفيه احتمال.
٢٨٧٨ - فرع:
إذا قذفها بوطءٍ في الدُّبر، فإن أوجبنا به الحدَّ تعلَّق به اللِّعان.
* * *
٢٨٧٩ - فصل فيمن قذف شخصين بكلمة، أو كلمتين
إذا قال لأجنبيَّتين، أو زوجتين: أنتما زانيتان، ففي تعدُّد الحدِّ قولان، وإن قال ذلك لزوجته وأمِّها فقولان مرتَّبان، وأولى بالتعدُّد؛ لاختلاف الحكم، فإن قلنا بالاتِّحاد، حُدَّ لهما حدَّا واحدًا إن لم يلاعن، وإن لاعَنَ سقط حدُّ البنت، وبقي حدُّ الأمِّ.
ولو قال لزوجته: يا زانيةُ بنت الزانية، وجب حدَّان اتِّفاقًا.
ولو قذف شخصين على الترتيب: فهل يُقدَّم الأوَّل، أو يُقْرَع بينهما؟ فيه وجهان، فإن قدَّمنا الأوّل: فهل تُقدَّم البنتُ هاهنا، أو الأمّ؟ فيه وجهان من جهةِ أنَّ حدَّ الأمِّ متأكّدٌ لا يسقط باللعان، ولو بدأ بقذف الأم: فهل تُقدَّم، أو يُقرع؟ فيه وجهان منقدحان.
٢٨٨٠ - فرع:
أيُّ الزوجين امتنع من اللعان، ثمَّ طلبه، مُكِّن منه، حتى لو بقي على
стр. 2268
الزوج من الحدِّ سوطٌ واحد، فطلب اللِّعان، تركناه؛ ليلاعِنَ، ولو طلب اللعانَ بعد إكمال الحدِّ لم يُمكَّن عند الأصحاب، وقال القفَّال: إن كان ثمَّ سببٌ متعرِّضٌ للثبوت مُكِّن من اللعان، وإلا فلا.
* * *
٢٨٨١ - فصل في اللعان في ملك اليمين
كلُّ نسبٍ تعرَّض للثبوت بنكاحٍ صحيحٍ، أو فاسدٍ، أو وطءِ شبهةٍ، جاز نفيُه باللعان.
ولو وطئ أمتَه، فأتت بولدٍ يمكن أن يكون من ذلك الوطء، فالمذهبُ: أنَّه لا ينفيه باللعان؛ لظاهر القرآن، وقيل: في القديم قولٌ: أنَّه يلاعن الأمةَ وأمَّ الولد.
وعلى المذهب: لو مَلَكَ زوجتَه، فولدت لأقلَّ من أربع سنين من حين المِلْكِ؛ فإنْ لم يُقرَّ بالوطءِ في المِلْكِ فله نفيُه باللعان، وإن أقرَّ بذلك؛ فإن وضعته لدونِ ستّةِ أشهرٍ من حين الوطء، فإن كان لأقلَّ من أربع سنين من حين المِلْكِ فله نفيُه باللعان، وإن كان لأكثرَ من أربع سنينَ من حين المِلْكِ، أو من حين الوط، انتفى بغير لعانٍ، وإن وضعته لستَّة أشهرٍ فصاعدًا من حين الوطء؛ فإنْ لم يدَّع الاستبراءَ لَحِقَه، ولم يملك نفيَه باللِّعان؛ لانتساخِ فراشِ النكاح بفراش المِلْكِ، كما يُنسخ فراشُ النكاح بفراش النكاح إذا تزوَّجت المطلَّقة بعد العدَّة، فولدت لستَّة أشهرٍ من النكاح الثاني، ولأقلَّ من أربع سنين من حين الطلاق، وإن ادَّعى الاستبراءَ بعد الوطء، فإن وضعتْه لدون
стр. 2269
ستَّة أشهرٍ من حين الاستبراء، ولستَّةِ أشهرٍ فصاعدًا من حين الوطء، لَحِقَه، وإن ولدت لستَّة أشهرٍ فصاعدًا من حين الاستبراء، ولأقلَّ من أربع سنينَ من حين المِلْكِ فالأصحُّ انتفاؤه بغير لعانٍ.
* * *
стр. 2270
٢٨٨٢ - باب أين يكون اللعان
يؤكَّد اللعان باللفظ والزمان والمكان، وحضورِ جماعةٍ من أهل الإيمان.
فالزمانُ: بعد العصر، فإن لم يحثَّ طلبٌ، ولم يظهر ضررٌ في التأخير، أُخِّر إلى العصر من يوم الجمعة.
والمكان: أشرف البقاع، وهو بمكَّة: بين الركن والمقام، وبالمدينة: بين القبر والمنبر، وبالقدس: عند الصخرة، وبسائر البلاد: في مقصورة الجامع.
وينبغي أن يقع اللعانُ على رؤوس الأشهاد، وأقلُّهم أربعةٌ.
والتغليظُ بالزمان والمكان مستحبٌّ، أو واجب؟ فيه قولان يجريان في الحَلِفِ على كلِّ ذي خطر؛ كالدماء، والفروج، وقَدْرِ النصاب من الأموال.
والتغليظُ بالجمع كالتغليظ بالمكان، أو مستحبٌّ؟ فيه طريقان طردهما الإمام في التغليظ بالمكان، وطردهما بعضُهم في التغليظ بالزمان، وفي التغليظ على الزنديق بذلك وجهان.
٢٨٨٣ - فرع:
قال الأصحاب: يحلف الكفَّار حيث يعظِّمون، كالبِيَع والكنائس، ولا يحلفون في بيوت الأصنام اتِّفاقًا، وفي بيوت النيران وجهان.
стр. 2271
٢٨٨٤ - فرع:
تُلاعَنُ الحائض على باب المسجد، وإن كانت الكافرةُ حائضًا، وأُمِن من تلويث المسجد، ففي تمكينها من دخوله وجهان.
* * *
стр. 2272
٢٨٨٥ - باب سنَّة اللعان
يتعلَّق بلعان الرجل: تنجُّزُ الفُرقة، وتأبُّدُ الحرمة، وانتفاءُ النسب، وسقوط حدِّ القذف، ووجوبُ حدِّ الزنى على المرأة.
ويتعلَّق بلعانها: سقوط حدِّها.
وينبغي للقاضي أن يقول: الله يعلمُ أنَّ أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ، ويهدِّدهما بقوله ﵇: "أيُّما امرأة أدخلت على قومٍ مَن ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يُدخلها اللهُ جنَّته، وأيُّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأوَّلين والآخِرِين" (١).
وبأنَّه ﵇ رأى ليلة المعراج نسوةً معلَّقات بثُديِّهِنَّ، فسأل جبريل عنهنَّ، فقال: إنهنَّ اللائي ألحقن بأزواجهن مَن ليس منهم (٢).
وبقوله ﵇: "اشتدَّ غضب الله على امرأةٍ أدخلت على قومٍ
стр. 2273
مَن ليس منهم؛ يأكلُ جرايتهم، وينظر إلى عوراتهم" (١).
* * *
стр. 2274
٢٨٨٦ - باب كيف اللعان
اللعان: أن يقول الزوج أربعَ مراتٍ: أشهدُ بالله إنِّي لَمِنَ الصادقين فيما رميتُها به من الزِّنى، وهذا الولدُ ولدُ زنا، وما هو منِّي، ويقول في الخامسة: لعنةُ الله عليَّ إن كنتُ من الكاذبين، وتقابلُه المرأة، فتشهدُ أربع شهادات بالله إنَّه لَمِنَ الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة: على غضبُ الله إن كان من الصادقين فيما رماني به.
فإنْ أبدل لفظ الشهادة بالحَلِفِ، أو القسم، أو تركِ الصِّلات، فقال: بالله إنِّي لمن الصادقين، أو أبدل الغضبَ باللعنة، أو اللعنةَ بالغضب، أو قدَّمهما على سائر الكلام، لم يجز، وفيه وجهٌ بعيدٌ.
ولا يقومُ معظَمُ الكلام مقام الجميع اتِّفاقًا.
وممَّا يؤكَّد به اللعان: ما روي أنَّه ﵇ لاعَنَ بين العجلانيِّ وامرأتِهِ على المنبر (١)، فقيل: كان رسول الله على المنبر والعجلانيُّ عند
стр. 2275
المنبر، وقيل: كان العجلاني على المنبر، وقيل: بل وقع اللعانُ عند المنبر.
وإن تلاعَنَ قائمًا، فإذا انتهى إلى اللعنة، أتاه رجلٌ من ورائه، وقبض على فيه، وقال: اتَّقِ الله؛ فإنَّها موجبة، ثم تقام المرأة كذلك، فإذا انتهت إلى الغضب، أتتها امرأة من ورائها، وقبضت على فيها، وقال صاحب المجلس: اتَّقي الله؛ فإنَّها موجبةٌ للعذاب.
* * *
٢٨٨٧ - فصل في تسمية الزاني في القذف واللعان
إذا ذَكَر الزانيَ في القذف واللِّعان، سقط حدُّه وإن كان محصَنًا، وإن ذكره في القذف دون اللعان، ففي سقوطِ حدِّه قولان، فإن قلنا: لا يسقط، أعاد اللعان بشرط أن يذكرهما فيه، ثم لا يُحدُّ المقذوفُ بلعان الزوج؛ لاختصاص الزوجين باللعان.
٢٨٨٨ - فرع:
إذا قُذِف رجلٌ عند الحاكم، فهل يلزمُه إعلامه؟ فيه وجهان.
٢٨٨٩ - فرع:
يلاعِنُ العجميُّ بلسانه، ويترجِمُ عنه أربعةٌ، أو اثنان؟ فيه وجهان.
* * *
стр. 2276
٢٨٩٠ - باب ما يكون بعد لعان الزوج من الفرقة
إذا مَلَكَ المُلاعِنُ زوجته بعد اللعان، فقد قيل: لا تحلُّ له؛ لتأكُّد اللعان، وقيل: فيه وجهان، كما لو مَلَكَ المُظاهَرَ عنها.
وكلُّ لعانٍ وقع بعد البينونة، أو في نكاحٍ فاسدٍ، ففي تأبُّد حرمته وثبوتِ اللعان فيه للمرأة وجهان، فإن قلنا: تُلاعن، فامتنعت، حُدَّت، وإن قلنا: لا تلاعن، فلا حدَّ عليها.
ولعانُ الرجعيَّة يُبِينُها، ويحرِّمها على التأبيد؛ لأنَّها زوجة.
* * *
٢٨٩١ - فصل في موت أحدهما في أثناء اللعان
إذا مات الزوجُ قبل إكمال اللعان، فالنكاحُ قائمٌ، والنسبُ والإرثُ ثابتان، وليس للورثة نفيُ النسب باللعان، وإن ماتت في أثناء لعانه فله نفيُ الولد باللعان، فإن لم يكن ولدٌ، فورِثَ بعضَ الحدِّ، ففي اللِّعان خلافٌ مبنيٌّ على الخلاف في سقوط الحدِّ، فإن قلنا: لا يسقط، بَنى على اللعان إن قَصُرَ الزمان، واستأنف إن طال، وشبَّب بعضُهم بخلافٍ في البناء إذا قَصُرَ الزمان، ولا وجه له.
وخرَّج الإمام البناءَ إذا طال الزمان على الخلاف فيما إذا تقطَّعت كلِمُ
стр. 2277
اللعان في الحياة تقطُّعاتٍ اتفاقيَّةً.
* * *
٢٨٩٢ - فصل في الامتناع من اللعان
إذا امتنع الرجلُ من إكمال اللعان؛ فإن كانت محصَنة حُدَّ ثمانين إن كان حرًّا، وأربعين إِن كان عبدًا، فإن سمَّى الزانيَ في القذف، أو نَسَبَ أجنبيَّين إلى زنيةٍ واحدة، ففي تعدُّد الحدِّ قولان مرتَّبان على قذفِ شخصين بزنيتين، وأولى بالاتِّحاد؛ لاتِّحاد الفعل.
وإن امتنعت بعد لعانه رُجِمت إن كانت ثيِّبًا، وجُلدت وغُرِّبت إن كانت بكرًا، فإن ثبت الرجمُ في شدَّة حرٍّ أو بردِ ببيِّنةٍ أو لعانٍ عُجِّل، وإن ثبت بالإقرار أُخِّر إلى اعتدال الهواء، ففرَّق بعضُهم: بأنَّ الرجوع عن الإقرار مستحبٌّ طبعًا وشرعًا، بخلافِ الرجوع عن اللعان.
وقيل: في الإقرار واللِّعان قولان بالنقل والتخريج، وأبعدَ مَن طردهما في البيِّنة.
وقيل: إن ثبت بالإقرار عُجِّل قولًا واحدًا، وإن ثبت ببيِّنةٍ، أو لعانٍ فقولان، وهذه طريقة فاسدة مخالِفةٌ للجمهور.
* * *
٢٨٩٣ - فصل في اللعان عن الحمل
إذا أراد اللعان عن الحَمْلِ بعد البينونة، ففي جوازه قولان مأخذُهما: أنَّ الحمل هل يُعرف أم لا؟ وقد اتَّفق العلماء على أنَّه لا يُعرف، ومعنى
стр. 2278
الخلاف: أنَّ الحمل هل يُلْحَقُ بالمعلومات أم لا؟ وقد أوجب الشرع الخَلِفات (١)، ومنع الحدَّ والقصاص في حقِّ الحامل بناء على الظنِّ، وله نفيُ الحمل في النكاح؛ لقصَّة العجلانيِّ، وأبعدَ مَنْ طَرَد القولين، فإن جوَّزناه لم يُشترط الفورُ اتِّفاقا، وإن منعناه، فقال: مكِّنوني منه فإن ظهر حملٌ انتفى به، وإن لم يظهر تبيَّن بطلانُه، ففي إجابته وجهان، ولا وجه لإجابته مع منعنا من اللعان.
* * *
стр. 2279
٢٨٩٤ - باب ما يكون قذفًا وما لا يكون قذفًا
إذا أتت امرأته بولدٍ، فقال: ليس هذا الولدُ منِّي، أو: هذا ليس بابني، فله حالان:
إحداهما: أن يجحد ولادتَه، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن حلف انتفت الولادة والنسب، وإن نكل رُدَّت اليمين عليها.
ولو ولدت المطلَّقة لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق، وادَّعت أنَّ المطلِّق راجعها، أو وطئها بشبهةٍ، فالقولُ قولُه، فإنْ نكل لم تُردَّ اليمين.
ففرَّق بعضهم بتأكُّد قولها عند قيام الفراش، وخرَّج آخرون المسألتين على قولين، فإن قلنا: لا تُردُّ، رُدَّت على الطفل إذا بلغ، وإن قلنا: تُردُّ؛ فإن حلفت ثبتت الولادةُ، وتبعها النسب، وإن نكلت ففي الردِّ على الطفل عند البلوغ قولان ماخذُهما: أنَّ يمين الردِّ هل يَقبل الردَّ؟
٢٨٩٥ - فرع:
تثبت الولادة بأربع نسوةِ، ثم يتبعها النسبُ، ولا تثبتُ بالقيافة على الأصحِّ.
الثانية: أن يصدَّق على الولادة، وله حالان:
إحداهما: أن يقول: أردتُ نسبة الولد إلى الزنى، فحكمُه حكمُ
стр. 2280
قذف الزوجات، فإنَّ القذف يَثبتُ بالكناية مع النيَّة، فإنْ تنازَعا في النيَّة فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن كان قد نوى لَزِمَه الاعترافُ، ولم يحِلَّ له الحَلِفُ، ولو نوى ولم يطالَب: فهل يلزمُه تعريفٌ للمقذوف كما يلزمُه التعريفُ بالقصاص؟ قال الإمام: لا يلزمُه؛ فإنَّ القذف بالكناية ليس بإنشاءٍ ولا إتلافٍ حتى يثبت حكمُه في الباطن، وإنَّما هو إيذاءٌ بالنسبة إلى فاحشةٍ، فإنْ حصل بلفظ الكناية فلا حاجة إلى النيّة، وإن لم يحصل فالنيّةُ لا تزيد في تأذِّي المقذوف، ودلَّ كلام الأصحاب على أنَّ الحدَّ يثبت في الباطن، ويلزمه تعريف المقذوف.
الثانية: أن يقول: أردتُ بذلك أنَّه لا يشبهني خَلْقًا ولا خُلُقًا، فالنصُّ أنَّه يُقبل، ولو ذكر ذلك لأجنبيٍّ معروفِ النسب، وفسَّره بمثل ذلك، لم يُقبل، ويجب الحدُّ، فقيل: قولان بالنقل والتخريج أصحُّهما القبول، وفرَّق بعضهم بأنَّ ذلك من الأب محمولٌ على التأديب، بخلاف الأجنبيِّ.
فإن قَبِلْنا من الأب حلف، فإنْ حلف عُزِّر، وإن نكل رُدَّت اليمين عليها، فإن نكلت كان نكولُها كحَلِفه، وإن حلفت ثبت القذفُ والحدُّ، وله أن يلاعن عند الأصحاب.
وقال الإمام: إنْ جدَّد قذفًا آخر لاعَنَ، وإن لم يجدِّده كان كمن أنكر القذف، فقامت به البيِّنةُ، فأراد أن يلاعن من غيرِ قذفٍ جديد، فإن منعنا الحدَّ واللِّعان، فالوجهُ ألا يلاعن لدفع التعزير، فإنَّ تعزير الكناية يجبُ لِمَا فيها من الأذى، واللعانُ لا يتعلَّق بكلِّ أذّى، وإنَّما يتعلَّق بعقوبة النسبة إلى الزنا.