كِتَابُ التَّدْبير
٤١٠٥ - التدبيرُ: تعليقُ العِتقِ بالموت؛ كقوله: أنت حرٌّ بعد موتي، أو دُبُرَ موتي، أو إذا متُّ فأنت حرٌّ، أو محرَّر، أو عتيق، وهذا جائز اتِّفاقًا .
فإن قال: دبَّرتك، أو أنت مدبَّر، كان صريحًا، ولو قال في الكتابة: كاتبتك، لم يكن صريحًا حتَّى يقول: فإذا أدَّيت فأنت حرٌّ، أو ينوي ذلك بقلبه، فقيل: فيهما قولان، والأصحُّ: تقريرُ النصَّين؛ فإنَّ لفظَ التدبير شائعٌ في ذلك في الجاهليَّة والإسلام، ولم تشع الكتابةُ في الإسلام؛ فإنَّهم كانوا يستعملونها في مخارجة العبيد (١)، وإذا قصدوا الكتابةَ، تعرَّضوا للحرية.
وحكمُ المدبَّر: أن يعتقَ من الثلث، أو يعتقَ منه ما يحتمله الثلثُ وإن وقع التدبير في الصحَّة، بخلاف الكتابة، فإنَّها تُعتبر في مرض الموت من الثلث، وفي الصحَّة من رأس المال.
فإن لم يخلِّف سوى المدبرِ، عتق ثلثُه، ولا نظرَ إلى نقص الثلثين بالتشقيص؛ فإنَّ ذلك يعمُّ الطرفين، وكذلك الحكمُ في الوصيَّة باتِّفاق العلماء، ولا يمتنع بالتدبير شيءٌ من التَّصرُّفات؛ كالبيع والهبة وغيرهما.
стр. 3223
وفي حقيقته قولان:
أحدُهما: أنَّه وصيَّة، وإن لم يفتقر إلى القَبول، ولا إلى إنشاء العتق بعد الموت، ويصحُّ الرجوعُ عنه بكلِّ ما يكون رجوعًا عن الوصيَّة إلَّا الاستيلادَ، والوطءَ من غير عزل؛ فإنَّهما رجوعٌ عن الوصية دون التدبير.
والثاني: أنَّه تعليقُ عتق بصفة، فلا يمنع التصرُّفات، كما لا تمتنع بالتعليق، ولا يصحُّ الرجوعُ بالقول من غير تصرُّف، كما لا يصحُّ في التعليق، فإن باعه أو باع المعلَّقَ عتقه بصفة، ثمَّ ملكهما، ففي عود التدبير والتعليق قولان مشهوران.
ويصحُّ مطلقًا ومقيَّدًا، فالمطلق: ما تحصل الحريةُ فيه بالموت، والمقيَّد: ما قُيِّد بقيد آخر مع الموت؛ ، كقوله: إن متُّ من هذا المرض، أو إن قُتلت، أو إن متُّ حَتْفَ أنفي، فأنت حرٌّ، فلا يحصلُ العتقُ إلَّا بالأمرين؛ لأنَّه معلَّق بوصفين، ويجوز تعليقُ التدبير، وتعليقُ التعليق؛ مثل أن يقول: إن دخلتَ الدار، فأنت مدبَّر، أو إن دخلتها فأنت حرٌّ إن كلَّمتَ زيدًا، فيتعلَّق التدبيرُ والتعليقُ بالدخول، فإذا دخل، تحقَّق التدبيرُ والتعليقُ.
٤١٠٦ - قاعدة:
لا تنفذ الوصيَّةُ في شيء حتَّى يسْلَم للورثة ضعفُه، فإذا مات السيِّد، والمدبَّر حاضرٌ، وسائرُ أمواله غائبٌ غيبةً يحتفل بها، فلا يتنجَّز عتقُ المدبَّر، وهل يتنجَّز عتقُ ثلثه؛ فيه قولان:
أحدُهما -وهو النصُّ-: لا يتنجَّز؛ فإنَّه لو تنجَّز، لكان فيه حَيْفٌ على الورثة؛ لما فيه من تعجيل الوصيَّة، وتقييد أيدي الورثة عن التصرُّف في ثلثيه.
стр. 3224
والثاني -وهو مخرَّج-: يتنجَّز عتقُ الثلث؛ لأنَّه متيقَّن بكلّ حال، وغيبةُ المال لا تزيدُ على فَقْده.
ولو مات رجل عن ابنين، ولم يخلِّف سوى ألفِ درهمٍ دينًا على أحدِهما، ففي براءته من نصفها قبل أن يدفعَ إلى أخيه نصفَها وجهان مأخوذان من القولين.
٤١٠٧ - فرع:
إذا أعتق الوارثُ المدَبَّر في الصورة السابقة، نفذ عتقهُ من الوارث عند ابن سُريج، وكان ولاؤهُ له وإن حضرت التركةُ بعد ذلك.
وقال الصيدلانيُّ: إن جعلنا الإجازةَ تنفيذًا، فالولاءُ للميِّت، وقال الإمام: هذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الوارثَ لا يملك ردَّ التدبير، وإيقاعُ العتق عنه ردٌّ للتدبير، فيجب التوقُّف إلى حضور التركة، فإن حضرت تبيَّن حصولُ العتق عند الموت، وإن تلفت التركةُ، تبيَّن حصولُ العتق في ثلثه عند الموت، وإذا كان إعتاوُ الوارث إنشاءً، تبين وقوعُ العتق في الثلثين عنه (١)، وهذا إنَّما يتَّجه إذا نفَّذنا عتقَ الثلث قبل حضور التركة مع التعذُّر في الثلثين؛ فإنَّ التعذُّرَ فيهما لا يرتفعُ بحضور التركة [بعد ذلك] (٢)، وإن لم ينفذ عتقُ الثلث قبل حضور التركة، فلا ينفذ تصرُّفُ الوارث؛ فإنَّ العتقَ موقوفٌ على الحضور، وما استُحقَّ بالوصيَّة لا ينفذ فيه تصرُّف الوارث وإن لم تستقرَّ الوصيَّةُ بدليل أنَّه لو أوصى بشيء يخرجُ من الثلث، وقلنا: لا يملكه الموصى له إلَّا بالقَبول، فلا ينفذ
стр. 3225
تصرُّفُ الوارث فيه، وإن كان القَبولُ والردُّ متوقَّعين، وإن خلَّف السيِّد تركةً يخرج المدبَّر من ثلثها، لكنْ عليه دينٌ مستغرق، فلا يُعتق المدبَّر ما لم يبرأ من الدين، فإن أبرأه المستحِقُّ بعد وفاته بأيَّام، فهل يحصل العتقُ عند الإبراء، أم يتبيَّن حصولُه عند الموت؛ فيه التردُّد السابق، وحصولُه عند الإبراء في هذه الصورة هو الأظهر.
٤١٠٨ - فرع:
إذا كاتب المدبَّرُ، وجعلنا التدبيرَ وصيَّةً، ففي بطلانه قولان طردهما الإمامُ في تعليق العتق بالصفة؛ لأنَّ مقصودَهما العتقُ، وإن وهبه ولم يُقْبِضه، فقد قال أبو عليٍّ: إن جعلناه وصيَّة، بطل، وإن جعلناه تعليقًا، فوجهان، وقال الإمامُ لا يبطل، فإن أقبضه، وقلنا: يملكه بالقبض بطل التدبيرُ عند القبض، وإن قلنا: يتبيَّن أنَّه ملكه عند الهبة، فهل يتبيَّن بطلانُ التدبير؛ فيه تردُّد، فإن قلنا: ينقطعُ، فلم يقبضْه؛ فإن قلنا: ينقطعُ إذا زال الملكُ زوالًا لازمًا، ففي انقطاعه بالملك الجائز تردُّد.
* * *
٤١٠٩ - فصل في تعليق التدبير على مشيئة العبد
إذا قال لزوجته: أنت طالق إن شئت، أو قال لعبده: أنت حرٌّ إن شئت، أو دبَّرتك، أو أنت مدبَّر إن شئت؛ فإن شاء على الفور، حصل الغرضُ، وإن تأخَّرت المشيئةُ، فلا أثرَ لها على المذهب، وأغرب مَنْ جعل التعليقَ بالمشيئة كالتعليق بدخول الدار، وهو منقاسٌ، فإن جوَّزنا التأخيرَ، فلا أثر لمشيئته بعد موت السيِّد.
стр. 3226
وإن قال: أنت مدبَّر متى ما (١) شئت، فله أن يؤخِّرَ، فإن شاء بعد الموت، فلا أثرَ لمشيئته عند الإمام، كما لو علَّق عتقَه بدخول دار، فدخلها بعد الموت.
وإن قال: إذا متُّ، فأنت حرٌّ إن شئت، رُوجع، فإن قال: أردتُ التعليقَ بمشيئته بعد الموت، قُبل، وإن قال: أردتُ التعليقَ بمشيئته في الحياة، قُبِل، وفي تأخير المشيئة الخلافُ، وإن قال: لم أنوِ شيئًا، فهل يُحملُ على ما بعد الموت، أو على الحياة، أو لابدَّ من مشيئة بعد الموت، ومشيئة في الحياة؛ فيه ثلاثةُ أوجه، فإن حملناه على ما بعد الموت، وهو الأصحُّ عند العراقيين، فلا يُشترط اتِّصالُ المشيئة بالموت اتِّفاقًا، وإن قال: إن متُّ فشئتَ فأنت حرٌّ، تقيَّدت المشيئةُ بما بعد الموت، وفي شرط اتِّصالها بالموت خلافٌ طرده الإمامُ فيمَنْ قال لزوجته: إن دخلت الدار، فكلَّمت زيدًا، فأنت طالقٌ، وإن شرطنا مشيئتين؛ فلو علَّق العتقَ بأمر مشترك؛ مثل أن قال: إن رأيت عينًا، فأنت حرٌّ، فرأى شيئًا من مسمَّيات العين، ففي حصول العتق تردُّد، والوجهُ حصوله، وبذلك يضعفُ اشتراطُ مشيئتين.
* * *
٤١١٠ - فصل في تدبير العبد المشترك
إذا قال الشريكان لعبدهما: إذا مِتْنَا فأنت حرٌّ، لم يصِرْ بذلك مدَّبرًا، فإن مات أحدُهما، لم يعتق نصيبهُ، ويصير نصيبُ الحيِّ مدبَّرًا، فيجري عليه أحكامُ التدبير، ويمتنع تصرُّف وارث الميت؛ لأنَّ كلَّ وصيَّة تثبت بالموت،
стр. 3227
وتقف على أمر منتظر، فليس للوارث إبطالُها قبل وجود ذلك الأمر، كما لا ينفذ تصرُّفه في الموصى به قبل قَبول الموصى له.
وكذلك إذا قال: إن متُّ، ودخلتَ الدارَ بعد موتي، فأنت حرٌّ، فليس للوارث بيعُه قبل الدخول؛ لأنَّه استَحَقَّ العتقَ بالدخول، وفيه احتمالٌ بعيد يجب طردُه في مسألة الشريك.
ولو أوصى بإعارة داره شهرًا، فلا رجوعَ للورثة في هذه العارية.
* * *
٤١١١ - فصل في جناية المدبَّر
إذا جنى المدبَّرُ، فالمالكُ مخيَّر بين أن يفديَه، أو يسلِّمَه للبيع، فإن بِيع في الجناية، ثمَّ ملكه، ففي عَوْد التدبير قولان، وإن مات السيِّد قبل البيع، والفداء، والثلثُ وافٍ بقيمته، فطريقان:
إحداهما: يجب فداؤه.
والثانية -وهي أحسن-: إن نفَّذنا عتقَ الجاني، وجب الفداءُ، وإن لم ننفِّذه، يُخيَّر الوارثُ بين تسليمه للبيع، وبين الفداء.
٤١١٢ - فرع:
إذا جَنَت مدبَّرة ذاتُ ولد قد حُكم بأنَّه يتبعها في التدبير، فسلَّمها السيدُ، فهل يجب بيعُ الولد معها، أم يجوز التفرقةُ بينهما؛ إبقاءً لتدبيره؛ فيه وجهان.
* * *
стр. 3228
٤١١٣ - فصل في ردَّة السيد
إذا ارتدَّ السيِّد؛ فإن بقَّينا ملكَه، استمرَّ التدبيرُ، فإن مات، أو قُتل مرتدًّا، عتق من الثلث، وكان الثلثان فيئًا، وإن أزلنا ملكَه؛ فإن أسلم عاد الملكُ، وفي عَوْد التدبير طريقان:
إحداهما: التخريجُ على قولي عَوْد الحِنْث.
والثانية: يعودُ قولًا واحدًا؛ فإنَّ زوالَه غيرُ مُنْبتٍّ، فأشبه ما لو رهن عصيرًا، فانقلب خمرًا، ثمَّ خلًّا، أو شاةً، فماتت، فدُبغ جلدها.
وإن دبَّر المرتدُّ عبدَه؛ فإن أزلنا ملكَه، لم يصحَّ تدبيرُه، وإن بقَّيناه؛ فإن دبَّره قبل الحَجْر، صحَّ، وإن دبَّره بعد الحَجْر، كان كتدبير المفلس واعتاقه.
* * *
٤١١٤ - فصل فيمن علَّق (١) العتقَ بصفة، فَوُجدت في مرض الموت
إذا علَّق العتقَ بصفة، فوُجدت في مرض موته، فهل يُحسب من الثلث، أو من رأس المال؟ فيه وجهان يُعبَّر عنهما بأنَّ الاعتبارَ بحال الصفة، أو حال التعليق.
ولو شهد اثنان بالتعليق، وآخران بوجود الصفة، ثمَّ رجعوا بعد الحكم، فلا يختصُّ شهودُ الصفة بالغُرْم، وفي اختصاص شهود التعليق به وجهان.
* * *
стр. 3229
٤١١٥ - فصل في الدعوى بالتدبير
من ادَّعى حقًّا يمكن طلبُه في الحال، صحَّت دعواه [على النص] (١)، [وإن ادَّعى] (٢) دينًا مؤجَّلًا، لم تصحَّ الدعوى على النصِّ.
وإن ادَّعى العبدُ التدبيرَ، صحَّت دعواه على النصِّ، فاتفق الأصحابُ على طرد الخلاف في الصورتين، والأوجه: أنَّها لا تُسمع في التدبير؛ فانَّه غيرُ لازم؛ بخلاف الدَّيْن المؤجَّل.
وإذا لم نصحِّح الرجوعَ في التدبير بمجرَّد القول، فادَّعى العبدُ التدبيرَ، فأنكره السيِّدُ، أو ادَّعى مدَّع على إنسان أنَّه وكَّله، أو أوصى له بكذا، فأنكر (٣)، ففي انفساخ هذه التصرُّفات في الظاهر والباطن أوجهٌ، ثالثُها: انفساخُ الوكالة، وبقاء الوصيَّة والتدبير؛ لظهور الغرض فيهما.
ولو ثبتت وكالةُ إنسان، فقال الموكِّل: لستَ وكيلي، وجب القطعُ بالانفساخ، فإن لم نجعل إنكارَ هذه التصرُّفات فسخًا، ففي سماع الدعوى بها الخلافُ السابق، وإن جعلناه فسخًا، لم تُسمع الدعوى عند الأصحاب، وخرَّجها الامامُ على الخلاف؛ فإن الدعوى لا تُبنى على أنَّه ينكِر، فقد يقرُّ أو يسكت، فإن أنكر، انقطعت الدعوى حينئذٍ، وإذا لم تُسمع الدعوى بالتدبير، فلا تُسمعُ فيه شهادةُ الحسبة؛ فإنَّها لا تُسمع إلَّا في حقٍّ للهِ مجحودٍ، وينقدح
стр. 3230
سماعُها في الغَيبة دون الحضور؛ لما يُتوقَّع في الغَيبة من الفوات، أو الممات.
٤١١٦ - فرع:
إذا باع السيِّد المستولدةَ، فادَّعت الاستيلادَ، صحَّت دعواها اتِّفاقًا، وكذا إن لم يبعها على الأصحِّ.
٤١١٧ - فرع:
إنكارُ الطلاق الرجعيِّ ليس برجعة اتِّفاقًا، وإن ادَّعى بيعًا فيه خيارٌ للمدَّعى عليه، فأنكر، لم ينفسخ البيعُ بإنكاره، ويُحتمل على بُعْد أن يُلحقَ بإنكار الوصيَّة والتدبير.
* * *
стр. 3231
٤١١٨ - باب وطء المدَبَّرة
للسيِّد وطءُ المدبَّرة، فإن استولدها، ثبت الاستيلادُ اتِّفاقًا؛ فإنَّه لا ينافي التدبيرَ، وإن استولد الرجلُ مكاتَبَتَه، عتقت بموته، وتبعها الكسبُ والولد.
* * *
٤١١٩ - فصل في ولد المدبَّرة
إذا علقت المدبَّرة بولد من زنًا أو نكاح، أو وقع ذلك فيمَن عُلِّق عتقُها بصفة، فلا يسري إليه حكمُ أمِّه في أقيس القولين، سواء جُعل التدبيرُ وصيَّةً، أو تعليقًا.
ولو عَلِقَت الجاريةُ الموصى بها بولد في حياة الموصي، فالوجهُ: القطعُ بأنَّ الوصيَّةَ لا تتعدَّى إليه، ويُحتمل طردُ القولين.
وإذا لم يثبت حكمُ التدبير للولد، فدبَّر حاملًا، سرى التدبيرُ إلى الحمل على أظهر الوجهين، فإن وضعته لدون ستَّة أشهر من حين التدبير، صار مدبَّرًا، وإن وضعته لأكثرَ من ستَّة أشهر؛ فإن كان لها مَنْ يفترشُها، لم يَسْرِ التدبيرُ إليه، وإن لم يكن، فقولان.
٤١٢٠ - فرع:
إذا باع المدبَّرة، أو رجع عن تدبيرها، وجوَّزنا ذلك، أو ماتت الأمُّ،
стр. 3232
لم يبطل تدبيرُ الولد؛ لأنَّهما صارا كمدبَّرين (١)، فإن مات السيِّدُ، والثلثُ وافٍ بأحدهما، أُقرع بينهما، وأبعد مَنْ وزَّع العتقَ عليهما.
٤١٢١ - فرع:
إذا قالت المدبَّرةُ: ولدت هذا الولدَ بعد التدبير، فصار مدبَّرًا، فقال السيِّد أو وارثه: بل (٢) ولدته قبل التدبير، فالقولُ قولُ السيِّد والوارث مع أيمانهما.
وإذا منعنا سرايةَ التدبير، فادَّعى الوارثُ أنَّها ولدت قبل موت السيِّد، فقالت: بل ولدته بعد الموت، فالقولُ قولُ الوارث.
٤١٢٢ - فرع:
إذا خرجت قيمةُ الحامل من الثلث، فلا عبرةَ بما يتجدَّدُ من قيمة الولد بعد انفصاله.
٤١٢٣ - فرع:
إذا علَّق عتق الأمة بدخول دار، فدخلتها، وقلنا بسراية التعليق إلى الولد، عتق بدخول أُمِّه عند الأصحاب، وقال أبو محمَّد: لا يعتق إلَّا أن يدخل.
* * *
стр. 3233
٤١٢٤ - باب تدبير النصارى
يصحُّ تدبيرُ الذميِّ والمعاهد والحربيِّ، وإعتاقُهم لأرقَّائهم، فإن نقض العهدَ، فله أن يستصحبَ مدبَّره دون مكاتبه، فإن أسلم مدبَّره، فهل يُباع، أو يُحال بينهما؟ فيه قولان.
٤١٢٥ - فرع:
إذا دبَّر الحاملَ وحملَها، ثمَّ رجع في الأمِّ، وجوَّزنا الرجوعَ بالقول، لم يبطل تدبيرُ (١) الحمل، فإن رجع فيه بعد ولادته، صحَّ اتِّفاقًا، وكذا إن رجع قبل الولادة على الأصحِّ، وإن دبَّر الحملَ وحده، صحَّ، فإن باع الأمَّ، فوجهان:
أحدُهما: يصحُّ البيع فيهما، وإن لم يقصد به الرجوعَ في تدبير الحمل.
والثاني: إن نوى الرجوعَ فيه، صحَّ بيعُهما، وإن لم ينوه، لم يصحَّ البيعُ في الحمل، وكذا في أمِّه على الأصحِّ.
٤١٢٦ - فرع:
من دبَّر نصفَ عبده، أو دبَّر شركاءَ له في عبد، فلا سرايةَ لتدبيره،
стр. 3234
وأبعد مَنْ حكم بالسراية، وأوجب قيمةَ نصيب الشريك، فإن قلنا بالأصحِّ، فأعتق الشريكُ نصيبَه، ففي السراية إلى نصيب المدبَّر قولان، أقيسُهما: أنَّه يسري.
والثاني: لا يسري وإن رجع عن التدبير، وقيل: إن رجع، سرى، وهل يسري من حينَ رجع، أو يتبيَّن استنادُ السراية إلى حينِ العتق؟ فيه قولان.
٤١٢٧ - فرع:
إذا جُعل التدبيرُ وصيَّة أو تعليقًا، ففي صحَّة (١) تدبير الصبيِّ المميِّز قولان.
* * *
стр. 3235
كِتابُ الكِتابةِ
стр. 3236
كِتابُ الكِتابةِ
٤١٢٨ - الكتابةُ مُجْمَعٌ عليها، فإن طلبها العبدُ؛ فإن كان خَيِّرًا كَسُوبًا، استُحبَّت إجابته (١)، ويجب على قول غريب، وإن لم يكن له كسبٌ ولا أمانة، لم تستحبَّ، وإن كان رشيدًا خيِّرًا غيرَ كسوب، لم تستحبَّ عند المراوزة؛ لأنَّه يصير بالعتق كَلًّا على المسلمين، وعند العراقيين وجهان.
وكتابةُ المجنون والصبيِّ المميِّز باطلةٌ، فإن قال السيِّدُ لصبيٍّ رقيق: إن أدَّيت إليَّ كذا فأنت حرٌّ، فأدَّاه، عتق، ولا يرجع عليه بقيمته.
* * *
٤١٢٩ - فصل في عوض الكتابة
ما جاز أن يكون ثمنًا، أو أجرةً جاز أن يكونَ عوضًا في الكتابة بشرط أن يكون دينًا موصوفًا بصفات السَّلَم، مؤجَّلًا منجَّمًا بنجمين فصاعدًا، ولا حدَّ لأكثر النجوم، فإن كاتبه (٢) على نقد، حُمل على الغالب، وهل علَّة التأجيل اتِّباعُ السلف، أو عجزُ المكاتب عن الدَّين الحالِّ؟ فيه خلافٌ؛ فإنَّ
стр. 3237
العوضَ لو كان مِلحًا، وهما على مَلَّاحة، لم يملكْه حتَّى يحوزَهُ بعد العقد.
ولو وُهب منه شيء، أو أُوصي له به؛ فإن قبله قبل الكتابة، ففي صحَّة قَبوله وجهان، فإن قلنا: يصحُّ، ثبت الملكُ للسيِّد، وإن قبله بعد الكتابة، لم يقترن ملكهُ بقَبول الكتابة، فإن كان بعضُه حرًّا، وله مالٌ، فكاتبه بعِوَض حالٍّ، ففي الصحَّة وجهان.
وإن كاتبه على نجمين عظيمين، وأجَّلهما بلحظتين؛ فإن علَّلنا بالعجز، فوجهان، وإن علَّلنا بعادة السلف، أمكن طردُ الوجهين.
وإن اشترى المعسرُ شيئًا بثمن عظيم لا يستقلُّ به إلَّا الأغنياءُ، صحَّ اتِّفاقًا، وأبعد مَنْ قال: إن زاد الثمنُ على قيمة المبيع، لم يصحَّ البيعُ، وإن أسلم إلى المكاتب عقيب الكتابة سَلَمًا حالًّا، ففي صحَّته وجهان، أجراهما الإمامُ في السلَم إلى المعسر؛ تعليلًا بأنَّ الثمنَ يحتمل ما لا يحتمله المُسْلَم فيه، ولذلك لا ينفسخُ البيعُ بانقطاع جنس الثمن، وفي انفساخ السلم بانقطاع المسلم فيه قولان، ولا فرق عند المحقِّقين بين المسلَم فيه والثمن.
وتصحُّ الكتابةُ بنجوم متساوية ومتفاوتة، وكذلك ما يتخلَّل النجومَ من الآجال.
٤١٣٠ - فرع:
الأصحُّ أنَّ المكاتبَ لا يعتق إلَّا أن يكونَ السيِّدُ قد قال: فإذا أدَّيت إليَّ النجومَ، فأنت حرٌّ، وليس ذلك تعليقًا حقيقيًّا؛ فإنَّه يعتق بالإبراء.
ولو نوى تعليقَ العتق بالأداء، أو لم يلفظ به، كان كما لو لفظ به.
стр. 3238
٤١٣١ - فرع:
إذا قال: كاتبتك على خدمة هذا الشهر ودينار بعده، أو أجَّل الدينارَ بيوم أو لحظة، صحَّ، وشرط أبو إسحاقَ تأجيلَ الدينار بما بعد الشهر، وهذا لا يصحُّ؛ فإن المنفعةَ حالَّة، فيحصل التنجيمُ بتأخير الدينار بلحظة بعد القَبول، وإنَّما جاز الحلولُ في منافع العبد؛ لأنَّ قدرتَه عليها مقرونةٌ بقَبول الكتابة.
وإن كاتبه على خدمة شهر، وزعم أنَّه جعل الخدمةَ في كلِّ عشرة أيَّام نجمًا، لم يصحَّ؛ كمن أجَّر دارًا، وقال للمستأجر: إذا انقضت مدَّة الإجارة، فقد أجَّرتكها شهرًا، وفي الصورتين وجهٌ بعيد.
وإن كاتبه على خدمة شهرين، وخلَّل بينهما عشرةَ أيَّام، لم يصحَّ، وإن قال: أعتقتك على خدمة شهر، فقبل، عتق في الحال، ولزمته الخدمةُ، فإن تعذرت، فهل يرجعُ بقيمة رقبته، أو بأجرة الخدمة؛ فيه قولان، وإن قال: كاتبتك على ألف تؤدِّيه في عشر سنين، لم يصحَّ؛ إذ يُشترط تبيينُ وقت حلول النجم من كلِّ سنة، وحكمُ ابتداء الأجل، وانتهائه هاهنا كحكمه في السلم في محلِّ الخلاف والوفاق.
* * *
٤١٣٢ - فصل في مزج الكتابة بالبيع
إذا شرط في الكتابة أن يبيعَ من المكاتب شيئًا، فسدت الكتابةُ، وإن قال: كاتبتك وبعتك هذا العبدَ بألف منجَّم بكذا، فقال: قبلتُ البيعَ والكتابة، أو قال: قبلتهما، أو قال: قبلت الكتابةَ والبيعَ؛ فالأصحُّ: بطلان البيع اتِّفاقًا،
стр. 3239
وفي فساد (١) الكتابة قولا تفريق الصفقة، فإن قلنا: يصحُّ، ثبت له الخيارُ، فإن أجاز، وزَّع الألفَ على المبيع والمكاتب، وأخذ ما يقابل المكاتب، وعلى قول بعيد: يأخذ جميعَ الألف، وقيل: إنَّ مزجَ البيع بالكتابة كمزج البيع بالرهن، فعلى هذا يكونُ في صحَّة (٢) البيع والكتابة الخلافُ في الجمع بين عقدين مختلفي الحكم، بخلاف مَزْج البيع بالرهن، فإنَّه تابعٌ له مؤكِّد لثمنه، ويجوز شرطُه فيه.
* * *
٤١٣٣ - فصل في كتابة عبيد بمال واحدٍ
إذا كاتب عبيدَه بألف ولم يبيِّن حصَّةَ كل واحد منهم، أو اشترى أعبدًا من أشخاص لكلِّ واحد منهم عبدٌ بثمن واحد، أو نكح نسوةً، أو خلعهنَّ بعوض واحد، فالنصُّ بطلانُ البيع وصحَّةُ الكتابة، وفي الخلع والصداق قولان، وفي هذه النصوص طرقٌ:
أصحُّها: طردُ القولين في الجميع؛ فإنَّ الرجوعَ إلى معرفة الأعواض بالتوزيع ممكنٌ، فأشبه ما لو قال: بعتك بما اشتريتُه وربحِ (ده يازده) (٣)، وهما عالمان برأس المال؛ فإنَّه يصحُّ وإن افتقر في معرفة جميع الثمن إلى ضمٍّ وحساب.
الثانية: تقريرُ النصوص؛ فإنَّ المقصودَ بالبيع يفسد بفساد العِوَض،
стр. 3240
ولا يفسد مقصودُ الخلع والنكاح بفساد العِوَض، والعبيدُ في الكتابة لمَّا جمعهم ملكٌ واحد بمثابة عبد واحد، وهذه الطريقةُ ضعيفةٌ؛ فإنَّ هذه العقودَ كلَّها تفسدُ بفساد أعواضها.
والطريقة الثالثة: بطلانُ البيع، وفي الكتابة القولان.
والطريقةُ الرابعة: تصحُّ الكتابة، وفي البيع القولان، فإن قلنا بالصحَّة، وُزِّع العوضُ على قيم المكاتبين، ومهور الأمثال، وفيه قول أنَّه يوزَّع على الرؤوس، وهو فاسدٌ بعيد لم يُنقل في البيع، وطرْدُه فيه بعيدٌ مع ما فيه من الاحتمال.
وقال الإمام: إن وزَّعنا على الرؤوس وجب القطعُ بصحَّة العقود، وإن وزَّعنا على القيم، ففيه الطرقُ الأربع، فإن صحَّحنا الكتابةَ، طُولب كلُّ واحد بما يخصُّه، وعتق بأدائه، ولا يقف عتقُه على أداء غيره.
وإن كان قد قال: فإذا أدَّيتم، فأنتم أحرارٌ؛ فإن دفعوا إلى السيِّد شيئًا، ثمَّ ادَّعى أقلُّهم قيمةً أنَّهم ملكوا ذلك، ودفعوه على عدد الرؤوس، وقال أكثرهم قيمةً: بل على قدر القيم، فالأصحُّ تصديقُ أقلِّهم قيمةً؛ لاشتمال أيديهم على ما أدَّوْه، ونقل بعضُ الأصحاب نصَّين، فجعلهما بعضُهم قولين، ومنهم مَنْ قال: القولُ قولُ مَنْ يدَّعي التساويَ فيما عدا النجمَ الأخير، وأمّا النجمُ الأخير؛ فإن كان مدَّعي التساوي لو صدق لاستردَّ شيئًا ممَّا أقبضه، فالقولُ قولُ مدَّعي التفاوت.
٤١٣٤ - فرع:
إذا تبرَّع أحدُهم بأداء نجم عن أصحابه، وذكر ذلك للسيِّد؛ فإن جوَّزنا
стр. 3241
التبرُّعَ بإذن السيِّد كان قَبولُه كإذنه، وأبعد مَنْ شرط إذنًا سوى ظاهر القبض، وإذا منعنا التبرُّع بالإذن، فله استردادُ النجم، فإن عتق قبل استرداده، ففي سقوط الاسترداد قولان يجريان إذا جنى عليه السيِّد، فعفا، وقلنا: لا يصحُّ عفوُه بالإذن، فعتق قبل أخذ الأرش، والقولان عند الإمام كالقولين إذا تصرَّف المفلسُ، ثمَّ زال الحَجْر.
ولو أخذ الأرشَ أو استردَّ النجمَ، ثمَّ عتق، استقرَّ أخذُه؛ فإنَّ قولَ الوقف لا يجري بعد الأخذ، وإن طالب بذلك، فعتق قبل أخذه، ففي فَحْوى كلام الأصحاب تردُّد واحتمال.
٤١٣٥ - فرع:
لا يصحُّ ضمانُ النجوم، ولا الرهنُ بها، وكذلك الاستبدالُ بها عند القاضي.
ولو كاتب أعبدًا بشرط أن يضمنَ بعضُهم بعضًا فسدت الكتابةُ، وعلى قول قديم بعيد تصحُّ الكتابة والشرطُ والضمانُ، لأنَّهما من مصلحة هذا العقد.
* * *
٤١٣٦ - فصل في حكم الكتابة الفاسدة
إذا وُجد الإيجابُ والقَبولُ ممَّن تصحُّ عبارتُه، وظهر قصدُ الماليَّة، ولم تجتمع شرائطُ الصحَّة، فهذه هي الكتابةُ الفاسدة، وحكمها الجوازُ من الجانبين، واستقلالُ المكاتب بالاكتساب، وجواز معاملته للسيِّد، وسقوط
стр. 3242
نفقته عنه (١)، وحصول العتق بالأداء وتبعيَّة الكسب، والأولاد، وذكر بعضُهم في الأولاد قولين كولد المدبَّرة، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الأولادَ كالأكساب، وتنفسخُ بموت السيِّد، ولا يعتق بالأداء إلى الورثة؛ فإنَّ التعليقاتِ مختصَّة بحياة المعلِّق، وإن فسخها السيِّدُ، لم يعتق بالأداء بعد ذلك؛ لأنَّ التعليقَ هاهنا في ضمن معاوضة، فكأنَّه قال: إذا أدَّيت قبل الفسخ، فأنت حرٌّ.
وإذا عتق بالأداء، استردَّ النجومَ، ولزمته قيمتُه، فإن تماثلا، ففيه أقوال التقاصِّ، وإن أعتق عن الكفَّارة، أجزأ على النصِّ، وإذا أجزأ عن الكفَّارة، فقد قال أبو عليٍّ: لا يتبعه كسبٌ ولا ولد؛ فإنَّه عتق عن الكفَّارة، فلا يعتق عن الكتابة، واستحسنه القفَّال، وهل يستقلُّ بالسفر، ويأخذ الزكاة؛ فيه وجهان، ولو صحَّت الكتابةُ، استقلَّ بالسفر، وأخذ الزكاةَ.
* * *
٤١٣٧ - فصل في جنون السيد أو المكاتب
لا تنفسخ الكتابةُ الصحيحةُ بجنونهما، ولا بجنون أحدِهما، فإن جُنَّ السيّد، فأقبضه النجمَ، لم يصحَّ القبضُ، ولم يعتق، وله استردادُه، ولا يضمنه السيِّدُ إن تلف، ولو قبضه الناظرُ في أمر السيِّد، صحَّ القبضُ، وعتق.
وإن جُنَّ المكاتبُ، فأقبض النجمَ، أو استقلَّ السيِّد بقبضه، صحَّ القبضُ، وعتق؛ لاستحقاقه للقبض، وقال الإمامُ: لا يصحُّ القبضُ إلَّا إذا تعذَّرت مراجعةُ الحاكم، أو مَنْ ينصِّبه للنظر في أمر المكاتب.
стр. 3243
٤١٣٨ - فرع:
في انفساخ الكتابة الفاسدة بالجنون أوجهٌ:
أصحُّها: أنَّها لا تنفسخ؛ لإفضائها إلى اللزوم.
والثالث: تنفسخُ بجنون السيد، ولا تنفسخ بجنون المكاتب، وهو ظاهر النصِّ.
فإن قلنا: تنفسخُ، لم يستقلَّ بالأكساب بعد الإفاقة، وفي عتقه بالأداء وجهان، فإن قلنا: يعتقُ، فلا تراجع بينهما، وأبعد مَنْ أثبت للسيِّد الرجوعَ بالقيمة.
ومتى انفسخت الكتابةُ بفسخ أحدهما، لم يعتق بالأداء اتِّفاقًا.
وإن قبل المجنونُ الكتابةَ، فعتق بالأداء، فلا تراجعَ على الأصحِّ الذي نقله المزنيِّ، ونقل الربيعُ أنَّهما يتراجعان، فقيل: قولان، وقيل: الأصحُّ ما نقله الربيعُ، ولا وجهَ لهذا؛ إذ لا عبرةَ بكلام المجنون؛ فإنَّ الكتابةَ الفاسدة هي التي تقعُ بين شخصين من أهل العبارة.
ولو كاتب صبيًّا مميِّزًا، فعتق بالأداء، لم يثبت شيءٌ من أحكام الكتابة الفاسدة، ولا تراجعَ اتفاقًا مع أنَّ كلامَه معتبرٌ في بعض الأحوال، فما الظنُّ بالمجنون؟ ! .
وحمل بعضُ الأصحاب نقلَ الربيع على الجنون الطارئ، ونقْلَ المزنيِّ على المقترن بالعقد، ولكنَّه خلافُ ما نصَّ عليه الربيعُ.
* * *
стр. 3244
٤١٣٩ - فصل في إعتاق أحد الوارثين نصيبَه من المكاتب وإبرائه
إذا مات السيِّدُ عن اثنين مقرَّين بالكتابة، فأعتق أحدُهما نصيبَه، أو أبرأ من حصَّته من النجوم، عتق وبرئ، وفي السراية قولان:
أحدُهما: لا يسري؛ فإنَّه يعتقُ عن الميت، فتبقى الكتَابةُ في نصيب الأخ، فإن عتق نصيبُه بأداء أو عِتْق أو إبراء، فولاؤُه للميِّت، وإن رقَّ نصيبُه، انفسخت الكتابةُ فيه، وكان ولاءُ النصف الآخر بينهما على الأصحِّ، وقيل: يختصُّ به المعتقُ المبرئ، ومأخذُ هذا الخلاف أنَّ نصيبَ الأخ إذا رقَّ، ففي انفساخ الكتابة في نصيب المعتق وجهان.
وقطع الإمامُ بأنَّها لا تنفسخ، فيعتق عن الكتابة، ويكون الولاءُ للميِّت، فيرثان به إذا قلنا: يورث مَنْ بعضُه رقيق، ولو عتق نصيبُ أحدهما بالإبراء، ولم يظهر في نصيب الآخر رِقٌّ ولا حرية؛ فإن جعلنا الولاءَ بينهما إذا رقَّ نصيبُ الأخ، فهو بينهما هاهنا، وإن جعلناه للمبرئ ثَمَّ، فهاهنا وجهان.
وقال الإمامُ؛ يوقف، فإن عتق عن الكتابة، فالولاءُ بينهما، وإن رقَّ، ففيه الخلافُ.
والقول الثاني: يسري؛ لأنَّهما ملكاه بالإرث، ولهذا لو زوَّج بنتَه بمكاتبه، ثمَّ مات، انفسخ النكاحُ؛ لأنَّها ملكت بعضَ زوجها، وقال القاضي: يحتمل أن يُبنى القولان على أنَّ (١) الدينَ هل يمنعُ الإرثَ؛ لأنّ استحقاقَ العتق كاستحقاق الدين؟ فإن قلنا: لا يملك، فينبغي ألا ينفسخَ النكاح، وهذا خلافُ النصِّ، واتِّفاق الأصحاب، فإن قلنا: يسري، فهل يسري في الحال؟ فيه
стр. 3245
قولان، فإن قلنا: يسري في الحال، ففي انفساخ الكتابة وجهان، وإن قلنا: لا يسري في الحال؛ فإن عتق بالكتابة، امتنعت السرايةُ، وإن عاد إلى الرِّق، عتق بالسراية.
٤١٤٠ - فرع:
إذا أخرنا السرايةَ إلى الرقِّ، فالولاء في محلِّ السراية للمعتق المبرئ؛ لانفساخ الكتابة فيه، وإن عجَّلنا السرايةَ، ففي الانفساخ في محلِّ السراية وجهان، فإن قلنا: ينفسخُ، مَلكهُ المعتقُ، وعتق عليه، وكان تفريعُه كتفريع تأخير السراية في الولاء وغيره، وإن قلنا: لا ينفسخ، فالمذهبُ: أنَّ الولاء للميِّت، فيشتركان فيه؛ فإنَّ جميعَه قد عتق عن الكتابة، فلم يتبعَّض بقاءً وارتفاعًا، ومتى حُكم بالفسخ، زالت أحكامُ الكتابة، فلا يتبعُ المكاتبَ كسبٌ ولا ولد، ولا سيِّما إذا قلنا بانقلاب النصيب إلى الرقِّ، فتكون حصَّته من الكسب والولد للذي لم يعتق، ولم يبرئ لأنَّا نقدِّر انقلابَه إلى ملكه، ثمَّ ننقله إلى المعتق المُبْرئ.
٤١٤١ - فرع:
إذا أُجبر أحدُهما على قبض نصيبه من النجوم حيث يُتصوَّر ذلك، لم يسْرِ عليه اتِّفاقًا.
٤١٤٢ - فرع:
إذا كاتب الشريكان عبدَهما معًا، ثمَّ أعتق أحدُهما نصيبَه، سرى عليه اتِّفاقًا، وهل يسري في الحال؟ فيه قولان، فإن قلنا: يسري في الحال، ولم تقف السرايةُ على دفع القيمة، ففي انفساخ الكتابة في محلِّ السراية الوجهان،
стр. 3246
وذكر في "التقريب" قولًا بعيدًا أنَّه لا يسري، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ العتقَ وقع عن الشريك المعتق، فسرى، وعتْقُ الوارث يقعُ عن المورِّث (١) على أحد القولين.
* * *
٤١٤٣ - فصل في تنازع المكاتب والورثة
إذا ادَّعى المكاتبُ على الابنين أنَّ أباهما كاتبه، فأكذباه، حلفا على نفي العلم، فإن نكلا، حلف وحُكم له بالكتابة، وإن صدَّقه أحدُهما، وكذَّبه الآخرُ، صار نصيبُ المصدِّق مكاتبًا، وحلف الآخرُ، ورقَّ نصيبُه، واستكسب العبدُ، ودفعَ إلى المكذِّب ما يخصُّه، وأدَّى الباقيَ في النجوم إذا حلَّت، فإذا أدَّاها، عتق نصيبُ المصدِّق، ولم يسْرِ اتِّفاقًا، وإن نكل، حلف العبدُ وحُكم بالكتابة، فإن أعتق المصدِّقُ نصيبَه، أو أبرأه من النجوم، ففي السراية إلى نصيب المكذِّب القولان، وأولى بالسِّراية؛ لاعترافه برقِّه.
وقال الإمام: إن قلنا بتعجيل السراية، وجب القطعُ بحصولها؛ لاعتراف المكذِّب بها، ولو شهد المصدِّقُ مع آخر، قُبلت شهادتُه عند الصيدلانيِّ، وهذا مشكلٌ؛ لما له في الكتابة من الغرض، فكيف تُقبل شهادتُه بعَقْدٍ عوضُه له، وإن شهد بعد الإبراء، لم تُقبل إلَّا إذا منعنا السرايةَ.
٤١٤٤ - فائدة:
تنفسخ الكتابةُ بموت المكاتب، ولا تنفسخ بموت السيِّد، ولا يعتق
стр. 3247
شيءٌ منه حتَّى يؤدِّي جميعَ النجوم.
* * *
٤١٤٥ - فصل في دعوى السيد تحريمَ النجوم
إذا أحضر المكاتبُ نجمًا، فقال السيِّد: لا أقبله؛ لأنَّه حرام، أُجبر على قَبوله، إلَّا أن يبرئَه، فإن كان قد عيَّن مستحقَّه، أُجبر على ردَّه إليه، وإن لم يعيِّنه، أُقِرَّ بيده على المذهب، وقيل: يُوضع في بيت المال، فإن امتنع من قَبوله من المكاتب، قبضه الحاكمُ عنه، فإن أكذب نفسَه بعد ذلك؛ فإن قلنا: يُنزع منه، لم يُقبل على الظاهر، وإن قلنا: يُترك بيده، قُبِل على المذهب، ونفذ تصرُّفه فيه.
وإذا أحضر المكاتبُ النجمَ في محلِّه، أُجبر السيِّدُ على قَبوله، وإن أحضره قبل المحل؛ فإن كان على السيِّد ضررٌ في قبضه؛ مثل أن يكونَ وقتَ نهب أو غارة، لم يُجبر على قَبوله اتِّفاقًا، وإن لم يكن عليه ضرر، أُجبر على القَبول قطعًا، فإن كان غائبًا، قبضه الحاكمُ عنه وعتق، وإن كان له غرضٌ في ترك القَبول من غير تضرُّر، أُجبر على القَبول، ولا فرقَ بين النجم الأخير، وما قبله؛ لتأثير الجميع في تحصيل العتق، ولو رهن شيئًا بدين مؤجَّل، فعجَّله؛ ليفكَّ الرهنَ، ولا ضررَ على المرتهن، أُجبر على قبضه.
* * *
٤١٤٦ - فصل في تزوُّج المكاتب والمكاتبة
لا تتزوَّج المكاتبةُ ولا المكاتب، ولا يتسرَّى بغير إذن السيِّد، فإن أذن
стр. 3248
له في التسرِّي، فعلى قولي التبرُّع بالإذن، وإن أذن له في النكاح، فطريقان؛ إحداهما: القطعُ بالصحَّة؛ لاحتياجه إليه.
والثانية: فيه القولان.
وإن أذن للمكاتبة، ففيه الطريقان، وأولى بالصحَّة؛ لحصول المهر والنفقة، وأبعد مَنْ قطع بالبطلان.
وإن اختلعت لإذنه، فقولان، ولم يقطع أحدٌ بالصحَّة، وقطع بعضُهم بالبطلان، فإذا صحَّ نكاحُ المكاتبة، كان تسليمها نفسَها إلى الزوج كتسليم الإماء.
* * *
٤١٤٧ - فصل في الإيتاء
يجب الإيتاءُ على السيِّد؛ لقوله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فإن أبرأه من بعض النجوم، أو دفع إليه شيئًا، أجزأه اتِّفاقًا، وهل الأصلُ الدفعُ أو الإبراء؟ فيه وجهان:
أحدُهما: الدفعُ هو الأصل، فيجب في الكتابة الفاسدة، ويقوم الإبراءُ من بعض قيمة الرقبة مَقامَه.
والثاني: الإبراءُ هو الأصل، فلا يجبُ في الكتابة الفاسدة.
ومَنْ أعتقَ عبدَه على عوض، أو باعه نفسَه، لم يجب الإيتاءُ عند المعظم، وقيل: يجب في كلِّ عتق بعوض، وما لا عوضَ فيه فلا إيتاءَ فيه اتِّفاقًا، هل يجب الإيتاءُ في الكتابة قبل العتق؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يجب، استُحِبَّ
стр. 3249
تقديمُه، وإن أوجبناه، فلا خلافَ أنَّه لا يتضيَّقُ؛ بحيث يتوجَّه طلبهُ قبل النجم الأخير، وفي قدر الإيتاء وجهان:
أحدُهما: أقلُّ ما يُتموَّل ممَّا يكون عوضًا.
والثاني: ما يكون معونة قبل (١) العتق، أو بُلْغةً بعدَه، فيختلف ذلك باختلاف النجوم، وقوَّة المكاتب، فإن تنازعا فيه، قدَّره الحاكمُ بما يؤَثر في الإعانة، ويوجب عدمُه تضييقًا، أو كُلْفةً، فما تُيقِّن أنَّ له وقعًا، كفى إيجابُه، وما يتيقن أنَّه لا وقعَ له؛ كمئة من عشرة آلاف مؤجَّلة بسنتين، فلا يكتفى به، وما يُتردَّد فيه يُخَرَّج على تقابل الأصلين؛ فإنَّ الأصلَ براءةُ الذمَّة، ووجوبُ الإيتاء.
٤١٤٨ - فرع:
إذا أبرأه من نجم، أو دفع إليه شيئًا ممَّا أخذه، أجزأ، وإن دفع له (٢) من مال آخر؛ فإن كان من غير جنس النجوم، لم يجز؛ كبدل الزكاة، وإن كان من جنسها، فوجهان، ودلَّ كلامُ بعضِهم في غير الجنس على الإجزاء، وأجازه الإمامُ بتراضيهما، ولو بقي من النجوم المقدارُ الواجبُ، لم يسقط عند الأئمَّة؛ لأنَّ له دفعَ بدله، فيرفعه المكاتبُ إلى الحاكم؛ ليرى رأيَه، فإن امتنع، أجزأه على منهاج الحقِّ.
وإذا بقي مالًا يكفي دونه، فعجز المكاتبُ عنه؛ فإن جعلنا الإبراءَ أصلًا،
стр. 3250
لم يملك السيِّدُ تعجيزَه، وإن جعلنا الأصلَ الدفعَ، فله تعجيزُه عند القاضي، وهذا غلطٌ من الناقل، فلا يجوزُ تعجيزه، وفي حصول العتق أقوالُ التقاصِّ.
٤١٤٩ - فرع:
إذا عتق بأداء النجوم، صار الإيتاءُ دَيْنًا يُضارَب به الغرماء، ويقدَّم على الوصايا، وقال المزنيُّ: يحاصُّ به الوصايا، فحمله بعضُهم على ظاهره؛ تعليلًا بأنَّه مَكْرمة وإن كان واجبًا، وقيل: إن قدَّره الحاكمُ، فأقلُّ ما يتموَّل واجبٌ، والزائدُ في رتبة الوصايا، والمذهبُ: الأوَّل، والنصُّ محمولٌ على ما لو قدَّره السيِّدُ بأكثرَ من القدر المجزئ، فالزيادةُ وصيَّة.
٤١٥٠ - فائدة:
ليس لأحد يتولَّى الطفلَ مكاتبةُ أحدٍ من عَبِيده.
* * *
٤١٥١ - فصل في اختلاف السَّيد والمكاتب
إذا اختلفا في قدر الأجل، أو قدر النجوم، أو جنسها، تحالفا، فإن تحالفا قبل العتق، انفسخت الكتابةُ أو فُسخت، ورقَّ المكاتبُ، وكان للسيِّد ما قبضه، وإن اتَّفقا على حصول العتق؛ بأن أخذ منه ألفين، فقال: كاتبتك (١) عليهما، فقال: بل على أحدهما، والألف الآخرُ وديعة، فلا ردَّ للعتق، وعلى السيِّد ردُّ الألفين، ويرجعُ بقيمة العبد، وإن تزوَّج بعتيقة، وأولدها، ومات، فقال السيِّدُ: عتق قبل موته، فانجرَّ الولاءُ إليَّ، وقال موالي الأمِّ: بل مات
стр. 3251
رقيقًا، فالولاءُ لنا، فالقول قولُهم.
٤١٥٢ - فرع:
إذا كاتب في الصحَّة، واعترف في مرض الموت بقبض النجوم، صحَّ إقرارُه.
٤١٥٣ - فرع:
إذا قال في الصحَّة: قبضتُ نجومَ أحد مكاتَبيَّ، طُولب بالبيان، فإن عيَّن أحدَهما عتق، وللآخر أن يدَّعيَ بالقبض، والقولُ قولُ السيِّد، فإن نكل، حلف الثاني، وعتقا جميعًا، ولو قال الثاني: عنيتني بالإقرار، لم يُسمع على الأصحِّ؛ كمالو قال لغيره: أقررت لي بألف، فلا يُسمع على الأصحِّ، فإنَّه لم يدَّع حقًّا، بل ادَّعى خبرًا يحتمل الصدقَ والكذبَ.
ولو ادَّعى الألف، وأقام البيِّنة بإقرار الخصم، ثبت الألفُ، فإن مات السيِّدُ قبل البيان، طُولب به الوارثُ، فيحلف على نفي العلم بمَنْ عناه المورِّثُ، فإن حلف، انقطعت الخصومةُ، وأُقرع بينهما على الأصحِّ، وقيل: لا يُقرع؛ لأنَّ هذا إبهامٌ في قبض دين، فأشبه ما لو قال: قبضتُ ديني من أحد هذين، ومات قبل البيان، فعلى هذا: يُوقف إلى الاصطلاح، أو البيان، أو قيام بيِّنة، وينقدح أن يثبتَ للوارث الفسخُ، فيقول: فسختُ الكتابة فيكما، فتنفسخ، ثمَّ يُقرع بينهما، ويُحتمل أن يلحق بما إذا ثبت التعجيزُ، فقال السيِّدُ للمكاتب ولعبد آخر، أو لحُرٍّ: عجَّزتكما؛ فإنَّ العجزَ يثبتُ في المكاتب، وفي الإقراع القولان فيما إذا أعتق المريضُ عبدين على التعاقب، وشككنا في السابق منهما، ففيه قولان يجريان حيث يُتَيقَّن
стр. 3252
التعيينُ، ويُيْئَس من المعرفة.
٤١٥٤ - فرع:
إذا تنازعا في قبض النجوم، فالقول قولُ السيِّد، فإن قال: لي بينة، أُنْظِر يومًا، فإن استزاد، أُنظر ثلاثًا، ويكفيه رجلٌ وامرأتان فيما عدا النجمَ الأخيرِ، وفي النجم الأخير وجهان.
* * *
٤١٥٥ - فصل في ردِّ النجم الأخير بالعيب
من استحقَّ دينًا في معاوضة، فقبضه، فلم يجده على الصفة؛ فإن كان من (١) غير الجنس، لم يملكْه وإن رضي به إلَّا بمعاوضة صحيحة، وإن كان من الجنس، فله أن يرضى به، وله أن يردَّه، ويطالبَ بحقِّه، فإن رضي به، ملكَهُ، وهل ملكه بالرِّضا أو بالقبض؛ فيه قولان، فإن قلنا: يملكه بالرضا، فرضي على الفور، أو التراخي، حصل الملكُ، وإن قلنا: يملك بالقبض، ففي اشتراط الفَوْر احتمال، والأوجه: أنَّه لا يُشترط؛ فإنَّ الفورَ شُرِط حفظًا للعقد، والعقدُ ها هنا لا يرتفع بالردِّ، فإن اختار الردَّ، لم ينفسخ العقدُ، وهل ثبت ملكُه ثُمَّ ارتفع، أو لم يحصل؟ فيه القولان.
فإذا قبض المسَلِمُ الجاريةَ المسلَمَ فيها، ثمَّ ردَّها بعيب، ففي وجوب استبرائها على المُسْلَمِ إليه القولان.
وإن وجد السيد بالنجم الأخير عيبًا؛ فإن رضي به، حصل العتقُ، وهل
стр. 3253
حصل بالقبض أو الرِّضا؟ فيه القولان، وإن ردَّه؛ فإن قلنا: يملك بالرضا، لم يعتق، وإن قلنا: يملكه بالقبض، فله الردُّ اتِّفاقًا، فإذا ردَّه، فالأصحُّ: أنَّا تبيِّن أنَّ العتقَ لم يقع (١)؛ لأنَّه علَّقه بحصول ملك لازم في نجم غير مَعِيب، وأبعد مَنْ أوقع العتقَ جائزًا، وأثبت له ردَّه، ولم يصرْ أحدٌ إلى إثبات العتق لازمًا.
وإن اطَّلع على عيب النجم بعد تلفه؛ فإن رضي به، حصل العتقُ، وفي وقت حصوله القولان، وإن طلب الأرشَ لم ينفذِ العتقُ عند الأئمة، وله أن يعجِّزه بسبب الأرش، كما يعجِّزهُ بالنجم، وقد يُخرَّج هاهنا الوجهُ الضعيفُ في أنَّ العتقَ هل حصل ثُمَّ ارتفع، وفي هذا بحثٌ؛ فإنَّ المشتريَ إذا اطَّلع على عيب المبيع بعد فواته؛ فإن طلب أرشَه، استقرَّ، ولم يسقط إلَّا بالإبراء، وإن رضي بالعيب، سقط الأرشُ على ما دلَّ عليه فَحْوى كلام الأصحاب؛ لأنَّه بدلُ الردِّ الذي يسقطه الرضا.
وليس طلبُ الأرش على الفَوْر، بخلاف الردِّ، والأرشُ في البيع جزءٌ من الثمن، والأرشُ فيما يُقبض عن الدَّين جزءٌ من المقبوض، أو ممَّا يقابله من العوض؟ فيه وجهان؛ فإنَّه ليس بركن (٢) في العقد، ولذلك لا يرتفعُ العقدُ بردِّه، فعلى هذا: هل يرجعُ السيِّد بجزءٍ من النجم، أو من قيمة المكاتب؟ فيه الوجهان، ولو قيل: يردُّ بدلَ النجم، ويطالب بالنجم السليم، لكان أمثلَ من هذا، سيَّما إذا قلنا: لا يملكهُ إلَّا بالرضا، ولم يتعرَّضْ أحدٌ من الأصحاب
стр. 3254
لهذا، ولعلَّهم يقطعون بحصول الملك إذا تلف المقبوضُ، ويخصُّون الخلافَ ببقاء المقبوض، ثمَّ يختلفون في حقيقة الأَرْش كما تقدَّم.
* * *
٤١٥٦ - فصل في ظهور النجم مستحَقًّا
إذا قبض السيِّدُ النجمَ الأخير، فظهر مستحَقًّا، لم يحصل العتقُ، فإن قال السيِّدُ على ظنِّ أنَّه قد ملك النجمَ: قد عتقت، أو أنت حرٌّ، فالنصُّ الذي به الفتوى أنَّه لا يعتق؛ لأنَّه بنى كلامَه على الظاهر، وقيل: يعتق؛ مؤاخذةً له بقوله.
ولو ظهر المبيعُ مستحَقًّا، وكان المشتري قد قال: هو ملكي، ففي رجوعه بالثمن على البائع هذا الخلافُ وإن قصد بكلامه تحصيلَ العِتْق.
فإن ظهر النجمُ مستحَقًّا، فلا ردَّ لهذا العتق وإن ثبت الاستحقاقُ.
٤١٥٧ - فرع:
إذا قالت المرأةُ لزوجها: طلَّقتني، فقال: نعم، كان مُقِرًّا بالطلاق، فإن قال: أطلقتُ لفظًا ظننت طلاقًا، فأقررت بحسب ذلك، فأفتاني العلماءُ بأنَّه ليس بطلاق، قُبل قولُه على ما نقله الصيدلانيُّ وبعضُ الأصحاب، وزاد الصيدلانيُّ: إذا قال له أجنبيٌّ: أطلَّقتَ زوجتك؟ فقال: نعم، طلَّقتُها، ثمَّ اعتذر بما ذكرناه، فإنَّه يُقبل، وقطع الإمامُ بأنَّه لا يُقبل في الصورتين؛ إذ ليس لكلامه ظاهرٌ يُعتمدُ عليه.
٤١٥٨ - فرع:
إذا قال في الكتابة الفاسدة: إن أعطيتني ألفًا، فأنت حرٌّ، فأعطاه ألفًا
стр. 3255
مستحَقًّا، ففي حصول العتق قولان، وإن قال: أنت حرٌّ على ألف، فقبل، أو قال لزوجته: أنت طالقٌ على ألف، فقبلت، وقع العتقُ والطلاقُ بالقَبول.
* * *
٤١٥٩ - فصل في اجتماع ديون السيد على المكاتب
إذا اجتمع للسيِّد على المكاتب نجمٌ، وأرشُ جناية على نفسه، أو ماله، وفي يد المكاتب وفاءٌ بالجميع، فإن بدأ بالنجم برضا السيِّد، عتق، ولم يسقط أرشُ الجناية على الأصحِّ؛ لأنَّه ثبت مع قيام الرقِّ، وقيل: يُخرَّج على الخلاف في أن القِنَّ هل له ذمَّة في الجناية؟
وإن قَدَر على النجم دون الأَرْش، فله أن يُلزمَه بدفع الأرش، وهل له تعجيزُه قبل دفعه؟ فيه طريقان:
إحداهما: له ذلك إذا عرف عجزَه؛ لأنَّ له مطالبتَه بهما معًا، فيعجز عن بعض النجم.
والثانية: لا يعجِّزه حتَّى يأخذَ الأرشَ.
فإن طلب المكاتبُ تأديةَ النجم، فللسيِّد أن يمتنعَ من قبضه، وإن دفع ما في يده مطلقًا، وقال: نويتُ النجمَ، ففي وقوعه عن النجم خلافٌ؛ لأنَّ الاختيارَ في القبض إلى السيِّد، بخلاف سائر الديون، ولو نوى النجمَ، ونوى السيِّدُ الأرشَ، وتصادقا على النيتين، فينبغي أن يُخرَّجَ على الخلاف.
* * *
стр. 3256
٤١٦٠ - فصل في اجتماع النجم وديون الأجانب
إذا اجتمع النجمُ مع أرش جناية على أجنبيٍّ، أو دين معاملة لأجنبيٍّ، وضاق ما في يده عن الجميع؛ فإن لم يُحجَر عليه بالفلس، فلهُ تقديمُ من شاء؛ كالحرِّ المُعْسر؛ فإنَّ تقديمَه دينًا على دين ليس بتبرُّع إجماعًا، وإن حُجِر عليه، فالنصُّ الذي صحَّحه صاحبُ "التقريب" أنَّهم يتضاربون في ذلك؛ لتعلُّق ديونهم بما في يده.
وقال المعظمُ: يبدأ بدين المعاملة، ثمَّ بالأرش، ويتأخَّر النجمُ عنهما؛ لتعلُّق صاحب الأرش بالرقبة، وتقديم الأرش على حق المالك في الرقبة، ولذلك يُباعُ إذا امتنع من الفداء، فإن قلنا: لا مضاربةَ بالنجوم، ففي المضاربة بدين المعاملة وجهان، وإن عجَّز نفسَه، سقط النجمُ، ودينُ معاملة السِّيد، وفي أُروش الأجانب، وديون معاملاتهم أوجهٌ:
أحدُها: تقديمُ دين المعاملة؛ لتعلُّق الأرش بالرقبة.
والثاني: أنَّهما سواء.
والثالث: يُقدَّم الأرشُ؛ لأنَّه وجب قهرًا، وانفرد صاحبُ "التقريب" بتخريج هذا الوجه، ومقتضاه تقديمُ الأرش قبل التعجيز، فإن قدَّمنا دينَ المعاملة، فمات رقيقًا عن شيء من ديونه، فهل يتقدَّم دينُ المعاملة على الأرش، أو يستويان؟ فيه وجهان، وعلى تخريج صاحب "التقريب" يُقدَّم الأرشُ.
٤١٦١ - فرع:
إذا عجز عن النجم، فللسَّيد أن يعجِّزَه، ولا يعجِّزه الأجنبيُّ بدين
стр. 3257
المعاملة، وله أن يعجِّزَه بالأرش؛ فإنَّه يفيدُه التعلق بالرقبة، ودينُ المعاملة متعلِّق بالكسب قبل التعجيز وبعده، ويُحتمل أن يرفعَ أمره إلى الحاكم؛ ليفسخ، فإنَّه ليس بعاقد حتَّى يستقلَّ بالفسخ، فإن همَّ الأجنبيُّ بالتعجيز، فبذل السيِّدُ الفداءَ، فالظاهر (أنَّا لا نجيبه) (١)؛ فإنَّ الأرشَ لا يتعلَّق بالرقبة [مع بقاء الكتابة، ويُحتمل أن يجابَ.
٤١٦٢ - فرع:
إذا عجز، وعليه دينُ معاملة، ولا كسبَ له، لم يتعلَّق برقبته على المذهب] (٢)، وقيل: يتعلَّق.
ولو قصر ما في يد المأذون عن ديونه، لم يتعلَّق برقبته اتِّفَاقًا، فإن سلَّم المخالفُ ذلك، فلا فرقَ بينهما، وإن طرد مذهبه في المأذون، خالف مذهبَ الشافعيِّ.
* * *
стр. 3258
٤١٦٣ - باب كتابة بعض العبد والشريكين في العبد يكاتبانه
إذا كُوتب مَن نصفُه حرٌّ على نصفه الرقيق، صحَّ اتِّفاقًا، وإن كاتب بعضَ عبده، لم يصحَّ على النصِّ وقولِ المعظم، فإنَّه لا يستقلُّ بالسفر، ولا يأخذ الصدقات، والسيِّد قادرٌ على كتابة جميعِه، وقيل: يصحُّ؛ قياسًا على التعليق والتدبير.
وإن كاتب الشريكان عبدَهما على تساوي الأجلين بنجوم على قدر المُلْكين، صحَّ اتِّفَاقًا، وإن كاتبه أحدُهما بإذن الآخر، فقولان؛ إذ لا يتمكَّن من السفر، وأخذ الزكاة، وإن كاتبه بغير إذنه، فطريقان:
إحداهما: لا يصحُّ، وهي (١) قول الأكثرين.
والثانية: فيه القولان، وهي قول المحقِّقين.
فإن كان العبدُ بينهما نصفين، فكاتبه أحدُهما بألف، والآخر بألفين، أو غايرا بين النجوم، أو تعاقبا في الكتابة، ففيه القولان.
وإن كاتباه مع الاختلاف معًا، فهو كما لو كاتبه أحدُهما بإذن الآخر، وإذا صحَّت الكتابةُ، فعجَّزه أحدُهما، أو مات رجل عن مكاتب، فعجَّزه أحدُ وارثيه، فهل تستمرُّ الكتابة على نصيب الآخر، أو تنفسخُ، أو تُخرَّج على
стр. 3259
القولين؟ فيه ثلاثُ طرق، ولعلَّ الانفساخَ في نصيب الوارث أظهرُ منه في نصيب الشريك؛ لأنَّ الكتابةَ وقعت في جميعه ابتداءً، فيبعد استمرارُها في بعضه انتهاءً.
* * *
٤١٦٤ - فصل في دفع النجوم إلى أحد الشريكين
ليس للمكاتب تقديمُ أحد الشريكين بشيء من النجوم، فإن قدَّمه بجميع حصَّته؛ فإن لم يأذن الشريكُ، لم يعتق، وإن أذن، فقولان، بناهما بعضُهم على قولي التبرُّع بالإذن، وآخرون على قولي كتابة أحدهما بإذن الآخر.
وإن قبض أحدُهما نجومَهما؛ فإن كان بتوكيل الآخر، صحَّ، وحصل العتقُ، وملكا النجوم، وإن كان بغير إذنه، لم يعتق منه شيء؛ لاتِّفاقهم على أنَّ القابضَ لا يملك نصيبَه حتَّى يملك الآخرُ نصيبَه، وأبعد مَنْ حكم بعتق نصيب القابض؛ تعليلًا بأنَّه لا يلزمُه رفعُ يده عن نصيبه.
وإن وفَّر على أحدهما حصَّته في الكتابة الفاسدة، ففي حصول العتق قولان، وإن أقبض النجومَ في الكتابة الفاسدة، عتق، وجرى التراجعُ بين النجوم والقيمة.
"إذا كاتب بعضَ عبده، وقلنا: لا يصحُّ، أو كاتب نصيبَه من عبد مشترك، وقطعنا بالفساد، فوُجدت الصفةُ، عتق، وتبعه الكسبُ، وجرى التراجعُ.
وإذا أعتق أحدُهما نصيبَه في الكتابة الصحيحة، أو أبرأ من نجومها، عتق، وسرى، وأبعد مَنْ منع السرايةَ.
стр. 3260
وإن قبض أحدُ الوارثين حصَّتهَ حيث يجوز ذلك، عتق ولم يسْرِ، وإن قبض أحدُ الشريكين نصيبَه، عتق وسرى وإن أُجبر على القَبضف؛ لأنَّه مختار لسببه، فأشبه ما لو قال للقِنِّ: إن طلعت الشمسُ، فأنتَ حرٌّ، فإنَّه يعتق بطلوعها ويسري، فإذا عتقت حصَّةُ أحدهما بالقبض، وقلنا: لا يسري، لم تنفسخ الكتابةُ في نصيب الآخر.
* * *
٤١٦٥ - فصل في التنازع
إذا ادَّعى العبدُ أنَّ سيِّدَيه كاتباه؛ فإن أكذباه، فالقولُ قولهما، وإن صدَّقاه، فادَّعى أنَّه دفع النجومَ إليهما، فصدَّقه أحدُهما، وكذبه الآخرُ، عتق نصيبُ المصدِّق، وفي السراية قولان؛ إذ لا معنى لها مع اعترافه بقبض الشريك حصَّته، فإن حلف المكذِّبُ رقَّ نصيبُه، وتخيَّر بين أن يأخذَ من المكاتب حصَّته من النجوم، وبين أن يأخذ من المصدِّق نصفَ ما أقرَّ بقبضه، فإن غرم المصدِّقُ، لم يرجع على المكاتب، وإن غرم المكاتبُ، لم يرجع على المصدِّق.
٤١٦٦ - فرع:
إذا قدَّم نجومَ أحدهما بإذن الآخر، وجوَّزنا ذلك، فعجز عن حصَّة الإذن، فله أن يأخذَ من شريكه نصفَ ما قبضه، فإنَّه تبرَّع بتقديمه دون تمليكه، وتبيّن أنَّه لم يعتق منه شيء.
وقال ابن سُريج: تعتق حصَّةُ القابض، والسرايةُ على التفصيل السابق، وإن بقي بيد المكاتب ما يوفي حصَّة الآذِن، أدَّاه إليه، ولم يسْرِ العتقُ؛ لأنَّ