٤١٦٠ - فصل في اجتماع النجم وديون الأجانب
إذا اجتمع النجمُ مع أرش جناية على أجنبيٍّ، أو دين معاملة لأجنبيٍّ، وضاق ما في يده عن الجميع؛ فإن لم يُحجَر عليه بالفلس، فلهُ تقديمُ من شاء؛ كالحرِّ المُعْسر؛ فإنَّ تقديمَه دينًا على دين ليس بتبرُّع إجماعًا، وإن حُجِر عليه، فالنصُّ الذي صحَّحه صاحبُ "التقريب" أنَّهم يتضاربون في ذلك؛ لتعلُّق ديونهم بما في يده.
وقال المعظمُ: يبدأ بدين المعاملة، ثمَّ بالأرش، ويتأخَّر النجمُ عنهما؛ لتعلُّق صاحب الأرش بالرقبة، وتقديم الأرش على حق المالك في الرقبة، ولذلك يُباعُ إذا امتنع من الفداء، فإن قلنا: لا مضاربةَ بالنجوم، ففي المضاربة بدين المعاملة وجهان، وإن عجَّز نفسَه، سقط النجمُ، ودينُ معاملة السِّيد، وفي أُروش الأجانب، وديون معاملاتهم أوجهٌ:
أحدُها: تقديمُ دين المعاملة؛ لتعلُّق الأرش بالرقبة.
والثاني: أنَّهما سواء.
والثالث: يُقدَّم الأرشُ؛ لأنَّه وجب قهرًا، وانفرد صاحبُ "التقريب" بتخريج هذا الوجه، ومقتضاه تقديمُ الأرش قبل التعجيز، فإن قدَّمنا دينَ المعاملة، فمات رقيقًا عن شيء من ديونه، فهل يتقدَّم دينُ المعاملة على الأرش، أو يستويان؟ فيه وجهان، وعلى تخريج صاحب "التقريب" يُقدَّم الأرشُ.
٤١٦١ - فرع:
إذا عجز عن النجم، فللسَّيد أن يعجِّزَه، ولا يعجِّزه الأجنبيُّ بدين
стр. 3257
المعاملة، وله أن يعجِّزَه بالأرش؛ فإنَّه يفيدُه التعلق بالرقبة، ودينُ المعاملة متعلِّق بالكسب قبل التعجيز وبعده، ويُحتمل أن يرفعَ أمره إلى الحاكم؛ ليفسخ، فإنَّه ليس بعاقد حتَّى يستقلَّ بالفسخ، فإن همَّ الأجنبيُّ بالتعجيز، فبذل السيِّدُ الفداءَ، فالظاهر (أنَّا لا نجيبه) (١)؛ فإنَّ الأرشَ لا يتعلَّق بالرقبة [مع بقاء الكتابة، ويُحتمل أن يجابَ.
٤١٦٢ - فرع:
إذا عجز، وعليه دينُ معاملة، ولا كسبَ له، لم يتعلَّق برقبته على المذهب] (٢)، وقيل: يتعلَّق.
ولو قصر ما في يد المأذون عن ديونه، لم يتعلَّق برقبته اتِّفَاقًا، فإن سلَّم المخالفُ ذلك، فلا فرقَ بينهما، وإن طرد مذهبه في المأذون، خالف مذهبَ الشافعيِّ.
* * *
стр. 3258
٤١٦٣ - باب كتابة بعض العبد والشريكين في العبد يكاتبانه
إذا كُوتب مَن نصفُه حرٌّ على نصفه الرقيق، صحَّ اتِّفاقًا، وإن كاتب بعضَ عبده، لم يصحَّ على النصِّ وقولِ المعظم، فإنَّه لا يستقلُّ بالسفر، ولا يأخذ الصدقات، والسيِّد قادرٌ على كتابة جميعِه، وقيل: يصحُّ؛ قياسًا على التعليق والتدبير.
وإن كاتب الشريكان عبدَهما على تساوي الأجلين بنجوم على قدر المُلْكين، صحَّ اتِّفَاقًا، وإن كاتبه أحدُهما بإذن الآخر، فقولان؛ إذ لا يتمكَّن من السفر، وأخذ الزكاة، وإن كاتبه بغير إذنه، فطريقان:
إحداهما: لا يصحُّ، وهي (١) قول الأكثرين.
والثانية: فيه القولان، وهي قول المحقِّقين.
فإن كان العبدُ بينهما نصفين، فكاتبه أحدُهما بألف، والآخر بألفين، أو غايرا بين النجوم، أو تعاقبا في الكتابة، ففيه القولان.
وإن كاتباه مع الاختلاف معًا، فهو كما لو كاتبه أحدُهما بإذن الآخر، وإذا صحَّت الكتابةُ، فعجَّزه أحدُهما، أو مات رجل عن مكاتب، فعجَّزه أحدُ وارثيه، فهل تستمرُّ الكتابة على نصيب الآخر، أو تنفسخُ، أو تُخرَّج على
стр. 3259
القولين؟ فيه ثلاثُ طرق، ولعلَّ الانفساخَ في نصيب الوارث أظهرُ منه في نصيب الشريك؛ لأنَّ الكتابةَ وقعت في جميعه ابتداءً، فيبعد استمرارُها في بعضه انتهاءً.
* * *
٤١٦٤ - فصل في دفع النجوم إلى أحد الشريكين
ليس للمكاتب تقديمُ أحد الشريكين بشيء من النجوم، فإن قدَّمه بجميع حصَّته؛ فإن لم يأذن الشريكُ، لم يعتق، وإن أذن، فقولان، بناهما بعضُهم على قولي التبرُّع بالإذن، وآخرون على قولي كتابة أحدهما بإذن الآخر.
وإن قبض أحدُهما نجومَهما؛ فإن كان بتوكيل الآخر، صحَّ، وحصل العتقُ، وملكا النجوم، وإن كان بغير إذنه، لم يعتق منه شيء؛ لاتِّفاقهم على أنَّ القابضَ لا يملك نصيبَه حتَّى يملك الآخرُ نصيبَه، وأبعد مَنْ حكم بعتق نصيب القابض؛ تعليلًا بأنَّه لا يلزمُه رفعُ يده عن نصيبه.
وإن وفَّر على أحدهما حصَّته في الكتابة الفاسدة، ففي حصول العتق قولان، وإن أقبض النجومَ في الكتابة الفاسدة، عتق، وجرى التراجعُ بين النجوم والقيمة.
"إذا كاتب بعضَ عبده، وقلنا: لا يصحُّ، أو كاتب نصيبَه من عبد مشترك، وقطعنا بالفساد، فوُجدت الصفةُ، عتق، وتبعه الكسبُ، وجرى التراجعُ.
وإذا أعتق أحدُهما نصيبَه في الكتابة الصحيحة، أو أبرأ من نجومها، عتق، وسرى، وأبعد مَنْ منع السرايةَ.
стр. 3260
وإن قبض أحدُ الوارثين حصَّتهَ حيث يجوز ذلك، عتق ولم يسْرِ، وإن قبض أحدُ الشريكين نصيبَه، عتق وسرى وإن أُجبر على القَبضف؛ لأنَّه مختار لسببه، فأشبه ما لو قال للقِنِّ: إن طلعت الشمسُ، فأنتَ حرٌّ، فإنَّه يعتق بطلوعها ويسري، فإذا عتقت حصَّةُ أحدهما بالقبض، وقلنا: لا يسري، لم تنفسخ الكتابةُ في نصيب الآخر.
* * *
٤١٦٥ - فصل في التنازع
إذا ادَّعى العبدُ أنَّ سيِّدَيه كاتباه؛ فإن أكذباه، فالقولُ قولهما، وإن صدَّقاه، فادَّعى أنَّه دفع النجومَ إليهما، فصدَّقه أحدُهما، وكذبه الآخرُ، عتق نصيبُ المصدِّق، وفي السراية قولان؛ إذ لا معنى لها مع اعترافه بقبض الشريك حصَّته، فإن حلف المكذِّبُ رقَّ نصيبُه، وتخيَّر بين أن يأخذَ من المكاتب حصَّته من النجوم، وبين أن يأخذ من المصدِّق نصفَ ما أقرَّ بقبضه، فإن غرم المصدِّقُ، لم يرجع على المكاتب، وإن غرم المكاتبُ، لم يرجع على المصدِّق.
٤١٦٦ - فرع:
إذا قدَّم نجومَ أحدهما بإذن الآخر، وجوَّزنا ذلك، فعجز عن حصَّة الإذن، فله أن يأخذَ من شريكه نصفَ ما قبضه، فإنَّه تبرَّع بتقديمه دون تمليكه، وتبيّن أنَّه لم يعتق منه شيء.
وقال ابن سُريج: تعتق حصَّةُ القابض، والسرايةُ على التفصيل السابق، وإن بقي بيد المكاتب ما يوفي حصَّة الآذِن، أدَّاه إليه، ولم يسْرِ العتقُ؛ لأنَّ
стр. 3261
الإذن وقع بالتقديم دون التمليك.
٤١٦٧ - فرع:
إذا صحَّحنا كتابةَ أحد الشريكين، لم يأخذ المكاتبُ الزكاةَ عند الجمهور، ودلَّ كلامُ بحضهم على جواز أخذها، وأنَّها تختصُّ بالنصيب المكاتب منه.
* * *
стр. 3262
٤١٦٨ - باب ولد المكاتبة
إذا ولدت المكاتبةُ من نكاح، أو سفاح، فقولان:
أحدُهما: تسري الكتابةُ إلى الولد، فيعتق بعتقها، ويرقُّ بموتها أو رقِّها، ولا يُطالبُ بشيء من النجوم.
والثاني: لا تسري وفيمن يملكه قولان:
أحدُهما: تملكه أمُّه، فيكون كسبُه لها، فإن عتق وبيده شيءٌ من الكسب، فهو لها؛ لأنَّ حكمَه كحكم عبيدها.
والثاني: يملكه السيِّدُ، ولا يتصرَّفُ في رقبته ببيع ولا غيره، وفي كسبه قولان:
أضعفُهما: أنَّه للسيِّد.
وأصحُّهما: أنَّه موقوفٌ كرقبته، فإن عتق بعتق أُمِّه، تبين أنَّ الكسبَ له، وإن رقَّ، تبيَّن أنَّه للسيِّد، فإن فسخت أمُّه الكتابةَ من غير عجز، فالكسبُ للسيِّد، وليس للولد تأديةُ النجوم منه؛ ليعتقَ بعتق أمِّه، فإن عجزت عن النجوم، لم يملك أداءَها من كسبه في أصحِّ القولين؛ لأنَّه موقوفٌ بين السيِّد والولد.
ونفقةُ الولد تابعةٌ للكسب، فإن جعلناه للأمِّ، فالنفقةُ عليها، فتنفق عليه
стр. 3263
من سائر أموالها، وإن جعلناه للسيِّد على القول الضعيف، فالنفقةُ عليه، وإن وقفناه، أُنفِق عليه منه بقدر حاجته اتِّفاقًا، ووُقف الفاضلُ، فإن لم يكن له كسبٌ، أو كان كسبُه دون كفايته، فعلى السيِّد كفايتُه، أو إتمامُ كفايته، وأبعد مَنْ جعل ذلك على بيت المال.
وإن أعتقه السيِّدُ؛ فإن جعلنا الكسبَ له في الحال، نفذ عتقُه، وإن جعلناه للأمِّ، لم يعتق، وإن وقفناه ومنعناها من أخذه عند العجز، عتق، وإن أجزنالها أخذَه، لم يعتقْ على أظهر الوجهين؛ لما في ذلك من إبطال حقِّها من أخذ الكسب عند العجز.
٤١٦٩ - فرع:
إذا جُنِي على طرفه، فحكمُ الأَرْش كحكم الكسب حرفًا بحرف، وإن قُتل، وجبت قيمتُه على الفَوْر، وهل هي لأمِّه، أو للسيِّد؟ فيه قولان، وأبعد مَنْ جعلها للأمِّ؛ تعليلًا بأن تلفَه يقطعُ أثرَ الكتابة.
* * *
٤١٧٠ - فصل في ولد المكاتب
إذا استولد المكاتبُ أمتَه، تكاتب الولدُ عليه اتِّفاقًا، فيعتق بعتقه، ويرقُّ برقِّه، ومِلْكُه له، ونفقتُه عليه، وأَكسابُه له، ولا يتَصرَّف في رقبته ببيع ولا غيره، ولا ينفذ عتقُ السيِّد فيه.
فإن عتق الأبُ وبيد الولد كسبٌ، فهو لأبيه، ولا خلافَ أنَّ المكاتبَ والمكاتبةَ لا يَشترِيان ولدَهما؛ فإنَّه إبدال ما يجوز التصرُّف فيه بما لا يقبل التصرُّف.
стр. 3264
فإذا جنى ولدُ المكاتب، لم يملك فداءَه وإن وفى كسبُه بالفداء، بل يُباع منه بقَدْر الجناية؛ كالرهن؛ لأنَّ فدءَاه كشرائه، وغلط العراقيُّون، فأجازوا الفداءَ إذا وفى به الكسبُ، وقالوا: إن لم يكن له كسبٌ باعه، وإن زادت قيمتُه على الأرش، فيؤدِّي الأرشَ من ثمنه، ويأخذ ما فضل، وهذا باطل؛ فإنَّ كسبَه كسائر أموال أبيه.
وإن أوصى لمكاتب أو مكاتبة بولدهما، أو وهب منهما، فقبِلاه، ملكاه، وليس لهما بيعُه، بل ينتفعان بكسبه، وأرشُ الجناية عليه.
٤١٧١ - فرع:
في أمِّ ولد المكاتب قولان:
أحدُهما: لا يثبت لها الاستيلادُ وإن عتقت؛ فإنَّها لم تعْلَق بحُرٍّ.
والثاني: يثبت لها من الحرمة مثلُ ما لولدها، فيمتنع التصرُّف في رقبتها، ويوقف عتقها ورقُّها على عتق المكاتب، ورقِّه، فإن لم يثبت الاستيلادُ، فعتق المكاتبُ، فأتت بولد يمكن العلوقُ به قبل العتق وبعده؛ فإن أقرَّ أنَّه وطئها بعد العتق وطأً يمكن العلوقُ منه، ثبت الاستيلادُ، وإن لم يقرَّ بذلك، لحقه الولدُ، وفي الاستيلاد وجهان.
* * *
стр. 3265
٤١٧٢ - باب المكاتبة بين اثنين يطؤها أحدُهما أو كلاهما
إذا وطئ المكاتبةَ أحدُ مالكيها، فلم تحمل، لزمه أن يدفعَ إليها مهرَ مثلها؛ لتتصرَّفَ فيه، وإن حملت، فللواطئ حالان:
إحداهما: أن يكونَ معسرًا، فيثبت الاستيلادُ في نصيبه، ولا تنفسخُ الكتابة فيه، وهل يتبعَّضُ رقُّ الولد وحرِّيَّته، أو ينعقدُ حرًّا؟ فيه خلافٌ، فإن قلنا: يتبعَّضُ، كان نصيبُ الشريك كولد المكاتبة في جميع ما قدَّمناه، وأمَّا نصيبُ الواطئ من الولد، ففي وجوب قيمته خلال مأخوذٌ من الخلاف فيمَنْ يملكه، فإن جعلناه للمكاتبة، لزمه قيمتُه، وإن جعلناه للسيِّد، لم يلزمه شيء، وإن قلنا: ينعقد حرًّا، فهل يلزمُه للمكاتبة ما يخصُّ نصيبهَا منه؟ فيه قولان، وعليه قيمةُ النصيب الآخر للمكاتبة على قول، ولشريكه على آخر.
الحال الثانية: أن يكون موسرًا، فينعقدُ الولدُ حرًّا اتِّفَاقًا، ويسري الاستيلادُ، وفي وقت سرايته طريقان:
إحداهما: التخريجُ على قولي سراية العتق.
والثانيةُ - وهي أصحُّ -: أنَّ السرايةَ تتأخَّر إلى أن تعجزَ، وترقَّ؛ فإنَّها لو تعجَّلت، لانتقل الملكُ فيها من غير أن يخلفَه عتق (١) ناجزٌ، بخلاف
стр. 3266
ما لو وقع استيلادُ الشريك في القنَّة؛ فإنَّ تعجيل السراية فيها أولى؛ لأنَّها قابلة لنقل الملك، بخلاف المكاتبة.
فإن انفصل الولدُ حيًّا، وقلنا بتأخير السراية؛ فإن جعلنا الولدَ للأمِّ، لزمه كمالُ قيمته في الحال، وإن جعلناه للسيِّد، فلا شيءَ عليه لنصيبه، وتجب قيمةُ نصيب الشريك في الحال.
وإن عجَّلنا السرايةَ، وقلنا بانفساخ الكتابة في نصيب الشريك، فقد خلفها الاستيلادُ، وتبقى الكتابةُ في نصيب الواطئ، وأمَّا قيمةُ الولد فيما يقابل نصيبه: فهل تسقط، أو تجب للمكاتبة؟ فيه قولان، وما يقابل نصيب الشريك الذي انفسخت فيه الكتابةُ، فهل يلزمه للشريك؟ فيه قولان مبنيَّان على القولين في القنَّة إذا أحبلها أحدُ الشريكين، فهل تقترنُ حرية الولد بنقل الملك فيها، أو يتقدَّم عليه، أو يتأخَّر عنه (١)؟ فيه خلاف.
* * *
٤١٧٣ - فصل في وطء السيدين
إذا وطئها السيِّدان، فلم تحبل، فعلى كلِّ واحد منهما مهرُ المثل لها، فإن ماتت قبل أخذ المهرين، أو رقَّت بالعجز، ففي سقوط أحدهما بالآخر أقوالُ التقاصِّ، ولا يخفى التفصيلُ إذا تفاوت المهران؛ لاختلاف صفة المكاتبة، واختلاف الزمان.
فإن أتت بولد يمكن لحوقُه بهما، فلهما حالان:
стр. 3267
إحداهما: أن يكونا موسرين ويتداعياه، ويعترفا بالاستيلاد، فيُعرض على القائف، فإن ألحقه بأحدهما، لحقه، وثبت الاستيلادُ تبعًا، كما يثبت النسبُ إذا ثبتت الولادةُ بشهادة النسوان، ويتَّضحُ ذلك بالفرض في القنَّة، فإذا ثبت استيلادُ أحدهما، لم يغرمْ نصيبَ شريكه؛ لإقراره بأنَّه المستولدُ، فإن لم نجد قائفًا، ثبت الاستيلادُ في نصيب كلِّ واحد منهما، ولا تراجعَ بينهما، وإن لم يتداعيا الولدَ، عُرض على القائف؛ فإن ألحقه بأحدهما، لحقه، وثبت الاستيلادُ وسرى، وتجب قيمةُ محلِّ السراية؛ تبعًا لإلحاق القائف، فإن لم نجد قائفًا، فانتسب الولدُ بعد البلوغ إلى أحدهما، لحقه، وفي ثبوت الغُرْم تردُّد أشار إليه الأصحابُ.
الحال الثانية: أن يكونا معسرين، فلا يسري الاستيلادُ، فإن ألحقه القائفُ باحدهما، لحقه، وثبت الاستيلادُ في حصَّته، وكان نصيبُ الآخر مستولدًا لإقراره.
٤١٧٤ - فرع:
إذا أتت بولدين، فألحقنا بكلِّ واحد منهما ولدًا، فادَّعى كلُّ واحد منهما أنَّه السابقُ بالاستيلاد، وأمكن صدقُهما؛ لتقارب الولدين؛ فإن كانا موسرين، وقلنا بتعجيل السراية، فالاستيلادُ موقوفٌ بينهما، ونفقتها عليهما، فإن ماتا، عتقت باطنًا وظاهرًا، وولاؤُها موقوف، وإن مات أحدُهما، عتق نصيبهُ في الحكم، وإن كانا معسرين، فماتا، عتقت، والولاء بينهما، وحكى الربيعُ وقفَ الولاء، وهو غلط باتِّفاق الأصحاب.
* * *
стр. 3268
٤١٧٥ - باب تعجيل الكتابة
إذا عجَّل المكاتَبُ نجمًا، أُجبر السيِّد على قَبوله ما لم يتضرَّر، فإن عُقدت الكتابةُ في وقت نَهْب أو غارة، فدام ذلك إلى إحضار النجم، ففي الإجبار وجهان، وإن طلب السيِّدُ تعجيلَ نجم، فقال المكاتبُ: أعجِّله بشرط أن تبرئني من بعض النجوم، لم يصحَّ الأداءُ، ولا الإبراءُ؛ فإنَّ الأداءَ إذا عُلِّق بشرط فاسد، بطل، والإبراءُ لا يقبل التعليقَ، ونقل المزنيُّ قولًا في الصحَّة، فغلَّطه المحقِّقون، وتأوَّله الأكثرون بأنَّ المكاتبَ عجل بغير شرط، فأبرأه السيِّد ابتداءً.
وقال الشافعيُّ: إذا أراد أن يسلِّمَ إليه شيئًا من النجم، فليقل له: عجِّز نفسَك، وأنا أعتقك على القَدْر الذي أطلبه منك، وهذا مشكلٌ؛ فإنَّ المكاتبَ إذا رقَّ بالعجز، انتقلت أكسابُه، وأموالُه إلى السيِّد، فمن أين يؤدِّي النجم؟ ! ولا يلزم السيِّدَ الوفاءُ بإعتاقه على مال، ولو أعتقه على مال، ثبت في ذمَّته، واختصَّ السيِّدُ بجميع أمواله، وقال صاحبُ "التقريب": إن أراد الثقةَ بوعد السيِّد، فليقُل له السيِّدُ: إذا عجَّزتَ نفسَك، [ثمَّ أعطيتني] (١) ألفًا، فأنت حرٌّ، فتحصل الثقةُ بذلك، وفيه نظر؛ إذ لا يصحُّ عقدُ عتاقه مع بقاء الكتابة،
стр. 3269
فقد وقع تعليقُ العتق في وقت لا يملك إنشاءَه فيه، ومَنْ لا يملك الإنشاءَ لا يملك التعليقَ، ثمَّ غرضُ المكاتب تبعيَّة الكسب والولد، ولا يتبعان بعد التعجيز، وأبعد مَنْ قال: يتبعانه إذا أدَّى الألفَ بعد التعجيز، وهذا هَدْمٌ للمذهب، فليُحمل ما نُقل عن الشافعيِّ على غلطٍ من (١) الناقل.
* * *
стр. 3270
٤١٧٦ - باب بيع المكاتب وشرائه
إذا اشترى المكاتبُ، أو باع بثمن المثل حالًّا، صحَّ، ولا يسلِّم المبيع حتَّى يقبضَ الثمنَ، وإن باع نسيئةً من مليء، وتوثَّق بالرهن، أو تسرَّى، أو تبرَّع تبرُّعًا يحسب مثلُه من ثلث المريض؛ فإن لم يأذن فيه السيِّد، لم يصحَّ، وإن أذن، فقولان.
وقال أبو محمَّد: إن تسرَّى بأمةٍ مأمونة الحبل، لم يبعد تخريجُه على الخلاف في نظيره من الرهن، وهذا باطلٌ؛ فإنَّ الوطءَ يضعفه، ولا ضبطَ له فيُحسَم بَابُه.
وقطع الإمامُ بأنَّه يبيع بالعَرْض، ولا يستبدُّ بالنكاح اتِّفاقًا، وليس له أن يزيلَ يدَه عن شيء حتَّى يتسلَّم عوضَه، فلا يصحُّ تسلُّمُه على الأصحِّ، ولا يهبُ بثواب مجهولٌ؛ فإنَّه لا يستحقُّه حتَّى يسلِّم الموهوبَ:
وإن وهب بثواب معلوم فيه غبطةٌ؛ فإن جعلناه بيعًا، ولم نقف الملكَ على القبض، كان حكمُه حكمَ البيع، وإن وقفناه على القبض، لم يصحَّ؛ لأنَّه يزيل يدَه قبل تسلُّم العِوَض، ويحتمل أن يصحَّ، ويُمنع من الإقباض حتَّى يقبض العِوَض؛ فإنَّ مَنْ يقف الملكَ على القبض (١) لا يوجب الإقباضَ.
стр. 3271
والضابط: أنَّه لا يرفع يدَه عن شيء من كسبه بتبرُّع، ولا بركوب خطر، وطرد أبو محمَّد ذلك في المآكِل والملابس، فأوجب أن يفعل فيها ما يليقُ بحاله من غير إسراف.
* * *
٤١٧٧ - فصل في إعتاق المكاتب رقيقَه
إذا أعتىَ عبدًا بإذن السيِّد، فطريقان:
إحداهما: التخريجُ على قولي التبرُّع.
والثانية: القطعُ بالبطلان؛ لأجل الولاء.
فإن قلنا: يصحُّ، ففي الولاء قولان:
أحدُهما: أنَّه للسيد، فإن عتق المكاتبُ، لم ينجرَّ إليه على أقيس الوجهين.
والثاني: أنَّه موقوف؛ فإن عتق، كان الولاءُ له غيرَ مستند إلى ما تقدَّم من إعتاقِه عبدَه، وإن مات رقيقًا، فالولاء للسيِّد، وهل يثبت له من حين الموت، أو مستندًا إلى الإعتاق؛ فيه تردُّد واحتمال.
وإن رقَّ بالعجز، استمرَّ الوقفُ؛ لأنَّا نتوقَّع عتقَه بسبب آخر، ويُحتمل أن نحكمَ لسيِّده بالولاء؛ لأنّا تبيَّنَّا انقطاعَ تصرُّفه بحكم استقلال الكتابة.
٤١٧٨ - فرع:
إذا وقفنا الولاءَ، فمات العتيقُ في حياة المكاتب عن غير وارث، فهل يقفُ إرثه، أو يُجعل لبيت المال؟ فيه وجهان.
стр. 3272
٤١٧٩ - فرع:
مَنْ عتق عليه عبدٌ بقرابة أو كتابة، فولاؤه له اتِّفاقًا، وإذا صحَّحنا شراءَ العبد نفسَه، فالأصحُّ: أنَّ الولاء للسيِّد، وقيل: لا ولاء عليه.
٤١٨٠ - فرع:
إذا كاتب عبدَه بإذن السيِّد، فهو كالتبرُّع أو الإعتاق؟ فيه احتمال.
فإن قلنا: يصحُّ، فعتق، ثمَّ عتق مكاتبه، فولاؤُه له، وإن عتق مكاتبُه قبل عتقه، ففي ولائه القولان.
وليس له شراءُ مَنْ يعتق عليه إن لم يأذن السيِّد، وإن أذن، فقولان، وقطع أبو إسحاق المروزيُّ بالصحَّة، ولا أصلَ لما قال.
وإن أوصي له بمَنْ يعتق عليه، أو وُهِب منه، فاستقلَّ بالقَبول؛ فإن كان ذميًّا (١) غيرَ مكتسب، لم يصحَّ قَبولُه، وإن كان له كسبٌ يفي بمؤونته، صحَّ القَبولُ عند الأصحاب، فإن عجز عن الكسب، لزمه أن ينفقَ عليه (٢) ممَّا بيده، وليس له بيعُه خلافًا لابن أبي هريرة؛ فإنَّه أجاز بيعَه، وهذا فاسد؛ إذ يلزم من جواز بيعه جوازُ شرائه، ولأنَّه لا يملك بيعَ ولده من أمته اتِّفَاقًا.
ولو اتَّهب بعضَ قريبه، ثمَّ عتق، عتق عليه ذلك البعضُ، فإن كان موسرًا حال العتق، سرى على الأصحِّ.
٤١٨١ - فرع:
إذا نَّفذنا اتِّهابَ القنِّ بغير إذن سيِّده، فاتَّهب مَنْ يعتق على سيِّده،
стр. 3273
فإن لم تجب نفقتُه؛ لعسرة السيِّد، أو لكون القريب كَسُوبًا، ملكه السيدُ، وعتق عليه، وإن كان ممَّن تجب نفقتُه؛ لزَمانتهِ، ويسار السيِّد، لم يصحَّ قَبولُه، وإن قبل بعضَ من يعتق على السيِّد، صحَّ، ولم يَسْرِ، وأبعد مَنْ أبطل القَبولَ؛ تعليلًا بأنَّه لو صحَّ لسرى.
٤١٨٢ - فرع:
إذا اشترى المكاتبُ أبا سيِّده، ثمَّ باعه بابن سيِّده، صحَّ البيعُ والشراءُ، فإن رقَّ، عتق الابنُ على السيِّد، فإن وجد السيِّدُ به عيبًا، رجع بالأَرْش، وهو جزءٌ من الأب، وهل يرجع إليه قهرًا، أو يقف على اختياره؟ فيه وجهان، فإذا رجع إليه جزءٌ من أبيه، عتق عليه، فإن وقفنا الرجوعَ على اختياره، فالظاهرُ أنَّه يسري، وإن قلنا: يرجع إليه قهرًا؛ فإن عجَّز نفسَه، لم يَسْرِ، وإن عجَّزه السيِّد، فوجهان.
٤١٨٣ - فرع:
إذا وهب شيئًا من سيِّده، فطريقان:
إحداهما: القطعُ بالصحَّة.
والثانيةُ: فيه القولان، ويستقلُّ بتعجيل النجوم اتِّفاقًا، ولا يستقلُّ بتعجيل ديون الأجانب، ويستقلُّ بالسفر الطويل على أقيس القولين، كما يستقلُّ بنفسه ومسكنه في البلد، وفي السفر القصير طريقان:
إحداهما: الاستقلالُ به.
والثانية: فيه القولان.
* * *
стр. 3274
٤١٨٤ - فصل في معاملة السيد لمكاتبه
للسيِّد معاملةُ مكاتبه بالبيع والشراء وغيرهما، ولكلِّ واحد منهما الشفعةُ على الآخر، وإن وجب لكلِّ واحد منهما دينٌ على الآخر، أو وقع ذلك لغيرهما، وتساوى الدينان جنسًا ونوعًا وحُلولًا، فهل يسقط أحدُهما بالآخر؛ فيه أقوال:
أحدُها: لا يسقط؛ لأنَّه بيعُ دين بدين.
والثاني: إن رضيا سقط، ولا تُشترط المعاوضة.
والثالث: إن رضي أحدُهما، سقط كقسمة الإجبار.
والرابع: يسقط وإن كرها؛ إذ لا فائدةَ في بقائهما.
هذا إن كان الدين من أحد النقدين، وأصحُّ الوجهين: أنَّ المثليات كالنقدين، وفي العُروض المتساوية خلافٌ مرتَّب، وأولى بالمنع، ولا يجري ذلك في الحالِّ والمؤجَّل، والصحيح والمكسَّر، وفي الديون المؤجَّلة احتمالٌ، والأوجهُ تخريجُها على الأقوال الثلاثة الأُول، ولا يبعدُ طردُ القول الرابع.
* * *
٤١٨٥ - فصل في تكفير المكاتب بالمال
ليس للقنِّ الاستقلالُ بالتكفير بالمال، فإن ملَّكه السيِّدُ مالًا، وأذن له أن يكفِّرَ بالمال كفَّر بالكسوة والطعام، ولا يستقلُّ المكاتبُ بالتكفير بالمال، فإن أذن السيِّدُ، فقولان، وإن قلنا: القنُّ لا يملك؛ فإنَّ المكاتب أهلٌ للتملك، وقيل: إذا كفَّر بالإذن، وقلنا: القنُّ لا يملك، لم يجزئه اتِّفاقًا، وإن
стр. 3275
قلنا: يملك، فللقنِّ أن يكفِّر بالمال بالإذن، وفي المكاتب قولان، وهذا باطل؛ لأنَّ قولي التبرُّع بالإذن جديدان، فلا يجوز تفريعُهما على القديم.
* * *
٤١٨٦ - فصل في بيع المكاتب ونُجومه
لا يصحُّ بيعُ المكاتب على القول الجديد، وأجازه في القول القديم، وجعل انتقالَه بالشراء كانتقاله بالإرث، فيملكه المشتري مكاتبًا، ويملك مطالبتَه بالنجوم، فإن أدَّاها إليه، عتق، والظاهرُ؛ أن ولاءَه للمشتري، بخلاف الموروث، ولا تُرعى تعبُّدات الربا بين ثمنه ونجومه؛ لأنَّ البيعَ متناول للرقبة.
وإذا فسدت الكتابةُ، فباعه؛ فإن علم بفسادها، صحَّ البيعُ، وإن باعه، أو أوصى به معتقدًا صحَّة الكتابة، ففي صحَّة البيع والوصيَّة أقوالٌ، ثالثها: تصحيحُ الوصيَّة، وإبطال البيع؛ فإنَّها تَحتمل من الأغرار ما لا يحتمله البيعُ.
ولا يجوز بيعُ النجوم؛ لعدم اللزوم، وخرَّج ابن سُريج في بيعها قولًا من بيع الدين، وإن استبدل عنها، فإن جوَّزنا الاستبدالَ عن الدين، صحَّ، وإن منعناه، فوجهان؛ إذ يجوز الاستبدالُ عن الدين اللازم اتِّفاقًا، وفي جواز بيعه قولان؛ فإنَّ مقصودَ البيع تملُّكُ الدين، ومقصود الاستبدال إسقاطُ الدين، وحصول عِوَضه.
ولا يصحُّ ضمانُ النجوم على المذهب.
٤١٨٧ - فرع:
إذا منعنا بيعَ النجوم، فقبضها المشتري بتسليط البائع على القبض ظنًّا
стр. 3276
أنَّه يقبضها لنفسه، ففي حصول العتق بذلك قولان، فإن قلنا: لا يحصل، فالسيِّدُ يطالب المكاتبَ بالنجوم، والمكاتبُ يستردُّها من المشتري، وإن قلنا: يعتق فلا طَلِبةَ للسيِّد إلَّا على المشتري.
* * *
стр. 3277
٤١٨٨ - باب كتابة النصرانيِّ
إذا كاتب الذمي أو الحربيُّ عبدَه على شروط الإسلام، صحَّ، وعتق بالأداء، فإن قهره الحربيُّ بعد ذلك، ملكه.
وإن كاتبه على خمر أو خنزير، وقبضهما، عتق، وسقط الطلبُ والتراجعُ وإن أسلما، وإن قبض المعظمَ في الكفر، والباقيَ في الإسلام، عتق، ورجع عليه بكمال قيمته؛ فإنَّ حكمَ العوض لا يثبت إلَّا بجميع النجوم، ولذلك لا يعتق بعضُه بقبض بعضها.
٤١٨٩ - فرع:
إذا أسلم عبدُ الذمي، أُلزم ببيعه، فإن امتنع، بِيع عليه، ولا يسقط طلبُ البيع بتدبيره، وفي كتابته وجهان، فإن قلنا: لا يسقط، فُسخت الكتابة، وبيع عليه.
ولو كاتب الذميُّ ذميًّا، فأسلم المكاتب؛ فإن أسقطنا الطلبَ بالكتابة، فلا أثرَ للإسلام هاهنا، وإن لم نُسقط المطلب بالكتابة، ففي سُقوطه هاهنا وجهان؛ لقوَّة الدوام.
ولو أسلم مدبَّر الذميِّ، بِيع على الأصحّ، وقيل: يُحال بينهما.
* * *
стр. 3278
٤١٩٠ - باب كتابة الحربيِّ
للمكاتب أن يمتنعَ من السفر مع سيِّده المسلم (١)، فإن كان السيِّدُ معاهدًا أو ذميًّا، فنقض العهدَ، والتحق بدار الحرب، فللمكاتب الامتناعُ من السفر معه وإن كان كافرًا؛ لتعلُّقه بذمَّة الإسلام.
وكتابةُ المرتدِّ لبعض عبيده مخرَّجة على أقوال الملك كسائر تصرُّفاته.
* * *
стр. 3279
٤١٩١ - باب جناية المكاتب
إذا جنى على نفس سيِّده، أو على ماله، فله طلبُ الأَرْش والقصاص، وإن جنى عليه، أو على أجنبيٍّ، فهل يطالبُ بقَدْر قيمته، أو بالأَرْش بالغًا ما بلغ؟ فيه قولان؛ فإنَّ الأرشَ لا يتعلَّق برقبته مع بقاء الكتابة، وإن جنى عبدُه، لم يفده بأكثرَ من قيمته، فإن قلنا: إنَّ الحرَّ يفدي عبدَه بالأرش بالغًا ما بلغ، [فأراد] (١) المكاتبُ أن يفديَ عبدَه بالأرش بالغًا ما بلغ، أو أراد أن يفديَه بقَدْر القيمة، لم يكن له ذلك.
٤١٩٢ - فرع:
إذا جنى العبدُ على سيِّده جنايةً ماليَّة، ثمَّ عتق، فلا شيءَ عليه اتِّفَاقًا.
وإن جنى المكاتبُ على السيِّد، ثم عتق؛ فإن كان بيده شيءٌ، ففي سقوط الأَرْش وجهان، داان لم يكن بيده شيءٌ، سقط الأرشُ؛ لزوال ملك (٢) الرقبة التي يتعلَّق بها الأرش، ويحتمل ألَّا يسقطَ؛ لاستقلاله حال الجناية، بخلاف القنِّ.
стр. 3280
٤١٩٣ - فرع:
إذا جنى على أجنبيٍّ، ثمَّ عتق بالأداء، فلا فداءَ على السيِّد، فإن أعتقه السيِّدُ، أو أبرأه، لزمه فداؤُه بأقلِّ الأمرين.
وإن جنى ولدُ المكاتب، لم يملك المكاتبُ فداءَه، كما لا يملك شراءَه؛ فإنَّ شراءَه لو صحَّ، لما جاز بيعُه.
وإن جنى ولدُ المكاتب على عبده، لم يملك بيعَه على الأصحِّ، وقيل: إن كان الأرشُ مساويًا لقيمة الرقبة، فله بيعُه، فإنَّه لو قتل أحدُ عبديه الآخرَ، لم يتعلَّق بالقاتل سوى القصاص؛ لأنَّه كان مالكًا لبيعه واقتنائه قبل الجناية، فبقي على ما كان عليه، والابنُ ممتنعُ البيع قبل الجناية، فجاز أن تفيدَ الجنايةُ بيعَه.
ولو قتل عبدَه عبدٌ له أو لأجنبيٍّ، فله القصاصُ، وخرَّج الربيعُ قولًا بعيدًا أنَّه لا يقتصُّ إلَّا باذن السيِّد، وخصَّ بعضُهم القولَ المخرَّج بما (١) إذا قتل أحدُ عبديه الآخرَ، ولا وجهَ لذلك.
٤١٩٤ - فرع:
إذا قطع السيِّدُ يدَ المكاتب، وكان أرشُها بقَدْر النجم؛ فإن جوَّزنا طلبَ الأرش قبل الاندمال، وقلنا بالتقاصِّ بغير التراضي، أو بالرَاضي، فرضيا به، عتق، فإن مات بعد العتق بالسراية، فعلى السيِّد مئةٌ من الإبل، وينقطع ملكُ الأَرْش من حينَ مات المكاتبُ، فلا يرتدُّ العتق؛ كما لو رجع المغصوبُ بعد
стр. 3281
أخذ قيمته؛ فإنَّ ملكَ القيمةِ ينقطعُ من حينِ رجوعه.
* * *
стр. 3282
٤١٩٥ - باب عجز المكاتب
للمكاتب فسخُ الكتابة متى شاء مع القدرة على أداء النجوم، وقال العراقيُّون: ليس له الفسخُ، وله أن يمتنعَ من أداء النجوم مع القدرة عليها، فإن امتنع، فلم يصل السيِّد إلى النجوم، فله الفسخُ، والمذهبُ الأوَّل، وبه الفتوى، وليس للسيِّد الفسخُ إلَّا أن يحلَّ النجم، فيعجزَ عنه المكاتبُ، أو يمتنعَ من أدائه، فتصيرَ الكتابةُ حينئذٍ جائزةً من الطرفين.
وإذا حلَّ النجمُ، فاستنظر المكاتبُ، لم يجب إنظارُه إلَّا بقدر ما يخرج النجم من المخزن أو الدكَّان، فإن غاب مالُه، فله تعجيزُه، وكذا إن غاب المكاتبُ على المذهب، وقيل: يلزمه الرفعُ إلى الحاكم؛ ليطلبَ منه الفسخَ، ولا يجيبه الحاكمُ حتَّى يثبتَ عنده حلولُ النجم، وظهورُ الامتناع، أو العجز، وليس هذا الفسخُ على الفَوْر فإن أخَّره مدَّة، أو أنظره، ثمَّ بدا له، ففسخ، نفذ فسخُه، ولا يقف فسخُ الكتابة على تعذُّر الاستيفاء، بخلاف بيع المرتهن الرهنَ، والظفر بغير جنس الحقِّ؛ فإنَّ مبادرةَ البيع لا تجوز بمجرَّد الامتناع، ولابدَّ من تعذُّر حقيقيٍّ.
٤١٩٦ - فرع:
إذا أنظره السيِّد، فخرج بإذنه، ثمَّ بدا له، لم يملك الفسخَ حتَّى يعلمه،
стр. 3283
فإذا علم، ابتدر الرجوع، فإن قصَّر بحيث يُعدُّ مقصِّرًا في الرجوع، فللسيِّد الفسخُ.
٤١٩٧ - فرع:
إذا جُنَّ المكاتبُ، وقلنا: لا تنفسخ الكتابةُ، أدَّى الحاكمُ النجمَ من ماله، وفيه احتمال؛ فإنَّه نظر على مملوك، فإن لم يظهر له مال، فعجَّزه السيِّدُ، فأفاق، وأقام البيِّنةَ على الأداء، أو على أنَّ ماله كان بيد السيِّد، بطل تعجيزُه، وإن لم يعلم السيِّدُ بماله، لم يبطل التعجيزُ.
٤١٩٨ - فرع:
إذا كان النجمُ من نقد البلد، ومع المكاتب عرضٌ يتأتَّى بيعُه على الفور، فلا فسخَ، وإن كسد بحيث لا يتأتَّى بيعُه إلَّا بعد زمان، فلا فسخَ عند الصيدلانيِّ، وخالفه الإمامُ؛ فإنَّ قيمةَ العرض معجوز عنها، فأشبهت المالَ الغائب.
٤١٩٩ - فرع:
إذا سخَّره السيِّدُ أَيَّامًا، لزمه أجرةُ المثل، فإن حلَّ النجم ولا شيءَ بيده، فقولان:
أقيسُهما: أنَّ له تعجيزَه.
والثاني: يلزمه إنظارُه مثل مدَّة التسخير، ولا يستردُّ الأجرة، وعلى هذا القول لو حبسه أجنبيٌّ، ففي إنظاره وجهان للعراقيين، وهذا بعيدٌ يلزم طردُه في مرض المكاتب، وكساد عمله بغير تقصيره.
* * *
стр. 3284
٤٢٠٠ - باب الوصية بالمكاتب والوصيَّة له
إذا أوصى بمكاتبه، أو بعبد لا يملكه؛ فإن لم يقيِّد الوصيَّةَ بالعجز، أو بملك العبد، لم يصحَّ، وإن قال: إن عجز مكاتبي، فقد أوصيتُ به لفلان، أو إن ملكت عبدَ زيد، فقد أوصيتُ به لفلان، فأوجهٌ ثالثها: الصحَّةُ في المكاتب دون العبد؛ لأنَّ المكاتبَ ملكه عند الإيصاء، والأقيس: البطلانُ فيهما، وإن أوصى بنجومه، صحَّ، وعتق بأدائها إلى الموصى له، فإن لم يحتملها الثلث، أَدَّى قدرَ الثلث إلى الموصى له، والباقي إلى الورثة، وعتق، فإن عجر، لم يكن للموصى له تعجيزُه، ولا إنظارُه بغير رضا الوارث، وإذا نفذنا الوصيةَ برقبته، فعجز، لم يملك الوارثُ إنظارَه، بل يعجزِّه الحاكمُ، ويسلِّمه إلى الموصى له.
٤٢٠١ - فرع:
إذا قال: ضعوا عن مكاتبي أكثرَ ما بقي عليه، ولم يكن أدَّى شيئًا من النجوم، وضع عنه أكثرَ من نصفها ولو بحبَّةٍ، فإن زاد الورثةُ على ذلك، كان تنفيذًا للوصية عند الصيدلانيِّ؛ لاندراجه تحت اللفظ، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الزيادةَ تبرُّع لا يدخل في الوصيَّة، وكذلك حكمُ كلِّ وصيَّة مطلقة لا يتقيَّد لفظُها بمقدار، وإن قال: ضعوا عنه أكثرَ ممَّا عليه، وُضع الكلُّ، وإن قال:
стр. 3285
ضعوا عنه من الكتابة ما شاء، فشاء الكلَّ، [لم نضعْه، وأبقينا شيئًا وإن قلَّ، وإن قال: ضعوا عنه ما شاء (١)، فشاء الكلَّ] (٢)، فهل نبقي شيئًا؟ فيه وجهان.
٤٢٠٢ - فرع:
إذا جُنَّ المكاتبُ، فعجَّزه السيِّدُ ببعض النجوم، ثمَّ أنفق على عبيده، فأفاق، وأقام البينةَ على أداء ذلك النجم، لم يرجع بالنفقة، فإن قال: جهلتُ الأداءَ، أو نسيته، لم يرجع عند المراوزة، وللعراقيين وجهان.
٤٢٠٣ - فرع:
إذا حلَّ النجمُ، فتبرَّع أجنبيٌّ بأدائه، لم يلزم السيِّدَ قبولُه، فإن قبله بغير إذن المكاتب، عتق على أقيس الوجهين.
* * *
٤٢٠٤ - فصل في عُقود العتاقة
إذا قال لعبده: بعتك نفسك بألف درهم، فقبل، عتق بالقَبول، ولزمه الألفُ، وخرَّج الربيعُ قولًا مزيَّفًا أنَّه لا يصحُّ، ولا يعتق، وعلى المذهب في ثبوت الخيار من الجانبين الخلافُ المذكور في شراء القريب، فإن أثبتناه، خرج عتقُه على عتق المُشْتري المبيعَ في زمن الخيار.
وإن قال: أنت حرٌّ على ألف، فقَبِل، عتق في الحال، ولزمه الألفُ، كنظيره من الخُلْع.
стр. 3286
وإن قال: إن أعطيتني ألفًا، فأنت حرٌّ، فأعطاه ألفًا، عتق، وفي حكمه أوجهٌ:
أحدُها: أنَّه كالكتابة الفاسدة في التراجع، وتبعيَّة الكَسْب والولد.
والثاني: يلزمه القيمةُ، ولا يتبعه كسبٌ ولا ولد.
والثالث: لا يلزمه شيءٌ، ولا يتبعه كسبٌ ولا ولد؛ لأنَّه تعليقٌ مَحْض، بخلاف نظيره من الخُلْع؛ فإنَّ المرأةَ من أهل الالتزام حال التعليق، وما حصل من الكسب والولد قبل التعليق، فلا يتبعُه اتِّفاقًا.
* * *
стр. 3287
٤٢٠٥ - باب عتق أم الولد
إذا أولد أمتَه في صحَّته، أو في مرض موته، استحقَّت العتقَ بموته استحقاقًا لازمًا مقدَّمًا على الديون والوصايا والميراث، فلا يملك بيعَها [ولا رهنَها، وله وطؤها واستخدامُها وإجارتها، وإن وُطِئت، فله مهرُها] (١)، وفي تزويجها أقوال:
أصحُّها: أنَّه يزوِّجها كالأمة.
والثاني: لا يزوِّجها إلَّا برضاها.
والثالث: لا يزوِّجها وإن رضيت، فعلى هذا: ليس للحاكم أن يزوِّجها بغير رضاها ورضا السيِّد، وكذلك إن رضيا على الأصحِّ؛ إذ لا ولايةَ له على الأملاك، وأجاز في القديم بيعَها، ولا عملَ به، ولا فتوى عليه، واختلفوا على القديم، فقال بعضُهم: لا تعتق بموته، وهي كالقنَّة من كلِّ وجه، وقال الجمهورُ: تعتق بالموت، وإن جاز بيعُها في حال الحياة، فيُحتمل على هذه الطريقة أن يكونَ عتقُها من رأس المال، ويُحتمل أن يلحقَ بالمدبَّرة، فإن قلنا بالمذهب، فشرطُ الاستيلاد أن يتخلَّق الولدُ، وأن ينعقدَ حرًّا، فيثبت الاستيلادُ بانفصاله، فإن لم يتخلَّق، ففيه خلافٌ تقدَّم.
стр. 3288
فإن أولد أمةَ غيره بزنًا أو نكاح، لم يثبت الاستيلادُ، وإن ملكها بعد ذلك؛ فإن اشتراها مع ولده، عتق، ولم يثبت الاستيلادُ اتِّفَاقًا، وإن وطئها بشبهةِ أنَّها أمتُه، لم يثبت الاستيلادُ في الحال، فإن ملكها، فهل يثبت من حينَ ملكها؛ أو لا يثبت؟ فيه قولان، وإن وطئها بنكاح غرور، ثمَّ تملَّكها (١)، فالأفقهُ أنَّ الاستيلادَ لا يثبت؛ لأنه وطئها بنكاح، ويُحتمل طردُ القولين.
٤٢٠٦ - فرع:
إذا حكم حاكمٌ بجواز بيع أمِّ الولد، ففي نقض حكمه خلافٌ مأخوذٌ من الخلاف في اشتراط انقراض العصر في الإجماع؛ فإنَّ عليًّا خالف في ذلك قبل انقراض العصر.
٤٢٠٧ - فرع:
إذا أسلمت أمُّ ولدٍ لكافر، حِيْل بينهما، ولم تعتق حتَّى يموت.
٤٢٠٨ - فرع:
إذا حكم الحاكمُ بالاستيلاد بشهادة اثنين، فرجعا، فلا غرمَ عليهما حتَّى يموتَ السيِّد، فيجب الغرمُ حينئذٍ، كما لو شهدا بتعليق العتق بصفة، فلا غرمَ عليهما حتَّى يشهدا بوجود الصفة، ثمَّ يرجعا.
٤٢٠٩ - فرع:
أولاد المستولدة من الزنا أو النكاح بمثابتها في جميع الأحكام، فيعتقون بموت السيِّد، ولا يعتقون بإعتاق أمِّهم؛ لأنَّهم معها بمثابة مستولدة أخرى،
стр. 3289
ولا ينفذ تصرُّفه فيهم، ولا يبطل حقُّهم بموتها في حياة السيِّد.
٤٢١٠ - فرع:
إذا أولد أمة بشبهة، ثمَّ ملكها وملك أولادَها الذين ولدتهم في الرقِّ، وقلنا: تصيرُ أمَّ ولد، فلا يثبت للأولاد حكمُ الاستيلاد اتِّفاقًا؛ فإنَّ الاستيلاد يثبت في الملك، فلا ينعطف على ما تقدَّم، فإن كانت لمَّا ملكها حاملًا برقيق، احتُمل أن يلحقَ بولد المدبَّرة، ويتَّجه القطعُ لإثبات الاستيلاد؛ لتأكُّده.
* * *
٤٢١١ - فصل فيه مسائلُ من البيع والوكالة
إذا اشترى أمةً مزوَّجة، وشرط بكارتَها، فظهرت ثيِّبًا، ففي ثبوت الخيار وجهان؛ فإنَّ البكارةَ حقٌّ للزوج، لكن قد يُتوقَّع موتُه وطلاقُه قبل وطئها.
وإن باع أمةً بعد ولادتها، فولدت ولدًا آخرَ لأقلَّ من ستَّة أشهر من حين ولادة الأوَّل، فقولان:
أصحُّهما في القياس: أنَّه للمشتري.
والثاني - وهو ظاهر النصِّ -: أنَّه للبائع، فيبطل البيعُ على الأصحِّ؛ كما لو باع حاملَا بحرٍّ، أو باع (١) حاملًا، واستثنى حملَها.
وإن اشترى جاريةً ذات ولد، فقال: ولدَتْه بعد البيع، فقال البائع: بل قبل البيع، فالقولُ قولُ البائع.
ولو باع عبدًا بثوب، وفصل الثوبَ، ثمَّ ردَّ العبدَ بعيب، رجع بالثوب
стр. 3290
مع أَرْشه على أقيس الوجهين، وقيل: يتخيَّر بين أن يرجعَ بقيمته سليمًا، أو يقنع به بغير أرش، وهذا باطل؛ فإنَّ البيعَ إذا فسخ بالتحالف وقد عاب المعقودُ عليه بيد أحدهما، وجب الأَرْشُ، وشبَّب أبو عليٍّ بطرد الخلاف في صورة التحالف، وهو قريبٌ من خرق الإجماع.
٤٢١٢ - فرع:
إذا توكَّل ببيع مطلق، فباع بشرط الخيار للمتعاقدين، أو للمشتري، لم يصحَّ البيع، وإن شرطه للبائع وحدَه، فوجهان.
وإن توكَّل بشراء عبد، فاشتراه بثمن مثله مؤجَّلًا بحيث لو كان نقدًا لما كان مغبونًا، فالشراءُ للموكِّل على الأصحِّ، وإن وكَّله بالبيع، ولم يتعرَّض لقبض الثمن، فهل له قبضُه؟ فيه وجهان، ولا يسلِّم المبيعَ قبل قبض الثمن، فإن سلَّم المشتري الثمنَ إلى الموكِّل، لزم الوكيلَ أن يخلِّيَ بين المبيع والمشتري.
ولو قال لزيد: وكِّل عَمْرًا في بيع عبدي، فوكَّله، لم يملك زيدٌ البيعَ، ولا عزلَ عمرو؛ فإنَّه وكيل عن المالك، ولو وكَّله بالبيع، وبالتوكيل فيه، فوكَّل، فالثاني وكيل للمالك أو للوكيل؟ فيه وجهان، فإن جعلناه وكيلَ الوكيل، فله عزلُه.
* * *
٤٢١٣ - فصل فيه مسائلُ من الإرث والإقرار بالنسب
إذا أقرَّ الورثةُ بنسب، فلم يوافقهم أحدُ الزوجين، لم يثبت على الأصحِّ،
стр. 3291
فإن لم يخلِّف سوى بنت، فأقرَّت بنسب، فصدَّقها الإمامُ، لم يثبت على الأصحِّ؛ كما لو صدَّق وليُّ الطفل على إثبات النسب، فإنَّه لا يثبت، فإن ادَّعى إنسانٌ على البنت أنَّه أخوها، فأنكرت، لم تُحلَّف وإن جعلنا يمينَ الردِّ كالبينة؛ فإنَّ القضاءَ بالنسب يقعُ على الميت، ويمين الردِّ لا تجعل كالبينة في حقِّ ثالث.
وقال أبو عليّ: يتَّجه تحليفُها إذا جعلنا يمينَ الردِّ كالبيِّنة.
ولو مات إنسانٌ عن ابني عمٍّ أحدُهما أخٌ لأمٍّ، فله السدسُ بالأخوَّة، والباقي بينهما، وعلى قول بعيد مخرَّج يختصُّ الأخ بالجميع.
ولو مات المعتقُ عن ابني عمِّ أحدُهما أخٌ لأمِّ، فهل يختصُّ بالإرث، أو يشتركان فيه؟ فعلى قولين؛ لأنَّ أُخوَّته قد سقطت، فاستُعملت في الترجيح.
ولو مات عن بنت وابني عمٍّ أحدُهما أخ لأمٍّ، فللبنت النصفُ، والباقي للأخ أو بينهما؟ فيه القولان؛ لأنَّ أُخوَّتَه قد سقطت بالبنت.
ولو اجتمع في وارث قرابتان لا يحل التسبُّب إليهما في الإسلام، بل وقع بشبهةٍ، أو بوطء مجوسيٍّ، لم يورَّث بهما.
وقال ابن سُريج: إن كانت إحداهما موجبةً للفرض، والأخرى للتعصيب، ورث بهما.
فإذا وطئ المجوسيُّ أو المسلم بنتَه بشبهة، فأولدها بنتًا، فماتت الكبرى عن الصغرى وحدها، فلها النصفُ بالبنوَّة، والباقي لبيت المال،
стр. 3292
وعلى قول ابن سُريج: الباقي لها بالأُخوَّة، وإن ماتت الصغرى عن الأمِّ وحدها، فلها الثلثُ بالأمومة، وتسقط الأخوَّة بوفاق ابن سُريج؛ لئلَّا يجتمعَ فرضان.
فإن أولد الصغرى ابنًا، فماتت، ثمَّ مات الابنُ، فلكلِّ واحد من أبوي الصغرى السدسُ، والباقي لابنها، وللجدَّة من تركة الابن السدس، والباقي للأب، ولو مات الأبُ أو الأمُّ، ثمَّ مات الابنُ، فالتركة بين الابن والبنتين للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وأمَّا تركةُ الابن: فلأمِّه منها الثلث، ولجدَّته النصفُ بالأُخوَّة؛ لأنَّ الجدودةَ قد سقطت بالأمِّ، والباقي لبيت المال، ولو مات الأبُ أوَّلًا، ثمَّ الصغرى، ثمَّ الابنُ، فللجدَّة السدسُ؛ لقوَّة الجدودة، وأبعد مَنْ أعطاها النصفَ بالأخوَّة؛ تعليلًا بأنَّه أكثر.
* * *
٤٢١٤ - فصل فيه مسائلُ من الزكاة
إذا أخذ الغازي أو المسافر الزكاةَ، ثمَّ بدا لهما في الخروج، لزمهما ردُّها، وإن خرجا، ثمَّ رجعا ومعهما فضلةٌ من الزكاة، وجب الردُّ على ابن السبيل، ولا يجب على الغازي؛ لأنَّه أخذها لمصلحة المسلمين، فأشبه الأجير.
وإن أخذها ابن السبيل؛ ليسافرَ، فاستغنى قبل السفر بهبة أو إرث أو وصيَّة، لزمه ردُّها، بخلاف استغناء الفقير بعد الأخذ، فإنَّ حاجتَه ناجزة، وحاجة ابن السبيل متوقَّعة.
ولو أخذها غارمٌ أو مكاتب، فاستغنى الغارم، وعتق المكاتبُ، ففي
стр. 3293
وجوب الردِّ وجهان؛ لأنَّ حاجتهما ناجزة، فإن كان الدينُ أو النجمُ مؤجَّلًا، ففي جواز (١) صرف الزكاة إليهما أوجهٌ، ثالثُها: الصرفُ إلى الغارم دون المكاتب؛ لأنَّه يملك فسخَ الكتابة، وهذا بالعكس أَوْلى، لإجبار السيِّد على قبض المؤجَّل.
* * *
٤٢١٥ - فصل فيمَن ادُّعِي عليه بتزويج ابنته
إذا ادَّعى رجل على آخرَ أنه زوَّجه ابنته، فإن كانت ثيِّبًا، لم يحلَّف، إذ لا يُقبل إقراره؛ لعجزه عن الإنشاء، وإن كانت بكرًا، فلها حالان:
إحداهما: أن تكونَ صغيرة، فإن أقرَّ الأبُ ثبت النكاحُ؛ لقدرته على إنشائه، وإن أنكر، حلف، فإن نكل، حلف المدَّعي، وثبت النكاح، وهكذا لو ادَّعى عليه بيعَ مال الطفل، [وقال القفَّال: لا يحلف في البيع؛ إذ لا نيابةَ في الأيمان، بل يوقف الأمر حتَّى يبلغ الطفل] (٢)، فيحلف أو ينكل، وقياس هذا ألَّا يحلفَ في النكاح، وفيه بُعْدٌ.
ولو اختلفا في قدر الثمن، تحالفا، وعلى قياس قول (٣) القفَّال لا يتحالفان.
الثانية: أن تكون بالغةً عاقلة، فإن أقرَّ، ثبت النكاحُ سواء صدَّقته أو
стр. 3294
كذَّبته، وإن أنكر، ففي تحليفه وجهان؛ لأنَّ المدَّعيَ قادرٌ على تحليف البنت، فإن قلنا: يحلف؛ فإن نكل، حلف المدّعي، وثبت النكاحُ، وإن حلف، فللمدَّعي أن يدَّعي على البنت، فإن أقرَّت، ثبت النكاحُ على الأصحِّ، وإن أنكرت، وحلف، سقط حقُّ المدِّعي، وإن نكلت حلف وثبت النكاحُ.
* * *
٤٢١٦ - فصل فيه مسائلُ من الحدود والقصاص
الاعتبارُ في قَدْر الحدِّ ووصفه بحال وجوبه، فإذا لزم الذمِّيَّ ثمانون جلدةً بالقذف، ثم لحق بدار الحرب، واستُرِقَّ، أو زنا ذميٌّ، ورضي بحكمنا، فحكمنا برَجْمه، فلحق بدار الحرب، واستُرِقَّ، وقلنا: لا يسقط الحدُّ بالهرب فإنَّا نجلده مع رقِّه ثمانين، ونرجمه.
ولو قطع جانٍ يدَي رَجُلٍ، فسرَتَ إلى نفسه، فقطع الوليُّ يديه، ثمَّ طلب المالَ في النفس؛ فإن كان الجاني رجلًا، لم يكن له ذلك؛ لأنَّه استوفى ما يقابل الديةَ، وإن كان امرأةً، فهل يلزمُها نصفُ دية الرجل؟ فيه وجهان.
ولو قطع يدي رجل، فظهر اندمالُهما، فقطع إحدى يدي الجاني، وأخذ نصفَ الدية عن الأخرى، فانتقض الجرحُ، وسرى إلى النفس، فلا يلزم الجانيَ ديةٌ، ولا قصاص؛ لاستيفائه ما يقابل الديةَ فيهما، وقد عفا عن الطرف بأخذ ديته، فلو اقتصَّ في النفس، لفات الطرفُ الذي عفا عن تفويته.
ولو اندملت اليدان في نفس الأمر، فاقتصَّ من إحداهما، وأخذ دية الأخرى، فمات الجاني بسراية القصاص؛ فإن جعلنا السرايةَ إلى الأعضاء قصاصًا، فعلى المقتصِّ ردُّ دية اليد؛ لأنَّه استوفى قصاصها بالسراية؛ إذ يلزمُ
стр. 3295
من فوات النفس فواتُ اليد، وإن لم نجعل السرايةَ قصاصًا - وهو أصحُّ القولين - لم يلزمه ردُّ دية اليد.
ولو قطع عبدٌ يدَ عبد، فعتق المقطوعُ، ومات بالسراية، فالقصاصُ في نفسه؛ لورثته، وفي يده لسيِّده، ولا يقف اقتصاصُ السيِّد على إذن الورثة اتِّفاقًا، فإن اقتصَّ في اليد، فَسَرَت إلى النفس، فلا شيءَ للورثة؛ لأنَّ النفس قد قُوبلت بالنفس، فإن عفا الورثةُ عن قصاص النفس، لم يسقط قصاصُ الطرف عند أبي عليٍّ، وأسقطه القفَّال؛ تعليلًا بأنَّه ثبت لهم إتلافُ الطرف بإتلاف النفس، فصاروا بذلك شركاءَ في الطرف، والقياسُ ما ذكره أبو عليٍّ؛ فإنَّ قصاصَ الطرف ثبت مقصودًا للسيِّد، ولو كان لهم فيه شركٌ، لتوقَّف على إذنهم.
* * *
٤٢١٧ - فصل فيه مسائلُ من السِّيَر
إذا أسلم الأسيرُ، فالأصحُّ: بقاءُ الخيار في المَنِّ والفداء وقَبول الجزية والإرقاق، وعلى النصِّ: يرقُّ بالإسلام، وإن بذل الجزيةَ، ففي جواز قتله وجهان، فإن أجزناه، تخيَّر الإمامُ بين المنِّ والفداء، وقَبول الجزية، والقتل والإرقاق، وإن منعناه، وجعلنا الإسلام موجبًا للرقِّ، لم يرقَّ ببذل الجزية على الأصحِّ.
ولو نكح المسلمُ حربيَّة، ففي إرقاقها وجهان، فإن أجزناه فأُرِقَّت، فإن كان قبل الدخول، انفسخ النكاحُ؛ إذ لا تحلُّ الأمةُ الكتابيَّة لمسلم، وإن كان بعد الدخول، ففي انفساخه وجهان، فإن قلنا: لا ينفسخ، توقَّفنا، فإن أسلمت