← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الله ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه جاءَه رجل فقال له: ابنُ خَطَل متعلِّق بأستارِ الكعبة، قال: "اقتلوه". قال محمد: إنَّ النبي ﷺ دخل مكة حين فتحها غيرَ مُحْرِم، ولذلك دخل وعلي رأسه الِمغْفَر، وقد بلَغَنَا أنَّه حين أَحْرَمَ من حُنَيْن، قال: "هذه العُمْرَة لدخولنا مكة بغير إحرام"، يعني: يوم الفَتْح. وكذلك الأمر عندنا: مَنْ دخل مكة بغير إحرام، فلا بدّ له من أن يخرج فَيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ أو حَجَّةٍ، لدخوله مكة بغير إحْرام، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة. قال الحافظ ابن حجر: بعد ما سرد طرقًا كثيرة لهذا الحديث غير طريق مسلم عن الزهري، كيف يحل لأحد أن يتهم إمامًا من أئمة المسلمين بغير علم ولا إطلاق (١)؟. قال السيوطي: يريد برد قول من قال الحديث تفرد به مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح، أي: فتحها وعلى رأسه المِغْفَر، وهو ما يغطي به الرأس من السلاح كالبيضة ونحوها فلما نزعه أي: قلعه عن رأسه جاءَه رجل أي: إلى النبي ﷺ فقال له: ابنُ خَطَل بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة، واسمه عبد الله، وقيل: عبد العزى وقيل: هلال وصححه الزبير بن بكار، وذكره السيوطي، وكان قد ارتد وقيل: مسلما وفي رواية: كان يهجو رسول الله ﷺ بالشعر، وفي نسخة: هذا ابن خطل متعلِّق بأستارِ الكعبة، قال: أي: ﷺ اقتلوه فقتلوه واختلف (ق ٥٥٩) في قاتله، كما بينه علي القاري في (شرح الشمائل) للترمذي. قال محمد: بغلنا أي: من غير هذا الطريق على ما في نسخة: إنَّ النبي ﷺ دخل مكة حين فتحها أي: أراد فتحها غيرَ مُحْرِم، أي: حال بحسب الظاهر من عدم التجرد، وإلا فالإِحرام حقيقة النية اتفاقًا، وزيادة التلبية ولذلك أي: ولدخوله ﷺ مكة حين أراد

стр. 1017

فتحها من غير إحرام دخل وعلى رأسه المغفر وهذا ليس صريحًا في عدم إحرامه لاحتمال أن يكون لبسه لضرورة الحرب المتوقع عملًا بقوله تعالى: ﴿خذُوا حِذْرَكمْ﴾ [النساء: ٧١] إلا أنه لم يحفظ عنه ﷺ ما يترتب على حقيقة الإِحرام من الطواف والسعي، فعلم أنه لم يكن محرمًا، وقد قيل في توجيهه: إنه مما أبيح له ولأصحابه في ذلك الوقت فيكون من الخصائص أو محمولًا على ما ذكره المصنف بقوله وقد بلَغَنَا أنَّه ﷺ بسند بعد المشايخ الكرام حين أَحْرَمَ من حُنَيْن، أي: حين رجوعه من حنين وتقسيم غنائمه بالجعرانة وإحرامه بالعمرة منها قال: هذه العُمْرَة أي: المحددة كفارة أو قضاء لدخولنا مكة بغير إحرام، يعني يوم الفَتْح. وكذلك الأمر أي: الحكم عندنا أي: في مذهبنا مَنْ دخل أي: من أهل الآفاق مكة أي: وسائر الحرم بغير إحرام، أي: بأحد النسكين فلا بدّ له من أن يخرج أي: إلى ميقات أي ميقات فَيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ أو حَجَّةٍ، لدخوله مكة أي: لدخولها سابقًا بغير إحْرام، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا أي: لأنه من جاوز الميقات بغير إحرام، يريد دخول مكة فعليه أحد النسكين عما لزمه بالدخول غير محرم ودم لترك الوقت من غير خلاف عندنا إن رجع إلى الميقات من عامه ذلك فأحرم بحجه عليه من حجة الإسلام أو حجة منذورة أو عمرة منذورة أجزأه عما لزمه دخول مكة بغير إحرام، وسقط عنه دم المجاوزة، ولو لم يعد إلى الميقات والمسألة بحالها فأحرم من مكة أو خارجها داخل المواقيت أجزأه عما لزمه لدخول مكة، ولكن يجب عليه الدم اتفافًا لترك التلبية من الميقات. كذا في (شرح المجمع)، فهو ﷺ ترك الميقات الآفاقي وأحرم من ميقات العمرة، فيلزمه دم على مقتضى القواعد الشرعية، ولا محذور فيه، كما تحقق في احتجامه ﷺ فوق رأسه، فإنه لم يتصور عدم وجود الشعر في ذلك المقام، ولا شك في دخوله ﷺ تحت عموم الأحكام، وكذا قاله علي القاري. لما فرغ عما يتعلق بالعبادات، شرع في بيان ما يتعلق بالمعاملات وابتدأ من بعضها بالنكاح؛ لأن فيه من المصالح الدنيوية والدينية من حفظ النفس عن الزنا وظهور الأسرار به، فقال: هذا * * *

стр. 1018

المهيأ في كشف أسرار الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة ١٨٩ هـ) تأليف عثمان بن سعيد الكماخي (المتوفى سنة ١١٧١ هـ) تحقيق وتخريج أحمد علي [الجزء الثالث]

стр. 1019

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1020

الْمُهَيَّأ في كَشفِ أسرَارِ الموَطّأِ [٣]

стр. 1021

جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر اسم الكتاب: المهيأ في كشف أسرار الموطأ اسم المؤلف: عثمان بن سعيد الكماخي اسم المحقق: أحمد علي القطع: ١٧ × ٢٤ سم عدد الصفحات: ١٨٨٨ صفحة عدد المجلدات: ٤ مجلدات سنة الطبع: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م رقم الإيداع: ٢٩٦٥/ ٢٠٠٥ م الترقيم الدولي: ٥ - ٠٨٨ - ٣٠٠ - ٩٧٧ دار الحديث طبع - نشر - توزيع ١٤٠ شارع جوهر الصقلي أمام جامعة الأزهر تليفون: ٥٨٩٩٤٠٩/ ٥٩١٨٧١٩/ ٥٩١٩٦٩٧ - فاكس: ٥٩١٩٦٩٧ www.darelhadith.com E-mail: info@darelhadith.com

стр. 1022

كتاب النِّكَاح وفي نسخة: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كتاب النكاح، هذا كلام إضافي يجوز فيه من الإِعراب وجهان: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا كتاب كما قدرناه، فلفظ هذا اسم الإِشارة وضع لأن يشار المحسوس بالإِشارة الحسية، والمراد بالمحسوس اللفظ الدال على المعنى، أي: هذا اللفظ كتاب أي: مكتوب في بيان أحكام النكاح، ونصبه على أنه مفعول لفعل مقدر تقديره: خذ أو اقرأ الكتاب، وهو لغة: إما مصدر بمعنى الجمع [ستر به] (١) به المفعول (ق ٥٦٠) للمبالغة أو فعال بني للمفعول للمبالغة، واصطلاحًا: مسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعها؛ لأن النكاح له أنواع من نكاح المسلم والذمي والحر والرق والنكاح في اللغة: حقيقة في الوطء ومجاز في العقد، وقيل: مشترك بينهما، وفي الشرع: حقيقة في العقد الموضوع لملك المتعة، فلا بد من علل أربع: أحدها: العلة الفاعلية: وهي المتعاقدان، يقول: أحدهما زوجني والآخر زوجتك. وثانيها: العلة المادية: وهي الإِيجاب والقبول. وثالثها: العلة الصورية: وهي الارتباط بالإِيجاب والقبول. ورابعها: العلة الغائية: وهي المصالح المتعلقة بالنكاح كما قاله التمرتاشي في (منح الغفار)، قال: هذا باب الرجل يكون له نسوة، كيف يقسم بينهن باب في بيان أحكام القسم من طرف الرجل الذي يكون عنده نسوة، كيف يقسم أي: بيتوتته بينهن قيد بالنسوة، والمراد بهن الزوجات؛ لأن السراري وأمهات الأولاد لا حق لهن في القسم. قال الخطيب الدمشقي: ويسأل بكيف عن الحال أي: عن وصف الشيء وهيئته التي يكون عليها، فإن كيف في حكم الظرف بمعنى في، أي: حال، فتارة تكون في محل الرفع على الخبرية، كما في قولك: كيف زيد؟ وأخرى في محل النصب على الحالية كما في قولك:

стр. 1023

كيف جئت؟ كما قاله السيد الشريف الجرجاني في (شرح المفتاح) ونقل ابن هشام في (مغني اللبيب) عن سيبويه أن كيف ظرف، وعن السيرافي والأخفش أنها اسم غير ظرف، وعن ابن مالك أنه قال: لم يقل أحد أن كيف ظرف، لكونها سؤال عن الأحوال العامة سميت ظرفًا لأنها في تأويل الجار والمجرور، واسم الظرف يطلق عليها مجازًا انتهى. قوله: يقسم من الباب الثاني، تقول: قسمت قسمًا وهو بفتح القاف وسكون السين المهملة بمعنى قطع الشيء، ويجيء بمعنى التقدير، يقال: فلان يقسم أمره قسمًا أي: يقدره وينظر فيه، كما قاله محمد الواني في (ترجمة صحاح الجوهري)، واستنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. ٥٢٤ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام: أن النبي ﷺ حينَ بنى بأمِّ سلمة، قال لها حين أصبحت عنده: "ليس بكِ على أهلك هوان؛ إن شئت سبَّعْتُ عندكِ، وسبعتُ عندهن، وإن شئتِ ثَلَّثْتُ عندك ودُرْتُ عندهن"، قالت: "ثلّث". قال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي إن سَبَّع عندها أن يسبِّع عندهن، لا يزيد لها عليهنَّ شيئًا، وإن ثلَّثَ عندها أن يثلث عندهن، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن عامر، صاحب المذهب، الأصبحي، يعنى منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أي. ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة. كذا في (تقريب التهذيب) (١) لابن حجر عن

стр. 1024

عبد الملك بن أبي بكر أي: ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: المخزومي المدني، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات في أول خلافة هشام عن أبيه أي: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال ابن عبد البر: ظاهر هذا الحديث أنه منقطع أي: مرسل، وهو متصل صحيح قد سمعه أبو بكر من أم سلمة، كما في مسلم وأبي داود وابن ماجه (١) من طريق محمد بن أبي بكر عن عبد (ق ٥٦١) الملك عن أبيه عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ حين بنى بأمِّ سلمة، هند بنت أبي أمية المخزومية الفاضلة بأربعة الجمال، يعني: أنه ﷺ وقت التزوج بأم سلمة والدخول عليها قال لها حين أصبحت أي: وقت دخوله في الصباح عنده: أي: في بيته ﷺ "ليس بك بكسر الكاف أي: يا أم سلمة وفي رواية: أنه ليس بك بضمير الأمر أو الشأن على أهلك أي: الذي دخلت عليه هوان؛ أي: احتقار. قال النووي: معناه لا يلحقك ولا يضيع من حقك شيء بل تأخذينه كاملًا. قال القاضي عياض: والمراد بأهلك هنا نفسه ﷺ ، وكل من الزوجين أهل، أي: لا أفعل فعلًا يظهر به هوانك علي أو تظنيه، وفيه اللطف والرفق بمن يخشى من كراهة الحق حتى يتبين له وجه الحق. قال الأبي: وقيل: المراد بأهلها قبيلتها؛ لأن الإِعراض عن المرأة وعدم المبالاة بها يدل على عدم المبالاة بأهلها، فالباء على الأول متعلقة بهوان، وعلى الثاني للسببية أي: لا يلحق أهلك هوان بسببك إن شئت سبَّعْت عندكِ، بتشديد الموحدة أي: بت عندك سبع ليال وسبعتُ عندهن، أي: عند سائر الأزواج، الظاهر يعني أقمت عند كل واحدة من نسائي سبعا للتسوية في القسمة بينهن وإن شئت ثَلَّثت عندك أي: أقمت ثلاثًا عندك خاصة لك ودُرْتُ بضم الدال المهملة وسكون الراء وضم التاء للمتكلم وحده من الدور أي: أدور بعد ذلك بالنساء بالقسم يومًا يومًا، ففيه حجة لمالك في أن القسم لا يكون إلا يومًا واحدًا وأجازه الشافعي يومين أو ثلاثًا ثلاثًا ولا خلاف في جواز أكثر من يوم مع التراضي، هكذا قال عياض وغيره. قال الأبي: وإنما يدل لمالك إن كان معنى درت ما ذكره وإلا فقد قال المخالف: معناه

стр. 1025

درت بالتثليث، ورده ابن العربي بأن هذه زيادة لا تقبل إلا بدليل وبقوله ﷺ : "للبكر سبع وللثيب ثلاث" (١) فجعله حكمًا مبتدأ، والأولى في رده أن قوله: درت إحالة على ما عرف من حاله، والمعروف منه في القسم إنما كان يومًا يومًا، وفي رواية لمسلم (٢) فقال ﷺ : "إن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث" قالت: "ثلّث" قال عياض: اختارت التثليث مع أخذها بثوبه حرصًا على إقامته عندها؛ لأنها رأت إذا سبع بها لغيرها لم يقرب رجوعه إليها. وقال الأبي: لاطفها ﷺ بهذا القول الحسن، أي: ليس بك على أهلك هوان تمهيد للعذر في الاقتصار على الثلاث أي: ليس اقتصاري عليها لهوانك علي، ولا لعدم رغبة فيك، ولكنه الحاكم ثم خيرها بين الثلاث ولا قضاء لغيرها وبين السبع ويقضي لبقية أزواجه فاختارت الثلاث ليقرب رجوعه إليها؛ لأن في قضاء السبع لغيرها طول مغيبه عنها انتهى. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبد الملك عن أبيه أبي بكر بن عبد الرحمن ينبغي إن سَبَّع عندها أي: الجديدة أن يسبِّع عندهن، أي: البقية لا يزيد أي: لها عليهنَّ شيئًا، وإن ثلَّثَ عندها أن يثلث عندهن، فيه أن ظاهر الحديث السابق أي: بعد التثليث هو الدور، ولا يفهم من التثليث عندهن إلا من دليل خارج يحتاج إلى بيانه، وقد قال مالك والشافعي وأحمد: إذا كانت الزوجة ثيبًا أقام عندها (ق ٥٦٢) ثلاثًا، وإن كانت بكرًا قام عندها سبعًا ثم يدور بالتسوية بعد ذلك، لما في مسلم (٣) عن خالد عن أبي قلابة عن أنس قال: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها [سبعا]، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا. قال خالد: ولو قلت: رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذلك. ورواه ابن ماجه (٤) قال رسول الله ﷺ : "للثيب ثلاثًا وللبكر سبعًا" وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا لإِطلاق قوله تعالى في سورة النساء ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] أي: لا يجوزوا وقوله تعالى في سورة النساء:

стр. 1026

﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] ولما روى أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له امرأتان فمال إلى أحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل" (١) أي: مفلوج وما رووه أيضًا عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني: القلب، كذا ذكره علمائنا، وفيه أنه إذا كان التخصيص وقع شرعًا يكون عدلًا فلا منافاة ولا معارضة أصلًا كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل تزوج امرأة بكرًا ونسوة ثيبة كيف يقسم بينهن؟ شرع في بيان قدر أقل المهر، فقال: هذا * * * باب أدنى ما يتزوج عليه المرأة باب في أدنى ما أي: أقل المهر تزوج الرجل عليه المرأة أي: على أقل المهر وهو عشرة دراهم. ٥٢٥ - أخبرنا مالك، حدثنا حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى النبي ﷺ ، وعليه أثرَ صُفرة، فأخبره: أنه تزوج امرأة من الأنصار، قال: "كم سُقْتَ إليها؟ " قال: وزن نَوَاة من ذهب، قال له: "أَوْلِمْ ولو بِشَاةٍ". قال محمد: وبهذا نأخذ، أدنى المهر عشرة دراهم ما تُقطع فيه اليد، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1027

• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا حُميد بالتصغير أي: ابن أبي حميد البصري الطويل، اختلف في إسلام أبيه على نحو عشرة أقوال، وهو ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل البصرة، وهي كانت في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة في وجه الأرض، مات سنة اثنتين ويقال: ثلاث وأربعين ومائة، وهو قائم يصلي، وهو ابن خمس وسبعين سنة، كما قاله ابن حجر (١) وإنما وصف بالطويل لطول يديه أو لأنه كان له جار يقال له: حميد القصير يريد الطويل للفرق بينهما عن أنس بن مالك، ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه جاء إلى النبي ﷺ ، وعليه أثرَ صُفرة، أي: ما يتعلق ببدنه أو ثوبه من طيب النساء كزعفران ونحوه فأخبره: أنه تزوج امرأة من الأنصار، أي: أنه حصل له منها الصفار قال: أي: ﷺ "كم سقت إليها؟ " بضم السين المهملة وسكون القاف، من السوق، والمعنى: كم أرسلت لها من المهر مطلقًا أو المعجل قال: وزن نَوَاة أي: نواة التمر من ذهب، قال أي: النبي ﷺ له: أَوْلِمْ بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر اللام، وهو أمر استحباب أي: أجعل وليمة لعرسك وأطعم أصحابك ولو بِشَاةٍ أي: ونحوها من طعام. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أنس بن مالك ﵁ (ق ٥٦٣) أدنى المهر أي: أقله عشرة دراهم أي: مضروبة أو غير مضروبة أو تساويها من غيرها ما تُقطع فيه اليد، أي: نصاب قطع اليد في السرقة، قال محمد في (الأصل): بلغنا أن أقل المهر عشرة دراهم عن علي وعبد الله بن عمر وعامر وإبراهيم. انتهى وهو دينار عندنا. وقال مالك في (الموطأ): ولا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار وهو نصاب السرقة عنده، أو ثلاثة دراهم، وهو أي: كون أقل المهر عشرة دراهم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. ويؤيده ما رواه الدارقطني (٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٣) من طرق ضعيفة، إلا أنها يقوى بعضها ببعض أن النبي ﷺ قال: "لا مهر أقل من عشرة دراهم".

стр. 1028

وقال الشافعي وأحمد: كل ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون مهرًا، لما في الصحيحين (١) من قوله ﷺ : "التمس ولو خاتمًا من حديد" وما في الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن عبد الله بن ربيعة أن النبي ﷺ أجاز نكاح امرأة على نعلين، وما في سنن أبي داود (٤) عن جابر أنه ﷺ قال: "من أعطى صداق امرأة ملء كفيه، فقد استحل" أي: البضع وأجيب بأن الكل محمول على المعجل فتأمل ولا تعجل، والله أعلم. لما فرغ من بيان قدر أو أقل المهر، شرع في بيان ما لا يجوز في النكاح، فقال: هذا * * * باب لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها في النكاح باب في بيان حكم لا يصح أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها في النكاح وكذا بين المرأة وخالتها، فالمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق العدم والملكة. ٥٢٦ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّنادِ، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَجْمَع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها". قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا أبو الزِّنادِ، هو عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني ثقة فقيه كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين بعد المائة عن عبد الرحمن أي: ابن هرمز، ولقبه

стр. 1029

الأعرج، ويكنى أبا داود المزين، مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة مات سنة سبع عشرة بعد المائة. كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَجْمَع الرجل بين المرأة وعمتها، في نكاح واحد ولا بين المرأة وخالتها". أي: حرم الجمع بينهما فلو نكحهما معًا بطل نكاحهما، إذ ليس تخصيص إحديهما بالبطلان بأولى من الأخرى، فإن نكحهما مرتبا بطل نكاح الثانية؛ لأن الجمع حصل بها، وقد بين ذلك في رواية أبي داود والترمذي، وقال: صحيح من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أخيها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى. والمراد بالكبرى: العمة والخالة وبالصغرى بنت الأخ وبنت الأخت، وهو من عطف التفسير على جهة التأكيد والبيان؛ ولذا لم يجئ بينهما بالعاطف وكرر النفي تأكيد من الجانبين. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا قال عياض: أجمع المسلمون على الأخذ بهذا المنهي إلا طائفة من الخوارج لا يلتفت إليها، واحتجوا بقوله تعالى في سورة (ق ٥٦٤) النساء ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقالوا: الحديث خبر واحد، والآحاد لا تخصص القرآن ولا تنسخه، وهي مستحيلة خلاف بين الأصوليين، والصحيح الأمرين؛ لأن السنة تبين ما جاء عن الله تعالى؛ ولأن علة المنع من الجمع بين الأختين وهي ما تحتمل عليه الغيرة من التقاطع والتدابر موجود في ذلك، وقال بعض أهل السنة: عليه جملة القرابة فمنع الجمع بين بنت العم وبنت العمة والخال والخالة، والجمهور على خلافه وقصر التحريم على ما ورد فيه نص أو ما ينطق عليه لفظه من العمات والخالات وإن علون، كما قال ابن شهاب في الصحيحين: فترى عمة أبيها وخالة أبيها بتلك المنزلة، وهو صحيح؛ لأن كل منهما يطلق عليه اسم عمة وخالة؛ لأن العمة هي كل امرأة تكون أختًا لرجل له عليك ولادة، فأخت الجد للأب عمة، وأخت الجد للأم خالة انتهى.

стр. 1030

وقال النووي: العمة حقيقة إنما هي أخت الأب، وتطلق مجازًا على أخت الجد أو أب الجد، وإن علا والخالة أخت الأم، وتطلق على أخت أم الأم أو أم الجدة سواء كانت الجدة لأم أو لأب، وهذ الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن القعنبي كلاهما عن مالك كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٥٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب ينهئ أن تُنْكَح المرأة على خالتها، أو عمتها، وأن يطأ الرجل وَلِيدة في بطنها جنين لغيره. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة تابعي ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة أنه سمع سعيد بن المسيب بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كما قاله ابن الجوزي في (طبقاته) وابن حجر في (تقريب التهذيب) (٢) ينهى أي: تحريمًا أن تُنْكَح المرأة على خالتها، أو عمتها، أو كذا العمة والخالة على بنت الأخ وبنت الأخت، كما في الحديث قبله، وفي مسلم (٣) من وجه آخر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : نهى عن أربع نسوة أن يجمع بينهن: المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وله من وجه آخر عنه مرفوعًا: لا تنكح

стр. 1031

المرأة على بنت الأخ ولا بنت الأخت على الخالة وأن يطأ الرجل وَلِيدة أي: أمة في بطنها جنين لغيره أي: كيلا يسقى ماء ذرع غيره سواء كان من حرام أو حلال؛ لقوله ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض" رواه أحمد (١) وأبو داود (٢) وصححه الحاكم عن أبي سعيد. قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ ولهذا قالوا: صح نكاح حبلى من زنا، ولا توطأ حتى تضع، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف وزفر: لا يصح والله أعلم. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حلال الرجل لا يصح له أن يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها في النكاح، شرع في بيان حكم الرجل يخطب على خطبة أخيه، فقال: هذا * * * باب الرجل يخطب على خطبة أخيه (ق ٥٦٥) باب في بيان حكم حال الرجل يخطب بضم الطاء المهملة من الباب الأول، أي: يدعو تزوج المرأة على خطبة أخيه بكسر الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة والموحدة المفتوحة، أي: على دعوة تزوج المرأة يعنى يطلب الرجل أن يتزوج امرأة على طلب أخيه تزوجها. ٥٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خِطْبَةِ أخيه".

стр. 1032

قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة من الهجرة، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان بفتح المهملة ثم موحدة ثقيلة ابن أبي سعيد الأنصاري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن أربع وسبعين سنة عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، يكنى أبا داود المدني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة وكذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خِطْبَة أخيه" أي: لا يطلب أحدكم تزوج امرأة أراد أحد من غيركم أن يتزوجها قبل أحدكم قوله: لا يخطب نفي استقبال، بمعنى نهي غائب وهو أبلغ من صريح النهي. قال عياض وغيره المنع إنما هو بعد الركون لحديث فاطمة بنت قيس حين أخبرت أنه خطبها ثلاثة، فلم تنكر دخول بعضهم على بعض، ويأتي تفسير الركون قال الخطابي: وهو قول أخيه دليل على أن الأولى مسلم، فإن كان يهوديًا أو نصرانيًا لم يمنع، وإليه ذهب الأوزاعي والجمهور على خلافه وأجابوا بأن ذكر الأخ جرى على الطالب، وأنه أسرع امتثالًا، والمعنى في ذلك ما فيه من الإِيذاء أو التقاطع. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو هريرة وهو أي: ما قاله أبو هريرة قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وفي (الموطأ) لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمران أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه المسلم"، أي: وكذا الذمي، زاد ابن جريج عن نافع عن ابن عمر "حتى ترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب الأول"، رواه البخاري.

стр. 1033

قال ابن القاسم: النهي إنما هو في غير الفاسق أما الفاسق فيخطب على خطبته، قال عياض: لا ينبغي أن يختلف فيه والفرق أنه لا يقر على فسقه بخلاف الذمي وقد تابع ابن جريج في البخاري أي: الليث وعبد الله وزاد: إلا أن يؤذن، كما قاله الزرقاني (١). لما فرغ من بيان حكم حال الرجل لا يصح أن يخطب على خطبة أخيه، شرع في بيان حكم حال الثيب، فقال: هذا * * * باب الثَّيِّب أحقُ بنفسها من وليها باب في بيان حكم حال الثيب، وهي أحق بنفسها من وليها أي: في مقام عقدها. ٥٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومُجَمِّع ابنَيْ يزيد بن جَارِيَة الأنصاري، عن خَنْسَاءَ بنت خِدام أن أباها زَوَّجها وهي ثَيِّب، فكرهت ذلك، فجاءَت رسول الله ﷺ ، فَرَدَّ نكاحه. قال محمد: لا ينبغي أن تُنْكَح الثَّيِّب ولا البِكْر إذا بلغت؛ إلا بإذنهما، فأما إذن البكر فَصَمْتُها، وأما إذن الثَّيِّب فرضاها بلسانها، زَوَّجَها والدها أو غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، التيمي المدني، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه ثقة جليل، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة ست وعشرين ومائة، وقيل: بعدها عن أبيه، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء، وكان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عبد الرحمن ومُجَمِّع ابنَيْ يزيد بن جَارِيَة بالجيم والتحتية الأنصاري، يكنى أبا محمد المدني أخي عاصم بن عمر لأمه يقال: ولد في حياة النبي ﷺ ثقة تابعي، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين (ق ٥٦٦) من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وتسعين، وعن

стр. 1034

أخيه مجمع بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة وعين مهملة الأنصاري الأول المدني، تابعي كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين، مات سنة ستين في خلافة معاوية ابني بالتثنية يعني كانا ابن يزيد بتحتيتين بينهما زاي معجمة ابن جارية بالجيم والراء المهملة والتحتية الأنصاري الأوسي يكنى أبا عبد الرحمن ذكره ابن سعد وغيره في الصحابة. وقال ابن منده: يزيد بن جارية، وقيل: زيد فجعلهما واحد أو الصواب أنهما أخوان كما قاله ابن حجر في (الإِصابة) عن خَنْسَاءَ بفتح الخاء المعجمة فنون ساكنة وسين مهملة كحمراء: كذا في (التقريب) لابن حجر (١). وقال بعضهم: بالذال المعجمة الأنصارية الأوسية، زوج أبي لبابة صحابية معروفة من بني عمرو بن عوف بنت خِدام بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الدال المهملة أو المعجمة أن أباها أي: خدام الصحابي، يقال: هو ابن وديعة، ويقال: هو ابن خالد، وقال أبو نعيم: يكنى أبا وديعة زَوَّجها أي: من غير إذنها وهي ثَيِّب، أي: وهي بالغة فكرهت ذلك، الرجل الذي أنكحها أبوها إياه، ولم يعرف الحافظ اسمه فجاءَت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أبي أنكحني رجلًا وإن عم ولدي أحب إلى منه فَرَدَّ نكاحه أي: بطل نكاح أبيها أو نكاح زوجها وجعل أمرها إليها، كما في رواية عبد الرزاق (٢) عن أبي بكر بن محمد، وله عن نافع بن جبير: فأتت النبي ﷺ فقالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة، وقد ملكت أمري، قال: "فلا نكاح له انكحي من شئت"، فرد نكاحه ونكحت أبا لبابة الأنصاري، وأخرج الواقدي عن خنساء بنت خدام أنها كانت تحت أنيس بن قتادة قتل عنها يوم أحد، فزوجها أبوها رجلًا من مزينة فكرهته، وجاءت إلى النبي ﷺ فرد نكاحه فتزوجها أبو لبابة فجاءت بالسائب عن أبي لبابة. قال أبو عمر: هذا الحديث مجمع على صحته، والقول به؛ لأن من قال: لا نكاح إلا بولي قال: لا يزوج الثيب وليها أبوها أو غيره إلا بإذنها ورضاها، ومن قال: ليس للولي مع الثيب أمرا وأجازه بلا ولي، فأولى بالعمل بهذا الحديث، ولا خلاف أن الثيب لا يجوز لأبيها ولا غيره جبرها على النكاح إلا الحسن البصري، فقال: نكاح الأب جائز على بنته بكرًا كانت أم ثيبًا كرهت أم لا.

стр. 1035

قال إسماعيل القاضي: لا أعلم أحدًا قال بقوله في الثيب، وروى عبد الرزاق (١) عن ابن عباس ﵄: ليس للولي مع الثيب أمر أختلف في بطلانه ولو رضت وقال الشافعي وأحمد: لأنه ﷺ لم يقل لخنساء: إلا أن تجيزي وكذا قال مالك: إلا أن ترضى بالقرب بالبلد فيجوز؛ لأنه كان في وقت واحد وفور واحد، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لها أن تجيزه فتجويزه أو تبطيله فيبطل انتهى كما قاله الزرقاني (٢). قال محمد: لا ينبغي أن تُنْكَح الثَّيِّب ولا البِكْر إذا بلغت؛ إلا بإذنهما، فأما إذن البكر فَصَمْتُها، وأما إذن الثَّيِّب فرضاها بلسانها، أي: صريحًا سواء زَوَّجَها والدها أو غيره أي: من أوليائها حقيقة أو حكمًا وهو أي: إذن الثيب برضاها بلسانها قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا لما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث (ق ٥٦٧) ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها" (٣) والمراد بالأيم بفتح الهمزة وتشديد التحتية المكسورة الثيب التي لا زوج لها إذا كانت بالغة عاقلة. وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد النكاح بعبارة النساء لما رواه أبو داود (٤) والترمذي (٥) وحسنه من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ونكاحها باطل ونكاحها باطل فأدخل بها فالمهر ما استحل من فرجها". كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم حال الثيب، شرع في بيان حكم حال الرجل يكون عنده أكثر من أربع نسوة ويريد أن يتزوج، فقال: هذا * * *

стр. 1036

باب الرجل يكون عنده أكثر من أربع نسوة فيريد أن يتزوج باب في بيان حكم حال الرجل من أهل الجاهلية، يكون عنده أي: يوجد تحت نكاحه أكثر من أربع نسوة، أي: قبل إسلامه ويسلم، فيريد أن يتزوج أي: أن يقررهن تحت نكاحه بعد إسلامه، قال يونس: التزوج ليس من كلام العرب، وأما قوله تعالى في سورة الطور: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] فمأول بمعني قررناهم بهن. كذا قاله محمد الواني في (ترجمة صحاح الجوهري) فالفاء في قوله: فيريد عطف على يسلم كما قررناه. ٥٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال لرجل من ثقيف؛ وكان عنده عشر نسوة - حين أسلم الثقفي - فقال له: "أمْسِكْ منهن أربعًا وفارِق سائِرِهن". قال محمد: وبهذا نأخذ، يختار منهنّ أربعًا: أيتهن شاءَ، ويُفَارِق ما بقي وأما أبو حنيفة فقال: نكاح الأربع الأوَل جائِز، ونكاح من بقي منهنّ باطل، وهو قولُ إبراهيم النَّخَعِيّ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه مدني كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض قال: أي: ابن شهاب بلغنا فالحديث مرسل، وهو حجة عندنا إلا أنه لم يحضره أو أخصر أن رسول الله ﷺ قال لرجل اسمه غيلان من ثقيف؛ من أهل الطائف والحجاز وكان عنده عشر نسوة - أي: أسلمن حين أسلم الثقفي - قبيلة كبيرة وجملة كان حالية معترضة فقال أي: ﷺ له أي: للرجل من القبيلة الثقفية "أمْسِكْ وفي رواية: اختر منهن أربعًا وفارِق سائِرِهن" أي: باقيهن.

стр. 1037

قال ابن عبد البر: هكذا رواه جماعة (الموطأ) لمالك، وأكثر رواة ابن شهاب، ورواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله ﷺ قال: لغيلان بن ثقفية الثقفي حين أسلم فذكره، ووصله معمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر يقولون: إنه من خطأ معمر بما حدث به بالعراق انتهى. وقد رواه الترمذي (١) وابن ماجه (٢) من طريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا غير محفوظ، والصحيح ما رواه شعيب وغيره عن الزهري قال: حدثت عن عثمان بن محمد بن أبي سويد الثقفي فذكره انتهى. وقد حدث به جماعة من أهل البصرة عن معمر، ويقال: أن معمرًا أحدث بالبصرة أحاديث وَهِمَ فيها، وقد كشف مسلم في كتاب (التمييز) عن علة وبينها بيانًا متنافيًا فقال: كان عند الزهري في قصة غيلان حديثان أحدهما مرفوع والآخر موقوف فأدرج معمر المرفوع على إسناد الموقوف، وأما المرفوع فرواه عقيل عن الزهري قال: بلغنا عن عثمان بن محمد (ق ٥٦٨) بن أبي سويد أن غيلان: فذكره، وأما الموقوف فرواه الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان طلق نساءه في عهد عمر وقسم ميراثه بين بنيه. . . الحديث انتهى. أي: أدرجه في أوله، وهو في مسند إسحاق بن راهويه عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ : "اختر منهن أربعًا" فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: والله لأني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع بموتكم، فقذفه في نفسك ولا أريك تمكث إلا قليلًا، وايم الله لترجعن في مالك، ولتراجعن نساؤك أو لأورثهن منك ولآمرن بقبرك فيرجم كما يرجم قبر أبي رغال، ومات غيلان في آخر خلافة عمر، كما قاله السيد محمد الزرقاني (٣). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن شهاب يختار منهنّ أي: من عشر نسوة أربعًا: أيتهن شاءَ، ويُفَارِق ما بقي. وأما أبو حنيفة فقال: نكاح الأربع الأوَل بضم الهمزة وتخفيف جمع الأولى مؤنث

стр. 1038

الأول جائِز، ونكاح من بقي منهنّ باطل، وهو قولُ إبراهيم النَّخَعِيّ بفتح النون والخاء المعجمة وهو من أجلاء التابعين وأكابر المجتهدين، ولعل مأخذهما قوله ﷺ : "وفارق سائرهن" حيث لم يقل: طلقهن لكن يشكل بأن عقود الجاهلية صحيحة قبل الدخول في الأحكام الإِسلامية، وأيضًا فلعل الأربع الأواخر حوامل منه، فيترتب عليه المفاسد العرفية، والظاهر أن التعبير بالمفارقة بناء على فسخ الزيادة بالآية الناسخة لجوازها قبل ذلك وهي قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فإن سورة النساء مدنية بالإِجماع فالمعول نكاح من بقي منهن باطل موقوف على دليل صح في السماع، نعم بعد ظهور هذا الحكم لو تزوج شخص زيادة على الأربع، فلا خلاف في بطلان الزائدة وصحة الأول فتأمل، وفي كتاب (الرحمة) من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة. قال مالك والشافعي وأحمد: يختار منهن أربعًا ومن الأختين واحدة. وقال أبو حنيفة: إن كان العقد وقع عليهن في حالة واحدة فهو باطل وإن في عقود صح النكاح في الأربع الأول، وكذا الأختان. * * * ٥٣١ - أخبرنا مالك، حدثنا رَبِيعَة بن أبي عبد الرحمن، أن الوليد سأل القاسم وعُرْوَةَ - وكانت عنده أربع نسوة - فأراد أن يَبِتَّ واحدة ويتزوج أخرى، فقالا: نعم، فارق امرأتك ثلاثًا وتزوج، وقال القاسم: في مجالس مختلفة. قال محمد: لا يُعجبنا أن يتزوَّج الخامسة، وإن بَتَّ طلاق إحداهن حتى تنقضي عِدَّتها؛ لا يعجبنا أن يكون ماؤه في رحم خمس نِسْوَة حرائر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا رَبِيعَة بن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم أبو عثمان المدني، المعروف بربيعة الرأي واسم أبيه فروخ، ثقة فقيه مشهور، قال

стр. 1039

ابن سعد: كانوا يسقونه لموضع الرأي كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة على الصحيح كما في (تقريب التهذيب) (١) أن الوليد أي: ابن عبد الملك بن مروان عام قدم المدينة سأل القاسم أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل. قال ابن عيينة: كان أفضل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة. كذا قاله ابن حجر (٢) وعُروَةَ - أي: ابن الزبير ابن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكني أبا عبد الله المدني (ق ٥٦٩) ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، كما في (تقريب التهذيب) وكانت عنده أي: تحت الوليد أربع نسوة - أي: من الحرائر فأراد أن يَبِتَّ بفتح التحتية وكسر الموحدة وتشديد الفوقية، أي: أراد أن يطلق كما في نسخة: تطليقة واحدة بائنة ويقطعها عن الرجل، إذا وصل معنى البتة: القطع، ومنه البتة، والرباعي لغة في الثلاثي وتستعملان لازمين ومتعديين ويتزوج أخرى، أي: في عدة الأولى فقالا: أي: أجاب القاسم وعروة من سؤال الوليد بقولهما نعم, أي: جاز إلا أنه بالبينونة الكبرى لا الصغرى فارق امرأتك ثلاثًا أي: طلقها بالثلاثة فالتعبير من الطلاق الثلاث بالمفارقة إشعار بأن الرجل يكون تحته أربع نسوة، يريد أن يطلق واحدة منهن وتزوج، خامسة يجب عليه أن يطلقها ثلاث تطليقات، وينتظر حتى ينقضي عدة المطلقة ثم يتزوج خامسة؛ لئلا يجمع خمس نسوة حكمًا تحت نكاحه، فلا خلاف في بطلان الزائد على الأربع وتزوج أي: بواحدة أخرى وأطلق عروة الطلاق بالثلاث فقال القاسم: في مجالس مختلفة أي: أيكون على وفق السنة دون البدعة، ورواه يحيى في موطأ مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير كانا يقولان في الرجل يكون عنده أربع نسوة فيطلق إحداهن البتة: إنه يتزوج إن شاء ولا ينتظر أن ينقضي عدتها ولو طلقها واحدة أو لم يتزوج حتى ينقضي عدتها. قال محمد: لا يُعجبنا أي: لا يحل لنا أن يتزوَّج أي: أحد الخامسة، وإن بَتَّ طلاق

стр. 1040

إحداهن أي: وإن طلق إحداهن طلاقًا بائنًا حتى تنقضي عِدَّتها؛ وهنا من العدة التي على الرجل أيضًا كما قالوا لا يعجبنا أن يكون ماؤه أي: مبنى الرجل المطلق للرابعة في رحم خمس نِسْوَة حرائر، والحاصل: إنه لا يحل له إلا أربع حقيقة أو علمًا وهو أي: ما قاله القاسم وعروة قولُ أبي حنيفة، والعامه من فقهائنا رحمهم الله تعالى. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يكون تحته أربع نسوة ويريد أن يطلق إحداهن ويتزوج خامسة، شرع في بيان حكم يوجب مهرًا، فقال: هذا * * * باب ما يُوجب الصداق في بيان ما أي: عمل يوجب: يقضي الصداق بفتح أوله وكسره: مهر المرأة وجمعه الصدقات استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي: عطية. ٥٣٢ - أخبرنا مالك, أخبرنا ابن شهاب، عن زيد بن ثابت، قال: إذا دخل الرجل بامرأته وأُرْخِيت الستور عليهما فقد وجب الصداق. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. وقال مالك بن أنس: إن طلقها بعد ذلك لم يكن لها إلا نصف الصداق، إلا أن يطول مكثها ويتلذذ منها، فيجب الصداق. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا قاله ابن حجر (١) عن زيد بن ثابت، بن الضحاك بن لوذان بن عمرو بن عوف بن مالك بن النجار الأنصاري البخاري، يكنى أبا خارجة المدني الصحابي

стр. 1041

مشهور، كتب الوحي قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين وقيل بعد الخمسين، كما في (التقريب) (١). قال: إذا دخل الرجل بامرأته أي: على زوجته الجديدة فأُرْخِيت الستور وإن لم يكن هناك إرخاء ستر ولا غلق الباب عليهما فقد وجب الصداق أي: كله. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله زيد بن ثابت ﵁، وهو أي: ما قاله زيد بن ثابت (ق ٥٧٠) قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا قال ابن المنذر: هو قول عمر وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وجابر ومعاذ وقول الشافعي القديم، وقال في الجديد: يجب على الزوج إذا طلق بعد الخلوة من غير وطء نصف المهر المسمى، وأحمد يوافق أبي حنيفة. وقال مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، صاحب المذهب من كبار أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة: إن طلقها بعد ذلك أي: بعد ما ذكر من دخولها عليها وإرخاء الستور لديها لم يكن لها إلا نصف المهر، وفي نسخة: الصداق أي: لعدم الجماع الحقيقي إلا أن يطول مكثها أي: معه ويتلذذ أي: الرجل منها، أي: بلمسها وتقبيلها أو تفخيذها فيجب الصداق أي: جميعه فإنها في حكم جماعها، وحد ابن القاسم طول المكث والخلوة بالعام، وأصل ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧]، ويؤيد مذهبنا الحديث المتقدم وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ﴾ [النساء: ٢١] أي: وصل من غير فصل، إن حقيقة الإفضاء الدخول وهو مكان الخلاء، وما رواه مالك في (الموطأ) عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب القرشي أن عمر بن الخطاب قضى في المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، ولأنها سلمت المبدل تستحق البدل، كما في إجازة الدار، والله أعلم بحقيقة الأسرار. لما فرغ من بيان ما يوجب الصداق، شرع في بيان حكم الشغار، فقال: هذا * * *

стр. 1042

باب نكاح الشغار في بيان حكم نكاح الشغار بكسر الشين المعجمة والغين المعجمة فألف وراء مصدر شاغر يشاغر شغارًا ومشاغرة، كذا قاله ابن وهب، وفي رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا شغار في الإسلام" (١). ٥٣٣ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشِّغار، والشِّغار: أن يُنكح الرجل ابنته، على أن يُنكِحهُ الآخر ابنته؛ ليس بينهما صداق. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يكون الصداق نكاح امرأة. فإن تزوَّجها على أن يكون صداقها أن يزوِّجَهُ ابنته فالنكاح جائِز، ولها صداق مثلها من نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشِّغار، أي: نهيًا تحريمًا. والحديث رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة والشِّغار: أن ينكح بضم التحتية وسكون النون وكسر الكاف أي: يزوج الرجل ابنته، أي: مثلًا أو أخته أو أمه على أن يُنكِحَهُ الآخر ابنته؛ ليس

стр. 1043

بينهما صداق أي: مهر بل يضع كل منهما صداق الأخرى، مأخوذ من قولهم: شغر البلد عن السلطان إذا خلا عنه لخلوه عن الصداق أو لخلوه عن بعض الشرائط. وقال ثعلب: من قولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كان كل من الوليين يقول للآخر: لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك، وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيح للشغار وتغليظ على فاعله، وأكثر رواه مالك لم ينسبوا هذا التفسير لأحد، ولذا قال الشافعي: ما أدري أهو من كلام النبي ﷺ أو ابن عمر أو نافع أو مالك وصله بالمتن المرفوع بين ذلك ابن مهدي والقعنبي ومحرق بن عوف فيما أخرجه أحمد. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي قوله: نهى عن الشغار مرفوع اتفاقًا وباقيه من تفسير نافع، والظاهر أنه من جملة الحديث حتى يتبين أنه من (ق ٥٧١) قول الراوي. انتهى. قال عياض عن بعض العلماء: كان الشغار من نكاح الجاهلية ويقول: شاغرني وليي بوليتك أي: عاوضني جماعًا بجماع، ولا خلاف في أن غير الثيب من الإِماء والأخوات وغيرهن حكم البنت. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر لا يكون الصداق نكاح أمرأة كذا في الأصل، والظاهر إنه وهم، ويمكن حمله على القلب. فإن تزوَّجها أي: امرأة من وليها على أن يكون صداقها أن يزوِّجَهُ ابنته أي: مثلًا فالنكاح جائِز، أي: والشرط فإنه لا يفسد النكاح بفساد الصداق عند أبي حنيفة والشافعي. وعن مالك وأحمد روايتان ولها أي: لازم عليه لأجلها صداق مثلها من نسائها، أي: من من نساء قومها باعتبار وصفها لا وَكْسَ بفتح الواو وسكون الكاف والسين المهملة أي: لا نقص ولا شَطَطَ، بفتحتين أي: ولا زيادة، ومنه قوله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] أي: كاملًا باطلًا متعديًا عن الحق وهو أي: ما رواه نافع قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا ﵏. لما فرغ من بيان حكم في نكاح الشغار، شرع في بيان حكم في نكاح السر، فقال: هذا * * *

стр. 1044

باب نكاح السر في بيان حكم نكاح السر، أي: تزويج الخفية، وهو أن يعقد بغير حضور نصاب الشهادة وشرائطه، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق عدم صحة النكاح بالشغار والسر. ٥٣٤ - أخبرنا مالك, عن أبي الزُّبَيْر، أن عمر أُتي برجل في نكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال عمر: هذا نكاح السِّرِّ، ولا نجيزه، ولو كنتَ تَقَدَّمْتَ فيه لَرُجِمْتَ. قال محمد: وبهذا نأخذ؛ لأن النكاح لا يجوز في أقلّ من شاهدَيْن، وإنما شهد على هذا الذي ردّه عمر؛ رجل وامرأة، فهذا نكاح السِّرِّ؛ لأن الشهادة لم تكمل، ولو كملت الشهادة برجلين أو رجل وامرأتين كان نكاحًا جائزًا، وإن كان سِرا، وإنما يَفْسُد نكاح السِّرِّ، أن يكون بغير شهود، فأما إذا كملت فيه الشهادة؛ فهذا نكاح العَلانِيَة، وإن كانوا أسَرُّوه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا عن أبي الزُّبَيْر المكي، وهو محمد بن مسلم، تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي، مولاهم صدوق إلا إنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة، مات سنة ست ومائة كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتِي بصيغة المجهول أي: جيء برجل في نكاح أي: لأجل تزوج ولم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال عمر: هذا نكاح السِّرِّ، ولا بد في النكاح من الإِعلان، ولو بحضور حرين أو حر وحرتين مكلفين مسلمين سامعين مما لفظ العاقدين ولا نجيزه، ولا تعتبره ولا نصححه، بل نقول بفساده وبطلانه؛ لأنه ﷺ قال: "لا نكاح إلا

стр. 1045

بولي وشاهدي عدل" رواه أحمد (١) والطبراني (٢) والبيهقي (٣) وغيرهم وإسناده صحيح ولو كنتَ أي: أيها الرجل تَقَدَّمْتَ فيه أي: فعلت قبل ذلك مثله وسبقت غيري لَرُجِمْتَ بصيغة المجهول لأن الشهادة لم تتم فيه وقد أجازه الكوفيون بشهادة رجل وامرأتين، وقال مالك: لا دخل للنساء في النكاح، وإنما يصح بشهادة عدلين إلا أن مالكًا أجاز العقد بدون شهادة ثم يشهد أن قبل الدخول، كذا قاله الزرقاني. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو الزبير المكي عن عمر بن الخطاب ﵁ لأن النكاح لا يجوز في أقلّ من شاهِدَيْن، أي: حقيقة أو حكمًا وإنما شهد على هذا أي: على نكاح الرجل الذي ردّه عمر؛ أي: أبطله رجل وامرأة، أي: فالناقص من نصاب الشهادة امرأة أخرى فهذا نكاح السِّرِّ؛ لأن الشهادة لم تكمل، بضم الميم أي: لم تتم لما قدمناه (ق ٥٧٢) ولو كملت بضم الميم أي: وإن تمت الشهادة أي: نصابها برجلين أو رجل وامرأتين كان نكاحًا جائزًا، وإن وصلية كان سِرا، أي: خفيًا عن غيرهما وإنما يَفْسُد نكاح السِّرِّ، أن يكون بغير شهود، أي: كاملين فأما إذا كملت فيه الشهادة؛ فهذا نكاح العَلانِيَة، وإن وصلية كانوا أي: أهل للعقد أسَرُّوه والحاصل إن لم يشترط كون النكاح علانية بالنسبة إلى جميع القبيلة وأهل القرية أو المحلة، وقال أهل المدينة: يجوز النكاح بغير شهود إذا أعلنوا؛ لأن ابن عمر زوج ولم يحضر شاهدين وزوج الحسن بن علي بن الزبير وما معهما أحد كذا قاله ابن المنذر، ولعلهما وعدا الزواج فحمل على حقيقة جمعًا بين الأحاديث، ففي الترمذي (٤) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة، والبغايا الزواني" وروى عنه أيضًا مرفوعًا: أنه قال: "لا نكاح إلا ببينة" وفي كتاب الرحمة: لا يصح النكاح إلا بشهادة عند الثلاثة، وقال مالك: يصح من غير شهادة، إلا إنه اعتبر وترك التراضي بالكتمان حتى عقد في السر واشترط كتمان النكاح فسخ عند مالك وعند الثلاثة لا يضر كتمانهم مع حضور الشاهدين، كذا قاله علي القاري. * * *

стр. 1046

٥٣٥ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، أنَّ عمر بن الخطاب أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفُرْقَة. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان، بفتح الهمزة والموحدة المخففة فألف ونون، يعرف ويمنع أي: ابن إسحاق الأسدي النحوي الكوفي ثقة، تكلم فيه الأزدي بلا حجة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) وسيد علي في (خلاصة الهيئة)، ما الحكمة في إظهار النكاح بين يدي الشهود؟ يقال: إن الله لما خلق حواء بأحسن صورة وانتشر نور وجهها في السموات السبع والجنة واشتاقت الملائكة إلى رؤيتها، فأرادوا أن ينالوا من بركتها، فأمر الله بالعاقدة بين يدي الشهود بين آدم وحواء، وأمر جبريل بأن يخطب فخطب جبريل حتى سمع أهل السموات خطبته، فصار ذلك أصلًا لا ولادة. كذا في (خواتم الحكم) عن حَمَّاد، بن مسلم أبي سليمان الأشعري مولاهم أبي إسماعيل الكوفي، فقيه صدوق له أوهام كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة عشرين ومائة عن إبراهيم، بن يزيد النخعي بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن مالك كان من أجلاء التابعين، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، وروى عن عائشة ﵂ في حال الصباوة ولم يسمع عنها، وأدرك الصحابي، مات سنة ست وتسعين وقبل سنة خمس ومائة، وهو ابن ست وأربعين. كما قاله المؤرخون أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفُرْقَة أي: وفي الفسخ وما يتعلق بها من الرجوع ونحوه. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه إبراهيم النخعي عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

стр. 1047

وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح بحضور حر وحرتين؛ لأن عنده شهادة في غير المال (ق ٥٧٣) وتوابعه لا تقبل، وبه قال أحمد. لما فرغ من بيان الحكم في نكاح السر من غير حضور الشاهدين عند العقد، شرع في بيان حكم حال الرجل يجمع بين المحارم من النساء بالنكاح وملك اليمين. * * * باب الرجل يجمع بين المرأة وابنتها, وبين المرأة وأختها في ملك اليمين في بيان حكم حال الرجل يجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأختها في ملك اليمين قيد للمسألتين ومتعلق بجمع، وهذا الجمع جائز، وأما الجمع بينهما في النكاح والوطء فغير جائز، قال التمرتاشي في (تنوير الأبصار): حرم الجمع نكاحًا وحدة، ولو من طلاق بائن وطئًا بملك يمين بين امرأتين أيتهما فرضت ذكرًا لم تحل له الأخرى. ٥٣٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ، عن أبيه، أن عمر سُئِل عن المرأة وابنتها، مما مَلَكَتْ اليمين، أتُوطَأ إحداهما بعد الأخرى؟ قال: لا أحب أن أجِيزهما جميعًا، ونهاه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة فقيه ثبت تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن عُبَيْد الله بضم العين مصغرًا ابن عبد الله بفتح العين ابن عُتْبَةَ، بضم العين المهملة وسكون الفوقية ابن مسعود الهذلي المدني، الثقة المثبت، أحد الفقهاء عن أبيه، أي: عن عبد الله بن عتبة الهذلي عبد الله بن مسعود، ولد في عهد النبي ﷺ وثقه العجلي وجماعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين مات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثمان، وقيل غير ذلك. كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن عمر بن الخطاب رضي الله

стр. 1048

عنه سُئِل عن المرأة وابنتها، مما مَلَكَتْ اليمين أي: يمين الرجل بشراء ونحوه، وإيثار السائل كلمة "ما" على من إجراء النساء مجرى غير العقلاء لكثرة حب الشهوات فيهن من الأكل والشرب واللباس وغير ذلك، أو إرادة معنى الوصفية فيهن، فإن كلمة "ما" وضعت لما لا يعقل، وقد يراد بها الصفة؛ فإنها تقع استفهامًا للسؤال عنها، فتقول: زيد ما هو؟ فيجاب: بعالم أو جاهل بخلاف "من"، فإنها تختص بذوي العلم، وقد أريد هنا الصفة، فالصفة لهن الفتنة على الرجال كثيرًا قال رسول الله ﷺ : "ما تركت بعد فتنة أضر على الرجال من النساء" (١) رواه البخاري عن أبي أمامة ﵁ أتُوطَأ إحداهما بعد الأخرى؟ أي: ما الحكم فيه قال: أي: عمر كذا في (الموطأ) لمالك لا أحب أن أخبرها بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وضم الموحدة أطاؤهما، يقال للحراث: خبير ومنه المخابرة وفي نسخة: "أجِيزهما" بضم الهمزة وكسر الجيم وسكون التحتية وفتح الزاي المعجمة من الإِجازة جميعًا، قوله: ونهاه عطف على قال أي: نهى عمر بالسائل نهي تحريم عن الجمع بينهما وطأ والمعنى: إنه لا يطأ واحدة حتى يحرم الأخرى بعتقهما أو بعتق بعضهما أو بتمليك جميعهما أو بعضها أو تزويجها أو بكتابتها. ٥٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهْرِيّ، عن قَبِيصَة بن ذؤيب، أن رجلًا سأل عثمان عن الأُخْتَيْن مما مَلَكَتْ اليمين، هل يُجمع بينهما؟ فقال: أحَلَّتهما آية وَحَرَّمَتهما آية؛ ما كنتُ لأصْنَعَ ذلك، ثم خرج، فلقي رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم أتيت بأحدٍ فعل ذلك؛ جعلته نَكَالًا، قال ابن شهاب: أراهُ عَلِيّا. قال محمد: وبهذا نأخذ لا ينبغي أن يُجمع بين المرأة وابنتها, ولا بين المرأة وأختها في مِلْك اليمين. قال عمار بن ياسر: ما حَرَّم الله من الحَرَائِر شيئًا إلا وقد حَرَّم من الإِماءِ مثله، إلا أن يجمعهنّ رجل، يعني بذلك: أنه يجمع ما شاءَ من الإِماءِ، ولا يحل له فوق أربع حرائر، وهو قولُ أبي حنيفة.

стр. 1049

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن قَبِيصَة بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الصاد المهملة ابن ذؤيب، بذال معجمة وبفتح الهمزة المخففة، أو مبدلة وسكون التحتية فموحدة مصغر ذويب بن حلحة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي، يكنى أبا (ق ٥٧٤) سعيد أو أبا إسحاق المدني، نزيل دمشق من أولاد الصحابة، وله رؤية، مات سنة بضع وثمانين، كذا في (تقريب التهذيب) أن رجلًا سأل عثمان بن عفان ﵁ عن الأُخْتَيْن مما مَلَكَتْ اليمين، أي: بالشراء أو بالإِثراء: الهبة هل يُجمع بينهما؟ في وطء أي: يجوز الجمع بينهما ملكًا بالإِجماع وقال: أحَلَّتهما آية وهي قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ملكًا يمينًا لا نكاحًا، وقال غيره: هي قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] وقيل: هذا أقرب، ولو أراد ما قال ابن حبيب لقال: أحلتهما آيتان وَحَرَّمَتهما آية؛ وهي قوله تعالى في سورة النساء أيضًا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] بلا خلاف وبعد أن بين لسائله اختلاف الآيتين أخبره بما اختاره هو بقوله: ما كنتُ لأصْنَعَ واللام جواب القسم المقدر، أي: والله ما كنت لأفعل ذلك، أي: الجمع بين الأختين في الوطء ولا جوزه قال قبيصة: ثم خرج، أي: الرجل السائل من عند عثمان بن عفان فلقي رجلًا أي: آخر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسأله عن ذلك أي: عما تقدم ليرى ما عنده من العلم فعلمان خير من علم واحد، والصحابة كانوا مجتهدين في أمر الدين فقال أي: الرجل المسئول لو كان لي من الأمر شيء أي: من الحكومة بالعقوبة ثم أتيت بصيغة المجهول، أي: جئت بأحدٍ فعل ذلك؛ أي: الجمع بين المحارم بالنكاح أو الوطاء جعلته نَكَالًا، أي: صيرته بعذابي عبرة مانعة من ارتكاب مثل ما فعل وموعظة، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] قال الأزهري: النكال العقوبة التي ينكل الناس عن فعل ما جعلت له جزاء قال أبو عمر: لم يقل حددته حد الزنا؛ لأن المتأول ليس بزان إجماعًا، وإن أخطأ الإِمام لا يقدر بجهله، وهنا شبه قوية وهي قول عثمان وغيره. قال ابن شهاب: أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أراهُ بضم الهمزة أي:

стр. 1050

ظن الرجل المسئول من أصحاب النبي ﷺ عَلِيّا ﵁؛ لأنه يوافق عثمان في هذه المسألة، ولا يبعد أن يكون الرجل هو ابن مسعود إذ سئل عن الرجل يجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء كرهه فضل الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فقال: وبعيرك أيضًا مما ملكت يمينك، والمعنى أن قوله تعالى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ليس على عمومه بل المراد ما ملكت أيمانكم من النساء وغيرها المذكور فيما سبق، وتقدم تحريم الأختين ولا يلزم من جواز وطء الأم والبنت والأخت بملك اليمين، وهو خلاف الإِجماع ونص القرآن؛ ولهذا سئل وهب بن منبه من تلاميذ أبي حنيفة، ومن أهل اليمين، ومنقبته في طبقات ابن الجوزي عن وطء الأختين المملوكتين، فقال في التوراة: يكفر من جمع بين الأختين المملوكتين، وما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين على أن الأظهر إنه استثناء الأساري من النساء، خصوصًا على القاعدة الحقيقية أن يكون الاستثناء من الجملة الأخيرة، كما حقق في قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية [النور: ٤، ٥]، والأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا. وأما قول البيضاوي: فرجح على التحريم وعثمان التحليل وقول علي ﵁ أظهر؛ لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك، ولقوله ﷺ (ق ٥٧٥): "ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام" فغير مستقيم من وجهين؛ لأن عثمان وعليًا قد اتفقا على التحريم كما تقدم والحديث الذي ذكره لا أصل له، كما صرح به السيوطي. قال محمد: وبهذا نأخذ كله أي: لا نعمل إلا بما رواه الزهري عن قبيصة بن ذؤيب بجميعه لا ينبغي أي: لا يحل لأحد أن يُجمع بين المرأة وابنتها, ولا بين المرأة وأختها أي: وطأ ونكاحًا في مِلْك اليمين أي: وجدنا في ملك اليمين. قال عمار بن ياسر: ﵁ ما حَرَّم الله من الحَرَائِر شيئًا إلا وقد حَرَّم من الإِماءِ مثله، إلا أن بفتح الهمزة وسكون النون خفيفة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف يجمعهنّ رجل، إلى هنا كلام عمار بن ياسر، ولما كان الجمع مبهمًا بينه قوله: يعني أي: يريد عمار بن ياسر بذلك: أي: بقوله: إلا أن يجمعهن أنه يجمع ما شاءَ من الإِماءِ، أي: في ملك اليمين من غير اعتبار عدد ولو تجاوز عن ألف ولا يحل له فوق أربع حرائر، أي:

стр. 1051

من النساء وهو أي: عدم الحل فوق أربع حرائر من النساء قولُ أبي حنيفة أي: وكافة الفقهاء من أهل السنة والجماعة، وإنما خص بذكر قول أبي حنيفة اعتناء بشأن أبي حنيفة، أو يقال: اكتفى المصنف عن الأدنى بذكر الأعلى عنده. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأختها في ملك النكاح، وفي ملك اليمين وطأ، شرع في بيان حكم حال الرجل ينكح ولا يطاءها لعلة. * * * باب الرجل ينكح المرأة ولا يصل إليها لعلة بالمرأة أو الرجل في بيان حكم حال الرجل ينكح المرأة، أي: يتزوجها ولا يصل إليها أي: لا يقدر أن يطأها لعلة أي: وجدت بالمرأة كالرتق، أو العلة وجدت بالرجل وهي كالعنة والجباب أو لعلة وجدت فيهما كالجنون ونحوه. ٥٣٨ - أخبرنا مالك, أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: مَنْ تَزَوَّجَ امرأة فلم يستطع أن يمسها، فإنَّه يُضْرَبْ له أجَلُ سَنَةٍ، فإن مَسَّها، وإلا فُرِّقَ بينهما. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إن مضت سنة ولم يمسَّها، خُيِّرَت، فإن اختارته فهي زوجته، ولا خِيَارَ لها بعد ذلك أبدًا، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، وإن قال: إني قد مَسستُها في السَّنَة، إن كانت ثَيِّبًا فالقول قوله، مع يمينه، وإن كانت بِكْرًا نَظَرَ إليها النساء، فإن قالوا: هي بِكْرٌ، خُيِّرت، بعد ما تُحَلَّف بالله ما مَسَّها، وإن قالوا: هي ثَيِّبٌ، فالقول قوله مع يمينه، لقد مَسَّها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، صاحب المذهب يعني كان من بني ذي أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة

стр. 1052

من كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وله تسعون سنة أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سعيد بن المسيب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات من فقهاء المدينة، كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كما قاله ابن حجر (١) وابن الجوزي أنه كان يقول: مَنْ تَزَوَّجَ امرأة فلم يستطع أي: لم يقدر أن يمسها، أي: يجامعها لمانع به بأن يكون عنينًا أو خصيًا فإنَّه يُضْرَبْ أي: يقطع له أجَلُ سَنَةٍ، أي: قمرية على الأصح؛ لأن فيها أربعة فصول: فصل الربيع، وفصل الخريف، وفصل الصيف، وفصل الشتاء لعلة يقدر أن يجامعها في فصل منها، والسنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، وصححه في الواقعات والوالجية، وهو ظاهر الرواية كما في الهداية، وقيل: سنة شمسية، وهي تزيد عن القمرية بأحد عشر يومًا. قال صاحب (الخلاصة): وعليه الفتوى، كما في (منح الغفار) فإن مَسَّها، أي: جامعها, ولو مرة قرت وإلا أي: وإن لم يمسها فُرِّقَ بينهما أي: فرق القاضي بينهما إن طلبته وتبين مطلقة. وقال أحمد: يفسخ ثم لها كل المهر إن خلا بها ونصفه إن لم يخل بها. وقال الشافعي: (ق ٥٧٦) لا يجب شيء من المهر ولا متعة؛ لأنه فسخ عنده، وتجب العدة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقد روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن هيثم عن محمد بن مسلم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى شريح أن يؤجل العنين سنة من يوم يرفع إليه، فإن استطاعها فبها، وإلا فخيرت المرأة، فإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقه، وروى أيضا عن علي ﵁ وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ﵃: أن العنين يؤجل سنة. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، من سادات التابعين وهو قولُ أبي حنيفة، إن مضت سنة ولم يمسَّها، خُيِّرَت، أي: بين المقام عنده والمفارقة عنه فإن اختارته أي: بعد ظهور عيبه فهي زوجته، أي: بلا طلاق ولا فسخ ولا

стр. 1053

خِيَارَ لها بعد ذلك أبدًا، أي: الرجوع إلى المطالبة بخلاف ذلك في إسقاط حقها بالنفقة والحضانة، فإن لها الرجوع بعد ذلك، والفرق ظاهر لا يخفى، والمجرب لا يجرب وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، والمعنى فرق بينهما ويقع طلقة بائنة حتى لو تزوجها بعد تفريق القاضي، لم يكن لها خيار لرضاها بحاله، بل لو تزوج امرأة أخرى عالمة بحاله ففي الأصل: لا خيار لها، وعليه الفتوى لعلمها بعيبه، وبه قال أحمد والشافعي في القديم وإن قال: إني قد مَسستُها بكسر السين الأولى وتفتح أي: جامعتها في السَّنَة, أي: في أثنائها إن كانت أي: المرأة ثَيِّبًا فالقول قوله، مع يمينه، وإن كانت بِكْرًا نَظَرَ إليها النساء، أي: العارفات فإن قالوا: هي بِكْرٌ، خُيِّرت، بعد ما تُحَلَّف بالله ما مَسَّها، أي: لم يجامعها ولو بالإِنزال وبدونه مع قيام ذكره، ولعل هذا هو يمين استظهار وإن قالوا: هي ثَيِّبٌ، فالقول قوله مع يمينه، لقد مَسَّها، والحاصل فيه إذا كانت ثيبًا فالقول قوله ابتداء وانتهاء مع يمينه، فإن كل ابتداء يؤجل سنة، وإن كل في الانتهاء تخيرت المرأة، وإذا كانت بكرًا تقول النساء: يؤجل في الابتداء ويخير في الانتهاء وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. * * * ٥٣٩ - أخبرنا مالك، حدثنا مُجَبَّر، عن سعيد بن المسيَّب، أنَّه قال: أيُّمَا رجل تزوّج امرأة وبه جُنون أو ضُرّ، فإنها تُخَيَّر، إن شاءَت قَرَّت، وإن شاءَت فَارَقَتْ، ولا خِيَارَ لها إلا في العِنِّين والمَجْبُوب. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا مُجَبَّر، بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الموحدة المفتوحة والراء المهملة تابعي صرعه بعيره وكسر ساقه فشده بخشبات عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن مخزوم، القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسر ابن أربع وثمانين سنة، كما قال ابن الجوزي وابن حجر (١) أنَّه قال: أي: مرسلًا أيُّمَا رجل تزوّج امرأة وبه جُنون أي: مسلوب عقله أو ضُرّ، بضم الضاد

стр. 1054

المعجمة والراء المهملة المشددة، أي: ضرر آخر كالبرص والجزام فإنها تُخَيَّر، إن شاءَت قَرَّت، أي: أقامت معه وقامت وإن شاءَت فَارَقَتْ، أي: عنه بالمطالبة لما ينالها من الضرر وتخيرها نفسه. قال الخطيب الدمشقي: في (تلخيص المفتاح) ويسأل بأيهما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، والمراد بالأمر مضمون ما أضيف إليه (ق ٥٧٧) كلمة أي: كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] أي: تخير أصحاب محمد، فالمؤمنون والكافرون قد اشتركا في الفريقين وسألوا عما يميز أحدهما عن الآخر، مثل الكون كافرين قائلين لهذا القول، ومثل الكون أصحاب محمد ﷺ كما قاله سعد الدين التفتازاني في شرحه فأي مرفوع مضاف إلى موصوف ورجل صفته، وتزوج رجل وبه جنون خبر مقدم ومبتدأ مؤخر مرفوع محله؛ لأنه خبر لأي فمحل كلمة "أي" منصوب على أنه مقول قال، ورجل جنس شامل إلى رجل واحد وأكثر منه، وهم مشاركون في الرجولية يميز بعضهم عن بعض بصفة الجنون وغيره من العقل والعلم. قال محمد: إذا كان أي: عيبه أمرًا لا يحتمل بصيغة المجهول، أي: لا يمكنها المقام معه إلا بضربها خيرت، فإن شاءت أي: أقامت معه وإن شاءت قرت فارقت، وإلا أي: وإن كان عيبه أمر يحتمل، كما في نسخة فلا خِيَارَ لها وفي نسخة: ولا خيار بالواو إلا في العِنِّين وهي بكسر العين وكسر النون الأولى الممدودة المشددة على وزن دليل: من لا يريد النساء، والاسم منه العُنة بالضم، كما في اللغة، وفي الشرع عندنا: من لا يصل إلى النساء مع وجود الآلة أو من يصل إلى الثيب دون البكر، أو إلى بعض النساء دون بعضها وذلك لمرض به أو لضعف في خلقته أو لكبر في سنه، أو في غير ذلك، وعند مالك: العنين من لا يأتي بذكره الجماع لصغره والمَجْبُوب أي: الخصيِّ سواء كان مسلولًا وهو الذي سلت خصيتاه أو موجودًا وهو الذي قطعت خصيتاه، فهو كالعنين في التأجيل؛ لأن الوطء منه متوقع ففرق حالًا يطلبها، فيتعين أن يحمل المجبوب على الخصي بنوعيه، فإنه حقيقة أو حكمًا. والحاصل أنه إذا كان بالزوج جنون أو برص أو جزام، فلا خيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: لها الخيار دفعًا للضرر عنها، كما في الجب والعنة بخلاف جانبه؛ لأنه يتمكن من دفع الضرر عنه بالطلاق، ولهما أن الأصل عدم الخيار لما فيه من إبطال حق

стр. 1055

الزوج وإنما ثبت في الجبة والعنة, لأنهما تخلان بالمقصود والمشروع له بالنكاح وهذه العيوب غير مخلة به فافترقا، كذا في (الهداية). لما ذكر ما يتعلق بأحكام حال الرجل ينكح المرأة ولا يجامعها لعلة معه، شرع بذكر ما يتعلق بنكاح البكر البالغة، فقال: هذا * * * باب البكر تستأمر في نفسها في بيان ما يتعلق بحكم نكاح البكر تستأمر بصيغة المجهول في نفسها أي: تستأذن وتطلب أمرها في حق نكاحها إذا كانت عاقلة بالغة. ٥٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن الفَضْل، عن نافع بن جُبَيْر، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحَقُّ بنفسها من وَلِيِّها، والبكْرُ تُسْتَأمر في نفسها، وإذنها صُماتُها". قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وذات الأب وغير ذات الأب في ذلك سواء. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن الفَضْل، بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ثقة من رجال الجميع، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن نافع بن جُبَيْر، بالتصغير ابن مطعم بن عدي القرشي النوفلي، يكنى أبا محمد وأبا عبد الله المدني، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات سنة تسع وتسعين ومائة كما في (تقريب التهذيب) (١) عن ابن
следующие страницы →