وهذه الصورُ متَّفق عليها عند الأصحاب، بخلاف نظائرها في دعوى الرجعة.
* * *
٢٩٤٨ - فصل في دعوى الولادة بعد العدَّة
إذا ولدت المطلَّقةُ لأربع سنينَ فأقلَّ من حين الطلاق، ثبت النسبُ وإن حكم الحاكم بانقضاء العدَّة بقولها؛ إذ لا يُقبل قولُها في حقّ الأولاد، وابتداءُ الأربع من حين الطلاقِ إن كان بائنًا، وإن كان رجعيًّا: فمن وقت الطلاق، أو من وقت انقضاء العدَّة؟ فيه قولان، فإن حسبنا المدَّة من حين انقضاء العدَّة لحقه الأولاد، ولو إلى عشرين سنة، ما لم يُقرَّ بانقضاء العدَّة، وبمضيِّ أربع سنين من حين الإقرار، وأبعدَ من قال: إذا مضى بعد الطلاق أربعُ سنين وثلاثةُ أشهر فلا إلحاق.
٢٩٤٩ - فرع:
إذا قال: إنْ ولدتِ فأنتِ طالق، فولدتْ ولدين بينهما ستَّةُ أشهرٍ، انتفى الثاني بلا لعان، وفي انقضاء عدَّة الأوّل به ثلاثة أوجه:
أصحُّها: الانقضاء.
والثالث: إن ادَّعت على الزوج وَطْأً مُحْتَرَمًا بعد ولادة الأول فالقولُ قولُه مع يمينه في نفي الوطء، ولا لعان، وتنقضي به العدَّة، وإن لم تدَّع ذلك لم تنقَضِ العدَّة.
ولو وضعت الثاني لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق، فادَّعت أنَّ
стр. 2312
الزوج راجَعَها أو نكحها بعد البينونة، وأعلقها بذلك الولدِ، سُمعت الدعوى اتِّفاقًا، والقولُ قولُ الزوج، فإن حلف انتفَى الولدُ بغير لعانٍ، وإنْ نكل فالأصحُّ أنَّا نردُّ اليمين عليها؛ لأنَّها قائمةٌ بنفقة الولد، وتستفيد بذلك دفعَ النفقة عن نفسها، وإئما اتَّفقوا على سماع الدعوى مع الاختلاف في ردِّ اليمين من جهةِ أنَّ الدعوى تُسمع ممَّن لا يحلف؛ كوليِّ الطفل، والوكيل بالخصام.
* * *
٢٩٥٠ - فصل فيمن تزوَّجت بعد العدَّة وولدت
إذا تزوَّجت بعد العدَّة، ثمَّ ولدت لدون ستَّة أشهر من النكاح الثاني؛ فإن كان لأقلَّ من أربع سنين من حين الطلاق لحق بالأوّل، وبطل النكاح، وإن كان لأكثرَ من الأربع؛ لم يلحق بواحدٍ منهما، ولا يُحكم بأنَّه من زنا، وإن وضعته لأقل من أربع سنين من الطلاق، ولستَّة أشهر من نكاح الثاني، لحق بالثاني؛ إذ لا يجوز فسخُ نكاحه بالاحتمال، ولو تزوَّجت في عدَّتها على ظنِّ الانقضاء فولدت، فإن لم يُحتمل اللحوق بأحدهما لم يلحق، وإن احتمل أن يلحق بأحدهما دون الآخر لحقه، وإن أمكن اللحوقُ بهما عُرض على القافة، كما لو وُطئت المنكوحة بالشبهة، فإنَّ العرض على القائف لا يؤدِّي إلى فسخ نكاح بالاحتمال.
* * *
٢٩٥١ - فصل في ثبوت الفراش مع فساد النكاح
إذا فسد النكاح لشبهةٍ فظاهِرُ المذهب أنَّ الفراش يثبت بأوَّل وَطْأةٍ،
стр. 2313
وهل يرتفعُ بالتفريق، أو بآخِرِ وطأةٍ؟ فيه خلافٌ، وقال القفَّال الشَّاشيُّ: يثبت بالعقد، ويرتفعُ بآخر وطأةٍ، وهل يثبتُ بالعقد وإمكانِ الوطء، أو يقف على الإقرار بالوطء؟ فيه وجهان يلتقيان على الخلاف في وقتِ ثبوتِ الفراش، فإنْ وقفناه على الإقرار، فادَّعى الاستبراء بعد الوطء، فلا أثر له، وأَبعدَ مَن ألحقه بدعوى الاستبراء في ملك اليمين.
* * *
стр. 2314
٢٩٥٢ - باب لا عدَّة على من لم يُدخل بها
المذهب الظاهر أنَّ الخلوة لا تقرِّر المهر، ولا توجِبُ العدَّة، وقال في القديم: تقرِّر المهر، وتوجِبُ العدَّة مع الصوم والإحرام والجَبِّ والرتَق، وفي الجَبِّ والرتَق احتمالٌ، ويتَّجه الفرقُ بين الجَبِّ والرتَق؛ فإنَّ السَّليمة إذا مكَّنت المجبوب فالمنعُ مختصٌّ به.
* * *
стр. 2315
٢٩٥٣ - باب العدَّة من الموت والطلاق والزوج غائب
إذا مات الغائب، أو طلَّق، فلم تشعر المرأة بذلك حتَّى انقضت العدَّة، حلَّت للأزواج؛ إذ لا يُشترط عِلْمُها بالعدَّة.
* * *
стр. 2316
٢٩٥٤ - باب عدَّة الإماء
الأحكام على ثلاثة أقسام:
الأوّل: ما لا يختلف بالرقِّ والحرِّيَّة؛ كانقضاء العدَّة بالوضع، والأيمان، والصوم، والصلاة، وكثير من العقوبات.
الثاني: ما يختصُّ بالأحرار، كالإرث، والشهادة، والولاية، ووجوب الحجِّ، والجمعة.
الثالث: ما يشتركون فيه وينقصُ الرقيقُ بنصفه، كالحدِّ، أو بثُلُثيه (١)، كالأقراء والطلاق، فتعتدُّ الأمة بقرءين، فإن كانت من ذوات الأشهر، فبشهرٍ ونصفٍ، أو شهرين، أو ثلاثة أشهر؛ فيه أقوال، ثالثها مخرَّج من الاستبراء.
٢٩٥٥ - فرع:
إذا عَتَقَتْ في العدَّة، فإن كانت بائنًا بَنَتْ على عدَّة الإماء في القديم، وفي الجديد قولان، وإن كانت رجعيَّةَ بنت على عدَّة الحرائر في الجديد، وفي القديم قولان، والاعتبارُ في العدَّة برِقِّها وحرِّيَّتها اتِّفاقًا، بخلاف الطلاق.
* * *
стр. 2317
٢٩٥٦ - فصل في الطلاق في العدَّة وبعد الرجعة
إذا رجع، ثم وطئ وطلَّق؛ فإن كانت حاملًا اعتدَّت بوضع الحمل، وإن كانت حائلًا استأنفت العدَّة، وإن راجع، ثم طلَّق قبل الوطء؛ فإن كانت حاملًا انقضت العدَّةُ بالوضع اتِّفاقًا، وإن كانت حائلًا فهل تبني على العدة، أو تستأنف؟ فيه قولان، فإن قلنا بالبناء؛ فلو راجَعَ في الطهر الثالث، ثم طلَّق في الحيض، انقضت العدَّةُ بالرجعة عند القفَّال، فإنَّ أوّل الطهر قرءٌ، كآخِرِه، وقال أبو محمد: يلزمها قرءٌ آخر، فإنَّ أوَّل الطهر لا يُحتسب قرءًا؛ لأنَّه لم يتَّصل بالحيض في وقت التربُّص، بخلاف آخره.
ولو طلَّق الحامل، وراجعها فوضعت، ثم طلَّقها قبل الدخول، فإن قلنا بالاستئناف اعتدَّت بثلاثة أقراء، وإن قلنا بالبناء فوجهان:
أحدهما: تعتدُّ بثلاثة أقراء؛ إذ لا عبرة بما وقع في النكاح.
والثاني: لا يلزمُها التربُّصُ أصلًا؛ لتعذُّر الاستئناف.
٢٩٥٧ - فرع:
إذا نكح المختلعة في العدَّة، وطلَّقها قبل الدخول، وجب لها نصفُ المهر، وبَنَتْ على عدَّة الخلع اتِّفاقًا، وإن مات قبل الدخول، وهي من ذوات الأقراء، فهل تَدخل بقيَّةُ الأقراء في عدَّة الوفاة؟ فيه وجهان.
٢٩٥٨ - فرع:
إذا طلَّق الرجعيّة في العدَّة ففيه طريقان:
إحداهما: القطعُ بالبناء.
стр. 2318
والثانية: في الاستئناف قولان.
وإن تخالَعا، وقلنا: يصحُّ خلع الرجعيّة؛ فإن جعلناه طلاقًا ففيه الطريقان، وإن جعلناه فسخًا فهو على الطريقين عند المراوزة، وقطع العراقيُّون بالبناء.
* * *
стр. 2319
٢٩٥٩ - باب عِدَّة الوفاة
تجب عِدَّةُ الوفاة قبل المسيس وبعده، فإنْ كانت حاملًا اعتدَّت بالوضع، فإنْ وضعته على الفور، وتزوَّجت، فلها تغسيلُه عند الأصحاب، وفيه احتمالٌ، وإن كانت حائلًا؛ فإن كانت حرَّةً اعتدَّت بأربعةِ أشهرٍ وعشرةِ أيَّامٍ مع لياليها، وإن كانت أمةً فبشهرين وخمسةِ أيَّامٍ مع الليالي، فإن مات وقد بقي من الشهر عشرةُ أيّام كاملة اعتدَّتْ بها، وبأربعةِ أشهرٍ هلاليّةٍ بعدها، وإن بقي من الشهر أقلُّ من العَشْر أو أكثر فقد انكسر، وحكمُه قد تقدَّم.
* * *
٢٩٦٠ - فصل فيمن طلَّق إحدى امرأتيه ومات قبل البيان
إذا طلَّق إحدى امرأتيه، ومات قبل البيان؛ فإن كان قبلَ الدخول فعلى كلِّ واحدة أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، وإن دخل بهما، فإن كانتا من ذوات الأشهر اعتدَّت كلُّ واحدةٍ بأربعة أشهر وعشرٍ، وإن كانتا حاملتين اعتدَّتا بالوضع، وإن كانتا من ذوات الأقراء لَزِمَ كلَّ واحدةٍ أكثرُ: من أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ، أو الأشهرُ، وابتداء الأشهر من الموت، وابتداء الأقراء من الطلاق، أو الموت؟ فيه وجهان.
وإن دخل بإحداهما دون الأخرى، فعلى التي لم يدخل بها أربعةُ أشهرٍ
стр. 2320
وعشرٌ، وتعتدُّ الأخرى بالوضع إن كانت حاملًا، وبأربعةِ أشهر وعشرٍ إن كانت من ذوات الأشهرِ، وبأقصى الأجلين إن كانت من ذوات الأقراء.
* * *
стр. 2321
٢٩٦١ - باب مقام المطلَّقة والمتوفى عنها زوجها
كلُّ مَن لزمها العدَّةُ بغير نكاحٍ صحيحٍ فلا سُكْنَى لها، كالموطوءة بالشبهة، أو النكاحِ الفاسد؛ فإن كانت حاملًا ففي النفقة قولان، فإن قلنا: تجب، وجبت السكنى على أظهر الوجهين، وكذلك حكمُ استبراء أمِّ الولد إذا عَتَقَتْ بموت السيِّد، أو إعتاقه.
ولا نفقة في عدَّة الوفاة لحاملٍ ولا حائلٍ، وفي السُّكنى قولان، وأمَّا فُرقةُ النكاح الصحيحِ في الحياة فلها أحوال:
الأولى: فُرقة الطلاق، فتجب فيها النفقةُ للرجعيَّة، والسُّكنى لكلِّ مطلَّقةٍ، ولا نفقةَ للبائن إن كانت حائلًا، وإن كانت حاملًا وجبت النفقة، وهي لها، أو لحملها؟ فيه قولان.
الثانية: انفساخ النكاح بإرضاع من أجنبيٍّ، أو ردَّةٍ من الزوج، أو إسلامٍ من أحدهما، ففي السُّكنى قولان.
الثالثة: انفساخ بارتضاعها، أو بفسخ أحد الزوجين لمعنًى في الآخر، ففيه طريقان:
إحداهما: أنَّه كالانفساخ بالإسلام.
والثانية، وهي المشهورة: إن كانت حائلًا فلا سُكنى لها ولا نفقة، وإن
стр. 2322
كانت حاملًا، ففي وجوبها خلافٌ مبنيٌّ على القولين في أنَّ النفقة للحمل، أو الحامل.
٢٩٦٢ - فرع:
إذا طلقت الأمة؛ فإن كانت في منزل السيِّد، فإن سلَّمها ليلًا ونهارًا وجبت النفقة، وأمَّا السُّكنى، فإن جعلنا للزوج حقَّ الإسكان لزمه السُّكنى في العدَّة، وإن جعلناه للسيِّد فالأصحُّ أنَّ منزل السيِّد لا يتعيَّن للعدَّة، فيلزم الزوجَ مؤونةُ مسكنٍ يعيِّنه السيِّد، وإن سلَّمها ليلًا، واستخدمها نهارًا؛ فإن أوجبنا نفقةَ النكاح فهل تجبُ مؤونةُ مسكن السيِّد، أو مسكنٍ يعيِّنه؟ فيه الوجهان، وإن لم نوجب النفقةَ فلا سُكنى لها في العدَّة.
٢٩٦٣ - فرع:
إذا بانت الناشزةُ بموتٍ أو طلاقٍ فلا نفقة لها، وكذلك السُّكنى عند القاضي، وقال الإمام: يَلزمُها ملازمةُ مسكن النكاح رعايةً لحقِّ الله، فإن لم يكن للنكاح مسكنٌ، فأقلعت وطلبت المسكنَ، ففيه احتمالٌ؛ لتعذُّر الطاعة بعد البينونة.
٢٩٦٤ - فرع:
إذا أوجبنا السُّكنى في عدَّة الوفاة، فكانت صغيرةً، ففي وجوب السُّكنى قولان.
* * *
٢٩٦٥ - فصل في ملازمة المسكن في العدَّة
إذا كان مسكنُ النكاح مِلْكًا للزوج، أو مأجورًا معه، أو مستعارًا، لزمها
стр. 2323
ملازمتُه إلى انقضاء العدَّة، ولا يحلُّ له إخراجُها، وليس لها أن تخرج بإذنه، فإن كان مسكنُ النكاح دون حقِّها، فطلبت في العدَّة سُكنى مثلِها، فلها ذلك، ولو كان المسكنُ فوق حقَها فللزوج نقلُها إلى سكنى مثلِها، ولا يجوز نقلها عن البلدة، وقال القاضي: يجب نقلُها إلى أقرب مساكن البلدة إن أمْكَنَ، وقال الإمام: لا يجب ذلك، ولا يُستحبُّ (١).
٢٩٦٦ - فرع:
إذا لم يكن للنكاح مسكنٌ، أو كان المسكنُ مستعارًا، فرجع المُعير، وجب على الزوج مؤونةُ مسكنٍ يليقُ بها، وتعيينُه إلى الزوج، ويلزمُها ملازمتُه كمسكن النكاح.
٢٩٦٧ - فرع:
إذا احتاج الزوج إلى بيع مسكن النكاح لفَلَسِه، لم يسقط حقُّها من سُكناه؛ لأنَّه تعيَّن لذلك تعيُّنَ الرهن للمرتهن، فإنْ أراد بيعه؛ فإن كانت حاملًا، أو من ذوات الأقراء، لم يصحَّ، وإن كانت من ذوات الأشهر، فإن لم يتوقَّع الحيض في الأشهر فعلى قولي بيع المأجور، وأبعدَ مَن قطع بالبطلان لتوقُّع موتها قبل المدَّة، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ التصرُّفات مبنيَّةٌ على بقاء الحياة، كالسَّلَم والبيع، وإن توقَّعنا الحيضَ في الأشهرِ، فقد خرَّجه بعضُهم على الخلاف، وقطع آخرون بالبطلان، فإن قلنا: يصحُّ، فحاضت في الأشهُر،
стр. 2324
فقد ألحقه الإمام باختلاط الثمار المَبيعةِ قبل القبض.
ولو قال المشتري: وطَّنت نفسي على أكثر مدَّة الحمل، ورضيتُ بذلك، لم يصحَّ البيع؛ لأنَّ تعهُّدات العقود لا تَسقُطُ بالرِّضا، كما لو قال: بعتُكَ بما باع به فلانٌ ثوبَه، وعلِمَ أنَّه لم يَزِدْ على ما به، فوطَّن نفسَه عليها، ولو كانت عادتها في الأقراء متَّسقةً لم يصحَّ البيع، فإنَّ الغرر يتحقَّق بنقصِ يومٍ أو يومين، وليس ذلك بنادرٍ.
٢٩٦٨ - فرع:
إذا حُجر عليه بالفَلَس حيث لا مسكنَ للنكاح، فإن كانت من ذوات الأشهر ضارَبَتْ بأجرة ثلاثة أشهر، وإن كانت من ذوات الأقراء، فإن اضطربَتْ عادتُها ضاربت بأجرةِ أقلِّ ما يُمْكِنُ انقضاءُ العدَّة به، وإن كانت مستقيمةً فالمذهبُ أنَّها تضارب بقَدْرِ العادة.
وقيل: بالأقلِّ؛ لأنَّه المتيقَّن. وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّا لا نسُلِّم ذلك إليها، ولا نمكِّنها من التصرُّف فيه، بل نَقِفُه على ما تبيَّن.
وإن كانت حاملًا ضاربت بتسعة أشهر، وقيل: بل بستَّة أشهرٍ، وهذا هاهنا أبعدُ؛ لتعذُّر اليقين، فإنَّها قد تُجْهِضُ في أثناء الستَّة، ومع ذلك فلا تقفُ مؤونةُ الستَّة، ولا تضارِبُ بمؤونة أربع سنين اتِّفاقًا.
ولا تُخرَّج مؤونةُ السُّكنى على اجتماع حقِّ الخالق والمخلوق، فإنَّ حقَّ الخالق في نفس السكنى، ولذلك يجوز لها أن تتبرَّع بالمؤونة.
٢٩٦٩ - فرع:
إذا انقضت العدَّة بأقلَّ من العادة، رَدَّت الفاضلَ على الغرماء.
стр. 2325
وإن ادَّعت زيادة الحمل أو الأقراء على العادة؛ فإنْ صدَّقها الغرماءُ ضارَبَتْ بالزيادة، وردُّوها عليها، وإن لم يصدِّقوها ففي قبول قولها أوجهٌ؛ ثالثها: القبولُ في الحمل دون الأقراء؛ إذ لا أمد للأقراء.
وقال الإمام: إن صدَّقوا على الحمل، ونازعوا في الولادة، فالقولُ قولها، وإن لم يصدِّقوا على الحمل ففيه الأوجُهُ.
ولو ادَّعت حيث لا غرماء زيادةً على المعهود في الحمل أو الأقراء، فقد دل كلامهم على القبول اتِّفاقًا؛ إذ ليس هاهنا قسمة يَعْسُرُ نقضُها، وفيه احتمالٌ؛ فإنَّها تدَّعي التأخير إلى سنِّ اليأس، وفيه إجحافٌ عظيم.
* * *
٢٩٧٠ - فصل في مساكنة الزوجين في العدَّة
الخلوةُ بالمعتدَّة حرامٌ على الزوج وإن كان الطلاقُ رجعيًّا، ثم إنِ اتَّحدت مرافقُ المسكن مع اتِّساعه حَرُمَتِ المساكنةُ، فإنْ تراضَيَا بالمساكنةِ لم يَجُزْ إلا أن يكون معهما مَن يحتشمه الزوجُ على ما سنذكره، والمَرافق هي: المطبخُ، وبئرُ الماء، والمُستراحُ. وإن تعدَّدت المرافقُ جازت المساكنةُ؛ لعدم الخلوة.
فإذا كان في الدار حجرةٌ لها مرافقُ غيرُ مرافقِ الدار، فسكنت الحجرة، وسكن الدار، فإن كان بابُ الحجرة مغلقًا جاز، وإن لم يكن لها بابٌ، وبابُ الدار مغلقٌ، فهذه خلوةٌ محرَّمةٌ وإن كان لا يراها، وهكذا لو كان للحجرة أبوابٌ وأغلاقٌ، ولكنَّ مرافقها في الدار.
وإذا اتَّحدت المرافق، فكان معه جاريتُه، أو زوجتُه، أو مَحْرَمٌ لها أو
стр. 2326
له، فلا خلوةَ، وإن كان معهما مجنونٌ أو صبيٌّ لا يميّز، فلا حكمَ لوجوده، وإن كان مميِّزًا يحكي ما يشاهدُ فالظاهرُ الجواز.
ولو خلا رجلٌ بنساءٍ أجانبَ، أو معتدَّاتٍ، ففي جوازه وجهان يجريان فيما إذا خلا بأجنبيتين أو معتدَّتين.
ولو خلا رجلان بامرأةٍ لم يَجُزْ على ظاهر ما ذكره الأصحاب، ولذلك لا يَلزمُ المنفردةَ الخروجُ للحجِّ، وفي جماعة النساء خلافٌ.
٢٩٧١ - فرع:
إذا ساكنها مساكنةَ خلوةٍ برضاها، فإن كان معهما مَن يَمنع وجودُه من الخلوة، جاز وإن اتَّحدت المرافقُ، وإن لم يكن معهما مَن يَمنع وجودُه الخلوةَ، فهو عاصٍ بالمساكنة.
* * *
٢٩٧٢ - فصل في السُّكنى في عدَّة الوفاة
إذا أوجبنا السُّكنى في عدَّة الوفاة؛ فإن كان للنكاح مسكنٌ وجبت ملازمتُه، وإن لم يكن وجبت مؤونةُ السُّكنى على ما تقدَّم في المفلس؛ لأنَّ الميت كالمفلس، وإن لم نوجب السُّكنى، فإن تبرَّع الوارثُ بالمؤونة، أو بمسكنِ النكاح، فإن كانت العدَّةُ مبنيَّةً على شَغْلِ الرَّحِم مثل أن أبانها، ومات في العدَّةِ لزمها أن تسكن حيث يعيِّن الوارثُ، وإن لم تترتَّب على شَغْلِ، فإن كانت عدَّةَ الوفاة؛ لزمها أن تسكن حيث يعيِّن الوارثُ إن كان بعد الدخول، وإن كان قبل الدخول فوجهان، فإن قلنا: لا يجبُ، لزمها أن تسكن سكونَ المعتدَّات؛ رعايةً لحقِّ الله.
стр. 2327
فإن لم يكن وارثٌ، أو كان ولم يتبرَّع، لم يجز للسلطان إسكانُها من بيت المال إلا أن تكون محتاجةً، فيُسكنها رعايةً لحقّ الله تعالى، فإن كانت تُزنُّ بريبةٍ (١)، لزمه تحصينُها بمسكنٍ مراقَب.
* * *
٢٩٧٣ - فصل فيمن أذن لزوجته في النُّقلة، ثم طلَّقها
إذا أذن في النُّقلة من دارٍ إلى أخرى، والبلدةُ واحدة، ثم طلَّقها، أو مات، فالاعتبارُ في النُّقلة ببدن المرأة دون المتاع، فإنْ صادفها الطلاقُ في الأولى بعد نقل المتاع، أو في الثانية قبل نقل المتاع، لزمها العدَّة حيث صادفها الطلاقُ، فإن صادفها بين الدارين، فهل تتعيَّن الأولى، أو الثانية، أو تتخيَّر؟ فيه ثلاثةُ أوجه، ولو تردَّدت بين الدارين لنقل المتاع، فصادفها الطلاقُ في بعض دخلات الأولى، وقد دخلت إلى الثانية بنيَّه الانتقال، تعيَّنت، وإن لم تنوِ بشيءٍ من دخلاتها الانتقالَ، ففيه احتمال، وإن صادفها في الثانية تعيَّنت، وإن لم تنوِ بتلك الدخلة الانتقال.
* * *
٢٩٧٤ - فصل في السفر لغرضٍ متأكِّدٍ
إذا أذن في السفر لغرضٍ مؤكَّدٍ، كالزيارة المستحبَّة في الشرع، والتجارة، فصادفها الطلاقُ في البلدة قبل أن تنتهي إلى الحدِّ المثبِت لرُخَص السفر، لزمها الرجوعُ في أصحِّ القولين؛ فإنَّ الاعتبار بالبلد، ولذلك يتعيَّن
стр. 2328
إذا لم يكن للنكاح مسكنٌ.
ولو أذن في الخروج إلى دارٍ أخرى لغرضٍ متأكِّدٍ، ثم طلَّق، وجب الرجوعُ اتِّفاقًا سواءٌ عيَّنَ لها مدَّةً في الإقامة، أو أطلق.
ولو بلغها خبرُ الموت أو الطلاق بعد مفارقة البلدة، فلها المسافرةُ إلى إتمام الغرض اتِّفاقًا وإن انقضت العدَّة في السفر، وطال الزمان، ومتى تمَّ الغرض، فإن علمتْ أنَّها لو رجعت لأدركت بعض العدَّة في مسكن النكاح لزمها ذلك، وإن علمت أنَّها تنقضي في الطريق لزمها إتمامُ العدَّة في بلد الغربة على الأصحِّ، وإنْ جَوَّزتِ الأمرين احتُمل تخريجُه على الخلاف.
٢٩٧٥ - فرع:
إذا تمَّ الغرض قبل ثلاثة أيام فلها إكمالُ الثلاثة، وإن تمَّ بعد الثلاثة لم يَجُزِ التعريجُ على شيءٍ إلا إذا فقدت الرفقةَ، فلا يجوزُ لها التغريرُ بنفسها، كما لا يلزمُها تحمُّلُ مشقَّةٍ تَزيدُ على الاقتصاد المعتاد.
* * *
٢٩٧٦ - فصل في السفر لغرض غير متأكِّدٍ
إذا أذن في السفر لغرضٍ غير متأكِّدٍ، كالنزهة، فبلغها الموتُ أو الطلاق في أثناء السفر، ففي وجوب الرجوع قولان.
ولو أذن لها في إقامةِ مدَّةٍ معيَّنةٍ، فبلغها الفراقُ في أثنائها، ففي جواز إتمامها القولان، ولو بلغها الخبر قبل إتمام غرض التجارة، فلها الإقامةُ إلى إكمال الغرض.
стр. 2329
فإن أذن لها أن تقيم مدَّةً في الزيارة، أو بعد نجاز التجارة، فبلغها الخبرُ في أثنائها ففي وجوب الانصراف قولان؛ لأنَّ الأصل الزيارةُ، وقد حصل، فصار الزائدُ بمثابة النزهة.
* * *
٢٩٧٧ - فصل في سفر النُّقلة
إذا أذن في الانتقال إلى بلدٍ آخر، فصادفها الطلاقُ فيه، وجبت ملازمتُه، وإن بلغها الخبرُ بين البلدين، فأرادت الإقامةَ في بلدةٍ في الطريق لتقضي فيها العدَّة؛ لم يجز اتِّفاقًا، وهل يتعيَّنُ البلدُ الأوّلُ، أو الثاني، أو تتخيَّر؛ فيه الأوجه الثلاثة.
٢٩٧٨ - فرع:
إذا أذن في نذرِ اعتكافٍ مدَّةً متتابعةً، فشرعت فيها بإذنه، فطلَّقها، ففي وجوب قطع الاعتكاف قولان، فإن واجب الشرعِ آكَدُ من واجب النذر، فإن أوجبنا القطع، ففي انقطاع التتابُعِ قولان، وعلَّل الإمامُ بقطع التتابع، وقال: إن قلنا: ينقطع التتابُعُ لم يجب قطعُ الاعتكاف، وإن قلنا: لا ينقطع، وجب.
٢٩٧٩ - فرع:
إذا سافرت مع الزوج، فمات في الطريق أو طلَّق قبل إكمال الغرض، لزمها الرجوعُ إلى مسكن النكاح.
ولو أذن في الحجِّ، وطلَّق بعد مفارقة البلد، فلها المسافرةُ لتحجَّ، وإنْ لحقها الطلاقُ في البلد لزمها الرجوعُ، فإن أحرمتْ في البلد، ثم طلَّق
стр. 2330
قبل مفارقته، فإنْ ضاق الوقتُ سافرت لذلك، وإن اتَّسع، أو كان الإحرامُ بعمرةٍ، فالأصحُّ جوازُ السفر؛ لِمَا في مصابرة الإحرام من المشاقِّ.
* * *
٢٩٨٠ - فصل في الاختلاف في المسكن
إذا صُودفت المطلقة ببلدةٍ، أو مسكنٍ، أو قريةٍ، فطالبها الزوجُ بالرجوع إلى مسكن النكاح، فقالت: أَذِنْتَ في النُّقلة إلى هذا المكان، فإن اتَّفقا على أنَّه قال: انتقلي إلى ذلك المكان، فالقولُ قولُها، وإن اتَّفقا على أنَّه قال: اخرجي مسافرةً، فالقولُ قولُه، وقولُ وريثه مِن بعدِه، وإن اتَّفقا على أنَّه قال: اخرجي، أو: سيري، أو: اذهبي، ولم يقيِّده بسفرٍ ولا انتقالٍ، فقولان؛ إذ الأصلُ عدمُ الإذن، ولكن حصولها في ذلك المكان بمثابة البدء في الخصومات.
وإن اختلفا في أصل الإذن، فكلامُهم يشير إلى أنَّ القول قولُه، ولا يبعد أن يجري على الخلاف في دعوى الاستعارة.
* * *
٢٩٨١ - فصل في عدَّة البدويَّة والبحريَّة
إذا كانت المعتدَّةُ بدويَّةً؛ فإن كانت من قومٍ مقيمين لزمَتْها الإقامةُ، وإن كانت من قومٍ ينتجعون انتقلت حيث ينتقلون، وكان ذلك كملازمة المسكن في الحضر، فإن سارت معهم، ثم أرادت المقام في أثناء المسير في مكانٍ أو قريةٍ، فلها ذلك.
стр. 2331
وإن انتقل أهلُها دون الأجانب، فإن خافت على نفسها وجب الانتقال، وإنْ أَمِنَتْ، ولكنِ استوحشتْ لفراقهم، فالمذهبُ تخييرُها بين الإقامة والانتقال، وفيه احتمالٌ، ولو أقام أهل الزوج؛ لم يجز مفارقةُ المخيَّم اتِّفاقًا.
ولو خرج أهلُها بنيَّة العود عن قربٍ، لم يجز الخروج؛ لانتفاء الاستيحاش.
وامرأةُ صاحب السفينة إن كانت من قومٍ عادتُهم التردُّدُ في البحر، فهي كالبدويَّة، وإن لم تكن كذلك، بل ركبت لشُغلٍ، فهي كمسافِرةٍ مات زوجُها في أثناء الطريق، فإن تعذَّر عليها الرجوعُ لمشقَّةٍ أو تغريرٍ، لم يلزمها، وإن أَمْكَنها فعلى التفاصيل السابقة في المُسافِرةِ.
فإن كان في السفينة قطائعُ تَشتمِلُ في كل واحدةٍ منهنَّ على مرافقَ سكنَتْ في إحداهنَّ، وحُكْمُ الخلوة على ما سبق، وإن لم يكن كذلك، وأَمْكَنَ الزوجَ الانتقالُ إلى سفينةٍ أخرى لزمه ذلك.
٢٩٨٢ - فرع:
إذا غاب الزوج وليس لها مسكنٌ، اكترى الحاكم من مال الزوج مسكنًا يليق بها، فإنْ لم يكن له مالٌ، فله أن يقترِضَ عليه، أو يأذنَ لها في الاقتراض.
* * *
стр. 2332
٢٩٨٣ - باب الإحداد
يجب الإحدادُ في عدَّة الوفاة اتِّفاقًا، ولا يجب على الرجعيَّة، ولا على أمِّ الولد بموت السيِّد، ولا على الموطوءة بالشبهة اتِّفاقًا، وفي المطلَّقة البائن قولان.
وفي انفساخ النكاح طريقان:
إحداهما: لا يجبُ، وإليه ميلُ الأكثرين.
والثانية: فيه القولان.
ولا فرق في الإحداد بين الحرَّة والأمة، والكتابية والمسلمة، وكذلك الصغيرةُ والمجنونةُ يجب على وليِّهما القيامُ بمنعهما، ولا يجوزُ الإحدادُ لغير هؤلاء إلا على القريب في قَدْرِ ثلاثة أيام، ولا يختصُّ بالنساء، وتركُه أولى، ولا يُحَرَّمُ الإحدادُ إلا بالنيّة، كما في السجود بين يدي الصنم.
* * *
٢٩٨٤ - فصل في بيان الإحداد
يتعلَّق الإحدادُ ببدن المرأة دون منزلها وخدمها، فيَحرمُ عليها من الطِّيب ما يحرم في حال الإحرام، وكذلك ترجيلُ الرأس واللحية بالأدْهان، وكذلك
стр. 2333
الحليُّ حتى خاتمُ الذهب، وأجاز الإمامُ خاتم الفضَّة؛ لجوازه للرجال، وتردَّد في اللآلئ؛ إذ لم يثبت تحريمُها على الرجال.
ولها لبسُ ما يجوز لبسُه للرجال إلا ما صُبغ بصِبغٍ مستحسَنٍ برَّاق، فيَحْرُمُ إن كان متوسِّطًا أو رفيعًا، وإن كان غليظًا فقولان، ولا بأس بصبغٍ لا يقصَدُ به الزينةُ، كالأسود الكمِد، والأكْهَب الكدِر.
وقال أبو إسحاق: لا بأس بما يُصبغ بعد النسج. ولا وجه لِمَا قال.
٢٩٨٥ - فرع:
إذا لم يُصبغ الحرير؛ جاز لبسه عند العراقيِّين، ومَنَعَه المراوزةُ، وإن كان في الكحل زينةٌ حرم، وإلا فلا، ونصَّ الشافعيُّ على جواز الإثمد، واتَّفقوا على أنَّه أراد بذلك العربيَّات؛ لغلبة السُّمرة على ألوانهنَّ، والكحلِ على أعينهنَّ، وحرَّموه على البِيْض.
٢٩٨٦ - فرع:
إذا احتاجت إلى كحلِ زينةٍ لرمدٍ، اكتحلت بالليل، ويجب غسلُه بالنهار إلا أن تحتاج إليه، أو إلى الطِّيب بالنهار، فيجوزُ لها ذلك، ولا بأس بالاستحداد والغُسل، وإزالةِ الأوساخ، وفي تصفيفِ الطُّرر وتجعيدِ الأصداغ توقُّفٌ للإمام، والظاهر جوازُه، ولا نصَّ فيه للأصحاب.
٢٩٨٧ - فرع:
إذا تركت الإحداد وملازمةَ المسكن بغير عذرٍ عَصَتْ، وانقضتِ العدَّة.
* * *
стр. 2334
٢٩٨٨ - فصل في مفارقة المسكن بالأعذار
لا يجوز للمبتوتة، ولا للمتوفَّى عنها زوجُها أن تخرج في العدَّة إلا لضرورةٍ، أو حاجةٍ يَظْهَرُ الضررُ بتركها، ولو توالت لأفضَتْ إلى الضرورة، فإن تعلَّقت الحاجةُ بالأكل والشرب واللباس، أو مَرَمَّةِ مِلْكٍ قد استرمَّ، فلا تخرج إلا أن تَعْجِزَ عن التوكيل، فإنْ ندرتِ الحاجةُ جاز الخروجُ عند خيفةِ الضَّياع، وامتنع فيما يتعلَّق بالزيادة، كالعمارة والتجارة والزيارة، ولو أشرف المالُ على الضياع بحيث تحتاجُ في حفظه إلى السفر، جاز السفرُ إن كان له (١) خطر.
٢٩٨٩ - فرع:
قال الأئمَّة: إذا وقعت حاجةٌ ليليَّةٌ جاز الخروج بالليل، وإن كانت ممَّا يُفعل بالليل والنهار حَرُمَ الخروجُ بالليل، وجاز بالنهار.
٢٩٩٠ - فرع:
إذا وجبت النفقة في العدَّة، فانقطعت عنها، فإنْ قَدَرتْ على النفقة من مالها لم يجز الخروج، بخلافِ نظيره في الزوجة؛ لأنَّ الملازَمة في العدَّة حقُّ الله ، بخلافِ المُلازَمةِ في صلب النكاح، ولذلك لو أذن لها في الخروج في العدَّة لم يجز، ولو اْذن للمنكوحة لجاز، ويجوزُ للخليَّة أن تخرج لغيرِ حاجةٍ إن لم تتعرَّض لآفةٍ.
* * *
стр. 2335
٢٩٩١ - باب اجتماع العِدَّتين والقافة
إذا وطئ الزوج الرجعيَّة عمدًا، أو البائنَ لشبهةٍ، لزمها استئناف العدَّة، فإن اتَّفقت العدتان، فكانتا بالشهور، أو الأقراء، اندرجت بقيةُ عدَّة النكاح في عدَّة الوطء، وله الرجعةُ فيما بقي من عدَّة النكاح، ولا رجعةَ له في عدَّة الوطء، وإن كانت بائنًا فله أن ينكحها في عدَّة الوطء وعدَّة النكاح.
وإن كانت إحدى العدَّتين بالحملِ تداخَلَتا على الأصحِّ، فتنقضي العدَّتان بالوضع، وله الرجعةُ إلى أن تضع، سواءٌ كان الحملُ من وطءِ الشبهة، أو النكاح.
وإن منعنا التداخُلَ، فإنْ كان الحملُ من النكاح فله الرجعةُ قبل الوضع، فإذا وضعت اعتدَّت بالأقراء، ولا رجعةَ له فيها، فإن كانت بائنًا جاز نكاحها في العدَّتين، فإن حصل في مدَّة الحمل ثلاثةُ أطهارٍ، وجعلنا دمَ الحامل حيضًا، انقضت عدَّةُ الشبهة على الأصحِّ الذي اختاره القاضي وأبو حامدٍ، وإن حملت من وطء الشبهة انقطعت عدَّةُ النكاح بالعلوق، فإذا وضعت بَنَتْ على عدَّة النكاح بالأقراء، فإن راجَعَ فيما بقي من عدَّة النكاح صحَّ، وإن راجع في عدَّة الشبهة، أو طلَّق، أو ظاهَرَ، أو آلى، فوجهان يجريان في الإرث، وأقيَسُهما البطلانُ، وإن كانت بائنًا، فنكحها في عدَّة الشبهة، أو
стр. 2336
في عدَّة النكاح، صحَّ، ومتى صحَّت الرجعةُ، أو النكاح، انقطعت العدَّتان؛ لاستحالة بقاء العدَّة مع صحَّة الرجعة أو النكاح.
* * *
٢٩٩٢ - فصل فيمن وطئ في عدّة غيره بشبهة
إذا وطئ زوجةَ غيرِه بشبهة في النكاح، أو في عدَّة النكاح، فلا تدخل عدَّةُ الوطء في عدَّة النكاح، وإن اتَّفقتا مثلَ أن كانتا بالشهور، أو الأقراء فإن سبقت عدَّةُ النكاح، أتمَّتها ثم اعتدَّت عن الشبهة، وله الرجعةُ في بقية عدَّة النكاح، وهل له أن ينكحها إن كانت بائنًا؛ فيه وجهان؛ لأنَّها محرَّمة عليه من جميع الوجوه، فأشبهَ النكاحَ في الإحرام.
وإن سبقت عدَّة الشبهة، ففي انقطاعها بعدَّة النكاح وجهان:
فإن قلنا: تنقطع، اعتدَّت للنكاح، وله الرجعةُ في عدَّته، فإنْ راجَعَ انقطعت العدَّة، وبَنَتْ عَقيب الرجعةِ على عدَّة الشبهة، وإنْ لم يراجِعْ أكملْت عدَّة النكاح، وبَنَتْ بعدها على عدَّة الشبهة، وإن كانت بائنًا، فنكحها في عدَّته، ففي الصحَّة وجهان.
وإن قلنا: لا تنقطع عدَّة الشبهة، أكملتها، ثم اعتدَّت للنكاح، فإن نكحها، أو ارتجعها في عدَّته صحَّ، وإن نكحها في عدَّة الشبهة لم يصحَّ، وإن راجع فوجهان.
وإن كانت إحدى العدَّتين بالحمل قُدِّمت، سواءٌ كانت من الشبهة، أو النكاح، فإن كانت من النكاح اعتدَّت بالوضع عن الزوج، وله الرجعةُ
стр. 2337
قبل الوضع، فإنْ راجَعَ ففي حِلِّ الوطء وجهان يجريان في الحامل من الزوج إذا وُطئت لشبهةٍ في صُلْبِ النكاح، فإنْ رأت الدَّمَ على الحمل فقد قال القاضي: قياسُ ما ذكره أبو حامدٍ أن تنقضيَ عدَّةُ الشبهة بذلك، وهو بعيدٌ هاهنا؛ لأنَّ العدَّتين من شخصين، فلا تنقضيان في زمانٍ واحد، وإن كانت بائنًا، فنكحها وقلنا: تصحُّ الرجعةُ، ويَحْرُمُ الوطء، ففي النكاح وجهان؛ إذ لم يتعقَّبه الحِلُّ، وإن أبحنا الوطء، فإن صحَّحنا النكاح مع تحريم الوطء فهاهنا أولى، وإن أبطلناه ثَمَّ فهاهنا وجهان، وإن كان الحملُ للشبهة، اعتدَّت به عن الشبهة، ثم اعتدَّت للنكاح، ولا يصحُّ نكاحُها قبل الوضع، وفي الرجعة وجهان، وأيُّهما نكح في عدَّة الآخر لم يصحَّ، فإنَّ تصحيح النكاح مع أنَّه لا يقطع العدَّة محالٌ.
٢٩٩٣ - فرع:
إذا حُكم بانقطاع عدَّة النكاح لم يبطل ما مضى، بل تبني عليه بعد عدَّة الشبهة.
٢٩٩٤ - فرع:
إذا كان الزوجُ والواطئ حربيَّين، فلا تداخُلَ على الأصحِّ، وفيه قولٌ: أنَّ الواطئ يُسقط عدَّة النكاح؛ لأنَّ الاستيلاء يُبطل حقَّ الزوج من النكاح، فجاز أن يُبطل حقَّه من العدَّة.
٢٩٩٥ - فرع:
إذا أتت بولدٍ يُمْكِنُ أن يكون من أحدهما دون الآخر لَحِقَه، وإن لم يمكن أن يكون من كلِّ واحدٍ منهما بأن تضعه لأقلَّ من ستَّة أشهرٍ من حين
стр. 2338
الوطء، ولأكثرَ من أربعِ سنين من حين الطلاق، انتفى بغير لعانٍ، وانقضت به عدَّة النكاح على الأصحِّ، فإن للولد المنفيِّ أحوالًا:
إحداهن: أن يستحيل إلحاقُه بصاحب العدَّة، فلا تنقضي به العدَّةُ.
الثانية: أن يُنفى باللعان، فتنقضي به العدَّة.
الثالثة: أن ينتفي بغير لعانٍ؛ لاستحالة العُلوق به في النكاح، ولكن يُمْكِنُ العلوقُ به بعد النكاح؛ لشبهةٍ، أو رجعةٍ، أو تجديدِ نكاح، فالأصحُّ انقضاءُ العدَّة به، ولذلك لو استَلْحَقَ عن وطء شبهةٍ لحقه الولدُ.
وإنْ أَمْكَنَ أن يكون من كلِّ واحد منهما عُرض على القافة، فإنْ ألحقتْه بأحدهما لحقه، وانقضت عدَّته بوضعه، واعتدَّت عن الآخَرِ بالأقراء، فإنْ لم تكن قافةٌ، أو كانت وأَشْكَلَ عليها، فعلى الأصحِّ تنقضي به إحدى العدَّتين على الإبهام، فإن راجَعَ وهي حاملٌ؛ فإن قلنا: تصحُّ الرجعة لو كان الحملُ منه، صحَّت هاهنا، وإن قلنا: لا تصحُّ ثَمَّ، فراجَعَ أو نكح في إحدى العدَّتين، لم تصحَّ، وإن راجَعَ أو نكح في كِلَا العدَّتين صحَّت الرجعةُ، وفي النكاح وجهان يُحتمل إجراؤهما في الرجعة، ولكن الفرق أنّها تَحتمِلُ من الوقف ما لا يَحْتَمِلُه النكاح، ولذلك تصحُّ في الإحرام، فصحَّت هاهنا مع الإبهام.
٢٩٩٦ - فرع:
ليس لها مطالبةُ أحدهما بالنفقة قبل الوضع، فإنْ ألحقته القافةُ بالزوج لَحِقَه، ولزمه نفقةُ الحمل؛ إذ لا تسقطُ بمضيِّ الزمان اتِّفاقًا وإن جُعلت للحمل، وإن ألحقته بالواطئ، فهل يُقال: إنها وجبت، ثمَّ سقطت؟ فيه قولان.
стр. 2339
٢٩٩٧ - فرع:
إذا نكحت في العدَّة نكاحَ شبهةٍ، فلا نفقةَ لها حتى يُفرَّق بينهما؛ لأنَّها كالناشزة.
٢٩٩٨ - فرع:
إذا أَمْكَنَ أن يكون الحملُ منهما، فراجَعَ، وقلنا: لا تصحُّ الرجعة، فإنْ ألحقه القائفُ بالواطئ فسدت الرجعةُ، وإن ألحقه بالزوج، ففي صحَّة الرجعة للعراقيِّين وجهان، وقطع الإمام بالصحَّة، وقال: لو فُرِضَ هذا الخلافُ في النكاح لكان قريبًا.
* * *
٢٩٩٩ - فصل في معاشرة الزوجة في العدَّة
إذا تعاشر الزوجان في العدَّة معاشرة الأزواج لم تنقضِ العدَّة عند الأصحاب، خلافًا للقاضي والإمام في معاشرة البائن، فإنَّهما ألحقاها بمعاشرة الأجانب والزناة، وقال الإمام: ينبغي أن يُحمل ما ذكروه على المعاشرة على ظن بقاء النكاح؛ ليضاهيَ النكاحَ الفاسد، فإنَّ الأزمان المتخلِّلة فيه بين الوطآت تمنع من احتساب العدَّة اتِّفاقًا، وهل يُعتبر ابتداءُ العدَّة من آخر وطأةٍ، أو من حين التفريقِ؟ فيه قولان.
وإذا وقع النكاحُ الفاسد في عدَّةٍ، قَطَعها اتفاقًا، وهل يقطعُها من حينه، أو من أوَّل وطاةٍ؟ فيه وجهان.
فإذا بَنَتْ على عدَّة الزوج: فهل تبني من حين التفريق، أو من آخِرِ
стр. 2340
وطأة؟ فيه قولان، فإن قلنا: تبني من حين التفريق، فزالت الشبهة، وعَلِمَ بالتحريم، فقد قطع الإمام باحتساب العدَّة من حينئذٍ، كما قال في معاشرة البائن، وقال: لا حكم لمعاشرة الزوج والواطئ بالشبهة مع عِلْمِهما بالتحريم، ولم يفرِّق الأصحابُ في معاشرة الزوج بين العالِمِ، والجاهِلِ، ولا يتِّجه ذلك إلا في معاشرة الرجعيَّة، فإنَّها زوجةٌ يجوزُ وطؤها عند كثيرٍ من العلماء، ولا تحصلُ المعاشرةُ بمجرَّد الدخول عليها من غير خلوةٍ، ولا يُشترط فيها الوطءُ، ولو وطئ لم يُحسب وقتُ الوطء من عدَّة الوطء، ولا من عدَّة النكاح، فإن خَلَوَا بالليل دون النهار لم يُحسب الليل ولا النهار، فإن ذلك غالبٌ في معاشرة الأزواج، ولو افترقا في صدر العدَّة، ثم خلا بها مرَّةً، حُسب صدرُ العدَّة، وسقط وقتُ الخلوة، فإن أطال الانقطاعَ بعد ذلك حُسب وقتُ الانقطاع؛ لخروجه عن معاشرة الأزواج، ولا ينقدحُ إلا التلفيقُ مع ما سبق.
ولو وطئها الزوجُ بنكاحِ شبهةٍ، واعتزلها مدَّةَ العدَّة ظانًّا بقاء الفراش، وكان في علم الله أنه سيطؤها، فلا تنقضي العدَّة على مقتضى ما قرَّره الأصحاب.
وكلُّ ما منع احتسابَ العدَّة منع من البناء على عدَّة النكاح.
وقال الإمام: إذا تزوَّجت في العدَّة، وقلنا: تنقطع بالعقد؛ فإنْ زُفَّت إليه، فوطئ، انقطعت بالزفاف؛ لاتِّصاله بالوطء، وفي الانقطاع من حين العقد احتمالٌ، وإن زالت الشبهة قبل الزفاف لم تنقطع العدَّةُ، وإن زالت بعد الزفاف وقبل الوطء، ففيه تردُّدٌ للإمام.
стр. 2341
٣٠٠٠ - فرع:
إذا زنا بخليَّةٍ، أو معتدَّةٍ، أو مزوَّجةٍ، لم تحرم عليه، وإن وطئ زوجةَ غيره بشبهةٍ، أو نكاحٍ فاسد في العدَّة، لم تحرم، وقال في القديم: تحرم على التأبيد.
٣٠٠١ - فرع:
إذا وطئ حرَّةً، فظنَّها أمَته، لزمها عدَّةُ حرَّة، وإن وطئ أمةً، فظنَّها زوجتَه الحرةَ: فهل يلزمُها عدَّةُ حرّةٍ، أو أمةٍ؟ فيه وجهان.
٣٠٠٢ - فرع:
إذا مات الزوج في العدَّة بنت عليها، إلا أن يكون الطلاقُ رجعيًّا، فتنتقل إلى عدَّة الوفاة، وتسقطُ عدَّة الطلاق.
* * *
стр. 2342
٣٠٠٣ - باب عدَّة امرأة المفقود
إذا طالت غيبةُ الزوج، فإن اتَّصلت أخبارُه فالنكاحُ بحاله، ولها الفسخُ بالإعسار، وإن انقطعت بحيث يغلب على الظنِّ موتُه، فالنكاحُ بحاله على الجديد، وإن أَمْكَنَ حملُ الانقطاع على بُعْدِ الدار، وانقطاعِ الرفاق، فقد قيل ببقاء النكاح، وقيل: فيه القولان، فإنْ قلنا بالقديم تربَّصت أربع سنين، ثمّ اعتدَّت للوفاة، ثمَّ نكحت، وهل تقفُ الأربعُ على ضرب الحاكم؛ فيه خلافٌ.
ولو تباعَدَ الحيضُ، وقلنا: تتربَّص أربعَ سنين، فلا تقفُ على ضرب الحاكم، فإذا اعتدَّت للوفاة، ولم يثبت الموتُ إلا في هذه القضيَّة، فلا يُقسَم ميراثُه، ولا تَعْتِقُ مستولَدَتُه، ولا مُدبَّرُه، فإن ظهرت حياتُه قبل أن تتزوَّج فنكاحُه بحاله، وإن ظهرت بعد النكاح ففيه طرقٌ:
إحداهنَّ: يتخيَّر بين أن ينزعها من الزوج الثاني وَيغْرَمَ له مهرَ المِثْلِ، وبين أن يُقرَّها ويأخُذَ منه مهرَ المثل، وهذا مذهبُ عمر.
والثانية: يتخيَّر، فإن انتزعها تبيَّن فسادُ النكاح، ولا مهرَ عليه، وإن أقرّها تبيَّن صحَّةُ النكاح، وله مهرُ المثل على الثاني.
والثالثة: ينفسخ نكاحُه اتِّفاقًا، وفي النكاح الثاني وجهان: أحدهما: ينفسخ بمجرَّد الظهور، والثاني: إن شاء أقرَّه، وإن شاء فَسَخَه وغَرِمَ مهرَ المِثْل.
стр. 2343
الرابعة للعراقيين: إذا حلَّت للأزواج بعد العدَّة نفذ ذلك في الظاهر، وفي نفوذه في الباطن أوجهٌ:
أحدها: ينفذُ، فيصحُّ النكاح الثاني، ولا ترافُعَ بينهما، ولا غُرمَ، ولا خيار.
والثاني: لا ينفذ، فيستمرُّ نكاح الأول.
والثالث: إن ظهر قبل أن تنكح فنكاحُه بحاله، وإن ظهر بعد النكاح نفذ الفسخُ في الباطن، فلا غرم، ولا خيار.
وهذه الطريقةُ أسدُّ الطرق، أخذ فيها الشافعيُّ ﵁ بأصلِ قولِ عمر ﵁ لقربه، وترك تفريعَه لِبُعده عن القياس، والطريقةُ الثانية أمثلُ من الأولى، والثالثةُ غلط؛ إذ لا يتَّجه انفساخُ النكاح بمجرَّد الظهور، ولا إثباتُ فسخٍ لا فائدةَ له سوى تجديدِ النكاح إن رغبت فيه.
٣٠٠٤ - فرع:
هل يتوقَّف هذا الفسخُ على الإنشاء؟ فيه تردُّد للأصحاب من غيرِ تصريحٍ بنفيٍ ولا إثباتٍ.
فإن وقفناه على الإنشاء تعاطاه مَن يتعاطى الفسخَ بالإعسار، والظاهرُ أنَّه ينشأ بعد الأربع.
وإن لم نَقِفْه على الإنشاء ارتفع النكاحُ بمضيِّ الأربع، ولها طلبُ النفقة في الأربع، ولا نفقةَ لها في عدَّة الوفاة، وهذا متَّجهٌ إن نفَّذنا الفسخ في الباطن، وإن لم ننفِّذه احتُمل أن يلحق التربُّصُ بالنشوز، واحتُمل ألا يلحق؛
стр. 2344
فإن التربُّص نيَّةٌ مجرَّدةٌ، والنشوزُ لا يَثبتُ بمجرَّد النيَّة؛ ولذلك لا يَثبت حكمُ النشوز، وإن صمَّمت عليه، ثم امتنع بمانعٍ؛ فإن قلنا بالجديد وجب الصبرُ إلى أن تَثْبُتَ الوفاةُ بطريقٍ شرعيٍّ وإن طال الزمان، فإن نكحت، وحَكم بذلك حاكمٌ، نُقض حكمُه، وكذلك يُنقض الحكمُ بكلِّ قولٍ قديمٍ يستندُ إلى الأثر، ويخالفُ على القياس، وتصيرُ ناشزةً بالنكاح عند الأصحاب.
وقال الإمام: إن لزمتِ المسكنَ ولم تُزفَّ إلى الزوج، ففيه الاحتمالُ المذكور على القديم، وإثباتُ النشوز هاهنا أوجهُ؛ لأنَّها ضمَّت إلى القصد إذنَها في النِّكاح المختلَفِ في صحَّته.
فإن فرَّق بينهما، وعادت إلى حكم الزوج، ففي عود النفقة قبل بلوغ الخبر قولان.
فإن أتت بولدٍ يمكنُ أن يكون من أحدهما دون الآخِر لَحِقَه، وإن أَمْكَن أن يكون من كلِّ واحدٍ منهما عُرض على القائف، وتعتدُّ عن الواطئ في صلب النكاح.
وابتداءُ العدَّة: من حين التفريق، أو من آخر وطأة؟ فيه القولان.
فإن لحق الولد بالثاني، فاضطرَّ إلى شرب اللِّبأ، أو اللبن، ولم نجد غيرها، وجب تمكينُها من سقيه وإرضاعه، وتسقطُ النفقة إنْ شَغَلَها ذلك عن الاستمتاع، وإن تمكَّنت منه في فرصٍ لا تمنعُ الاستمتاع لم تسقط النفقة.
ولو أذن الزوجُ في رضاعٍ لا يلزمُها، ففي سقوط نفقتها قولان، كمن سافرت في غَرضها بإذنه، وإن أذن في رضاع يلزمُها احتُمل أن يحرَّج على
стр. 2345
القولين، واحتُمل أن تسقط النفقةُ؛ لتسبُّبها إلى إيجاب الرضاع.
فإن مات الزوجُ بعد وطء الثاني، لزمها عدَّةُ الوطء، وعدَّة الوفاة، ولا يتداخلان.
* * *
стр. 2346
٣٠٠٥ - باب استبراء أمِّ الولد
يجبُ الاستبراء بزوال المِلْكِ تارةً، وبحصوله أخرى؛ فإذا وطئ جاريةً، ثم أعتقها، أو عَتَقَتْ أمُّ الولد بموتٍ أو إعتاقٍ، وجب الاستبراءُ بقرءٍ واحد، فإن تزوَّجهما المُعْتِقُ من غير استبراءٍ ففي جوازه وجهان، ولو استبرأهما قبل العتق جاز تزويجُهما، فإن أعتقهما قبل التزويج ففي وجوب الاستبراء أوجهٌ، ثالثها: الوجوب في المستولَدة خاصّة.
ولو ابتاعها فاستبرأها، ثم أعتقها جاهلًا بما كان قبل الشراء، ففي وجوبِ الاستبراء بعد العتق وجهان.
وإن استبرأها البائع، فأراد المشتري تزويجَها قبل العتق، أو بعده؛ اعتمادًا على استبراء البائع، ففيه وجهان مرتَّبان، وأولى بوجوب الاستبراء.
٣٠٠٦ - فرع:
إذا مات عن أمِّ الولد وهي مزوَّجةٌ، أو معتدَّةٌ عن نكاح، لم يجب الاستبراءُ على الأصحِّ وإن عتقت في آخر جزء من العدَّة، وفيه قولٌ: أنَّه يجب، فإن كانت منكوحةً استبرأت عقيب العتق، وإن كانت معتدَّة استبرأت بعد انقضاء العدَّة.
ولو عتقت في عدَّةِ شبهةٍ ففيه القولان، وقيل: يجبُ الاستبراء قولًا
стр. 2347
واحدًا، فإنَّها ليست بفراشٍ، ولا تَبَعًا لفراشٍ.
ولو طُلِّقَتْ قبل الدخول، ثمَّ عتقت، ففي وجوب الاستبراء خلافٌ؛ لابتناء النكاح على الاستبراء السابق.
وإن طلِّقت بعد الدخول، فعتقت بعد انقضاء العدَّة، فقولان.
وإن طلِّقت مع انقضاء العدَّة، فطريقان؛ لأنَّها لم تَعُدْ إلى الفراش.
* * *
٣٠٠٧ - فصل في بيان الاستبراء
الاستبراء: حيضةٌ على الجديد، طهرٌ على القديم، فإن قلنا بالجديد، فدخل وقتُ الاستبراء وهي حائضٌ، لم تكفِ بقيَّةُ الحيض اتِّفاقًا، ولابدَّ من حيضةٍ أخرى، وإن قلنا بالقديم، فجرى سببُ الاستبراء في أثناء الطهر، اكْتُفي ببقيَّته على الأصحِّ.
فعلى هذا: لو وقع سببُ الاستبراء في أثناء الطهر، أو في آخر جزءٍ من الحيض، فلابدَّ من حيضةٍ أخرى بعد الطهر، ويُحتمل أن نكتفي بالطعن في الحيض، أو بأقلِّ الحيض، وإن قلنا: لا تكفي بقيَّةُ الطهر، فلا بدَّ من طهرٍ كاملٍ بعد الحيض، ويجبُ القطع بأنَّه يكفيها الطعنُ في الحيض، أو أقلُّ الحيض، وإن كانت من ذواتِ الأشهر استبرأتْ بشهرٍ، أو ثلاثةِ أشهر؟ فيه قولان، وإن كانت حاملًا استبرأت بالوضع، وإن كان مِن زنًا صحَّ الاستبراء بوضعه عند الجمهور.
٣٠٠٨ - فرع:
لا يصحُّ النكاح في مدَّة الاستبراء، ومهما اشتغل الرَّحِمُ بماءٍ محترمٍ
стр. 2348
فلا يحلُّ للغير الإقدامُ على الوطء.
* * *
٣٠٠٩ - فصل في موت السيِّد والزوج
إذا مات السيِّد والزوج، فإن سبق موتُ السيِّد لم يجب الاستبراءُ على الأصحِّ، فتعتدُّ عن الزوج بأربعةِ أشهر وعشرٍ، وإنْ سبق موتُ الزوج اعتدَّت بشهرين وخمسِ ليالٍ، فإنْ وطئها السيد بعد العدَّة، ثمّ مات، وجب الاستبراءُ وإن لم يطأ؛ فإن تأخَّر موتُه عن العدَّة، ففي وجوب الاستبراء قولان، وإن اتَّصل بالعدَّة فطريقان.
وإن جهلنا السابقَ وجب الأخذُ باليقين؛ فإن كان بينهما شهران وخمسُ ليالٍ، فإن أوجبنا الاستبراءَ لزمها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، فيها، أو بعدها حيضةٌ، وغَلِطَ مَن شَرَطَ وقوع الحيضة بعد الأشهر، والاعتبارُ بآخِرِ الموتين، وإن لم نوجب الاستبراء لزمها أربعةُ أشهر وعشرٌ من آخر الموتين، وإن كان بينهما أقلُّ من شهرين وخمسِ ليالي، فتعتدُّ بأربعة أشهرٍ وعشر من آخر الموتين، ولا يجب الاستبراءُ على الأصحِّ، وإن جهلنا ما بين الموتين اعتدَّت بأقصى الأجلين من آخر الموتين.
وإن ماتا معًا لم يجب الاستبراء؛ لأنَّها لم تَعُدْ إلى المِلْكِ، وفي العدَّة طريقان:
إحداهما: عدَّة حرَّةٍ أربعةُ أشهر وعشرٌ؛ لاقتران الحرية بأول العدَّة.
والثانية: فيه القولان.
стр. 2349
٣٠١٠ - فرع:
ليس للمكاتَب وطءُ أمته إن لم يأذن السيِّد، وإن أَذِنَ فقولان، فإن جوَّزناه: فالاستبراءُ من حين المِلْكِ، أو من حين الإذن؟ فيه خلافٌ.
فإن وطئ بإذنٍ أو بغيرِ إذنٍ، فأولدها، تَكَاتَبَ عليه الولدُ، فيمتنع بيعُه، وتَعْتِقُ بعِتْقِه، وتَرِقُّ بِرقِّه، وفي ثبوت الاستيلاد على حدِّ التكاتُبِ قولان، فإن أثبتناه رقَّت برقِّه، وامتنع بيعُها، ويتأكَّد الاستيلادُ بعتقه، وإن قلنا: لا يثبت، فله بيعُها في الحال، فإن ملكها بعد العتق فطريقان:
إحداهما: لا يثبت الاستيلاد؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ بحرٍّ.
والثانية: فيه القولان.
* * *
стр. 2350
٣٠١١ - باب الاستبراء
مَن ملك أمةً بتبرُّعٍ، أو عِوَضٍ، أو فسخٍ، أو إرثٍ، أو سَبْيٍ، لزمه استبراؤها وإن علم براءةَ رحمها، أو كانت بكرًا صغيرةً، وأَبعدَ مَن استثنى البكر المسْبِيَّة خاصَّة، وإن ملك زوجتَه لم يجب الاستبراءُ على الأصحِّ، فإنَّه تَجدَّدَ له ملكٌ، ولكن انتقلت من حِلٍّ إلى حلٍّ.
ولو استبرأها، ثم باعها من امرأةٍ، أو صبيٍّ، أو أزال المِلْكَ عنها زوالًا لازمًا، فرجعتْ إليه في لحظةٍ بمقايَلةٍ أو غيرِها، لزمه الاستبراءُ.
وإن زال المِلْكُ زوالًا جائرًا، ثم رجعت إليه، كما لو باعها، ثمّ فسخ في مدَّة الخيار، ففي وجوب الاستبراء وجهان.
وقال الإمام: إن منعناه الوطءَ في مدَّة الخيار وجبَ الاستبراء، وإن أبحناه؛ فإن أوجبنا الاستبراءَ على مَن اشترى زوجته وجب هاهنا، وإن لم نُوجبه في الزوجة فهاهنا وجهان مأخذُهما المعنيان؛ لأنَّها انتقلت مِن حلٍّ إلى حلٍّ مع تجدُّد الملك.
ولو زوَّج أمتَه، فوطئها الزوجُ ثم طلَّقها، أو اشترى مزوَّجةً، فطلَّقها الزوجُ قبل الدخول، أو بعدَه، أو مَلَكَ معتدَّةً، فقولان أفقهُهُما: وجوبُ الاستبراء، فإن صادف الشراءُ العدَّةَ، لم يصحَّ الاستبراءُ حتى تنقضي، وإن