← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127703

الغاية في اختصار النهاية

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (3 327 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

بطلانُ البيع، وسقوطُ الثمن، وبطلانُ الكفالة، وإن لم يثبت، مضى البيعُ على لزومه. الثالثة: أن يكون عرضًا لا يمكن تمييزُه بالصفة؛ كالكرباس، فلا تصح الدعوى به إلَّا أن يذكرَ قيمتَه، فإن ذكرها، فلتشهد الشهودُ على وفق الدعوى، ويقع الحكمُ بالقيمة، وإن كان الكرباسُ معيَّنًا في نفس الأمر؛ إذ لا سبيلَ إلى تعطيل الحقِّ، فإذا وصل الكتابُ لم يكلِّف الحاكمُ المدَّعَى عليه إحضارَ الكرباس، بل يلزمُه بالقيمة المذكورة في الكتاب، وإنَّما يذكر الأوصافَ في الدعوى والشهادة؛ لترتبطَ الدعوى بالقيمة، فإن قال: غصبت منِّي ثوبًا قيمتُه عشرة، ولم يصف الثوبَ، فالظاهر سماعُ دعواه؛ لأنَّ المدَّعى به القيمةُ، وهي معلومة. * * * ٣٨٨١ - فصل في الدعوى على غائب عن المجلس حاضر في البلد المذهبُ الأصحُّ: أنَّ من امتنع عن حضور مجلس الحكم بتوارٍ، أو تعزُّز، حُكم عليه، كما يُحكَمُ على الغائب، وأبعد مَنْ منع ذلك حتَّى يحضر، وفيمن يمكن إحضارُه وجهان: أحدُهما: يحضره لعلَّه يقرُّ، وسلوكُ أقرب الطرق في القضاء واجبٌ؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ الحقِّ بالتطويل مع القدرة على التعجيل، فيُعْدِي عليه خصمَه؛ ليحضره.

стр. 3012

والثاني: تُسمع الدعوى والبيِّنة، والأصحُّ: أنَّه لا يحكم عليه (١) بذلك حتَّى يحضر، ولو حضر المدَّعى عليه مجلسَ الحكم، ففي سماع الدعوى دون مراجعته وجهان، فإن قلنا: تُسمع، بَعُدَ كلَّ البعد أن يحكمَ عليه بغير مراجعة. * * * ٣٨٨٢ - فصل في الدعوى بعين غائبة عن المجلس حاضرة في البلد إذا ادَّعى عقارًا؛ كالأرض والدار؛ فإن جهل حُدودَه، لم تُسمع دعواه حتَّى يتعرَّف الحدودَ، ثمَّ يدَّعي بها، فإن قال الشهودُ: نحن نعرف العقارَ بعينه، ولا نعرف حدودَه، حضره الحاكمُ أو نائبه؛ ليشهدوا عنده على عينه. وإن ادَّعى بعبد، أو فرس حاضرين في البلد يمكن إحضارُهما مجلسَ الحكم، فإن عرفهما الحاكمُ، سمع الدعوى والبيِّنة [في غيبتهما] (٢) اتِّفاقًا، وفيه احتمال، وإن لم يعرفهما، لم يسمع البينةَ على الأوصاف، بل يسمع الدعوى بالأوصاف المعرِّفة، ثمَّ يقول للخصم: ماذا تقول؟ فإن قال: العبد المدَّعى به في يدي، وملكي، ألزمه بإحضاره؛ ليشهد البيِّنة على عينه، وإن قال: ليس في يدي، قيل للمدَّعي: إن أردت العبدَ فأثبت أنَّه في يده، فإن أثبت ذلك بشاهدي الكتاب، أو بغيرهما ممَّن لا (٣) يعرف ملكَه للعبد، ألزمه

стр. 3013

بإحضاره؛ ليشهدوا على عينه، فإن شهدوا بالملك قبل إحضاره، لم تُقبل شهادتُهما حتَّى يحضر، فيعيد الشهادةَ بذلك، فإن لم تكن له بيِّنة، فله تحليفُ المدَّعى عليه أنَّ ذلك العبدَ ليس في يده، فإن نكل حلَّف المدعي، وألزم المدَّعى عليه بالإحضار، فإن امتنع حُبس إلى أن يحضرَه، أو يدَّعي تلفه، فيُقبل قولُه مع يمينه، فإن ادَّعى ما لا يمكن تمييزُه؛ كالكرباس، لم يُكلَّف إحضاره؛ إذ لا يُتوصَّل إلى معرفته إلَّا أن يصادفَ في يده عينًا، فيدَّعيها. ٣٨٨٣ - فرع: إذا تعذَّر إحضارُ العبد؛ لعدم البيِّنة، أو لحلف المدَّعى عليه، فادَّعى عليه عبدًا (١) صفتُه كذا؛ إن كان باقيًا، أو بقيمته -وهي عشرة- إن كان تالفًا، لم تُسمع على أقيس الوجهين، واتَّفق القضاةُ على سماعها للمصلحة، فإن قلنا: لا تُسمع، فله الدعوى بالقيمة، فتَذْكر البيِّنة صفةَ العبد، وقيمتَه، ويقع الحكمُ بالقيمة. ٣٨٨٤ - فرع: إذا ألزم الحاكمُ المدَّعى عليه بإحضار العين؛ فإن ثبت الحقُّ، كانت مؤونةُ الإحضار على المدَّعى عليه، وإن لم يثبت كانت مؤونةُ النقل والردِّ إلى المكان الذي أُخذ منه على المدَّعي عند الأصحاب، وفيه احتمال. وإن أحضر المدَّعى عليه بالاستعداء، فتعطلت منافعُه، لم يلزمه الأجرةُ على ما قطع به الإمام؛ لأنَّ الغالبَ في الإحضار حقُّ الحاكم، ولذلك يحضر قبل ثبوت الحقِّ، وفي ثبوت الأجرة احتمال.

стр. 3014

٣٨٨٥ - فرع: يُقبل كتابُ الحاكم إلى الحاكم في الأموال، وفي القصاص قولان، وفي حدود الله قولان مرتبان، كما في الشهادة على الشهادة. * * * ٣٨٨٦ - فصل في نصب حاكمين في بلد واحد إذا نصب الوالي في البلد حاكمين؛ فإن خصَّ كلَّ واحد منهما بجانب، صحَّ، وإن شرط ألَّا ينفردَ أحدُهما حتَّى يوافقه الآخرُ، لم يصحَّ؛ لما في ذلك من تخيُّر الخصوم، وتوقُّف الحكومات، وإن نصبهما مطلقًا، فالأصحَّ: حملُه على الاستقلال، وقيل: يُحمل على الاشتراك. وإن وصَّى إلى اثنين مطلقًا، فالأصحُّ: حمله على الاشتراك فإنَّ الإشراك جائزٌ في الوصايا، ممتنعٌ في القضاء، وإن جعل لكلِّ واحد منهما الاستقلال في جميع البلد، ففي جوازه وجهان، فإن أجزناه، فسبق رسولُ أحدهما إلى الخصم، لزمه إجابتُه، وإن جاء رسولُهما معًا، أُقرع بينهما، ولو جاء رسولُ الحاكم، ورسولُ الإمام معًا، أو رسولُ الحاكم، ورسولُ نائبه معًا، قُدِّم رسولُ الحاكم، والإمام عند الإمام. * * * ٣٨٨٧ - فصل في الاستعداء مَن استحضر خصمًا إلى الحاكم؛ فإن لم يعرف له حقًّا فله أن يمتنعَ، وإن عرف الحقَّ، لزمه أداؤه، ولم يلزمه الحضورُ، وإن طلب من الحاكم إحضارَه؛ فإن كان على مسافة العَدْوى، أحضره قبل ثبوت الحقِّ، ولزمه

стр. 3015

الحضورُ وإن لم يكن عليه حقٌّ، وهذا متَّفَق عليه. ومسافةُ العَدْوى: مكان لو ذهب إليه الرسولُ لأتاه، ولرجع إلى منزله قبل أن يجنَّه الليلُ، ولا يحضره بمجرَّد الدعوى إن كان فوق مسافة القصر، وإن كان دونها، وفوق مسافة العدوى، لم يحضرْه على المذهب، وقيل: يحضره، فإن قلنا بالمذهب؛ فإن كان بموضعه حاكمٌ، كاتبه بمقتضى الحال، وإن لم يكن به حاكم؛ فإن كان داخلًا في ولاية الحاكم، لم يحضره حتَّى يثبت الحقَّ، فإن أثبته، وطلب الحكمَ بذلك، حكم له، فإن تعذَّر استيفاءُ الحقِّ إلَّا بحضور الخصم؛ فإن كان الخصمُ في ولاية الحاكم، أحضره وإن كان فوق مسافة القصر. ٣٨٨٨ - فرع: إذا كان في طرف ولاية الحاكم مكانٌ آهِل، لم يجز إخلاؤُه من نائب فيه، أو بقربه بحيث يكون بين الحاكم والنائب، أو بين كلِّ نائبين مسافة العَدْوى. ٣٨٨٩ - فروع مفرَّقة (١): أوَّلها: إذا حكم على الغائب، وله مالٌ حاضر، فطلب الخصمُ أخذَ حقِّه منه، أجابه الحاكمُ، وهل يجب على الحاكم أخذُ كفيل بالمال؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يجب، طالبه به (٢)، فإن أبى، تركه. الثاني: إذا سمع البيِّنة، فعُزل، ثمَّ ولي، لزمه استعادةُ الشهادة اتِّفاقًا،

стр. 3016

وإن فارق محلَّ الولاية، ثمَّ رجع، لم تجب الاستعادةُ على الأصحِّ. الثالث: إذا كان بمحلِّ ولايته مالٌ ليتيم خارجٍ عن محلِّ ولايته، فله أن يتصرَّف فيه بما يتصرَّف في أموال الغُيَّب إذا أشرفت على الهلاك، وهل ينصب قيِّمًا؛ ليتصرَّف فيه بالتنمية والإصلاح؟ فيه للقاضي جوابان ينظر في أحدِهما إلى اليتيم، وفي الآخر إلى المال. الرابع: للإمام نصبُ القضاة في الأمور الخاصَّة، فينصب قاضيًا في تزويج الأيامى، وآخر في الأموال، وآخر للنساء، وآخر للرجال، فإن اختصم رجل وامرأة، لم يحكم بينهما حاكمُ النساء، ولا حاكمُ الرجال، ولابدَّ من نصب مَنْ يحكم بين الفريقين. * * *

стр. 3017

الغاية في اختصار النهاية تأليف سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (المتوفى سنة ٦٦٠ هجرية) تحقيق إياد خالد الطباع [المجلد الثامن]

стр. 3018

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3019

الْغَايَة فِي اخْتِصَار النِّهَايَة (٨)

стр. 3020

طبعة خَاصَّة الْكتاب طبع على نَفَقَة وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه turathuna@islam.gov.qa إدارة الشؤون الإسلامية ص. ب: ٤٢٢ الطبعة الأولى ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لبنان - بيروت ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ هَاتِف: ٠٠٩٦١١٦٥٢٥٢٨ فاكس: ٠٠٩٦١١٦٥٢٥٢٩ E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com

стр. 3021

كتاب القسام

стр. 3022

كتاب (١) القسام ٣٨٩٠ - لا يخلي الإمامُ النواحيَ من الحُكَّام والقُسَّام، ويدرُّ على القُسَّام الرزقَ إن اتَّسع بيتُ المال، فإن لم يكن فيه مالٌ، فالأجرةُ على الشركاء، وفي اشتراط العدد في القاسم خلافٌ تقدَّم . وقال في "التقريب": إن كان في الشركاء طفل، أو مجنون، فلا بدَّ من العدد، وإلَّا فقولان، وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ عددَ البيِّنة لا يختلفُ بمثل ذلك، وإن نصب حاكمًا للقسمة؛ لتقومَ البينة عنده بالقيمة، أو التزكية؛ لتقوم البينة عنده بالعدالة والجرح، جاز، وإن [نصب للتزكية] (٢)، أو التقويم مَنْ يعوِّل على اجتهاد نفسه، لم يجز؛ لأنّه إسقاطٌ للعدد فيما يُشرط فيه العدد، وللحاكم أن يعوِّل على بصيرة نفسه في التزكية، وليس له ذلك في القيمة، وخرَّجها بعضُهم على القولين في القضاء بالعلم. * * * ٣٨٩١ - فصل في الاستئجار على القسم إذا استأجر الشركاءُ قاسمًا أو قاسمين، أو فعل الحاكمُ ذلك في قسمة

стр. 3023

الإجبار؛ فإن استوت حصَصُهم، فالأجرةُ عليهم بالسوِيَّة، وإن تفاوتت، فطريقان: إحداهما: القطعُ بالتفاوت. والثانية: التخريجُ على قول توزيع الشفعة على الشركاء. وإن انفرد كلُّ واحد منهم بالاستئجار على نصيبه؛ فإن استأجروا معًا، صحَّت الإجارةُ، وكانت الأجرةُ على ما يقع عليه التراضي فيما يناسب الحصص، أو لا يناسبها، ولو تبرَّع القاسمُ على أحدهم، جاز. وإن ترتَّبت العقودُ؛ مثل أن كانوا ثلاثةً، فقد صحَّح القاضي العقودَ الثلاثة، وجعل ما يأخذه من الأجرة على نصيب الثالث مقابلًا لمسح نصيبه، وكتابة اسمه، وإخراج القرعة، وقطع الإمام ببطلان (١) العقود الثلاثة إذا ترتَّبت من غير تراضٍ، ولا إجبار؛ فإنَّ الأوَّل يكون مستأجرًا على عمل يعمُّ الأملاك، وليس ذلك إليه، ولا سيَّما العقد الثالث؛ لأنَّ إفراز النصيبين الأوَّلين قد استحقَّ عليه، فكيف يأخذ الأجرةَ على ما يستحقُّ عليه، وقال: ليس لأحدهم الانفرادُ بالاستئجار على نصيبه إلَّا بإذن شركائه، فإن أذنوا له أن ينفردَ بالعقد على الجميع، فاستأجر، ليغرمَ جميعَ الأجرة، جاز، وكان وكيلًا في الإجارة، متبرِّعًا بالأجرة، وإن أذنوا في الانفراد لا على هذا التقدير، لم يصحَّ. * * *

стр. 3024

٣٨٩٢ - فصل فيما يُجبر على قسمته تجوز القسمةُ تراضيًا، ويجري الإجبارُ في المثليَّات، وما يمكن قسمتُه من العقار؛ كالمزارع والديار بشرط أن يبقى جنسُ المنفعة المقصودة في كلِّ حصَّة؛ بأن تصيرَ حصصُ المسكن مساكنَ، وحصصُ المزرعة مزارعَ، وحصصُ الحمَّام حمَّاماتٍ، فإن بطل ذلك الجنسُ بالقسمة؛ مثل أن تصيرَ حصصُ الطاحون والحمام مساكنَ، أو خزائنَ، فلا إجبارَ عند الجمهور، وأبعد مَنْ قال بالإجبار إذا أمكن الانتفاعُ بغير جنس المنفعة المتقدِّمة، فإن قلنا بالأصحِّ، فعليه فرعان: أحدهما: إذا كان الحمَّام كبيرًا متَّحد القِدر والمستوقد والأَتُّون، وأمكن أن تصيرَ كلُّ حصَّة منه حمَّامًا بإحداث هذه المرافق، ففي الإجبار وجهان. الثاني: إذا كان لزيد عُشر دار، وبقيَّتُها لعمرو، ولو قسمت، لم يكن العشرُ مسكنًا، وكان الباقي مسكنًا، فإن طلب صاحبُ الكثير، ففي إجبار صاحب العشر وجهان، وإن طلب صاحبُ العشر، لم يُجبر صاحبُ الكثير على الأشهر، وقيل: فيه وجهان، فإن باع أحدُهما حصَّته، فالشفعةُ تابعة للإجبار على القسمة. ولو كانت الدار لسِتَّة نصفُها لزيد، ولكلِّ واحد من الخمسة عشرها؛ فإن طلب صاحبُ النصف القسمةَ، أو طلبها الخمسةُ على أن تبقى حصصُهم شائعةً، وقع الإجبارُ، فإن باعوا حصصَهم، أو باع الآخرُ نصفَه، ثبتت الشفعةُ من الجانبين؛ لأنَّها تابعة للإجبار. ٣٨٩٣ - فرع: ليس لوليِّ الطفل والمجنون طلبُ القسمة إلَّا أن يكونَ فيها غبطة، فإن

стр. 3025

طلبها حيث لا غِبْطةَ، منعه الحاكمُ، وله طلبُها مع الغبطة، ويُجبر الشريكُ عليها، وفي توزيع الأجرة الخلاف، [وإن طلبها الشريكُ، أجبر الوليُّ اتِّفاقًا وإن نقصت بها حصَّةُ الصبيِّ، وفي توزيع الأجرة الخلاف] (١)، ولا يجب الصبرُ إلى بلوغ الصبيِّ اتِّفاقًا، وأبعد مَنْ قال: يقالُ لشريك الصبيِّ: إن أردت القسمةَ، فالتزم جميعَ الأجرة، فعلى هذا، هل يختصُّ ذلك بقسمة تضرُّ بالطفل، أو تنقص قيمةَ حصَّته، أو أن يكون ابتداءُ الطلب من شريكه؟ فيه خلاف. * * * ٣٨٩٤ - فصل في قسمة التعديل إذا كان المقسومُ متَّحدًا، سميت قسمتُه إفرازًا، وإن كان متعدِّدًا؛ كالعبيد والرِّباع (٢) سُمِّيت قسمتُه قسمةَ النقل والتحويل. فكلُّ متقوِّم يمكن قسمتُه بالمساحة من غير ردِّ ولا تقويم؛ كالمزارع، والعرصات المستوية الأقطار، فإنَّا نجبرُ على قسمته، ولا نظرَ إلى اختلاف أغراض الشركاء في الجوانب، بأن يكونَ أحدُها مجاوزًا لملكه. ولو مات رجل عن ثلاثة بنين وأعيان، فلها (٣) أحوال: إحداهن: أن يتَّحدَ جنسُها؛ كثلاثة أعبد، أو ثلاث حمَّامات، أو

стр. 3026

أرحية (١)، ولا يمكن قسمةُ كلِّ واحدة من الأرحية والحمَّامات بانفرادها، فيطلب أحدُهم القسمةَ؛ ليحصلَ لكلِّ واحد منهم (٢) عينٌ، فإن تساوت القيمُ، أُجبر أخواه عند الاكثرين؛ تنزيلًا لاختلاف ذلك منزلةَ اختلاف جوانب الأرض، وقيل: لا يجبران؛ للتعدُّد، وظهور اختلاف الأغراض، وإلى هذا ميل النصِّ، وطرد العراقيون الخلافَ في العبيد، ومنعوا الإجبارَ في الحمَّامات والأرحية؛ فإن تفاوتت القيمُ بأن كانوا أربعةَ أعبُد؛ قيمة عبدين مئةٌ، وقيمةُ الآخرين مئة مئة، أو وقع مثلُ ذلك في الأرحية، والحمَّامات، ففيه خلاف مرتَّب؛ لظهور تفاوت العدد. الثانية: أن يخلِّف عبدًا وحمَّامًا وطاحونة، ولا يمكن قسمةُ كلِّ واحد منهما، فوجهان مرتَّبان على اتِّحاد الجنس، وأولى بمنع الإجبار. وضابطُ هذه المسائل: أنَّ من الأصحاب مَنْ ينظر إلى إمكان التعديل، ومنهم مَنْ ينظر إلى تفاوت الأغراض. الثالثة: أن تمكن قسمةُ الإفراز في كلِّ عين؛ كثلاث أراضٍ متميِّزات قابلات لقسمة الإفراز، فيطلب أحدُهم التعديلَ، ويطلب بعضُهم الإفرازَ، فيُجاب طالبُ الإفراز، ولا يُجاب طالبُ التعديل اتِّفاقًا. ٣٨٩٥ - فرع: إذا خلَّف ابنين وحمَّامًا كبيرًا، وحمَّامًا صغيرًا، ويمكن أن نجعل ثلثي

стр. 3027

الكبير سهمًا، والثلثَ الآخر مع الصغير سهمًا، فلا إجبارَ؛ لبقاء أصل الشركة، وأبعد مَنْ خرَّجه على الخلاف، فمتى تعدَّدت الأصنافُ، فإن أمكن إفرازُ كلِّ صنف، فلا إجبارَ على التعديل اتِّفاقًا، وإن لم يمكن إفرازُ كلِّ صنف، وأمكن التعديلُ، ففيه الخلافُ، فإن بقي أصلُ الشركة، فهو أبعدُ الصور عن الخلاف. ٣٨٩٦ - فرع: قال الأصحابُ: الإجبارُ على قسمة الدور كالإجبار على العرصات، وهذا مشكلٌ؛ لتفاوت الأبنية، وتفاوت الأغراض منها، فينبغي إن اختلفت أشكالُ الأبنية أن تُخرَّج على الخلاف، وإن تساوت بأن كان في أحد الجانبين صفةٌ مساوية للصفة المقابلة لها، ويمكن تبعيضُ العرصة بحيث يشتمل كلُّ نصيب على مثل ما اشتمل عليه النصيبُ الآخر، فهذا محلُّ الإجبار. ولو كان في السكَّة داران متقابلتان متساويتان في الأشكال، ففي الإجبار على التعديل بينهما القولان. * * * ٣٨٩٧ - فصل في حقيقة القسمة إذا كانت القسمةُ إفرازًا، فهي بيعٌ، أو إفرازُ حقٍّ فيه قولان، وإن كانت تعديلًا؛ فإن أجبرنا عليها، فطريقان: إحداهما: القطعُ بأنَّها بيع. والثانية: فيها القولان.

стр. 3028

وإن لم نجبر عليها، فالمذهبُ أنَّها بيع، وأبعد مَنْ أجرى القولين. ولو ملكا عرصةً نصفين؛ قيمةُ أحد نصفيها ألفٌ؛ لقربه من الماء، وقيمةُ النصف الآخر خمس مئة؛ لبعده من الماء، فهذه قسمةُ إجبار عند الأصحاب، فتقسم بالمساحة ثلاثًا وثلاثين؛ فإنَّ تفاوتَ القدر مع تعديل القيمة لا يمنع من الإجبار، وهذه القسمةُ بيعٌ، أو تجري على القولين؟ فيها (١) طريقان. وأمَّا قسمةُ الردِّ: فهي جاريةٌ في الدور والعبيد وغيرهما، وهي ما لا يمكن تعديلُ سهامها إلَّا بأن يردَّ البعضُ على البعض دراهمَ، أو ما يتَّفقان عليه من أصناف المال؛ مثل أن تكونَ قيمةُ أحد العبدين ألفًا والآخر ستَّ مئة، فيأخذ أحدُهما المساويَ للألف، ويردُّ على صاحبه مئتين؛ ليأخذَ العبدَ الآخر، فلا إجبارَ على بذل العوض، فإن طلب أحدُهما القسمةَ فيما خرج عن محلِّ الردِّ، بأن يقابل العبدُ المساوي للست مئة بست مئة من المساوي للألف، وتبقى الشركةُ في أربع مئة، فلا إجبارَ على الأصحِّ. وأطلق الأصحابُ أنَّ قسمة الردِّ بيع، وهذا صحيحٌ فيما يُقابَل بالعوض، و [أمَّا] (٢) ما لا يُقابل به؛ فإن أجبرنا عليه، ففيه القولان، وإن لم نجبر عليه، ففيه الطريقان، وفي كلامهم ما يدلُّ على ذلك. * * *

стр. 3029

٣٨٩٨ - فصل في افتقار القسمة إلى اللفظ إذا مُيِّزت السهامُ؛ فإن كانت القسمةُ إجبارًا، فلا حاجةَ إلى لفظ البيع، ولا غيره اتِّفاقًا، سواء جعلناها إفرازًا أو بيعًا، وإن كانت قسمةَ تراضٍ؛ فإن رضوا بها قبل التمييز، ثمَّ قالوا بعد القرعة: رضينا بهذه القسمة، صحَّت القسمةُ، ولا حاجةَ إلى لفظ البيع، وإن رضوا بحكم القرعة قبل خروجها، ثمَّ رجع أحدُهم قبل القرعةُ، بطل رضاه اتفاقًا، وإن استمرَّ الرضا حتَّى خرجت القرعةُ؛ فإن لفظوا بالرضا بعد القرعة، صحَّت القسمةُ، وكذا إن لم يتلفَّظوا على الأصحِّ، وإذا أنشؤوا الرضا بعد القرعة، لم يشترط لفظ البيع، وفي اشتراط لفظ القسمة، أو ما يدلُّ عليها؛ كالتمييز والتفاضل وجهان: أحدُهما: يُشترط ذلك. والثاني: يكفي ما يدلُّ على الرضا؛ كقولهم: رضينا بهذا. ٣٨٩٩ - فرع للقاضي: إذا تساوت قوالبُ اللَّبِن، أُجبر على قسمته، وإن تفاوتت، فقولان. * * * ٣٩٠٠ - فصل في قسمة المال الربويِّ المال الربويُّ إن جاز بيعُ بعضه ببعض، صحَّت قسمتهُ، وإن لم يجز، فقولان يجريان في قسمة الوقف مع الطلق، فإن جعلنا القسمةَ إفرازًا، [جاز، وإلَّا فلا.

стр. 3030

ولا تجوز قسمةُ الدار الموقوفة وإن جعلنا القسمةَ إفرازًا] (١)، وأبعد مَنْ أجازها إذا مسَّت الحاجةُ، وأشرفت على الخراب. * * * ٣٩٠١ - فصل في كيفية القسمة تجوز قسمةُ المثليِّ كيلًا ووزنًا، فإن قُسم الربويُّ المكيلُ وزنًا، أو الموزونُ كيلًا؛ فإن جعلنا القسمةَ إفرازًا، جاز، وإلَّا فلا. وتقسم الأراضي بالمساحة والتكسير بالضرب، فإن تفاوتت السهامُ، قُسمت على أقلِّها، ثمَّ مُيِّزت بالمساحة، أو بتعديل القيمة، فإذا كان لأحدهم سدسٌ، وللثاني ثلثٌ، وللثالث النصفُ، مُيِّزت أسداسًا بالمِساحة، أو تعديل القيمة، ثمَّ يُقرع بينهم، والنصُّ: أنَّا نكتب أسماءَهم، ثمَّ تخرج الرقاع على السهام؛ كالسهم الأوَّل والثاني وغيرهما. ولو أعتق في مرض موته عبيدًا لا يملك غيرَهم، فالنصُّ أنَّا نكتب الرقَّ والحريةَ، ونخرجهما على العبيد، وقياسه في القسمة أن تُكتبَ السهام؛ كالأوَّل، وما بعده، ثمَّ تُخرج على أسماء الشركاء، ففرَّق بعضُهم بأنَّ الحريةَ حقٌّ لله دون العبيد، ولذلك لا تسقط بإسقاطهم، فكانت كتابتُها أولى، والمقسوم ملك للشركاء، فكانت كتابة أسمائهم أولى، وقيل: فيهما قولان: أحدُهما: تكتب أسماء العبيد والشركاء. والثاني: تكتب الحريةَ والرق والأنصباء، ولا خلافَ في جواز الأمرين،

стр. 3031

وإنَّما الخلافُ في الأولى، وإذا كُتبت الأسماء، فالأصحُّ: [أنَّا نكتب] (١) ثلاثَ رقاع، وقال العراقيون: الأصحُّ: أنَّا نكتب ستَّ رقاع؛ لصاحب السدس واحدة، ولصاحب الثلث اثنتان، ولصاحب النصف ثلاثة؛ إذ قد يكون لصاحب الكبير غرض في الطرف، فيتوقَّع من تكبير رقاعه خروج رقعته على الطرف، وهذا باطل؛ إذ لا حقَّ لواحد منهم في الطرف، فإن قلنا بالثلاث، فكُتب ستة، أو قلنا بالستَّة، فكُتب ثلاثة، لم تصحَّ القسمةُ، وفي كلام أبي عليٍّ (٢) ما يدلُّ على جواز الأمرين، وحُمل الخلافُ على الأولى. فإذا كُتبت الرقاعُ وقف القاسمُ على طرف بعينه بتحكُّمه، ويقول: أخرج القرعةَ على هذا الطرف، فإذا خرج عليه اسمُ أحدهم، لم تُفرَّق عليه سهامه، بل يأخذها على الولاء، فإن خرج اسمُ صاحب النصف، أخذ ثلاثة أسهم متوالية، ثمَّ يُقرع، فإن خرج اسمُ صاحب السدس، أخذ سهمَه، وتعيَّن السهمان الأخيران لصاحب الثلث بغير قرعة، وإن خرج اسمُ صاحب الثلث، أخذ سهمين متواليين، وتعيَّن الأخيرُ لصاحب السدس بغير قرعة. وإن كتبت السهام، كتب: أوَّل، ثانٍ، ثالث، رابع، خامس، سادس، ثمَّ يقول: أخرج رقعةً لصاحب النصف، فإن خرج الأوَّل، أخذه من ذلك الطرف مع سهمين متَّصلين به، وإن خرج الثالثُ، أخذه مع الأوَّل والثاني، ولا يأخذه مع الرابع والخامس، وإن خرج له الرابعُ، أخذه مع الخامس والسادس؛ لئلَّا يتفرَّق نصيبُ الثالث.

стр. 3032

قال الشافعيُّ: وتكتب رقاع متساوية المقدار، وتُدرج في بنادقَ من طين أو شمع متساوية، وتجفَّف وتوضع في حِجْر مَنْ لم يحضر ذلك؛ فإن البنادقَ إذا تفاوتت، سبقت اليدُ في الغالب إلى أخذ الكبار، ولذلك قال أبو محمَّد: لا يبعد إيجابُ التسوية. وقال الإمام: إذا أُبرزت البنادق، وقيل للمخرج: لا فرق بين الصغار والكبار، فأخرج ما شئت، وهي بارزةٌ، فلا أثرَ للصغر والكبر، وإن جُعلت في كمِّه، أو حجره، جاز أن يؤثِّر تفاوتُها في الاحتياط، ويبعد أن يؤثِّر في الاشتراط. * * * ٣٩٠٢ - فصل في ظهور بعض المقسوم مستَحَقًّا إذا قُسمت الأرضُ نصفين، فاستُحقَّ منها ثلثٌ شائع، بطلت القسمةُ فيه، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، فإن قلنا: تبطل، أُعيدت القسمةُ، وإن قلنا: تصحُّ، صار لصاحب الثلث ثلثٌ شائع فيما صار (إلى كلِّ) (١) واحد منهما. ولو قُسمت التركةُ، ثمَّ ظهر دينٌ على الميت، أو وصيَّة لا تتعلَّق بعين، فقد قال العراقيُّون: إن جعلنا القسمةَ إفرازًا، صحَّت القسمةُ بشرط أن يوفوا الوصيَّة والدين، وسواء علموا بالدين لمَّا اقتسموا، أو لم يعلموا، وإن جعلنا القسمةَ بيعًا ففي صحَّة القسمة والبيع قبل قضاء الدين قولان:

стр. 3033

أحدُهما: يصحَّان إن قضوا الدين. والثاني: لا يصحَّان؛ كبيع الرهن. وقال الإمام: إن منعنا الإرثَ بالدين، لم تصحَّ القسمة، وإن لم نمنعه؛ فإن جعلنا تعلُّقَ الدين بالتركة كتعلُّقه بالرهن، لم تصحَّ القسمة، ولا البيعُ، وإن جعلناه كتعلُّق الجناية برقبة العبد، ففي صحَّة البيع والقسمة قولا بيع العبد الجاني، سواء جُعلت القسمةُ بيعًا أو إفرازًا، فإنَّ الإفرازَ تصرُّف في متعلِّق الدين، فأشبه البيع. فإن قلنا بالصحَّة، فلم يؤدُّوا الدينَ، نُقضت القسمةُ والبيع، وينبغي أن يلحقَ تصرُّفهم بتصرُّف المفلس، فيوقَف على قول، فإن أدَّوا الدَّين، تبيَّنت الصحَّة، وإن لم يؤدُّوه، تبيَّن البطلان، فإنَّ انحصارَ الدَّين في التركة كانحصار حقوق الغرماء في مال المفلس. ٣٩٠٣ - فرع: إذا جرت قسمةُ التعديل، فاستُحِقَّ شيءٌ معيَّن؛ فإن كان المقسومُ صنفًا واحدًا، فظهر المستَحَقُّ في نصيب أحدهم، أو في جميع نصيبه، بطلت القسمةُ، وإن كان متعدِّدًا؛ كالعبيد، فاستُحِقَّ من حصَّة أحدهم عَيْن، واستُحقَّ من حصَّة الآخر مثلُها مع تساوي القيمة، لم تُنقض القسمة؛ لاستوائهما في المستَحَقِّ وغيره، ودلَّ كلامُ بعضهم على البطلان، فإنَّ القسمةَ لم تُوقَع على ذلك أوَّلًا، وقد بطلت صفتُها بالاستحقاق. * * *

стр. 3034

٣٩٠٤ - فصل في دعوى الغلط إذا ادَّعى بعضُ الشركاء أن القاسمَ غلط، أو حافَ في القسمة؛ فإن كان منصوبًا للحاكم في قسمة إجبار، لم يُقبل قولُه إلَّا ببيِّنة، ولا يحلف القاسم، كما لا يحلف الحاكمُ، سواء تعدَّد القاسم أو اتَّحد، فإن ادَّعى علمَ الشريك بالحَيْف، فله تحليفُه، فإن حلف انقطعت الخصومةُ، وإن نكل، حلف المدَّعي يمين الردِّ، وانتقضت القسمةُ، وإن ادَّعى علمَ الشركاء بذلك، فحلف بعضُهم، ونكل آخرون، حلَّف على الناكلين، وانتقضت القسمةُ في أنصبائهم، وأبعد مَنْ قال: إذا جعلنا يمين الردِّ كالبيِّنة، انتقضت في حقِّ الجميع. وإن نصب الشركاءُ القاسمَ في قسمة لا يُجبر على مثلها، ثمَّ ادَّعى بعضُهم الغلطَ أو الحَيْفَ فقد قال العراقيون: إن رضوا بالقسمة في الابتداء، وفيما بعد القرعة، لم تُسمع دعواه، ولا بينته؛ كمن غُبن في الشراء مع ظنِّه أنَّ الثمنَ ثمنُ المثل، وقال الإمام: ينبغي أن تبطلَ القسمةُ (إذا ظهر ذلك) (١)، فإنَّهم إنَّما رضوا بتقدير التعادل والاستواء، وإن رضوا في الابتداء، ولم يحدِّدوا الرضا بعد القرعة، فقد قال العراقيون: إن شرطنا تجديدَ الرضا، فلكل واحد نقضُ القسمة، وإن لم نشترطه لم تُسمع دعواه، ولا بيِّنتُه؛ كقسمة الإجبار، وفيما ذكروه نظر؛ فإنَّ منصوبَ القاضي شاهدٌ، أو حاكم، بخلاف منصوبهما. وإن اقتسما بأنفسهما، فالظاهر اشتراطُ رضاهما بعد القسمة، وفيه احتمال، فإن اقتسما وهما عالمان بالتفاوت راضيان به، لزمت القسمةُ على مقتضى كلام الأصحاب.

стр. 3035

وقال الإمام: إن جعلنا القسمةَ إفرازًا، لم يلزم بدون الاعتدال، وإن جعلناها بيعًا، لزمت، ويتَّجه أن يشرط هاهنا لفظُ البيع، وإنَّما يُقام لفظ القسمة مُقامَ لفظ البيع إذا جرت حقيقةُ القسمة، وحقيقتُها: التعادلُ والاستواء. ٣٩٠٥ - فرع: إذا اختلفا في أصل القسمة، فالقولُ قول النافي إلَّا أن تقعَ بمنصوب الحاكم، فيُرجع إليه، لأنَّه شاهد أو حاكم. * * * ٣٩٠٦ - فصل في قسمة الحاكم اعتمادًا على أيدي الشركاء إذا طلب جماعةٌ من الحاكم قسمةَ دار في أيديهم؛ فإن ثبت ملكُهم، أجابهم، وكذا إن لم يثبت في أصحِّ القولين، فيكتب: إنِّي قسمتُها بينهم بطلبهم، ولم يثبت عندي ملكُهم، وإن طلب البعضُ، وأبى الآخرون، فطريقان: إحداهما: يقسمها؛ قطعًا للخصومة. والثانية: فيها القولان. وقطع الإمامُ بجواز القسمة في الصورتين، وتردَّد في وجوب القسمة؛ لأنَّ الوجوبَ يجوز أن يستدعيَ موجبًا، وأمَّا الجواز: فيُكتفى فيه بظاهر الحال؛ فإنَّ من أدخل الحاكمُ (١) دارًا في يده، وأضافه فيها، جاز له ذلك، وهو عادةُ الأتقياء والأولياء. * * *

стр. 3036

٣٩٠٧ - فصل في المهايأة إذا تعذَّرت قسمةُ الملك، انتفع به الشركاءُ مهايأةً على ما يتراضون به من (١) مياومة أو مسابعة أو مشاهرة أومسانهة، فإن امتنع بعضُهم، لم يُجبر، خلافًا لابن سُريج، فإن قلنا بالمذهب، فتمانعوا نكدًا (٢)، فوجهان: أحدهما: لا يُتعرَّض لهم، بل يُترك الملك معطَّلًا حتَّى يصطلحوا. والثاني: يُباع عليهم، ويُقسم ثمنُه بينهم، ولا يُعدُّ هذا من المذهب، ولا يجري إلَّا إذا استمرَّ الطلبُ والتنازع، فإن تركوا ذلك تركناهم، وإذا جرت المهايأةُ، فلا نتبع لما وقع من نوبها، فإن كانوا في ابتداء النوب، فاستوفى أحدُهم نوبتَه، ثمَّ رجع عن المهايأة، فوجهان: أحدهما: تُدار النُّوَبُ بينهم إلى إتمامها، ثمَّ يتخيَّرون. والثاني -وهو أقيسُ-: لا تجب الإدارة، وعلى مستوفي النوبة أجرةُ حصص شركائه. * * *

стр. 3037

٣٩٠٨ - باب ما على القاضي في الخصوم والشهود من تولَّى ولاية عظيمة؛ كالقضاء فليتنجز كتبَ الإمام أو والي الإقليم بذلك، ثمَّ [تثبت توليته] (١) في محلِّ ولايته بالاستفاضة، وفيما يجب به طاعتُه مذهبان: أصحُّهما: إذا استفاضت ولايتُه، وجبت طاعتُه؛ اعتبارًا بسير السلف. والثاني: لابدَّ من عَدْلين يشيعان ولايتَه وإن لم يكن بلفظ الشهادة. فإن كانت تلك الولايةُ ممَّا تقتضي العادةُ استفاضتَها، فلم تَسْتَفِض، ففي اشتراط الاستفاضة (٢) احتمال؛ لوقوع الريب. وقال بعضُ الأصحاب: يكفيه كتابٌ تظهر معه مخايلُ صدقه؛ لظهور سطوة الولاية، وكون الكتاب بخط مشهور من الكُتَّاب، وهل يُشترط مع الكتاب عدلان يخبران بذلك؟ فيه وجهان، وينبغي أن يقدِّم كتبَهُ إلى محلِّ ولايته، ويتعرَّف أحوال العدول والمزكِّين، وأركان القضاء، ويكاتبهم ليستعدُّوا، ويكون ذلك من أسباب الاستفاضة. * * *

стр. 3038

٣٩٠٩ - فصل فيما يبدأ به الحاكمُ إذا قدم إذا قدم الحاكمُ وتصدَّى للحكم، تحتِّم عليه البدايةُ بالمحبَّسين، فيحضرهم، فمن أقر أنَّه حُبس بحقٍّ، ردَّه إلى الحبس، ومن ادَّعى أنَّه حُبس ظلمًا، وجب إطلاقُه عند القاضي حسين، وقال الجمهور: يُسأل عن خصمه، فإن ذكره أحضره، وأمره أن يستأنفَ الدعوى، ويجري فيها على ترتيب الخصومات، فإن لم يُقم عليه بَيِّنة، أطلقه؛ فإنَّ الحبسَ يكون بالحقِّ والباطل، والتعزير والتأديب. فعلى هذا: لو وجد محبوسًا لا يُعرف خصمُه، نادى عليه أيَّامًا إلى حدِّ الإشاعة: أن فلان بن فلان محبوس، فمن خصمُه؟ ولا يُطاف به في تلك الأيَّام، ولا يُحبس ولا يُخلَّى، بل يُنصب عليه رقيب، ثم يُطلق بعد مدَّة الإشاعة، ويُؤخذ منه كفيلٌ ببدنه، فإن امتنع، لم يُحبس على الأصحِّ، ولو قال: حُبست ظلمًا، وخصمي غائب، ولو حبسناه لطال حبسه، فإنَّه يُطلق، وهل يُنصب عليه رقيب؟ فيه وجهان؛ لما في المراقبة من الأضرار. ولا ينبغي للحاكم أن ينظرَ في قضيَّة تُرفع إليه حتَّى يفرغ من ذلك، ثمَّ ينظر في الأُمناء والقُوَّام، وما بأيديهم من أموال الأيتام، فإن أمكنه فصل خصومة في أثناء ذلك من غير أن يختلَّ نظرُه فيه، فليفعل، وإلَّا فالبداية بالمحبَّسين، وأموال الأطفال، وإن استخلف فيما يسنح من الوقائع، واشتغل بهذين المهمَّين، فله ذلك حيث يجوز له الاستخلافُ. * * *

стр. 3039

٣٩١٠ - فصل في التسوية بين الخصوم يجتنب الحاكمُ كلَّ ما يشعر بتخصيص أحد الخصمين بإقبال أو إكرام، فلا يخصُّ أحدَهما بالإذن، ولا بالنظر إليه، ولا بالتبسُّم، فينظر إليهما، أو يُطرق، ولا يتبسَّم في وجه أحدهما، ويعبس في وجه الآخر. قال الشافعيُّ: ولا يُضيِّف أحدَهما، فقيل: لا يكون ضيفًا له، وقد ذكرناه في حضور الولائم، وقيل: لا يتَّخذه ضيفًا. ويسوِّي بينهما في المجلس إن كانا مسلمين، أو كافرين، وإن كان أحدُهما ذمِّيًا، والآخر مسلمًا، ففي رفع مجلس المسلم وجهان، وإن سلَّما، ردَّ سلاميهما، وإن سلَّم أحدُهما، ردَّ سلامه؛ إذ لا يظهر بذلك ميلٌ، وأسرف مَنْ قال: لا يردُّه، فإنَّه سلَّم في غير محلِّ السلام؛ فإنَّ الحاكمَ في شغل شاغل، أو يقول لخصمه: سلِّم، ثمَّ يردُّ سلامَيْهما. فإذا جلس الخصمان، فله أن يقولَ: من الطالبُ منكما، فإن ادَّعيا معًا أُقرع بينهما، وإن سبق أحدُهما بالدعوى، فقال الَاخر: كنت أنَا المدَّعي، فبادرني بالدعوى، قيل له: اخرج عن دعواه، ثمَّ ادَّعِ عليه، فإن صحَّت الدعوى، طالب المدَّعى عليه بجوابها إن التمسه المدَّعي، وكذا إن لم يلتمسه على الأصحِّ، فإن أنكر، قال للمدَّعي: ألك بيِّنة، وأبعد مَنْ قال: لا يقول ذلك، فإن قال المدَّعي: لا بيِّنة لي حاضرةٌ، ثمَّ أقام بيِّنة، قُبلت اتِّفاقًا، وإن قال: لا بينة لي، أو قال: لا بينة لي حاضرة، ولا غائبة، ثمَّ أقام بيِّنة، ففي قَبولها وجهان. وإذا قامت البيِّنة العادلةُ، لم يثبت الحقُّ حتَّى يقولَ الحاكم: قضيت

стр. 3040

به، وإن أقرَّ إقرارًا صريحًا، ثبت الحقُّ، وأبعد مَنْ قال: لا يثبت حتَّى يقول: قضيت، والفرق: أنَّ ما يُتوقَّع من الريب بعد التعديل لا بدَّ من قطعه بقوله: قضيت، وإن سكت المدَّعى عليه؛ فإن كان عن عيٍّ (١) وحصر، رُوجع، فإن أصرَّ، جُعل سكوتُه إنكارًا. * * * ٣٩١١ - فصل في هدايا الحكَّام الأَوْلى بالحاكم أن يغلقَ بابَ قَبول الهدايا، فإن أُهديَ إليه شيءٌ؛ فإن كان للمهدي خصومةٌ، حَرُم القَبولُ، فإن قَبل، لم يملك عند الأكثرين، وفيه وجه، وإن لم يكن له خصومةٌ؛ فإن لم يكن من أهل ولايته، فإن كان معتادًا للهديَّة قبل الولاية، فالأَوْلى ألَّا يقبلَ، وإن قَبِل، ملك، وإن لم تكن عادتُه أن يُهدي إليه، كُره القَبول، فإن قبل، ملك، وُيستحبُّ أن يثيبَه، فإن لم يثبه، وضع الهديةَ في بيت المال، وإن كان من أهل ولايته، اشتدَّت الكراهة، فإن قَبل، ملك، وأبعد مَنْ قال: لا يملك، فعلى هذا: يحرم القَبولُ. * * * ٣٩١٢ - فصل فيمَنْ يقدَّم من الخُصوم إذا ازدحم الخصومُ على الحاكم، قدَّم بالسبق، فإن استووا، قدَّم بالقرعة، فإن كان فيهم نساء، أو مسافرون مستوفزون؛ فإن كثروا بحيث يعظم تضرُّر غيرهم إذا قدَّمهم، لم يقدِّمهم إلَّا بسبق أو قرعة، وإن قلُّوا، ورأى

стр. 3041

تقديمَهم، جاز على الأصحِّ. وإذا قدَّم واحدًا بسبق أو قرعة، فخاصم، ثمَّ أنشأ خصومةً أخرى؛ فإن كانت مع خصم آخر، لم تُسمع، وإن كانت مع خصمه الأوَّل، لم تُسمع على الأصحِّ، وقيل: تُسمع إلى ثلاث خصومات، ولا زيادة على الثلاث. وإن تسابق طلبةُ العلم؛ فإن كان ذلك العلمُ ممَّا لا يجب تعليمُه، فالخيار للمعلِّم، وإن كان ممَّا يجب تعليمُه، فهل له أن يخصَّ به أهل الكفاية؟ فيه وجهان: أولاهما: المنعُ؛ إذ لا علمَ له بمَنْ يفلح، ومن لا يفلح، فإن لم يمكن تعليمُ الكلِّ، وكانت مراتبهُم موجبةً لتخصيص كلِّ واحد بما يليق به، قدَّم بالسبق، فإن استووا، فبالقرعة. ٣٩١٣ - فائدة: ينبغي للإمام أن يجعلَ مع رزق الحاكم ثمنًا للقراطيس التي يكتب فيها الحُجَج المخلَّدة في ديوانه، فإن لم يفعل، لم يلزم الحاكم، وقال للخصم: إن أردت التوثُّق بحقِّك، فأتِ بقرطاس نكتب فيه؛ لنتذكَّر به إذا رجعنا إليه، فإن لم تفعل، فلا عليك. * * * ٣٩١٤ - فصل في إحضار المخدَّرة إذا كانت الدعوى على مخدَّرة لم تحضر مجلسَ الحكم، بل يَحْضرها الحاكمُ أو نائبه، وقال القفَّال: تحضر مجلسَ الحكم؛ فإنَّ ذلك لا يبطل الخِدْر.

стр. 3042

وإن كان المدَّعى عليه مريضًا، فالوجهُ أن يحضرَه الحاكمُ أو نائبه. قلت: لو كُلِّفت المُخَدَّرة والمريضُ التوكيلَ، لكان أقربَ من تبذُّل الحاكم أو نائبه، إلَّا أن تتعلَّقَ الدعوى والبينة والحكم بأعيانهما. واختلفوا في المخدَّرة، فقيل: هي التي لا تعتاد التبذُّلَ بالخروج للحوائج وإن خرجت للعزايا، والزيارات، وقيل: التي لا تخرج للحوائج، ولا تخرج للعزايا والزيارات إلَّا نادرًا، وقال الإمامُ: هي التي لا تخرج إلَّا لضرورة. ٣٩١٥ - فائدة: إذا أقرَّ رجل أنَّه شهد بالزُّور، أو علم الحاكمُ أنَّه تعمَّد ذلك؛ فإن لم يكن ذلك عن عثرة، بادر إلى تعزيره، وينبغي أن يبعثَ به إلى المواضع الجامعة؛ كالمسجد الجامع، فيُنادى عليه، ويُشاع فعله، ويُحذَّر الناس من تحميله الشهادة. * * * ٣٩١٦ - فصل في حكم القاضي بعلمه لا يحكم القاضي بخلاف علمه اتِّفاقًا، فإذا قامت البينةُ بموت إنسان رآه الحاكم حيًّا في وقت الشهادة، أو تزوَّجته امرأة يعلم أنَّها محرمٌ للزوج، فلا يحكم بذلك؛ لعلمه بكذب البينة، ثمَّ قال الأئمَّة: إذا امتنع من الحكم، فحسن أن يذكرَ ما عنده، فإنَّه أنفى للريبة، وإن علم وجوب مال لله، كالزكاة، أو للعباد؛ كالديون والأعيان، أو علم وجوبَ حدٍّ لله تعالى، أو للعباد، فهل يحكم بعلمه؟ فيه قولان جعلهما بعضُهم في مرتبة واحدة، ورتَّب الأكثرون

стр. 3043

حدودَ العباد على المال، وحدودَ الله على حدود العباد، فإن قلنا: يحكم بعلمه، فسواء علم بذلك في محلِّ ولايته وزمنها، أو في غيرهما، وإن قلنا: لا يقضي بعلمه، فعليه فرعان: أحدُهما: أن يكونَ مع المدَّعي شاهد واحد، فلا يحكم له على أقيس الوجهين. الثاني: (يحكم) (١) في التعديل بعلمه، وأبعد مَنْ منعه. ٣٩١٧ - فرع: إذا أقرَّ إنسان في مجلس القضاء على رؤوس الأشهاد، قُضي بإقراره قولًا واحدًا، وإن أقرَّ عنده سرًّا، ففيه القولان، وأبعد مَنْ قال: يقضى قولًا واحدًا. * * * ٣٩١٨ - فصل في التحكيم إذا حكَّم رجلان رجلًا يصلح للقضاء في مال، ففي نفوذ حكمه عليهما قولان، وفي النكاح قولان مرتَّبان وأَوْلى بالمنع، وفي العقوبات قولان مرتَّبان على النكاح، وأولى بالمنع، وفي محلِّ القولين طرقٌ: إحداهنَّ: إن كان في البلد قاضٍ، لم يجز، وإلَّا فقولان. والثانية: إن لم يكن بالبلد قاضٍ، جاز، (وإن كان) (٢)، فقولان.

стр. 3044

والثالثة: طرد القولين في الصورتين، فإن أجزناه، فلا بدَّ من رضا الخصمين، وأن يكون المحكَّم ذكرًا حرًّا مقبولَ الفتوى بحيث يجوزُ للإمام نصبُه، فإن تعلَّق حكمُه بثالث، لم ينفذ عليه، فإن كانت الدعوى بقتل خطأ؛ فإن أقرَّ به الخصمُ، لم تجب الدِّية على العاقلة إلَّا أن يصدِّقه، وإن قامت به بينة، لم تجب عليهم على أقيس الوجهين إلَّا أن يصدِّقوه، ولو رضيا بحكمه، ثمَّ رجع أحدُهما قبل الحكم، لم ينفذ حكمُه عليه اتِّفاقًا، وأبعد مَنْ قال: إذا خاض في الحكم، لم ينفذ الرجوعُ، وإذا رضيا قبل الحكم، فإن جدَّدا الرضا بعد الحكم، نفذ، وإن لم يجدِّداه، فوجهان. ولا يتَّخذ حبسًا على المذهب، وفيه وجه، ولا يتولَّى العقوبات عند أبي محمَّد، والإمام، بل يقتصر على إثباتها، والحكم بها. * * * ٣٩١٩ - فصل في الاستخلاف شرط الحاكم أن يكون ذكرًا حرًّا، مقبولَ الفتوى؛ فإنَّ الفاسقَ المجتهدَ يعمل باجتهاده، ولا تُقبل فتواه، وزاد الإمامُ الكفايةَ اللائقة بالقضاء، وهي التشميرُ والاستقلال بالأمر مع مواتاة النفس على الجدِّ فيه، وذلك مُشْبِهٌ للنجدة في الإمام، وفي معرفة الخطِّ وجهان. والأولى بالإمام أن يأذنَ له في الاستخلاف؛ لما يطرأ عليه من الأغراض، فإن نهاه عن الاستخلاف، لم يستخلف، وإن أطلق توليتَه، فهل له الاستخلاف؟ فيه أوجه، ثالثُها: إن استقلَّ بما فوَّضه إليه، لم يستخلف، وإن اتَّسع محلُّ

стр. 3045

الولاية (١) بحيث لا يستقلُّ، فله أن يستخلفَ، [ويُشترط في نائبه ما يشترط فيه إلَّا أن يستخلفَه في بعض أركان القضاء] (٢)، فلا يُشترط فيه الاجتهادُ، ويكفيه أن يستقلَّ بمعرفة ما فوِّض إليه، كما لو استخلفه للتزكية، أو ليحضرَ موضعًا؛ لتعيُّن شهوده، ونحو ذلك، وجوَّز أبو محمَّد قصورَ قضاة النواحي إذا فُوِّض إليهم سماعُ البيِّنات ونقلها، وينبغي أن يستقلُّوا بسماع الدعوى، وأحكام البيِّنات. * * * ٣٩٢٠ - فصل في العزل للحاكم أن يعزل نفسَه، فإن عزله الإمامُ؛ فإن رابه منه أمرٌ أو غلب على ظنِّه، ولم يتحقَّقه، نفذ عزلُه، وإن لم يظنَّ به إلَّا الخير؛ فإن عزله بأفضلَ منه، انعزل، وإن عزله بدونه، لم ينعزل، وإن عزله بمثله، فوجهان. وقال الإمام: حقٌّ على الإمام ألَّا يصدرَ توليةً ولا عزلًا، ولا غيرهما من أمور المسلمين إلَّا عن نظر ثاقب، وبَحْث تامٍّ، ويختلف ذلك باختلاف خطر المنظور فيه، فإن رأى عزلَه بدونه؛ ليشغل الأفضلَ بأمر أهمَّ من القضاء، نفذ عزله. وإذا أطلق العزلَ لم يُعترض عليه إذا أمكن أن يكونَ فيه مصلحة ونظر، فإن عزل واليًا من غير نظر، أثم في الباطن، وتردَّد بعضُ الأصوليِّين في نفوذ

стр. 3046

عزله، وقطع الإمامُ بنفوذ العزل. وينبغي للإمام أن يعلِّقَ العزلَ على بلوغ الخبر، فيقول: إذا وقفت على كتابي، فأنت معزول، فإن قال: إذا قرأته (١)، فأنت معزول، فقُرئ عليه، كان حكمُ تعليقه هاهنا كحكم تعليق الطلاق على بلوغ الكتاب في محلِّ الخلاف والوفاق، وقال الصيدلانيُّ: إذا قُرئ عليه، انعزل اتِّفاقًا؛ نظرًا للمقاصد، بخلاف الطلاق. * * * ٣٩٢١ - فصل فيما ينعزل به الحاكم كلُّ طارئ يمنع ابتداءَ التولية؛ كالجنون والنسيان المُخِلِّ بالاجتهاد فإنَّه مانع من التصرُّف بالولاية، وفي الفسق خلافٌ، والأكثرون على الانعزال، فإن قلنا: لا ينعزل، وجب عزلُه، وينفذ مِن تصرُّفه قبل العزل ما يوافق الشرعَ، وإذا قلنا بانعزال الوكيل بالجنون (٢)، فجُنَّ الحاكم، ثمَّ أفاق، ففي بقاء ولايته بعد الإفاقة وجهان، والوجه ألَّا تبقى؛ لأنَّ الولايهَ جائزةٌ من جانبه كالوكالة. وإذا عُزل الحاكم أو مات أو انعزل وله خلفاءُ، فمن كان خليفة (٣) في أمرٍ جزئي؛ كسماع شهادة في واقعة انعزل، ومَنْ كان مستقلًّا بالحكم أو قيِّمًا في مال طفل، ففي انعزاله أوجهٌ، أبعدُها: أنَّه ينعزل إلَّا أن يكونَ مأذونًا له في

стр. 3047

الاستخلاف، وإن مات الإمامُ، لم تنعزل ولاتُه على الأظهر؛ لعُمُوم الضرر، وأبعد مَنْ أجرى الخلاف. * * * ٣٩٢٢ - فصل في إقرار الحاكم بالحكم إذا قال الحاكمُ: حكمتُ لفلان بكذا، قُبل قولُه اتِّفاقًا، وإن منعناه من القضاء بعلمه؛ فإنَّ من يملك الإنشاء يملك الإقرارَ، وإن أقرَّ بذلك بعد العزل، لم يُقبل. وإن شهد على (١) ذلك مع شاهد آخر؛ فإن أضاف الحكمَ إلى نفسه، لم يُقبل، خلافًا للإصطخريِّ، فإنَّه جعله كشهادة المرضعة على الرضاع، وإن قال: أشهدُ أن حاكمًا عادلًا حكم، فوجهان، وإن شهد عدلان لم يحكما قطُّ على حُكم حاكم لم يسمِّياه، ولم يعيِّناه، قُبل على ظاهر المذهب. ومن ادَّعى على الحاكم بعد العزل أنَّه أخذ منه رِشوةً، أحضره الحاكمُ الجديد، وفصل الخصومةَ بينهما، وإن قال: حكم عليَّ بشهادة عبدين، أو مُعْلِنين بالفسق، ففي إحضاره وجهان، وقطع الإمامُ بأنَّه يحضره؛ ليبحث عن حقيقة الحال، فإن حضر، فلم يقم عليه بينة، ففي تحليفه وجهان؛ فإنَّه لم يدَّع عليه بمال، وقد قال بعضُ الأصحاب: لا تُسمع هذه الدعوى إلَّا أن يقول: أخذ منِّي المال ظلمًا. ٣٩٢٣ - فرع: إذا ادَّعى بعض الأمناء أو الأوصياء أنَّ الحاكمَ المعزولَ جعل له أجرةً

стр. 3048

من جملة المال؛ فإن أقام البيِّنة بذلك (١)، لم يُدفع إليه سوى أجرة المثل، وإن لم يقم البيِّنة؛ فإن صدَّقه المعزولُ، لم يُقبل تصديقُه، وفي وجوب أجرة المثل وجهان كالوجهين في وجوبها بالاستعمال. * * * ٣٩٢٤ - فصل في حكم الحاكم لولده وعلى عدوِّه ليس للحاكم أن يحكمَ لنفسه، وإن حكم لولده، أو على عدوِّه، فهو كشهادته عند الأصحاب، وإن سمع البيِّنة، وفوَّض الحكمَ إلى غيره، فوجهان، وقال الإمام: الأصحُّ: أنَّه إن حكم بعلمه، لم ينفذ وإن جوَّزنا القضاءَ بالعلم، وإن حكم بالبيِّنة، فوجهان، فإن منعناه، لم يصحَّ تعديلُه للبيِّنة، ولا نقلُها وإن نقلها عن الأصل عدلان. ٣٩٢٥ - فائدة: إذا توكَّل رجل في الدعوى بحقوق جماعة على رجل، فلكلِّ واحد منهم تحليفُه، فإن رضوا بيمين واحدة، ففي إجابتهم وجهان؛ لأنَّ ذلك تغييرٌ لوضع الشرع، فأشبه ما لو رضي المدَّعى عليه أن يحكمَ عليه بشاهد واحد. وكذلك جميعُ أركان القضاء، والخصومات، ويجب الإشهادُ في النكاح، وفي الرجعة قولان، ويُستحبُّ في سائر العقود؛ خوفًا من الجُحود. * * *

стр. 3049

٣٩٢٦ - باب عدد الشهود وحيث لا تجوز شهادة النساء المحكوم به على خمسة أقسام: أعلاها: ما يُشترط فيه أربعةُ رجال، وهو الزنا، واللواط إن أوجبنا فيه الحدَّ، وإن لم نوجبه، فقولان. ويثبت الإقرارُ بالزنا بأربعة رجال، وفي ثبوته برجلين قولان، ولا يجوز الشهادةُ بالزنا بالقرائن المقاربة لليقين، ويُشهد به إذا رُئي الذكر في الفرج كالمِرْود في المُكْحُلة، فإن وقع بصرُه عليه، شهد به، وإن تعمَّد النظر؛ ليشهد به، أو نظر من امرأة إلى ما لا يطلَّع عليه الرجال غالبًا؛ [لحاجة تحمُّل] (١) الشهادة، ففيه طرق: إحداهن: لا يجوز في الزنا، وفي بواطن النساء وجهان. والثانية: يجوز في بواطن النساء؛ وفي الزنا وجهان. والثالثة: لا يجوز في بواطن النساء؛ إذ يمكنُ أن تشهدَ بها النساء، وفي الزنا وجهان، وينبغي للإمام أن يبحثَ في الشهادة على الزنا، ويسعى في درء الحدِّ قبل ثبوته، كما فعل عمرُ في قصَّة المغيرة (٢).

стр. 3050

الثاني: ما لا يثبت إلَّا برجلين، وهو ما يطَّلع عليه الرجالُ، وليس بمال، ولا يُقصد به المال؛ كالحدود والقصاص، وإثبات النكاح على الزوجة، والطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، والإقرار بانقضاء العدَّة، والاستيلاد إذا أنكره السيِّد، ونصب الوكلاء والأوصياء على التصرُّف في المال أو غيره. الثالث: ما يثبت بشاهد وامرأتين، وهو المالُ وحقوقه، وكلُّ ما يقصد به المال؛ كالشراء والبيع، والإجارة، والقرض، والإتلاف، وقتل الخطأ والجوائف، والشِّجاج سوى المُوضِحة الموجبة للقصاص، وكذا فسخُ عقود الأموال، وحقوق المال؛ كالرهن، والخيار، واشتراط الرهن، والضمين، والإبراء من الأموال، والأقارير بها، وقبضها، وقبض نجوم الكتابة، وفي النجم الأخير لأجل العتق وجهان، وكذا وطءُ الشبهة لإثبات مهر المثل، وتمكين الزوجة لاستحقاق النفقة، وقتل الكافر لاستحقاق سَلَبه، وإثبات الزوجة النكاح لأجل المهرِ، فيثبت بذلك المهر دون النكاح، وتثبت بذلك الوصيَّة له دون الوصاية إليه، وكذلك البيعُ دون التوكيل به، ولا يثبت جرحُ شهود [المال] (١) إلَّا برجلين، والأصحُّ: أنَّ الأَجَلَ من حقوق المال، وأبعد مَنْ رمز إلى أنَّه كالوكالة. الرابع: ما يثبت بأربع نسوة، أو برجل وامرأتين، وهو كلُّ ما لا يطلَّع (٢)
следующие страницы →