طبعة خَاصَّة
الْكتاب طبع على نَفَقَة
وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية
وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه
turathuna@islam.gov.qa
إدارة الشؤون الإسلامية
ص. ب: ٤٢٢
الطبعة الأولى
١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر
لبنان - بيروت
ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢
هَاتِف: ٠٠٩٦١١٦٥٢٥٢٨
فاكس: ٠٠٩٦١١٦٥٢٥٢٩
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
стр. 807
كتاب الاعتكاف وليلة القدر
стр. 808
كتاب الاعتكاف وليلة القدر
٨٩٧ - المختار أنَّ ليلةَ القدر مخصوصةٌ بهذه الأمَّة، ووقتها جميعُ السنة عند بعض العلماء، وجميعُ رمضان عند أبي حنيفةَ، والعشرُ الأواخرُ عند الشافعيِّ ﵀، وفي "التقريب" تردُّد في النصف الآخر من رمضان، ولا أصل له، وميلُ الشافعيِّ إِلى الحادي والعشرين، وقال في موضع: الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين (١)، ومال ابن عباس إِلى السابع والعشرين، ووافقه على ذلك طوائفُ من الناس (٢).
стр. 809
وقال بعضُهم: رُفعت مع رسول ﷺ ، وقال بعضُهم: إنها تنتقل، وهي عند الشافعيِّ منحصِرةٌ في العشر مع تردُّده في لياليه، ولذلك قال: لو علَّق الطلاقَ قبل دخول العشر بليلة القدر، طَلَقت بانقضاء العشر، ولا تطلق قبل انقضائه.
وكان ﵇ يعتكف العشرَ الأواخرَ ليلًا ونهارًا لطلبها (١)، فمن تابعه فليشرعْ في الاعتكاف قبيل الغروب ليلة الحادي والعشرين، ويستمرَّ إِلى هلال شوال، ولو أحيا ليلتي العيد لم يمت قلبُه يوم تموت القلوبُ (٢).
* * *
٨٩٨ - فصل في بيان أقلِّ الاعتكاف
الاعتكاف سُنَّة حسنة، وفي أقلِّه وجهان:
أحدُهما: حضورُ المسجد مع النيَّة؛ اعتبارًا بحضور عرفةَ، ولو دخل
стр. 810
من باب وخرج من آخرَ أجزأه.
والثاني: لابدَّ من مُكثٍ محسوس يزيد على طمأنينةِ الركوع، ولو تردَّد في نواحي المسجد، أجزأه، وقيل: لو اعتاد دخولَ المسجد لجماعة أو غيرها، فنوى الاعتكافَ في بعض دخلاته، لم يصحَّ؛ لأنَّه لم يخالف عادتَه، ولا وجهَ لهذا, ولا لقول مَنْ قال: لا يصحُّ الاعتكافُ إِلا يومًا أو ما يدنو منه.
* * *
٨٩٩ - فصل في الصوم في الاعتكاف
ولا يُشترط فيه الصومُ، فيصحُّ في الليالي المنفردة، والعيد، وأيَّام التشريق، واشتُرط فيه الصومُ على القديم، فلا يصحُّ اعتكافُ الليل تبعًا ولا منفردًا، ولا يشترط أن يكونَ صومُه لأجل الاعتكاف، ولذلك يصحُّ اعتكاف رمضانَ.
وعلى الجديد: لو نذر أن يعتكفَ صائمًا، لزمه الصومُ والاعتكاف، وفي جمعهما وجهان:
أحدُهما: لا يجب؛ كما لو نذر الاعتكافَ مصلِّيًا.
والثاني: يجب؛ لاتِّفاقهما في غَرَض الانكفاف، واعتبارًا بنذر القِران بين الحجِّ والعمرة، ولو نذر صلاةً يقرأ فيها سورةَ كذا، ففي وجوب الجمع الوجهان، ولو نذر أن يصومَ معتكِفًا، لم يجب الجمعُ عند أبي محمَّد، وخرَّجه الإِمامُ على الوجهين.
стр. 811
٩٠٠ - فرع:
لو نذر اعتكافَ العشر الأواخر، فنقص الشهرُ، أجزأه التسع، بخلاف ما لو نذر اعتكافَ عشرٍ، فإِنَّه يلزمه الإتمام.
* * *
٩٠١ - فصل في التطوُّع بالاعتكاف
لا يجب الاعتكاف إِلا بالنذر، وبهذا يبطل مذهبُ مَنْ قال: لا يجبُ بالنذر إِلَّا ما يجب بأصل الشرع، فإِذا شرع في الاعتكاف متطوِّعًا, ولم ينو مدّةً، صحَّ اعتكافُه ما دام في المسجد، وتردَّد أبو محمد في هذا وفيمن أطلق نيَّة الصلاة، وأجاز الاقتصارَ على أربع ركعات فما دونها، وإِن زاد ففيه نظر، وأجاز غيرُه أن يأتيَ بمئة ركعة، وهذا هو القياس، فإِن قلنا بالأصحِّ، فخرج لحاجة أو غيرها، فالذي مضى اعتكافٌ تامٌّ إِن كان لبث، وإِن لم يكن فعلى الوجهين، فإِن عاد إِلى المسجد، فهو اعتكافٌ جديد يفتقر إِلى النيَّة.
ولو نوى اعتكافَ أيَّام أو نَذَرها, ولم يشرط التتابعَ، فخرج في أثنائها، وعاد قبل انقضائها، فقد قال أبو محمد: إِن قصُر الزمانُ، فلا نيَّة عليه، وإِن طال، فقولان؛ كما في تفريق الطهارة، وقال غيرُه: إِن خرج للحاجة، فلا نيَّة عليه، وإِن خرج لغيرها، فوجهان وإِن قرب الزمان.
* * *
٩٠٢ - فصل فيمن نذر تتابعَ الاعتكاف ولم يعين الزمان
إِذا نذر اعتكافًا متتابعًا, ولم يعيِّن زمانًا، لزمه ذلك، فإِن لم يتابعه،
стр. 812
بَطَل ما مضى منه، ولا ينقطع التتابعُ بالخروج للحاجة إِن قَصُرَ الزمان، وإِن طال؛ لبعد المنزل، أو كثر الخروج لعارض خارج عن الاعتدال، فوجهان.
وحدُّ القصير: ما لا يُخرجه عن هيئة ملازَمة المسجد، والطويل: ما يخرج عن هيئة الملازَمة.
ولو كان له منزلان قريبان، فخرج إِلى أبعدِهما، فوجهان، ولو خرج لأكلٍ أو وضوء واجبٍ، لم يجز على الأصحِّ؛ لإمكانهما في المسجد.
وإِن حاضت المرأةُ في اعتكاف أو صوم متتابع؛ فإِن كانت المدَّة المنذورة ممَّا يغلب طُروءُ الحيض عليها لم ينقطع التتابع، وإِن قلَّت بحيث لا يبعد خُلوُّها عن الحيض، فإِن شرعت قريبًا من نوبتها، أو اتَّفق تقدُّم الحيض على خلاف عادتها، فوجهان، والأصحُّ الانقطاعُ فيما قرَّبتْه من نوبتها، ووجه الصِّحة تجويزُ تأخُّر الحيض.
وإِن خرج لمرض يبيح الخروجَ، فقولان، فإِن أفضى إِلى تلويث المسجد؛ كالاستحاضة، واسترخاء الأُسْر، فطريقان:
أحدهما: لا يقطع كالحيض.
والثانية: فيه القولان، وهو القياس.
ويبطل بالخروج للعيادة والأغراض الصحيحة إِلَّا أن يستثنيَ ذلك، وفي الاستثناء قولٌ مهجور: أنَّ التتابعَ واجب، والاستثناء باطل؛ فإِن عاد بعد المرض أو المستثنى من الغرَض، ففي تجديد النيَّة وجهان كالوجهين في تجديدها عند تفريق الطهارة.
* * *
стр. 813
٩٠٣ - فصل فيما يُحسب له من أزمنة الخروج وما لا يُحسب
إِذا خرج لحيض أو مرض، لم يحسب وقتُهما من المُدَّة المنذورة، ولزم استدراكه، وتُحسب أوقاتُ الحاجة من المدَّة المنذورة، فإِذا نذر عشرًا، فبلغت خرجاته يومًا أو أكثر لم يلزمه تداركها اتِّفاقًا، وهل يجري عليها حكمُ الاعتكاف؟ فيه وجهان:
أحدُهما: نعم؛ بدليل أنَّه لو جامع فيها, لفسد الاعتكاف.
والثاني: لا؛ لأنَّ خرجاتِه مستثناةٌ بحكم العادة، فكأنَّه نذر العشرَ إِلا أوقات الحاجة. وإِنَّما أفسده الجماعُ؛ لاشتغاله بغير الحاجة، فصار كالعيادة، فإِن تُصُوِّر الجماعُ مع قضاء الحاجة، لم تبطل.
وقال الإِمام: الأصحُّ البطلان بالجماع وإِن جعلناه غيرَ معتكِف؛ لِعَظَم وقع الجماع في الشرع، ولذلك لو خرج للحاجة، فكل لُقَمًا يسيرة، لم يبطل اعتكافُه، ولو جامع في مثل تلك المدَّة بطل اتِّفاقًا.
* * *
٩٠٤ - فصل فيمن عيَّن وقتَ الاعتكاف ولم يَشرط التتابعَ
إِذا نذر اعتكافَ العشر الأواخر، لم يلزمه استدراكُ أوقات الحاجة، ولا أن يجدِّد النيَّةَ إِذا عاد، فإِن خرج لغير عُذْر، أو جامع، لم تُحتسب أوقاتُ خروجه، ولا يبطل ما مضى، فإِن عاد لزمته النيَّة على المذهب، وقيل: لا تلزمه؛ لشمول النيَّة الأُولى.
ولو خرج لأغراضٍ استثناها, لم يلزمه تداركُ أوقاتها؛ لخروجها
стр. 814
بالاستثناء عن الالتزام، بخلاف ما تقدَّم في النذر المتتابع؛ فإِن الاستثناءَ فيه ينصرفُ إِلى التتابع دون أصل المدَّة.
ولو خرج لحيض أو مرض، لزمه تداركُ وقتيهما، بخلاف أوقات الاستثناء.
ولو ترك اعتكافَ العشر، لزمه قضاءُ العشر دون التتابع؛ اعتبارًا برمضان.
٩٠٥ - فرع:
لو عيَّن الزمانَ، وشرط التتابعَ، ثبت حكمُ التتابع على الأصحِّ، وقيل: لا يثبت، وقد سبق تفريعُ كلِّ واحد منهما.
* * *
٩٠٦ - فصل في الاستثناء في الاعتكاف والعبادات
إِذا صحَّ الاستثناءُ في الاعتكاف، لم يجز الزيادةُ على مقتضاه، فإِن استثنى العيادةَ، لم يخرج لأهمَّ منها, ولو استثنى عيادةَ زيدٍ، لم يخرج لعيادة عمرو، ولو استثنى الخروجَ لكلِّ شغل يعِنُّ له، فله الخروجُ لكلِّ غَرَض مباح عاجل أو آجِل، وليس له أن يخرجَ لينظرَ إِلى رفقة أو مجتمع؛ إِذ لا حاصلَ لذلك، ويمكن أن يضبط الشغل بمطلوب المسافر في مقصده.
ولو قال: لله عليَّ أن أتصدَّق بعشرة دراهم إِلَّا أن أحتاجَ، أو فرض مثله في سائر القربات؛ كالصوم والصلاة، أو قال: لله على كذا وكذا إِلَّا أن يبدوَ لي، فبدا له، فهذه المسائل محتمِلةٌ عند صاحب "التقريب"، ولم يفسد نذرُه بهذا الشرط.
стр. 815
وقال أبو محمد: الأوجَهُ بطلان الاستثناء في قوله: إِلَّا أن يبدو لي، ويتَّجه إِبطالُ النذر؛ لمنافاة التخيُّرِ للالتزام.
وقال العراقيُّون: لو شرع في صوم منذور، وشرط في نيَّته أن يتحلَّل عنه إن عرض له عرض مؤثِّر؛ كالمرض الذي لا يبيح الإفطار، صحَّ صومه، وله أن يتحلَّل عند الشرط، وعليه القضاء.
ولو شرط التحلُّلَ عن الحجِّ بالمرض، فقولان، وقال أبو محمَّد: الحجُّ أَولى بقَبول الشرط؛ لحديث ضُباعةَ في قوله ﵇: "أهِلِّي، واشترطي: أن محلِّي حيث حَبَسْتني" (١)، ولا ينقدح في الصوم إِلا بطلانُ الشرط، أو بطلانُ الصوم؛ لبطلان النيَّة.
* * *
٩٠٧ - فصل في تعيين المساجد للصلاة والاعتكاف
إِذا نذر الصلاةَ في مسجد غير مسجد مكَّةَ والمدينة والقدس، فله أن يصليَّها في أيِّ مكانٍ شاء من المساجد وغيرها، وإِن عيَّن المسجدين، فقولان، وفي المسجد الحرام طريقان:
أحدُهما: يتعيَّن قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان.
وإِن نذر الاعتكافَ في غير الثلاثة، فوجهان، ظاهرُ النصِّ التعيُّن، كما يتعيَّن الزمانُ للصوم على المذهب؛ لأنَّهما مشتركان في الانكفاف، ونسبةُ
стр. 816
المكان إِلى الاعتكاف كنسبة الزمان إِلى الصيام، فإِن عيَّنَّا ما عدا الثلاثةَ، فالثلاثةُ أولى، وإِن لم نعيِّنه، ففي الثلاثة القولان؛ كما في الصلاة، وأولى بالتعين، [فإن قلنا بالتعين] (١)، فلا يصحُّ الاعتكافُ إِلَّا في المعيَّن، وإِن قلنا: لا يتعيَّن المسجدُ، فاعتكف فيه، ثمَّ خرج للحاجة وعاد إِلى مسجد آخرَ يساويه في المسافة أو ينقص عنه، وفعل ذلك في كلِّ خروج، جاز على الأظهر، وأبعدَ من منعه.
والاعتكافُ في الجامع أفضلُ، فإِن عيَّن غيرَه، لزمه الخروجُ إِلى الجمعة، فإِن قلنا بالتعيُّن، ففي انقطاع التتابع بالخروج إِلى الجمعة قولان، وإن قلنا: لا يتعيَّن، فخرج للحاجة، ورجع إِلى الجامع عند استواء المسافة، لم ينقطع التتابعُ على المذهب، وإِن لم يخرج إِلا للجمعة، ففيه القولان (٢).
* * *
٩٠٨ - فصل في الخروج للعيادة وصلاة الجنازة
إِذا خرج لعيادة، أو شهود جنازة، بطل التتابعُ، ولو صلَّى على جنازة على ممرِّه إِلى حاجته، أو وقف وقفةً قريبة للعيادة، أو سأل عن المريض، فلا بأس، ولا يَزْوَرُّ للجنازة ولا للعيادة، فإِن ازورَّ للعيادة في زمن قريب يُحتمل مثلُه بين البطء والإِسراع، بطل اعتكافُه.
ولو جلس في منزله جَلسة يسيرة؛ ليُهيَّأَ له موضعُ الحاجة، أو أكل في
стр. 817
جلسته أكلًا غيرَ مقصود، فلا بأس، وكذلك لو أكل بعد الحاجة لُقَمًا يسيرة على الأصحِّ، ولا خلاف أنَّ وضوءَه بعد الحاجة لا يقطع التتابعَ وإِن منعنا الخروجَ لأجله.
ويُعتبر في الزيارة على الممرِّ طولُ الزمان وقِصَرُه، فكلُّ أمدٍ زاد على الاتِّئاد والاقتصاد بحيث يُحسُّ به المنتظِرُ المراقِبُ، فهو طويل.
* * *
٩٠٩ - فصل في اكتساب المعتكِف
ولا يبطل الاعتكافُ بسِباب ولا جدال، ولا بيع ولا شراء ولا احتراف، وأبطله مالكٌ بحِرْفة التبلُّغ وغلط مَنْ أضاف ذلك إِلى الشافعيِّ.
* * *
٩١٠ - فصل في الخروج للأذان
ولا بأس بالصُّعود إِلى المنارة المعدودة من المسجد؛ إِذ هي كبيتِ في المسجد، وإِن صعِد إِلى منارة ملصقة بالمسجد غيرِ معدودة منه، فلها حالان:
الأولى: أن يكون بابُها في المسجد، فلا ينقطعُ التتابعُ إِن صعدها المؤذِّن الراتبُ لأجل الأذان، وفيه احتمال؛ إِذ خرج إِلى بقعة ليس لها أحكام المساجد، وإِن خرج إِليها لغير الأذان، فلا نقلَ في هذه المسألة، والظاهر الانقطاعُ.
الثانية: أن يكون بابُها في الشارع، أو في حريم المسجد، فإِن خرج
стр. 818
إليها لغير الأذان، بطل التتابعُ، وللأذان من الراتب وجهان، أحدُهما: البطلان، وهو القياس. والثاني: الصحَّة؛ إِمَّا لأنَّها من حقوق المسجد؛ لكونها على حريمه، أو لأنَّ خروجَ الراتب للأذان كالمستثنى.
وفي خروج غير الراتب للأذان وجهان مأخذُهما المعنيان، ولو خرج المؤذِّن إِلى حجرة مهيَّأة للسكنى، وبابُها في المسجد، بطل اعتكافُه، بخلاف المنارة، فإِنَّها (١) بُنيت لإِقامة شعار المسجد.
* * *
٩١١ - فصل في الأذان للولاة
قال الشافعيُّ ﵀: أكره الأذانَ بالصلاة للولاة.
فقيل: لا تعلُّقَ لهذا بالاعتكاف، وأراد أن يأتيَ المؤذِّنُ بالأذان، أو بعضِ كلماته؛ كالحيعلتين على أبواب الأعيان.
ولو نادى على أبوابهم بغير كَلِمِ الأذان، ففي الكراهية وجهان، وقيل: أراد خروجَ المؤذِّن للنداء على أبواب الأعيان، فإِنَّه يقطع الاعتكافَ، بخلاف الخروج للأذان على حريم المسجد.
* * *
٩١٢ - فصل فيمن خرج مُكرَهًا أو ناسيًا أو لأداء واجب
إِذا خرج لمرض يعسرُ احتمالُه في المسجد، أو أخرج قهرًا، أو أكره حتَّى خرج، ففي انقطاع التتابع قولان.
стр. 819
ولو خرج ناسيًا، فالظاهرُ الانقطاعُ عند الإِمام، وغايته أن يجريَ فيه القولان، بخلاف ما لو أكل ناسيًا، أو أُوجِرَ الطعامَ في الصيام، وإِذا صحَّحنا الاستثناءَ، فاستثنى إِخراجَ السلطان، ففي صحَّة الاستثناء المعلَّق بغير المستثنى وجهان.
وإِن خرج لشهادة تحمَّلَها قبلَ الاعتكاف، بطل التتابع (١) إِن لم يتعيَّن، وإِن تعيَّن، فقولان مرتَّبان على المرض، وأولى بالانقطاع.
ولو خرج لإِقامة حدٍّ وجب قبل الاعتكاف، فقولان مرتَّبان على الشهادة، وأولى بالبطلان.
ولو شَرَعَت المرأةُ في اعتكاف منذور؛ فإِن كان نذرُها وشروعها بإِذن زوجها، فليس له إِخراجُها، وإِن أذِن في أحدِهما دون الآخر، فوجهان.
فإِن طلَّقها أو مات؛ فإِن كان يملك إِخراجَها لو دام نكاحُها, لزمها الخروجُ للعِدَّة، وفي انقطاع الوِلاء قولان مختلفان في الترتيب؛ إِن كانت قد عصت باعتكافها، فعلى القولين في الخروج للحَدِّ، وإِن لم تعصِ، فعلى القولين في إِقامة الشهادة.
وإِن كان لا يملك إِخراجَها مع قيام النكاح، فهل لها إتمامُ الاعتكاف؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: لا تخرج، فخالفت، بطل اعتكافُها، وإِن أوجبنا الخروجَ ففي انقطاع التتابع (٢) قولان.
* * *
стр. 820
٩١٣ - فصل في الجماع والمباشرة
ويبطل الاعتكافُ بكلِّ جماع مفسد للصيام، وفي المباشرة بغير إِنزال قولان، وبالإنزال طريقان، أصحُّهما البطلان، وقال الشافعيُّ في موضع: لا يبطل الاعتكافُ إِلا بوطء يوجب الحدَّ، ومقتضاه ألَّا يبطل بوطء البهيمة إِذا لم يوجب الحدِّ؛ فإِن أفسدناه بالمباشرة، فالضابطُ فيها وفيما يوجب الفديةَ في الإحرام كلُّ مباشرة تنقضُ الوضوءَ، والحيضُ مبطلٌ اتِّفاقًا، وكذلك الجنابةُ على القياس، ومن قال: لا يبطل بالإنزال أمكنه أن يعتبرَ ذلك بالعبور إِذا جعلنا الحضورَ اعتكافًا، فإِذا عقَّب الانزالَ بالغسل في المسجد، أمكن ألَّا يبطلَ في ذلك الزمان.
وأمَّا المكث مع الجنابة: فلا يجوزُ أن يصحَّ معه الاعتكافُ.
ولو تعمَّد الإنزالَ مع التمكُّن من الغسل في المسجد، فالوجه التحريمُ، وفيه احتمال.
ولو اتَّفقت الجنابةُ في المسجد، وأمكنه أن يغتسلَ فيه في زمن ينقص عن قطع مسافته (١) في الخروج، تعيَّن عليه الخروجُ، وأبعد مَنْ أجاز له الغسلَ في المسجد، ولم يوجبه أحدٌ؛ نظرًا إِلى قرب الزمان.
* * *
٩١٤ - فصل في الردَّة والسُّكْر
إِذا ارتدَّ المعتكِفُ، أو سكر، ففي بطلان اعتكافه ثلاثةُ أوجه، أبعدُها
стр. 821
التفرقةُ بين طويل الزمان وقصيره، والمنصوص أنَّه يبطل بالسُّكْر دون الردَّة، والقياسُ خلاف النصِّ فيهما؛ اعتبارًا للسُّكْر بالنوم والغفلة، وحملًا لنصِّ الردَّة: على أنَّها لا تُبطِل ما مضى، ولنصِّ السكر: على ما لو أُخرج لإِقامة الحدِّ، وأبعد من أقرَّ النصَّين، وفرَّق بأنَّ السَّكرانَ ليس من أهل المسجد، بخلاف المرتدِّ.
فإِن قلنا: لا تفسده الردَّةُ، فلو اقترنت بإِنشائه، فتصحيحه بعيدٌ، والفرق عَسِرٌ.
* * *
٩١٥ - فصل فيما يدخل من الليالي في نذر الاعتكاف وما لا يدخل
إِذا نذر اعتكافَ شهرٍ أو أيَّام، أو صومَ شهر أو أيَّام؛ فإِن شَرط التتابعَ (١) بلفظه أو نيَّته، لزمه ذلك، وإِن أطلق، فالمستحبُّ أن يتابعَه، ولا يلزمه ذلك، خلافًا لابن سُريج في الاعتكاف.
وإِن نذر اعتكافَ يوم، فاعتكف نِصفَي يومين، أو أثلاثَ ثلاثةٍ فوجهان؛ لأنَّ الساعات المفرَّقة لا تُسمَّى يومًا، بخلاف الأيَّام المفرَّقة؛ فإِنّها تُسمّى شهرًا أو عشرة أيَّام، فإِذن اليومُ عبارة عن ساعات متَّصلة من الفجر إِلى الغروب.
فإِن منعنا التفريقَ، فاعتكف من الزوال إِلى الغروب، ثمَّ من الفجر
стр. 822
إِلى الزوال، لم يجزه، وإِن اعتكف من الزوال إِلى الزوال، أجزأه، خلافًا لأبي إسحاق المروزيِّ، فإِنَّه قال: لا يجزئه، إِلَّا أن يعتكفَ من الفجر إِلى الغروب.
وإنَّ جوَّزنا التفريقَ، كفاه ساعاتُ أقصرِ النهار، ويتَّجه أن يُنسبَ جزءُ كلِّ يوم إِليه حتَّى لو فرَّق الساعات على أيَّامٍ هي أقصرُ أيَّام السنين، أجزأه، وإِن اختلفت الأيَّام طولًا وقِصَرًا، فينبغي أن يُنسبَ أجزاء كلِّ يوم إِليه، فإِن كانت ثلثًا، فقد برئ من ثلث الواجب، وهكذا إِلى التمام.
ويحقِّق هذا أنَّه لو اعتكف تسعَ ساعات ونصفًا من أطول الأيَّام، لم يجزه، ولو نذر يومًا، فاعتكف أطولَ الأيام، فالكلُّ فرضٌ، وإِن اعتكف أقصرَها، كفاه، وإِن نذر اعتكاف شهر لزمته الليالي اتِّفاقًا، وإِن نذر يومًا، لم يلزمه الليلةُ إِلّا أن ينويَها، وإِن نذر ثلاثةَ أيَّام فما زاد، لم يلزمه تِباعُها على الأظهر، وهل يلزمه الليالي بعدَّة الأيام؟ فيه وجهان.
وقال الإِمام: إِذا كان لزومُ الليالي مأخوذًا من إِطلاق التواريخ، وجب ألَّا تلزمه الليالي بعدَّة الأيَّام، بل تكفيه في العشرة تسعٌ، وفي الثلاثة ليلتان.
ولو نذر يومين، فهما كاليوم عند المراوزة، وكالأيَّام عند العراقيِّين، فإِن قيَّدهما بالتِّباع، فلم يعتكف الليلةَ التي بينهما، أجزأه عند أبي محمَّد؛ اعتبارًا بالصوم، ولا يجزئه عند العراقيين، ولو نذر التِّباعَ في الأيَّام، فخرج في لياليها، ففي جوازه الخلافُ بين العراقيّين والمراوزة.
* * *
стр. 823
٩١٦ - فصل في الاعتكاف في مسجد الدار
لا يصحُّ اعتكافُ المرأة في مسجد بيتها، وهو المكانُ المهيَّأ للصلاة، وأجازه في القديم، وفي الرجل قولان مرتَّبان، ولا وجهَ لذلك.
* * *
٩١٧ - فصل في نذر الاعتكاف لقدوم زيد
إِذا نذر أن يصومَ أو يعتكفَ اليومَ الذي يقدم فيه فلانٌ، فقدمَ نصفَ النهار، لزمه أن يعتكفَ بقيّة النهار على المذهب، وهل يلزمه قضاءُ الصوم، وما فات من اعتكاف أول النهار؟ فيه قولان، وقال المزنيُّ: المستحبُّ أن يعتكفَ يومًا متواصلًا، وهذا غلط؛ لأنَّ بقية النهار مجزئة، فلا يُستحبُّ التواصل في غير المنذور.
* * *
٩١٨ - فصل فيمن يصحُّ اعتكافه
كلُّ من صحَّت نيَّته صحَّ اعتكافُه؛ كالعبد والمرأة والمسافر، وأبعد مَنْ منع المكاتَب؛ إِذ لا خلاف أنَّه لو جلس في بيته يومًا أو يومين، ولم يكتسب، فلا اعتراضَ عليه قبل حُلول النجم.
٩١٩ - فرع:
لا يُحرِّم الاعتكافُ ما يحرِّمه الإِحرامُ؛ من اللباس والنكاح والإنكاح، ولا بأسَ بوضع الموائد في المساجد، وغسل الأيدي في الطُّسوس.
стр. 824
٩٢٠ - فرع:
لو نذر الصومَ أو الاعتكافَ في زمان معيَّن، لزمه ذلك على الأصحِّ، فلا يجوز التقديمُ ولا التأخير، وقيل: لا يتعيَّن؛ كالصلاة والصدقة.
٩٢١ - فرع:
إِذا مات وعليه اعتكافٌ تمكَّن منه، فهل يُخرَج عنه مُدٌّ لكلِّ يوم بليلته، أو يَعتكِف عنه وليُّه؟ فيه قولان منصوصان، والله أعلم.
* * *
стр. 825
كِتابُ الحجِّ
стр. 826
كِتابُ الحَجِّ
٩٢٢ - باب بيان فرض الحج
يجب الحجُّ على كلِّ مكلَّف مسلمٍ حرٍّ مستطيع للحجِّ بنفسه أو نائبه، ويُشترط لصحَّة الحجِّ بالمباشَرة الإِسلامُ والتمييز، وبغير المباشَرة الإِسلامُ المَحْضُ.
والاستطاعة: هي القدرة على المباشَرة من القادر، وعلى الاستنابة من العاجز.
فأمَّا استطاعةُ المباشَرة: فزادٌ وراحلة يَفْضُلان عن مسكنه وعبده المستغرق بخدمته، وقضاء ديونه الحالَّة، وما يصرفه في النكاح إِن خشي العَنَت خشية تُبيح نكاحَ الأَمَة، وأمَّا رأسُ مال التجارة: فيُصرف في الدَّين والحجِّ والكفَّارة المرتَّبة.
وقال ابن سُريج: إِن لم يُحسِن الكسبَ إِلا بالتجارة، تُرِك له ما يُتوصَّل به إِلى تحصيل قوتهِ في المستقبل، كما يُترك له دَسْتٌ (١) ثوب يليق بمنصبه،
стр. 827
وهو مزيَّف في الديون، مُحتمِلٌ في الحجِّ، متَّجِه في الكفَّارات لأجل أبدالها.
فأمَّا الزاد: فنفقةُ الذهاب والإِياب إِن كان له أهلٌ أو مسكن، وإِن لم يكن، ففي نفقة الإِياب وجهان، وفي المسكن احتمال، والأهل: زوجته وولده وأقاربه، ولم يتعرَّضوا للأصدقاء؛ لإمكان الاستبدال.
وأمّا الراحلة: فإِن استمسك عليها، اعتُبِرت مَؤونتها، وإِن لم يستمسك، أو تضرَّر بالاستمساك، فلا يلزمه إِلَّا أن يجدَ شِقَّ مَحْمِل، فيلزمه إِن وجد عَدِيلًا، وإِن لم يجد العديلَ، أو وجده وقَدَر على أجرة جميع المَحمِل لنفسه ولعديله، فلا يلزمه ذلك، واختلفوا في التضرُّر بالاستمساك، فاعتبره أبو محمَّد ما بين الركوب والمشي من الضرر، واعتبره غيره بما يُخشى منه المرض.
٩٢٣ - فرع:
إِذا كان من مكَّة على مسافة لا تقصر فيها الصلاةُ، لزمه المشيُ إِن قَدَر عليه؛ فإِن تضرَّر به، فهو كالتضرُّر بركوب الراحلة، وإِن قدر على الزحف دونَ المشي، فلا وجوبَ.
٩٢٤ - فرع:
إِذا وجد نفقةَ أهله دون نفقة نفسه، وتيسَّر له الكسبُ في الطريق؛ فإِن كان مسافةَ القصر، لم يلزمه ذلك، وإِن نَقَصت المسافةُ، لزمه ذلك إِن كفاه كسبُ يوم لأيَّام، وإن لم يكْفِه إِلَّا ليومه، فلا وجوب.
* * *
стр. 828
٩٢٥ - فصل في استطاعة الاستنابة
يُشرط لوجوب الاستنابة وصحَّتِها العَجْزُ عن المباشرة بزَمانةٍ أو عَضْب لا يرجى زواله في غالب الظنِّ، فإِذا قَدَر على الاستنابة بأجرة أو طاعة، وجبت الاستنابةُ.
ويُعتبر في الأجرة أن تفضُل عمَّا يخلف له من دين وغيره، وعن نفقته ونفقة أهله في يومه، كما يُترك لهم نفقتهم في الفطرة [والدَّين] (١) والكفَّارة، وأمَّا الزيادةُ على نفقة اليوم: فلابدَّ من تخليف بلاغ إِن قلنا: يترك له رأس المال، وإِن قلنا: لا يترك، ففي ترك النفقة الزائدة على نفقة اليوم احتمالان:
أحدهما: لا يُترك؛ كما في الفطرة والدَّين والكفارة.
والثاني: يُترك إِلى فراغ الأجير من الحجّ دون إِيابه، بخلاف الفطرة والكفَّارة؛ فإِنَّ مقصودَهما يحصل ببذلهما بخلاف الحجّ؛ فإِنَّه متوقَّع لا يحصل ببذل الأجرة، ولا مبالاة بما يُتوقَّع من مَسْكنة المباشر بعد الإِياب، والمعضوب بعد الفراغ من الحجِّ؛ إِذ الأرزاق بيد الخلَّاق.
* * *
٩٢٦ - فصل في بذل الطاعة
إِذا بذل الابنُ الطاعةَ، وجبت الاستنابةُ إِن ملك زادم وراحلة، وإِن كان ماشيًا له زاد، فوجهان، وإِن لم يكن زادٌ وعوَّل على الكسب، فوجهان مرتَّبان، فإِن لم يكن وعوَّل على السؤال، فوجهان مرتَّبان، فإِن كانت مفازةٌ لا ينفع فيها
стр. 829
كسبٌ ولا سؤال، حَرُم على الابن التغريرُ بسلوكها، ولا استنابةَ على الأب.
وإن بذل الأجنبيُّ المال، فلا تجب الاستنابةُ اتِّفاقًا، وإِن بذل الطاعةَ، أو بذل الابنُ الأجرة في الحجِّ، وثمنَ الماء في التيمُّم، فوجهان، وقال أبو محمَّد: الأبُ في الطاعة كالأجنبي، وفي المال كالابن أو الأجنبي؟ فيه تردُّد، ولعلَّ الأظهر إِلحاقُه بالابن.
٩٢٧ - فرع:
لو رجع الابنُ عن الطاعة، جاز على الأصحِّ، وقيل: لا يجوز؛ لأنَّه كالضامن.
* * *
٩٢٨ - فصل في زوال العَضْب (١) بعد الحجِّ
لا يصحُّ الحجُّ عن القادر، ولا عن ذي عَضْب مرجوِّ الزوال، فإِنْ حُج عنه في عَضْب مأيوس، فبرئ على نُدور، أو في عَضْب مرجُوٍّ، فاتَّصل بالموت، ففي وقوع الحجِّ عن المستأجر قولان، يُنظر في أحدهما إِلى الحال، وفي الآخَر إِلى المآل، والأصح أنَّه لا يقع عنه، فإِن أوقعناه عنه، لزمته الأجرةُ، وأبعد مَنْ أوقعه عن نفله.
وإن قلنا: لا يقع عنه، فلا تلزمه الأجرةُ على أصحِّ الوجهين، فإِن
стр. 830
ألزمناه الأجرة، فهي أجرة المِثل أو المسمَّى؟ فيه وجهان يبتنيان على بقاء الإجارة وانفساخها.
وقال أبو محمَّد: إِن قلنا: تقع عن نفل المستأجر، فلا يمتنع تخريجُ الخلاف في المسمَّى، وأجرة المثل.
ولو أحرم بالحجِّ عن المستأجِر في إِجارة صحيحة، ثم نوى صرفَه إلى نفسه ظانًّا لجوازه، ففي استحقاقه الأجرةَ وجهان.
* * *
٩٢٩ - فصل في حجِّ المملوك والصبيِّ والردَّة بعد الحجِّ
ويصحُّ حجُّهما، ولا يقع عن فرض الإِسلام؛ إِذ لا وجوبَ.
ولو حجَّ الفقيرُ أجزأه عن فرض الإِسلام، ولا يجب الحجُّ إِلَّا مرَّةَ، وكذلك العمرةُ إن أوجبناها، فإِن ارتدَّ بعد أداء الفرض، ثمَّ رجع إِلى الإِسلام، لم يلزمه الإِعادةُ.
* * *
٩٣٠ - فصل في تقديم فريضة الحجِّ على غيرها
الحجُّ منقسمٌ إِلى فرض الإِسلام، والنذور، والتطوُّع، والقضاءُ عن حجٍّ لو تمَّ لم يقع عن فرض الإِسلام؛ كحجٍّ أفسده العبدُ، ثم عَتَق قبل قضائه، فإِذا أطلق نيَّة الحجِّ، أو نوى شيئًا من هذه الأقسام، انصرف إِلى فرض الإِسلام.
والنذر مع التطوُّع كفرض الإِسلام مع التطوُّع، وقال أبو محمَّد: يُقدَّم
стр. 831
القضاءُ على النذر، وفيه احتمال؛ إِذ القضاءُ فرع لحجٍّ غيرِ واجب، كما أنَّ النذر غير واجب، ولا يصحُّ استئجار الصَّرورة على الحجِّ، فإِن استُؤجِر فأحرم عن المستأجر، انصرف إِلى فرض الأجير، ولو استأجر الصرورةَ؛ ليحجَّ في السنة القابلة، لم يصحَّ إِلَّا أن يلزم ذلك ذمَّتَه، فتصحَّ الإِجارة، ويحج في السنة الأولى عن نفسه، وفي الثانية عن المستأجر، فإِن حجَّ عن نفسه، ثمَّ أحرم بالتطوُّع عن نفسه في السنة الثانية، صحَّ إِحرامُه، وقال أبو محمَّد: ينصرفُ إِلى المستأجر؛ لوجوب الحجِّ عن المستأجر.
* * *
стр. 832
٩٣١ - باب إِمكان الحجِّ وأنَّه من رأس المال
إِذا اتَّصف بالاستطاعة مدَّةً تتَّسعُ للسفر وإِقامة الحجِّ فقد استقرَّ في ذمّته، ولا أثر لموته بعد ذلك، وإِن ضاقت المدةُ عن السفر والحجِّ، فلا وجوبَ، وكذلك لو تلف مالُه بعد الفراغ من الحجّ وقبل الإِياب حيث يُشترط نفقة الإِياب.
قلت: إِذا لم يتَّسع الوقت إِلَّا للحجِّ، فينبغي أن يلزمَه الحجُّ والعمرة؛ لأنَّه تمكَّن من إيقاعهما بالقران، ولو ضاق الوقتُ عن الحجِّ دون العمرة، وجب أن يلزمَه العمرةُ، ولو حجَّ غيرُ المستطيع، وأفسد حجَّه استقرَّ قضاؤه في ذمَّته؛ لأنه لو تمَّ، لوقع عن فرض الإِسلام، بخلاف ما لو أفسد حجَّ التطوُّع، فإِنَّ حكمَه في القضاء كحُكْمه في الأداء، ولو أوصى بحجِّ تطوُّع، ففي الصحَّة قولان، وإن أوصى غيرُ المستطيع بالحجِّ، فطريقان، أحدُهما: القطعُ بالصحَّة؛ لأنه لو وقع في الحياة، لأجزأ عن فرض الإِسلام، فإِن أجزنا الوصيَّة بذلك، اعتبرت من الثلث؛ لانتفاء الدَّينيَّة.
* * *
٩٣٢ - فصل في حجِّ المبذِّر والمجنون
الجنون منافٍ لوجوب الحجِّ، بخلاف الزكاة؛ إِذ مقصودُها الأظهر
стр. 833
سَدُّ الخَلَّة ودفع الحاجة، فإِن كانت له إِفاقةٌ تتَّسع للحجِّ استقرَّ في ذمَّته، وإن لم تتَّسع لم يجز للوليِّ أن يحجَّ به من ماله، فإِن خالف ضَمِن ما زاد بسبب السفر إِلَّا أن يتَّفق له إِفاقةٌ يؤدِّي فيها الحجَّ، فلا ضمانَ على الوليِّ، ويجب الحجُّ على المبذِّر، ويخرج معه الوليُّ أو نائبه؛ ليراقبَه وينفقَ عليه.
* * *
٩٣٣ - فصل في غلاء الأسعار وما يُؤخذ على المراصد (١)
لا يسقط وجوبُ الحجِّ بغلاء مُؤَنه؛ كالعلف والكراء والزاد والماء إِذا قدر على الثمن؛ لأنَّه مأخوذ بحقٍّ، بخلاف ما يؤخذ على المراصد بالباطل، فإِنَّه إِذا لم يقدر على دفعه، ولم يجد طريقًا لا راصدَ به، فلا يلزمه الحجُّ وإِن قلَّ قدر المأخوذ، وفي وجوب أجرة المُبَذْرِق (٢) الذي يأمن بسببه وجهان، واختار الإِمامُ الوجوبَ، ولا يُشترط أن يأمنَ في السفر كالأمن الغالب في الحضر، بل يُعتبر في كل مكان ما يليق به.
* * *
стр. 834
٩٣٤ - فصل في ركوب البحر لأجل الحجِّ
إِذا اغتلم (١) البحر، أو كان مُغرِقًا لا يركبه إِلا هجَّام مُغَرِّر، فلا يجب ركوبُه لأجل الحجِّ، وإن كان ممَّا يعتاد ركوبه، ولا يُنسَب راكبه إِلى اقتحام العَطَب، فقد اختلف النصُّ في ركوبه، ولهم فيه خمسُ طرق:
الأولى: في وجوب ركوبه قولان.
الثانية: تجب على الجريء، وفي المستشعر (٢) قولان.
الثالثة: لا تجب على المستشعر، وفي الجريء قولان.
الرابعة: تجب على الجريء دون المستشعر؛ حملًا للنصَّين على هاتين الحالين (٣).
الخامسة: لا تجب بحال، والنساء أولى بألَّا يلزمَهُنَّ الركوبُ، فحيث جعلنا في الرجال قولين، ففيهنَّ قولان مرتَّبان.
فإِن قلنا: لا يجب؛ فتوسَّط البحر، واستوى في ظنِّه ما بين يديه وما خلفَه، فإِن لم يكن لرجوعه طريق إِلا البحر، فلا يلزمه إِتيانُ مكَّة، وإِن كان له طريق آخر، ففي وجوب إِتيانها وجهان كالوجهين في المُحصَر إِذا أحاط به العدوُّ، وإن كان إِلى مكَّة أقربَ من غيرها من الجوانب، لزمه إِتيانُها، وإِن كانت أبعدَ، جاز له الرجوعُ، وإِن لم نوجب الركوبَ، فهو محبوبٌ إِن لم
стр. 835
يكن البحر مغرقًا، وإن كان مغرقًا؛ فإن غلب على الظنِّ الهلاك حرم ركوبُه اتِّفاقًا، وإِن استوى الأمران فقد حرَّمه أبو محمَّد، وأشار غيرُه إِلى الكراهة ونفي التحريم، وهل يحرم ركوبُ المُغْرِق لأجل الجهاد؟ فيه وجهان.
* * *
٩٣٥ - فصل في اعتبار المَحْرَم في استطاعة الحجِّ في حقِّ النساء
وجوب الحجِّ على المرأة كوجوبه على الرجل إِلَّا أنَّها تفتقرُ إِلى المَحْرم، فإِن وجدت أسبابَ الاستطاعة إِلَّا المَحْرمَ أو الزوجَ، فلا يلزمها الحجُّ، ولا يؤدَّى من تركتها، وإِن ساعدها زوجُها أو مَحرمُها؛ كالأخ من الرضاع، فذاك، وإِن أبى إِلَّا بأجرة لزمتها الأجرةُ على الأصحِّ، وإِن لم يساعدها زوجٌ ولا ذو محرم، واجتمع نسوةٌ ثقات يصطحبن في رفقة مأمونة، ففي وجوب الخروج وجهان:
أحدُهما: لا يجب إِلَّا أن يكون مع إحداهن مَحْرم، ولم يشترط أحدٌ أن يكونَ مع كل واحدة مَحْرم، واختيار القفَّال اشتراط المحرم، ويشهد لذلك تحريمُ الخلوة؛ إِذ لا يجوزُ للرجل الواحد أن يخلوَ بنسوة إِلَّا أن يكونَ فيهن مَحْرم له، ولو خلا رجالٌ بامرأة وأحدُهم مَحْرم لها، أو خلا عشرون رجلًا بعشرين امرأة، وأحدُهم مَحْرم لواحدة منهنَّ، أو زوجٌ، جاز ذلك، وقد قال الشافعيُّ: لا يجوزُ للرجل أن يَؤُمَّ النساءَ المنفردات إِلَّا أن يكون مَحْرمًا لواحدة منهن.
* * *
стр. 836
٩٣٦ - فصل في إِخراج الحجِّ من التركة
إِذا مات بعد استقرار الحجِّ أو غيره من حقوق الله، ففيه قولان:
أصحُّهما وهو المذهب: أنَّها تُخرج من رأس ماله مقدَّمةً على الوصايا والميراث كغيرها من الديون.
والثاني: أنَّها لا تخرج إِلَّا أن يُوصِيَ بها، فتخرج حينئذ من ثلثه، فعلى هذا يخرج حجَّةً ميقاتيَّةً من ثلثه، وهذا بعيدٌ لا تفريعَ عليه.
ثمَّ المحكوم بكونه دَينًا مخرَجًا من رأس المال أجرةُ حجه من ميقات بلده، أو من مثل مسافته؛ إِذ لا خلافَ أنَّا لا نعتبرُ عينَ الميقات، وتدفع الأجرة إِلى بعض السيَّارة إِمَّا بتبرُّع منه أو إِجارة؛ ليستأجرَ بها مَن يحجُّ من الميقات؛ فإِن أوصى بإِخراج الحجَّة الميقاتيَّة من ثلثه، ففائدة وصيَّته مزاحمةُ الوصايا، فإِن لم تَفِ المزاحمةُ بحجَّة ميقاتيَّة، كملت من رأس المال، فيَنْقص بذلك الثلث، ويفتقر فيه إِلى الحساب الدوريِّ، كما يفعل في كلِّ صورة يجتمع فيها حسابُ رأس المال والثلث إِذا كان الأخذُ من رأس المال مُنْقِصًا للثلث.
ولو أوصى بما يجب إِخراجُه من رأس المال؛ كالدَّين وحجَّة الإِسلام من الميقات، فالأصحُّ أنَّه من رأس المال؛ حملًا للوصية على التذكرة بإِبرائه منه، وقيل: يخرج من الثلث؛ حملًا على إِرادة المزاحمة؛ فإِن قلنا بإخراجها من رأس المال، فقال: أَحِجُّوا عنِّي من بلدي، أُخذ من رأس المال حجةٌ ميقاتيَّة، وتقعُ المزاحمةُ ما بين بلده وميقاته، فإِن لم تف الحصَّة بحجَّة من بلده، أضفناها إِلى رأس المال، وأحججنا عنه من حيث بلغت.
стр. 837
ولو نذر حجًّا أو صدقة، أو أقدم على ما يوجب الكفَّارة؛ فإِن كان ذلك في مرض موته، اعتُبر من ثلثه اتِّفاقًا، وإِن كان في صحَّته، فهل يُحسب من ثلثه أو رأس ماله (١)؛ فيه وجهان؛ فإِن حسبناه من ثلثه، أُخرج عنه وإِن لم يُوصِ به؛ لأنَّ التزامَه بمثابة الوصيَّة به، وإِن أوصى بحجٍّ أو عتق، ففي تقديمهما على سائر الوصايا قولان، أصحُّهما أنَّهما لا يُقدَّمان، فإِن قدَّمناهما، فضاق الثلثُ عنهما فأيُّهما يُقدَّم؟ فيه قولان، ويتَّجه الحكمُ بأنَّهما سِيَّان (٢)، فإِن لم نقدِّمهما، فلم تفِ حصَّةُ الحجِّ بالحجِّ، بطَلت الوصيَّةُ به؛ لأنَّه لا يتبعَّض، بخلاف العتق، [فإِنَّه يقبل التبعيضَ] (٣).
* * *
стр. 838
٩٣٧ - باب تأخير الحجِّ
الحجُّ على التراخي إِلَّا أن يستشعر العَضْب (١)، ففي وجوب البدار وجهان، فإِن أخَّره ومات بعد الإِمكان، فالمذهبُ أنَّه يلقى الله عاصيًا.
وهل يُنسب عصيانه إِلى آخر سِنِيِّ الإِمكان، أو إلى جميعها؟ فيه وجهان، وقطع الإِمامُ بالتعصية من غير نسبة إِلى زمان، ولقد أبعد من لم يقضِ بالعصيان، ولو أخر إِلى العَضْب عصى، ووجب البدارُ، وأشعر كلامُ بعضهم بأنَّه لا يجب، فإِن أوجبنا البدارَ، فامتنع منه، أجبره السلطان على أصحِّ الوجهين، واستبعد الإِمام الإِجبار، وقال: لا تعلُّقَ لهذا بالولاة، ويجوز أن نجعلَ الممتنع عمَّا يتضيَّق كالممتنع من الصلاة يُجبَر عليها، فإِن أبى (٢) ضُربت عنقُه، ويجوز أن يُفرَّقَ بين الحجِّ والصلاة؛ لأنَّ الصلاة يتعلَّق بها الحدُّ، بخلاف الحجِّ، ولا وجهَ لما قاله الإِمام؛ لأنَّ من شأن الأئمَّة أن يُجبروا الناسَ على الطاعات، ويمنعوهم من المخالفات.
* * *
стр. 839
٩٣٨ - باب وقت الحجِّ والعمرة
أشهرُ الحجِّ: شوالٌ وذو القَعدة وتسعة أيَّام من ذي الحِجَّة، وكذلك ليلة العيد على الأصحِّ.
ووقتُ العمرة: جميعُ السنة إِلا للحاجِّ العاكف على الرمي والمبيت بمنى، فإِنَّه لو أحرم بها، لم ينعقد إِحرامُه اتِّفاقًا وإِن كان بعد التحلُّلين، ولا يكره في شيء من الأوقات.
٩٣٩ - فرع:
إِذا أحرم بالحجِّ في غير أشهره، انعقد إحرامُه، ولا يقع عن الحجِّ، وفي وقوعه عن العمرة طريقان:
إحداهما: قولان.
والثانية وهي السديدة: القطعُ بأنَّه لا يقع عن العمرة، فإِن أوقعناه عن العمرة، أجزأته عن عمرةُ الإِسلام، وإن لم نوقعه عن العمرة، فلابدَّ من التحلُّل بعمل عمرة، وقيل: إِنْ صَرَف إِحرامَه إِلى العمرة، أجزأته العمرةُ، وإن لم يصرفه، تحلَّل بعمل عمرة.
* * *
стр. 840
٩٤٠ - باب وجوب العمرة
العمرةُ سنَّة على القديم واجبة في (١) الجديد، فإِن أبدلها بحجَّة، لم تجزه، بخلاف الوضوء مع الغسل.
* * *
стр. 841
٩٤١ - باب ما يجزئ من العمرة إِذا جمعت إِلى غيرها
للحج والعمرة ثلاثُ جهات: إفراد، وتمتُّع، وقِران؛ فالإفرادُ: أن يعتمر بعد الفراغ من الحجِّ، أو قبل أشهر الحجِّ، وله صور أخرى يأتي ذكرُها إن شاء الله في (فصل التمتُّع).
وأمَّا التمتُّع: فله شرائطُ:
الأول: أن يعتمرَ في أشهر الحجّ؛ فإِن اعتمر في رمضان، فهو مُفرِد اتِّفاقًا، ولا يلزمه دمُ الإِساءة؛ إِذ لا عصيانَ، بخلاف المسيء المجاوز للميقات، وقال أبو محمَّد: يلزمُه؛ لإِهماله الميقاتَ.
ولو أحرم بالعمرة في رمضان، وأتى بأركانها في شوَّال، فهو متمتِّع أو مفرد؟ فيه وجهان.
وقال ابن سُريج: إِن أقام بالميقات [في رمضان] (١) حتَّى دخل شوَّال وهو محرم، أو رجع إِلى الميقات مُحْرِمًا في شوَّال، فهو متمتِّع، وإِلَّا فلا، وإِن أتى ببعض أركانها في رمضان، وجعلناه متمتِّعًا بالإِحرام فيه، فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنَّه متمتِّع، ولو حلق في الأشهر على قولنا: الحلقُ نسك.
стр. 842
والثاني: ليس بمتمتع وإِن أتى ببعض شَوْط من الطواف.
الثاني (١): أن يقع النُّسكان في عام واحد؛ فلو اعتمر من الميقات، ولم يحجَّ من سَنَته، وأنشأ الحجَّ من مكَّة في السنة القابلة، أو أقام بها سنين يحجُّ منها في كلِّ سنة، فهو مفرِد غيرُ مسيء اتِّفاقًا، وأبعد ابن خيران، فشَرَط وقوعَ النسكين في شهر واحد، ولا أصل لما قال (٢).
الثالث: ألَّا يكون من حاضري المسجد الحرام، وهم: أهل مكَّة ومن كان منها على مسافة لا تُقصر فيها الصلاة، ومن كان بمسافة القصر فما زاد فهو متمتِّع يلزمه الدمُ بالتمتُّع.
ولا دم على المكِّيِّ، ولا على من قربت مسافتُه وإِن لم يرجع لإِحرام الحجِّ إِلى الميقات، وكذلك لا يلزمهما دمٌ آخر اتِّفاقًا؛ إِذ لا إِساءةَ.
ولو مرَّ الغريبُ بميقاته غيرَ مريدٍ نسكًا، فلما صار في حدِّ الحاضرين بدا له أن يتمتَّع فالأظهر أنَّه يلزمه دمُ التمتُّع؛ لأنه لا يُعدُّ من الحاضرين وإن كان إِحرامُه من محلِّهم.
٩٤٢ - فرع:
إِذا كان أحدُ مسكني الرجل بمسافة القصر، والآخر دونها؛ فإن كان سكناه بأحدهما أكثرَ، فله حكمُه، فإِن استويا اعتُبر بأهله، فإِن كان له بكلِّ واحد منهما أهل، اعتُبر بمحلِّ إِحرامه قرُب أو بعُد.
стр. 843
الرابع (١): أن يُحرم بالحجِّ من مكَة؛ فإِن رجع لإِحرام الحجِّ إِلى ميقات بلده، أو إِلى مثل مسافته، فلا يلزمهُ دمُ التمتُّع، ولا دمُ الإِساءة.
ولو كان ميقاتُه الجُحْفةَ، فعاد إِلى ذات عِرْق، أو إِلى مثل مسافتها، ففي سقوط دم التمتُّع وجهان، والجُحْفةُ على خمسين فرسخًا من مكَّة، وذات عِرْق على مرحلتين.
٩٤٣ - فرع:
لو دخل مكَّة متمتِّعًا بالعمرة، ثمَّ أحرم بالحجِّ بعدما نوى استيطانَ مكَّة، فإِن أحرم به في سنته، لم يسقط دمُ التمتع اتِّفاقًا، وإِن أحرم به في السنة الثانية، فلا تمتُعَ ولا إِساءةَ.
الخامس والسادس (٢): نيَّة التمتُّع، ووقوع النسكين عن شخص واحد، والأصحُّ أنَّهما لا يُشترطان؛ فإِذا اعتمر من الميقات عن مستأجِره، وحجَّ من مكَّة عن نفسه؛ فإِن لم نشرط (٣) الاتِّحاد فهو متمتِّع لا يلزمه العَوْدُ إِلى الميقات، وإن شرطنا الاتِّحاد فهو مفرد، وهل هو مسيءٌ يلزمه دمُ الإِساءة، والعودُ إِلى الميقات؟ فيه خلاف، ويظهر هاهنا إِيجابُ الدم؛ لأنَّه اعتمر في وقت إِمكان الحجِّ، بخلاف ما لو اعتمر في رمضان، وحجَّ من مكَّة في شوَّال، وإن شرطنا النيَّة، فتركها، فقد قيل: إِنَّه مسيء أيضًا، وفي وقت النيَّة أوجه:
стр. 844
أحدها: جميعُ العمرة.
والثاني: الإِحرام بها.
والثالث: يمتدُّ من إِحرامها إِلى إِحرام الحجِّ.
* * *
٩٤٤ - فصل في إِحرام المتمتِّع بالحجِّ
ويُحرم به من مكة، وهل الأَولى أن يحرمَ من منزله أو قريبًا من الكعبة؟ فيه وجهان، فإِن لم يحرم به حتَّى جاوز الحرمَ، لزمه دمٌ للتمتُّع ودمٌ للإِساءة (١)، كما لو جاوز ميقاتَ بلده في العمرة، وأحرم بالحجِّ من مكَّة، فإِنَّه يلزمه الدمان.
* * *
٩٤٥ - فصل في بيان القران
القران: أن يُحرِمَ بالنُّسكين أو بالعمرة، ثم يُدخل عليها الحجِّ.
ولو أدخل العمرةَ على الحجِّ، فقولان، أصحُّهما الجوازُ، ولا تُشترط النيَّة اتِّفاقًا، ويشترط لإِدخال الحجِّ على العمرة ألَّا يَشْرَع في شيء من أركانها.
وإن أجزنا إِدخالَ العمرة على الحجِّ، ففي وقته أربعةُ أوجه:
أحدُها: ما لم يمضِ وقتُ الوقوف.
والثاني: ما لم يمض ركنٌ من الحجِّ.
стр. 845
والثالث: ما لم يشرع في أسباب التحلُّل ولو رميَ حصاة من جمرة العقبة.
والرابع: ما لم يأت بعمل من أعمال الحجِّ ولو بطواف القدوم، ولا أثر للتلبية.
والفرق بين العمرة والحجِّ: أنَّ جميعَ أركان العمرة أسبابٌ للتحلُّل، بخلاف الحجِّ.
* * *
٩٤٦ - فصل في دم القِرَان
على القارن دمٌ مساوٍ لدم التمتُّع في صفته وبدله إِلَّا أن يكون مكِّيًّا، فلا دمَ عليه اتِّفاقًا.
ولو أحرم المتمتِّع بمكَّة، أو أحرم المسيءُ في أثناء طريقه، ورجعا إِلى الميقات، ففي سقوط دم التمتُّع والإِساءة وجهان.
ولو أحرم القارنُ من مكَّة، ورجع إِلى الميقات، فإِن لم نسقط دمَ التمتُّع، فدمُ القران أوْلى، وإِن أسقطناه، ففي دم القِران وجهان من جهة أنَّ نسكَه واحد، فلا وَقْعَ لعَوْده، والقياسُ السقوط.
* * *
٩٤٧ - فصل في اعتمار المفرد بعد الحجِّ
إِذا اعتمر بعد الحجِّ، فليُحْرِم من أيّ أطراف الحِلِّ شاء، ولا فرقَ بين قريبها وبعيدها إِلَّا في الفضيلة.