ويبعد إلزامُ المحرم بالصوم، فالوجه أن يقال: إِن صام الحرام، بَرِئ الحلال، وإِن أطعم، رجع على الحلال، بخلاف التحمُّل في وِقاع رمضان؛ إِذ لا تراجعَ فيه.
٩٩٤ - فرع:
لو قطع عضوًا عليه شعر، أو كشط جلد رأسه، فلا فديةَ عليه.
٩٩٥ - فرع:
إِذا امتشط، فسقطت شعرات؛ فإِن علم أنَّه نتَفَها، وجبت الفديةُ، وإِن علم أنَّها كانت منتتفةً، فانسلَّت بالمشط، فلا فديةَ، وكذلك إِن أشكل الأمرُ على أقيس القولين.
* * *
٩٩٦ - فصل في بيان الطيب
كلُّ شيء ظهر منه قصد التطيُّب، أو كان مقصوده الأظهرُ التطيُّبَ، فهو الطيب المحرَّم، وما كان مقصوده الأظهرُ الأكلَ تفكُّهًا أو تداويًا؛ كالتفاح والسفرجل، والنارنج، والأترجِّ، والدَّارصيني (١) والقرنفل، فليس بطيب، وكذلك البان ودهنه، وما لا يُستنبت من الأزهار الطيبة في البوادي؛ كالشِّيح والقيصوم، وأبعد من اعتبر عادةَ كلِّ ناحية فيما يتَّخذونه طيبًا، ولا خلاف أنَّ المطعومَ في بعض الأقطار مطعومٌ في باب الربا، وأما الورد والوَرْس والزعفران: فكلُّها طيب، وكذلك الضَّيْمران على أصحِّ القولين، وهو الريحان
стр. 877
الفارسيُّ، وفي البنفسج اختلاف نصٍّ، وللأصحاب فيه وفي دهنه طرقٌ:
إِحداهنَّ: أنَّهما طِيْبان، وبها قطع الإِمام.
والثانية: قولان.
والثالثة: البنفسج طِيبٌ، وليس دهنه بطيب.
وقطع أبو محمَّد بأنَّ دهنَ الورد طيب مع التردُّد في دهن البنفسج، وسوَّى الإمامُ بينهما، والظاهر وجوبُ الفدية باستعمالهما، وخصَّ العراقيُّون الخلافَ بما إِذا أُغلي الورد أو البنفسج في الدهن, وقالوا: لو ذُرَّ البنفسجُ على السمسِم واعتُصر، فليس بطيب قولًا واحدًا.
وقال أبو محمَّد: هذا أشرفُ من المغليِّ، لأنَّ السمسمَ يتشرَّب مائيَّة البنفسج الطيِّبة، ويمتزج بها.
* * *
٩٩٧ - فصل في استعمال الطيب الذاهب الريح
إِذا زالت رائحةُ الطيب على وجه تعود برشِّ الماء، فاستعماله حرامٌ، وإِن لم تعد بالرش، فلها أحوال:
الأولى: أن يزولَ الطعم والريح دون اللون، ففي جواز استعماله وجهان، وقطع الإِمامُ بالجواز.
الثانية: ألَّا يبقى إِلا طعمُه، فلا عبرةَ به.
الثالثة: أن يبقى لونُه وطعمه، فقد قطع العراقيّون بمنعه، وألحقه الإمامُ ببقاء اللون وحدَه، ولو انغمر قليلُ الطيب بما ليس بطيب، واستعمل منه
стр. 878
ما يُتيقَّن اشتمالُه على شيء من الطيب، ففي جواز استعماله وجهان.
ولو لم ينغمر إِلَّا ريحُه، وظهر لونُه وطعمُه، ففيه احتمال عن بعضهم، والظاهر عنده المنع، ولذلك قال الشافعيُّ ﵀: إِن كان الخبيصُ بحيث يصبغ اللسانَ، لزمت الفديةُ بتناوله، وإِن زالت رائحةُ الزعفران، وهذا مؤوَّل عند الإِمام بما إِذا كانت الريحُ كامنة يُثوِّرها العلاجُ بالماء، واختيار الإِمام مُتَوجِّه في هذه الصورة، [والله تعالى أعلم بالصواب] (١)، ولا فرقَ بين قليل الطيب وكثيره، ولا نقلَ فيما لا يدركه الطَّرْفُ.
* * *
стр. 879
٩٩٨ - باب دخول مكة
يُستحب للمحرم أن يغتسلَ لدخول مكَّة بذي طوىً؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ اغتسل بها (١)، ودخل مكَّة من الثنيَّة العليا، وخرج من الثنية السفلى (٢)، ثمَّ دخل المسجدَ من باب بني شيبة (٣)، فإِذا دخلها القادم من أعلاها، فوقع بصرهُ على البيت عند رأس الردْم، فليقفْ عنده، وليقل: (اللهمَّ زِدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً، وزِدْ من شرَّفه وعظَّمه ممَّن حجَّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا، اللهمَّ أنت السلام ومنك السلام، فحيِّنا ربَّنا بالسلام) (٤)، ويدعو بمصالح الدنيا والآخرة، وأهمُّها طلبُ المغفرة.
стр. 880
ويُستحبُّ أن يدخلَ المسجدَ من باب بني شيبة، ولا نسكَ في الدخول من الثنيَّة العليا، خلافًا لأبي محمَّد.
* * *
٩٩٩ - فصل في صفة البيت، [وبيان الحجر والشاذروان بين الركنين اليمانيين] (١)
انهدم البيتُ قبل المبعث بعشر سنين، وكان لاصقًا بالأرض له بابان شرقيٌّ وغربيٌّ، فلمَّا بنته قريش رفعت بابَه؛ ليُدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من أرادوا، ولمَّا عزموا على بنائه، أَجَلُّوه أن يبنوه بأموالهم؛ لاختلاطها بالربا، فبنَوه من النذور، والهدايا الطيِّبة، فقصَّرت بهم عن إِتمامه، فأخرجوا من عَرْصته قدرَ ستِّ أذرع من جانب الحِجْر، وضيَّقوا عرض الجدار اليماني فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار على هيئة دكَّان لا عرض له، وهو الذي يُسمَّى الشاذروان.
* * *
١٠٠٠ - فصل في شرائط الطواف
الطواف بالبيت من الحجر إِلى الحجر سبع مرات ركنٌ في النسكين.
стр. 881
وشرطُه: طهارةُ الطائف عن الحدَث والخَبَث في بدنه وثيابه ومَمَرِّه من المطاف، وأن يطوفَ على يساره خارجًا عن جميع أجزاء البيت، مبتدئًا من الحجر الأسود، محاذيًا له بجنبه (١) الأيسر؛ فإِن حاذاه ببعض جنبه، وخلَّف بعضَ الحجر وراءه، لم يصحَّ هذا الشوطُ على الأصحِّ، ولو حاذى وسطه بجميع بدنه، ففيه تردُّد لأبي محمَّد، ولو طاف في الحجر أو على شيء من الشاذروان، لم يُعتدَّ بما يفعلُه بعد ذلك حتَّى يعودَ إلى مكانه من الشاذروان، وإلى مدخله إِلى الحجر، ولو نكَّس طوافه، فطاف عن يمينه، أو بدأ بغير الحجر الأسود، لم يجزه حتَّى يأتيَ الحجرَ، فيبتدئ منه الطوافَ على يساره، وإِن طاف على جدار الحجر بحيث يقع طوافُه خارجًا عن الأذرع الستِّ، كُره وأجزأه، ولو طاف وراء الشاذروان وهو يمسُّ الجدارَ بيده، لم يجزه على الأصحِّ، وهو قول الأكثرين، ولو طاف مستقبلًا بوجهه، ففيه تردُّد للقفَّال؛ والأصحُّ أنَّه لا يجزئه.
* * *
١٠٠١ - فصل في الموالاة في الطواف
ينبغي أن يواليَ الطوافَ، ولا بأس بيسير التفريق، وفي كثيره بغير عُذْر قولان، ومع العذر طريقان:
أحدهما: يصحُّ قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان.
стр. 882
وجعل أبو محمَّد الطواف أولى بالولاء من الطهارة، ولا فرق بينهما عند الإِمام، وكلُّ تفريق أشعر بالإضراب عن الطواف، أو بالفراغ منه، فهو الكثير، وما نقص عن ذلك فهو اليسيرُ.
* * *
١٠٠٢ - فصل في الحدث في الطواف
إِذا لم نبُطل الصلاةَ بسبق الحدث، فالطَّواف بذلك أولى، وإِن أبطلنا الصلاةَ بالسبق، ففي الطواف قولان، فإِن أبطلناه وجب استئنافُه، وإِن لم نبطله خرج وتطهَّر، وبنى كما يبني على الصلاة، ولا بأسَ بهذا التفريق وإِن كان في التفريق بالعُذْر قولان، وإِذا أبطلنا الطوافَ بسبق الحدث، فعمدُه أولى (١)، وإِن لم نبطله [بالسبق] (٢)، ففي العمد وجهان، ولا يعتدُّ بما يقع في زمان الحدث، فإِن طال زمانُ الحدث فهذا تفريق، وإِن قصر، فهل يلحق التفريق اليسير مع الحدث بالتفريق الكثير من غير حدث؟ فيه وجهان كالوجهين في تخلُّل الردّةِ في الطهارة مع قِصَر الزمان.
* * *
١٠٠٣ - فصل في بيان المطاف
محلُّ الطواف جميعُ المسجد الحرام، فلو طاف في أخريات أروقته، أو على مكانها من السطوح، أجزأه، ولو وُسِّع المسجدُ لاتَّسع المطاف،
стр. 883
ولا يصحُّ الطوافُ خارجَ المسجد.
* * *
١٠٠٤ - فصل في الاستلام
إِذا بدأ بالطواف، فليستلم الحجرَ الأسود؛ فإِن زُحِم عن تقبيله، مسَّه بيده، ثمَّ قبَّلها؛ فإِن لم يمكنه، أشار إِليه بيده، ويقول عند ابتداء الطواف: بسم الله، والله أكبر، اللهمَّ إِيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتِّباعًا لسنَّة نبيِّك محمَّد ﷺ .
وكلَّما حاذى الحجر الأسود قال في رَمَله: اللهمَّ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا.
وإن تمكَّن من استلام الحجر في كلِّ شَوط، فحَسَن، وفي الأوتار آكد، وكذلك إِذا أكمل الطواف، ويمسُّ الركنَ اليماني بيده، ولا يقبِّله، وهل يقبِّل يدَه، ثمّ يمسُّه أو يمسُّه ثمَّ يقبِّل يده؟ فيه وجهان ينقدحان في المزحوم عن الاستلام.
قال الإمام: ليس هذا عندي باختلاف وإِنَّما هو تخيير، ولمَّا طاف ﵇ راكبًا، كان يشيرُ إِلى الحجر بمِحْجن في يده (١)، وهذا يدلُّ على أنَّ طواف الراكب مجزئٌ لا نقصانَ فيه إِلَّا أنَّ الدابّه إِن أمن تلويثها للمسجد، فذاك، وإِن لم يؤمَن، كُره إِدخالُها المساجدَ.
* * *
стр. 884
١٠٠٥ - فصل في الرَّمَلان
الأولى أن يرملَ في ثلاثة أشواط من أوَّل الطواف، ويمشي على هينته في الأربعة الأُخَر.
قال الصيدلانيُّ: الرَّمَل: سرعةُ المشي دون الخَبَب, وقال بعضُهم: هو فوق سجية المشي، ودون العَدْوِ.
قال الإمام: الرمل: ضَرْبٌ من الخَبَب يشير إِلى قفزان؛ لأنَّ كلَّ ما تضطرب الحركاتُ فيه فمصدره في الغالب الفَعَلان؛ كالقَفَزان والضربان والنَّزَوان.
* * *
١٠٠٦ - فصل فيما يُشرع فيه الرمل من الطواف
لا خلافَ أنَّه لا يشرع في كل طواف، وهل يختصُّ بطواف القدوم، أو لا يشرع إِلَّا في طوافٍ بعدَه سعيٌ؟ فيه قولان، خزَجوا عليهما الرملَ في طواف العمرة؛ إِذ لا يشرعُ فيها للقدوم طوافٌ، ولا اتّجاهَ لذلك في العمرة؛ لأن الرملَ أوَّل ما شُرع في عمرة القضاء، ولأنَّ في طوافها معنى القدوم، فمن قصد السعيَ بعد طواف القدوم، رَمَلَ اتّفاقًا، [ومن قصد تأخيرَه إِلى ما بعد طواف الزيارة، فلا يرمل في الطوافين اتِّفاقًا] (١)، وهل يرمل في القدوم أو في الزيارة؟ فيه القولان، ويُستحبُّ الرملُ على جميع أقطار البيت، وفيه قول أنَّه يترك الرملَ بين الركنين اليمانيِّين، ويُستحبُّ أن يجمعَ بين الرمل
стр. 885
والدنوّ من البيت؛ فإِن لم يمكن، فالرملُ في البُعد أولى من الدُّنُوِّ إِلَّا أن يقعَ في صفِّ النساء، فترك الرَّمل أوْلى.
١٠٠٧ - فرع:
لو ترك الرملَ في الأشواط الثلاثة، لم يقضه في الأربعة؛ إِذ لو فعل ذلك كان تاركا للسُّنتين، بخلاف الجمع بين (سورة الجمعة) و (المنافقين) في الركعة الأخيرة من صلاة الجمعة.
* * *
١٠٠٨ - فصل في الاضطباع
لا يشرع الاضطباع إِلا في طواف فيه رملٌ، ويستديمه إِلى إِتمام الطواف، وفي إِبقائه (١) إِلى إِكمال السعي خلافٌ.
والاضطباعُ: أن يكشفَ كتفَه اليمنى، ويجعل وسطَ الرداء تحتها، ويجمعَ طرفيه على عاتقه الأيسر، كدأب أهل الشطارة.
* * *
١٠٠٩ - فصل في ركعتي الطواف
إِذا أكمل الطوافَ، فليصلِّ ركعتين خلف المقام، وفي وجوبهما في الطواف الواجب قولان، وفي حسبهما من الطواف خلاف (٢)، ولا يحسبان من طواف الركن اتّفافا، ولا تجبان على أثر طواف التطوع، خلافًا لابن الحدّاد،
стр. 886
ولا يتعيَّن لهما المسجدُ الحرام؛ فيجوز أداؤهما بعد الرجوع إِلى الوطن، والعمر وقتٌ لأدائهما؛ فإِن مات قبل فعلهما؛ فإِن أوجبناهما، لم يمتنع إِيجابُ جَبْرهما كغيرهما من الواجبات، ولا تجوز النيابةُ في شيء من الصلوات إِلَّا فيهما حيث تجوزُ الاستنابة في النسك، ولا يقوم غيرُهما من الصلوات مقامَهما إِن أوجبناهما، وكذلك إِن لم نوجبهما، خلافًا للصيدلانيِّ، فإِنَّه انفرد بإِلحاقهما بتحيَّة المسجد في إِقامة غيرهما من الصلوات مقامهما.
* * *
١٠١٠ - فصل في طواف القدوم والزيارة والوداع
طواف الحجِّ ثلاثة أقسام:
أحدها: طوافُ الركن، وشرطه أن يقعَ بعد الوقوف (١).
الثاني: طوافُ الوداع، ويقع بعد الفراغ من جميع المناسك من الرمي والمبيت وغيرهما، وشرطه ألَّا يعرِّج بعدَه على شغل (٢)، فإِن عرَّج بطل وأعيد، وهو سنَّة مؤكَّدة، أو واجب مجبورٌ بالدم؛ فيه قولان، ومال في الجديد إِلى إِيجابه.
وللحائض أن تنفرَ بغير وداع، ولا يلزمها الدمُ، فإِن نفرت بغير وداع، ثمَّ طهرت قبل مفارقة خِطَّة مكَّة، فلترجع للوداع، وإِن استمرَّ
стр. 887
الحيض (١) إِلى مسافة القصر، أو نفر الرجلُ بغير وداع، وانتهى إِلى مسافة القصر، فلا رجوعَ عليهما. ويجب الدمُ على الرجل دون الحائض، ولا يسقط الدمُ بعَوْده للوداع إِلَّا على قول غريب، فإِن عاد بنسك، وفرَّعنا على القول الغريب، كفاه وداعٌ واحد للنسكين، وقيل: لابدَّ من وداعين.
ولو جاوز الرجلُ الخِطَّة، أو طهرت الحائض بعد مجاوزتها (٢)، ولم يبلغا مسافة القصر، فالنصُّ أنَّه لا رجوعَ على المرأة، ولو عاد الرجل (٣) لسقط الدم، (فمن أصحابنا مَن أقرَّ النصين) (٤) وقال: لا عودَ على الحائض [ولا دم] (٥)، ولو عاد الرجلُ لسقط الدم، [وفرَّق بأن الحائضَ لم تكن من أهل الوداع، ومنهم] (٦) من جعل (٧) المسألتين على قولين:
أحدُهما: يجب عليهما الرجوعُ (٨)؛ فإن لم يرجعا، استقرَّ عليهما الجُبْران (٩).
стр. 888
والثاني: يفوت الوداع بمجاوزة الخِطَّة، ولا يمكن استدراكُه إِلَّا أنَّ الجُبْرانَ يجب على الرجل دون الحائض، والمرأة الطاهر في ذلك كالرجل؛ فإن اعتبرنا الخطَّة، فالاعتبار بمفارقة الحَرَم أو العمران؟ فيه وجهان، ولا خلاف أنَّ المكِّيَّ لو سافر، لترخَّص بمفارقة العمران.
ثمَّ الوداع من مناسك الحجِّ، وإِن وقع بعدها، وليس على كلِّ خارج من مكة وداعٌ بسبب الخروج، بخلاف الإحرام بسبب الدخول؛ [فإن السفرَ يثبت في حقِّه إِذا فارق مكَّة] (١)؛ إِذ الوداعُ مختصٌّ بالغرباء [إِلَّا أن يرجع الغريبُ إِلى مكَّة قاطنًا، فلا وداعَ عليه، ولا على المكِّي إِذا خرج وعزم على النفْر مع الغرباء] (٢)، ورمز بعضُهم إِلى أنَّ المكِّيَّ يودِّع في مثل هذه الصورة إِلَّا أن يعِنَّ له ذلك بعد رجوعه إِلى مكَّة، فلا وداعَ عليه اتِّفاقًا، وإن عزم الغريبُ على أن يعرِّج بمكَّة أيَّامًا لزمه الوداعُ، وإِن عزم الإِقامة، ثمَّ نقض عَزْمَه وسافر، فلا يلزمه وداع.
١٠١١ - فرع:
إِذا أوجبنا طوافَ الوداع، فطاف محدثًا، فقد قال أبو يعقوب الأَبْيَورْدِيُّ: يصحُّ طوافُه ويجبر الطهارةَ بالدم، وهذا خطأ؛ لأنَّ الدمَ جابرٌ للطواف دون الطهارة.
الثالث (٣): طوافُ القدوم، وهو من الحجِّ في حقِّ من يَقْدَم مكَّةَ قبل
стр. 889
عرفة، فيطوف كما قَدِم، ولا يعرج قبله على شيء؛ فإِن عرَّج، ففيه تردُّد مع القطع ببطلان الوداع بالتعريج بعده، والمذهب أنَّه سنَّة، وأشار في "التقريب" إِلى احتمال إِلحاقه بطواف الوداع في الإيجاب.
* * *
١٠١٢ - فصل في الطواف بالصبي محمولًا
لا يجب تجديدُ النيَّة للطواف، لكن إِن نوى الطائف صَرْفَ الطواف إِلى غير جهة النسك، لم يُجزه على الأصحِّ.
ولو طاف بالصبي المحرِمِ مُحِلّ، أو مُحرِلم طاف عن نفسه، وقع الطوافُ للصبيّ.
وإِن طاف به محرِمٌ لم يطف عن نفسه؛ فإِن نوى نفسَه بالطواف، أو نوى نفسَه، ونوى الصبيَّ، وقع الطوافُ عن الحامل (١) دون الصبيِّ، وإِن نوى الصبيَّ وحدَه، فطريقان:
أحدُهما: لا يقع عن الصبي، وفي وقوعه عن الحامل قولان.
والثانية وهي المرضية: إِن أبطلنا الطوافَ بنيَّة الصَّرْف، وقع الطوافُ عن الصبيّ، وإن لم نبطله وقع عن الحامل.
* * *
стр. 890
١٠١٣ - فصل في السعي بين الصفا والمروة
إِذا صلَّى ركعتي الطواف، فليخرج من باب الصفا، وليرْقَ في درج الصفا بقَدْر قامة، فإِن لم يَرْقَ، كفاه الانتهاءُ إِلى أصل الجبل اتِّفاقًا.
والسعيُ بين الصفا والمروة ركنٌ لا يجبره الدم، وشرطه: أن يقعَ بعد طواف صحيح وإِن كان نفلًا؛ كطواف القدوم، ولا يُشترط فيه الطهارةُ، ولا السِّتارة، ولا أن يوالى بينه وبين الطواف، ولو تخلَّل فصلٌ طويل، فلا بأس ولو كان بقدْر سَنَةٍ فما زاد، وإِن تخلَّل الوقوفُ بعرفة، لم يجزه عند أبي عليٍّ.
ولو طاف للزيارة، وأخَّره عن أيَّام مِنىً، فلا بأس.
ولو سعى بعد القدوم، كُره له إِعادةُ السعي بعد طواف الزيارة؛ إِذ لا قربةَ فيه إِلَّا أن يقع ركنًا.
* * *
١٠١٤ - فصل في السعي
وهو التردُّد بين الصفا والمروةِ سبعَ مرَّات، وأبعد من قال: أربعَ عشْرةَ مرَّة؛ لأنَّه عدَّ الذهابَ إِلى المروة والرجوعَ إِلى الصفا بمرَّة واحدة، ولابدَّ من ترتيبه؛ بأن يبدأَ بالصفا ويختمَ بالمروة؛ فإِن بدأ بالمروةِ، لم يُحسب حتَّى يأتيَ الصفا، فيحسبَ منه ابتداءُ سعيه، ومكانُ السعي معروف لا يُتعدَّى.
* * *
١٠١٥ - فصل في سُنن السعي
رقى ﵇ في الصفا بقَدْر قامة, وقال: "الحمدُ لله الذي صدق
стр. 891
وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (١)، وحسن أن يدعوَ الناسكُ ممَّا بدا له، ثمَّ ينزل ماشيًا على هينته حتَّى يبقى بينه وبين المِيل [الأخضر] (٢) المعلَّق بركن المسجد قدْرُ ستَة أذرع، فيسعى سعيًا شديدًا لا يُبْهِره (٣) إِلى أن يتوسَّط المِيلين الأخضرين اللذَينِ أحدُهما بفِناء المسجد، والآخرُ بفناء دار العبَّاس، فيمشي على هِينته إِلى أن يأتيَ المروةَ، فيرقى عليها كما رقى على الصفا، وذكر بعضُهم في السعي بين الأميال لفظَ الخَبَب، ولا يُعتدُّ بذلك.
وكان ﵇ يقول في سَعْيه: "اللهمَّ اغفر وارحم، واعفُ عمَّا تعلم، وأنت الأعزُّ الأكرم (٤) "، اللهمّ ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة
стр. 892
حسنة، وقِنا عذاب النار (١).
* * *
١٠١٦ - فصل في الحِلاق
يدخل وقتُ الحِلاق في العمرة بالفراغ من السعي، والحَلْقُ في وقته نسأ، أو إِطلاق محظور؟ فيه قولان؛ فإِن جعلناه نسكًا، فلا يتعلَّق إلا بشعر الرأس، ويقف التحلُّل عليه، ويُقضى بكونه ركنًا لا يجبر بالدم اتِّفاقًا؛ فإِن تعذَّر التعرُّضُ للشعر مع وجوده، وجب الصبرُ إِلى الإِمكان، ولا يجزئه الدمُ، وإن لم يكن على رأسه شعرٌ، فلا نسكَ عليه، ولا يلزمه الصبرُ إِلى نبات الشعر، لكن يُستحبُّ له إِمرار المُوسَى على رأسه، وأن يأخذ من شعر شاربه ولحيته. كذا ذكره الشافعيُّ.
ويحصل النسكُ بحلق ثلاث شعرات أو نتفها، وكذلك يحصل بشعرة واحدة إِن كمَّلنا فيها الدمَ على القول الضعيف، وإِن أخذ ثلاثَ شعرات بدفعات؛ فإِن كمَّلنا الدمَ، حصل النسكُ، وإِلَّا فلا، ولو أخذ شعره في مرَّات؛ فإِن تواصل الزمانُ، لم تُكمَّل الفدية، ولم يحصل النسك، وإن تقطع الزمان ففي تكميل الفدية، وحصول النسك وجهان.
стр. 893
وتقتصر المرأةُ على التقصير، وهو أخذُ بعض الشعر، ولا حلقَ عليها، ولو نذرته لم يلزمها؛ لأنَّه ليس بقربة في حقِّها، ولو نذره الرجل لزمه، ولا يبرأ من النذر بالتقصير، ويكفيه ما يقع عليه اسمُ الحلق، ولا يلزمه الإِمعانُ في الاستئصال، ويقرب أن يرجعَ في ذلك إِلى رؤية الشعر، ولو استأصله بالمِقَصِّ، أو نتفه، أو أحرقه، ففي إجزائه عن النذر احتمال، ولو أمرَّ الموسى ولم يستأصل، لم يسقط النذرُ على الظاهر؛ لأنَّ هذا تقصير، ولو نذر استيعابَ الرأس بالحلق، ففي وجوب الوفاء تردُّد للقفَّال، ولو لبَّدَ رأسَه، وعَقَصَه، وهذا لا يفعله إِلَّا العازمُ على الحلق، ففي تنزيله منزلةَ نذر الحلق قولان كالقولين في أنَّ التقليدَ والإشعار هل ينزل منزلةَ قوله: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً.
* * *
١٠١٧ - فصل في خُطَب الحجِّ
إِذا لم يحضر الإِمام الحجَّ، فليقدِّم على الناس مَنْ يقوم بمصالحهم، وينبغي أن يخطبَ بهم الإِمام، أو المقدَّمُ أربعَ خُطب يعلِّمهم فيها ما يحتاجون إِليه من أمر المناسك.
الخُطبة الأولى: يومَ السابع، يحمدُ الله ويصلِّي على نبيِّه، ويحثُّهم على الخروج يومَ التروية.
الثانية: يومَ عرفة بعرفة.
والثالثة: يومَ النحر.
стр. 894
والرابعة: يومَ النفْر الأوَّل، وكلُّها أفراد بعدَ صلاة الظهر إِلَّا يومَ عرفة فإِنه يخطب خطبتين بعد الزوال، وقبل الصلاة، ويجعل الخطبةَ الثانية بقدْر الأذان والإِقامة، فيبتدئها مع ابتداء الأذان، ويفرغ منها مع نجاز الإِقامة، كذلك فَعَل ﵇، وكانت خطبتُه في مسجد إبراهيم (١).
* * *
١٠١٨ - فصل في الوقوف بعرفة
الوقوف بعرفة أعظمُ أركان الحجِّ، ووقته من الزوال يوم عرفة إِلى طلوع فجر يوم النحر، فلو وقف بالليل دون النهار، أجزأه، وأبعدَ مَنْ ذكر قولين، ولو وقف نهارًا، وأفاض قبل الغروب، أجزأه وفي لزوم الدم قولان؛ فإن أوجبناه فعاد ووقف إِلى الغروب، سقط الدمُ، وفي سقوطه بالعود ليلًا وجهان.
١٠١٩ - فرع:
لو غلطوا بالوقوف في العاشر، أجزأهم اتِّفاقًا، وإِن تبيَّن بعد التاسع أنَّهم غلطوا بالثامن، فوجهان.
* * *
١٠٢٠ - فصل في بيان محلِّ الوقوف
محلُّ الوقوف معروفٌ، وموقف رسول الله ﷺ عليه حيث يقف
стр. 895
الخطيبُ، ويطيف بعرصات عرفة جبالٌ وجوهُها المقبِلة من عرفة في وسطها جبل يسمى جبلَ الرحمة، ولا نُسُكَ في صعوده وإِن اعتاده الناس، ويلي عرفةَ من القبلة وادي عُرنة، وليس من عرفة، ومقدَّم مسجد إبراهيم في صدر هذا الوادي، ومؤخَّره في عرفة، فلا يصحُّ الوقوف في صدر هذا المسجد، ويتميَّز حدُّ عرفة بصخرات كبار مفروشة هناك.
* * *
١٠٢١ - فصل فيما يجزئُ من الوقوف
ويكفي في ذلك الحصولُ بعرفة، ولا يُشترط اللبثُ، فلو حضر بطرف من أطرافها نائمًا أو جاهلًا بكونه من عرفة، أجزأه، ولو صرف وقوفه عن النسك إِلى اتِّباع غريم أو دابَّة، فقد أشاروا إِلى القطع بإجزائه مع تردُّدهم في صرف الطواف.
ولو طافت الدابَّةُ بالنائم على وجهٍ لا ينتقضُ وضوءُه احتُمل أن يُقطعَ بصحَّة طوافه، واحتُمل تخريجُه على الخلاف في صرف الطواف؛ إِذ لم يوجد منه فعلٌ أصلًا، ولهذا التفاتٌ على الخلاف فيمن نوى الطهارةَ، ولم يوجد منه فعلٌ ولا مكث، ولا يمتنع طردُ الخلاف في صرف الوقوف.
* * *
١٠٢٢ - فصل فيما يُستحبُّ في يوم عرفة
يُستحبُّ إِكثارُ التهليل عشيَّةَ عرفة، ورفعُ الصوت بالتلبية، وجمع التقديم مستحبٌّ بعرفة، وإِن كنَّا لا نُؤثر الجمعَ في الأسفار، وإِذا تضيَّفت
стр. 896
الشمسُ للغروب، أفاضوا ليوافوا الخروجَ من عرفة بعد الغروب، ويؤخِّرون المغربَ؛ ليجمعوها مع العشاء بمزدلفة، وتَمدُّ المطايا أعناقَها إِلى مزدلفة، فيبيتون بها، ويتأهَّبون للرحيل بعد نصف الليل، ويمزجون التكبير بالتلبية، فإذا أخذوا في الرمي محَّضوا التكبير، وتركوا التلبيةَ، وإذا انتهوا إِلى المشعَر الحرام، وهو آخرُ مزدلفةَ، وقفوا ودعوا الله ، ثم يسيرون، فإِذا أتوا وادي محسّر حرَّكوا دوابَّهم في الوادي قليلًا.
* * *
١٠٢٣ - فصل في أسباب التحلُّل من الحجِّ
يدخل وقتُ الرمي والطواف وكذلك الحَلْق إِن جعل نُسكًا بانتصاف ليلة النحر، ولا ترتيبَ في هذه الأسباب، فأيَّها قدَّم أو أخَّر، أجزأ، إِلَّا أن يُجعل الحلقُ إِطلاقَ محظور، فلا يجوز إِلَّا بعد التحلُّل الأوَّل، وقيل: يحصل التحلُّل الأوَّل على هذا القول بطلوع الفجر.
والأفضل أن يرميَ بعد طلوع الشمس، ثمَّ يحلق، ثمَّ يطوف للزيارة لابسًا متزيّنًا، ويمتدُّ وقت الرمي إِلى الغروب من ليلة القرّ، [وفي امتداده إِلى الفجر من يوم القَرّ (١) وجهان يجريان في ليلتي النَّفْرَيْنِ (٢)، والأصحُّ أنَّه
стр. 897
لا يمتدُّ، ولا خلافَ في انقضاء الوقت بالغروب آخرَ أيَّام التشريق، ويدخل وقتُ الرمي في أيَّام التشريق بزوال الشمس] (١).
وللحجِّ تحلُّلان يحصلان بالرمي، والطواف، والحلق إِن جعل نُسْكًا؛ ويحصل التحلُّل الأوَّل بسببين (٢) من هذه الأسباب، والسعي مع الطواف سببٌ واحد، وإِن جُعل الحلقُ إِطلاقَ محظور، حصل التحلُّلان بالرمي والطواف، وحصل التحلُّل الأوَّل بأحدهما.
١٠٢٤ - فرع:
إِذا فات الرميُ، ففي وقوف التحلُّل على بدله ثلاثةُ أوجه، ثالثها: التوقُّف على الدم دون الصوم.
* * *
١٠٢٥ - فصل فيما يُباح بالتحلُّل الأوَّل
ويقف حِلُّ الجماع على التحلُّلين اتِّفاقًا، ويباح بالأوَّل لبسُ المخيط، وسترُ الرأس، والقَلْم، والحَلْق إِن لم يُجْعل (٣) نسكًا، وفي الصيد وعقد النكاح والمباشرة بإِنزال وبغير إِنزال قولان، وفي الطيب طريقان، إحداهما: الجواز قولًا واحدًا. والثانية: فيه القولان.
* * *
стр. 898
١٠٢٦ - فصل في جملة أفعال الحجِّ
إِذا طاف الغريبُ للقدوم؛ فإِن شاء عقَّبه بالسعي، وإِن شاء أخَّر السعيَ إِلى طواف الزيارة، ويخرج من مكَّة يومَ التروية، ويبيت بمِنى، فإِذا أصبح، سار إلى عرفة، ثمّ يُفيض منها بعد الغروب إِلى مزدلفة، ويبيت بها، فإِذا أصبح، رمى جمرةَ العقبة، وحلق وطاف طوافَ الزيارة، ويُسمَّى طوافَ الركن، وطوافَ الصَّدَر، وقيل: طوافُ الصَّدَر: طوافُ الوداع (١)، فإِن كان قد سعى، فلا يعيد السعيَ، ثمَّ يرجع إِلى منىً؛ للمبيت والرمي، فإِن شاء تعجَّل في النفْر الأوَّل، وإِن شاء تأخَّر إِلى الثاني، ولو أتى عرفةَ مع ضيق الوقت، ولم يدخل مكَّة، لم يُشرع في حقِّه طواف القدوم.
* * *
١٠٢٧ - فصل في الرمي
الرميُ واجبٌ اتِّفاقًا، ووظيفة كلّ جمرة سبعُ حصيات، ويقتصر في يوم النحر على جمرة العقبة، ويرمي في كلّ يوم من أيَّام التشريق إِلى الجمرات الثلاث، فيبدأ بالجمرة التي تلي مسجدَ الخَيفْ، ويثنِّي بالوسطى، ويختم بجمرة العقبة، فتلك سبعون حصاة (٢) للمتأخِّر إِلى النفر الثاني، وتسع وأربعون للمتعجِّل.
стр. 899
والترتيب المكانيُّ واجبٌ في الجمرات الثلاث، وكذلك في المناسك المتعلِّقة بالأمكنة؛ كالسعي والطواف، فلو بدأ بجمرة العقبة، وختم بالثالثة، لم يُحسَب له سوى الثالثة، ولا يجب الترتيبُ الزمانيُّ في قضاء الرمي على أظهر القولين، كما لا يجب في قضاء الصلوات.
* * *
١٠٢٨ - فصل فيما يرمي به
ولا يجوز الرميُ إِلَّا بما يُسمَّى حجرًا، فيجزئه حجر النُّورة (١) قبل الطبخ، ولا يجزئ بعده؛ إِذ لا يُسمَّى حجرًا، ولا يجزئه الإِثمِدُ، والزِّرنيخ، والجواهر المعدنيَّة؛ كالتِّبْرَين، وغيرِهما ممَّا ينطبع ويتطرَّق، وتردَّدوا فيما يُتَّخذ منه الفُصوص؛ كالعقيق، والفيروزج، والياقوت الشفاف وغير الشفَّاف، والظاهر أنَّها لا تجزئ.
والأحجارُ المشتملة على الجواهر ضربان:
أحدهما: ما يُسمَّى حجرًا، ولا يظهر عليه ما يستخرج منه إِلَّا لخواصِّ أهل الصنعة؛ كحجارة المينا (٢)، وهي الأحجار الصغار في رضراض الأودية، فيجوز بها الرمي.
الثاني: حجر الحديد، وفيه تردُّد لأبي محمَّد، ولا يبعد إِلحاقُه بالإِثمد
стр. 900
إِلَّا أنَّ الإِثمدَ جوهرٌ كلُّه، فصار كالطَّلْق (١)، والمغنيسيا (٢)، والمرقشيتا (٣) بخلاف حجر الحديد، فإِنّه حجر يشتمل على حديد كامن فيه.
* * *
١٠٢٩ - فصل في الرمي بما رُمي به
إِذا رمى بحجر قد رُمي به؛ فإِن تعدَّد الرامي أو الجمرة أو الزمان، جاز اتِّفاقًا، فإِذا رمى الواحدُ حصاةً إِلى جمرتين في يوم واحد، أو إِلى جمرة واحدة في يومين، أو رماها اثنان (٤) إِلى جمرة واحدة، أجزأ ذلك، وإن اتَّحد الرامي واليومُ والجمرة، لم يجز على أظهر الوجهين.
* * *
١٠٣٠ - فصل في فوات الرمي
[يدخل وقتُ رمي أيام التشريق بالزوال، ويمتدُّ إلى الغروب من ذلك
стр. 901
اليوم، ولا يمتد إلى الفجر من ليلتي النَّفْرَيْنِ على الأصحِّ، وينقضي بالغروب من اليوم الأخير] (١).
فإِذا ترك الرميَ حتَّى مضت أيَّامُ التشريق، فقد تعذَّر استدراكُه (٢)، ويُجبر بالدم قولًا واحدًا (٣).
وإِن ترك رميَ يوم القَرِّ، ففي تداركه في اليومين بعده قولان؛ فإِن قلنا: لا يتدارك، تعيَّن الدم، وإِن قلنا بالتدارك، لزمه الرميُ، وهل هو قضاء أو أداء فات وقتُ اختياره؟ فيه وجهان؛ فإِن جعلناه قضاء، فهل يجوز أن يقضى في النصف الأوَّل من النهار أو في الليل إِذا لم نجعله وقتًا للأداء؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ إِذ القضاء لا يتأقَّت.
والثاني: لا؛ تشبيهًا لذلك الزمان بليل الصيام، وإِن قلنا بالأداء، فجميعُ أيَّام التشريق وقت له إِلَّا ما قبل الزوال والليل، ففيهما الوجهان، والظاهر المنع.
١٠٣١ - فرع:
لو قدَّم رميَ يوم إِلى يوم قبله، جاز إن جُعل التداركُ أداءً، وامتنع إِن جعلناه قضاء.
стр. 902
١٠٣٢ - فرع:
لو أخَّر الرميَ إِلى يومٍ آخر بغير عُذْر، فقد رمز في "التقريب" إِلى جواز ذلك على قول الأداء، وهو قياسُه، ولكنَّه بعيد، وبه يظهر ضعفُ القول بالأداء، وأن التأخيرَ من خصائص رعاء الإِبل وأهل السقاية.
١٠٣٣ - فرع:
إِذا فاته رمي يوم النحر، ففي تداركه في أيَّام التشريق طريقان (١):
إحداهما: لا يجوز قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان.
١٠٣٤ - فرع:
إِذا أوجبنا القضاءَ، لم يلزمه مع القضاء فديةٌ، خلافًا لابن سُريج، فإِنَّه ألحق ذلك بتأخير (٢) قضاء رمضان [إِلى دخول رمضان آخر] (٣).
١٠٣٥ - فرع:
إِذا أوجبنا التداركَ، فينبغي أن يرتِّبه، فيبدأ (٤) بالتدارك، ثمَّ يرمي عن يومه، فإِن رمى إِلى كلِّ جمرة أربعَ عشْرةَ حصاةً؛ فإن لم نوجب الترتيبَ الزمانيَّ، أجزأه، وإِن أوجبناه، لم يصحَّ رميُ يومه ما بقي عليه حصاةٌ من أمسه.
стр. 903
١٠٣٦ - فرع:
لو نوى صرفَ الرمي عن النسك، ففي انصرافه عنه خلافٌ، فلو رمى الجمرات الثلاث بنيَّة يومِه؛ فإِن قلنا: لا أثر لنيَّة الصرف، وقع رميُه عن التدارك، وإِن قلنا: ينصرف بالنيَّة؛ فإِن لم نوجب الترتيبَ، وقع عن يومه، وإِن أوجبناه، لم يقع عن يومه، ولا عن أمسه؛ لفساد قصده.
* * *
١٠٣٧ - فصل في كيفيَّة الرمي
من وقف في الجمرة، أو رآها ورمى إِليها أجزأه، والوقوفُ وراءها أولى.
وإِن وضع الحصاةَ على الجمرة بيده، لم يجزه على المذهب.
ولو وقعت على إِنسان، فاستقرَّت عليه أو على ثوبه، فنفضها فوقعت في الجمرة، لم تجزه.
ولو أصابت مَحْمِلًا، فارتدَّت بقوَّة الصدمة، ووقعت في الجمرة، أجزأت، ولو وقعت في مَحْمِل ولم يبق فيها أثر من قوة الرمي، فتدحرجت إِلى الجمرة، فوجهان.
وإِن رمى حصاتين أو أكثرَ دفعة واحدة، فإِن وقعتا معًا، لم تُحسب إِلَّا واحدة، وكذلك إِن ترتَّب وقوعُهما على المذهب، وقيل: يجزئه عن رميتين؛ نظرًا إِلى ترتُّب الوقوع.
وإِن أتبع الحصاةَ الحصاةَ؛ فإن ترتَّبتا في الوقوع كترتُّبِهما في الرمي، فهما رميتان، وإِن وقعتا معًا، أو وقعت الثانيةُ قبل الأولى، فهما رميتان
стр. 904
على الأصحِّ؛ نظرًا إلى ابتداء الرمي، وأبعد مَنْ جعلهما رمية واحدة؛ نظرًا إِلى الوقوع.
* * *
١٠٣٨ - فصل في الاستنابة
من (١) عجز عن الرمي عجزًا لا يرجى زوالُه في مدّة الرمي، فله أن يستنيبَ فيه؛ فإِن أذن في ذلك، أو أذن المعضوبُ في الحجِّ إِذنًا غيرَ لازم، فأُغمي على المرميِّ عنه، أو مات المعضوبُ، لم يبطل بذلك إِذنُهما عند العراقيِّين؛ لأنَّ سببَ هذه النيابةِ العجزُ، فلا يقدح تأكُّده فيها، وهذا بعيد في الموت مُحتمَل في الإِغماء، وقد قال بعضُ الأصحاب: لا ينعزل الوكيلُ بالإغماء؛ اعتبارًا بالنوم، ولذلك لا تثبت الولايةُ على المغمى عليه.
١٠٣٩ - فرع:
إِذا رمى عن العاجز، ثم زال عذرُه والوقتُ باقٍ، فهل يلزمه إِعادةُ الرمي؟ فيه وجهان كالوجهين في إجزاء الحجِّ عن المَعْضوب إِذا برئ بعده.
* * *
١٠٤٠ - فصل في فدية الرمي
لا خلافَ في تكميل الفدية في ترك الرمي يومَ النحر، ولو ترك رميَ [الجمرات الثلاث في] (٢) يوم من أيام التشريق لزمه دمٌ، ولا مزيدَ عليه
стр. 905
اتِّفافا، وفيما نقص عن وظيفة اليوم طُرق:
إِحداهنَّ وهي المشهورة: تكميلُ الفدية بثلاث حصيات؛ اعتبارًا بحلق ثلاث شعرات، فإِن ترك حصاةً من آخر الجمرات، فهل يلزمه درهمٌ أو مدٌّ، أو دم كامل، أو ثلث دم؟ فيه أربعةُ أقوال كما ذكرناه في حلق شعرة واحدة.
الطريقة الثانية: تكميل الفدية بوظيفة جمرة واحدة، ولو ترك الحصاة من الجمرة الأخيرة، فهل يلزمه الدرهمُ، أو المدُّ، أو دم كامل، أو سبع دم؟ فيه الأقوال.
الطريقة الثالثة: أنَّ جمرات اليوم كثلاث شعرات؛ فإِن ترك الجمرة الأخيرة، ففي واجبها الأقوال، وإِن ترك حصاة منها؛ فإِن أوجبنا المدَّ أو الدرهم، احتُمل أن نوجبَهما هاهنا، وإِن أوجبنا بعضَ الدم، فالواجبُ هاهنا جزءٌ من أحد وعشرين جزءًا من الدم، ولو لزمه (١) رميُ الأيام الأربعة، فتركه، فالواجب (٢) دم أو دمان، أو أربعة دماء؟ فيه ثلاثةُ أقوال، ولو أنه اقتصر على ترك رمي يوم واحد، كُمِّل الدم اتِّفاقًا.
* * *
١٠٤١ - فصل في النَّفْر
إِذا رمى في اليوم الثاني من أيَّام التشريق، فله أن ينفرَ، فيسقط عنه مبيتُ الليلة الثالثة، ورمي اليوم الثالث؛ فإِن رمى ولم يفارق خطَّة مِنى حتَّى
стр. 906
غربت الشمسُ، لزمه المبيتُ، ورمي اليوم الثالث، وإِن نفر بعد الزوال من غير رمي، فله حالان:
إحداهما: أن يرجعَ إلى منى بعد الغروب، فقد فاته الرمي، وتعذَّر تداركه، ولزمته الفديةُ؛ كما لو مضت أيَّام التشريق.
الثانية: أن يرجعَ قبل الغروب، ففيه أقوالٌ تجري في النفرين: أحدها: يلزمه الدم، ولا ينفعه العَوْدُ.
والثاني: يلزمه الرجوعُ ما لم تغرب الشمسُ.
والثالث: يتخيَّر بين أن يرجعَ ليرمي، وبين ألَّا يرجعَ، ويريق الدم.
والرابع: يجزئه العود في النفْر الثاني دون الأوَّل.
فإِن قلنا: لا يرمي، فلا مبيتَ عليه، ولو بات لم يكن لمبيته حكمٌ؛ لانقطاع مناسك منى بخروجه منها، وإِن قلنا: يرمي، فأقام إِلى الغروب، لزمه المبيتُ والرميُ في اليوم الثالث، وإِن نفر قبل الزوال، فله أحوال: إحداهما: أن يعود، فتزولَ عليه الشمسُ بمنى، فلا أثرَ لخروجه؛ لأنَّه لم ينفر في وقت إِمكان الرمي.
الثانية: أن يعودَ بعد الغروب، فلا أثرَ لعوده، كما لو خرج بعد الزوال وعاد بعد الغروب.
الثالثة: أن يرجعَ قبل الغروب، فلا أثرَ لخروجه على المذهب، وأجراه بعضُهم على الأقوال.
ولو خرج يوم النحر، أو يوم القَرّ، ثمَّ عاد قبل الغروب، فلا أثرَ
стр. 907
لخروجه اتِّفاقًا.
* * *
١٠٤٢ - فصل في المبيت بمزدلفة ومنى
لا نسكَ في المبيت بمنى ليلةَ عرفة، والمبيت بمزدلفة ليلةَ النحر، وبمنى في ليالي الرمي نسكٌ إِلَّا من تعجل في النفْر الأوَّل، فالنسك في حقِّه ليلتان، وفي وجوب المبيت في ليالي النسك قولان، وفي قدر المبيت قولان أظهرُهما معظمُ الليل، والثاني يكفيه أن يحضرَ قبيل الفجر حتَّى يطلعَ عليه الفجرُ بمحلِّ المبيت، واستبعد الإِمامُ إِجراءَ القولين في ليلة مزدلفة؛ لأنَّهم يأتونها عشاءً، ويرحلون منها نصفَ الليل، فيتعذَّر اعتبار المعظم والكونُ بها عند الفجر، ورأى أن يتعمن فيها اعتبارُ الحضور عند انتصاف الليل، ولا وجه لما ذكره؛ لأنَّ الاشتغالَ بالنسك يُسقط البيتوتةَ؛ ولذلك اتَّفقوا على سقوطها وسقوط فديتها في حقِّ مَنْ لم يدرك عرفةَ إِلَّا بالليل، فاشتغل بذلك، وكذلك لو أفاض من عرفة إِلى مكَّة؛ ليطوفَ للإِفاضة، ولم يبت بمزدلفة، فإِنَّه لا يلزمه شيءٌ على ما ذكره القفَّال وصاحبُ "التقريب"، وإِنَّما تظهر فائدةُ القولين في حقِّ مَنْ ترك المبيتَ من غير اشتغال بالنسك.
* * *
١٠٤٣ - فصل في واجبات الحجِّ
الرمي والإِحرام من الميقات واجبان مجبوران بالدم قولًا واحدًا، وفي وجوب طواف الوداع والجمع بعرفة بين الليل والنهار والمبيت في ليالي
стр. 908
النسك وجبرها بالدم قولان، والمذهبُ أنَّ طوافَ القدوم لا يجبُ جَبْره، ولا قدومَ على مَنْ أتى عرفةَ في ضِيق الوقت، ولا فديةَ.
* * *
١٠٤٤ - فصل فيما يجبُ بترك المبيت
إِذا لزمه المبيتُ في الليالي الأربع، فتركه، ففيما يلزمه أقوال:
أحدها: أربعةُ دماء.
والثاني: دمٌ واحد.
والثالث: دمان؛ أحدُهما للمزدلفة، والآخر لليالي الثلاث، وإن تعجَّل في النفر الأوَّل، وترك مبيت الليلتين قبله لزمه دمٌ على أقيس الوجهين، وعلى الوجه الآخر، هل يلزمه مدَّان، أو درهمان، أو ثُلثا دم؟ فيه الأقوال.
* * *
١٠٤٥ - فصل في أهل السقاية والرعاية
أهلُ سقاية العباس، ورعاة الإِبل يبيتون بمزدلفة، ويرمون جمرةَ العقبة، ويتركون الرميَ يوم القرِّ، والمبيتَ بمنى ليلتي القرِّ والنفر، ثمَّ يقضون رميَ القرِّ في يوم النفر الأوَّل، ولا فديةَ عليهم اتِّفاقًا، وهل يلحق بهم مَنْ له عذر مرهق؛ كتعهُّد منزول به؟ فيه وجهان، أظهرهما أنَّه لا يلحق، ولا فرق في السقاة بين بني العباس وغيرهم، وأبعد من خصَّ ذلك ببني هاشم.
стр. 909
١٠٤٦ - فصل في حجِّ الصبيِّ
إِذا كان الصبي غيرَ مميِّز، أحرم عنه وليُّه، وفعل عنه ما لا يتأتَّى منه؛ كالرمي وغيره، وحمله على كل ما يتأتى منه، فيطوفُ به ويسعى محمولًا.
ووليُّه أبوه، أو جدُّه أبو أبيه، ولا يجوز ذلك للمقيم على الأصحِّ، وفي الأمِّ طريقان:
إحداهما: القطع بالجواز.
والثانية: فيها وجهان مبنيَّان على ولايتها لمال ابنها.
وإِن كان مميِّزا انعقد إحرامُه بإِذن الوليِّ، ولا ينعقد بغير إِذنه على الأصحِّ؛ فإِن أحرم عنه وليُّه بغير مراجعته؛ فإِن لم نشرط إِذنَه، لم ينعقد إِحرامه عنه، وإِن شرطنا إِذنهَ، انعقد إحرامُه عنه على المذهب؛ لاطِّراد ولايته، وفيه وجهٌ أنَّه لا ينعقدُ عنه.
* * *
١٠٤٧ - فصل في بلوغ الصبيِّ في الحجِّ
إِذا بلغ يومَ النحر لم يجز حجُّه عن فرض الإسلام اتِّفاقًا، وإِن بلغ قبل الوقوف، ووقف بالغًا أو بلغ بعد الإِفاضة من عرفة، فرجع ووقف أجزأه، فإِن كان قد سعى في الصبيِّ، ففي إجزاء سعيه وجهان.
ولو بلغ بمزدلفة، ولم يرجع إِلى عرفَة، فالمذهب أنَّه لا يجزئ عن الفرض، وخرَّجه ابن سريج على الوجهين في السعي.
وهل يلزمه دمُ الإساءة لنقصان إحرامه بالصبي؟ فيه قولان؛ فإِن
стр. 910
أوجبناه، فرجع إِلى الميقات بالغًا، سقط الدمُ على الأصحِّ؛ لأنَّه أتى بما في وسعه أوَّلًا وآخرًا.
* * *
١٠٤٨ - فصل في جماع الصبيِّ وارتكابه منهيَّاتِ الإحرام
اختلفوا في جماع الصبيِّ في النسك؛ فمنهم من بناه (١) على الخلاف في عَمْده في الجنايات؛ فإِن جُعل عمدًا، فسد نسكُه، وإِن جُعل خطأً، ففي فساده قولان مبنيَّان على الخلاف في جماع الناسي، وفيه قولان مبنيَّان على أنَّه استمتاع أو إِتلاف، وقطع المحقِّقون بالإِفساد، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ تعمُّدَه في العبادات كتعمُّد البالغ، ولذلك يبطل صومُه بأكلِه، وصلاتُه بكلامه.
فإِن قلنا بالفساد، مضى في الفاسد، وتحلَّل، ويلزمه البدنةُ على الأصحِّ.
وهل يجب في ماله أو في مال الوليِّ؟ فيه وجهان مشهوران، وفي وجوب القضاء وجهان.
فإن أوجبناه، ففي صحَّته في الصبَا وجهان؛ فإِن أخَّره حتَّى بلغ؛ فإِن كان الحجُّ الفاسدُ بحيث لو تمَّ لأجزأه عن فرض الإسلام، أجزأه القضاءُ عن فرض الإسلام، وإِن لم يكن كذلك، لزمه أن يقدِّم (٢) فرضَ الإسلام، ثمَّ يأتي بالقضاء في بقيَّة عمره.
стр. 911
ولو تطيَّب أو لبس، ففي الكفارة قولان أخذهما الأصحابُ من الخلاف في عَمْدِه؛ فإِن أوجبنا الكفَّارة، فهي في ماله أو في مال الوليِّ؟ فيه الوجهان.
١٠٤٩ - فرع:
لو طيَّبه الوليُّ لمصلحته، فهل تجب الكفَّارة على الوليِّ أو تلحق بتطيُّبه بنفسه؟ فيه طريقان، ولو طيَّبه الوليُّ لغير نفع، أو طيَّب المُحِلُّ الحرامَ، وجبت الفديةُ على الوليِّ والحلال؛ اعتبارًا بما لو حلق الحلالُ شعرَ الحرام.
* * *
١٠٥٠ - فصل في الجماع في النسك (١)
إِذا جامع في العمرة قبل التحلُّل (٢)، أو في الحجِّ قبل التحلُّلين (٣)، فسد نسكه، ولزمته [البدنةُ.
وإِن جامع بين التحلُّلين، لم يفسد حجُّه على الأصحِّ.
ولو جامع في العمرة بعد الطواف، وقبل السعي، فسدت عمرتُه وإِن كان الطوافُ سببًا في التحلُّل؛ إِذ لا تدريجَ في تحلُّلها ولا تعدُّد اتِّفاقًا.
وإن جامع فيها بعد السعي، وقبل الحِلاق، فقولان مأخذُهما أنَّ الحِلاقَ نسك أم لا؟
стр. 912
وجماع القارن مفسدٌ للنسكين موجِبٌ للبدنة] (١)، وكذا دمُ القِران على الأصحِّ.
ولو جامع القارنُ بعد التحلُّل الأوَّل، وقبل الطواف والسعي؛ فإِن قلنا: لا يفسد حجُّه بذلك، فلا تفسد عمرتُه اتّفاقًا، وفي فوات العمرة (٢) بفوات القران وجهان من جهة أنه يتحلَّل بعمل عمرة، فلا وجهَ لتفويتها.
وإِذا فسد النسكُ بالجماع، وجب القضاءُ وإِن كان تطوُّعًا، وعليه أن يمضيَ في فاسدِهِ، وهل يلزمه شيءٌ بالجماع بعد الفساد؛ فيه قولان، أصحُّهما أنَّه يجب.
وهل هو بدنة أو شاة؟ فيه وجهان يجريان في الجماع بين التحلُّلين إِذا قلنا: لا يفسد، وأبعد مَنْ قال: لا يجبُ بالجماع بين التحلُّلين شيءٌ.
ولو ارتكب المفسِدُ شيئًا من المحظورات؛ كالطِّيب واللباس وغيرهما، وجبت الفديةُ، وأبعد مَنْ لم يوجبها؛ اعتبارًا بالجماع بعد الإِفساد.
وإن طاوعت المُحرِمةُ على الجماع فسد نسكُها، والقول في كفَّارتها
стр. 913
كالقول في كفارة الوِقاع في رمضان؟ فإن أوجبناها على الزوج، فهل تلزمه مؤونةُ نسكها في القضاء كما تلزمه الكفَّارة وثمن ماء الغسل؟ فيه وجهان.
وإِذا انتهيا في القضاء إِلى موضع الجماع، فُرِّق بينهما، وهل ذلك واجب أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان، والأكثرون على استحبابه.
١٠٥١ - فرع:
لو تكرَّر منه الجماعُ في مكان واحد، وقضى وطره في كلِّ مرَّة، فهل يلحق بالجماع المتفرِّق بالأزمان، أو باللبس المتعدّد مع اتِّحاد الزمان؟ فيه لصاحب "التقريب" جوابان، والظاهر أنَّه كالمفرَّق، ولو تواصل نزعُه وعَودُه، ولم يقض وطرَه إِلَّا في الكرَّةِ الأخيرة، فلا خلافَ أنَّه جماع واحد.
* * *
١٠٥٢ - فصل في المباشرة
ولا يفسد الإحرامُ بالمباشرة وإِن اقترن بها الإنزالُ، لكنْ يلزمه شاةٌ أنزل أو لم يُنزِل، وفي وجوب الشاة بالاستمناء وجهان.
وكلُّ مباشرة نقضت الطهارةَ أوجبت الفديةَ، وما لا فلا، وما اختُلف في نقضه اختُلف في تعلُّق الفدية به.
١٠٥٣ - فرع:
إِذا أفسد التطوُّعَ، ففي وجوب قضائه على الفور وجهان يجريان في كلِّ كفارة وجبت بعدوان الجماع في يوم من رمضان، وكل كفَّارة وجبت بعذر فهي على التراخي، ولا خلاف أنّ من اعتدى بترك الصلاة لزمه القضاءُ على
стр. 914
الفور؛ لأنَّه مقتول بتركه، وأبعد من قال: إِنَّما يقتل إِذا لم يَعِدْنا بالقضاء.
* * *
١٠٥٤ - فصل في الدماء وصفة أبدالها
الدماء في الحجِّ ثمانية أنواع:
أربعةٌ منصوصٌ عليها:
الأوَّل: جزاءُ الصيد، وهو معدَّل مخيَّر، فيتخيَّر مُخرِجُه بين الدم والإطعام والصيام، وتعديلُه أن يُقوَّم المثل بالدراهم، ويُشترى بها طعامُ الكفَّارة، أو يصوم عن كلِّ مدٍّ يومًا، والاعتبار بسِعْر مكَّة.
الثاني: دم الحلق، وهو مقدَّر مخيَّر.
الثالث: دم التمتُّع، وهو مرتَّب مقدَّر.
الرابع: دم الإحصار، ولم يَرِدِ النصُّ ببدله.
الخامس: الدم الواجبُ بترك النسك؛ كالمبيت، والرمي، وطواف الوداع، ومجاوزة الميقات، والجمع بعرفة بين الليل والنهار، وفيه طريقان:
إحداهما: أنَّه معدَّل مرتَّب قولًا واحدًا. والثانية: أنَّه مقدَّر مرتَّب كدم التمتُّع، والطريقة الثانية عراقية.
السادس: دمُ الاستمتاع؛ كالطيب والمباشرة واللباس، وفيه طريقان: أحدُهما: أنَّه معدَّل، وهل هو مخيَّر كالحلق أو مرتَّب؟ فيه قولان؛ فإِن رتَّبناه بدأ بالدم، ثمَّ بالطعام، وبعده الصيام.
والطريقة الثانية: أنَّه مقدَّر مُخيَّر كالحلق، فيتخيَّر بين الدم وإِطعام
стр. 915
ثلاثة الآصُع وصوم ثلاثة الأيَّام.
السابع: دم القَلْم، وهو مخيَّر مقدَّر (١) كدم الحلق.
الثامن: دم الجماع المفسد، وهو بدنة؛ فإِن لم يجد فبقرة، فإِن لم يجد فسَبْع من الغنم، فإِن لم يجد قُوِّمت البدنةُ دراهمَ، والدراهمُ طعامًا بسعر مكَّة، فإن لم يكن صام عن كلّ مدٍّ يومًا, وقال بعضُ الأصحاب: إِن جعلنا الوطءَ إِتلافًا، فكفَّارته مخيَّرة كالحلق، وإِن جعلناه استمتاعًا، فكفَّارته مرتَّبة كالطيب واللباس (٢)، فإِن رتَّبناها، فالدم والطعام والصوم مرتَّب، وفي البدنة والبقرة والسبع من الغنم وجهان:
أحدُهما: الترتيب (٣)؛ اعتبارًا بالدم مع الصوم والإِطعام.
والثاني: مخيَّرة؛ لتساويها في الضحايا.
فالدماء الأربعة الأُوَل منصوصٌ عليها، وما عداها من الدماء فهو معدَّل عند المراوزة، وقد نصَّ الشافعيُّ ﵀ على التعديل في كفَّارة الجماع، وقال العراقيُّون: كلُّ دم وجب بترك نُسُك؛ كدم الإِساءة، والرمي، والمبيت، والوداع، والفوات؛ فهو كدم التمتُّع من كلِّ وجه؛ لما في التمتُّع من ترك الإحرام من الميقات، وكلُّ دم وجب بسبب ترفُّهٍ؛ كالطيب واللبس والمباشرة دون الفرج؛ فهو كدم الحلق من كلِّ وجه لاجتماعهما في الترفُّه، فيجب