أخرى كذلك، ثم يرفع؛ فإِن كان بعد السجدة قيامٌ، فالسنَّة أن يجلسَ جلسة خفيفة للاستراحة، ولا يُسنُّ في هذه الجلسة ذكرٌ مخصوص. وهل يُكَبِّر لجلسته دون قيامه، أو لقيامه دون جلسته؟ فيه وجهان، وإِذا قام فليقم معتمدًا على يديه.
* * *
٣٣٠ - فصل فيمن هوى؛ ليسجدَ، فسقط غيرَ مختار لذلك إِذا هوى ليسجدَ، فسقط على هيئة السجود، أجزأه ذلك نصًّا من الشافعيِّ، واتِّفاقًا من أصحابه، فإِن سقط على جنب، فاستدَّ ساجدًا؛ فإن قصد باستداده السجودَ، أو لم يقصد شيئًا، أجزأه، وإِنْ قصد به الاستقامةَ؛ فإن صرف فعلَه عن الصلاة مع ذكرها، بطلت صلاتُه، وإن لم يصرفه عن الصلاة، بل غفَل عنها، فلا تبطل، ولا يجزئه ذلك عن السجود، وأبعد من قال بإجزائه .
وهذا مطَّرد في كلِّ مَن أتى بركن من العبادة؛ إِن نوى العبادةَ أو أطلق، أجزأه، وإِن صرفه عن العبادة مع ذكرها، لم يصحَّ، وإن صرفه غافلًا، لم يجزه على النصِّ، وفيه الوجهُ الضعيف؛ فلو نوى المتوضئ في أثناء طهارته تبرُّدًا، أو طاف الناسكُ في وقت الإفاضة طالبًا لعزيمة، فلا يجزئهما إِنْ صرفاه عن العبادة مع ذكرها، وكذلك إنْ غفلا على الأصحِّ.
٣٣١ - التفريع:
إِن قلنا: لا يُعتدُّ بسجود الغافل، فاستدامَ ما هو عليه من صورة السجود، فلا يُعتدُّ له بذلك؛ لأنَّه لم يصحَّ أوَّلُه، ثمَّ يحتمل أن يقومَ ليسجد عن قيام،
стр. 457
والأظهر أنَّه يقعدُ ليسجد عن القعود؛ فإِن الشرعَ قد اكتفى بالقعود فَصْلًا بين السجدتين، فعلى هذا: لو قام ليسجدَ بطلت صلاتُه، وفي هذه المسألة إِشكال من جهة أنَّه إذا سقط على وجهه على هيئة السجود، فقد وقع سجودُه وهُوِيُّه إِليه ضرويًّا، ومن شرط الفعل المأمور به أن يكون فعلًا للمكلَّف داخلًا تحت اختياره، وقد تقدَّم أنَّ استدامةَ السجود لا تكفي؛ فلهذا الإِشكال ذهب الإِمامُ إِلى أنَّه لا يُعتدُّ بسجوده إِلا أن يعتدلَ ثم يسجد، وتأوَّل النصَّ بما لو سقط على جنب، ثمَّ استدَّ واستقام، ولا يصح تأويلُه؛ لما فيه من إِبطال أحد الأقسام التي ذكرها الشافعيُّ.
ويمكن تعليلُ ذلك بأنَ السقوطَ لما كان مسبَّبًا عن ابتداء الهُوِيِّ، صحَّ التكليفُ به؛ لأنَّ ما كان سببه داخلًا تحت الاختيار، صحَّ التكليفُ به وإِن كان ضروريًّا في نفسه؛ كما في التكليف بمعرفة الله، وكما في إِثمه بسراية الجرح إِلى النفس وإن كانت السرايةُ ضرورية لمَّا كان سببها داخلًا تحت الاختيار.
* * *
٣٣٢ - فصل في التشهد الأوَّل والأخير
الافتراشُ سنَّة في التشهد الأول، وفي القَعدة بين السجدتين.
وصفته: أن يفرش رِجلَه اليُسرى، ويجلسَ عليها، وظهرُ قدمها إِلى القبلة، وينصِبَ اليمنى مع نصب أطراف أصابعها على الأرض.
والتورك سنَّة في التشهُّد الأخير.
وصفته: أن يضعَ رجليه على هذه الهيئة، ثم يخرجَهما من جهة يمينه،
стр. 458
ويمكِّنَ وَرِكَه ومقعدتَه من الأرض.
ويضع يدَه اليسرى في التشهُّدين على فَخِذه اليسرى مُسامتًا بأطراف أصابعها الركبةَ، وينشر أصابعَها مع الاقتصاد في التفريج، ويقبض (١) الخنصرَ والبنصر والوسطى من اليمنى، ويرسل المسبِّحة، وفي الإبهام أربعةُ أوجه:
أحدها: يضمُّها إِلى الوسطى؛ كعاقدِ ثلاثٍ وعشرين.
والثاني: كعاقدِ ثلاث وخمسين (٢).
والثالث: يُطْلِقُها، كعاقدِ ثلاثةٍ (٣).
والرابع: يُحَلِّقها مع الوسطى.
فإذا انتهى إِلى التوحيد، رفعَ المسَبِّحةَ مع الهمزة من قوله: (إِلا الله)، وفي استحباب تحريكها وجهان.
٣٣٣ - فرع:
إِذا أدرك المسبوقُ التشهُّد الأخيرَ، جلس مفترِشًا، وغلِط من قال: يتورَّك متابعةً؛ إذ لا متابعةَ في الهيئات.
стр. 459
ولو كان على الإِمام سجودُ سهو، افترش في تشهُّده الأخير، وقيل: يتورَّك.
٣٣٤ - فرع [في] (١) الصلاة على الرسول ﷺ في التشهّدين:
التشهد الأوَّل سنَّة مؤكَّدة، والثاني مفروض، وكذلك الصلاةُ على النبيِّ فيه، وفي آله قولان، وهل تُشرعُ الصلاة على النبيِّ في التشهُّد الأوَّل؟ فيه قولان، وأمَّا الصلاة على آله: فلا تشرع في الأوَّل إِن لم نوجبها في الأخير، وإن أوجبناها فقولان.
٣٣٥ - صفة التشهُّد:
وأكمله أن يقول: التحيَّات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وذكر العراقيُّون في الأفضل طريقين ردَّهما المراوزةُ: إِحداهما كالذي ذكرناه إِلا أنَّه يقول: (وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله) بإِسقاط لفظ الشهادة، ويسقط لفظَ الشهادة في الطريقة الثانية، فيقول: (وأنَّ محمَّدًا رسول الله)، ويزيد الألف واللام في (السلام عليك أيُّها النبيُّ، السلام علينا).
٣٣٦ - أقل التشهد عند الشافعي:
(التحيَّات لله، سلامٌ عليك أيُّها النبي، ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أنَّ لا إِله إِلا الله وأشهد أن محمَّدًا رسول الله).
стр. 460
وحكى عنه العراقيون (١): (وأنَّ محمَّدًا رسول الله).
وقال ابن سُريج: أقلُّه: (التحيَّات لله، سلام عليك أيُّها النبي، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إلا الله، وأنّ محمَّدًا رسولُ الله).
وقيل عن ابن سريج: سلامٌ على عباد الله، لا غير.
٣٣٧ - الأكمل في الصلاة على النبيِّ أن يقول: (اللهمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صلَّيت على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم، وبارِك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إِبراهيم [وعلى آل إِبراهيم] (٢)، إِنَّك حميد مجيد).
قال أبو بكر: ويُسلِّم الإِمام عَقيبَ الصلاة من غير دعاء. ولم يوجد هذا لغيره، وإِن أراد الدعاءَ فليكن أقلَّ من التشهُّد، ويدعو المنفرد بما شاء، وإِن زاد على التشهُّد فلا بأسَ.
* * *
٣٣٨ - فصل في السلام
تحليل الصلاة بالتسليم، فلا يقوم غيرُه مقامَه، وأقلُّه: (السلام عليكم) مرَّةً.
ولو قال: (سلام عليكم) فوجهان، ولو قال: (عليكم السلام)، أو قال: (الأكبر الله) فثلاثةُ أوجه، يجزئه في الثالثِ التسليمُ دونَ التكبير، وهو
стр. 461
ظاهر النصِّ، ولا تجب نيَّةُ الخروج عند الأكثرين، فإِن أوجبناها، فلا يشترط فيها تعيينُ الصلاة.
ويجب أن تُقرَن (١) بالسلام اتفاقًا، فإِن تقدَّمت على السلام بطلت الصلاةُ إِلا أن ينويَ قبل السلام أن يخرجَ عند السلام، وهل تُقرن النيَّة بلفظة (السلام)، أو بقوله: (عليكم)؛ لأنه الخطاب؟ فيه احتمال.
٣٣٩ - الأكمل في السلام:
فيه ثلاثة أقوال:
أحدُها: تسليمةٌ واحدة تلقاء وجهه.
والثاني وهو المشهور: تسليمتان، وعليه العمل.
والثالث: واحدة للمأموم والمنفرد، وأمَّا الإِمامُ: فواحدة إِن قلَّ الجمعُ، وإِن كثر فاثنتان.
ويُستحبُّ أن يلتفتَ في الأولى عن يمينه، وفي الثانية عن يساره، قال الشافعيُّ: حتى يُرَى خدَّاه، يعني من كلِّ جانب خدًّا، وأبعَدَ من قال: حتى يُرى خدَّاه من كل جانب، ويقول في كلِّ تسليمة: السلام عليكم ورحمة الله، وينوي بذلك مَنْ عَنْ يمينهِ ويساره من الجنِّ والإِنس والملائكة، وينوي مَنْ عن يمينه ويسارِه الردَّ عليه إِذا التفتوا إِليه.
والتسليمةُ الثانية سنَّة تابعةٌ للصلاة؛ لو (٢) أحدث فيها، لم تبطل صلاتُه،
стр. 462
وينبغي للإِمام أن لا يمكثَ بعد السلام، بل يَثِبُ مقبلًا على الناس بوجهه، وهل يُقبِل بشقِّه الأيمن أو الأيسر؟ فيه خلاف (١).
ثم ينصرف من أيِّ جهة شاء، فإن استوت الجهات، فالتيامنُ محبوب في كلِّ شيء.
وينبغي للنساء أن يبتدِرْن الانصرافَ؛ لئلا يختلِطْنَ بالرجال، ويتأخَّر الإِمام مع الرجال إِلى أن ينصرفن.
* * *
٣٤٠ - فصل في القنوت في الصُّبْح
السنَّة أن يقنُتَ في اعتدال الركعة الأخيرة من صلاة الصبح، والأظهر أنّ الجهرَ به أَوْلى من إِسراره، فإِذا سمعه المأمومُ أمَّن، وإِن لم يسمعه، فهل يقنت أو يؤمِّن؟ فيه وجهان، وإِن قلنا: لا يجهر به، قنت المأمومُ وجهًا واحدًا.
والقنوتُ أن يقول: اللهمَّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وَقِني شرَّ ما قضيت، إِنَّك تقضي ولا يقضى عليك، ولا يذِلُّ مَن وَالَيت، تباركت وتعاليت.
وقطع الإِمامُ بتعيُّن ذلك؛ اعتبارًا بالتشهُّد، وكان أبو محمَّد يرفعُ يديه في القنوت، فإذا فرغ صلَّى على النبيِّ، ومسح بهما وجهَه، ولا يثبت شيء من ذلك، وامتنع كثير من أصحابنا من رفع اليدين، كسائر دعوات الصلاة،
стр. 463
وإذا صلى على النبيِّ، فقد نقل ركنًا عن محلِّه.
٣٤١ - فرع:
إِذا نزَل بالمسلمين نازلةٌ، فلهم أن يقنتوا في الخمس، وإن لم تنزِل، فقولان، وقال أبو محمَّد: لا قنوتَ إِن لم تنزل، وإن نزلت، فقولان.
قال الإِمام: وليس هذا القنوتُ من الأبعاض التي يتعلَّق بها سجودُ السهو.
* * *
٣٤٢ - فصل في ترتيب قضاء الفوائت
ولا ترتيبَ في قضاء الفوائت، ولا في مؤدَّاة وفائتة، ويُستحبُّ ترتيبُهما إِلا أن يخشى فواتَ المؤدَّاة، فيجب تقديمها.
٣٤٣ - صلاةُ المرأة كصلاة الرجل إِلا أنَّها لا تُخَوِّي، ولا تسبِّح لما ينوبُ الاِمامَ، بل تُصفِّق بإِحدى كفَّيها على ظهر الأخرى .
* * *
٣٤٤ - [فصل] فيما يجب ستره في الصلاة
عورةُ الرجل: ما بين سرَّته وركبته، وليست السرَّة والركبة بعورة (١)، وأبعد مَن جعلهما من العورة.
وعورة الحرَّة في حقِّ الصلاة جميعُ بدنها إِلا الوجهَ والكفين إِلى
стр. 464
الكوعين ظهرًا وبطنًا، وفي أخمص قدمها وجهان (١)، فلو بدت شعرةٌ من غير ذلك بطلت صلاتُها، وما بين سرَّة الأمة وركبتها عورةٌ، وما يظهر منها في المهنة؛ كالرقبة، والساعد، وأطراف الساق، والرأس. فليس بعورة، وفيما وراء ذلك وجهان.
* * *
٣٤٥ - فصل فيما يحصل به الستر
ويحصل الاستتارُ بكلِّ ما لا يظهر معه لونُ البشرة، ولا يضرُّ أن يتراءى حجم أعضائه من وراء الساتر، وكذلك لو اطَّلَى بطين، كفاه اتِّفاقًا، وإن كان قادرًا على التستُّر بالثياب، وإن قدَر العاري على تحصيل طين يَطَّلي به، ففي وجوب ذلك وجهان.
وفي هذا إِشكالٌ من جهة أنَّ من طيَّن عورتَه يُعدُّ متهتِّكًا في العُرف، ولا سيَّما إِن كان امرأةً.
ويجب التسترُ في الصلاة في الخَلْوة وغير الخلوة، ولو تكشَّف في غير الصلاة خاليًا لحاجة، جاز، ولا يجوزُ لغير حاجة عند أبي علي، وأجازه أبو محمَّد، ولا يجب الستر إِلا من الجوانب ومن فوق، دون أسفل الذَّيل والإِزار، فلو صلَّى على طرف سطح بحيث تُرى عورتُه من تحت السطح، صحَّت صلاتُه، وحَرَّمَ الإِمامُ ذلك إِذا كان على شارع مطروق؛ لأنه يُعدُّ متهتِّكًا.
стр. 465
٣٤٦ - فرع:
لو صلَّى في قميص مشدود الإزار (١) جاز، وإِن كان مفتوحًا تبدو منه عورتُه لو ركع أو سجد، انعقدت صلاتهُ على المذهب، فإِذا بدت عورتُه بطلت صلاتُه، فإِن استتر موضع الإزار (٢) بلحيته، أو وضع يده على خَرْق في ثوبه، صحَّت صلاتُه، وأبعد من قال: لا تصحُّ، ولا يتَّجه البتةَ فيمن كان خارج الصلاة.
٣٤٧ - فرع:
إِذا وجد ما لا يكفي عورتَه، ستر سوءتَيه، فإِنْ عَجَز عنهما، فأيُّهما يقدِّم؟ فيه وجهان، وقد يتَّجه أن يتخيَّر بينهما، ولا يبعدُ أن لا يلزمَه ذلك، وأن يجوزَ له سترُ جزء من فخِذه.
٣٤٨ - صلاة العُراة:
العُرْيُ عذرٌ في ترك الجماعة، ولا يمنع صحَّتها قولًا واحدًا، ويقف الإِمام وسطهم مع غضِّ الأبصار، والانفرادُ أولى من الاجتماع على القديم (٣).
٣٤٩ - فرع:
إِذا أراد أن يكسوَ عاريًا، فحضر اثنان لو قُسِم الثوبُ بينهما لستر كلُّ واحد منهما بعضَ عورته، فليُخصَّ (٤) به أحدُهما على أظهر الاحتمالين،
стр. 466
وينبغي أن يُقرعَ بينهما، والمرأة أولى من الرجل اتفاقًا.
٣٥٠ - فرع:
لو كشفتِ الريحُ إِزارَه، أو انحلَّ عَقْدُه فانسلَّ، فإِنْ بعُد ردُّه، بطلت صلاتُه، وإِن ردَّه على القُرْب، لم تبطل، وإِنْ تكشَّف، أو تحرَّف عن القبلة، أو لاقى نجاسةً يابسة، بطلت صلاتُه إِنْ تعمَّد، وإِن لم يتعمَّد، بطلت بطويل (١) الزمان دون قصيره، ولعل الأقربَ في ضبط القليل أن لا يظهرَ بين انكشافه وبين ابتداء الردِّ مُكْثٌ محسوس.
٣٥١ - فرع:
إذا عَتقتِ الأمةُ في الصلاة وهي مكشوفةُ الرأس، فإِن أمكنها التسترُ على قُرْب، صحَّت صلاتُها، وإِن لم يمكن إِلا بمشي كثير، فقد ألحقه المحقِّقون بسبق الحدث، فإِن قلنا: لا تبطل صلاتُها، ذهبت إِلى الخِمار، فتستَّرت به، فإِن مكثت حتى أُتيت به، فقد ذكر بعضُهم في بطلان صلاتها وجهين، كالوجهين في السكوت الطويل، وعند الإِمام لا تبطل إِذا استوت مدَّةُ مَكثِها أو مشيها، وإِنْ زادت مدَّة مكثها على مدَّة مشيها؛ فإِن لم تبن الأمرَ على أن تؤتى بالخمار، بطلت صلاتُها، وإِن بَنَتِ الأمر على ذلك، فأُتيت به، بطلت صلاتُها على أظهر الاحتمالين.
* * *
стр. 467
٣٥٢ - فصل في سبق الحدث
تعمُّد الحدَث مبطِل للصلاة، وكذلك سبقُه على الجديد، والقديم أنَّها لا تبطل، وهو مطَّرِد في كل ما ينقضُ الطهارةَ؛ كالإِمذاء والإِمناء، أو بنجس ما يجبُ طهارتُه، ويسعى في إِزالة ذلك بأقرب ما يقدر عليه مقتصدًا في ذلك مع الاقتصار على قدْر الحاجة من غير تطويل زمان، ولا تكلُّف عجلة، ولا بأس بكثرة الأفعال، واستدبار القبلة، ولا بالمشي الكثير وإِن بلغ فرسخًا، ويلزمه البناءُ حيث انتهى إِليه، فلو رجَع إِلى مكانه الأوَّل، أو استكمل الحدثَ، بطلت صلاتُه.
ولو قَطَرت منه قطرةُ بول، فله إِكمالُه عند صاحب "التقريب"، ولا وجهَ لذلك إِن أمكنه التماسكُ.
ولو انكشف إِزارُه، فاستتر عن قُرْب لم يضرَّه قولًا واحدًا، وإِن أبعدته الريحُ، ففيه القولان.
ولا خلافَ في بطلان الصلاة بانقضاء مدة المسح في أثنائها، وتخرُّقُ الخُفِّ كانقضاء المدة أو كسبق الحدث؟ فيه وجهان.
٣٥٣ - فرع:
قال الإِمام: إِذا أحدث في الركوع قبل الطمأنينة، لزمه إِذا تطهَّر أن يطمئنَّ، وإِن (١) أحدث بعد الطمأنينة، لم تلزمه إِعادتُها على أظهر الاحتمالين.
* * *
стр. 468
٣٥٤ - فصل في كلام العامد
إِذا تعمَّد كلامًا مفهومًا لم يُشرَع مثلُه في الصلاة، أو وَالَى بين حرفَيْن لا مفهومَ لهما، أو أتى بحرف مفهم؛ كقوله: (عِ)، و (لِ)، بطلت صلاتُه (١)،
стр. 469
ولا تبطل بصوت غُفْلٍ إِلا أن يصلَه بحرف، ففيه تردُّدٌ لأبي محمَّد، ولا يجوز أن يزيدَ بالصوت حروفَ المد، وهي: الياء والواو والألف؛ لأنها من جملة الحروف.
٣٥٥ - فرع:
إِذا تعمَّد إِطالةَ السكوت حيث لا يؤمر به، لم تبطل صلاتُه على الأصحِّ، فإِن قلنا: تبطل، فأطاله ناسيًا، فهل يلحق بقليل الكلام أو بكثيره؟ فيه وجهان.
* * *
٣٥٦ - فصل في التنحنح في الصلاة
إِذا تنحنح، فظهر منه حرفان، بطلت صلاتُه، وعلى قول آخر لا تبطل بالتنحنح أصلًا؛ لأنَّ ما يظهر معه ليس بحروف (١)، وإِنَّما يداني الحروف
стр. 470
ويقاربها، فيصير كصوتٍ غُفْلٍ، وقال القفَّال: إِن تنحنح مُطْبِقًا شفتيه، فلا تبطل.
٣٥٧ - فرع:
إِذا لم يتمكَّن من القراءة المفروضة إِلا بالتنحنح، فلا بأس به، وإِن تعذَّر الجهرُ على الإِمام، لم يجز على الأقيس، ومن أجازه ألحقه بتوابع القراءة؛ كترجيع الصوت وترديده.
٣٥٨ - فرع:
لو أتى بشيء من القرآن يفهم منه كلامٌ آخرُ؛ كقوله: (خذها بقوَّة)، أو قوله عند حضور مستأذنين: (ادخلوها بسلام)؛ فإِن قصد به الخطاب وحدَه، بطلت صلاتُه، وإِنْ قصد القراءة أو الخطابَ والقراءةَ، لم تبطل، وإِن دعا بالفارسية أو ترجم القرآنَ، بطلت صلاتُه.
* * *
٣٥٩ - فصل في كلام الناسي والجاهل والمكرَه
إِذا نسي كونَه في الصلاة، فتكلَّم عامدًا، لم تبطل بالقليل، وفي الكثير وجهان، والبطلان معلَّلٌ بالنُّدُور أو بخَرمِه نظمَ الصلاة؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: لا تبطل -وهو القياس- فلا يبطل الصومُ بكثير (١) الأكل، وإِنْ أبطلناها، ففي الصوم وجهان مبنيَّان على العِلَّتين.
وحديثُ العهد بالإِسلام؛ إِذا تكلَّم جاهلًا بالتحريم لم يضرَّ، وإِنْ
стр. 471
علم التحريمَ دون الإِفساد، بطلت اتفاقًا، وهذا مطَّرد في الصوم وغيره.
وإِن علم تحريمَ الكلام، وجهل تحريمَ ما أتى به، فقد قيل بالبطلان، وعند الإِمام لا تبطل.
ولا تبطل بما يلتفُّ به اللسانُ من الكلام من غير قصد.
وإِن أُكره على الكلام في الصلاة، أو الأكل في الصوم، ففي بطلانهما قولان.
* * *
٣٦٠ - فصل فيما يُبطِل الصلاةَ من الأفعال وما لا يبطلها
لا تبطل الصلاةُ بالفعل القليل؛ كالخَطوة والخَطوتين، والضربة والضربتين، ولا بالكثير إِلا أن يتوالى؛ كثلاث ضربات، أو خطوات متواليات، ويُرجع في معرفة القليل والكثير إِلى أهل العُرْف، فأمَّا القليل: فيعفى منه عمَّا يقع من ضرورة الجِبِلَّة والخِلْقة؛ فإِن زاد على ذلك، فتركُه أولى ما لم يؤدِّ إِلى الاستهانة بالسكون والخشوع الذي هو مقصودُ الصلاة، فإِنْ أخلَّ بالسكون الذي يتميَّز به المصلِّي عمَّن ليس في صلاة، فهذا هو الكثير، وعبَّر عنه القفَّال بكلِّ مقدار من الفعل لو رآه الناظرُ من بُعْدٍ، لغَلَب على ظنِّه أن فاعلَه ليس في الصلاة، فالخطواتُ الثلاث، والضربات الثلاث بهذه المثابة.
وليس الرجوعُ في هذا التقريب إِلى العدد؛ فإِن الخطوةَ الواحدة لا تُبطل، ولو قُطِّعت ثلاثًا، لأبطلت؛ من جهة أن الخطوةَ الواسعة لا تُعدُّ كثيرًا، ولو قُطِّعت عُدَّت كثيرًا، ولا ينكر أنه لو بالغ توسيعَ خَطوتين فإِنَّهما قد يوازيان في العُرْف ثلاثَ خطوات.
стр. 472
وإِن أكثرَ الحركاتِ في إِصبعٍ أو كفٍّ، كحركات من يدير سُبحةً، أو يعقِد ويحلُّ، فللقفَّال فيه جوابان.
٣٦١ - فرع:
إِذا شككنا في كثرة الفعل انقدحت أوجهٌ:
أحدُها: صحَّة الصلاة، وهو الأظهر.
والثاني: البطلان؛ لأنَّا أُمرنا بهيئة لم يُتيقَّنِ الإِتيانُ بها.
والثالث: يعمل بغلبة الظنِّ؛ فإِن استوى الظنَّان، فالأصلُ بقاء الصحَّة.
وحدُّ التفريق في الأفعال: أن يتخلَّلها ما يُشعرُ بالإِضراب عن الفعل، ويتجاوز الثانيَ في جنس من الفعل يتمادى المرءُ عليه.
ولو زاد ركوعًا أو سجودًا، بطلت صلاتُه؛ لأنَّه يَخْرِم نَظْمَ الصلاة، بخلاف قليلِ الأفعال؛ فإِنَّه لا يخرِم نظامَها مع أنَّه واقع من ضرورة الجِبِلَّة.
٣٦٢ - فرع:
الانكفافُ عن مفسدات الصوم شرطٌ في صحَّة الصلاة، وأبعد من لم يشرِطه، وألحِق الأكل في الصلاة بالأفعال.
٣٦٣ - ما أدركه المسبوق فهو أوَّل صلاته؛ فإِذا قَنَتَ مع الإِمام، أعاد القنوتَ في آخر الصلاة .
وإِن أدرك ركعةً من المغرب تشهَّد على أثَر الثانية.
وإِن أدرك ركعتين، فقام لتدارك الأخريين، فالأصحُّ أنَّه يقرأ فيهما بالسورة مع الفاتحة، وإِن قلنا: لا يُستحبُّ لغير المسبوق قراءتها، كما لو
стр. 473
فاتته قراءةُ (سورة الجمعة) في الأوَّل من صلاة الجمعة، فإِنَّه يقرؤها في الثانية مع (المنافقين).
* * *
٣٦٤ - فصل في إِعادة الصلاة في الجماعة
من انفرد بإِحدى الصلوات الخمس، ثمَّ أدرك جماعةً استُحِبَّ أن يعيدَها في الجماعة، وغلط من استثنى الصبحَ والعصر والمغرب، فإِذا أعادها، فالأُول فريضة (١)، أو يحتسب الله بأيِّهما شاء؟ فيه قولان، وأبعد من قال: الفريضةُ هي الثانية؛ لكمالها بالجماعة؛ فإِن قلنا: الفريضةُ هي الأولى، فإِعادةُ الصبح والعصر مستحبَّة؛ لأنَّ إِدراكَ الجماعة سببٌ لهما، ويضمُّ إِلى المغرب رابعةً على رأي الصيدلانيِّ؛ إِذ التنفُّل بالثلاث غير محبوب، ولا ينوي بالثانية الفريضةَ، خلافًا للصيدلانيِّ.
قال الإِمام: ينبغي أن يعيِّن الصلاةَ في نيَّته من ظهر أو عصر أو مغرب، فتكون ظهرًا مسنونة كظهر الصبيِّ، ولا يضمُّ إِلى المغرب رابعةً؛ [لأنَّ المغربَ لا تكون أربعًا] (٢)، والعجبُ أن الصيدلانيَّ قال: يضم إِليها رابعةً، وينوي بها الفريضةَ، وذلك (٣) غلط ظاهر.
وإِن قلنا: الفريضةُ إحداهما، فلا بدَّ أن ينويَ الفريضةَ فيهما جميعًا.
стр. 474
وإِن صلَّى في جماعة ثمَّ أدرك جماعةً، فالأصحُّ عند الصيدلانيِّ أنَّه لا يعيدها؛ لأنَّ ذلك يلزم في ثالثة ورابعة، وهو خلافُ ما مضى عليه الأوَّلون، فإِن قلنا: يعيدها، فلا فرقَ بين صلاة وصلاة؛ لأنَّ الإِدراكَ سبب، وإِن قلنا: لا يعيدُها، فلا ينوي الفرضَ، ويضمُّ إِلى المغرب رابعةً، وتكره إِعادةُ الصبح والعصر.
* * *
٣٦٥ - فصل في العجز عن القيام
ولا بدَّ في القيام من الاستقلال، فلو اعتمد على شيء، أو اتَّكَأَ، لم يصحَّ، فإِنْ عَجَز عن الإِقلال لزمه القيام معتمِدًا أو متَّكِئًا، فإِن عجز عن الانتصاب، قام منحنيًا، فإِن لم يقدر إِلا على حدِّ الركوع، فلا يجزئه إِلا القعودُ على ما دلَّ عليه كلامُ الأئمَّة، فإِن قدر على الانتهاض على ركبتيه، ففيه تردُّد لأبي محمَّد من جهة أنَّه لا يُسمَّى قيامًا، بخلاف الانحناء فوقَ حدِّ الركوع، وإِن قدر على القيام دون الركوع والسجود، لزمه القيامُ والإِيماءُ بالركوع والسجود، وإِنْ عجز عن القيام دون الركوع لزمه الارتفاعُ في الركوع إِلى حدِّ الراكعين.
ولا يلزمه في القعود هيئةٌ مخصوصة، فلو جلس مفترِشًا أو متورِّكًا أو متربِّعًا أو مُقْعِيًا، جاز، وفي الأفضل قولان: أحدُهما الافتراش، والآخرُ التربُّع، وغلِط من قال: التورُّك، وقيل: ينصِب ركبته اليمنى، ويجلس على اليسرى، كالجالس بين يدي المُقرِئ.
стр. 475
قال الإمام: ولا بأس بأن يجلسَ على رجليه جاثيًا على ركبتيه، وليس ذلك بإقعاء، إِنما الإِقعاءُ أن يجلسَ على وركيه ناصبًا فخذيه وركبتيه.
* * *
٣٦٦ - فصل في العجز عن القعود
إِذا عجز عن القعود، لزمه أن يصلِّيَ على جنْبٍ مستقبلًا للقبلة؛ كالموضوع في اللحد، وقيل: يلزمه أن يصلِّيَ مستلقيًا مستقبلًا بأخمَصيه القِبلةَ؛ ليومئَ بالركوع والسجود في جهتها، وغلط من قال: يصلِّي على جنْبه الأيمنِ، وأخمصاه إِلى القبلة.
ومهما عجز عن الاستقبال صلَّى على قفاه وأخمصاه إِلى القبلة، وشَرَط الإمامُ في العجز عن القعود ما يشترط في التيمُّم من عدم تصوُّر القعود، أو خوف هلاك، أو مرض طويل، وغير ذلك من أعذار التيمُّم، فإِن قدَر على الركوع والسجود، سجد كسجود القائم.
وأما الركوع: فأقلُّه أن ينحنيَ إِلى حدٍّ تكون نسبتُه إِلى جلسته كنسبة أقلِّ الركوع إِلى قامة القائم، وأقلُّه في القائم أن تنالَ (١) راحتاه ركبتيه مع اعتدال خِلقته، وعبِّر عن ذلك بأن ينحنيَ حتَّى يقابلَ بوجهه ما وراءَ ركبتيه من الأرض، فيحصل الأقلُّ بأدنى مقابلة، والكمالُ بتمامها، وإِن عجز عن السجود أومأ بما يقدر عليه، فإِن لم يقدر إِلا على أقلِّ الركوع في حقِّ القاعد، فليأتِ به مرَّةً عن الركوع، وأخرى عن السجود، لا يجزئه غيره.
стр. 476
وإِن قدر على مجاوزة أكمل الركوع، فالوجهُ أن يأتيَ بالركوع، ثمَّ يأتيَ بالزيادة بدلًا عن السجود؛ ليُفرِّق بين الركوع والسجود، وفيه احتمال، وإِن قدر على أكمل الركوع، لم يلزمه الاقتصارُ على أقلِّه؛ لأجل التفرقة على رأي الإِمام.
* * *
٣٦٧ - فصل في عجز المضطجع عن الإيماء بالركوع والسجود
إِذا عجز عن الإِيماء بالركوع والسجود، لزمه أن يشيرَ إِليهما بطرْفه، فإِن عجز لزمه إِجراؤُهما على قلبه؛ بأن يُمِيلَ نفسَه راكعًا وساجدًا على التمام، وأن يأتيَ بالقراءة والأذكار في محالِّها، فإِن اعتُقل لسانهُ، لزمه إِجراءُ تكبيرة الإِحرام، والقراءة، والتشهُّد، والصلاة في أوقاتها على قلبه، ولا خلافَ أن القاعدَ لا يلزمُه إِجراءُ صورة القيام على قلبه، وإِن قدر على بعض الركوع والسجود، فلا يلزمُه إِجراء تمامهما على أظهر الاحتمالين.
٣٦٨ - فرع:
للقادر أن يتنفَّل قاعدًا، وفي تنفُّلِهِ متكئًا أو مستلقيًا مع القدرة على القعود وجهان، ولعلَّ الأصحَّ المنعُ، ولعلَّ من أجاز ذلك لا يجيز الاقتصارَ على ذكر القلب في القراءة والتكبير والتشهُّد والتسليم، ومتى صلَّى المريضُ على حسب إِمكانه، فلا إِعادةَ عليه.
٣٦٩ - فرع:
إِذا كان به رَمَدٌ مُؤْذٍ، فقال من يوثَق به: إِن اضجعتَ أيامًا برِئت بالمعالجة، فلا نصَّ للشافعيِّ في ذلك، واختلف فيه العلماء، وقال العراقيون:
стр. 477
مقتضى أصلِ الشافعيِّ أن لا يجوزَ ذلك، وأجازه الإِمامُ، ولا سيَّما عند خوف العمى، ولو كان قعودُه مفيدًا في دفع غائلة الرمد فينبغي أن يقعدَ بلا خلاف؛ لأنَّا نكتفي في جواز القعود بما يقلق ويسلب الخشوع، فما الظنُّ بتوقُّع العمى؟ !
* * *
٣٧٠ - فصل في طريان القدرة والعجز في أثناء الصلاة
إِذا عجز في الصلاة عن القيام، قعد وبنى، فإِن كان في أثناء الفاتحة، لزمته القراءةُ في حال هُوِيِّه، وإِن قدر القاعدُ على القيام، قام وبنى، ولا يقرأ شيئًا من الفاتحة في ارتفاعه، فإِذا قام أتمَّها، ولا يلزمه استئنافُها، وإِن خفَّ بعد القراءة وقبل الركوع، أو بعد اعتداله عن الركوع، لزمه أن يقومَ؛ ليركعَ ويسجدَ عن قيام، ولا تلزمه الطمأنينةُ لأجل هذا القيام على اختيار الإِمام، وإن خفَّ في الركوع؛ فإِن كان بعد الطمأنينة فله أن يرتفعَ راكعًا إِلى حدِّ ركوع القائم، وإن كان قبل الطمأنينة، لزمه ذلك عند الإِمام، ومتى لزمه القيامُ لم يجز له اللبثُ قاعدًا، فإِن لبث عامدًا عالمًا، بطلت صلاتُه.
٣٧١ - فرع:
للقادر أن يقتديَ بالعاجز، ويصلِّي كلُّ واحد منهما على حسب حاله.
* * *
٣٧٢ - فصل في المرور بين يدي المصلِّي
ينبغي للمصلِّي أن يتَّخذَ علَمًا لحدِّ صلاته من جدار أو سارية أو
стр. 478
مصلَّى (١)، ويدنو منه على قدر ذراعين إِلى ثلاثة، فإِن كان بصحراء نصب عَنَزةً أو سوطًا أو نضَّد بين يديه شيئًا؛ ليُعلمَ به حدُّ صلاته، ولا يحرم العبورُ في هذا الحدِّ، لكنَّه يكره لمن وجد طريقًا سواه، وللمصلِّي أن يدفعَه برفق وإِشارة من غير منع محقَّق، وإِن لم يجد المارُّ طريقًا غيرَه، فلا كراهيةَ ولا دفع.
وإِن قصَّر المصلِّي ولم يبيِّن عَلَمًا، فهل له الدَّفع (٢)؟ فيه وجهان، وإِن كان بصحراء، فخط خطًّا للإِعلام فقد اكتفى به في القديم، وخطَّ عليه في الجديد، واستقرَّ على أنَّه لا يكفي؛ لانتفاء الإِعلام.
* * *
٣٧٣ - فصل في الدعاء في الصلاة عند تلاوة آية للرحمة أو العذاب
حَسُن للإِمام أن يسألَ عند قراءته آيةَ رحمة، وأن يستعيذَ عند آية العذاب، ويتابعه المأموم المستمِعُ في ذلك، وله أن يدعوَ في الصلاة بما شاء، ولا يشترط أن يكون دعاؤه واردًا في الصلاة، ولا مأثورًا في غيرها، فإِنْ دعا بشيء موصوف؛ كقوله: ارزقني جاريةً من صفتها كذا، فالوجه الجوازُ، خلافًا لأبي محمَّد، ولا يجوز أن يدعوَ بعَجَمِيَّة، ولا بما يشتمل على خطاب آدميٍّ.
стр. 479
وللعاجز أن يترجم التشهُّد وتكبيرةَ الإِحرام، وفي الأذكار المسنونة؛ كالتكبيرات والتسبيحات ثلاثةُ أوجه: يترجم في الثالث [أما يُجبر] بسجود السهو دون ما لا يُجبر.
* * *
٣٧٤ - فصل في سجود التلاوة
سجود التلاوة أربعَ عشْرةَ سجدةً، وزادها ابن سُريج سجدةَ (ص)، فصارت خمسَ عشْرةَ؛ منها اثنتان في الحجِّ، وثلاث في المُفصَّل، وأسقط في القديم سجَدات المفصَّل، فمن تلا آيةً منهنَّ، فليسجد، وإِنْ سمع تلاوةَ غيره فلا يسجد إِلا أن يقصدَ الاستماعَ، فإِن قصده فليسجد إِن سجد التالي، وليترك إِن ترك، وفيه قول آخرُ: أنَّه يسجد من غير تأكُّد.
ولا يسجد المقتدي إِلا بسجود إِمامه، فإِن خالف بطلت صلاتُه، ولا يسجد الإِمامُ والمنفرد إِلا لتلاوتهما، وأشار بعضُهم إِلى أنَّهما يسجدان لاستماع تلاوة غيرهما، ولا يصحُّ ذلك؛ إِذ لا حكمَ لاستماعهما من جهة أنهما ممنوعان منه.
* * *
٣٧٥ - فصل في كيفية سجود التلاوة
إِذا سجد في الصلاة، فالمستحبُّ أن يكبِّرَ لهُويِّه وارتفاعه؛ اعتبارًا بسجدات الصلاة، واتِّباعًا للسلف، وأبعدَ مَن قال: لا يُستحبُّ.
وإِذا سجد خارجَ الصلاة، اشتُرِط في سجوده ما يشترط في الصلاة؛
стр. 480
من السَّتر، والاستقبال، وطهارة الحدث والخَبَث، وفيما وراء ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: يجب التحرُّم بالنيَّة والتكبير، والتحلُّل بالتسليم، ولا يشترط التشهُّد على الأظهر، وفي استحبابه اضطراب.
والثاني: يجب الإحرامُ دون السلام، وفي وجوب النيَّة نظرٌ.
والثالث وهو الموافق للنصِّ: لا يُشترط شيء من ذلك، لكن يُستحبُّ التكبير على المذهب، وأبعد من كرهه (١).
* * *
٣٧٦ - فصل في قضاء سجود التلاوة
إِذا ترك السجدةَ حتَّى طال الفصلُ، أو استمعها وهو مصلٍّ أو محدِث، ففي قضائها قولان، والمعتبر في طول الفصل: أن يغلبَ على الظنِّ إِضرابُه عنها بسبب أو بغير سبب، ولا نظرَ إِلى مفارقة المجلس أو ملازمته.
٣٧٧ - فرع:
نقل في "التقريب" عن أصحابنا: أنَّ من خضع لله فسجد من غير سبب، فله ذلك، ولا بأس، وكان أبو محمَّد والإِمام يكرهان ذلك.
* * *
٣٧٨ - فصل فيما يقضيه المرتدُّ من الصلوات
من ارتدَّ أو سكِر لزمه قضاءُ ما فاته من الصلوات في رِدَّته وسُكْره.
стр. 481
ولو فاتته صلوات، فارتدَّ، لم يسقط عنه قضاؤُها.
ولا قضاءَ على حائض، ولا مجنون إِلا أن يُجنِّنَ نفسَه، ففي القضاء وجهان، وإِن حاضت المرتدَّة، أو جُنَّت لزمها قضاءُ ما فات في الجنون دون الحيض؛ لأن سقوطَ القضاء عن المجنون تخفيفٌ، وليس المرتدُّ أهلًا للتخفيف، وهذا مُشكِل من جهة أنَّ المعصيةَ إِنَّما تنافي الرُّخَصَ إِذا كانت سببًا فيها، والجنونُ لا معصيةَ فيه.
وإِن سكِر رجل، ثم جُنَّ، ففي قضاء ما فات في الجنون وجهان، وأنكر الإِمامُ هذا الإِطلاق، وقال: إِذا لم يكن شُربُه سببًا في جنونه، فإِذا زال السُّكْر وتجرَّد الجنونُ، لم يجب قضاءُ ما فات في الجنون وجهًا واحدًا.
* * *
стр. 482
٣٧٩ - باب سجود السهو
إِذا شكَّ في عدد الركعات لزمه البناءُ على الأقلِّ، والإِتيانُ بما شكَّ فيه، ثمَّ يسجد للسهو، ولا يعتمد في ذلك على ظنٍّ ولا اجتهاد؛ إِذ لا علامةَ، وإِنْ شكَّ على أثَر الصلاة، فهل يُعتبر بالشكِّ في الصلاة، أو يُعفى عنه؟ فيه قولان، فإِن طال الفصلُ ثم شكَّ، عُفي عنه قولًا واحدًا، وقيل: فيه القولان.
قال الإِمام: إِن شكَّ في صلاةٍ غاب عنه تفصيلُها، عُفي عن شكِّه، وإِن كان ذاكرًا لتفصيلها، ففيه الطريقان، فإِن اعتبرنا الشكَّ بعد الصلاة بنى إِن قَصُرَ الفصلُ، واستأنف إِن طال.
* * *
٣٨٠ - فصل في محلِّ السجود
أظهرُ الأقوال: أنَّ سجودَ السهو قبل السلام، والثاني: يسجدُ للنقص قبل السلام، وللزيادة بعده، والثالث: يتخيَّر بينهما.
والمشهور أنَّ هذا الخلافَ [في الإِجزاء والجواز، ومنهم من أجاز التقديمَ والتأخير، ورَدَّ الخلافَ] (١) إِلى الأَوْلى والأفضل.
стр. 483
والتفريعُ على المشهور: إِن جعلناه قبل السلام، فتعمَّد السلامَ مع ذكره للسجود، فقد فات السجودُ، ولا تبطل الصلاة؛ لأنَّ السجود سُنَّة، وإِنْ سلَّم ساهيًا، ثمّ تذكَّر على القُرْب ففي صحَّة سلامه وجهان؛ فإِن [قلنا] (١): يصحُّ، فقد فاته السجود، وإِن قلنا: لا يصحُّ؛ فإِن سجد فهو باقٍ في الصلاة، ولو أحدث لبطلت، وإِن ترك السجودَ، فالظاهر أنَّه في الصلاة، فلابدَّ من السلام، ويحتمل أن يقال: السلامُ موقوف؛ فإِن سجد تبيَّن أنَّه في الصلاة، وإِن ترك تبيَّن أنَّه قد تحلَّل، وإِن طال الفصلُ، فقد فات السجودُ؛ فإِن قلنا: لا يصحُّ السلامُ مع قِصَر الفصل، فالوجهُ القطع بصحَّته هاهنا.
وهذا يقوّي وقفَ السلام.
٣٨١ - السجودُ بعد السلام:
إِذا فرَّعنا على أنهما بعد السلام، فلا تبطل الصلاةُ بما يقاربهما من حدث، فإِنْ قرب الفصلُ سجدهما، وإِنْ طال، فهل يفوت؛ اعتبارًا بالتسليمة الثانية، أو لا يفوت؛ اعتبارًا بجبرانات الحجِّ؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: يفوت، ففي قضائهما قولان، ويعتبر فيهما ما يعتبر في سجدة (٢) التلاوة خارجَ الصلاة، ويتشهَّد بعدَهما كسجود التلاوة، وقيل: قبلَهما، كما لو سجدهما في الصلاة.
واعتبارُ الطول والقِصَر بالعرف؛ فإِذا غلب على الظنِّ إِضرابُه عنهما عمدًا أو سهوًا، فهذا حدُّ الطويل، وما دونه قصير، فإِن أحدث ثمَّ تطهَّر عن
стр. 484
قُرْب، فالظاهر أنَّ الحدثَ كطويل الزمان، وإِن فارق المجلس ففيه نظر؛ لأنَّ مفارقته قد تُغلِّب على الظنِّ الإِضرابَ؛ كطويل الزمان، واعتبره في القديم بالمجلس، فمتى لم يفارقْه فهو متَّصل وإِن طال الزمان، وإِن فارقه فمنفصل وإِن قَصُرَ الزمان.
وإِن فرَّقْنا بين الزيادة والنقصان، كان تفريع النقصان كتفريع القول الأول، وتفريع الزيادة كتفريع القول الثاني.
* * *
٣٨٢ - فصل فيمن قام إِلى الخامسة ناسيًا
إِذا لم يتشهَّد عَقيبَ الرابعة، وقام إِلى الخامسة ناسيًا، ثمّ ذكر وهو قائم أو راكع أو ساجد، فليجلس كما ذكر ويتشهَّد، ويسجد للسهو، ولا تضرُّ كثرةُ الأفعال إِذا كانت من جنس الصلاة.
وإِن قام إِليها بعد ما تشهَّد على قصد التشهُّد الأخير، أو أطلق، ففي إِعادة التشهُّد وجهان؛ القياسُ أن لا إِعادةَ، وظاهر النصِّ أنَّه يعيده؛ إِمَّا ليواليَ بينه وبين السلام، أو لئلَّا يقعَ السلامُ منفردًا غيرَ متَّصل بركن قبلَه ولا بعده، والمعنيان فاسدان؛ لأنَّ نسيانَ الموالاة لا يضرُّ، ولأنَّ التشهُّدَ الذي يأتي به منقطعٌ عن الأركان، وكذلك انفرادُ السلام مفرَّع على النظر إِلى الموالاة، والمعنيان ذكرهما ابن سُريج، وفرَّع عليهما: ما لو نسي الركوع، وهوى للسجود، ثم تذكَّر؛ فإِن علَّلْنا بالوِلاء، انتصب قائمًا، ثمَّ ركع؛ ليواليَ بين الركوع والقيام، وعند الإِمام يقوم لا لأجل الوِلاء، ولكن ليكونَ ركوعُه عن
стр. 485
قيام، وإِن علَّلْنا بانفراد السلام ارتفع إِلى الركوع من غير قيام؛ لاتِّصال الركوع بما بعده من الأركان.
قال الإِمام: إِن صحَّ هذا وجب أن يكتفيَ مَنْ خفَّ مرضُه بعد القراءة بارتفاعه إِلى الركوع من غير قيام، وإِن تشهَّد ظانًّا أنَّه التشهُّد الأوَّل، ففي حصول الفرض به وجهان؛ فإِن قلنا: لا يحصل، أعاد التشهُّدَ، وإِن قلنا: يحصل، فهو كتشهُّده على قصد الأخير.
* * *
٣٨٣ - فصل فيمن نسي التشهُّدَ الأول
إِذا نسي التشهُّد الأوَّل، ثم ذكره بعد انتصابه، لم يجزْ له العَوْدُ، فإِن عاد، بطلت صلاتُه إِلا أن يعتقدَ جوازه؛ لكونه حنبليًّا أو شافعيًّا غبيًّا، فلا تبطل صلاته، ويسجد للسهو، وإِن تركه المأمومُ دون الإِمام؛ فإِن تعمَّد الانتصابَ، لم تبطل صلاتُه على المذهب، والوجه القطع بأنَّه لا يجوز له الرجوعُ إِلى متابعة الإِمام، وإِن انتصب غالطًا، فلا يلزمه الرجوعُ، والأَولى أن لا يرجعَ، وفي جواز الرجوع وجهان؛ فإِن منعناه، فخالف، بطلت صلاتُه، ونظيرُ ذلك ما لو تعمَّد المأمومُ الاعتدالَ عن الركوع، فلا يرجع، وإِن رجع بطلت صلاتُه، وإِن اعتدل غالطًا، ففي جواز الرجوع الوجهان، فإِن همَّ بالركوع، فارتفع الإِمام عن حدِّ الراكعين، فليس له أن يركعَ، فإِن خالف بطلت صلاتُه.
* * *
стр. 486
٣٨٤ - فصل فيمن نسي التشهُّد ولم ينتصب
إِذا نهض عن التشهُّد ولم يصوِّر الركوعَ، فإِن صار إِلى القيام أقربَ منه إِلى القعود، رجع وسجد للسهو، وإِن كان إِلى القعود أقربَ منه إِلى القيام رجع، ولا سجودَ، وكذلك إِن استويا عند الإِمام.
وإِن صوَّر الركوعَ في ارتفاعه رجع وسجد، ولا يشترط الطمأنينةُ في الركوع المبطل للصلاة.
وأوَّل حدِّ الركوع: أن تنال راحتاه ركبتيه مع اعتدال الخلق، وهذا الحدُّ أقربُ إِلى كمال الركوع منه إِلى القيام.
وآخِرُ حدِّ الركوع عند الإمام: أن ينخفضَ عن الكمال؛ بحيث يكون قُرْبُه منه مساويًا لقربه من أوَّل حدِّ الركوع، فمتى صوَّر الركوعَ في شيء من هذا الحدِّ، فقد زاد ركوعًا.
* * *
٣٨٥ - فصل فيمن ترك ترتيبَ الصلاة
ترتيبُ أركان الصلاة واجبٌ، فإِن تعمَّد تركَه بطلت صلاتُه، وإِن سها به لم تبطل، لكن لا يُعتدُّ بما يفعلُه على خلاف الترتيب، ويسجد للسهو، فلو ترك سجدةً من الأولى، بطل قيامُ الثانية وقراءتُها وركوعُها؛ لأنه على خلاف الترتيب، وحصل من الأولى والثانية على ركعة؛ لجبر الأولى بسجدة من الثانية.
وإِنْ ترك واحدةً من الأولى، واثنتين من الثانية، وأتى في الثالثة
стр. 487
بسجدتين، لم يحصل له من الثلاث إِلا ركعةٌ؛ لجبر الأُولى بسجدة من الثالثة.
وإِنْ ترك أربعًا من أربع ركعات، لم يحصل له إِلا ركعتان.
وإِنْ ترك واحدةً من الأولى، واثنتين من الثانية، وواحدةً من الرابعة، فقد جبرت (١) الأولى بسجدة من الثالثة، فليأتِ بسجدة وركعتين.
* * *
٣٨٦ - فصل فيمن نسي سجدات لا يعرف محلَّها
إذا نسي سجدات لا يعرف مواضعَها لزمه الأخذُ بالأَشقِّ، والبناءُ على اليقين؛ فإذا نسي أربعًا من أربع ركعات، فليأتِ بسجدة وركعتين؛ لجواز تركه لواحدة من الأولى، واثنتين من الثانية، وواحدة من الرابعة.
وقال أبو محمَّد: يلزمه أن يأتيَ بسجدتين وركعتين؛ لاحتمال أنَّه ترك الأربعَ من الثالثة والرابعة، ولا يعدُّ ما ذكره من المذهب؛ لأنَّ السجدةَ الثانية لا يُعتدُّ بها في حساب أصلًا، وما لا يعتدُّ به لا يجبُ فعله.
* * *
٣٨٧ - فصل فيمن ذكر في الثانية أنه ترك سجدةً من الأولى
إِذا ذكر في قيام الثانية أنه نسي سجدةً من الأولى؛ فإِن لم يكن قد قعد بعد السجدة، فليجلس كما ذكر؛ إِذ لا يجزئه القيامُ بدلًا من الجلوس، وقيل: يجزئه؛ لأنه قد فصل بين السجدتين، فأشبه الجلوسَ، وهذا لا يصحُ؛ لأنه
стр. 488
لو تعمَّد ذلك، لم يجز، وإن جلس للفصل بين السجدتين، فليسجد ولا يجلس.
قلت: ينبغي أن يجلسَ؛ لأنَّ الجلسةَ بين السجدتين ركنٌ طويل على الأظهر، ولم ينقطع بالقيام في أثنائها، وإِن جلس للاستراحة؛ فإِن أقمنا القيام مقامَ الجلوس، فليسجد، وعلى المذهب في حصول الفرض بجلسة الاستراحة وجهان، وإِن ذكر ذلك وهو راكع، فليخِرَّ ساجدًا كما ذكر.
* * *
٣٨٨ - فصل في تطويل الركن القصير
أركانُ الصلاة كلُّها طويلةٌ إِلا اعتدالَ الركوع، والجلسةَ عن السجود، والأظهر أنَّ الاعتدال قصيرٌ، وأنَّ الجلسةَ طويلة، فإِذا أطال الاعتدالَ، ففي بطلان الصلاة أربعة أوجه:
أحدُها: لا تبطل بحال.
والثاني: تبطل إِلا في محلِّ القنوت، وصلاة التسبيح.
والثالث: لا تبطل إِلا أن ينقلَ إِليه ركنًا آخرَ.
والرابع: إِن قَنَتَ فيه حيث لا يشرع أبطل، وإِن طوَّله بذكرٍ آخرَ غيرَ قاصدٍ للقنوت، لم تبطل، فإِن قلنا: تبطل، فسها بذلك، سجد للسهو.
* * *
٣٨٩ - فصل فيما يسجد لتركه من المأمورات
متعلَّق السجود نسيانُ مأمور، أو فعل منهي، فلا يسجد لترك شيء
стр. 489
من المأمورات إِلا الأبعاض إِذا تركها سهوًا، وفي العمد وجهان.
والأبعاض: التشهُّد الأوَّل، والجلوسُ له، وقنوتُ الصبح، وكذلك الصلاةُ على رسول الله وعلى آله في التشهُّد الأوَّل إِن أمرنا بهما، ولا يبعد أن يُعدَّ الوقوف للقنوت.
ولا يسجدُ لغير ذلك؛ من تكبير وتسبيح، وجهر وإِسرار، وكذلك تكبيراتُ العيد الزائدة.
* * *
٣٩٠ - فصل فيما يسجد لفعله من المنهيَّات
ويسجد لكلِّ منهيٍّ تبطل الصلاةُ بعمده دون سَهْوه إِذا فعله ساهيًا؛ كزيادة الركوع والسجود، والكلام، وترك الترتيب، وهذا الضابط مطَّرد، وفي انعكاسه طريقان:
إحداهما: ينعكسُ، فما أبطل عمدُه اتفاقًا سجد لسهوه اتفاقًا، وما لا فلا، وما اختُلِف في الإِبطال بعمده اختُلف في السجود بسهوه، وذهب أربابُ هذه الطريقة إِلى أنَّ من طوَّل ركنًا قصيرًا، ونقل إِليه ركنًا؛ كقراءة الفاتحة في اعتدال الركوع، بطلت الصلاةُ بعمده، وسجد بسهوه، وإِن طوَّل بغير نقل، أو نقل بغير تطويل، كما لو تشهَّد في القيام أو الركوع أو السجود، أو قرأ الفاتحة في جلوس التشهُد، أو طوَّل الاعتدال بصمت أو ذكرٍ غيرِ مفروض، ففي البطلان بعمده، والسجود بسهوه وجهان.
والطريقةُ الثانية: أنَّ من قرأ الفاتحةَ في التشهُّد، أو التشهد في القيام،
стр. 490
فلا تبطل صلاتُه وجهًا واحدًا، وفي السجود بسهوه وجهان؛ فإِن قلنا: يسجد، فلا عكس إِذن، وقد ذهب آخرون إِلى أنَّ مَن قرأ الفاتحة في الاعتدال، لا تبطل صلاتُه.
٣٩١ - فرع:
لا تُطوَّل جلسةُ الاستراحة بالاتفاق، فإِن أطالها سهوًا، أو افتتح التشهُّد فيها، سجد لأحد هذين الأمرين.
ولو هوى للسجود، فجلس وتشهَّد، فليسجد.
قال الإِمام: لو جلس عن القيام جَلسةً خفيفة، ثم سجد منها، لم تبطل صلاتُه، ولو تشهد بين السجدتين، لم يسجد إِلا أن تُجعلَ الجلسةُ قصيرةً، أو يُقْضى بالسجود بمجرَّد نقل الركن.
٣٩٢ - فرع:
لو قرأ في التشهُّد سورةً غيرَ الفاتحة، فهو كقراءة الفاتحة؛ لما فيه من تغيير الشعار، وينقدح خلافه؛ إِذ المنقولُ ليس بركن.
* * *
٣٩٣ - فصل في الشكِّ في السهو
إِذا شكَّ في ترك شيء من الأبعاض، فليسجد، وإِن شكَّ في ارتكاب منهيٍّ، فلا يسجد اتِّفاقًا إِلا إِذا شكَّ في عدد الركعات، فإنه يأخذ باليقين ويسجد؛ إِما اتِّباعًا للخبر، أو تعليلًا بأنه أتى بالركعة شاكًّا في أنَّها خامسةٌ، فضعف بذلك قصدُه لإقامة الفرض، فإِن ذكر بعد ذلك أنها خامسةٌ، فليسجد،
стр. 491
وإن علم أنَّها الرابعة، فإِن لم يمضِ مع الشك ركنٌ، لم يسجد، وإِن مضى معه ركن، سجد إِن علَّلنا بالشكِّ، وإن اعتمدنا ظاهرَ الخبر، فلا يسجد، والتعليل بالشكّ منتقضٌ بمَنْ عليه فائتةٌ يشكُّ في قضائها؛ فإِنه يلزمه قضاؤُها، ولا يسجد، مع أنَّه شاكٌّ في فرضيَّتها من أوَّلها إِلى آخرها.
٣٩٤ - الشك في سجود السهو:
إِذا علم السهوَ، وشكَّ في السجود له، فليسجد، وإِن شكَّ أَسَجد واحدةَ أو اثنتين، فليأت بثانية، ولا يسجد لهذا السهو باتفاق من المذاهب.
٣٩٥ - فرع:
إِذا اعتقد من غير تردُّد أنَّه سها، فسجد للسهو، ثمَّ ذكر أنَّه لم يَسْهُ، فليسجد لسهوه بالسجود، وقال أبو محمَّد: لا يسجد؛ لأن سجدتيه سهوٌ من وجه، وجبرٌ لأنفسهما من وجه.
٣٩٦ - فرع:
إِذا سها بعد سجود السهو بكلام أو غيره، فلا يسجد لذلك اتفاقًا؛ لأنَّ السجودَ لا يتعدَّد بتعدُّد السهو، فيُقدَّر سهوُه سابقًا على سجوده.
٣٩٧ - فرع:
إِذا سجد في الجمعة للسهو، ثمَّ تبيَّن خروج الوقت، أو سجد قاصرُ الصلاةِ ثمَّ تبين وصولُه إِلى وطنه، فلا يُعتدُّ بذلك السجود؛ لوقوعه في وسط الصلاة، فإذا كمَّل صلاتَه أربعًا، سجد.
* * *
стр. 492
٣٩٨ - فصل في سهو المقتدي
إِذا سها خلف الإِمام، لم يسجد، وإِن انفرد في آخر صلاته؛ لكونه مسبوقا؛ لأنَّ الإِمامَ يتحمَّل سجودَ السهو، كما يتحمَّل سجودَ التلاوة، وقراءةَ السورة، والقنوتَ، والجهرَ، وقراءةَ الفاتحة، وتطويلَ القيام عن المسبوق، والتشهُّد الأوَّل إِذا أدركه في الركعة الثانية.
٣٩٩ - فرع:
إِذا سلَّم المسبوقُ مع الإِمام غلطًا، فليسجد لسلامه؛ لأنه وقع بعد تسليم الإِمام.
قلت: إِن ساوقه في السلام، فينبغي ألَّا يسجدَ؛ لأنَّه لم ينفرد بعدُ، فإِن سمع صوتًا ظنَّه تسليمَ الإِمام، فقام وتدارك الركعة، ثم جلس والإِمام في الصلاة، فلا يُعتدُّ بتلك الركعة، ولا يسجد لها، ولا لما يقع فيها من سهو؛ لجريان حكم القدوة عليه، فإِذا سلَّم الإِمامُ، فليأتِ بالركعة، وإِن علم في قيامه أنَّ الإِمامَ لم يسلّم، فليجلس معه، فإِن أراد قطعَ القدوة والمُضيَّ على القيام، فليس له ذلك إِذا لم نجوِّز قطعَ القدوة، وإِن جوَّزنا قطعَها، ففي وجوب القعود وجهان، فإِن جوَّزنا المُضيَّ، وكان قد قرأ الفاتحةَ، لزمه إِعادتُها.
* * *
٤٠٠ - فصل في سهو الإمام
إِذا سجد الإِمامُ للسهو، ولزم المأمومَ أن يتابعه، فإن خالف مع بقاء
стр. 493
القدوة، بطلت صلاتُه، فإِن ترك الإِمامُ، ففي سجود المأموم خلافٌ مأخذُه أنه يسجد لسهوه أو لمتابعته؟ والنصُّ أنَّه يسجد لسهوه، فإِن كان مسبوقًا سجد مع الإِمام؛ متابعةً على الأصحّ، فإِذا تابعه، ففي سجوده في آخر صلاة نفسه قولان، واِن ترك الإمامُ، فلا يسجد المسبوق في آخر صلاة الإِمام، وفي سجوده في آخر صلاة نفسه الخلافُ، والنصُّ أنَّه يسجد.
وسهوُ الإِمام قبل اقتداء المسبوق، كسهوه بعد اقتدائه على المذهب، وأبعدَ من قال: لا يلحقُه حكمُ سهوه، فلا يسجدُ إِن ترك الإِمامُ وجهًا واحدًا، وكذلك إِن سجد الإِمامُ على الأظهر، وقيل: يسجد متابعةً إِلا أنه لا يسجد في آخر الصلاة.
٤٠١ - فرع:
إِذا سها الإِمام، وقلنا: يسجد المسبوق في آخر صلاته، فسها بعد انفراده كفاه سجدتان، وقيل: يسجد أربعًا؛ لاختلاف سبب السجود.
* * *
٤٠٢ - فصل في سجود الشكر
سجود الشكر مستحبٌّ لمن تجدَّدت عنده نعمةٌ لا يتوقَّعها، أو اندفعت عنه بليَّة (١) من حيث لا يَحتسِب اندفاعَها، ولا يُستحبُّ السجود على استمرار النعم.
وإِن رأى مُبْتلىً، فهاله بلاؤُه، فحَسَنٌ أن يسجدَ إِلا أنَّه يُخفيه عن
стр. 494
المعذور في بلائه، ويُظْهِرُه لغير المعذور؛ لعلَّه يرعوي.
ويُعتبر في سجود الشكر ما يُعتبرُ في سجود التلاوة.
وإِن سجد للشكر في الصلاة بطلت صلاتُه.
٤٠٣ - فرع:
إِذا تنفَّل على الراحلة، سجد لتلاوة الصلاة وسهوها على الراحلة، وإِن سجد خارجَ الصلاة لتلاوة أو شكر، فهي كصلاة الجنازة لا يومئُ بها على الأصحِّ (١).
والسجدات أربعٌ: سجدةُ الصلاة، والتلاوة، والسهو، والشكر.
وإن جوّزْنا سجدةَ الخضوع صارت خمسًا (٢).
* * *
стр. 495
٤٠٤ - باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة
والأقلُّ المجزئُ: هو الأركانُ والشرائط.
وأركانُ الصلاة: النيَّة، وتكبيرةُ الإِحرام، والقيام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدالُ عنه، والسجود، والاعتدال عنه، والجلوس الأخير، والأقل من التشهُد، والصلاة على رسول الله، والتسليم، وفي نيَّة الخروج، والصلاةِ على آل رسول الله خلافٌ، والاستقبال ركنٌ أو شرط؟ فيه وجهان أقربهما أنَّه ركن؛ لاختصاص وجوبه بالصلاة، وأنه لا يتقدَّمها، والطمأنينة مع وجوبها ركن أو هيئة؟ فيه خلاف.
* * *