الكبير مؤذِّنين بالأجرة، فإن احتاج إِلى صرف المال إِلى واجب أو مُهمٍّ مَرْتبتُه كمرتبة أصلِ التبليغ، لم يجز له ذلك إِذا ضاق المال عنهما، وإِن تعارض في نظره الادِّخارُ والصرف إِلى التتمَّات والتكمِلات ففي هذا احتمال، والنصّ عندَه محمولٌ على هذه الصورة، وإن وجد متطوِّعًا حسنَ الصوت، وأجيرًا حسنَ الصوت رقيقَه، لم يجز الإِجارة عند أبي محمَّد، وألحقها الإِمام بالمؤذِّن الثاني في المسجد الكبير.
* * *
٢٦٤ - فصل في المبادرة والإبراد بالظهر
مبادرة الصلوات في أوائل أوقاتها أفضلُ من تأخيرها، إِلا العشاء، فإِنَّ تأخيرها إلى نصف الليل أفضلُ من ابتدارها على أحد القولين، والإِبرادُ بالظهر سنَّة في شِدَّة الحرِّ، وقيل: رخصة، وتختصُّ بالبلاد الحارَّة، وأجراه أبو محمَّد في المعتدِلة، وفي جريانه في الجمعة والمسجد الكبير المطروق وجهان؛ والأصحُّ أنَّه لا يجري في حقِّ من يصلِّي في بيته، أو يمشي إِلى المساجد في كِنٍّ (١)، وقيل: إِنَّه يعُمُّ الناسَ أين كانوا، وحَدُّه أن يظهر للأشخاص فَيْءٌ يمشي المصلون فيه إِلى المساجد، وقدَّره أبو علي بنصف المِثل الأول.
* * *
стр. 422
٢٦٥ - باب استقبال القبلة، وأن لا فَرض إِلا الخَمْس
لا يجبُ بأصل الشرع إِلا الصلواتُ الخمس، والوتر ليس بواجب، واستقبالُ القبلة شرط لصحَّة الصلوات عند الإِمكان إِلا في النافلة في السفر الطويل للراكب والماشي، وفي المنذورة قولان، والأصحُّ المنعُ في صلاة الجنازة إِلا أن يصلِّيَها قائمَا، فيجوز عند الإِمام، فإِنَّ تنفَّل المقيم في تصرُّفاته راكبًا أو ماشيًا لم يجز، وأجازه الإصطخريُّ، وكان يتنفَّل على دابَّته في حارات بغدادَ، وأجازه القفَّال بشرطِ الاستقبال في جميع الصلاة، ولو تنفَّل المقيمُ على دابَّة واقفةٍ مستقبِلًا ومتمِّمًا لركوعه وسجوده، جاز عند الصيدلانيِّ.
ولا تصحُّ الفريضةُ على دابَّة واقفة، ولا بعير معقول، ولا سرير يحمله الرجالُ، ومنعها الإِمام في أُرجوحة معلَّقة بالحِبال، وإن كان موفيًا بالركوع والسجود والاستقبال، ويصحُّ على الأَسِرَّة والسُّفُن الجارية، وفي جوازها للمقيم المتردِّد على الزوارِق الجارية تردُّد واحتمال، وأجازوها في زورق مشدود وإنْ تحرَّك تصعُّدًا وتسفُّلًا إِذا لم تكثُر حركاتُه.
* * *
стр. 423
٢٦٦ - فصل فيما يلزم الراكبَ من الاستقبال
إِذا ركب في مرقد يمكنه استقبالُ القبلة في جميع الصلاة، لَزِمه ذلك، وإن كان على ظهر دابَّة، فقد اختَلَف نصُّه في الاستقبال عند الإِحرام، وفيه أربعة أوجه:
أحدها: لا يجبُ بحال.
والثاني: يجب إن كان عِنانُ الدابَّة أو زِمامُها بيده، وإِن كانت مقطرة (١) وعَسُر الاستقبال، لم يجب.
والثالث: يلزمه ذلك بكلِّ حال.
والرابع: يجب إِلَّا أن يكونَ وجهُ الدابَّة إِلى صَوْب سفره، فلا يجب، والظاهر وجوبُه إِذا تيسَّر، فإن أوجبناه عند الإِحرام، ففي وجوبه عند السلام وجهان.
* * *
٢٦٧ - فصل في كيفيَّة صلاة الراكب
إِذا ركب في مرقد متمكِّنًا من إِتمام الركوع والسجود أتمَّهما، فإن اقتصر على الإِيماء، فهو كقاعد يتمكن من إِتمام الركوع والسجود، والمذهب أنَّه لا يصحُّ تنفُّلُه، ولا تنفُّلُ المضطجع القادر على القعود، وإن لم يتمكَّن؛ لكونه على رَحْل أو سَرْج، أومأ بهما، ويخفِضُ سجودَه عن ركوعه، وألزمه الإمامُ أن يميِّزَ بينهما عند الإِمكان، وتردَّد في إِلزامه بما يمكنه من الانحناء،
стр. 424
واختار أن ينحنيَ كانحناء الراكع على الأرض، ولا يلزمه الانحناءُ إِلى حَدِّ السجود على الأرض مع تمكُّنه من ذلك؛ لأنَّ جماحَ الدابة غيرُ مأمون، فربما وقع في بعض ما يحاذر، ولو قيل: ينحني إِلى حدٍّ لا يتوقَّع فيه ذلك في أحوال الغفلات، لم يبعد.
* * *
٢٦٨ - فصل في كيفية صلاة الماشي
النصُّ أنهّ لا يمشي إِلا في حال القراءة، ويركع ويسجد، ويقعد مستقرًّا مستقبلًا عند الإِحرام والركوع والسجود إِلى أنْ يسلِّم، وظاهر ما نقله الصيدلانيُّ: أنَّه يركع ويسجد على الأرض، ويمشي في مكان القعود؛ إِبدالًا للقيام عن القعود، وخَرَّج ابن سُريج قولًا: أنه يومئ بالركوع والسجود سائرًا في صَوْب سفره، واستقبالُه عند الإِحرام كاستقبال من بيده الزمام، فإِن أوجبناه عند الإِحرام، فعند السلام وجهان، وإِذا صار إِلى القعود لم يومئ إِليه، بل يومئ بالسجود، ثم يعتدل قائمًا ويتشهد في قيامه، وفي هذا تفصيلٌ نذكره في العاجز عن حركات الصلاة المفروضة، هل يلزمه تمثيلُ صور أركانها في قلبه؟
٢٦٩ - فرع:
يشترط طهارةُ ما يلاقي بدنَ المتنفِّل وثيابه من السَّرْج وغيره، ولو أوطأ فرسَه نجاسةً فلا بأس، وإِن وطئ الماشي نجاسةً رَطْبة عمدًا أو سهوًا بَطلت صلاتُه، وكذلك لو تعمَّد المشيَ في نجاسة يابسة عند الإِمام، وإن لم يجد عنها مصرِفًا، ففيه احتمال. قال: ولا يلزمه رعايةُ التصوُّن من النجاسات؛
стр. 425
إِذ لا تنفكُّ عنها الطرُقات.
* * *
٢٧٠ - فصل في الإقامة في أثناء الصلاة
إِذا أتى بلدة (١) أو قرية، فنوى المقام (٢) بها مدَّةً لا تَقْطع رُخَصَ السفَر، فله إِتمامُ الصلاة على دابَّته، وإِن تردَّد لحاجته في النزول كان تردُّده كذهابه في صَوْب سفره في كيفية الصلاة وسقوط الاستقبال.
قال أبو بكر: ولو وقف على الدابَّة لمَّا انتهى إلى المنزل، فله أن يصلِّيَ إِلى صَوْب سفره، وإِن كان نزولُه لا يقطعه عن شيء من مأربه، ولو بادر الركوبَ قبل ارتحال الرفقة، فله الصلاةُ واقفًا مومئًا، ورأى الإِمامُ إِلزامَ الواقف بالاستقبال؛ اعتبارًا بمن كان في مرقده، وبمن بيده الزِّمام، وإِن نوى الإِقامةَ القاطعة للرُّخص، وقلنا: لا يتنفَّل المقيم على دابته فلينزِلْ نزولًا لا يبلغ حدَّ الفعل الكثير، ولْيُتِمَّ صلاتَه مستقبلًا ومتممًا للأركان، ولو تنفَّل على الأرض، ثم ركب في أثناء الصلاة، جاز عند الإِمام.
* * *
٢٧١ - فصل في الاستقبال في المسجد الحرام
مدارُ الاستقبال على التسمية والإِطلاق، فمن وقع عليه اسمُ مُستقبلٍ، صحَّت صلاتُه، ومن لا فلا، وقد يختلف في ذلك؛ للاختلاف في الاسم،
стр. 426
فمَنْ كان بالمسجد الحرام فلْيُعايِنِ الكعبةَ، فإِنْ قرُب منها استقبلها استقبالًا محسوسًا، فإِن خرج عنها ببعض بدنه، فوجهان.
وتصِحُّ صلاةُ الصفِّ الطويل في أقصى المسجد، وكذلك الصلاةُ على أبي قُبَيس؛ لوقوع الاسم، ولو اقترب ذلك الصفُّ من الكعبة، لَخَرج أكثرُهم عن المحاذاة، فلا تصحُّ صلاتهم؛ إِذ لا تسميةَ.
٢٧٢ - الصلاة على ظهر الكعبة:
لا تصحُّ الصلاة على ظهر الكعبة، فإِن كان عليها بناء كارتفاع مُؤْخِرة الرَّحْل، وهي قريبٌ من ثلثي ذراع، صحَّت الصلاةُ على الأظهر، وشرط بعضُهم أن يكونَ البِناءُ على قَدْر قامة المصلِّي؛ كيلا يخرجَ معظمُ بدنه عن الاستقبال، وكذلك لو استقبل خشبةً يخرج من جانبيها بعضُ بدنه، فقد خرَّجه الإمام على ما لو خرج ببعض بدنه عن الاستقبال.
وإِن صَلَّى إلى شيء منضود بين يديه لم يجز، وكذلك المغروز من الخشب على الأصحِّ.
٢٧٣ - الصلاة في الكعبة:
وإن صلَّى في الكعبة إِلى بعض جُدْرانها أو سواريها أو بابها وهو مردود، صحَّ، وإن كان مفتوحًا والعتبةُ كمُؤخرة الرَّحل، جاز على الأظهر.
وإن انهدمت فالصلاة في عَرْصتها كالصلاة على سطحها في البناء والمنضود والمغروز، وأجازها ابن سريج وإن لم يستقبل شيئًا من بنائها؛ اعتبارًا بما لو صلَّى إِلى العَرْصة خارجًا منها، فإِنه يصحُّ، والذي ذكره يجري في الصلاة على سطحها.
стр. 427
وإِن استقبل شجرةً في العرْصة، أو نزل في حفرة عمقها كمُؤْخِرة الرحل، فحكمُه حكمُ المستقبِل لما شَخَص من بنائها، وإِن علا في العَرْصة حشيشٌ، فلا حكم له.
* * *
٢٧٤ - فصل في استقبال المكِّي
نصَّ الشافعيُّ أنَّ من سَهُل عليه معاينةُ الكعبة على سهْلٍ أو جبل، لزمه ذلك، ونصَّ أنَّ من كان بمكَّة بمكان لا يُرى منه البيتُ، لم يجزْ له تركُ الاجتهاد بكلِّ ما يدلّ على الكعبة، وحمَلَهما العراقيُّون على حالين، فمن بدت له الكعبةُ من موقفه بيُسر وسهولة، لزمَتْه المعاينة، وإِن حال بينه وبينها جبلٌ أو جدار أو غيرُهما، لم تلزمه المعاينة، فاشترطوا العِيان عند إِمكانه، وقالوا: لو بنى بينه وبينها حائلًا من غير حاجة، لم تصحَّ صلاتُه؛ لتفريطه.
وقال الإِمام: إِن بُني المحرابُ على العِيان، فلا بأسَ بإِثبات الحاجز، وكذلك إِن وقف في عَرْصة دارٍ بُني محرابُها على العِيان.
وإِن بُني محرابها على الأدِلَّة، أو وقف في بيت لا محراب فيه؛ اعتمادًا على الأدلَّة، جاز عند العراقيِّين، ولا يُكلَّف صعودَ السطح؛ ليتمكن من العيان، واستبعد الإِمامُ الاجتهادَ بمكَّة مع ابتناء الأمر في أوله على العِيان.
ولا يجوز لمن عاينَ مِحرابَ رسول الله ﷺ أن يجتهدَ في تيامن ولا تياسر، ولا يجتهد مَن رأى محرابَ بلدةٍ أو قرية مطروقةٍ لم يشتهر فيه مطعَن، والمذهب أنه يجتهدُ في التيامن والتياسر، وقيل: لا يجوز.
* * *
стр. 428
٢٧٥ - فصل فيمَنْ يجوز له التقليدُ في القبلة
يجوز التقليدُ في القبلة لكلِّ من لا يُتصوَّر منه الاجتهادُ؛ كالأعمى، ولا يجوز لبصير عارف بالأدلَّة متمكِّنٍ من الاجتهاد، فلو اجتهد فتحيَّر، وانحسم نظرُه، لم يقلّد مع اتِّساع الوقت، وفي ضيقه وجهان، فإِن قلنا: يقلِّد، فلا قضاءَ، وإن قلنا: لا يقلِّد، صلَّى على حسَب حاله عند أبي محمَّد، ويُحتمَل أن يصلِّيَ بالتقليد؛ لأنه بدلٌ عن الاجتهاد عند تعذُّره؛ كالتيمُّم في الحَضَر عند تعذُّر الماء، وفي القضاء خلافٌ كالخلاف فيمن تيمَّم بعُذْرٍ نادرٍ لا يدوم.
وإِن علم أن نظرَه لا ينتهي في الوقت، فهو كالتناوب على بئر أو ثوب يُصلَّى عليه وفيه.
وأمَّا البصير الجاهل بالأدلة: فهل يلزمه إِذا سافر أن يتعلَّم من أدلَّة القِبلة ما يستقل به؟ فيه وجهان؟ فإِن قلنا: لا يجب، قلَّد ولا قضاء، وإن قلنا: يجب، لزمه القضاءُ، وهل يصلِّي على حسَب حاله، أو يصلي بالتقليد؟ فيه التردُّد المذكور.
* * *
٢٧٦ - فصل فيمَن يجوزُ تقليدُه
شرط المقلَّد هاهنا كشرط المفتي، إِلا أنَّ العلمَ المشروط هاهنا معرفةُ أدلَّة القبلة، فلا يُقلَّد كافرٌ ولا فاسقٌ ولا صبيٌّ (١) وإن كان مجتهدًا.
стр. 429
وإِن أُخبر عن علاماتِ القبلة المحسوسة لزمه قَبولُ الخبر وإِن كان مجتهدًا.
ويُشترط في المخبِر ما يُشترط في رواية الأخبار؛ من الإِسلام والعدالة، وفي الصبيِّ الذي ليس بعَرِم (١) ولا كذاب خلافٌ.
* * *
٢٧٧ - فصل في تيقُّن الخطأ من جهة إِلى أخرى
إِذا تيقَّن الخطأ بعد الصلاة، ففي وجوب القضاء قولان إِن عرف جهةَ الصواب، وإِن جهلها، فقولان مرتَّبان عند أبي محمد، وأَولى بسقوط القضاء؛ إِذ لا يأمن في القضاء مثلَ ما وقع في الأداء، كما لو أخطأ الحاجُّ بالوقوف في العاشر، وهذا الترتيبُ غلط؛ لأنه يُمكِنه أنْ يصبرَ إِلى أن يأمنَ في القضاء مثلَ ما وقع في الأداء، بخلاف خطأ الحاجِّ.
وإن تبيَّن له أنَّه أصاب، أو لم يتبيَّن شيء، أو غلب على ظنِّه بالاجتهاد أنه أخطأ، فلا قضاء عليه.
ولو اجتهد في وقت الصلاة، فأخطأ بالتأخير أجزأته، وإن أخطأ بالتقديم لزمته الإِعادةُ إِن كان الوقتُ باقيًا، وكذلك إِن فات الوقت عند الأصحاب، وخرجه أبو محمَّد على القولين في الخطأ بتقديم الصوم، وعند الإِمام إِن أمكنه الصبرُ إلى دَرْك اليقين، فأخطأ بالتقديم، لزمه القضاءُ.
стр. 430
وإن كان محبوسًا لا يمكنه دَرْكُ اليقين، ففيه القولان، والقياسُ إجراء القولين في كلِّ ما يتطرق إِليه الاجتهادُ من شرائط الصلاة؛ كالثياب الطاهرة والنجسة، فيشترط في قولٍ إِصابةُ المقصود، وفي آخرَ بذْلُ المجهود.
٢٧٨ - تيقُّن الخطأ في أثناء الصلاة:
إِذا تيقَّن خطأَه في أثناء صلاته، وعرف الصوابَ؛ وإن أوجبنا القضاءَ بتيقُّن الخطأ بعد الصلاة، بَطلَت صلاتُه هاهنا، وإن لم نوجبْه ففي بطلان صلاته قولان؛ فإِن قلنا: لا تبطل، انحرف إِلى القبلة وأتمَّ صلاته.
وإن تيقَّن الخطأ ولم يعرف الصوابَ؛ فإن تعذرت عليه معرفتُه، بَطَلت صلاتُه، وإن أمكن إِدراكُه بالاجتهاد، فقولان مرتَّبان على ما لو عرف الصوابَ والخطأ معًا، وهاهنا أولى بالبطلان.
فإِن قلنا: لا تبطل؛ فإِن أتى بركن قبل ظهور الصواب، بطلت صلاتُه، وإِن لم يأتِ بركن، فعلى رأي الإِمام تبطل إِن طال الزمان، وإن قَصُر، فوجهان؛ اعتبارًا بصَرْف المصلِّي عن القبلة، وعلى رأي أبي محمد لا تبطل إِن قَصُر الزمان، وإن طال، فوجهان؛ اعتبارًا بما لو شكَّ في نيَّة الصلاة، ولم يأت بركن.
٢٧٩ - تغيُّر الاجتهاد في أثناء الصلاة:
إِذا ظهر له بالاجتهاد أنَّه أخطأ، فلا يستمرُّ على الجهة الأولى، وفي بطلان صلاته قولان؛ فإن قلنا: لا تبطل، فظهر له الخطأ والصوابُ معًا، تحول إِلى جهة الصواب، وبنى على صلاته، واِن لم يظهر له الصوابُ، بطلت صلاتُه إِن تعذَّرت عليه معرفتُه وطال الأمر، وإن تمكَّن من إِدراكه بالاجتهاد؛
стр. 431
فإن أتى بركن قبل العثور على الصواب، بطلت صلاتُه، وإن لم يأت بركن، فاعتباره بالصرف عن القبلة، أو بالشك في النيَّة على ما تقدَّم؛ فإن ظهرت إِصابته في اجتهاده الأول، فقد وافق الإِمام على إِلحاقه بالشكِّ في النيَّة.
* * *
٢٨٠ - فصل في بيان الخطأ في الجهة الواحدة
كلُّ صَوبٍ لو تحرَّف إِليه المصلِّي لقطع الماهرُ بأدلَّة الكعبة بأنَّه خارجٌ (١) عن اسم الاستقبال؛ فليس بجهة الكعبة، وكلُّ صَوْب لو مال إِليه لم يقطع عليه الماهرُ بالخروج عن اسم الاستقبال، فهو جهة الكعبة، وهل يتصور تيقُّن الخطأ في الجهة الواحدة؟ فيه وجهان يعبر عنهما بأنَّ مطلوبَ المجتهد عينُ الكعبة أو جهتها، وقد تقدم بيانُ الجهة، وعبَّر الإِمام عن معنى الجهة والعين بأن قال: قد يغلب على ظنِّ الماهر أنَّ بعض مواقف الجهة أسَدُّ من بعض، فهل يجب طلبُ الأَسَدِّ في الظنِّ؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجب؛ كما لا يلزم الواقفَ في أقصى المسجد أن يتناهى في الاستداد.
والثاني: يجب؛ لأنَّ الواقفَ في المسجد يعلم أنَّه بالتحرُّف اليسير لا يخرج عنِ الاسم، والبعيدُ على خطر من ذلك.
٢٨١ - فرع:
لو أدَّى اجتهادُ رجلين إلى جهتين، لم يَقْتدِ أحدُهما بالآخر، وإن
стр. 432
اختلفا في التيامن والتياسر، جاز إِن قلنا: المطلوبُ جهة الكعبة، ولم يجزْ إِن قلنا: المطلوبُ عينها.
٢٨٢ - فرع:
لو صلَّى إِلى جهة بالاجتهاد، ثم تغيَّر اجتهادُه من غير قطعٍ؛ فإِنَّه يصلِّي إِلى الجهة الثانية، وكذلك ما زاد عليها، فلو صلَّى أربعَ صلوات إِلى أربع جهات بأربع اجتهادات، وقلنا: تجب الإِعادةُ على من تيقَّن الخطأ، فالنصُّ أنَّه لا يلزمه إِعادةُ شيء من الأربع، وقيل: يجب إِعادتُهنَّ، وقيل: تجب إِعادةُ ما سوى الأخيرة، والأول أصحُّ، والثالث بعيدٌ؛ لأنه نقضٌ للاجتهاد بالاجتهاد.
٢٨٣ - فرع:
لو دخل وقتُ صلاة أخرى، واجتهادُه الأول باقٍ، ففي وجوب إِعادة الاجتهاد وجهان يجريان في الفتوى وطلب الماء.
٢٨٤ - فرع:
إِذا تحرَّم المقلِّد بالصلاة، فقال له مجتهد: أخطأ بك فلانٌ، والقبلة في هذه الجهة؛ فإِن علمه المصلِّي مثلَ الأول أو دونه، استمرَّ على صلاته، وإِن رآه أعلمَ منه، فهو كتغيُّر الاجتهاد في الصلاة، وإِن قطع الثاني بخطأ الأوَّل، أو أخبر عن محسوس؛ بأن قال: الشمسُ وراءك، والأعمى يعلم أنَّ الشمس في جهة القبلة، لزمه الأخذُ بقوله، وإِن قطعا جميعًا، ولم يكن الثاني أعلمَ من الأول استمرَّ على صلاته.
ومن أحرم باجتهاد نفسه، ثمّ عمِيَ، فأخبره مجتهدٌ أعلمُ منه أنه
стр. 433
مخطئ، استمرَّ على صلاته.
وإن أحرم الأعمى بالتقليد، ثم أبصر في الصلاة مع معرفةٍ (١) بالأدلة، فلا يستمرُّ على التقليد، وحكمه حكمُ مَنْ تغيَّر اجتهادُه في الصلاة.
٢٨٥ - بلوغ الصبي في أثناء الصلاة:
إِذا بلغ الصبيُّ بالسِّن في إِحدى الصلوات الخمس، أو صلى في أوَّل الوقت، وبلغ في آخره، ففيه ثلاث طرق:
إِحداهن: تلزمه الإِعادةُ، سواء بقي من الوقت ما يتَسع لإعادتها أو لم يبقَ، وإن بلغ وهو صائم في رمضان لزمه القضاء.
والثانية: إِن بقي من الوقت ما يتَّسع لإِعادتها وجبت، وإِلا فلا، وإن بلغ في الصوم فلا قضاء.
والثالثة: وهي طريقة القفَّال وأصحابِه: لا تلزمه الإِعادة، ويلزمه إِتمامُها إِذا بلغ فيها، وإن بلغ في الصوم فلا قضاء؛ إِمَّا لوقوعه عن الفرض كما في الصلاة، وإمَّا لأنَّه لم يدرك ما يتسع للصوم، فيه وجهان يظهر أثرُهما في وجوب القضاء لو بلغ مفطِرًا في يومٍ من رمضان.
ولو صلى الظهرَ يومَ الجمعة، ثم بلغ قبل فوات الجمعة، فلا تلزمه الجمعةُ خلافًا لابن الحَدَّاد، والنصُّ الظاهر أنَّ الإِعادةَ لا تجب، وهل الأَوْلى إِتمامُها، أو قلبُها نفلًا، أو يجب إِتمامها؟ فيه الخلافُ المذكور في رؤية المتيمِّم الماءَ في أثناء الصلاة، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 434
٢٨٦ - باب صفة الصلاة
النيَّة واجبةٌ في الصلاة بإِجماع العلماء، ومحلُّها القلب؛ لأنَّها قصدٌ وإرادة، وتُسمَّى قصدًا إِن تعلَّقت بحالٍ، وعَزْمًا إِن تعلقت بمستقبل، ولا يُتصور تعلُّقُها بماضٍ.
وشرطها العلمُ بصفات المنْويِّ؛ ليتوجَّهَ إِليه بصفاته، وغلط من أوجب التلفُّظَ بها قبل التكبير؛ فإِن تقدَّمت على الإِحرام، أو تأخَّرت عنه، فلا يُعتدُّ بها، وإِن اقترنت به، فثلاثة أوجه:
أحدُها: يجب بَسْطُها على التكبير من أوله إِلى آخره؛ لأنَّ انعقادَ الصلاة بالتكبير، فيجبُ اقترانُ قصدها بعقدها.
والثاني: يجب تقديمُها على التكبير، فإِذا تمَّتْ قَرَنهَا بأوله، ولو قرنها بأَوَّله من غير تقديم لم يجزْ؛ لأنه يخلو أوَّلُه عن نيَّةٍ تامَّةٍ.
والثالث: يتخيَّر بين البَسْط والتقديم، وهو مذهبُ العراقيِّين.
وزعم الإمامُ أنَّ النيَّة لا يتصوَّر بسطُها، وقال: لم يتفطَّن لحقيقة النيَّة أحدٌ من الفقهاء إِلا القفَّال؛ إِذ قال: النيّه تقع في لحظة لا يتصوَّر بَسْطُها، وعلى قوله مَن شرط التقديم، فلا يقدَّم النيَّة، وإنَّما يقدَّم العلمُ بصفات المنويِّ، فإِذا حصل أوقَع النيةَ مع أوَّل التكبير في لحظة، وكذلك لا تنبسط
стр. 435
إِلا العلومُ بصفات المنويِّ، ويقدم حضورها (١) مع آخرِ التكبير، وتُقرن النيَّة بآخر التكبير، فحمل الخلاف على أنَّ النيَّة تقع في أوَّل التكبير أو في آخره، أو يتخيَّر بين الأمرين، والتقديمُ والبسطُ للعلوم دون النيَّة، والذي ذكره بعيدٌ في الفقه والتحقيق؛ أمَّا من جهة الفقه: فلأنَّه على قول البسط يجوز خُلوُّ أول التكبير عن النيّة، ومن شأن النيّة أن تُقرن بأول العبادة، وليس له أن يحكمَ بعطف حكم النيَّه على أول العبادة، كما في صوم التطوع على وجه؛ لأن الصومَ استُثني لحاجة لا تحقُّقَ لها هاهنا، وظاهر كلام الشافعيِّ يُشعرُ ببسط النيَّة؛ إِذ قال: ينوي مع التكبير، لا قبله، ولا بعده.
ومن أين له أنَّ الفقهاءَ على كثرتهم واختلاف قرائحِهم لم يتفطَّنوا لحقيقة النيَّة.
وأمَّا من جهة التحقيق: فلا مانعَ من بسط النيَّة إِلا كونُها عَرَضًا فردًا، والعَرَضُ الفردُ لا يتصوَّر بسطه، وذلك لازمٌ له في أنواع العلم والذِّكر؛ لأنها أعراضٌ لا يمكن بسطُ الفرد منها؛ فإن عنى ببسط العلوم تواليَ الأمثال، فذلك جوابُنا في بسط النية؛ إِذ لا معنى لبسط العَرَض واستمرارِه إِلا توالي أمثاله.
٢٨٧ - التفريع:
إِذا أوجبنا التقديمَ، فهل يجب استدامةُ النيَّة إِلى فراغ التكبير؟ فيه وجهان، وتأوَّل الإِمامُ استدامتَها باستدامة ذكرِها، وذكرُها أن يعلم أنَّها وقعت، وإِنَّما شَرَطنا التقديمَ؛ بناءً على العادة، ولو تُصوِّر اقترانُ العلم والنيَّة بأوَّلِ التكبير لأجزأه، وعلى قول البسط: لو فرغ التكبيرُ قبل تمام النيَّة
стр. 436
لم يُجْزه، وإِن تمَّت قبل نجاز (١) التكبير، فوجهان:
أحدهما: لا تجزيه ما لم يبسطها عليه من أوَّله إِلى آخره.
والثاني: تكفيه استدامةُ ذكرها إِلى آخر التكبير، والإِمام تأوَّل بسطَ النيّة ببسط العلم، كما تقدَّم، واختار بعد ذلك أن يكتفى بنيَّةٍ تعدُّ مقرونةً بعَقْد الصلاة؛ لأنَ ما ذكره الفقهاء لا يدخلُ تحت القُدرة البشريَّة، ولم يؤاخذِ السلفُ بأمثال هذا.
* * *
٢٨٨ - فصل في كيفيّة النيَّة في الفرائض المؤدَّاة
يجب على الناوي أن يُميِّزَ الأداءَ عن القضاء، والظهرَ عمّا سواها، وفي تقيِيدها بالفرضيَّة وإضافتها إِلى الله تعالى وجهان.
قال العراقيُّون: إِذا نوى حجًّا أو عمرة أو طهارة أو زكاة أو كفارةً، فلا يجب ذكر الفرضيَّة، وإِن أعتق أو ذكرَ الصدقة، فلا بدَّ من ذكر الفرضيَّة؛ ليقعَ العِتقُ عن الكفَّارة، والصدقةُ عن الزكاة، وإِن ذكر الطهرَ أو صوم رمضان، فوجهان.
ويذكر في السنن الراتبة الأداءَ، ويميِّزها عن غيرها، وفي الإضافة إِلى الله تعالى الوجهان.
* * *
стр. 437
٢٨٩ - فصل في قطع النية في الصلاة
إِذا نوى الخروج من الصلاة أو تردَّد في الخروج والاستمرار بطلت صلاته، وكذلك إِن نوى في الركعة الأولى أن يخرجَ في الركعة الثانية، ودلَّ كلامُ أبي عليٍّ على أنَّها لا تبطل في الحال، فإِن رفض عزمَه قبل الغاية المضروبة، صحَّت صلاتُه، وهو بعيد.
وإِن علَّق نيَّةَ الخروج بما يمكن وقوعُه في الصلاة؛ كدخول إِنسان، ففي بطلان صلاته في الحال وجهان، أَقْيَسُهما البطلان، فإِن قلنا: لا تبطل، فوجدت الصفة، ففي البطلان خلافٌ، وعند الإِمام تبيَّن عند الصفة بطلانُ الصلاة عند التعليق (١)، ولا يبطل الحجُّ بنيَّة الخروج، وإِن علَّق نيّة الخروج في الصوم، فلا يبطل وجهًا واحدًا، وفي جزمها وجهان.
٢٩٠ - فائدة:
ولا تبطل الصلاةُ بالوسواس في التردُّد؛ لأنَّ الوسواسَ في الشيء هو تقديرُه لو وقع كيف يكون، وكذلك قد يقدِّرُ الشركَ بالله مع ركونه إِلى معتقَده، ولا يكون بذلك كافرًا، والله تعالى أعلم.
* * *
٢٩١ - فصل في الشك في نيّة الصلاة؛ هل وقعت أم لا ؟
إِذا شكَّ أنوى (٢) أم لا، أو شكَّ في شروط نيَّته، ثم ذكر أنَّه أتى بذلك،
стр. 438
فإِن مضى في الشكِّ ركنٌ لا تجوزُ زيادتُه في الصلاة، بطلت صلاتُه، وإن لم يمضِ ركنٌ حتى ذكر النيَّة أو شروطَها، لم تبطل إِن قَصُر الزمان، صماِن طال، فوجهان.
فإن وقع ذلك في الركوع وزال على القُرْب، فلا تبطل صلاتُه إِلا أن يرفعَ رأسَه قبل زواله.
وإِن أوقع شيئًا من الفاتحة في حال الشكِّ؛ فاِن أعاده بعد التذكُر صحَّت صلاته، وإلا فلا.
والضابط: أنَّ ما يفعله مع الشكِّ لا يعتدُّ به؛ فإِن كان المبتلَى بذلك جاهلًا، فقد يُعذَر على ما سنذكره.
٢٩٢ - فرع:
إِذا شكَّ في النيَّة أو في شرطها، فكبَّر ثانيةً على الصفة المشروعة، فعلى تقدير انعقاد الصلاة بالتكبيرة الأولى تبطل، ولا تنعقدُ بالتكبيرة الثانية؛ لأنَّها تضمَّنت حلًّا وعقدًا، فالرأيُ له أن يقطعَ الصلاة بسبب من الأسباب، ثم يكبِّر بعد ذلك، فإن نوى قَطْعَها بتكبيرة ثانية، ثم نوى عَقْدَها بثالثة، انعقدت بالثالثة؛ لتجرُّدها عن نيِّة الحَلِّ، وقال الإِمامُ: لا تنعقد إِلا إِذا علم أنَّ الثانيةَ لا يجوز أن تكون عاقدةً، وأما إِذا جوَّز الانعقادَ بالثانية بناءً على أن الأولى، لم تصحَّ، فلا تنعقدُ الصلاةُ بالثالثة؛ لأنها تضمَّنت في قصده الحَل والعقد.
ولو نوى قبل التكبيرة الثانية أن يأتيَ بها على قصد التحلُّل، فقد بناه أبو علي (١) على تعليق الخروج بأمر مستقبل، فإِن أبطلنا صلاتَه في الحال
стр. 439
بطلت الصلاة هاهنا بالقَصْد، وتصحُّ التكبيرة الثانية؛ لتجرُّدها عن الحَلِّ، وعلى رأي الإِمام: إِن اعتقد أن الحَلَّ يحصل بالتكبيرة الثانية، فلا تنعقدُ صلاتُه، وإن قلنا: لا تبطل صلاةُ المعلِّق في الحال، فلا تنعقدُ الصلاةُ بالتكبيرة الثانية؛ لتضمُّنها العقدَ والحَلَّ، وهذا يُشعِر بأن مَن علَّق الخروجَ على ما يتحقَّق في الصلاة، ففي بطلان صلاته في الحال خلافٌ، وهو ضعيفٌ؛ لأن الصلاةَ إِذا بطلت بالتردُّد في الخروج، فما الظنُّ بجَزْم الخروج في ثاني الحال؟ !
* * *
٢٩٣ - فصل فيمن نوى الفرض حيث (١) لا يحصل
إِذا تحرم بالظهر قبل الزوال، أو أوقع المسبوقُ بعضَ تكبيرة الإِحرام بعد مفارقة القيام، أو صلى الفرضَ قاعدًا مع القدرة على القيام، فلا يحصل له الفرض، وهل تنعقد صلاته نفلًا؟ فيه قولان.
وكذلك لو قلب الظهرَ عصرًا، أو العصرَ ظهرًا، أو تمكن القاعدُ في الفرض من القيام، فلم يقُمْ بطلت الفريضةُ التي قَلَبها، ولا تحصل له الثانية، وفي بقاء صلاته نفلًا قولان يجريان في كل صورة يأتي فيها بما ينافي الفرضَ، ولا ينافي النفلَ، ويجوز للمفترض أن يقلبَ صلاتَه نفلًا بأسباب يأتي ذكرُها.
стр. 440
٢٩٤ - فرع:
نيَّة القدوة مع نيَّة الصلاة؛ فإن نواها بعد التكبيرة فهو منفردٌ نوى الاقتداء.
* * *
٢٩٥ - فصل في التكبير للإحرام
ولا تنعقدُ الصلاة إِلا بقوله: الله أكبر، أو الله الأكبر، فإِن أتى باسمٍ آخرَ، أو صفة غير الكبرياء؛ كقوله: الله أجلُّ أو أعظم؛ لم تنعقد صلاتُه، ولو قال: الله الجليل أكبر؛ فوجهان، ولو قال: الأكبر الله، أو أكبر الله، لم يجز على الأصحِّ، ومنع أبو محمد من إِجراء الخلاف في قوله: أكبر الله.
٢٩٦ - فرع:
لو ساوق المأمومُ إِمامَه في تكبيرة الإِحرام، أو أتى بها في أثناء تكبيرة الإمام، لم تنعقد صلاتُه.
٢٩٧ - فرع:
من أدرك ركوعَ الاِمام فليكبِّر للإِحرام قائمًا، ثم يكبِّر للركوع، فإن اقتصر على واحدة ينوي بها الإِحرامَ دون الركوع، أجزأته، وإِن نواهما أو نوى الركوع وحدَه، لم تجزه، وإن أطلق فوجهان، والمنقول عن "الأم" أنَّها لا تجزي.
* * *
стр. 441
٢٩٨ - فصل في العاجز عن لفظ التكبير
العاجز عن لفظ التكبير، وحديثُ العهد بالإِسلام إِذا لم يطاوعْه لسانُه إِلا بتمرين ومقاساة يلزمه الإِتيانُ بمعنى التكبير بلسانه، ولا يقوم ذكرٌ آخرُ مقامَه، والعاجزُ عن الفاتحة يأتي بالأذكار، وإِن أتى بمعنى الفاتحة لم يُعتدَّ به؛ لأنَّ الترجمةَ لا تحيط بلُطْف معاني اللفظ المعجز ودقائقه، ولو أبدل الفاتحةَ بتفسير آيات مشتملة على أذكار وثناء منتظم، أجزأه عند الإِمام، ولا يجزئه إِن اشتملت على الأحكام والأخبار.
٢٩٩ - فرع:
يجب على من أسلم المسارعةُ إِلى تعلُّم أركان الصلاة وشرائطها، فإِن لم يتعلَّم التكبير؛ لتقصيره، لم تصحَّ صلاته.
ومن قَطَنَ باديةً لا ماء بها، فله التيمُّم، ولا يلزمه الانتقالُ إِلى مظانِّ الماء وإن لم يلقَ بالانتقال عُسْرًا.
ومن أسلم بمكان لا يجد فيه من يعلِّمه التكبيرَ أو القراءةَ، لزمه الانتقالُ لتعلُّمهما، وقيل: لا يلزمه ذلك؛ اعتبارًا بقاطن البادية؛ إذ الأذكارُ والترجمةُ بدلٌ عن التكبير والقراءة، كما أنَّ الترابَ بدلٌ عن الماء، وهذا ضعيف.
* * *
٣٠٠ - فصل في رفع اليدين في الإحرام
السنَّة أن يرفعَ يديه مع تكبيرة الإِحرام على سجيَّتِهما منشورتي
стр. 442
الأصابع (١)، ولا يتعمَّد فيها ضمًّا ولا تفريجًا، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه رفعهما إِلى حَذْوِ منكبيه (٢)، وإِلى حذو أذنيه (٣)، وإلى شحمة أذنيه (٤)، وللشافعي في حدِّ رفعهما قولان:
أحدهما: الجمعُ بين هذه الروايات، فيحاذي بأطراف أصابعه أُذنيه، ويإِبهامَيْهِ شحمةَ أذنيه، ويظهور كفَّيْهِ منكبَيْهِ، فيتفق مذهبُه ومذهبُ أبي حنيفة.
والثاني: يرفعهما بحيث لا تجاوزُ أطرافُ أصابعه أطرافَ منكبيه، وهي رواية أبي حُميد الساعديِّ في عشرة من الصحابة (٥).
٣٠١ - وقت رفع اليدين:
وفي وقت رفعهما وخَفْضِهما ثلاثةُ أوجه:
أحدُهما: يرفعهما إِلى حدِّهما، ثم يكبرِّ، ويرسلهما مع التكبير، فتنتهيان إلى قرارهما مع انتهاء التكبير أو قريبًا منه. روى ذلك أبو حميد الساعدي (٦).
стр. 443
والثاني: يبتدئ التكبير مع الرفع، وينهيه مع وصول اليد إلى حدِّها في الرفع. روى ذلك وائلُ بن حجر (١).
والثالث: يرفعهما إِلى حدِّهما، ويكبّر، وهما قارَّتان في حدِّهما، ثمَّ يرسلُهما بعد نجاز التكبير، وهذه رواية ابن عمر (٢)، وهل هذا اختلاف أو يسوغ الأخذُ بالكل؟ فيه مذهبان.
٣٠٢ - فرع:
إِذا لم يمكنه رفعُ يديه إِلا بمجاوزة الحدِّ الذي ذكرناه، رفعهما على النصِّ مع مجاوزتهما للحدِّ.
* * *
٣٠٣ - فصل في تسوية الصفوف ووضع اليمين على اليسار
ينبغي للناس أن يسوُّوا صفوفَهم قبل تكبير الإِمام، ولا يكبِّر الإِمامُ حتى يظنَّ أنَّ الصفوفَ قد استوت، ولا يقومون إِلا بعد فراغ الإِقامة، فإذا تمَّت، أحرم الإِمامُ، ثمَّ تابعوه، وينبغي للمصلِّي أن يجعلَ يديه على صدره قابضًا بكفِّ اليمنى على كوع اليسرى؛ إِمَّا أن يقبضَ بكفِّ اليمنى على كُوع اليسرى، ويبسطَ أصابعه على عرض المَفْصِل، وإِمَّا أن يأخذَ كوعَ اليسرى من أعلاه، وينشرَ أصابعَه في صَوْب ساعده.
* * *
стр. 444
٣٠٤ - فصل في التعوّذ والاستفتاح
ينبغي أن يُعقِبَ عَقْدَ الصلاة بدُعاء الاستفتاح (١)، ثمَّ يتعوَّذ قبل الفاتحة في الركعة الأولى، وكذلك في سائر الركعات على الأصحِّ، والجديدُ أنَّه لا يجهر بالتعوُّذ في الصلوات الجهريَّة.
* * *
٣٠٥ - فصل في قراءة الفاتحة
يجب على مَنْ يحسنُ الفاتحةَ أن يقرأَها في كلِّ ركعة، والبسملةُ من القرآن في أول الفاتحة، وكذلك في أوَّل كلِّ سورة كتبت فيها على الأصحِّ، وهي آيةٌ من الفاتحة، وهل هي آية من غير الفاتحة، أو بعضُ آية؟ فيه قولان، ولا فرقَ بين الإِمام والمأموم والمنفرد، وفيه قولٌ: أنَّه إِن أسرَّ الإِمام وجبت على المأموم، وإن جهرَ سقطت عنه.
* * *
٣٠٦ - فصل في ترتيب الفاتحة وموالاتها ونسيانها
إِذا ترك الفاتحةَ أو فرَّقها أو نكَّسها، أو ترك حرفًا من حروفها أو خفَّف مشدَّدًا لم تصحَّ صلاتُه، وقيل: لا يضرُّ تفريقُها.
ولو أبدل ضادَ ﴿الضَّالِّينَ﴾ بظاء، لم يجز على الأصحِّ، وتسقط بالنسيان على القديم دون الجديد، فإِن قلنا: لا تسقط، وأوجبنا الوِلاء، فنكَّسها أو
стр. 445
فرقها ناسيًا، بطلت بالتنكيس دون التفريق، ويبطل وِلاؤُها بالسكوت الطويل، وبالذِّكر اليسير في الزمن القصير.
وإنْ أمَّنَ لتأمين إِمامه، أو سجد لتلاوته، أو سأل عند قراءته آيةَ رحمة، ففي انقطاع الوِلاء وجهان.
وإن كرَّرها أو كرَّر كلمة منها بسبب شكٍّ في ذلك، فلا بأس، وإِن كرَّر كلمةً منها لغير سبب، لم يضرَّ عند الإِمام، وتردد فيه أبو محمد.
٣٠٧ - فرع:
لو نكَّس التشهُّدَ تنكيسًا يُخِلُّ بمعناه، لم يُعتدَّ به، وإن تعمَّد ذلك بطلت صلاتُه، وإن لم يخلَّ بمعناه جاز، وقيل: على وجهين (١)، كما في قوله: الأكبر الله.
* * *
٣٠٨ - فصل في الأُمِّيِّ الذي يُحسِنُ شيئًا من القرآن
إِذا قرأ الأمِّيُّ (٢) آيةً مساويةً لحروف الفاتحة، لم تجزه، ويجزئه سبعٌ مساوية لحروفها، وفي الناقصة وجهان؛ فإِن شرطنا المساواةَ وجب الترتيبُ عند أبي محمد، فيأتي في مقابلة الأُولى بآية تساويها في الحروف أو تزيد، وكذلك إِلى آخر الفاتحة، فلو قرأ ستًّا نواقصَ عن السِّتِّ الأُوَل، ثمَّ أتى بآية
стр. 446
تكمل حروفَ الفاتحة أو تزيد، لم يجزه، وإِن لم يحسن إلا القِصارَ قابل الآية بالآيتين.
وقال الإِمام: لا يشترط ما ذكره أبو محمد، ولا تجزئه سبعٌ متفرِّقات إِلا إِذا عَجَز (١) عن المتواليات، فإِن كانت آحادًا متفرقات لا تفيدُ معنىً منظومًا، كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، فينبغي أن لا يجزئه ويُردَّ إِلى الأذكار، وإِن لم يحسن إِلا آيةً، فهل يلزمه تكرارُها سبعًا، أو يأتي بها مرَّة، وبالذكر بدلًا عمَّا بقي؟ فيه وجهان، ولا يلزمه الجمعُ بين التكرار والذكر.
* * *
٣٠٩ - فصل فيمن يحسنُ بعضَ الفاتحة
وعلى من يعرف بعضَ الفاتحة أن يأتيَ بما عرفه، وبالذكر بدلًا عما جهله، ويلزمه الترتيبُ اتفاقًا، فإن عرف النصفَ الأخيرَ، بدأ بالذكر، ثم أتى بما يعرفه، وإن عرف النصفَ الأول قدَّمه، ثم عقبه بالذكر.
٣١٠ - فرع:
إِذا عرف آيةً من الفاتحة، فهل يكفيه تكرُارها، أو يأتي بها وبسِتّ آيات من غيرِها؟ فيه وجهان؟ فإن قلنا: يكفيه التكرار، فكان يحسن آيتين، احتمل أن يكفيَه تكريرُهما أربعَ مرات.
* * *
стр. 447
٣١١ - فصل في الأمِّيِّ الذي لا يحسن شيئًا من القرآن
وعلى من لا يحسنُ شيئًا من القرآن أن يأتيَ بالأذكار، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنَّه علَّم أعرابيًّا لا يحسنُ شيئًا من القرآن أن يقولَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إِلا بالله (١).
وفي تَعيُّن هذه الأذكار وجهان ذكرهما العراقيون، ولا يتعيَّن عندنا، بل يلزمُه أن يأتيَ بأذكار عربية - إِن عرف العربيةَ - مساويةٍ لحروف الفاتحة، ويجزئه التسبيحُ والتهليل، فإِن اقتصر على الدعاء، ففيه احتمالٌ عند أبي محمَّد، وقال الإمام: الأشبهُ الإِجزاء فيما يتعلَّق بأمور الآخرة دون مآرب الدنيا.
قلت: لا وجهَ لإِقامة الدعاء مقامَ الثناء، والاختيار تعيُّن ما علَّمه رسولُ الله ﷺ للأعرابيِّ.
* * *
٣١٢ - فصل في تعلُّم الفاتحة في أثناء الصلاة
إِذا تعلَّم الفاتحةَ في الركوع، أجزأته ركعتهُ، وإن تعلَّمها قبل الشروع في البدل، لزمه قراءتُها، وفيما بعد البدل وقبل الركوع وجهان، وإن تعلَّمها في أثناء البدل، لزمته على الأصحِّ، وقيل: لا تلزمه، كما لو وجد المكفِّرُ الرقبةَ بعد الشروع في الصوم، ولا يصحُّ هذا الإِطلاق، بل إِن أتى بنصف البدل ثمَّ تعلَّمها لزمه قراءةُ نصفها الآخرِ وجهًا واحدًا، وفي نصفها الأوَّل الخلافُ.
стр. 448
٣١٣ - فرع:
إِذا قصد إِبدالَ الفاتحة بدعاء الاستفتاح، أجزأه، وإِن قصد إِيقاعَه مسنونًا كما شُرع، لم يجزه، وإِن أتى بذكر سوى الاستفتاح، ولم يقصد البدل، ففيه تردُّد لصاحب "التقريب".
٣١٤ - فرع:
لا تبطل الصلاةُ بتكرير الفاتحة في القيام، ومن ألحق تكريرَها بتكرير الركوع فقد أبعد؛ لأنَّ تكريرَ الركوع يخلُّ بنَظْم الصلاة؛ بخلاف تكرير القراءة.
٣١٥ - فرع:
نقل عن الشافعيِّ أنَّه ألزم الأخرسَ بتحريك لسانه بدلًا عن تحريكه بالقراءة، كما في الاِيماء بالركوع، واستبعده الإِمامُ، وألزم عليه إِيجابَ التصويت، فإِنه أقربُ إِلى القراءة، وألحق التحريكَ الكثيرَ بالأفعال الكثيرة.
٣١٦ - فرع:
لو نوى قطعَ القراءة مع استمراره عليها، فلا أثرَ لنيَّته، بخلاف ما لو نوى قطعَ الصلاة.
* * *
٣١٧ - فصل في التأمين
التامينُ عَقيبَ الفاتحة مسنونٌ للإِمام والمأموم والمنفرد، وفيه لغتان: المدُّ والقَصْر، ويؤمِّن المأمومُ تبعًا للإِمام، وإِن لم يكن عَقيبَ فراغه من
стр. 449
الفاتحة، قال أبو محمَّد: لا تُستحبّ مساوقةُ (١) الإِمام إِلَّا في التأمين، ويجهر به الإِمام على حدِّ جهره بالقراءة، واختلف نصُّه في المأموم، فأطلق الجمهورُ قولين:
أحدهما: لا يجهر كسائر أذكار الصلاة.
والثاني: يجهر؛ لمتابعته، كما يؤمِّن لمتابعته.
وقال العراقيون: يجهر إِن لم يجهر الإِمام، وإِن جهر الإِمام، فقولان.
وقيل: إِن بلغهم صوتُ الإِمام؛ لقربهم منه، أو لصِغر المسجد، لم يجهروا، وإِن كَبُر المسجد ولم يبلغهم صوتُه، جهروا بأجمعهم؛ تنزيلًا للنصَّين على هاتين الحالين.
* * *
٣١٨ - فصل في قراءة السورة
قراءة السورة بعد الفاتحة سنَّةٌ للإِمام والمنفرد في الصبح والأُولَيين من غيرها، وفيما زاد على الأوليين قولان:
الجديدُ: أنه يقرأ قراءة أخفَّ من قراءة الأوليين، ولا يقرؤها المأموم إِن سمع قراءةَ الإِمام، وإِن لم يسمعها، أو اقتدى في السرِّيَّة، قرأها على الأقيس، وحجَّة من لا يقرؤها: قولُه ﵇: "إِذا كنتم خلفي، فلا تقرؤوا إِلا بفاتحة الكتاب (٢) ".
стр. 450
قال أبو محمَّد: كان لرسول الله ﷺ سكتة بين الفاتحة والسورة، فينبغي للمأموم أن يقرأَ الفاتحة في سكتة الإِمام (١).
٣١٩ - فرع:
لو قدَّم السورةَ على الفاتحة، أجزأته الفاتحةُ، وفي السورة وجهان.
* * *
٣٢٠ - فصل في القيام
القيام بقدر الفاتحة ركنٌ في الفرائض بشرط الانتصاب التامّ، فلو ثنى شيئًا من فقاره أو حَقْوه (٢)، لم يجزه، ولا بأس بإِطراق الرأس.
٣٢١ - فرع:
لو مدَّ القيام بعد الفاتحة، فالزائدُ على الفاتحة سنَّة، وذكر أبو علي فيه وفي استيعاب الرأس بالمسح في الوضوء وجهين، وهذا باطل؛ لأنَّ ما جاز
стр. 451
تركُه لا يتَّصف بكونه فرضًا، ولا يتجه ذلك في المسح إِلا أن يقعَ دُفعةً، ولا فيما زاد على قدر الفاتحة إِلا أن يخلوَ عنها أوَّلُ القيام، فمحلُّها فرض، وفيما تقدَّمها احتمال من جهة أنَّه لا يجوزُ تركه، بخلاف ما بعدها.
٣٢٢ - فرع:
لو انحنى ولم يبلغ حدَّ الركوع، فلا يُعتدُّ بما يقرؤه في مفارقة الاعتدال، فإِن لم يقرأ شيئًا، وفعل ذلك مرَّة واحدةً، بطلت صلاتُه عند الإِمام؛ لما في ذلك من تكرير القيام، وألحقه أبو محمَّد بالأفعال فإِنْ قلَّ، لم يضرَّ، وإن كثر مع العمد، أفسد.
* * *
٣٢٣ - فصل في بيان أقلِّ الركوع
أقلُّه أن ينحنيَ إِلى حدٍّ تنال راحتاه ركبتيه، فإِن وصل إِلى هذا الحدِّ بالانحباس، أو بالانحناء والانحباس لم يجزه، ولابدَّ من الطمأنينة فيه، وحدُّها أن يفصلَ منتهى هُوِيِّه عن حركة ارتفاعه ولو بلحظة، ولو جاوز أقلَّ الحدِّ مع تواصل الحركة ليحسبَ ذلك عن الطمأنينة، لم يجز.
* * *
٣٢٤ - فصل في بيان أكمل الركوع
ينبغي أن ينصبَ قدميه من مقرِّهما إِلى حَقْوَيْه، ويَخْنِسَ ركبتيه إِلى وراء، ولا يثنيهما، ويمدَّ ظهره وعنقه على استواء؛ بحيث يقف عليه الماء، ويضمَّ راحتيه على ركبتيه، وأصابعَه نحوَ القبلة على جِبلَّتها في التفريج،
стр. 452
ويجافيَ مرفقيه عن جنبيه، ولا يجاوز الاستواءَ في الانحناء.
٣٢٥ - أذكارُ الركوع:
ويكبِّر مع ابتداء الهُوِيِّ، وهل يبسط التكبير على هُوِيِّه، أو يحذفه مخافة تغييره؟ فيه قولان يجريان في تكبيرات الانتقالات.
ويقول في انتهائه إلى الركوع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وكان رسولُ الله ﷺ يقول: "اللهمَّ لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وأنت ربِّي، خشع سمعي وبصري ومُخِّي وعَظْمي وعصبي، وما استقلَّ به قدمي لله ربِّ العالمين" (١)، فإن جمع بين هذا وبين التسبيح، فحسنٌ، وإِن اقتصر، فالتسبيحُ أولى وأشهر.
قال أبو محمَّد: لا يزيدُ الإِمامُ على الثلاث، وكلَّما زاد المنفردُ فَحَسَنٌ.
والسنَّة أن يرفعَ يديه عند الركوع والرفع منه، فيرفعُهما مع ابتداء الهُويَّ، ويخفضُهما مع الهُويِّ حتى ينتهيَ إِلى الركوع، وقَدْ انتهيا إِلى ركبتيه، وكذلك يرفعُهما مع ابتداء الارتفاع، فيرتفعُ وقد انتهتا إِلى حدَّهما، ثمَّ يخفِضُهما بعد الاعتدال.
* * *
стр. 453
٣٢٦ - فصل في الاعتدال عن الركوع
ويقول في الرفع من الركوع: (سمع الله لمن حمده، ربَّنا لك الحمدُ)؛ إِمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، ولا يزيدُ الإِمامُ على ذلك، ويقول غيره: (ربَّنا لك الحمد ملءَ السموات، وملء الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجْدِ، أحقُّ ما قال العبد كلُّنا لك عبد: لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ) (١).
والطمأنينة واجبةٌ في الاعتدال عن الركوع والسجود، ويحتمل أن لا تجب، ولاسيَّما إِذا جعلنا الاعتدالَ ركنًا قصيرًا، ولم يتعرَّض النبيُّ ﷺ لذِكرها للأعرابي الذي علَّمه الصلاة (٢)، ولم يذكرها الصيدلانيُّ.
قلتُ: صحَّ أنَّ رسولَ الله أمر بها الأعرابيَّ في الاعتدال عن السجود (٣).
* * *
٣٢٧ - فصل في السجود
ثمَّ يهوي ساجدًا، فأوَّل ما يضع ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهتهُ وأنفُه.
стр. 454
وأقلُّ السجود: أن يضعَ من جبهته أدنى ما ينطلق عليه الاسمُ مكشوفًا.
وفي وضع اليدين والركبتين وأطراف أصابعِ الرِّجلين قولان، وقيل: لا يجب وضعُ الركبتين والقدمين قولًا واحدًا، فإن أوجبنا ذلك، فلا يجبُ كشفُ شيء من الركبتين والقدمين، وفي كشف ما ينطلق عليه الاسمُ من اليدين قولان، ويجب أن يلقيَ جبهتَه على الأرض ويُرْخيها، فلو أمسَّها الأرضَ مع إِقلالها، لم يجزه، ولا يلزمه أن يتحاملَ على الأرض تحاملًا يَظهر أثرُه، فإِن سجد على مَحْشُوٍّ وَثيرٍ، فقد ألزمه أبو محمَّد أن يتحاملَ عليه تحاملًا يظهر أثرُه على يد لو فُرضت تحت ذلك المحشوِّ، واكتفى الإِمامُ بإِرخاء الرأس وإلقائه.
ولو اقتصر بالسجود على أنفه، أو طُرَّته، أو كَوْر عمامته، أو سجد على كمِّه، أو ذيله المتحرِّك بارتفاعه وانخفاضه، لم يجزه، وإِن طَوَّل كُمَّه أو ذيله بحيث لا يتحرك بحركته، وسجد عليه، أجزأه.
ولو سجد على ذيل إِنسان أو ظهره، وهو في انخفاض لا يغير هيئةَ السجود، أجزأه ذلك بشرط أن تكونَ قدماه على الأرض.
وإن سجد متنكِّسًا على وسادة أو غيرها، جاز.
وإن ارتفعت أعاليه، وانخفضت أسافلُه، لم يجز، وإِن استوت أسافلُه وأعاليه، ففيه تردُّد.
ولو انخنس ووضع رأسَه قريبًا من ركبتيه، لم يجز، وإِن عجز عن التنكُّس والاستواء، فهل يلزمه أن يضعَ وسادةً؛ ليسجدَ عليها، أو يكفيه
стр. 455
الإِيماء برأسه إِلى حدِّ الإِمكان؟ فيه وجهان.
* * *
٣٢٨ - فصل في بيان أكمل السجود
ويُستحبُّ للرجل التَّخْويةُ في السجود؛ بتفريق رُكبتيه، وإقلال بطنه عن فخذيه، ومجافاة مرفقيه عن جنبيه، بحيث تُرى عُفْرةُ إِبطيه.
وتُضادُّه المرأةُ في ذلك، فتضمُّ رجليها، وتلصق بطنَها بفخذيها.
ويضعُ يديه على حدِّهما في الرفع منشورتي الأصابع، مستقبلًا برؤوسها القبلةَ، ولا يؤمر بضمِّ الأصابع إِلا في السجود، وظاهر النصِّ أنه يضعُ أطرافَ أصابع رجليه على الأرض، ونقل المزنيُّ أنه يستقبل بها القبلةَ، وهذا يقتضي أن يتحاملَ عليها؛ لتتوجَّه رؤوسُها إِلى القبلة، والأصحُّ أنَّه لا يفعل ذلك، بل يضعها من غير تحامُل، ويقول: (سبحان ربِّيَ الأعلى) ثلاثًا، ويقتصرُ عليها إن كان إِمامًا.
٣٢٩ - الاعتدالُ عن السجود:
فرضٌ مع الطمأنينة، وينبغي أن يضعَ يديه منشورتي الأصابع على ما يتصل بركبتيه من فخذيه، ولا بأس بأن يعطفَ أطرافَ أصابعه على ركبتيه، ولو وضعهما على الأرض من جانبيه، فهو كإرسالهما في القيام، ويقول في جلوسه: (ربِّ اغفر لي واجبرني، وعافني وارزقني) (١)، ثم يسجد سجدةً
стр. 456
أخرى كذلك، ثم يرفع؛ فإِن كان بعد السجدة قيامٌ، فالسنَّة أن يجلسَ جلسة خفيفة للاستراحة، ولا يُسنُّ في هذه الجلسة ذكرٌ مخصوص. وهل يُكَبِّر لجلسته دون قيامه، أو لقيامه دون جلسته؟ فيه وجهان، وإِذا قام فليقم معتمدًا على يديه.
* * *
٣٣٠ - فصل فيمن هوى؛ ليسجدَ، فسقط غيرَ مختار لذلك إِذا هوى ليسجدَ، فسقط على هيئة السجود، أجزأه ذلك نصًّا من الشافعيِّ، واتِّفاقًا من أصحابه، فإِن سقط على جنب، فاستدَّ ساجدًا؛ فإن قصد باستداده السجودَ، أو لم يقصد شيئًا، أجزأه، وإِنْ قصد به الاستقامةَ؛ فإن صرف فعلَه عن الصلاة مع ذكرها، بطلت صلاتُه، وإن لم يصرفه عن الصلاة، بل غفَل عنها، فلا تبطل، ولا يجزئه ذلك عن السجود، وأبعد من قال بإجزائه .
وهذا مطَّرد في كلِّ مَن أتى بركن من العبادة؛ إِن نوى العبادةَ أو أطلق، أجزأه، وإِن صرفه عن العبادة مع ذكرها، لم يصحَّ، وإن صرفه غافلًا، لم يجزه على النصِّ، وفيه الوجهُ الضعيف؛ فلو نوى المتوضئ في أثناء طهارته تبرُّدًا، أو طاف الناسكُ في وقت الإفاضة طالبًا لعزيمة، فلا يجزئهما إِنْ صرفاه عن العبادة مع ذكرها، وكذلك إنْ غفلا على الأصحِّ.
٣٣١ - التفريع:
إِن قلنا: لا يُعتدُّ بسجود الغافل، فاستدامَ ما هو عليه من صورة السجود، فلا يُعتدُّ له بذلك؛ لأنَّه لم يصحَّ أوَّلُه، ثمَّ يحتمل أن يقومَ ليسجد عن قيام،
стр. 457
والأظهر أنَّه يقعدُ ليسجد عن القعود؛ فإِن الشرعَ قد اكتفى بالقعود فَصْلًا بين السجدتين، فعلى هذا: لو قام ليسجدَ بطلت صلاتُه، وفي هذه المسألة إِشكال من جهة أنَّه إذا سقط على وجهه على هيئة السجود، فقد وقع سجودُه وهُوِيُّه إِليه ضرويًّا، ومن شرط الفعل المأمور به أن يكون فعلًا للمكلَّف داخلًا تحت اختياره، وقد تقدَّم أنَّ استدامةَ السجود لا تكفي؛ فلهذا الإِشكال ذهب الإِمامُ إِلى أنَّه لا يُعتدُّ بسجوده إِلا أن يعتدلَ ثم يسجد، وتأوَّل النصَّ بما لو سقط على جنب، ثمَّ استدَّ واستقام، ولا يصح تأويلُه؛ لما فيه من إِبطال أحد الأقسام التي ذكرها الشافعيُّ.
ويمكن تعليلُ ذلك بأنَ السقوطَ لما كان مسبَّبًا عن ابتداء الهُوِيِّ، صحَّ التكليفُ به؛ لأنَّ ما كان سببه داخلًا تحت الاختيار، صحَّ التكليفُ به وإِن كان ضروريًّا في نفسه؛ كما في التكليف بمعرفة الله، وكما في إِثمه بسراية الجرح إِلى النفس وإن كانت السرايةُ ضرورية لمَّا كان سببها داخلًا تحت الاختيار.
* * *
٣٣٢ - فصل في التشهد الأوَّل والأخير
الافتراشُ سنَّة في التشهد الأول، وفي القَعدة بين السجدتين.
وصفته: أن يفرش رِجلَه اليُسرى، ويجلسَ عليها، وظهرُ قدمها إِلى القبلة، وينصِبَ اليمنى مع نصب أطراف أصابعها على الأرض.
والتورك سنَّة في التشهُّد الأخير.
وصفته: أن يضعَ رجليه على هذه الهيئة، ثم يخرجَهما من جهة يمينه،
стр. 458
ويمكِّنَ وَرِكَه ومقعدتَه من الأرض.
ويضع يدَه اليسرى في التشهُّدين على فَخِذه اليسرى مُسامتًا بأطراف أصابعها الركبةَ، وينشر أصابعَها مع الاقتصاد في التفريج، ويقبض (١) الخنصرَ والبنصر والوسطى من اليمنى، ويرسل المسبِّحة، وفي الإبهام أربعةُ أوجه:
أحدها: يضمُّها إِلى الوسطى؛ كعاقدِ ثلاثٍ وعشرين.
والثاني: كعاقدِ ثلاث وخمسين (٢).
والثالث: يُطْلِقُها، كعاقدِ ثلاثةٍ (٣).
والرابع: يُحَلِّقها مع الوسطى.
فإذا انتهى إِلى التوحيد، رفعَ المسَبِّحةَ مع الهمزة من قوله: (إِلا الله)، وفي استحباب تحريكها وجهان.
٣٣٣ - فرع:
إِذا أدرك المسبوقُ التشهُّد الأخيرَ، جلس مفترِشًا، وغلِط من قال: يتورَّك متابعةً؛ إذ لا متابعةَ في الهيئات.
стр. 459
ولو كان على الإِمام سجودُ سهو، افترش في تشهُّده الأخير، وقيل: يتورَّك.
٣٣٤ - فرع [في] (١) الصلاة على الرسول ﷺ في التشهّدين:
التشهد الأوَّل سنَّة مؤكَّدة، والثاني مفروض، وكذلك الصلاةُ على النبيِّ فيه، وفي آله قولان، وهل تُشرعُ الصلاة على النبيِّ في التشهُّد الأوَّل؟ فيه قولان، وأمَّا الصلاة على آله: فلا تشرع في الأوَّل إِن لم نوجبها في الأخير، وإن أوجبناها فقولان.
٣٣٥ - صفة التشهُّد:
وأكمله أن يقول: التحيَّات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وذكر العراقيُّون في الأفضل طريقين ردَّهما المراوزةُ: إِحداهما كالذي ذكرناه إِلا أنَّه يقول: (وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله) بإِسقاط لفظ الشهادة، ويسقط لفظَ الشهادة في الطريقة الثانية، فيقول: (وأنَّ محمَّدًا رسول الله)، ويزيد الألف واللام في (السلام عليك أيُّها النبيُّ، السلام علينا).
٣٣٦ - أقل التشهد عند الشافعي:
(التحيَّات لله، سلامٌ عليك أيُّها النبي، ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أنَّ لا إِله إِلا الله وأشهد أن محمَّدًا رسول الله).
стр. 460
وحكى عنه العراقيون (١): (وأنَّ محمَّدًا رسول الله).
وقال ابن سُريج: أقلُّه: (التحيَّات لله، سلام عليك أيُّها النبي، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إلا الله، وأنّ محمَّدًا رسولُ الله).
وقيل عن ابن سريج: سلامٌ على عباد الله، لا غير.
٣٣٧ - الأكمل في الصلاة على النبيِّ أن يقول: (اللهمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صلَّيت على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم، وبارِك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إِبراهيم [وعلى آل إِبراهيم] (٢)، إِنَّك حميد مجيد).
قال أبو بكر: ويُسلِّم الإِمام عَقيبَ الصلاة من غير دعاء. ولم يوجد هذا لغيره، وإِن أراد الدعاءَ فليكن أقلَّ من التشهُّد، ويدعو المنفرد بما شاء، وإِن زاد على التشهُّد فلا بأسَ.
* * *
٣٣٨ - فصل في السلام
تحليل الصلاة بالتسليم، فلا يقوم غيرُه مقامَه، وأقلُّه: (السلام عليكم) مرَّةً.
ولو قال: (سلام عليكم) فوجهان، ولو قال: (عليكم السلام)، أو قال: (الأكبر الله) فثلاثةُ أوجه، يجزئه في الثالثِ التسليمُ دونَ التكبير، وهو