٤٠٧٩ - باب كيفيَّة القرعة
تجب القرعةُ في العتق، ولا يقوم غيرُها من الأخطار مقامَها؛ كطيران طير لا يُتوقَّع طيرانه، أو مراجعة إنسان لا غرضَ له في عتق، ولا رقَّ، بل تُحكم القرعةُ بحيث لا يتخيَّل في خروجها تسبُّب، ولا مواطأة، وقد أقرع ﵇ في قسم الغنيمة تارةً بالنوى، وتارةً بالبعر.
والأولى: أن يكتب أسماءُ العبيد في الرقاع، ثمَّ يقول: أخرج اسمًا على الحرية، فإذا خرج اسمٌ، عتق ورقَّ الآخران. وله أن يكتبَ الرقَّ في رقعتين، والحريةَ في رقعة، ثمَّ يقول: أخرج على اسم فلان، فإن خرج العتقُ، عتق، ورقَّ الآخران، وإن خرج الرقُّ، حُكم برقِّه، ثمَّ يقرع، فإن خرجت الحرية، عتق، ورقَّ الآخران، وإن خرج الرقُّ، تعيَّن الثالثُ للعتق، والأوَّل أقربُ إلى فصل الأمر؛ إذ ليس فيه تكريرُ الإقراع، ولا خلافَ في جواز الأمرين.
قال الأصحابُ: إذا أقرعنا بين ثلاثة، فالرقُّ ضِعْفُ الحرية، فلتكن الرقاعُ على هذه النسبة؛ [رقعة للحرية، وللرقِّ رقعتان، وفي كلامهم ما يدلُّ على وجوب ذلك، وقيل: إنَّه استصواب] (١) وهو الأوجهُ، فيجوز أن يكتبَ
стр. 3187
رقعة للحرية، وأُخرى للرقِّ، فإن خرجت حرية أحدهم، عتق، وإن خرج الرقُّ، أُدرجت الرقعةُ في البندقة مرَّة أخرى.
وإذا كُتبت الأسماء أو الرقُّ والحرية، فلابدَّ من تحكيم من يرجع إليه؛ ليقول: أخرج على هذا الوجه (١)، أو أخرج اسمًا على الحرية، فلو قال: أخرج على سالم، فقال غانم: بل أخرج على اسمي، أو قال: أخرج على الحرية، فقال الورثةُ: بل أخرج على الرقِّ، أو طلب العبيدُ الإخراجَ على الحرية، والورثةُ الإخراجَ على الرقِّ، فهذا لم يتعرَّض له الأصحابُ في وجوب ولا استصواب، فلا يمتنع إذا كتب الرق والحرية أن نقرع، أوَّلًا بين العبيد؛ ليتعينَ من يعرض على الرقِّ والحرية، فإذا تعيَّن أحدُهم، أخرج اسمه على الرقِّ أو الحرية، أو يكتبَ للحرية رقعةٌ، وللرقِّ رقعتان، ثمَّ يلقي رجلٌ لم يكن في أوَّل الأمر إلى كلِّ عبد رقعةً.
* * *
٤٠٨٠ - فصل في الإقراع مع اختلاف القيم
إذا أمكنت التجزئةُ ثلاثةَ أجزاء، لم نعدل عنه، وإن تعذَّر ذلك؛ لتفاوت القيم؛ فإن أمكن التقريبُ من التثليث، جاز اتِّفاقًا، وإن أراد العدولَ عن مقاربة التثليث، فقولان:
أحدُهما: لا نعدل عنه، بل نقاربه على قَدْر الإمكان، فنجعل السبعة: اثنين واثنين، وثلاثة، والثمانية: ثلاثة وثلاثة واثنين.
стр. 3188
والثاني: نجزِّئهم على الأقرب الأيسر، فإن كان الأيسر أن نجعل السبعةَ سبعةَ أجزاء؛ والثمانيةَ ثمانيةً، فُعل ذلك، وكتب سبع رقاع أو ثمانيَ، وإن سهل تجزئةُ الثمانية أربعةَ أجزاء، فعل ذلك، فإن خرجت حرية اثنين، عتقا، ثم يُقرع بين الستة، فإن خرجت لاثنين، أقرعنا بينهما، فمن خرجت قرعتهُ، عتق منه ما يكمل ثلثَ التركة، وهذان القولان اختلافٌ في الوجوب عند الصيدلانيِّ، وفي الاستصواب عند القاضي والإمام:
* * *
٤٠٨١ - فصل في الإقراع بين الدين والعتق والميراث
إذا أعتق في مرض الموت عبيدًا لا يملك غيرَهم؛ فإن كان عليه دينٌ مستغرق، لم ينفذ العتقُ، وإن لم يكن الدينُ مستغرقًا، فلا يجوز صرفُ بعض العبيد في الدين إلَّا بقرعة، فيُقرع بين التركة والدين، فإن خرجت قرعةُ الدين على عبد يوفي جميعَ الدين، فلا ينبغي أن يقرعَ للعتق حتَّى يؤدَّى الدين؛ فإنَّه لا يسقطُ بتعيين مال له، ولهذا لو تلف المعيَّن قبل التوفية، انعكس الدينُ على التركة، فلا وصيَّةَ، ولا إرثَ ما بقي درهمٌ من الدين، ولو قيل: نقرع للعتق، ونقِفُه على أداء الدين، لكان فيه نظر؛ فإنَّ القرعةَ لا تُوقَف.
ولو كتب رقعة للإرث، وأخرى للعتق، وأخرى للدين، لم يجز على الأصحِّ؛ فإنَّ قرعةَ العتق لو خرجت أوَّلًا؛ فإن قلنا: لا تنفذ، فهي باطلةٌ، وإن نفَّذناها، كان تنفيذًا للوصيًّة قبل أداء الدين، والكلامُ في هذا الفصل في الوجوب دون الاستصواب.
стр. 3189
٤٠٨٢ - فرع:
إذا عتق عبدٌ بالقرعة، ثمَّ ظهر دين؛ فإن كان مستغرقًا، بطل العتقُ، وإن لم يكن مستغرقًا، وأمكن تنفيذُه مع أداء الدين، ففي بطلان القرعة والعتق قولان كالقولين في انتقاض القسمة بظهور الدين.
٤٠٨٣ - فرع:
إذا أعتق المريضُ ثلاثةَ أعبُد قيمةُ كلِّ واحد مئة، فأعتقنا أحدَهم بالقرعة، فظهر له مال آخر، فعِتْقُ الأوَّل نافذ، ثمَّ يُقرَع بين الآخرين، فمن خرجت قرعتُه؛ فإن كان المالُ الذي ظهر مئةً، عتق ثلثُه، وإن كان مئتين، عتق ثلثاه، وإن كان ثلاث مئة عتق جميعُه.
* * *
٤٠٨٤ - فصل فيمن أعتق عبدًا فمات قبل سيده
إذا أعتق في مرض موته عبدًا، فمات العبدُ، ثمَّ مات السيِّد؛ فإن لم يملك غيرَه، ففيه أوجهٌ تجري فيما لو وهب عبدًا، وأقبضه، (فمات بيد المتَّهب) (١)، ثمَّ مات الواهبُ:
أحدُها: يموت حرًّا؛ فإنَّ حقَّ الورثة لا يثبت إلَّا في التركة، ولو مات رقيقًا، لما ورثوه.
والثاني: يموت رقيقًا؛ لأنَّ عتقَ المرض وصيَّة.
وعلى هذين الوجهين: لا يُحسب إذا وهبه من الثلث، ولا يزاحم
стр. 3190
الوصايا، وهو قول الجمهور.
والثالث: يموت ثلثه حرًّا، وباقيه رقيقًا، وُيحسب الموهوبُ من الثلث.
وإن قتله المتَّهب كان كما لو بقي حيًّا؛ إن خرج من الثلث، حُسب منه، وإن لم يخرج، غرم للورثة ما زاد على الثلث، بخلاف ما لو تلف؛ لأنَّ الهبةَ ليست عقدَ ضمان، والإتلاف مضمِّن على الجملة، وألحق الإمامُ التلفَ بالإتلاف؛ لأنَّا تبيَّنَّا أنَّه وهب حقَّ غيرِه، فيشبه هبةَ الغاصب.
ولو أعتق ثلاثةً قيمةُ كلِّ واحد منهم مئةٌ، فمات أحدُهم، أُقرع بينهم عند الأصحاب، فإن خرجت قرعةُ الميت، تبَيَّنَّا أنَّه مات حرًّا، وقال الإمام: إن جعلنا الميِّت في المسألة السابقة كالمعدوم، فالقياسُ ألَّا يدخلَ هاهنا في القرعة، ويُقرع بين الحيَّيْن.
فإن قلنا: يدخل في القرعة، فقُتل أحدُهم، فخرجت قرعتُه، فعلى القاتل ديتُه لورثته، وإن خرجت القرعةُ لغيره، عتق، وكانت قيمةُ القتيل من جملة التركة.
وإن نقصت قيمةُ أحدهم، فخرجت قرعتُه، لم يُحسب نقصُه على ما قطع به الأصحابُ؛ فإنَّ الحرَّ لا قيمةَ له.
وإن مات أحدُهم (١) بعد موت المعتق؛ فإن لم تصِلْ يدُ الوارث إلى شيء من التركة، وكان مَحُولًا بينه وبينها، لم يُحسب الميِّت عليه، فإن خرجت القرعةُ للميِّت، اقتصر العتقُ عليه، وإن خرجت لأحدهما، عتق ثلثاه،
стр. 3191
وإن قُتل أحدُهم بعد موت المعتق؛ فإن خرجت قرعتُه، عتق، وكانت ديته لورثته، وإن مات أحدُهم، والتركةُ بيد الوارث، فهل يُحسب عليه؟ فيه وجهان؛ لأنَّه ممنوع من التصرُّف فيه قبل خروج القرعة، والحيلولة الشرعيَّة كالحيلولة الحسِّيَّة.
* * *
٤٠٨٥ - فصل في ترتيب التبرُّعات في مرض الموت
إنَّما يُقرعُ بين العبيد إذا وقع العتق معًا، فإن ترتَّب العتقُ أو غيره من التبرُّعات، بُدئ بالأوَّل فالأوَّل حتَّى يكمل الثلث.
فلو وهب قدرَ الثلث وأقبضَه، ثمَّ أعتق، أو أعتق، ثمَّ وهب، أو حابى، ثمَّ أعتق، أو أعتق ثمَّ أعتق، بدئ بالأوَّل فالأوَّل.
ولو وهب ولم يقبض، ثمَّ حابى، قُدِّمت المحاباة.
ولو قال: سالم حرٌّ، وغانم حرٌّ، قُدِّم سالم.
ولو أوصى بعتق أحدهما، ثمَّ أوصى بعتق الآخر بعد تطاول الزمان، أُقرع بينهما؛ فإنَّ الموتَ يجمع الوصايا إلَّا أن يوصيَ بتقديم شيء منها، فيجب تقديمُه.
ولو دبر أحدَهما، وأوصى بعتق الآخر، فهل يُقرع، أو يُقدَّم المدَّبر؟ فيه وجهان، ولعلَّ الإقراعَ أصحُّ؛ لأنَّ العتقَ صار مستحَقًّا بالموت، فيُنظر إلى استحقاقه دون إنشائه.
* * *
стр. 3192
٤٠٨٦ - فصل في إبهام العتق
إبهامُ العتق بين الأرقَّاء كإبهام الطلاق بين النساء، فإذا قال: أحدُكم حرٌّ، فله حالان:
إحداهما: أن يعيِّن أحدَهما في نيَّته، فيعتق، فإن صدَّقه الباقون على النية، فذاك، وإن كذَّبوه، فالقول قولُه مع يمينه اتِّفاقًا، فإن نكل، حلف مَنْ يدَّعي النيَّة، وعتق مع الأوَّل.
وإن قال: نسيتُ مَنْ نويته، حُبس إلى أن يبيِّنه، وفيه احتمالٌ.
ولا يكون الوطءُ بيانًا في الإماء، فإن وطئ واحدةً، وقال: لم أنوها، قُبِل منه، وإن قال: نويتها، فقد أقرَّ بوطء حرَّة.
وإن مات قبل أن يبيِّن، رُجع إلى بيان الوارث، فيبني على ما سمعه منه، فإن قال: سمعته يقول: نويتُ واحدةً، وأنا لا أعرفُها، وجب الوقفُ إلى البيان.
الحال الثانية: ألَّا ينويَ شيئًا، فيلزمه التعيينُ، فإن امتنع، حُمِل عليه بالحبس، فإن عيَّن أحدَهم، عتق، وهل يعتق من حينَ لَفَظ بالعتق، أو من حينَ عيَّن؟ فيه وجهان مأخذُهما أنَّ العتقَ هل وقع في عين أو التزمه في الذمَّة، فيلزمه إيقاعُه في واحد منهم.
وإذا عيَّن أحدهم، لم يكن للآخرين الدعوى عليه، وفي كون الوطء تعيينًا وجهان، فإن جعلناه تعيينًا، ففي التمتُّع بما دون الفرج والمسِّ والقبل وجهان مرتَّبان، وفي الاستخدام وجهان مرتَّبان على الاستمتاع، ويجب طردُ الوجهين في استخدام المبيع في مدَّة الخيار فيما يرجع إلى الفسخ والإجارة.
стр. 3193
وإن مات أحدُهما قبل التعيين، فأراد أن يعيِّنه؛ فإن قلنا: يقعُ العتق من حينِ التعيين، لم يكن له ذلك، فيتعيَّن الحيُّ للعتق بغير لفظه، وإن قلنا: يقع من حينِ اللفظ، فله ذلك.
وإن مات السيِّدُ قبل التعيين، فهل يُقرعُ، أو يُرجعُ إلى تعيين الوارث؟ فيه قولان بناهما القاضي على الخلاف في وقت وقوع العتق، فإن أوقعناه من حين التعيين، رُجع إليه، وإلَّا فلا، وعكسُ ما ذكره أولى؛ فإنَّا إذا جعلنا التعيينَ إيقاعًا، فهو من تتمَّة اللفظ، ولا ينقسم لفظُ الإيقاع بين اثنين، ولا يبعد إجراءُ القولين على كلا الوجهين.
* * *
стр. 3194
٤٠٨٧ - باب عتق مَنْ يعتق بالملك
إذا ملك الرجلُ قريبَه، لم يعتق عليه إلَّا أن يكونَ من الوالدين وإن عَلَوا، أو المولودين، وإن سفلوا، فيعتقون عليه بالملك وإن لم يرثوا، وإن ملك جزءًا من أحدهم، عتق، وسرى إن اختارَ تملُّكه بسبب يُقصد بمثله الملكُ؛ كالبيع والهبة، وقَبول الوصيَّة، وإن ملكه قهرًا؛ كالإرث، لم يسْرِ اتِّفاقًا.
ولو أوصي له بجزء من أبيه، فمات الموصي، ثمَّ الموصى له، فورثه أخوه، فقبِل الوصيَّة، وثلث الموصي وافٍ بالقيمة، قُوِّم على الميِّت اتِّفاقًا؛ لأنَّ قبولَ وارثه كقبوله، وفيه احتمالٌ؛ لأنَّه دخل في ملكه قهرًا.
ولو أوصى له بجزء من ابن أخيه، فمات، فقبِل أخوه الوصيَّة، فهل يسري على القابل؟ فيه وجهان؛ لأنَّه دخل في ملك الميِّت قهرًا، ثمَّ انتقل إليه قهرًا، فلم يتجرَّد قصده فيه.
ولو باع بعضَ ابن أخيه بثوب، ثمَّ مات، فورثه أخوه، فرُدَّ عليه بعض ابنه بالعيب، عتق، ولم يَسْر، وإن ردَّ هو الثوبَ بعيب، ففي السراية وجهان؛ إذ المقصودُ ردُّ الثوب دون المبيع، ولذلك يُردُّ مع تلف المبيع.
ولو ملك المكاتبُ بعضَ من يعتق على سيِّده، ثمَّ عجَّز نفسَه، عتق
стр. 3195
على السيِّد، ولم يسْرِ اتِّفاقًا، وإن عجَّزه السيِّدُ، فوجهان؛ إذ القصدُ هو التعجيز.
* * *
٤٠٨٨ - فصل فيمَنْ ملك مَنْ يعتق عليه في مرض موته
إذا اتَّهب في مرض الموت (١) عبدًا، أو ورثه، فأعتقه، حُسب من الثلث اتِّفاقًا.
وإن ورث مَنْ يعتقُ عليه، فهل يُحسبُ من الثلث، أو من رأس المال؟ فيه وجهان، فإن حسبناه من رأس المال، فعلَّته أنَّه ملكه قهرًا، أو مجَّانًا؟ فيه وجهان، فإن لم يملك غيرَه؛ فإن حُسب من رأس المال، عتق، وإن حُسب من الثلث، عتق ثلثُه، ورقَّ ثلثاه، فإن كان عليه دينٌ مستغرق؛ فإن حُسب من الثلث، لم يعتق منه شيءٌ، وإن حُسب من رأس المال، عتق، ولا يرث ممَّن عتق عليه إلَّا إذا حسبناه من رأس المال.
وإن اتَّهب مَنْ يعتق عليه، أو قبله في وصيَّة؛ فإن حسبناه من الثلث إذا ورثه، فهاهنا أولى، وإن حسبناه من رأس المال، فهاهنا وجهان مأخذُهما المعنيان.
وإن اشتراه بثمن مثله؛ فإن لم يكن عليه دينٌ، صحَّ الشراء، وعتق من الثلث، ولم يرثه؛ لاتِّفاقهم على أنَّ عتقَه وصيَّهَ، فإن اشتراه بمئة، وقيمته مئتان، حُسب نصفُه من الثلث، وخُرِّج الباقي على الخلاف في اتهابه، وإن
стр. 3196
كان عليه دين مستغرق، ففي صحَّة الشراء وجهان، فإن قلنا: يصحُّ، بِيعْ في الدين، ولم يعتق.
* * *
٤٠٨٩ - فصل في تمليك الطفل مَنْ يعتق عليه
إذا وُهب للطفل أبوه، (أو أُوصي له به) (١)؛ فإن كان معسرًا، قبله القيِّمُ، وإن كان الأبُ زَمِنًا عاجزًا عن الكسب، وحيث يجوزُ للقيِّم القَبولُ، ففي وجوبه تردُّد، فإن أيسر الطفلُ بعد ذلك، لزمته نفقةُ أبيه اتِّفاقًا، وإن كان الطفلُ موسرًا؛ فإن كان الأبُ كَسُوبًا، قبله القيِّمُ، وإن كان زَمِنًا، لم يقبله وإن اتَّسع مالُ الطفل.
وإن وُهب منه بعضُه؛ فإن كان معسرًا، قبله القيِّم، وعتق، وإن كان زَمِنًا، وإن كان موسرًا والأبُ كسوبٌ، ففي القَبول قولان، فإن جوَّزناه، فقبله، عتق ولم يسْر.
٤٠٩٠ - فائدتان:
إحداهما: إذا قال: كلُّ ولد تلدينه حرٌّ، ففي صحَّة هذا الكلام وجهان، فإن قلنا: يصحُّ، فقال: أوَّل ولد تلدينه حرٌّ، فولدته ميتًا، انحلَّت اليمينُ، فلا يعتقُ من تلده بعده.
الثانية: إذا قال لعبده: أنت ابني؛ فإن أمكن أن يكونَ ولدَه؛ بأن كان طفلًا مجهولَ النسب، عتق، وثبت النسبُ، وإن كان بالغًا؛ فإن صدَّقه،
стр. 3197
عتق، وثبت النسبُ، وإن أكذبه، عتق، والقولُ قولُه في نفي النسب، وإن لم يمكن أن يكون ولدَه من حيث السنُّ، فلا عتقَ ولا نسبَ، وإن كان مشهورَ النسب من غيره، لم يثبت النسبُ، وفي العتق وجهان.
وإن قال لزوجته: أنت بنتي، فالقولُ في النسب والفراق كالقول فيما إذا قال لعبده: أنت ابني.
* * *
٤٠٩١ - فصل في ألفاظ العتق
وصريحُه: التحريرُ والإعتاق، وفي فكِّ الرقبة وجهان، ولا حصرَ لكناية العتق والطلاق، فكلُّ لفظ [تضمَّن إزالةَ الملك] (١)، وأشعر بها، فهو كنايةٌ؛ كقوله: لا سلطانَ لي عليك، ولا سبيلَ، ولا ملكَ، أو أزلت يدي عنك، أو حرَّمتك، أو طلَّقتك، أو يا مولاي، وإن قال: يا سيِّدي، أو قال لأمته: "ياكدْبانوا" (٢)، فليس بكناية عند القاضي، وخالفه الإمامُ؛ فإنَّ السيِّدَ مطلق،
ويُراد به المالك.
ولو استُرِقَّت امرأة اسمُها: حُرَّة، فقال لها السيِّدُ: يا حُرَّة، فإن أطلق، عتقت، وإن نوى الاسمَ القديم، دُيِّن، وفي قَبوله ظاهرًا خلافٌ، وكذا الحكمُ إذا كان اسم امرأته: "طالق"، فقال لها: يا طالق.
ولو قال لعبد غيره: "يا آزاد مَرْد" (٣)، ثمَّ ملكه، عتق عليه؛ لإقراره،
стр. 3198
ولو لقَّب أمته بحرَّة، ثمَّ قال لها: يا حرَّة، فالعتق مأخوذٌ ممَّا ذكرناه، ومن الخلاف في اعتبار الوضع الخاصِّ.
* * *
٤٠٩٢ - فصل في إعتاق الوارث إذا كان على الميت دينُ مستغرق
إذا كان على الميِّت دينٌ مستغرق، فالأصحُّ: أنَّ التركةَ ملك لوارثه، وقيل: تبقى على ملك الميِّت ما بقي عليه شيءٌ من الدين، ولو درهمًا، فإن قلنا بالمذهب، فأعتق الوارثُ عبدًا من التركة؛ فإن كان معسرًا، لم ينفذ العتقُ اتِّفاقًا، وخرَّجه أبو محمَّد على الخلاف في إعتاق الراهِن، والفرقُ: أنَّ الرهنَ طرأ على مِلْكٍ تامٍّ مستمرٍّ إلى العتق، وملكُ الوارث مشروطٌ بتقديم الدين، وإن كان موسرًا، فقولان:
أحدُهما: يُوقَف العتقُ، فإن أدَّى الدينَ، تبيَّن نفوذ العتق، وإن لم يؤدِّه، بِيع في الدين.
والثماني: ينفذ العتقُ لازمًا، وينتقل الدين إلى ذمَّة الوارث بالغًا ما بلغ عند أبي عليٍّ، وقال الإمامُ: يلزمه الأقلُّ من قيمة العبد، أو قدر الدين؛ لأنَّه كالمتلف، وإن باع التركةَ مع بقاء الدين، فطريقان:
إحداهما: التخريجُ على قولي بيع الجاني موسرًا كان الوارثُ أو معسرًا.
والثانية: إن كان معسرًا، لم يصحَّ البيعُ، ويُحتمل أن يخرَّجَ على القولين
стр. 3199
في بيع المفلس، وإن كان موسرًا، فأوجه:
أحدُها: لا يصحُّ.
والثاني: يصحُّ موقوفَ اللزوم، فإن أدَّى الدين، تمَّ لزومُه، وإن لم يؤدِّه، فللغرماء فسخه.
والثالث: يصحُّ لازمًا، وعلى المشتري تسليمُ الثمن إلى الغرماء، فإن سلَّمه إلى الوارث، فأتلفه، فللغرماء طلَبُه من المشتري، وقطع الإمامُ بأنَّه لا يُطالب، وجعل البيع كالإعتاق، واستبعد هذا الوجهَ، فإنَّ بيع الجاني لا يلزم مع ضعف التعلق، فما الظنُّ ببيع الوارث؟ !
٤٠٩٣ - فرع:
إذا زوَّج أمتَه بعبد إنسان، وقبض المهرَ وأتلفه، ثمَّ مات قبل دخول الزوج، فأعتقها الوارثُ، نفذ العتقُ، فإن كان معسرًا، لم يثبت لها الخيارُ؛ فإنَّها لو فسخت قبل الدخول، سقط المهرُ، وصار دينًا مانعًا من نفوذ العتق، وإن كان موسرًا؛ فإن نفَّذنا عتقَه مع وجوب الدين، ثبت لها الخيارُ، فإن فسخت صار المهرُ دينًا، وعلى الوارث الأقلُّ من مهرها، أو قيمتها لا يجوز غيرُ ذلك.
* * *
٤٠٩٤ - فصل في ترتب إقرار الوارث بالإعتاق (١)
إذا مات الرجلُ عن ابن مستغرق لإرثه، وثلاثة أعبد قيمةُ كلِّ واحد
стр. 3200
مئة، فقال الوارث: أَعتَقَ أبي هذا في مرض موته، ثمَّ أشار إليه، وإلى آخر، وقال: أعتق أبي هذين معًا، أو أعتق أبي هذا وهذا معًا، ثمَّ قال: أعتق أبي هؤلاء الثلاثة معًا، فالأوَّل حرٌّ بكلِّ حال، فيُقرع بينه، وبين الثاني، فإن خرجت قرعتُه، اقتصر العتقُ عليه، وإن خرجت قرعةُ الثاني، عتقا؛ لاعترافه باستحقاق الثاني للإقراع، ثمَّ يُقرع بين الثلاثة؛ فإن خرجت للثالث، عتق، وإن خرجت في الأوَّل على الثاني، وخرجت ثانيًا للثالث، عتق الثلاثة، وإن خرجت القرعتان على الأوَّل، اقتصر العتقُ عليه، وإن خرجت للأوَّل ثانيًا، وللثاني أوَّلًا، اقتصر العتقُ عليهما، [وإن خرجت للأوَّل في الأوَّل، وللثالث في الثاني، اقتصر العتقُ عليهما] (١).
وإن كانت قيمةُ الأول مئة، والثاني مئتين، والثالث ثلاث مئة، فالأوّل حرٌّ بكلِّ حال، فيُقرع بينه، وبين الثاني، فإن خرجت للثاني، عتق؛ لأنَّه قدر الثلث، وقد أقرَّ بعتق الأوَّل، وإن خرجت للأوَّل، عتق مع نصف الثاني؛ تكميلًا للثلث، ثمَّ يُقرع بين الثلاثة، فإن خرجت للثاني، لم يعتق الثالث، ولا يزيدُ على ما عتق من الثاني عند الأصحاب.
وقال الإمامُ: يعتق جميعُ الثاني بخروج القرعة عليه ثانيًا؛ لاعترافه بأنَّه يستحقُّ العتقَ بالإقراع بين الثلاثة، وإن خرجت للثالث، عتق ثلثاه، وإن خرجت للأوَّل، أُقرع بين الثاني والثالث؛ فإنَّ الثلثَ لم يكمل بالأوَّل، فإن خرجت للثاني، رقَّ الثالث، ولا يحدث بهذه القرعة في الثاني شيءٌ؛ لأنَّه استوفى حظَّه من القرعة، وإن خرجت للثالث، عتق ثلثُه، فيكمل الثلثُ بثلثه،
стр. 3201
ويعتق الأوَّل.
ولو مات عن ثلاثة بنين، وثلاثة أَعْبُد قيمةُ كلِّ واحد ثلثُ التركة، فقال أحدُهم: أعتق أبونا سالمًا، فقال الآخرُ: أعتقه مع غانم بكلمة واحدة، فقال الثالثُ: أعتق الثلاثةَ معًا، فثلثُ الأول حُرٌّ بغير قُرعة؛ لاعتراف الأوَّل، فيُقرع بينه وبين الثاني، فإن خرجت للأوَّل، عتق منه ثلثٌ آخر على الثانىِ، وإن خرجت للثاني، عتق ثلثهُ على الثاني، ثمَّ يُقرع بين الثلاثة، فأيُّهم خرجت قرعتهُ، عتق ثلثهُ، ومهما خرجت القرعتان للأوَّل، عتق جميعُه، ورقَّ صاحباه، وإن خرجتا للثاني، عتق ثلثاه مع ثلث الأوَّل، ورقَّ الثالثُ، وثلثا الأوَّل، وثلث الثاني، وإن خرجت إحداهما للثاني، والثانية للثالث، عتق من كل واحد منهم ثلثُه، فإن كانت قيمةُ الأوَّل مئة، والثاني مئتين، والثالثُ ثلاث مئة، فثلث الأوَّل حرٌّ، فيُقرع بينه وبين الثاني، فإن خرجت للثاني، عتق ثلثهُ، وإن خرجت للأوَّل، عتىَ منه ثلثٌ آخر، وعتق من الثاني سدسُه، ثمَّ يُقرع بين الثلاثة، فإن خرجت للثالث، عتق تسعاه، وإن خرجت للثاني، عتق ثلثه، وإن خرجت للأوَّل، عتق ثلثُه، ثمَّ يُقرع بين الثاني والثالث، فإن خرجت للثاني، عتق سدسُه، وإن خرجت للثالث، عتق تسعُه.
* * *
٤٠٩٥ - فصل في تعليق العتق بالعتق
إذا قال أحدُ الشريكين للعبد المشترك: إن دخلت هذه الدار، فنصيبي منك حرٌّ، فقال الآخرُ بعد مدَّة: إن دخلتها، فنصيبي منك حرٌّ، فدخلها، عتق عليهما بغير سراية؛ لاقتران العتقين.
стр. 3202
وإن قال: مهما أعتقت نصيبَك، فنصيبي حرٌّ مع نصيبك، فأعتق نصيبه، فوجهان:
أحدُهما: يقع العتقان معًا، فلا سرايةَ.
والثاني: يترتَّبان، فيسري على المعتق؛ كما لو قال: مهما أعتقت نصيبك، فنصيبي حُرٌّ، فأعتق نصيبه.
ولو قال لسالم: مهما أعتقت غانمًا، فأنت حرٌّ مع عتقه، فأعتق غانمًا في مرض موته، وهو بقدر الثلث، عتق غانمٌ بغير قرعة؛ فإنَّا لو أقرعنا فربَّما خرجت القرعةُ لسالم، فلا يمكن عتقُه بدون عتق غانم؛ فإنَّ العتقَ إذا عُلِّق بتصرُّف، تعلَّق بالتصرُّف الصحيح دون مجرَّد لفظ التصرُّف، وطرد الإمامُ الخلافَ في هذه الصورة، ثمَّ بنى ذلك على أنَّ الوصيَّة إذا رُدَّت فيما زاد على الثلث، فهل يُقال: ثبتت، ثمَّ ارتفعت، أو تبيَّن أنَّها لم تثبت؟ فيه قولان، فإن قلنا: تثبت، فقد وقع العتقُ عليهما، فينبغي أن يُقرَع بينهما، وإن قلنا: لا تثبت، تعيَّن عتقُ غانم كما ذكره الأصحابُ، فإنَّا لو أقرعنا أدَّى إلى الدَّور الذي ذكرناه، لكن قياس الدور مع الوفاء بالجميع أن يُقرعَ، فإن خرجت لغانم، عتق، وإن خرجت لسالم، لم يعتق واحدٌ منهما.
* * *
٤٠٩٦ - فصل في وقوع العتق على أحد الشريكين في الباطن
إذا قال أحدُ الشريكين: إن كان هذا الطائرُ غرابًا، فنصيبي حرٌّ، فقال الآخر: إن كان حمامًا، فنصيبي حرٌّ، فأشكل الطائرُ، لم يعتق نصيبُ واحد منهما.
стр. 3203
وإن قال: إن كان غرابًا، فنصيبي حرٌّ، فقال الآخر: إن لم يكن غرابًا، فنصيبي حرٌّ، فقد عتق نصفُه في الباطن، ولا يعتق في الحكم، ولهما حالان:
إحداهما: أن يكونا معسرين، فإن اشترى أحدُهما نصيبَ الآخر، صحَّ الشراء، وحُكم بحرية النصف، وإن باعاه من أجنبيٍّ، صحَّ، وعتق نصفُه في الحكم، ولا ردَّ له عليهما، ولا على واحد منهما؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يزعم أنَّ نصيبَه مملوك، وقيل: له الردُّ عليهما إذا جهل تعليقهما، وهذا باطل؛ فإنه يُبطِل عتقًا حُكم بنفوذه.
الثانية: أن يكونا موسرين، فإن أخَّرنا السرايةَ، لم يُحكم بعتق نصيب واحد منهما، وإن عجَّلناها، عتق بالمباشرة والسراية، فإن طالب أحدُهما الآخرَ بقيمة السراية، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن حلفا، فلا حقَّ لواحد منهما على صاحبه في الحكم.
* * *
٤٠٩٧ - فصل في اختلاف أرباب الأيدي في صفة جارية بأيديهم
إذا مات رجلٌ عن ثلاثة بنين بأيديهم جاريةٌ ذات ولد، فقال أحدُهم: هي مستولدةُ أبينا، والولدُ أخونا، وقال الآخر: هي أمُّ ولدي، والولد ابني، وقال الآخر: هي والولد مملوكاي، فلا يلحق النسبُ بأبيهم، ويُلحق بمَن استحلقه إن جوَّزنا استلحاقَ الرقيق، وإن منعناه، فوجهان يجريان في استلحاق مَن بعضُه حرٌّ، وبعضُه رقيق.
فإن كان المستولدُ موسرًا فالولد حرٌّ كلُّه باعتراف من يدَّعي أنَّه أخوهم،
стр. 3204
وبأنَّ المستولدَ كأحد الشريكين إذا استولد الجارية المشتركة، وإقراره مقبولٌ فيما يمكن إنشاؤُه، ويمكن تخريجُه على الخلاف في إقرار السفيه بالإتلاف؛ فإنَّ الإنشاءَ مُتصوَّر منه، ولكنَّه منهيٌّ عنه، ولا يمينَ على من يدَّعي استيلادَ الأب؛ فإنَّه لا يدَّعي حقًّا، والأصحُّ: أنَّ ثلثَ الجارية في يده؛ بناءً على يده المحسوسة، وقيل: لا يدَ له عليها؛ لاعترافه بحرِّيتها، فيكون في يد أخويه نصفين، فإن جعلنا له يدًا، عتق ثلثُها عليه بإقراره، ولا غرمَ عليه، ولا على أبيه، وإن قلنا: لا يدَ له عليها، لم يعتق عليه منها شيء؛ لأنَّها في يد أخويه.
وقال الإمامُ: ينبغي أن تبقى الجاريةُ على حكم يده وملكه، كما لو أقرَّ أحدُ الوارثين بثالث، فلا يلزمه أن يعطيَه شيئًا من الإرث، بل يبقى على حقيقة ملكه، ثمَّ يجري الحلفُ بين المستلحق ومدَّعي الرقِّ، فيحلف كلُّ واحد منهما على نفي ما يدَّعيه الآخر، فإن حلفا ونفَّذنا إقرارَه، تنجَّز الاستيلادُ، فإن جعلنا له يدًا، غرم قيمةَ ثلث الجارية لمدَّعي الرقِّ، وإن لم نجعل له يدًا، غرم النصفَ.
* * *
٤٠٩٨ - فصل في تعليق العتق بأنوثة الحمل وذكورته
إذا قال لأمته الحامل: إن ولدت أوَّلًا ذكرًا، فهو حرٌّ، وإن ولدت أوَّلًا أنثى، فأنت حرَّة، فسبقت ولادةُ الذكر، عتق دون أمِّه، وإن سبقت ولادة الأنثى، عتقت الأمُّ دونها؛ فإنَّ الأمَّ لا تعتق إلَّا بعد انفصالها، فلا تتبعها في العتق، وإن ولدتهما على التعاقب، وأشكل السابقُ منهما، فالأنثى رقيقةٌ والذكر حرٌّ؛ لأنَّ ذلك حكمُهما في جميع الأحوال، وفي الأمِّ وجهان:
стр. 3205
أحدُهما: يُقرع بينها وبين الابن، فإن خرجت قرعتُها، عتقت مع ابنها، وإن خرجت قرعتُه، اقتصر العتقُ عليه.
والثاني: يُحكم برقِّها؛ إذ الأصلُ بقاؤه، وهو قول الأكثرين، فلا تعتق بالاحتمال.
* * *
٤٠٩٩ - فصل في إبهام العتق
إذا قال لسالم وغانم: أحدكما حرٌّ، ثمَّ قال لغانم ومبشِّر: أحدُكما حرٌّ، ومات قبل البيان، أُقرع بين سالم، وغانم، فإن خرجت القرعةُ لسالم، عتق، ثمَّ يقرع بين مبشِّر وغانم، فيعتق مَنْ خرجت قرعتُه، وإن خرجت القرعةُ أوَّلًا لغانم، عتق، ورقَّ سالم، وهل تُعاد القرعةُ بين غانم ومبشِّر؟ فيه وجهان:
أحدُهما: تُعاد، فإن خرجت لغانم، رقَّ مبشِّر، وإن خرجت لمبشِّر، عتق مع غانم.
والثاني: لا تُعاد القرعةُ؛ فإنَّه إذا قال لغانم ومبشر: أحدُكما حرٌّ، فغانم هو الحرُّ، والقرعةُ كبيان المالك.
ولو قال: أردت غانمًا في الدفعتين، لم يعتق غيره، وإن قال لأربع إماء: إن وطئت واحدةً منكنَّ، فواحدة منكن حرَّة، [فوطئ إحداهنَّ؛ فإن لم نجعل الوطءَ تعيينًا للرقيقة إذا قال: إحداكما حرَّة، لم تدخل الموطوءةَ هاهنا في الإبهام، وإن جعلناه تعيينًا؛ فإن غيَّب الحشفةَ هاهنا ونزع، دخلت الموطوءة في الإبهام، وإن استدام الوطءَ، لم تدخل بابتدائه في الإبهام، وفي دخولها بالاستدامة وجهان.
стр. 3206
وإن قال: كلَّما وطئت واحدةً منكنَّ، فواحدة منكنَّ حرَّة] (١) فله حالان:
إحداهما: أن يطأ ثلاثًا، ويستديم وطْأَهنَّ، فإن جعلنا الاستدامةَ تعيينًا كالوطء، عتقن سوى الثالثة، وإن جعلنا ابتداء الوطء تعيينًا، واستدامتَه ليست بتعيين؛ فإذا وطئ الأولى، أُقرع بينها وبين الرابعة، فإن خرجت للرابعة، عتقت.
وإذا وطئ الثانيةَ، أُقرع بينها وبين الأولى، وعتق من خرجت قرعتُها، فإذا وطئ الثالثةَ؛ فإن عتقت الأولى، أُقرع بين الثانية والثالثة، وإن عتقت الثانيةُ، أُقرع بين الأولى والثالثة، ولا تدخل عتيقةٌ في القرعة ما أمكن الإقراعُ بين اثنتين لم تتعيَّن إحداهما للحرية؛ ليحصل عتقُ ثلاث؛ عملًا بصريح لفظه (٢).
ولو خرجت القرعةُ الأولى المضروبة بين الأولى والرابعة على الأولى، عتقت، فإذا وطئ الثانيةَ، دار العتقُ بينها وبين الرابعة، فيُقرع بينهما، فإن خرجت [الثانية، عتقت، فلمَّا وطئ الثالثة، دار العتقُ بينها وبين الرابعة، فيُقرع بينهما، فإن خرجت] (٣) للثالثة، عتقت، ورقَّت الرابعةُ.
وإن لم نجعل الوطءَ تعيينًا، فلابدَّ من إعتاق ثلاث بالقرعة، وفي كيفيَّتها وجهان:
стр. 3207
أحدُهما: تكفي قرعةٌ واحدة بسهمِ رقٍّ وثلاثة أسهم حرية، فإن خرجت لإحداهن، عتقت، ورقَّ الثلاثُ، وهذا إنَّما يستقيم إذا أوجبنا المهرَ باستدامة الوطء، فإنَّا إذا لم نوجِبْه، بقي المهرُ مبهمًا.
والوجهُ الثاني -وهو المذهبُ-: أنَّا نرتِّب القرعةَ، فيقرع لوطء الأولى بسهم للحرية، وثلاثة أسهم للرقِّ، فإن خرجت للرابعة، عتقت، ولا مهرَ لها، وإن خرجت للأولى، عتقت بابتداء الوطء، ولا مهرَ لها بابتدائه، وفي استدامته وجهان، وإن خرجت للثانية أو الثالثة، وجب المهرُ؛ لأنَّا تبينَّا أنَّها عتقت قبل الوطء، فإذا عتقت واحد بلا بالقرعة الأولى، [أُعيدت القرعةُ بسهمِ حريةٍ، وسهمي رقٍّ، فإن عتقت الأولى بالقرعة الأولى] (١)، أُقرع بين الثلاث الباقيات، فإن خرجت للرابعة، عتقت، ولا مهرَ لها، وإن خرجت للثانية، عتقت، وفي المهر وجهان، ثمَّ تُعادُ القرعةُ بين الثالثة والرابعة بسهم عتقٍ، وسهم رقٍّ، فإن خرجت للرابعة، لم يجب المهرُ، وإن خرجت للثالثة، فوجهان.
والضابطُ: أنَّ من تبيَّن أنَّها وُطئت بعد الحرية، وجب مهرُها، وإن وقع أوَّل الوطء في الرقِّ، وتمامُه في الحرية، فلا مهرَ؛ لابتدائه، وفي استدامته وجهان.
فإذا خرجت قرعةُ الثانية في القرعة الأولى، فقد بان أنَّه وطئها بعد عتقها، فيجب مهرُها، وإن عتقت الأولى بالقرعة الأولى، ففي المهر الوجهان.
стр. 3208
الحال الثانية: أن يطأ الأربعَ فيعتقن، ولا يُقرع لأجل العتق، بل يُقرع لأجل المهر، فإنَّ القرعةَ تظهر ترتُّب العتق، ثمَّ يتبعه المهرُ في ذلك، فيكتب سهمُ حريةٍ، وثلاثة أسهم عتق، فإن خرجت للثانية، فلها المهرُ، وإن خرجت للأولى، فوجهان، فمن ظهر أنَّها عتقت بوطئها، ففي مهرها الوجهان، ومن وقع وطؤها بعد عتقها، وجب مهرُها، وإن تقدَّم وطء واحدة، ثمَّ تبيَّن العتق في غيرها، فلا مهرَ لها اتِّفاقًا.
* * *
٤١٠٠ - فصل في فروع مفرَّقة
أحدها: إذا قال لرجل: أعتق عبدَك عنِّي بدرهم، فقال: أعتقتُه عنك بدرهم، عتق عن الطالب، ولزمه الدرهمُ، وكذا إن قال: أعتقته، ولم يقل: عنك، فإن قال: نويتُ إعتاقَه عن نفسي، قُبل عند الإمام، وإن قال: أعتقه بدرهم، فأعتقه، لم يقع عن الطالب، وفي وجوب الدرهم وجهان.
وإن قال: أعتق أمَّ ولدك عنِّي بدرهم، فأعتقها، وقع العتقُ عن المالك، ولم يجب الدرهم، وقيل: لا يعتق، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ من أعتق عن الكفَّارة عبدًا لا يجزئ فيها، عتق، ولم يبرأ من الكفَّارة، ولو قال: أعتقها، ولك مئة، فوجهان، كما لو قال: أعتق عبدَك، ولك مئة، وأبعد مَنْ منع ذلك؛ تعليلًا بأنَّها مملوكهَ تُضمن باليد، فلا يمكن فداؤُها، بخلاف خلع الأجنبيِّ.
الثاني: إذا قال أحدُ الشريكين: نصيبي من الحمل حرٌّ، فولدت ولدًا
стр. 3209
يعلم أنَّه كان موجودًا وقت (١) العتق، حُكم بحريته، ولزمه قيمةُ حصَّة شريكه باعتبار يوم انفصاله اتِّفاقًا، فإن انفصل ميتًا، لم يُقوَّم على المعتق إلَّا أن ينفصل بجناية، فيجب الغُرةُ على الجاني، وفيما يغرمُه المعتقُ لشريكه وجهان:
أحدُهما: نصفُ عشر قيمة الأم بالغًا ما بلغ.
والثاني: الأقلُّ من نصف الغرة، أو نصفُ عشر قيمة الأمِّ.
الثالث: إذا قال لعبديه: أحدُكما حرٌّ بألف، فقبلا ألفًا على سبيل التوزيع، لم يعتق واحد منهما، وإن قبل كلُّ واحد منهما (٢) بألف، وقع عتقٌ مبهم، فإن مات السيِّد عن غير وارث، أو عن وارث، وقلنا: لا يُرجع إلى بيانه، أُقرع بينهما، فمَنْ خرجت قرعتُه، عتق، ولزمه قيمةُ رقبته؛ لفساد العِوَض بالإبهام، وأبعد مَنْ ألزمه الألفَ؛ تعليلًا بأنَّه يتبع العتقَ في الإبهام.
الرابع: إذا شهد اثنان بأنَّه أوصى بعتق سالم، فحُكم بشهادتهما، وشهد آخران أنَّه أوصى بعتق غانم، وقيمةُ كل واحد من العبدين بقدر الثلث، ثمَّ رجع الأوَّلان، أُقرع بين العبدين، فإن خرجت قرعةُ الأوَّل، لزمهما الغرمُ اتِّفاقًا، فتُسلَّم جميعُ التركة للورثة، وإن خرجت للثاني، عتق، ولا غرمَ عليهما.
الخامس: إذا شهد اثنان على شريكهما الموسر أنَّه أعتق حصَّته من العبد المشترك؛ فإن عجَّلنا السرايةَ، رُدَّت شهادتُهما؛ لجرِّها، وعتقت
стр. 3210
حصَّتهما، ولم تعتق حصَّة الشريك، وأبعد مَنْ قال: تعتق حصَّة الشريك، ولا يلزمه قيمةُ نصيبهما، وإن قلنا بالتأخير، لم تعتق حصَّتهما، والمذهب: أنَّهما يُمنعان من التصرف فيها.
السادس: إذا شهد اثنان على أحد الشريكين أنَّه أعتق حصَّته، وهو موسر، فحكم بشهادتهما، ثمَّ رجعا، وقلنا بالتعجيل، لزمهما غرمُ حصَّة المعتق، وفي حصَّة شريكه قولا غُرْمِ الحيلولة؛ لأنَّ الاستدراكَ متوقع بان يصدِّق الشريك المعتقَ، ويكذِّب الشاهدين.
فلو شهد على كلِّ واحد منهما عدلان أنَّه أعتق نصيبَه، وهو موسرٌ، ثمَّ رجعوا بعد الحكم بعتق العبد، فعلى كلِّ واحد منهم ربعُ قيمته، وأبعد مَنْ قال: لا غرمَ على واحد منهم؛ لجواز تقدُّم أحد العتقين.
السابع: إذا شهد عدلان أنَّه أعتق سالمًا في مرض موته، فقال الوارثُ: أعتق غانمًا في مرض الموت (١)، ولم يكذِّب الشاهدين، وقيمةُ كلِّ عبد ثلثُ التركة، أقرعنا بينهما، فإن خرجت لسالم، عتق وحدَه، وإن خرجت لغانم، عتقا.
الثامن: ينعقد الولدُ حرًّا في نكاح الغرور، فيغرم أبوه قيمتَه إجماعًا، ومَنْ خالف في ذلك فهو غالطٌ، وأبعد مَنْ قال: ينعقد رقيقًا، ثمَّ يعتق، فإن ظهر أن الأمةَ لأبي المغرور وجبت قيمةُ الولد، وقيل: لا تجب، فإنَّه يعتق على الجدِّ، فلا ينتفعُ برقِّه المقدَّر.
стр. 3211
ولو نكح جاريةَ أبيه مع علمه بذلك، فظاهرُ كلام الأصحاب أنَّ الولدَ ينعقد رقيقًا، ثمَّ يعتق على الجدِّ، ويُحتمل أن ينعقدَ حرًّا.
التاسع: إذا تزوَّجت الأمةُ المشتركةُ بابن أحد الشريكين، انعقد الولدُ رقيقًا، وعتق على الجد حصته، ولا يسري؛ لأنَّه غيرُ مختار في حصول الملك، وقيل: إنَّما لا يسري؛ لأنَّه ينعقدُ على الرقِّ والحرية، ولا سرايةَ للحرية الأصلية.
العاشر: إذا كان مالُ المريض ثلاث مئة درهم، فاشترى عبدًا يساوي مئةً بمئتين، وأعتقه، صحَّ الشراءُ؛ لأنَّ المحاباةَ بقدر الثلث، ولا ينفذ العتقُ سواء أعتقه قبل توفير الثمن أو بعده.
* * *
стр. 3212
٤١٠١ - باب الولاء
إذا أُعتق في ملك الرجل أو المرأة عبدٌ، أو أمةٌ قهرًا، أو اختيارًا، فله عليه ولاءُ المباشرة، ويثبت ولاءُ السراية على أولاده وأحفاده وإن سفلوا، وعلى عتقائه وأولاد عتقائه وإن سفلوا، وعلى عتقاء عتقائه وإن سفلوا، ثمَّ الولاء يُورث به، ولا يورث، وله ثلاثةُ أحكام: الإرثُ، وتحمُّل العقل، وولايةُ التزويج.
فإذا تزوَّج عتيقٌ بعتيقة، فولاء أولادهما لموالي الأب، لا يشاركهم فيه موالي الأمِّ اتِّفاقًا، فإن كانت الزوجةُ عتيقةً، والزوجُ رقيقًا، فولاءُ أولادهما لموالي الأمِّ، فإن عتق الأبُ، انجرَّ الولاءُ إلى مواليه، فإن مات الولدُ، فورثه موالي أمِّه، ثمَّ عتق أبوه، استقرَّ الإرثُ على موالي الأمِّ؛ لأنَّ الولاءَ إنَّما ينتقل عند عتق الأب، وإن نفاه الأبُ باللعان، لم ينجرَّ ولاؤه إلى موالي الأب، فإن مات ورثه موالي الأمِّ، فإن استلحقه الأبُ، انجرَّ الولاء، وانقطع الإرثُ عن موالي الأمِّ، فإن اشترى هذا الولدُ أباه، فعتق عليه، استمرَّ ولاؤه على موالي أمِّه، فإنَّه لو انجرَّ، لصار الابنُ مولى نفسه، أو ارتفع ولاؤه بالانجرار، والولاءُ إذا ثبت، فلا يُتصوَّر ارتفاعُه، وقال ابن سُريج: ينجرُّ، ويسقط، ويصير كمَنْ لا ولاءَ عليه.
ولو أعتق جدَّه؛ فإن مات أبوه على الرقِّ، انجرَّ ولاؤُه إلى موالي جدِّه
стр. 3213
اتِّفاقًا، وكذا إن بقي الأب حيًّا رقيقًا على الأصحِّ، فإن أعتق الأب، انجرَّ الولاء إلى مواليه من موالي الجد.
٤١٠٢ - فروع:
أحدها: لا يُتصوَّر فيمن مسَّه الرقُّ، ثمَّ عتق أن يثبتَ عليه الولاءُ بغير المباشرة، فأولادُ الأمة من الزوج العتيق أرقَّاء لمالكها، فإن أعتقهم، فولاؤهم له؛ إذ لا يُتصوَّر أن ينجرَّ إلى موالي الأب اتِّفاقًا، ولا أن يثبتَ ولاء المباشرة لغير المعتق.
الثاني: إذا كان الزوجُ عتيقًا، والزوجةُ حرّة أصليَّة، فولاء أولادهما لمعتق الأب، وأبعد مَنْ قال: لا ولاءَ عليهم.
وإن كان الزوجُ حرًّا أصليًّا، والزوجةُ عتيقةً، فهل يثبت ولاءُ الأولاد لموالي الأمّ؟ فيه [ثلاثةُ] (١) أوجه، ثالثها: إن عُرفت حرية الأب، فلا ولاءَ عليهم، وإن كانت ظاهرةً، بناءً على الدار، أو على أنَّ الأصلَ الحريةُ، ثبت الولاءُ.
الثالث مهما انجرَّ الولاءُ إلى معتق أبي زيد، فلا يُقال: إنَّ الولاء ثبت على زيد لأبيه، ثم انجرَّ إلى معتق الأب، بخلاف العتيق إذا أعتق عبدًا، فإنَّ ولاءَه لمعتقه، ثمَّ لمعتق معتقه، ومتى صار ولاءُ الولد لمعتق أبيه، فأعتق الولدُ عبدًا، ثمَّ مات الولدُ وعتيقه، كان (٢) ولاءُ عتيقه لمعتق أبيه، كولاء عتيق عتيقه.
стр. 3214
الرابع: إذا أتت الأمةُ بولد من زوج رقيق، فأُعتق أبواه أو أحدُهما، لم ينجرَّ ولاؤه إلى معتقهما، فإن أعتق الزوجان، فأتت الزوجة بولد بعد العتق؛ فإن ولدته لدون ستَّة أشهر من حينَ عتقت، فولاؤه لموالي أمِّه، ولا يُتصوَّر انجراره؛ لأنَّه ولاءُ مباشرة، وإن وضعته لأكثرَ من ستَّة أشهر؛ فإن كان الزوجُ يفترشها، فولاؤهُ لموالي أبيه، وإن لم يفترشْها، فولدته لأكثرَ من ستَّة أشهر، وأقلَّ من أربع سنين من حينَ عتقت، فولاؤهُ لموالي أمِّه على أصحِّ القولين، فلا يُتصوَّر انجراره.
* * *
٤١٠٣ - فصل فيمن يُقدَّم بالولاء
الإرثُ بالولاء متأخِّر عن الإرث بالفرض وبعصوبة النسب، فإن لم يخلِّف العتيقُ عصبةً، ولا صاحبَ فرض، كان إرثُه لمعتقه، ثمَّ لعصبات معتقه، ثمَّ لمعتق معتقه، ثم لعصباته، وكذلك إلى حيث ينتهي.
فإذا مات المعتقُ، فلا يثبت حقُّه من الولاء إلَّا لعصباته، فلا حقَّ فيه للنساء، ولا لمن يرث بمجرَّد الفرض، ولا لمن يصيرُ عصبةً بغيره؛ كالأخوات والبنات اتِّفاقًا.
ولا ترث المرأةُ بالولاء إلَّا من عتيقها وأولاده وعتقائهم وأولادهم، فإن تزوَّج عتيقُ امرأةٍ بعتيقة رجل، كان ولاءُ أولادهما لمعتقة الزوج.
ويثبت الولاء لكلِّ ذكر عصبة للمعتق لو قُدِّر موتُ المعتق وقتَ موت العتيق، فيقدَّم ابن المعتق، وإن سفل على أبيه؛ لأنَّه هو العصبة لو قُدِّر موتُ
стр. 3215
المعتق بدلًا من موت العتيق.
وتترتَّب العصباتُ في الولاء كترتُّبهم في الإرث إلَّا أنَّ الأخَ للأب (١) لا يعادّ الجدَّ، بل يسقط بالأخ للأبوين، وفي تقديم الأخ على الجدِّ قولان، والأصحُّ: أنَّ الأخ للأبوين يُسقِط الأخَ للأب، وقيل: يستويان.
ويستوي في الولاء أبناءُ عمٍّ أحدُهما أخٌ لأمٍّ، وغلط أبو حامد، فقدَّم بأخوة الأمِّ، ويُخرَّج على الضابط صورٌ:
أحدُها: إذا مات المعتقُ المسلم عن ابنين مسلم وكافر، فأسلم الكافرُ بعد موته، فالولاء بينهما، فإنَّه لا يورث، ولو مات عن ابنين، فمات أحدُهما عن ابن، ثمَّ مات العتيقُ، كان إرثُه لابن معتقه دون حافده، ولو كان الولاءُ موروثًا، لأخذ الحافدُ نصيبَ أبيه.
الثانية: إذا اشترى الأخُ والأختُ أباهما، فعتق، ثمَّ أعتق عبدًا ومات، ثمَّ مات العتيقُ، فإرثُه للاخ دون الأخت.
الثالثة: إذا مات عن ثلاثة بنين، فمات أحدُهم عن ابن، والثاني عن أربعة، والثالث عن خمسة، كان إرثُ العتيق بينهم أعشارًا.
الرابعة: إذا أعتق أحدُ الأخوين الشقيقين عبدًا، ولهما أخٌ من أبيهما، ثمَّ مات المعتقُ، فالولاءُ لشقيقه، فإن مات الشقيقُ عن ابن وعن أخيه لأبيه، كان إرثُه لابنه، والولاء لأخيه.
الخامسة: إذا ماتت المعتقةُ عن ابن وزوج وأخ، فالولاءُ للابن وحده،
стр. 3216
فإنَّ المعتق لو مات في هذه الصورة بدلًا من موت العتيق، لورثه مَنْ قدَّمناه في هذه الصورة.
* * *
٤١٠٤ - فصل في فروع مفرَّقة
أحدها: إذا مات العتيقُ عن معتق أبيه، ومعتق معتق معتقه، فالولاء لمعتق المعتق وإن علا، ولا ولاءَ لمعتق الأب، فإنَّ ولاءَ المباشرة يمنع ولاءَ السراية.
الثاني: يثبت الولاءُ على أبناء العتيق وبناته وأبناء أبنائه، وأمَّا أولاد البنات؛ فإن كان أبوهم عتيقًا، فولاؤهم لمعتق الأب، وإن كان رقيقًا، فلمعتق الجدِّ، وإن كان حرًّا أصليًّا ففي ثبوت الولاء لموالي الأمِّ خلافٌ قدَّمناه.
الثالث: إذا اشترت المرأةُ أباها، فعتق، ثمَّ أعتق عبدًا، ثمَّ مات، فلها نصفُ إرثه بالنسب، ونصفُه بالولاء، فإن كان معها ابن عمٍّ، فالنصفُ لها إرثًا، والباقي له؛ لتقدُّم عصبات النسب على الولاء.
ولو مات الأبُ عن البنت، وابن العمِّ، ثمَّ مات العتيقُ، كان جميعُ إرثه لابنِّ العمِّ.
الرابع: إذا اشترى الأخُ والأخت أباهما، فعتق بالشراء، ثمَّ أعتق عبدًا ومات، ثمَّ مات العتيقُ، كان إرثُه لابن المُعتقِ، وكان ولاؤُه بينهما نصفين، فإن مات الابنُ عن أخته، أخذت النصفَ بالأُخوَّة، ونصفَ الباقي بالولاء، والفاضل لبيت المال؛ لأنَّ لكلِّ واحد منهما نصفُ ولاء السراية على صاحبه،
стр. 3217
وإن مات العتيقُ بعد موت الأخ، كان لها ثلاثةُ أرباع الولاء؛ لثبوت ولاء السراية على نصف الأخ.
الخامس: إذا أعتق رجل أختين، فاشترتا أباهما، فعتق بالشراء، فلكلِّ واحدة منهما الولاءُ على نصف الأب، ولا ولاءَ لواحدة منهما على الأخرى لأجل ولاء المباشرة، فإن مات الأبُ، فلهما ثلثا إرثه بالنسب، والباقي بالولاء، فإن ماتت إحداهما بعده، فللأخرى النصف، والباقي للمعتق، فإن كانت أمُّهما عتيقةً، وأبوهما رقيقًا، فلكلِّ واحدة منهما الولاءُ على نصف الأخرى.
السادس: أختان خُلقتا حرَّتين من نكاحِ غرورٍ، فاشترت إحداهما أباهما (١)، والأخرى أمَّهما (٢)، فلكلِّ واحدة منهما ولاءُ السراية على الأخرى، وقال ابن سُريج: لا ولاءَ على مشترية الأب؛ لأنَّها جرَّت ولاء نفسها، وسقط، فإذا مات أحدُ الأبوين، فللبنتين الثلثان، والباقي لمن اشتراه، فإن ماتت مشتريةُ الأمِّ بعد ذلك، كان إرثُها لمشترية الأب بالنسب والولاء، وإن ماتت مشتريةُ الأب، فإرثها لمشترية الأمِّ بالنسب، والولاء، وعلى قول ابن سُريج: لها النصف بالنسب، والباقي لبيت المال.
السابع: حرٌّ ابن حرَّين ما مسَّهما رقٌّ، وأبوا أبيه رقيقان، وأمُّ أمِّه عتيقة، وأبو أمِّه رقيقٌ، فولاؤه لموالي أمِّه إذا قلنا بإثبات الولاء لمَنْ هذه صفته، فإن أُعتق أبو الأمِّ، انجرَّ الولاءُ إليه، فإن أُعتقت أمُّ الأب، انجرَّ الولاءُ إلى مواليها، فإن أُعتق أبو الأب، انجرَّ الولاءُ إلى مواليه، واستقرَّ عليهم.
стр. 3218
الثامن: إذا أعتق الرجلُ وأبوه عبدًا، فمات العتيقُ، فإرثه بينهما، ولو مات الأبُ عن ابن آخر، ثمَّ مات العتيقُ، فللابن المعتق نصفُ الإرث بالمباشرة، والنصفُ الآخر بينه وبين أخيه؛ لأنَّهما عصبتان للمعتق، فلو مات الابن المعتقُ بعد موت أبيه عن ابن، ثمَّ مات العتيقُ كان النصفُ لابن المشتري، والنصفُ الآخر لعمِّه.
التاسع: إذا اشترت البنتُ أباها، فمات، ورثت النصفَ بالنسب، والباقي بالولاء، وإن اشتراه ابنتاه، فلهما الثلثان بالنسب، والباقي بالولاء، فإن أعتق الأبُ عبدًا، ومات الأبُ، ثمَّ مات العتيقُ، ورثتاه، فإن اشترت إحداهما مع أبيها أخاها من الأب، وهو معسر، فعتق عليه النصف، وأعتقت النصفَ الآخر، فمات الأب، فإرثه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن مات الأخُ بعده، فلهما الثلثان بالنسب، وللمعتقة نصفُ ما بقي، والفاضلُ لبيت المال إن لم توجد عصبة.
العاشر: إذا اشترت أختان أمَّهما، فشاركت الأمُّ أجنبيًّا في شراء الأب، وأعتقاه، ولا زوجيَّة بينهما، فلهما عليه ولاءُ المباشرة، وعلى ابنتيه ولاءُ السراية، ولهم أحوال.
الأولى: أن تموتَ الأمُّ، ثمَّ الأبُ، ثمَّ إحدى الأختين، فلهما من تركة الأمِّ الثلثان بالنسب، والباقي بالولاء، ولهما من تركة الأب الثلثان بالنسب، وما بقي فللأجنبيِّ نصفُه، ولهما نصفُه، وللأخت الحيَّة ممَّا تركته الميتةُ نصفُه بالنسب، وما بقي فللأجنبيِّ نصفُه، وهو ربعُ التركة، والنصف الآخر وهو ربعُ التركة للأخت الحيَّة والميتة، وولاءُ الميتة يرجع إلى الأجنبيِّ والأمِّ، وقدرُ
стр. 3219
ولاء الأمِّ يرجع (١) إلى الحيَّة والميتة، ثمَّ قدر ولاء الميتة يرجع إلى الأجنبيِّ والأمِّ، فلا يزال سهمُ الميتة يدور كذلك، وسهم الدور في جميع المسائل، هو ما يستحقُّه ميت، ثمَّ يدور إليه، وإلى حيٍّ آخر، ولا دورَ في سهم الحيِّ، فيكون سهمُ الدور هاهنا ثمنَ جميع التركة، للأخت أربعةٌ بالفرض، والباقي نصفُه للأجنبيِّ، ونصفُه -وهو سهمان- للأمِّ، فيرجع إلى الأجنبيِّ والأمِّ، ثمَّ يدور كذلك، فتبيَّن أنَّ المالَ بين الحيَّة والأجنبيِّ أثلاثٌ، فيُؤخذ عددٌ له نصفٌ، ولنصفه ثلثٌ، وهو ستة، فيُجعل ثلاثة أسهم للأخت بالنسب، وسهم بالولاء، وللأجنبيِّ سهمان.
وقال ابن الحدّاد: يُصرف سهمُ الدور إلى بيت المال، وهذا لا يصحُّ؛ فإن الولاءَ ثابتٌ، والنسبةُ معلومة.
وقال أبو عليٍّ: تُقسم التركةُ ثمانيةَ أسهم؛ أربعةٌ للأخت بالنسب، والباقي لها منه سهمٌ، وللأجنبيِّ سهمان، فيبقى سهم، فيُفَضُّ على الأسهم السبعة، وهذا غلط؛ فإنَّه ضمَّ ما تستحقُّه الأختُ بالنسب إلى حساب الولاء.
الحال الثانية: أن تموتَ إحدى الأختين، ثمَّ تموت الأمُّ، فللأمِّ من تركة البنت الثلث، والباقي للأب، وللبنت من تركة أمِّها النصفُ بالنسب، والباقي بينها وبين الأب بالولاء نصفين؛ لأنَّه عصبة للمعتقة.
الحال الثالثة: أن يموتَ الأبُ، ثمَّ إحدى الأختين، ثمَّ الأمُّ، فلهما من تركة الأب الثلثان، والباقي للأجنبيِّ والأمِّ، وأمَّا تركةُ الأخت: فلهما منها
стр. 3220
نصفُها، ولأمِّها ثلثها، والباقي بين الأجنبيِّ والأمِّ، وأمَّا تركةُ الأمِّ: فللبنت منها نصفُها، ولها نصفُ ما بقي بالولاء، والنصفُ الآخر للأجنبيِّ نصفُه، ثمَّ يدور سهمُ الأمِّ كما ذكرناه، فتخرج المسألةُ على ذلك.
الحال الرابعة: أن تموتَ الأختان، ثمَّ الأب، ثمَّ الأمُّ، فتركة الأختين للأبوين، وتركةُ الأب للأجنبيِّ، والأمِّ نصفين، وتركةُ الأمِّ نصفُها للأجنبيِّ، والباقي لبيت المال.
* * *
стр. 3221
كِتابُ التَّدْبير
стр. 3222
كِتَابُ التَّدْبير
٤١٠٥ - التدبيرُ: تعليقُ العِتقِ بالموت؛ كقوله: أنت حرٌّ بعد موتي، أو دُبُرَ موتي، أو إذا متُّ فأنت حرٌّ، أو محرَّر، أو عتيق، وهذا جائز اتِّفاقًا .
فإن قال: دبَّرتك، أو أنت مدبَّر، كان صريحًا، ولو قال في الكتابة: كاتبتك، لم يكن صريحًا حتَّى يقول: فإذا أدَّيت فأنت حرٌّ، أو ينوي ذلك بقلبه، فقيل: فيهما قولان، والأصحُّ: تقريرُ النصَّين؛ فإنَّ لفظَ التدبير شائعٌ في ذلك في الجاهليَّة والإسلام، ولم تشع الكتابةُ في الإسلام؛ فإنَّهم كانوا يستعملونها في مخارجة العبيد (١)، وإذا قصدوا الكتابةَ، تعرَّضوا للحرية.
وحكمُ المدبَّر: أن يعتقَ من الثلث، أو يعتقَ منه ما يحتمله الثلثُ وإن وقع التدبير في الصحَّة، بخلاف الكتابة، فإنَّها تُعتبر في مرض الموت من الثلث، وفي الصحَّة من رأس المال.
فإن لم يخلِّف سوى المدبرِ، عتق ثلثُه، ولا نظرَ إلى نقص الثلثين بالتشقيص؛ فإنَّ ذلك يعمُّ الطرفين، وكذلك الحكمُ في الوصيَّة باتِّفاق العلماء، ولا يمتنع بالتدبير شيءٌ من التَّصرُّفات؛ كالبيع والهبة وغيرهما.
стр. 3223
وفي حقيقته قولان:
أحدُهما: أنَّه وصيَّة، وإن لم يفتقر إلى القَبول، ولا إلى إنشاء العتق بعد الموت، ويصحُّ الرجوعُ عنه بكلِّ ما يكون رجوعًا عن الوصيَّة إلَّا الاستيلادَ، والوطءَ من غير عزل؛ فإنَّهما رجوعٌ عن الوصية دون التدبير.
والثاني: أنَّه تعليقُ عتق بصفة، فلا يمنع التصرُّفات، كما لا تمتنع بالتعليق، ولا يصحُّ الرجوعُ بالقول من غير تصرُّف، كما لا يصحُّ في التعليق، فإن باعه أو باع المعلَّقَ عتقه بصفة، ثمَّ ملكهما، ففي عود التدبير والتعليق قولان مشهوران.
ويصحُّ مطلقًا ومقيَّدًا، فالمطلق: ما تحصل الحريةُ فيه بالموت، والمقيَّد: ما قُيِّد بقيد آخر مع الموت؛ ، كقوله: إن متُّ من هذا المرض، أو إن قُتلت، أو إن متُّ حَتْفَ أنفي، فأنت حرٌّ، فلا يحصلُ العتقُ إلَّا بالأمرين؛ لأنَّه معلَّق بوصفين، ويجوز تعليقُ التدبير، وتعليقُ التعليق؛ مثل أن يقول: إن دخلتَ الدار، فأنت مدبَّر، أو إن دخلتها فأنت حرٌّ إن كلَّمتَ زيدًا، فيتعلَّق التدبيرُ والتعليقُ بالدخول، فإذا دخل، تحقَّق التدبيرُ والتعليقُ.
٤١٠٦ - قاعدة:
لا تنفذ الوصيَّةُ في شيء حتَّى يسْلَم للورثة ضعفُه، فإذا مات السيِّد، والمدبَّر حاضرٌ، وسائرُ أمواله غائبٌ غيبةً يحتفل بها، فلا يتنجَّز عتقُ المدبَّر، وهل يتنجَّز عتقُ ثلثه؛ فيه قولان:
أحدُهما -وهو النصُّ-: لا يتنجَّز؛ فإنَّه لو تنجَّز، لكان فيه حَيْفٌ على الورثة؛ لما فيه من تعجيل الوصيَّة، وتقييد أيدي الورثة عن التصرُّف في ثلثيه.
стр. 3224
والثاني -وهو مخرَّج-: يتنجَّز عتقُ الثلث؛ لأنَّه متيقَّن بكلّ حال، وغيبةُ المال لا تزيدُ على فَقْده.
ولو مات رجل عن ابنين، ولم يخلِّف سوى ألفِ درهمٍ دينًا على أحدِهما، ففي براءته من نصفها قبل أن يدفعَ إلى أخيه نصفَها وجهان مأخوذان من القولين.
٤١٠٧ - فرع:
إذا أعتق الوارثُ المدَبَّر في الصورة السابقة، نفذ عتقهُ من الوارث عند ابن سُريج، وكان ولاؤهُ له وإن حضرت التركةُ بعد ذلك.
وقال الصيدلانيُّ: إن جعلنا الإجازةَ تنفيذًا، فالولاءُ للميِّت، وقال الإمام: هذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الوارثَ لا يملك ردَّ التدبير، وإيقاعُ العتق عنه ردٌّ للتدبير، فيجب التوقُّف إلى حضور التركة، فإن حضرت تبيَّن حصولُ العتق عند الموت، وإن تلفت التركةُ، تبيَّن حصولُ العتق في ثلثه عند الموت، وإذا كان إعتاوُ الوارث إنشاءً، تبين وقوعُ العتق في الثلثين عنه (١)، وهذا إنَّما يتَّجه إذا نفَّذنا عتقَ الثلث قبل حضور التركة مع التعذُّر في الثلثين؛ فإنَّ التعذُّرَ فيهما لا يرتفعُ بحضور التركة [بعد ذلك] (٢)، وإن لم ينفذ عتقُ الثلث قبل حضور التركة، فلا ينفذ تصرُّفُ الوارث؛ فإنَّ العتقَ موقوفٌ على الحضور، وما استُحقَّ بالوصيَّة لا ينفذ فيه تصرُّف الوارث وإن لم تستقرَّ الوصيَّةُ بدليل أنَّه لو أوصى بشيء يخرجُ من الثلث، وقلنا: لا يملكه الموصى له إلَّا بالقَبول، فلا ينفذ
стр. 3225
تصرُّفُ الوارث فيه، وإن كان القَبولُ والردُّ متوقَّعين، وإن خلَّف السيِّد تركةً يخرج المدبَّر من ثلثها، لكنْ عليه دينٌ مستغرق، فلا يُعتق المدبَّر ما لم يبرأ من الدين، فإن أبرأه المستحِقُّ بعد وفاته بأيَّام، فهل يحصل العتقُ عند الإبراء، أم يتبيَّن حصولُه عند الموت؛ فيه التردُّد السابق، وحصولُه عند الإبراء في هذه الصورة هو الأظهر.
٤١٠٨ - فرع:
إذا كاتب المدبَّرُ، وجعلنا التدبيرَ وصيَّةً، ففي بطلانه قولان طردهما الإمامُ في تعليق العتق بالصفة؛ لأنَّ مقصودَهما العتقُ، وإن وهبه ولم يُقْبِضه، فقد قال أبو عليٍّ: إن جعلناه وصيَّة، بطل، وإن جعلناه تعليقًا، فوجهان، وقال الإمامُ لا يبطل، فإن أقبضه، وقلنا: يملكه بالقبض بطل التدبيرُ عند القبض، وإن قلنا: يتبيَّن أنَّه ملكه عند الهبة، فهل يتبيَّن بطلانُ التدبير؛ فيه تردُّد، فإن قلنا: ينقطعُ، فلم يقبضْه؛ فإن قلنا: ينقطعُ إذا زال الملكُ زوالًا لازمًا، ففي انقطاعه بالملك الجائز تردُّد.
* * *
٤١٠٩ - فصل في تعليق التدبير على مشيئة العبد
إذا قال لزوجته: أنت طالق إن شئت، أو قال لعبده: أنت حرٌّ إن شئت، أو دبَّرتك، أو أنت مدبَّر إن شئت؛ فإن شاء على الفور، حصل الغرضُ، وإن تأخَّرت المشيئةُ، فلا أثرَ لها على المذهب، وأغرب مَنْ جعل التعليقَ بالمشيئة كالتعليق بدخول الدار، وهو منقاسٌ، فإن جوَّزنا التأخيرَ، فلا أثر لمشيئته بعد موت السيِّد.