٩٤١ - باب ما يجزئ من العمرة إِذا جمعت إِلى غيرها
للحج والعمرة ثلاثُ جهات: إفراد، وتمتُّع، وقِران؛ فالإفرادُ: أن يعتمر بعد الفراغ من الحجِّ، أو قبل أشهر الحجِّ، وله صور أخرى يأتي ذكرُها إن شاء الله في (فصل التمتُّع).
وأمَّا التمتُّع: فله شرائطُ:
الأول: أن يعتمرَ في أشهر الحجّ؛ فإِن اعتمر في رمضان، فهو مُفرِد اتِّفاقًا، ولا يلزمه دمُ الإِساءة؛ إِذ لا عصيانَ، بخلاف المسيء المجاوز للميقات، وقال أبو محمَّد: يلزمُه؛ لإِهماله الميقاتَ.
ولو أحرم بالعمرة في رمضان، وأتى بأركانها في شوَّال، فهو متمتِّع أو مفرد؟ فيه وجهان.
وقال ابن سُريج: إِن أقام بالميقات [في رمضان] (١) حتَّى دخل شوَّال وهو محرم، أو رجع إِلى الميقات مُحْرِمًا في شوَّال، فهو متمتِّع، وإِلَّا فلا، وإِن أتى ببعض أركانها في رمضان، وجعلناه متمتِّعًا بالإِحرام فيه، فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنَّه متمتِّع، ولو حلق في الأشهر على قولنا: الحلقُ نسك.
стр. 842
والثاني: ليس بمتمتع وإِن أتى ببعض شَوْط من الطواف.
الثاني (١): أن يقع النُّسكان في عام واحد؛ فلو اعتمر من الميقات، ولم يحجَّ من سَنَته، وأنشأ الحجَّ من مكَّة في السنة القابلة، أو أقام بها سنين يحجُّ منها في كلِّ سنة، فهو مفرِد غيرُ مسيء اتِّفاقًا، وأبعد ابن خيران، فشَرَط وقوعَ النسكين في شهر واحد، ولا أصل لما قال (٢).
الثالث: ألَّا يكون من حاضري المسجد الحرام، وهم: أهل مكَّة ومن كان منها على مسافة لا تُقصر فيها الصلاة، ومن كان بمسافة القصر فما زاد فهو متمتِّع يلزمه الدمُ بالتمتُّع.
ولا دم على المكِّيِّ، ولا على من قربت مسافتُه وإِن لم يرجع لإِحرام الحجِّ إِلى الميقات، وكذلك لا يلزمهما دمٌ آخر اتِّفاقًا؛ إِذ لا إِساءةَ.
ولو مرَّ الغريبُ بميقاته غيرَ مريدٍ نسكًا، فلما صار في حدِّ الحاضرين بدا له أن يتمتَّع فالأظهر أنَّه يلزمه دمُ التمتُّع؛ لأنه لا يُعدُّ من الحاضرين وإن كان إِحرامُه من محلِّهم.
٩٤٢ - فرع:
إِذا كان أحدُ مسكني الرجل بمسافة القصر، والآخر دونها؛ فإن كان سكناه بأحدهما أكثرَ، فله حكمُه، فإِن استويا اعتُبر بأهله، فإِن كان له بكلِّ واحد منهما أهل، اعتُبر بمحلِّ إِحرامه قرُب أو بعُد.
стр. 843
الرابع (١): أن يُحرم بالحجِّ من مكَة؛ فإِن رجع لإِحرام الحجِّ إِلى ميقات بلده، أو إِلى مثل مسافته، فلا يلزمهُ دمُ التمتُّع، ولا دمُ الإِساءة.
ولو كان ميقاتُه الجُحْفةَ، فعاد إِلى ذات عِرْق، أو إِلى مثل مسافتها، ففي سقوط دم التمتُّع وجهان، والجُحْفةُ على خمسين فرسخًا من مكَّة، وذات عِرْق على مرحلتين.
٩٤٣ - فرع:
لو دخل مكَّة متمتِّعًا بالعمرة، ثمَّ أحرم بالحجِّ بعدما نوى استيطانَ مكَّة، فإِن أحرم به في سنته، لم يسقط دمُ التمتع اتِّفاقًا، وإِن أحرم به في السنة الثانية، فلا تمتُعَ ولا إِساءةَ.
الخامس والسادس (٢): نيَّة التمتُّع، ووقوع النسكين عن شخص واحد، والأصحُّ أنَّهما لا يُشترطان؛ فإِذا اعتمر من الميقات عن مستأجِره، وحجَّ من مكَّة عن نفسه؛ فإِن لم نشرط (٣) الاتِّحاد فهو متمتِّع لا يلزمه العَوْدُ إِلى الميقات، وإن شرطنا الاتِّحاد فهو مفرد، وهل هو مسيءٌ يلزمه دمُ الإِساءة، والعودُ إِلى الميقات؟ فيه خلاف، ويظهر هاهنا إِيجابُ الدم؛ لأنَّه اعتمر في وقت إِمكان الحجِّ، بخلاف ما لو اعتمر في رمضان، وحجَّ من مكَّة في شوَّال، وإن شرطنا النيَّة، فتركها، فقد قيل: إِنَّه مسيء أيضًا، وفي وقت النيَّة أوجه:
стр. 844
أحدها: جميعُ العمرة.
والثاني: الإِحرام بها.
والثالث: يمتدُّ من إِحرامها إِلى إِحرام الحجِّ.
* * *
٩٤٤ - فصل في إِحرام المتمتِّع بالحجِّ
ويُحرم به من مكة، وهل الأَولى أن يحرمَ من منزله أو قريبًا من الكعبة؟ فيه وجهان، فإِن لم يحرم به حتَّى جاوز الحرمَ، لزمه دمٌ للتمتُّع ودمٌ للإِساءة (١)، كما لو جاوز ميقاتَ بلده في العمرة، وأحرم بالحجِّ من مكَّة، فإِنَّه يلزمه الدمان.
* * *
٩٤٥ - فصل في بيان القران
القران: أن يُحرِمَ بالنُّسكين أو بالعمرة، ثم يُدخل عليها الحجِّ.
ولو أدخل العمرةَ على الحجِّ، فقولان، أصحُّهما الجوازُ، ولا تُشترط النيَّة اتِّفاقًا، ويشترط لإِدخال الحجِّ على العمرة ألَّا يَشْرَع في شيء من أركانها.
وإن أجزنا إِدخالَ العمرة على الحجِّ، ففي وقته أربعةُ أوجه:
أحدُها: ما لم يمضِ وقتُ الوقوف.
والثاني: ما لم يمض ركنٌ من الحجِّ.
стр. 845
والثالث: ما لم يشرع في أسباب التحلُّل ولو رميَ حصاة من جمرة العقبة.
والرابع: ما لم يأت بعمل من أعمال الحجِّ ولو بطواف القدوم، ولا أثر للتلبية.
والفرق بين العمرة والحجِّ: أنَّ جميعَ أركان العمرة أسبابٌ للتحلُّل، بخلاف الحجِّ.
* * *
٩٤٦ - فصل في دم القِرَان
على القارن دمٌ مساوٍ لدم التمتُّع في صفته وبدله إِلَّا أن يكون مكِّيًّا، فلا دمَ عليه اتِّفاقًا.
ولو أحرم المتمتِّع بمكَّة، أو أحرم المسيءُ في أثناء طريقه، ورجعا إِلى الميقات، ففي سقوط دم التمتُّع والإِساءة وجهان.
ولو أحرم القارنُ من مكَّة، ورجع إِلى الميقات، فإِن لم نسقط دمَ التمتُّع، فدمُ القران أوْلى، وإِن أسقطناه، ففي دم القِران وجهان من جهة أنَّ نسكَه واحد، فلا وَقْعَ لعَوْده، والقياسُ السقوط.
* * *
٩٤٧ - فصل في اعتمار المفرد بعد الحجِّ
إِذا اعتمر بعد الحجِّ، فليُحْرِم من أيّ أطراف الحِلِّ شاء، ولا فرقَ بين قريبها وبعيدها إِلَّا في الفضيلة.
стр. 846
وأفضلُها: الجِعْرانة، ثم التنعيم، ثم الحُدَيْبِيَة؛ فإِن أحرم بها بمكَّة، انعقد إِحرامُه اتِّفاقًا، فإِنْ أكملها ولم يخرج إِلى الحِلِّ، ففي إِجزائها قولان:
أحدُهما: يجزئه، وعليه دمٌ للإِساءة.
والثاني: لا يجزئه إِلَّا أن يخرجَ إِلى الحلِّ، ثم يطوف ويسعى بعد ذلك، وفي دم الإِساءة طريقان:
إحداهما: لا يجبُ وجهًا واحدًا؛ لأنَّه كالمحرم قبل الميقات.
والثانية: تخريجُه على الخلاف في الرجوع إِلى الميقات بعد الإِحرام.
* * *
стр. 847
٩٤٨ - باب الاختيار في إفراد الحج
المشهورُ أن الإفرادَ والتمتُّع أفضلُ من القِران، وأيُّهما أفضل؟ فيه قولان، وقيل: الإفرادُ أفضلُ منهما، وأيُّهما أفضل؛ فيه قولان، وقيل: الأفضلُ أن يُبهمَ الإحرام، ثمَّ يصرفه إِلى الأَوفق الأرفق؛ لأنَّه ﵇ أبهم إِحرامه؛ انتظارًا للوحي (١)، وهذه هَفْوةٌ؛ لأنَّ إِبهامَه كان انتظارًا للوحي، فلا وجهَ لموافقته في ذلك.
* * *
стр. 848
٩٤٩ - باب صوم المتمتِّع بالعمرة إِلى الحجِّ
دم التمتُّع والقران مقدَّران مرتَّبان، وكلاهما دمُ جُبْران لا يجوز له الأكلُ منه، ويجب دم التمتُّع بالإِحرام بالحجِّ، ولا وقتَ لإخراجه بعد ذلك، وإِن قدَّمه على الحجِّ، ففي إجزائه قولان، فإِن قلنا: يجزئه، ففي إجزائه في أثناء العمرة وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ كما لو وكلَّ من يعتق عن الكفَّارة مع شروعه في اليمين، فإِنَّه لا يجزئه اتِّفاقًا.
والثاني: يجزئه؛ إِذ لا حكمَ لبعض لفظ اليمين، بخلاف الإحرام بالعمرة.
* * *
٩٥٠ - فصل فيما يجب على المعسِر بالهَدْي
إِذا عجز عن الهَدْي لزمه صيامُ ثلاثة أيَّام في الحجِّ وسبعةٍ إِذا رجَع، ولا يجب المتابعة في الثلاثة، ولا في السبعة، وتجب الثلاثةُ بالإحرام بالحجِّ، ولا يجوز تقديمُها عليه، والأولى أن يقدِّمَها على يوم عرفة، ولا يلزم صومُها في الحجِّ؛ لأنَّه مسافر، ولا يجوز صومُها في يوم العيد، وكذا في أيَّام التشريق على الجديد، فإِن لم يصمها حتى مضت أيَّام التشريق فقد فات أداؤها، وإن بقي عليه طوافُ الزيارة، وإِن صامها في أيَّام التشريق وقلنا:
стр. 849
يصحُّ، فهي أداء وإن وقعت بعد التحللين.
* * *
٩٥١ - فصل في صوم السبعة
قال الله جلَّ اسمه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفي الرجوع أقوال:
أحدها؛ أنَّه الفراغ من الحجِّ، فلا يصحُّ صومُها في الحجِّ، ومنعها أبو محمَّد في أيَّام التشريق، وإِن قلنا: إِنَّها قابلة لجميع الصوم؛ لأنَّه مشتغل بمناسك مِنى، ولذلك لا تنعقد عمرتُه.
والئاني: أنَّ الرجوعَ هو الوصولُ إلى الوطن، فلو صامها في أثناء الطريق، فوجهان.
والثالث: أنَّه الرجوعُ إِلى مكَّة، وهو بعيدٌ.
* * *
٩٥٢ - فصل في قضاء الثلاثة عند الفوات
العُمُر وقتٌ لأداء السبعة، فلا يُتصوَّر قضاؤها، وأمَّا الثلاث: فتفوت بانقضاء الحجِّ، والمذهب وجوبُ قضائها، وللشافعيِّ قول: أنَّه لا يجب، ويثبت الدمُ في الذمَّة على العسر واليسر، ويسقط صيام السبعة؛ لئلَّا يجتمعَ الأصلُ وبعضُ البدل، ولا يُعدُّ هذا من المذهب، فإِن قلنا بالمذهب، فمات في أثناء الحجِّ بعد التمكُّن من الصوم، أو كان موسِرًا بالهدْي، فلا يسقطان على الأصحِّ، وعلى قول بعيد يسقطان لا إِلى بدل؛ لأنَّه لم ينتفع بتمتُّعه، فإِذا عاد إِلى وطنه قبل صيام العشرة، لزمه قضاؤُها، ولا يلزمه التفرقةُ بين
стр. 850
الثلاثة والسبعة على الأصحِّ، وقيل: يجب، وهل يكتفى بيوم، أو يلحق تفريق القضاء بتفريق الأداء؟ فيه وجهان، فإِن اكتفينا باليوم، فوالى بين العشرة، لم يجزه الرابعُ، ولزمه الإِتيانُ بسابعٍ، وأبعد مَنْ أبطل السبعةَ؛ إِذ لو صام الرابعَ عن قضاء أو تطوُّع، حصل التفريق اتِّفاقًا، وإِن قدَّرنا تفريقَ القضاء بتفريق الأداء، ففيما يحصل به التفريقُ خلافٌ مبنيٌّ على الخلاف في الرجوع، فإن جعلناه الفراغَ من الحجِّ بني على الخلاف في صوم أيَّام التشريق، فإِن قلنا: لا يصحُّ فيها الصيام، كفاه أربعةُ أيّام بقدر العيد وأيَّام التشريق، وإِن قلنا: يصحُّ صومُها، فلا تفريقَ على الأظهر؛ لأنَّ الأداءَ كان يقع متواصلًا، وإِن قلنا: الرجوعُ هو الوصولُ إِلى الوطن، وقلنا: يصحُّ صوم أيّام التشريق، كفاه التفريقُ بمسافة السفر على الاقتصاد، وإن قلنا: لا يصحُّ فلابدَّ من مسافة السفر وأربعة أيَّام.
* * *
٩٥٣ - فصل في موت المتمتِّع قبل الصيام
إِذا ترك الصومَ في السفر، ومات في الحضر، فإِن لم يتمكَّن من الصوم في الحضر، فلا شيءَ عليه؛ اعتبارًا بمن أخَّر صيامَ رمضان لمرض أو سفر اتَّصلا بموته (١)، وإِن أمكنه الصومُ في الحضر، فهل يصوم عنه وليُّه أو يفدي كلَّ يوم بمدٍّ (٢)، أو يرجع إِلى الدم، أو لا يجب شيء؟ فيه أربعة
стр. 851
أقوال، ولا وجهَ لآخِرها.
فإِن أوجبنا الدمَ، فهو واجبٌ في ثلاثة أيَّام فما فوقها، كما سنذكره في الشعرات والأظفار والجمرات، وفيما نقص عن الثلاثة قولان يجريان فيما نقص عن ثلاث شعرات:
أحدُهما: في اليوم ثلثُ دم، وفي اليومين ثلثان.
والثاني: في اليوم مدٌّ، وفي اليومين مُدَّان.
* * *
стр. 852
٩٥٤ - باب مواقيت الحجِّ
وقَّت رسولُ الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشام الجُحْفةَ، ولأهل نَجْدِ الحجازِ، ونجد اليمن قَرْن، ولأهل اليمن يَلَمْلَم (١)، ووقَّتَ عمرُ ﵁ لأهل العراق ذاتَ عِرْق (٢)، والأَولى أن يُحْرِموا من العقيق؛ لحديثٍ مرسل وَرَدَ في توقيته (٣).
ومسافة ذي الحُليفة من المدينة: فرسخان، والجُحْفة من مكَّة: خمسون فرسخًا، والمواقيت الثلاثةُ: مرحلتان مرحلتان.
وهذه المواقيت لأهلها ولكلِّ مَن أتى عليها من غير أهلها، فلو مرَّ عراقيٌّ
стр. 853
بذي الحليفة، ومدنيٌّ بذات عِرق، أو رجع مكِّيٌّ إِلى مكَّة على بعض المواقيت، فالاعتبارُ بميقات مروره دون ميقات بلده، ومن كان مسكنُه دون المواقيت، فميقاته موضعُه وإِن كان من مكَّة على أقلَّ من مرحلة.
ومن جاوز الميقات غيرَ قاصِد (١) للنسك، ثم بدا له أن يُنسِك، فميقاته حيث بدا له، ولا يلزمه العودُ إِلى الميقات، ومن كان على طريقه ميقاتان أحدُهما أقربُ إِلى مكَّة؛ كالجُحْفة وذي الحُلَيفة، فميقاتُه الأبعدُ اتِّفاقًا، ومن سلك طريقًا لا ميقاتَ بها، فميقاتُه على مرحلتين (٢) من مكَّة، وإِن حاذى بها ميقاتًا عن يمينه أو يساره أو عنهما إِن تُصُوِّر فميقاتُه موضعُ محاذاته، وإِن حاذى بها ميقاتين أحدُهما أبعدُ من الآخر، فميقاته الأبعدُ.
* * *
٩٥٥ - فصل فيمن جاوز الميقاتَ غيرَ ناسك
ولا يجوز لقاصد النسك أن يجاوزَ شيئًا من [هذه] (٣) المواقيت بغير إِحرام، فإِن تجاوزه، لزمه دمٌ؛ لإِساءته، فإِن رجع إليه، فله أحوال:
الأولى: أن يرجع من مكَّة، فلا يسقط عنه الدمُ، وفي إِلحاق الحرم بمكَّة قولان.
стр. 854
الثانية: أن يرجعَ من الطريق، ويحرم من ميقاته الذي أوجبنا عليه الإحرام منه، فإِن رجع من دون مسافة القصر، سقط الدمُ، وفي مسافة القصر وجهان.
الثالثة: أن يرجعَ من الطريق مُحرِمًا، فإِن قربت المسافةُ، فوجهان أو قولان، وإِن بَعُدت، فقولان مرتَّبان.
ولو تُصوِّر أن يحاذيَ ميقاتين أحدُهما أقربُ إِلى مكَّة من الآخر، نسبناه إِلى أقربهما منه، فإِن استويا في القرب منه، ففي وجوب نسبته إلى أبعدهما من مكَّة وجهان، فإن جاوز محلَّ هذه المحاذاة كفاه الرجوعُ إِليه، أو إلى مثل مسافته عند الإِمام، فإِن جاوزه جاهلًا، وعَسُرَ عليه العودُ إِليه مع جهله بمسافته، لزمه الرجوعُ إِلى الأبعد إِن نسبناه إِليه؛ لأنَّ الرجوعَ إِلى الميقات واجبٌ إِذا قلنا: إِنَّه مسقِط للإِساءة.
ومن أقام بمكَّة سنةً، أو كان متمتِّعًا أو مكِّيًّا، فميقاته مكَّة، فإِن جاوز الحرم فهو مسيء، وإِن جاوز مكَّة فقولان.
* * *
стр. 855
٩٥٦ - باب الإِحرام والتلبية
السنَّة لمن أراد الإحرامَ أن يغتسلَ حتَّى الحائضُ والنفساء، ولا أثر للنية في غسلهما (١) عند الإِمام، وفيه احتمال، والسنَّة أن يطيِّبَ بدنَه لإِحرامه؛ تقليلًا للشَّعَث، كما يُستحبُّ السواكُ قبل أوان الخُلوف.
فإِن انتقل جِرْمُ الطيبِ بعرق، ففي مؤاخذته بذلك وجهان، فإِن واخذناه، لزمه المبادرةُ إِلى إِزالته؛ كما لو أصابه من محلٍّ آخرَ بغير اختياره.
وإِن أحرم في ثياب مطيَّبة، فأوجُهٌ أصحُّها: الجوازُ، وثالثُها: التفرقةُ بين ما تبقى عينه (٢)، وما ليس كذلك؛ إِلحاقًا لما تبقى عينُه (٣) بما لو شدَّ مِسْكًا على طرف إِزاره واستدامه، فإِنَّه ممنوع اتِّفاقًا، فإِن جوَّزنا ذلك، فنزع الثيابَ بعد الإِحرام، ثمَّ لبسها، ففي جوازه وجهان.
ولو تعطَّر ثوبُه بطِيب بدنه، فلا بأسَ به اتِّفاقًا، وإن عطَّر الثيابَ للإحرام، وأحرم قبل لُبسها، حرم عليه لبسُها.
* * *
стр. 856
٩٥٧ - فصل في وقت الإحرام
إِذا اتَّزر وارتدى، وحسر رأسه، وصلَّى ركعتين، فليحرم حينئذٍ، وفي الأولى قولان:
أحدُهما: أن يحرم عَقيبَ السلام وهو جالسٌ في مصلَّاه، روى ذلك ابن عباس (١).
والثاني وهو الجديد: أنَّه يحرم إِذا خرج من موضعه، وأخذ في السير إِلى مكَّة راكبًا كان أو ماشيًا؛ إِذ رُوي أنَّه ﵇ كان لا يُهِلُّ حتَّى تنبعث به راحلته (٢)(٣)، واختار بعضُهم الإحرامَ بعد الصلاة، وحمل اختلافَ الرواية على إِعادة التلبية.
* * *
٩٥٨ - فصل في النيَّة في الإحرام
ينعقد الإحرامُ بمجرَّد النيَّة من غير تلبية، وقال في القديم: لا ينعقدُ إِلا بالتلبية، واختاره ابن أبي هريرة وابن خَيْران، ولا يقوم التقليدُ والإشعارُ
стр. 857
مقامَ التلبية على الأظهر، وفيه تردُّد لأبي محمَّد، ولا يُشترط أن يذكرَ ما أحرم به في تلبيته بلا خلاف، وفي كراهته قولان.
٩٥٩ - فرع:
لو اقتصر على التلبية دون النيَّة، لم ينعقد إحرامُه على رواية المزنيِّ، ونقل الربيع أنَّه ينعقد مُبْهَمًا، واختلفوا على طريقين، فقيل: قولان، ولا وجهَ لما نقله الربيعُ، ومحلُّ الاختلاف أن يقصدَ النطق بالتلبية، ولا يخطر له الشروعُ في الإحرام، فأمَّا إِذا جرت التلبيةُ على لسانه، أو حكاها، أو علمها، أو قصد غرضًا (١) سوى الإحرامِ، فلا أثر لذلك.
٩٦٠ - فرع:
لو نوى نسكًا ولبَّى بغيره، أو أبهم نيةَ الإحرام، وعيَّن في التلبية، فالاعتبار بنيَّته دون تلبيته؛ لما ذكرناه من انعقاده بمجرَّد النيَّة.
* * *
٩٦١ - فصل في إِبهام الإحرام
ينعقد الإحرامُ مع الإبهام، فإِن أبهمه في أشهر الحجِّ، فله أن يصرِفَه إلى حجِّ أو عمرة أو قران، وإن أبهمه في رمضان، وصرفه إِلى الحجِّ في شوال، لم ينصرف إِليه على الأصحِّ، وإِن صرفه إِلى العمرة انصرف إِليها، وإن صرفه إِلى الحجِّ في رمضان، فهو كما لو أحرم بالحجِّ قبل أشهره، فإِن قلنا: ينعقد بالعمرة، فلا يُتصوَّر الإِبهامُ قبل الأشهر، وإن أحرم بالعمرة في
стр. 858
رمضان، وأدخل عليها الحجَّ في شوَّال، صحَّ القرانُ على أقيس الوجهين.
* * *
٩٦٢ - فصل فيمن علَّق إِحرامَه بإحرام غيره
إِذا نوى إِحرامًا كإِحرام زيدٍ صحَّ، ولزمه ما فيه (١) زيدٌ من حج أو عمرة، أو قِران أو إِبهام، وله صرفُ المبهَم إِلى ما شاء، ولا يلزمه متابعةُ زيد فيما يصرف إِحرامَه إِليه اتِّفاقًا.
فإِن لم يكن زيد محرمًا، انعقد إحرامُه مبهمًا، وإِن كان ميتًا، وهو عالم بموته، فهل ينعقد إحرامُه مبهمًا، أو لا ينعقد؛ لأنَّه غيرُ جازم بالنيَّة؟ فيه وجهان، وإِن تعذَّر عليه معرفةُ ما أحرم به زيد، فحكمه عند المحقِّقين حكمُ مَنْ نسي ما أحرم به، فيأخذ باليقين على المذهب، وعلى قولٍ يجتهد، ويعمل بغالب الظنِّ، وقال العراقيُّون: إِن جوَّزنا للناسي البناءَ على الظنِّ، فهاهنا وجهان من جهة أنه لا يطَّلع على (٢) نيَّة غيره.
[وإِن كان زيدٌ قارنًا قد أدخل الحجَّ على العمرة، فإِن خطر للمعلِّق ابتداءً إِحرامُ زيد، لم يلزمه سوى العمرةِ اتِّفاقًا، وإِن خطر له إِحرامُه حالَ التعليق، لزمه القرانُ اتِّفاقًا، وإِن لم يخطر له شيءٌ من ذلك فهل يلزمه العمرةُ أو القِران؟ فيه وجهان] (٣).
* * *
стр. 859
٩٦٣ - فصل فيمن نسي ما أحرم به
إِذا نسي ما أحرم به، فله حالان:
أحدُهما: أن يقع نسيانُه قبل (١) الشروع في شيء من المناسك، فإِن قلنا بالجديد، فهو مخيَّر بين أن يحرمَ بالنسكين، أو بالحجِّ وحدَه، فإِن أتى بأعمال الحجِّ من غير إِحرام فقد تحلَّل، ولا يبرأ من واحد من النسكين في الحكم، وإِن أحرم بالحجِّ، برئ منه، وإِن أحرم بهما، برئ من الحجِّ، وفي العمرة قولان مأخوذان من جواز إِدخالها على الحجِّ، وأبعد أبو إسحاق فقال: يبرأ من العمرة قولًا واحدًا؛ إِذ يصحُّ في حال الإشكال ما لا يصحُّ في غيرها؛ كمن صلَّى الظهرَ خمس ركعات، فإِن فرَّعنا على القديم فلم يغلب على ظنِّه شيء رجع إِلى موجب القول الجديد، وإِن غلب على ظنه أنَّه حاجٌّ أو معتمِر أو قارن، أخذ بذلك، ويلزمه دمُ القران إِذا ظنَّه، وأبعدَ من قال: فائدة العمل بالظنِّ التحلُّل دون براءته من النسكين وإِيجاب الدم.
[الحال] (٢) الثانية: أن يقعَ نسيانُه بعد الطواف، فإِن فرَّعنا على الجديد، لزمه أن يأتيَ بأعمال الحجِّ؛ ليتحلَّل بيقين، ولا يبرأ عن واحد من النسكين في ظاهر الحكم، وإن أحرم بهما؛ لجواز أن يكونَ طوافُه عن العمرة، فيمتنع إردافُها بالحجِّ، فلو بادر وأتى بالسعي والحلق، ثمَّ أحرم بالحجِّ وأكمله، فقد برئ منه، وهل يجوز له أن يحلق لتحصل البراءة؟ فيه ثلاثة أوجه:
стр. 860
أحدُها: يجوز؛ للحاجة.
والثاني: يُستحبُّ؛ لما فيه من براءته.
والثالث: لا يجوز، وهو المذهب، وعليه الكفارة؛ ولو فعله لبرئت ذمَّتُه، وشبَّهوا ذلك بما لو ابتلعت دجاجةُ زيد دُرَّةً لعمرو، فإِنَّا لا نأذن له في ذبحها بغير إِذن ربِّها، ولو ذبحها لأخذَ الدرةَ، ولزمه ما نقص بالذبح.
٩٦٤ - [فرع في] (١) وجوب الدم على الناسي:
إِذا سعى الناسي، وحلق ثمَّ أتى بالحجِّ؛ فإِن كان ممّن لا يلزمه دمُ التمتُّع؛ كالمكِّيِّ، فلا دمَ عليه؛ لجواز أن يكون معتمِرًا، وقد تحلَّل من عمرته، وإِن كان ممَّن يلزمه دمُ التمتُّع، لزمه دم؛ لأنَّه متمتِّع أو حالق في الحجِّ، فإِن قدَر على الدم أراقَه، ولا يضرُّه الجهلُ بسببه، وإن عجَز، فصام عشرة أيَّام بالشرط المذكور في التمتَّع أجزأه؛ لأنَّ صومَ التمتع عشرة، وصوم الحلق ثلاثةُ أيَّام، أو إِطعام ثلاثة آصُع، فإن صام الثلاثةَ، أو أطعم، لم يبرأ عند الشيخ؛ لأنَّ الكفَّارة وجبت بيقين، فلا تسقط إِلَّا بيقين، ويحتمل أن يجزئه صومُ الثلاث، أو الإطعامُ؛ لأنَّ ما عداهما مشكوكٌ فيهِ هذا تفريعُ الجديد، ولا يخفى تفريعُ القديم.
* * *
٩٦٥ - فصل فيما إِذا ذكر المتمتِّع أنَّه طاف محدِثًا
إِذا فرغ المتمتِّع من النسكين، ثمَّ ذكر أنَّه طاف محدِثًا؛ فإِن علم أنَّه
стр. 861
طواف العمرة، فقد صار قارنًا وعليه دمٌ للحلق، ودم للقران، وإِن علم أنَّه طواف الحجِّ توضَّأ، وطاف وسعى، وإِن أشكل؛ فتوضَّأ، وطاف وسعى، حصل له النسكان، ولا يلزمه دمُ الحلق، وعليه دمٌ للتمتُّع أو القران؛ لأنَّه لا ينفكُّ من أحدهما.
٩٦٦ - فرع:
إِذا جامع المفرِد، وشكَّ هل جامع قبل التحلُّل الأوَّل أو بعده؟ وقلنا: الجماع بعد التحلُّل الأوَّل لا يفسد، ففي فساد حجِّه وجهان.
* * *
٩٦٧ - فصل فيما إِذا جامع المتمتِّع [بين نسكيه] (١)، ثمَّ ذكر حَدَثًا في أحد طوافيه
إِذا جامع المتمتِّعُ بين النسكين، ثمَّ ذكر أنَّه كان محدِثًا في أحد الطوافين لا بعينه، فهذا مبنيٌّ على ثلاثة أصول:
أحدها: إِبطال النسك بجماع الناسي، وفيه قولان.
الثاني: إِذا فسد القِران، ففي سقوط دمه وجهان.
الثالث: من أدخل حجًّا على عمرة فاسدة بالجماع، ففي انعقاد إحرامه بالحجِّ وجهان؛ فإِن قلنا: ينعقد، [فهل ينعقد صحيحًا أو فاسدًا؟ فيه وجهان، والمذهب أنه ينعقد] (٢) فاسدًا، فيكون قارنًا، وفي وجوب دم القران وجهان،
стр. 862
ويلزمه بدنةٌ لإِفساد العمرة، وهل يلزمه شيء بسبب إفساد الحجِّ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه كالمجامع في القِران الصحيح؛ إِذ الجماع واحد، فإن قلنا: يلزمه، فهل يلزمه الشاة أو البدنة؟ فيه وجهان، أصحُّهما وجوبُ البدنة؛ لأنَّه أفسد الحجَّ بإِدخاله على عمرة فاسدة بالجماع؛ فإِذا تقررت هذه الأصول؛ فإِذا جامع بين النسكين ظنًّا أنَّه قد فرغ من العمرة، ففي فساد عمرته الخلافُ فيمن جامع غالطًا في آخر ليل الصيام؛ فإِن أفسدنا النسكَ بجماع الغالط، فلا يبرأ عن واحد من النسكين على ظاهر المذهب؛ لجواز أن يكون حدثُه في طواف العمرة، فيفسد الحجُّ بفسادها، ويلزمه دمُ التمتُّع، ولا يلزمه دمُ الإِفساد؛ لأنه مشكوك فيه، وعليه أن يتوضَّأ ويطوف ويسعى؛ ليتحلَّل بيقين.
* * *
٩٦٨ - فصل في التلبية
أفضل التلبية تلبيتُه ﵇، وتكريرُها أولى ممَّا عداها من التلبية والأذكار، وهي: لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمةَ لك والمُلك، لا شريك لك.
ويُستحبُّ استدامتُها في جميع الإحرام إِلَّا في (١) طواف القدوم والسعي بعده، ففيهما قولان (٢) كالقولين في إجابة المصلِّي الأذانَ، وتتأكَّد عندَ تغيُّر
стр. 863
الأحوال؛ كالصعود والهبوط، وازدحام الرفاق.
ويُستحبُّ أن يرفعَ بها صوتَه إِلى حدٍّ لا يبهره ولا يقطعه عن استدامتها، وفي استحباب الجهر بها (١) في المساجد قولان؛ فإِن قلنا: لا يُستحبُّ، ففي المسجد الحرام، ومسجد الخَيْف وجهان، والمرأةُ كالرجل في التلبية إِلَّا أنَّها تُمنع من رفع الصوت، كما مُنعت من الأذان، وإِذا لبَّى، فالمُستحبُّ أن يصلِّيَ على رسول الله ﷺ ، ويستغفر، ويتعوَّذ من النار سرًّا، ولا يجهر به على حدِّ التلبية، ولما سُرَّ ﵇ بجمع المسلمين بعرفةَ قال: "لبَّيك إِنَّ العيشَ عيشُ الآخرة" (٢).
* * *
٩٦٩ - فصل فيما يجب كشفُه في الإحرام
يجب على المحرِم كشفُ عضو الإحرام، وهو الرأسُ من الرجل، والوجهُ من المرأة؛ فإِن ستره أو بعضَه بما يُعدُّ سترًا؛ فإِن كان معذورًا، جاز، وعليه الفدية، وتكمل في بعضه كما تكمل في كلِّه، وإِن لم يكن معذورًا أثِمَ، ولزمت الفدية.
وحَدُّ الوجه: ما يجب غسلُه في الوضوء، وإِن سدلت المرأةُ عليه شيئًا
стр. 864
متجافيًا، فلا بأس، وعليها أن تراعيَ في كشفه ما على الرجل في كشفه رأسَه، وسواءٌ كان الساتر شفَّافًا تُرى منه البشرة أم لا.
ولو شدَّ الرجلُ على رأسه خيطًا، أو توسَّد عِمامةً، أو استظلَّ بمَحْمِل أو خيمة أو بناء أو ظُلَّةٍ، أو انغمس في الماء، جاز ولا فديةَ؛ إِذ لا يُعدُّ شيء من ذلك سترًا.
ولو طلى رأسَه بالطين، فقد مال الإِمامُ إِلى المنع وإِيجاب الفدية، وإن حمل على رأسه زنبيلًا أو حملًا، فلا فديةَ في أصحِّ القولين؛ إِذ يُعتبر في ذلك ما يُعدُّ سترًا للرأس أو بعضه، كالعصابة العريضة، أو الخرقة الملصَقة بجانب من رأسه، ويمكن ضبطُه بما يُقصد سترُه في جهة من الجهات وإِن لم يكن معتادًا.
* * *
٩٧٠ - فصل في اختضاب المرأة للإحرام وغيره
يُستحبُّ للمرأة تعميمُ يديها بالخضاب في جميع الأحوال؛ سترًا لبشرتها، ويتأكَّد ذلك للإحرام، وفي وجوب الفدية بخضاب اللحية اختلاف نصٍّ، والمنعُ معلَّل بإِلحاق الحِنَّاء بالترجيل أو بالتطيُّب، أو لأنَّ المُخْتضبَ يفتقر إِلى تغليف (١) لحيته بخريطة؟ فيه ثلاثةُ مذاهب، ولا وجهَ لشيء من ذلك إِلَّا الإلحاق بالترجيل.
ولو اختضبت المرأةُ بعد الإحرام؛ فإِن جعلناه طيبًا، حَرُم، وإِن جعلناه
стр. 865
ترجيلًا، جاز في غير الرأس، وألحق ما تلفُّه على يديها بالقفَّازين إِن منعنا التغليفَ.
* * *
стр. 866
٩٧١ - باب ما يجتنب المحرِم من الطيب واللباس
يختصُّ الرجل بتحريم كلِّ ملبوس يُحيط إِحاطةَ المخيط سواء كانت الإِحاطةُ بالخياطة أو السرد؛ كالدرع، أو بسبب آخر، وذلك كالقُمُص (١) والسراويلات، والخِفاف، والمُفرَّجات، وكذلك الشُّمُشْك (٢) على الأظهر وقول الأكثر، ويجب الفديةُ بلبس القباء؛ وإِن لم يدخل يديه في كُمَّيه.
ولو التحف بقباء أو مُفرَّج؛ فإِن أخذ من بدنه ما يأخذُ من بدن اللابس؛ بحيث لو قام لاستمسك، وجبت الفديةُ، وإِلَّا فلا.
ولا بأس بالالتحاف بالجباب، ولا بالتوشح، والالتفاف بالقمص والسراويلات؛ إِذ لا إِحاطةَ.
ولو عقد إِزاره، أو عقد أحدَ طرفي ردائه بالآخر، أو عقد أحدَ طرفي ردائه بإِزاره، أو اتَّخذ لإِزاره حُجْزَةً فيها تِكَّة، فلا بأس بذلك كلِّه.
ولو شدّ إِزاره بشَرَج وعُرًى، ثمَّ أحاط به إِحاطةَ المخيط، حرم عند العراقيِّين، وهو الظاهر، وتردَّد فيه أبو محمَّد.
стр. 867
وإن جعل الشرجَ على طرف الرداء بحيث لا ينتظم انتظامَ الخياطة، جاز عند الإِمام؛ اعتبارًا بالعقد، وطرد الجواز في كلِّ ما أشبه العقد، وخرج ما يشبه الخياطة على رأي العراقيِّين، وتردُّدِ أبي محمَّد.
٩٧٢ - فرع:
لو شقَّ الإِزار من ورائه، وجعل له ذَيْلين، وعَقَد طرفي كلِّ واحد منهما على ساقه ملفوفًا به، فقد منعه العراقيُّون كالسراويل، وخالفهم الإِمام.
٩٧٣ - فرع:
من لم يجد الإِزارَ، وأمكنه أن يفتقَ السراويلَ، ويتخذ منه إِزارًا سابغًا، فليفعل؛ فإِن لم يحصل منه إِزارٌ سابغ، أو ضاق الوقتُ عن ذلك، فليلبس السراويلَ، ولا يلزمه رفعُ ساقيه إِلى ركبتيه، وإِن رفعه عن سُرَّته، فقد منعه الإمام.
٩٧٤ - فرع:
وله أن يلبسَ النعلَ وإن عُرِّض شِسْعُه وشراكه؛ فإِن لم يجد نعلين، فله لبس الشُّمُشْك، أو يقطع الخُفَّين أسفلَ من الكعبين، ويلبسهما، ولا فديةَ عليه.
٩٧٥ - فرع:
لبس القفَّازين محرَّم على الرجال، وفي النساء قولان، ولعل أصحَّهما الجوازُ؛ للاتِّفاق على جواز تغطية أكفِّهنَّ بأكمامهنَّ، ولو اتَّخذ الرجل للحيته غلافًا كالخريطة، ففيه تردُّد، وإن اتَّخذه لسائر أعضائه (١)، ففيه تردُّد لأبي
стр. 868
محمَّد، وقطع الإمامُ بجوازه؛ لأنَّه (١) غيرُ معتاد، بخلاف القفَّازين وغلاف اللحية؛ إِذ المقصودُ إِنَّما هو الخروجُ عن الزيِّ المعهود في اللباس، ولا يحرم على المرأة لبسُ المخيطات؛ كالقُمُص، والخِفاف، والسراويلات.
* * *
٩٧٦ - فصل فيما يتعلَّق به الكفَّارات من المحظورات
محظوراتُ النسك: إِتلافٌ، واستمتاع.
فالإتلافُ: الجنايةُ على الصيد، وعلى أطرافه، والحَلْقُ، والقَلْم.
والاستمتاعُ: كالدهن، والطيب، واللباس.
فمن تعمَّد شيئًا من ذلك لزمته الكفارة، وإن نسي فلا كفَّارةَ عليه في ضُروب الاستمتاع، وفي الإتلاف قولان أظهرُهما الوجوبُ.
ولو فرِّق بين إتلاف الصيد والحلق والقَلْم، لكان متَّجهًا؛ إذ الغالبُ عليهما الاستمتاعُ.
* * *
٩٧٧ - فصل فيما تتعدد كفارته من الاستمتاع
إِذا اتَّحد نوعُ الاستمتاع؛ فإِن اتَّحد المكان، واتَّصل الزمان، كما لو لبِس القميصَ والعِمامةَ والسراويل في مكانٍ واحد على التواصل المعتاد، اتَّحدت الكفَّارة، ولا نظرَ إِلى طول الزمان في لبس الخفِّ، وتكوير العمامة،
стр. 869
ومضاعفة القمصان.
وإن تعدَّد اللبسُ والمكان، أو اتَّحد المكان، وتقطَّع الزمان تقطُّعًا زائدًا على المعتاد، ففي تعدُّد الكفَّارة قولان إِلَّا أن يتخلَّل التكفير، فيتعدَّد قولًا واحدًا إِلَّا أن ينويَ بالتكفير الماضيَ والمستقبلَ، ففي إجزائه عن المستقبل وجهان؛ فإِن قلنا: لا يجزئه، تعدَّدت الكفَّارة، وإِن قلنا: يجزئه، ففيه القولان، والقياسُ: التعدُّدُ.
٩٧٨ - فرع:
لو تخلَّل التكفيرُ في لبس متواصل، ففي التكفير عمَّا بعد التكفير وجهان، وإِن اختلف نوعُ الاستمتاع؛ كالطيب، واللبس، والادِّهان؛ فإِن اتَّحد الزمانُ والمكان، فوجهان مرتَّبان على تعدُّد الزمان والمكان في النوع الواحد، وهذا أولى بالتعدُّد.
٩٧٩ - فرع:
اتِّحاد العُذْر هل يمنع من التعدُّد؟ فيه وجهان.
* * *
٩٨٠ - فصل في تعدُّد كفَّارة الإتلاف
تتعدَّد الكفَّارة في إتلاف الصيد وتفويت أجزائه، وأمَّا الحلق والقَلْم: فله حالان:
أحدهما: أن يتَّحد نوعُه، فإِذا حلق رأسَه، أو ثلاثَ شعرات منه، فالواجب كفَّارة واحدة إِن اتَّحد الزمان والمكان، وإِن حلق رأسَه في دَفَعات،
стр. 870
فقولان مرتَّبان على الاستمتاع، وأولى بالتعدُّد.
قال الإِمام: لو حلق رأسه مرَّتين وتخلَّلهما نبات، فلا شكَّ في التعدُّد.
٩٨١ - فرع:
لو حلق ثلاث شعرات في أمكنة أو أزمنة، فلا أثرَ لذلك إِن جعلنا في كلِّ شعرةٍ ثلثَ دم، وإِن جعلنا في كلِّ شعرة مدًّا، بُني على القولين في التعدُّد عند اختلاف الزمان أو المكان؛ فإِن قلنا بالتعدُّد، لزمه في كلِّ شعرةٍ مدٌّ؛ لأن كلَّ شعرة منقطعة عن غيرها، وإن قلنا بالاتِّحاد، لزمه دمٌ.
الحال الثانية (١): أن يتعدَّد نوعُ الإتلاف؛ كالقَلْم والحِلاق، أو يجتمع استمتاعٌ وإِتلاف، فتتعدَّد الكفَّارة بلا خلاف إِلَّا أن يتَّحد السبب، ففيه وجهان، والأكثرون على التعدُّد؛ مثل أن يحتاجَ بسبب شَجَّة إِلى حلق رأسه، وشدِّ الشجة بضماد فيه طِيب، فهذا ستر وتطيُّب وحلق، ففي اتِّحاد كفَّارته الوجهان.
٩٨٢ - فرع:
لو حلق شعرَ رأسه وبدنه متواصلًا، فالكفَّارة واحدة، وأبعد مَنْ أوجب كفارةً لرأسه (٢) وأخرى لبدنه، وكذلك [أبعد من ذكر وجهين في الأخذ] (٣) من ثلاثة مواضع مختلفة على البدن مع اتحاد الزمان والمكان (٤).
стр. 871
٩٨٣ - فرع:
الجماع ملحق بالقَلْم أو الاستمتاع؟ فيه قولان، وأيُّهما أُلحِق به جرى عليه حكمُه.
* * *
٩٨٤ - فصل في استعمال الطِّيب
استعمال الطِّيب محرَّم على المُحْرِم إجماعًا.
ولاتِّصال الطِّيب بالمُحْرم ثلاثةُ أحوال:
الأولى: أن يعبقَ عينُه بثيابه أو بدنه، فتجب الفديةُ وإن لم يكن معتادًا، كما لو داسه بعقِبه، أو أكل طعامًا مطيَّبًا.
الثانية: أن يتَّصل به ريحُ الطيب دون عينه، فلا تجب الفديةُ إِلَّا فيما كان معتادًا؛ كالاحتواء بثيابه على مِجمَرة الطيب، فلو جلس عند الكعبة وهي تُجمَّر، فناله من طيبها ما يناله بالتبخُّر، أو جلس عند العطَّارين، أو في بيت تجمَّرَ أهلُه، فلا بأسَ بذلك كلِّه.
الثالثة: أن يتَّصل بعين (١) الطيب، فتعبق به ريحُه دون عينه؛ فإِن كان العبوق غالبًا، وجبت الفديةُ؛ كما لو شَدَّ على طرف ثوبه مسكًا، وإِن لم يغلب العبوق، كما لو مسَّ طِيبًا يابسًا، أو شدَّ عودًا على طرف ثوبه؛ فإِن لم يعبق به ريحه، فلا فدية؛ لأنَّه غير معتاد، وإن عبقت، فقولان ينظر في أحدهما إِلى مباشرة عين الطيب، وفي الآخر إِلى عدم الاعتياد.
стр. 872
ولو قصد أن يحتف به أجرام (١) الطيب؛ ليستروح (٢) إِلى ريحها، فلا بأس، ولا فدية، بخلاف التبخُّر؛ فإِن البخارَ من جملة أجزاء الطيب.
* * *
٩٨٥ - فصل في الجاهل بتحريم الطيب
مَنْ جهل تحريمَ الطيب فلا فديةَ عليه، وإِنْ علم التحريمَ وجهل وجوبَ الفدية، وجبت الفديةُ (٣)، وإن جهل كونَ الممسوس طيبًا، فوجهان، وإِن علم أنَّه طِيب وظنَّه يابسًا؛ فإِذا هو رَطْبٌ، وجبت الفديةُ على الأصحِّ، ولو جهل تحريمَ الكلام في الصلاة، أو الأكل في الصيام، لم تبطل صلاتُه ولا صومُه.
* * *
٩٨٦ - فصل في غسل الطِّيب
إِذا عبق بالمحرم الطيبُ بغير صنعه، لزمه السعيُ في إِزالته، ويُعفى عمَّا تدعو إِليه الحاجةُ من مباشرة الإزالة، فإِن كان معه ما لا يكفيه لوضوئه وغَسلِ الطيب، غَسَل الطيبَ، وتيمَّم، إِلَّا أن يمكنَه إِزالةُ الطيب بغير الماء، فيزيله ويتوضَّأ؛ فإِن أمكنه أن يجمعَ غُسالة الوضوء، ثمَّ يزيل بها الطيبَ، فهذا هو الوجهُ عند العراقيِّين، وفيه نظرٌ من جهة أنَّ الإِزالةَ على الفور؛
стр. 873
فإِذا قدَّم الوضوء عليها فقد أخَّرها (١).
* * *
٩٨٧ - فصل في افتراش المطيَّب
إِذا جلس على فراش مطيَّب، فباشره ببدنه أو ثيابه، لزمته الفديةُ؛ لأنَّ ذلك عادةُ المترفين في الغطاء والوِطاء، فإِن بسط عليه ثوبًا فإِن كان صفيقًا يحول بينه وبين الريح، جاز، وإِن كان خفيفًا لا يمنع الريحَ، كُره ولا فدية، وفيه احتمال.
* * *
٩٨٨ - فصل في الادِّهان
لا يحرم الدُّهن إِلَّا في شعر الرأس واللحية، ولا بأس بادِّهان الأقرع الذي لا يرجو نباتَ الشعر، وكذلك المحلوق على أقيس الوجهين، ولا بأس بغسل شعر الرأس واللحية بالسِّدر والخِطْمِيِّ وكلِّ غاسول يُستعمل في غَسل الرأس.
٩٨٩ - فرع:
قال أبو محمَّد: لا ينبغي أن يَفْلِيَ المحرمُ رأسَه، ولا أن ينحِّيَ هوامَّه، وهذا ممَّا انفرد به، وخالفه الإمامُ، وقد قال الشافعيُّ ﵀ في القملة لو نحَّاها: افتدى، وحكى أبو محمَّد في وجوب الافتداء وجهين.
стр. 874
ولا يُكره اغتسال المحرِم على الجديد، وكرهه في القديم إِلّا لحاجة ماسَّة، ولا بأس بلبس الهِمْيان (١) والمِنْطَقة، ولا بالاكتحال ما لم يكن طيب.
* * *
٩٩٠ - فصل في إِزالة الشعر بالحَلْق وغيره
إِزالة الشعر بالحَلْقِ وغيرِه من أسباب الإِزالة حرامٌ في الإحرام، وتكمل الفديةُ بحلق ثلاث شعرات على الاتِّصال، وفيما دون الثلاث أقوال:
أحدُها: يجب بكلِّ شعرة ثلث دم.
والثاني: مدٌّ.
والثالث: درهم.
والرابع: دم كامل (٢).
والأوَّل [أصحُّ] (٣)، [و] هو القياس، والرابع بعيدٌ غريب (٤).
٩٩١ - فرع:
لو تأذَّى بشعرة في باطن جفنه، أو بظفر منكسر، فقلعهما، فلا فديةَ عليه؛ اعتبارًا بقتل الصائل من الصيد، وأبعد من خرَّجه على القولين في وطء
стр. 875
الجراد إذا عمَّ الطرقَ والمسالك.
ولو حلق لتضرُّره بالوسخ أو الهوامِّ، وجبت الفديةُ.
* * *
٩٩٢ - فصل في فدية الحلق والقلْم
إِذا حلق أو قلم بعُذْر أو غير عذر، لزمه شاةٌ، أو إِطعامُ ثلاثة آصُع لستَّة مساكين، أو صوم ثلاثة أيَّام.
* * *
٩٩٣ - فصل في حلق الحلال شعرَ الحرام
للمحرم أن يحلقَ شعرَ الحلال، وليس للحلال حلقُ شعر الحرام (١) وإِن أذن فيه إِلَّا أن يكون معذورًا؛ فإن حلقه بإِذنه، فالفديةُ على الحرام قرارًا ووجوبًا، وإن حلقه مكرَهًا أو نائمًا أو مجنونًا، فالفديةُ على الحلال اتِّفاقًا، وهل يلقى وجوبَها المحرمُ، ثمَّ يتحمَّلها الحلال؟ فيه قولان.
وإن حلقه وهو ساكت، فهل يلحق بالنائم أو الآذن؟ فيه وجهان، وإِذا قلنا: الوجوبُ لا يلقى الحرام، فله مطالبةُ الحلال اتِّفاقًا، وإِذا أخرج الحلالُ الفديةَ؛ فإِن جعلناه أصلًا، تخيَّر بين الخصال الثلاث، وإن جعلناه حميلًا، فلا يمكن تحمُّل الصوم، ويبعد أن يقصر تخيره (٢) على الدم والإِطعام،
стр. 876
ويبعد إلزامُ المحرم بالصوم، فالوجه أن يقال: إِن صام الحرام، بَرِئ الحلال، وإِن أطعم، رجع على الحلال، بخلاف التحمُّل في وِقاع رمضان؛ إِذ لا تراجعَ فيه.
٩٩٤ - فرع:
لو قطع عضوًا عليه شعر، أو كشط جلد رأسه، فلا فديةَ عليه.
٩٩٥ - فرع:
إِذا امتشط، فسقطت شعرات؛ فإِن علم أنَّه نتَفَها، وجبت الفديةُ، وإِن علم أنَّها كانت منتتفةً، فانسلَّت بالمشط، فلا فديةَ، وكذلك إِن أشكل الأمرُ على أقيس القولين.
* * *
٩٩٦ - فصل في بيان الطيب
كلُّ شيء ظهر منه قصد التطيُّب، أو كان مقصوده الأظهرُ التطيُّبَ، فهو الطيب المحرَّم، وما كان مقصوده الأظهرُ الأكلَ تفكُّهًا أو تداويًا؛ كالتفاح والسفرجل، والنارنج، والأترجِّ، والدَّارصيني (١) والقرنفل، فليس بطيب، وكذلك البان ودهنه، وما لا يُستنبت من الأزهار الطيبة في البوادي؛ كالشِّيح والقيصوم، وأبعد من اعتبر عادةَ كلِّ ناحية فيما يتَّخذونه طيبًا، ولا خلاف أنَّ المطعومَ في بعض الأقطار مطعومٌ في باب الربا، وأما الورد والوَرْس والزعفران: فكلُّها طيب، وكذلك الضَّيْمران على أصحِّ القولين، وهو الريحان
стр. 877
الفارسيُّ، وفي البنفسج اختلاف نصٍّ، وللأصحاب فيه وفي دهنه طرقٌ:
إِحداهنَّ: أنَّهما طِيْبان، وبها قطع الإِمام.
والثانية: قولان.
والثالثة: البنفسج طِيبٌ، وليس دهنه بطيب.
وقطع أبو محمَّد بأنَّ دهنَ الورد طيب مع التردُّد في دهن البنفسج، وسوَّى الإمامُ بينهما، والظاهر وجوبُ الفدية باستعمالهما، وخصَّ العراقيُّون الخلافَ بما إِذا أُغلي الورد أو البنفسج في الدهن, وقالوا: لو ذُرَّ البنفسجُ على السمسِم واعتُصر، فليس بطيب قولًا واحدًا.
وقال أبو محمَّد: هذا أشرفُ من المغليِّ، لأنَّ السمسمَ يتشرَّب مائيَّة البنفسج الطيِّبة، ويمتزج بها.
* * *
٩٩٧ - فصل في استعمال الطيب الذاهب الريح
إِذا زالت رائحةُ الطيب على وجه تعود برشِّ الماء، فاستعماله حرامٌ، وإِن لم تعد بالرش، فلها أحوال:
الأولى: أن يزولَ الطعم والريح دون اللون، ففي جواز استعماله وجهان، وقطع الإِمامُ بالجواز.
الثانية: ألَّا يبقى إِلا طعمُه، فلا عبرةَ به.
الثالثة: أن يبقى لونُه وطعمه، فقد قطع العراقيّون بمنعه، وألحقه الإمامُ ببقاء اللون وحدَه، ولو انغمر قليلُ الطيب بما ليس بطيب، واستعمل منه
стр. 878
ما يُتيقَّن اشتمالُه على شيء من الطيب، ففي جواز استعماله وجهان.
ولو لم ينغمر إِلَّا ريحُه، وظهر لونُه وطعمُه، ففيه احتمال عن بعضهم، والظاهر عنده المنع، ولذلك قال الشافعيُّ ﵀: إِن كان الخبيصُ بحيث يصبغ اللسانَ، لزمت الفديةُ بتناوله، وإِن زالت رائحةُ الزعفران، وهذا مؤوَّل عند الإِمام بما إِذا كانت الريحُ كامنة يُثوِّرها العلاجُ بالماء، واختيار الإِمام مُتَوجِّه في هذه الصورة، [والله تعالى أعلم بالصواب] (١)، ولا فرقَ بين قليل الطيب وكثيره، ولا نقلَ فيما لا يدركه الطَّرْفُ.
* * *
стр. 879
٩٩٨ - باب دخول مكة
يُستحب للمحرم أن يغتسلَ لدخول مكَّة بذي طوىً؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ اغتسل بها (١)، ودخل مكَّة من الثنيَّة العليا، وخرج من الثنية السفلى (٢)، ثمَّ دخل المسجدَ من باب بني شيبة (٣)، فإِذا دخلها القادم من أعلاها، فوقع بصرهُ على البيت عند رأس الردْم، فليقفْ عنده، وليقل: (اللهمَّ زِدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً، وزِدْ من شرَّفه وعظَّمه ممَّن حجَّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا، اللهمَّ أنت السلام ومنك السلام، فحيِّنا ربَّنا بالسلام) (٤)، ويدعو بمصالح الدنيا والآخرة، وأهمُّها طلبُ المغفرة.
стр. 880
ويُستحبُّ أن يدخلَ المسجدَ من باب بني شيبة، ولا نسكَ في الدخول من الثنيَّة العليا، خلافًا لأبي محمَّد.
* * *
٩٩٩ - فصل في صفة البيت، [وبيان الحجر والشاذروان بين الركنين اليمانيين] (١)
انهدم البيتُ قبل المبعث بعشر سنين، وكان لاصقًا بالأرض له بابان شرقيٌّ وغربيٌّ، فلمَّا بنته قريش رفعت بابَه؛ ليُدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من أرادوا، ولمَّا عزموا على بنائه، أَجَلُّوه أن يبنوه بأموالهم؛ لاختلاطها بالربا، فبنَوه من النذور، والهدايا الطيِّبة، فقصَّرت بهم عن إِتمامه، فأخرجوا من عَرْصته قدرَ ستِّ أذرع من جانب الحِجْر، وضيَّقوا عرض الجدار اليماني فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار على هيئة دكَّان لا عرض له، وهو الذي يُسمَّى الشاذروان.
* * *
١٠٠٠ - فصل في شرائط الطواف
الطواف بالبيت من الحجر إِلى الحجر سبع مرات ركنٌ في النسكين.