← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قال السيد الشريف محمد الجرجاني: الزعم هو القول بلا دليل انتهى. يعني ادعى بعض التابعين أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يبعث رجالًا يُدْخِلون أي: من الإِدخال الناس من وراء العَقَبة أي: من خارج جمرة العقبة إلى مِنىً، أي: في داخلها. قال ابن مالك من النحويين: ويمكن أن تكون كلمة "إلى" مرادفة "في"، كما في قوله تعالى في سورة النساء والأنعام: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢] أي: في يوم القيامة، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، وهل العقبة من منى أم لا، المشهور المذكور عن كثير منهم أنها ليست من منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة قال نافع: قال عبد الله بن عمر ﵄ قال عمر بن الخطاب ﵁ لا يبيتنّ نهي غائب مؤكد من باب التفعيل أي: لا يمكثن أحدٌ من الحاجّ لَيَالي منى وراء العَقَبة أي: من جهة مكة، فإذا كان النهي تحريمًا يجب الدم على من بات خارج العقبة عند الشافعي والجمهور من المحدثين، وإذا كان تنزيهًا لا شيء عليه، لكنه خالف السنة، وقد روى ابن نافع عن مالك: من حبسه مرض فبات بمكة فعليه هدي إلا لرعاء الإِبل للحديث الآتي وأهل الساقية للحديث الصحيح: رخص النبي ﷺ للعباس رضي الله تعالى عنه أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته، كما قاله الزرقاني. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ لا ينبغي لأحدٍ من الحاجّ أن يبيت إلا بمنًى ليالي الحجّ، فإن فعل أي: إن بات في غير منى خارج جمرة العقبة فهو مكروه، أي: بكراهة التنزيه لمخالفته السنة ولا كَفَّارَة عليه، أي: لعدم وجوب البيتوتة بمنى وهو أي: عدم وجوب الكفارة على من بات في غير منى في ليالي أيام التشريق قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة رحمه الله تعالى. لما فرغ من بيان حكم (ق ٥٤٠) البيتوتة للحاج خارج منى في ليالي أيام التشريق، شرع في بيان حكم الحاج من تقديم نسك على نسك، فقال: هذا * * * باب من قدم نسكًا قبل نسك في بيان حكم حال (من) أي: الحاج قدَّم نسكًا على نسك بضم النون وسكون

стр. 982

السين، بمعنى العبادة يقال: مسك ينسك، من باب الأول كذا قاله محمد الواني، وهو مما يجب تقديمه على بعض أو تأخير عنه. ٥٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عيسى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله أنَّه أخبره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسول الله ﷺ ، وَقَفَ للناس عام حَجَّة الوداع، يسألونه، فجاءَ رجلٌ فقال: يا رسول الله، لم أشْعُر، فنحرتُ قبل أن أرْمِي، قال: "ارْمِ ولا حَرَج"، وقال آخرُ: يا رسول الله، لم أشعرُ فحلقتُ قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حَرَج"، قال: فما سُئل رسول الله ﷺ عن شيءٍ يومئِذٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ، إلا قال: "افعل ولا حرج". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: بنا، وفي أخرى: ثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة على وجه الأرض، عن عيسى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله بالتصغير القرشي التيمي المدني، يكنى أبا محمد ثقة فاضل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة كما في (التقريب) لابن حجر (١) وأبو طلحة أحد العشرة، وكان زوج أم سلمة بعد وفاة زوجها الأول مالك أبي أنس، خادم رسول الله ﷺ فكان أنس بن مالك ربيبة أنَّه أي: عيسى بن طلحة أخبره، أي: ابن شهاب عن عبد الله بن عمرو بفتح العين ابن العاص، بغير الياء، وبها خطأ. كما قال علي القاري في (فتح القدير شرح المشكاة)، ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ ، وَقَفَ أي: توقف على ناقته، كما في رواية صالح عند البخاري ويونس عند مسلم بلفظ: على راحلته، فرواية يحيى القطان جلس في حجة الوداع للناس أي: لأجلهم عام حَجَّة الوداع، وفي رواية: وقف عند الجمرة، وفي رواية أخرى: فخطب يوم النحر. قال القاضي عياض: جمع بعضهم بأنه توقف واحد، ومعنى خطب أي: أعلم الناس؛ لأنها من خطب الحج المشروعة قال: ويحتمل أن ذلك في موطنين: أحدهما: على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا خطب، والثاني: يوم النحر بعد صلاة الظهر

стр. 983

وذلك في وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج يعلم الإِمام فيها الناس ما بقي عليهم من مناسكهم، وصوَّب النووي هذا الثاني، فعن البخاري وغيره عن ابن عمر أنه ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات، فذكر خطبته فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منى انتهى. فطفق الناس يسألونه، أي: عن مسائل حجهم فجاءَ رجلٌ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد ولا على اسم أحد ومما سأل في هذه القصة، وكانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: كان الأعراب يسألونه فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم فقال: يا رسول الله، لم أشْعُر، بضم العين أي: لم أدر وجوب الترتيب أو سنة فنحرتُ قبل أن أرْمِي، قال: "ارْمِ أي: بعد النحر ولا حَرَج"، أي: لا إثم عليك بالجهل بالأحكام، وهو عذر في بداية الإِسلام وقال آخرُ: يا رسول الله، لم أشعُر أي: لم أفطن يقال: شعرت الشيء شعورًا إذا أفطنت له وقيل: الشعور العلم، ولم يفصح في رواية مالك بمتعلق الشعور، وبينه يونس عند مسلم بلفظ: لم أشعر الرمي قبل الحلق فحلقتُ أي: شعر رأسي قبل أن أذبح، والفاء سببية جعل الحلق سببًا عن عدم الشعور كأنه يعتذر لتقصيره قال: أي: ﷺ (ق ٥٤١) "اذبح أي: بعد الحلق ولا حَرَج"، أي: لا إثم في تأخيره، لما مر. قال القاضي عياض: ليس أمرًا بالإعادة، وإنما هو إباحة لما فعل لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى افعل ذلك متى شئت ونفي الحرج بين في رفع الفدية عن العامد والساهي، وفي مسائل الإِثم عن الساهي، فالأصل أن تارك السنة عمدًا لا يأثم إلا أن يتهاون فيأثم للتهاون لا للتحرك قال: أي: عبد الله بن عمر فما سُئل رسول الله ﷺ عن شيءٍ يومئِذٍ أي: من مسائل الحج قُدِّمَ أي: فيما يستحق التأخير كالطواف والسعي ولا أُخِّرَ، أي: فيما يستحق التقديم من الرمي والحلق والذبح إلا قال: "افعل أي: المؤخر ولا حرج" أي: في تقديم المؤخر، والحديث في الصحيحين، وبظاهره أخذ الشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: إن حلق قبل الرمي أو نحر القارن أو المتمتع قبل الرمي أو حلق قبل الذبح أو أخر طواف الفرض أو الحلق عن أيام النحر يجب عليه دم، وأما لو طاف قبل الرمي والحلق فلا شيء عليه، ويكره، ودليل أبو حنيفة ما رواه ابن أبي شيبة والطحاوي من حديث ابن عباس قال: من قدم شيئًا في حجة أو أخره فليهرق لذلك دمًا. * * *

стр. 984

٥٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا أيوب السَّخْتِيانِيّ، عن سعيد بن جُبَيْر، أنَّ ابن عباس كان يقول: مَنْ نَسِيَ من نُسُكه شيئًا أو تَركَ فَلْيُهْرِق دمًا، قال أيوب: لا أدري، أقال: تَرَكَ أم نَسِيَ. قال محمد: وبالحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ نأخُذُ، أنَّه لا حرج في شيء من ذلك. قال أبو حنيفة: لا حَرَجَ في شيءٍ من ذلك، ولم يرَ في شيءٍ من ذلك كَفَّارَة إلا في خَصْلَةٍ واحدة، المُتَمَتِّع والقَارِن، إذا حَلَقَ قبل أن يذبح، قال: عليه دَمٌ، وأما نحن فلا نَرَى عليه شيئًا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا أبو أيوب السَّخْتِيانيّ، اسمه كيسان بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة تحتانية وبعد الألف نون، يكنى أبا بكر البصري ثقة ثبت حجة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار الفقهاء العباد، من أهل البصرة، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، ومات سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن خمسة وستين سنة. كما قاله ابن حجر (١) عن سعيد بن جُبَيْر، الأسدي وهو مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، قتل بين يدي الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين وهو ابن سبع وخمسين، وقال بعض المؤرخين: هو ابن تسعة وأربعين عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه كان يقول: مَنْ نَسِيَ من نُسُكه بضم النون وسكون السين أي: من أراد الحج وترك فعلًا من أفعال الحج بنسيانه أو من أفعال عمرته ارتكب بالنسيان من محظورات إحرامه شيئًا وفي معناه من جهل أو تَرَكَ عمدًا أو خطأ فَلْيُهْرِق دمًا، بضم التحتية وسكون المهملة ويفتح أي: فليذبح، وبهذا قال مالك وجماعة قال أيوب أي: ابن أبي تميمة كيسان السختياني لا أدري، أقال: أي: سعيد بن جبير تَرَكَ أم نَسِيَ يعني: أنه إنما قال أحدهما فـ "أو" للشك لا للتنويع.

стр. 985

قال محمد: وبالحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ نأخُذُ، أي: نعمل بظاهره أنَّه أي: النبي ﷺ قال: لا حرج أي: لا إثم في شيء من ذلك أي: من نسيان النسك بناء على أن الترتيب مسنون، فلا إثم عليه بتقديم النسك على بعض بالنسيان. وقال أبو حنيفة: لا حَرَجَ في شيءٍ من ذلك، أي: حيث بما كان جاهلًا بما هنالك ولم يرَ أي: لم يتحر في شيءٍ من ذلك أي: مما ذكر من التقديم والتأخير كَفَّارَة أي: من وجوب الدم إلا في خَصْلَةٍ واحدة، وهي تقديم فعل من أفعال الحج على بعضها حتى إن المُتَمَتِّع والقَارِن، إذا حَلَقَ أي: شعر رأسه أو قصره قبل أن يذبح، قال: عليه دَمٌ، أي: عليه وعلى أمثاله وقد تقدم (ق ٥٤٢) غير ذلك فالحصر غير حقيقي وأما نحن أي: أراد المصنف نفسه وأبا يوسف فلا نَرَى عليه شيئًا أي: لا تقضي على الناس بأي من الكفارة بنسيانه. لما فرغ من بيان حكم حال الحاج، قدم نسكًا على نسك مما يجب تقديمه أو تأخيره، شرع في بيان حكم الصيد، فقال: هذا * * * ٥٦ - باب جزاء الصيد في بيان حكم جزاء الصيد أي: صيد البر إذا صاده المحرم في حال إحرامه استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية [المائدة: ٩٥] فالمناسب بين هذا الباب والباب السابق معلوم. ٥٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب قَضَى في الضَّبْعُ بكبْش، وفي الغَزَالِ بِعَنْز، وفي الأرْنَبِ بعَنَاق، وفي اليَرْبُوع بِجَفْرة.

стр. 986

قال محمد: وبهذا كله نأخذ، لأن هذا مثله من النَّعَم. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: ثنا، وفي أخرى: قال: بنا أبو الزبير، المكي هو محمد بن مسلم تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي مولاهم، صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ست ومائة كما في (التقريب) لابن حجر (١) عن جابر بن عبد الله، الأنصاري ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قَضَى أي: حكم وهو في العرف نسبة أمر إلى أمر آخر إيجابًا أو سلبًا، وفي الشرع خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين باقتضاء أو تخيير والخطاب في اللغة توجيه الكلام نحو الغير بلا إفهام، ثم نقل إلى ما يقع به التخاطب، وهو هنا الكلام (٢) النفسي الأزلي لكن تعلقه حادث مثل معنى قولهم: حل بعد أن يحل هو أن تعلق به الحل بعد أن لم يحل، ولا يلزم من حدوث التعلق حدوث المتعلق، فلا يرد السؤال كما قاله ابن مالك في (شرح المنافي) في بحث أحكام الشرع في الضَّبْعُ بفتح الضاد المعجمة وضم الموحدة لغة قيس وبسكون الموحدة لغة تميم، وهي أنثى وقيل: يقع على الذكر والأنثى، وربما قال في الأنثى ضبعة بالهاء والذكر ضبعان والجمع ضباعين، ويجمع مضموم الباء على ضباع وساكنها على أضبع، يقال باللسان التركي: يللي قورت بكبْش، أي: يجب على الحرم أن يذبح كبشًا ويتصدق إلى فقراء مكة بقتله الضبع وفي الغَزَالِ أي: يلزم على المحرم في قتل الظبي أن يذبح بِعَنْز، بفتح فسكون أنثى المعز للتقارب بينهما وفي الأرْنَبِ بعَناق، بفتح العين المهملة والنون الأنثى من أولاد المعز قبل كمال حول وفي اليَرْبُوع يفعول هذا الفأر الوحشي، كما قاله علي القاري، وقال الزرقاني (٣): هو دويبة نحو الفأرة، ولكن ذنبه وأذناه أطول منها ورجلاه أطول من يديه، عكس الزرافة والجمع اليرابيع، والعامة يقولون: جربوع بالجيم بِجَفْرةٍ بجيم مفتوحة وفاء ساكنة، الأنثى من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر قال الحبيب: ففي الأرنب واليربوع عنز مسنة. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: إنما نعمل بجميع ما رواه جابر في هذا الباب عن

стр. 987

عمر بن الخطاب (ت ٥٤٣) ﵁ لأن هذا أي: ما ذكر من العوض أمثلة أي: أشبهة من النَّعَم بفتح النون والعين جمع الأنعام في الأنواع الثمانية، وفي نسخة: مثله بدل أمثلة وحقيقة المثل المماثلة صورة ومعنى والنظر كذلك فلا نعدل عنه إلا عند عدمه، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لو اعتبر المثل من حيث الصورة لما احتيج إلى العدلين؛ لأنه لا يخفى على أحد، ولما احتيج إلى حكم جديد في كل مقتول، كما قاله علي القاري. لما ذكر ما يتعلق بجزاء الصيد إذا صاده المحرم في حال إحرامه، شرع في ذكر ما يتعلق برفع المحرم عن عضوه الأذى، فقال: هذا * * * ٥٧ - باب كفارة الأذى في بيان ما يتعلق كفارة الأذى أي المؤذي الذي أزاله المتأذي عضوه استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فالمناسبة بين هذا البَاب وبين الباب السابق إحسان المحرم إلى الغير بجنايته في حال إحرامه. ٥٠٤ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الكريم الجَزَرِيّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرَة، أنه كان مع رسول الله ﷺ مُحْرِمًا، فآذاه القُمَّل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: "صُم ثلاثة أيام، أو أطْعِمْ ستة مساكين، مُدَّيْن مُدَّيْن، أو انْسُك شاة، أيّ ذلك فَعَلْتَ أجزأ عنك". قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة. أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا عبد الكريم بن مالك الجَزَرِيّ، بفتح الجيم والزاي المعجمة، يكنى أبو أمية وهو الخضرمي بالخاء والضاد المعجمتين نسبة إلى قرية من اليمامة في اليمن، كان في الإقليم الثالث من الأقاليم

стр. 988

السبعة من وجه الأرض، وهو ثقة متقن، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة سبع وعشرين بعد المائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة عن مجاهد، بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، يكنى أبا الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة، إمام في التفسير وفي العلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع بعد المائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين، من أهل الكوفة كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة. كما في (التقريب) لابن حجر (١) (وخلاصة الهيئة) للسيد علي قال ابن الخلكان: إن عبد الرحمن بن أبي ليلى غرق في نهر البصرة وقيل: فقد بدير الجماجم سنة ثمان وثمانين في وقعة بني الأشعث، وقال بعض المؤرخين: إنه فقد سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين من الهجرة. انتهى عن كعب بن عُجْرَة، ﵁ وهو بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء المهملة ابن أمية البلوي حليف الأنصار، شهد الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية وسكن الكوفة، ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين أنه أي: كعب كان مع رسول الله ﷺ مُحْرِمًا، أي: بالحديبية فآذاه القُمَّل بفتح القاف وسكون الجيم هوام في رأسه، وفي البخاري: عينه، وقف على رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسه يتهافت قملًا، وفي رواية: القمل يتكثر على وجهي، ولأحمد: وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى حاجبي وشاربي فقال ﷺ : "لقد أصابك بلاء". وفي الطبراني: إن هذا الأذى قلت: شديدًا يا رسول الله فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، أي: يزيل شعر رأسه وهو أعم (ق ٥٤٤) من أن يكون بموسي أو مقصرًا أو نورة وقال: "صُم ثلاثة أيام، أي: متواليات أو متفرقات، كذا ذكره علي القاري قوله: صم ثلاثة أيام بيان لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] كما بان قوله بصدقة يقولها أو أطْعِمْ ستة مساكين، المراد بهم ما يشمل الفقر مُدَّيْن مُدَّيْن، بالتنكير، لإِفادة عموم التثنية أي: اطعم كل مسكين نصف صاع من حنطة أو صاعًا من شعير أو انْسُك بضم السين أي: اذبح شاة، أيّ ذلك بفتح الهمزة وفتح التحتية المشددة منصوب محلًا؛ لأنه مفعول لقوله: فَعَلْتَ قدم عليه لصدارة الاستفهام وذلك إشارة إلى المذكور من الصوم والطعام وذبح الشاة أجزأ عنك" بغير الهمزة بعد الألف، كما وجد بغيرها قوله ﷺ :

стр. 989

"والصوم لي وأنا أبه"، وهو جواب الاستفهام أي كفاك وجاز لك فأو في الكتاب والسنة للتخيير. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا نعمل بما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة وهو أي: ما قاله عبد الرحمن بن أبي ليلى قولُ أبي حنيفة والعامة ولا أعلم خلافًا في ذلك كما قاله علي القاري. لما فرغ عما يتعلق بكفارة الأذى بالمحرم، شرع في ذكر ما يتعلق بحال من قدم الصبيان والنساء والمرضى من المزدلفة إلى منى، فقال: هذا * * * ٥٨ - باب من قدم الضعفة من المزدلفة في بيان ما يتعلق بحال من قدم الضعفة بفتحتين أي: الضعفاء من الصبيان والنساء والمرضى والشيخ الكبير، ومن به عذر من المزدلفة أي: إلى منى خوفًا من التأذي بالعجلة والزحام، ولعل وجه تغيير التعبير في السنة عما وقع من التقديم والتأخير في الذكر لبيان الرخصة والرحمة على الأمة، وأما ترتيب الكتاب فإشعار بالأفضل فالأفضل في هذا الباب والله أعلم بالصواب. ٥٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر كان يُقَدِّم صِبْيَانه من المُزْدَلِفَة إلى مِنى، حتى يُصَلُّوا الصبح بِمنى. قال محمد: لا بأس بأن يقدّم الضَّعَفَة ويوعز إليهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعنى كان منسوبًا إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي

стр. 990

نسخة: ثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى عبد الله بن عمر، ثقة فقيه شهير، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة ومات آخر سنة ست بعد المائة، وعبيد الله بالتصغير يكنى أبا بكر شقيق سالم، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، أراد بالسالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر بن الخطاب أن عبد الله بن عمر كان أي: اقتدى به ﷺ حيث يقَدِّم بعض نسائه وصِبْيَانه من المُزْدَلِفَة إلى مِنى، منهم ابن عباس ﵄ يقدم صبيانه من المزدلفة إلى منى، أي: بعد مضى نصف الليل قيل: إنما سُمي منى؛ لأن (ق ٥٤٥) جبريل ﵇ لما أراد أن يفارق عن آدم صلوات الله على نبينا وعليه فقال: ماذا تتمنى فقال آدم: الجنة فسمي ذلك الموضع منى حتى يُصَلُّوا الصبح بِمنى أي: يرموا جمرة العقبة بعد الفجر أو طلوع الشمس قبل أن يأتي الناس. قال محمد: لا بأس أي: لا إثم للحاج بأن يقدّم الضَّعَفَة بفتحتين أي: ضعفاته من صبيانه ونسائه، وفي الصحيحين من رواية ابن شهاب عن سالم: كان ابن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند مشعر الحرم بالمزدلفة بليل يذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الإِمام وقبل أن يدفع إلى منى فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول أرخص في أولئك رسول الله ﷺ ويوعز إليهم بكسر الغين المعجمة من أوعز إليه بكذا تقدم وأمر كذا في (المغرب) والمعنى يأمرهم ويؤكد عليهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، أي: ليكونوا عاملين بالسنة، وإلا فيجوز الرمي بعد الصبح إجماعًا وهو أي: رواه نافع عنهما قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وجوزه الشافعي بعد نصف الليل. لما فرغ عما يتعلق بحال من قدم الضعفاء من المزدلفة إلى منى شرع في بيان جلال البدنة من الإِبل والبقر، فقال: هذا * * *

стр. 991

باب جلال البدن في بيان حكم جلال البدن الجلال: بكسر الجيم وتخفيف اللام جمع جل بضم الجيم ما يجعل على ظهر البعير كثوب الإِنسان يلبسه تقية من البرد والوسخ وهو والبدن بالضم جمع بدنة محركة فهي الإِبل والبقر عندنا والإِبل خاصة عند الشافعي. ٥٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان لا يشق جِلال بُدْنه وكان لا يُجلِّلها حتى يغدوَ بها من منى إلى عرفة، وكان يُجَلِّلها بالحُلَل والقَبَاطي، والأنْمَاطِ؛ ثم يبعث بِجِلالها، فيكسوها الكعبة، قال: فلما كُسِيَتْ الكعبة هذه الكسوة أقْصَرَ مِنَ الجِلال. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: بنا، وفي أخرى: ثنا نافع، بن [عبد] (*) الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه شهير، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر كان لا يشق أي: لا يقطع جِلال بُدْنه وكان أي ابن عمر ﵁ لا يُجلِّلها أي: لا يلبس البدن جلها حتى يغدوَ بها أي: إلى غاية إذهاب البدن في أول النهار وبجلالها أو معها من منى إلى عرفة، وكان يُجَلِّلها بالحُلَل متعلق بيجللها، والحلل بضم الحاء المهملة وفتح اللام الأولى المخففة جمع حلة، وهي بضم الحاء المهملة وتشديد اللام المفتوحة ثوب من برود اليمن، ولا يسمى حلة إلا أن يكون ثوبين من جنس واحد، روى البيهقي من طريق يحيى بن بكير عن مالك، وقال: زاد فيه غيره عن مالك إلا موضع السنام، أي: لا يشق ابن عمر جلال البدن إلا موضع سنامها وإن نحرها نزع جلالها مخافة أن يفسدها الدم، ثم يتصدق بها أي: لئلا تسقط وليظهر الإِشعار، لئلا تستر تحتها ونقل عياض أن التحليل يكون بعد الإِشعار، لئلا تتلطخ بالدم وأن شق الجلال الأسنمة إن قلت قيمتها وإن كانت نفيسة لم تشق، وروى ابن المنذر من طريق أسامة بن زيد عن نافع أن ابن عمر كان يجلل بدنه الأنماط والبرود والجر حتى يخرج من المدينة ثم ينزعها فيطولها (ق ٥٤٦) حتى يكون يوم عرفة فيلبسها إياها حتى ينحرها ثم يتصدق بها، قال نافع: ربما دفعها إلى بني شيبة.

стр. 992

قال الحافظ: وفي هذا كله استحباب التقليد والتجليل والإِشعار وذلك يقتضي أن إظهار التقرب بالهدي أفضل من إخفائه، والمقرر أن إخفاء العمل الصالح غير الفروض أفضل من إظهاره، فأما أن يقال: إن أفعال الحج مبنية على الظهور كالإِحرام والطواف والوقوف، فكان الإشعار والتقليد كذلك فيختص ذلك من عموم الإِخفاء وأما أن يقال: لا يلزم من التقليد والإِشعار وغيرها إظهار العمل الصالح؛ لأن الذي يهديها يمكنه أن يبعثها مع من يقلدها ويشعرها ولا يقول: إنها لفلان فتحصل سنة التقليد مع كتمان العمل، وأبعد من استدل بذلك على أن العمل إذا شرع فيه صار فرضًا وإنما يقال: إن التقليد جعل علمًا لكونها هديًا حتى لا يطمع صاحبها في الرجوع فيما انتهى. ولعل الجواب بالتخصيص أولى كذا قاله الزرقاني (١) والقَبَاطي، بفتح القاف جمع قبطية بالضم وهو ثوب من ثياب مصر دقيقة بيضاء كأنها منسوبة إلى القبط، وهم أهل مصر وضم القاف من تغير النسبة، وهذا من الثياب وأما الإِنسان القبطي بالكسر لا غير والأنْمَاطِ؛ بفتح الهمزة جمع النمط بفتحتين، وهو ثوب من صوف مطرح على الهودج. كذا في (المعرب) وقيل: ضرب من البسطة له حمل رقيق وهو بفتح الخاء المعجمة والميم المفتوحة واللام يقال له باللسان التركية: سحيق ثم يبعث أي: يرسل بعد نحرها بِجِلالها، فيكسوها الكعبة، أي: فيلبسها إياها تعظيما لها عن نظر الحقارة إليها قال: أي: نافع فلما كُسِيَتْ الكعبة بصيغة المجهول أي: لبست هذه الكسوة بالنصب، وهي بالضم والكسر الثوب واللباس على ما في (القاموس) وفي (المصباح)، والكسر أشهر والمعني أن الكعبة حين كسيت الكسوة المعروفة أقْصَرَ مِنَ الجِلال بفتح الهمزة والصاد والراء المهملتين المفتوحتين على أنه ماض، أي: ترك ما كان يفعله من أن يكسوها الجلال؛ لاستغنائها عنها ويصرفها في محل آخر أهم منها أول من كسى الكعبة تبع ملك اليمن، ثم كسا العرب في الجاهلية، ثم كساها رسول الله ﷺ بالثياب اليمانية، كساها عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما بالثياب القباطية ثم كساها ابن الزبير ﵁ ثم بعد ذلك يبعث كل سنة بالديباج لكسوة الكعبة المشرفة، وأول من كسا البيت بالديباج والدة العباس بن عبد المطلب حين أضلت العباس صغيرًا فنذرت إن وجدته نسكوا الكعبة المشرفة فوجدته ففعلت، وأول من جرد الكعبة وكشفها وطرح عنها الكسوة في الجاهلية، وكانت قبل ذلك لا تجرد

стр. 993

بل تخفف عنها بعض كسوتها معاوية بن الحكم، وأول من كسا الكعبة المكرمة يعلى بن منبه، وكان عاملًا على اليمن للإِمام عثمان ﵁ فعل ذلك بأمره كما قاله الجلال الدين السيوطي في الكتاب المسمى (بالأوائل). * * * ٥٠٧ - أخبرنا مالك، سألتُ عبد الله بن دينار: ما كان ابن عمر يصنع بجِلال بُدنه؟ حين أقْصَرَ عن تلك الكسوة، قال عبد الله بن دينار: كان ابن عمر يتصدق بها. قال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي أن يتصدّق بِجِلال البدن وبخطمها، وأن لا يعطي الجزَّار من ذلك شيئًا، ولا من لحومها. وبلغنا أن النبي ﷺ بعث مع عليّ بن أبي طالب بهذي، فأمره أن يتصدَّق بِجِلاله، وبِخُطِمِهِ، وأن لا يعطي الجزَّار من خُطْمه وجلاله شيئًا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا قال: أي: مالك سألتُ (ق ٥٤٧) عبد الله بن دينار العدوي مولاهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين بعد المائة كذا في (التقريب) (١) ما كان ابن عمر يصنع بجِلال بكسر الجيم وبلا حقيقة بُدنه؟ بضم الموحدة وسكون الدال المهملة والنون حين أقْصَرَ أي: ابن عمر عن تلك الكسوة، قال عبد الله بن دينار كان ابن عمر يتصدق بها أي: البدن على فقراء الحرم وفي الكلام وضع الظاهر موضع الضمير لإِيضاح المرام، كما قاله علي القاري. قال المهلب ليس التصدق بجلال البدن فرضًا، وإنما صنع ذلك ابن عمر؛ لأنه أراد أن لا يرجع في شيء أهداه الله ولا في شيء أضيف إليه، وفي الصحيحين (٢) عن علي

стр. 994

أمرني رسول الله ﷺ أن أتصدق بجلال البدن التي نحرت وبجلودها، وفيه استحباب التجليل والتصدق بذلك الجل، ولفظ: أمر لا يقتضي الوجوب؛ لأن ذلك في وصيفة افعل لا لفظ أمر، كما قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا نأخذ، إنما نعمل بما رواه عبد الله بن دينار عن ابن عمر ينبغي أي: يجب ويتعين أن يتصدّق أي: صاحب الهدي بِجِلال البدن بضم الموحدة وسكون الدال المهملة وبِخُمُطِها، بضم الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة والميم جمع خطام البعير، وهو زمامه المعروف والباء فيه وفي ما قبله بمعنى المصاحبة، وفي إعادتها وعدم الاكتفاء بدلالة القرينة عليها دلالة على أن للمصنف مزيد اعتناء واهتمام في هذا الحكم، وإشعارًا بأنه يجب على صاحب الهدي أن يتصدق مع زمامه وأن لا يعطي الجزَّار أي: لأجل أجرته وهو بفتح الجيم وتشديد الزاء المعجمة والألف، والراء المهملة رجل يذبح الهدي ويقطع اللحم من ذلك شيئًا، أي: مما ذكر من جلال البدن ولا من لحومها وفي معناها جلودها، بل يعطى أجرته من غيرها ثم إن كان فقيرًا فلا بأس أن يعطيه شيئًا منها. وبلغنا أن النبي ﷺ بعث مع عليّ بن أبي طالب بهدي، أي: مشتمل على مائة بدنة فأمره أي: عليًا أن يتصدَّق بِجِلاله، وبِخُطِمِها، أي: الهدي وفي نسخة الشارح بجلالها وتأنيث الضمير باعتبار البدن والهدايا وأن لا يعطي الجزَّار أي: لأجل أجرته من خُطْمه وجلاله شيئًا والأمر بعدم الإِعطاء، فهي عن العطاء، والحديث رواه الجماعة إلا الترمذي عن علي ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأقسم جلوده وجلاله أو أمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا، كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم جلال البدن، شرع في بيان ما يتعلق بحكم المحصر، فقال: هذا * * *

стр. 995

باب المحصر في بيان ما يتعلق بحكم المحصر، باسم المفعول من أحصره إذا حبسه ومنعه، وفي الشرع: هو المنع عن ركني الحج، وعن طواف العمرة. استنبط المصنف رحمه الله تعالى، هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. ٥٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه قال: من أُحْصِرَ دون البيت، بمرض فإنه لا يَحِل حتى يطوف بالبيت، وهو يتداوى مما اضْطُر إليه، ويفتدي. قال محمد: بلغنا عن عبد الله بن مسعود، أنه جعل المحصر بالوجع كالمحصر بالعَدُوّ، فَسُئِلَ عن رجل اعتمر، فنهشته حَيّة، فلم يستطع المضي، فقال عبد الله بن مسعود: ليبعث بهدي ويواعد أصحابه يومَ أمَارٍ، فإذا نحر عنه الهدْيُ حَلَّ، وكانت عليه عمرة مكان عمرته. وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، يكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات آخر سنة ست بعد المائة قاله ابن حجر (١) عن أبيه أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: من أُحْصرَ على بناء المفعول أي: منع دون البيت، أي: قبل وصوله إليه وحصوله لديه بمرض أي: ونحوه عدو كافر، كما هو مذهب الشافعي فإنه لا يَحِل أي: لا يخرج من إحرامه حتى يطوف

стр. 996

بالبيت، أي: ولو امتد الأيام ولا يخفى ما فيه من الحرج العام وما يترتب من الآثام وهو يتداوى أي: يعالج نفسه من المحظورات مما اضْطُر إليه، بصيغة المجهول أي: بما حصل له من الضرورات، ويفدي أي: بما يجب عليه من أنواع الكفارات، وليحيى: إن اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد منها أو الدواء صنع ذلك ويفتدي. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: كون المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف إلى آخره مذهب ابن عمر، وإليه ذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: له التحلل حيث أحصر، يعني سواء اشترط ذلك في ابتداء إحرامه، كما قاله الشافعي. قال محمد: بلغنا عن عبد الله بن مسعود، ﵁ أنه جعل المحصر بالوجع بفتح الجيم أي: المرض المؤلم كالحصر بالعَدُوّ، أي: قياسًا عليه ولمساعدة اللغة إليه على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فَسُئِلَ أي: ابن مسعود، والفاء تفصيلية عن رجل قيد واقعي لا احترازي اعتمر، أي: أحرم بعمرة فنهشته بالشين المعجمة، وفي لغة بالمهملة أي: لدغة حَيّة، فلم يستطع المضي، أي: إلى الحرم بأفعال العمرة فقال عبد الله بن مسعود: ليبعث بصيغة الأمر الغائب بهدي أي: ليرسل مع بعض أصحابه ويواعد أصحابه يومَ أمَارٍ، بفتح الهمزة بمعنى أمارة أي: مواعد وقتًا معينًا فإذا نحر عنه الهدْيُ بصيغة المجهول حل أي: خرج من إحرامه، ولا صلاة عليه ولا يقصر، وإن يحلق فحسن، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: عليه الحلق، وإن لم يحلق فلا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أحصروا بالحديبية، فأمرهم بعد بلوغ الهدايا محلها أن يحلق وحلق ﷺ ، ولهما أن الحلق عرف قربه إذا كان مرتبًا على أفعال الحج، ولم توجد أفعاله هنا وأمر ﷺ لأصحابه بالحلق ليعرف المشركون قوة عزمهم على الانصراف، فيحصل الأمن من كيد المشركين فلا يشتغلوا بأمر الحرب (ق ٥٤٩). أقول: ولا مانع من أن يكون الحلق الواجب متضمنًا لهذه المراتب، وأيضًا فكما أن الحلق عرف قربه إذا كان مرتبًا على أفعال الحج، فكذلك يترتب على أفعال العمرة وإنما سقطت الأعمال للضرورة، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وأيضًا ظاهر الآية مؤيد لقول أبي يوسف حيث قال تعالى بعد قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو الحرم ذبحه فيه مجرد وصوله،

стр. 997

فالمعنى أن الحلق متوقف عليه كما أن الإِحلال متوقف على ذبح الهدي وكانت عليه عمرة مكان عمرته لقضاء رسول الله ﷺ وأصحابه عمرة الحديبية التي أحصروا فيها، وكأنه تسمى عمرة القضاء، وأوله الشافعي بأن القضاء بمعنى القضية. وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا والله أعلم كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم المحصر، شرع في بيان ذكر ما يتعلق بحكم تكفين المحرم، فقال: هذا. * * * باب تكفين المحرم بالتنوين أي: كائن في بيان ما يتعلق بحكم تكفين المحرم، أي: إذا مات محرمًا وما يتعلق به من تغطية رأسه ووجهه وتطييبه، فإضافة التكفين إلى المحرم من قبيل إضافة المصدر إلى مفعوله. ٥٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كَفَّنَ ابنه واقِدَ بن عبد الله، وقد مات محرمًا بالجُحْفَة وخَمَّر رأسه. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا مات، فقد ذهب الإِحرام عنه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: أنا، وفي أخرى: عن نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة. كذا في (التقريب) (١) أن عبد الله بن عمر كَفَّنَ أي: أدرج فيه ابنه واقِدَ بالقاف على وزن ناقد ابن عبد الله، هو واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة تابعي نسب إلى جد أبيه، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، كما قاله ابن حجر (٢) ومات أي: والحال أن واقد قد مات محرمًا بالجُحْفَة بضم الجيم

стр. 998

وسكون الحاء المهملة وفتح موضع الإِحرام أي: حاجًا أو معتمرًا وَخَمَّر رأسه بتشديد الميم أي: غطاه، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: ووجهه، وقال: لولا أنا حرم أي محرمون لطيبناه. وقال مالك: وإنما يعمل الرجل ما دام حيًا فإذا مات فقد انقضى العمل، أي: فلا يمتنع تطيب الميت الحرم، ولا تغطية وجهه، وبهذا قال أبو حنيفة وأتباعه، وأجابوا عن حديث ابن عباس في الصحيحين: وقصت برجل محرم ناقته فقتلته، فأتى رسول الله ﷺ فقال: "اغسلوه وكفنوه ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يبعث ملبيًا" (١)، أي: بأنها واقعة عين لا عموم لها؛ لأنه علل ذلك بقوله: ما يبعث ملبيًا، وهذا الأمر لا يتحقق في غيره وجوده فيكون خاصًا بذلك الرجل لو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء بقية مناسكه، ولو أريد التحريم في كل محرم، يقال: فإن المحرم، كما قال: "الشهيد يبعث وجرحه يثعب دمًا"، وجواب من منع ذلك؛ لأن الأصل أنه كما ثبت لواحد في زمن النبي ﷺ ثبت لغيره، يظهر التخصيص كما قال السيد محمد الزرقاني (٢). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر وهو أي: ما قاله (ق ٥٥٠) ابن عمر قولُ أبي حنيفة، إذا مات، فقد ذهب الإِحرام أي: حكمه عنه وفي القضية خلاف الشافعية، وتحقيقها في المبسوطات الفقهية. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم تكفين المحرم، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم حال من أدرك عرفات ليلة المزدلفة، فقال: هذا * * * باب من أدرك عرفة ليلة المزدلفة في بيان حكم حال من أدرك عرفات ليلة المزدلفة، فإن لها حكم عرفات في صحة الوقفة. ٥١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر، كان يقول: من

стр. 999

وقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أو أنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة عالم فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن عبد الله بن عمر، كان يقول: من وقف بعرفة أي: بعد زوال الشمس من وسط السماء من يوم عرفة ولو من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر، أي: فجر يوم النحر فقد أدرك الحج أي: سلم من فوته ففي فحوى كلامه أيضًا أنه لا يكفي الوقوف قبل الزوال عند أبي حنيفة، وبعده قبل غروب الشمس من يوم عرفة، وأن الوقوف في ركن إنما هو بالليل عند مالك، وذهب الأكثرون إلى أنه إذا وقف أي جزء من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر فقد أدرك الحج، واختاره جمع من أصحابنا. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه نافع بن عبد الله المدني عن ابن عمر، وهو أي: قول قاله ابن عمر قولُ أبي حنيفة والعامّة ولا أعرف فيه خلافًا عن أحد من الأئمة. لما فرغ من بيان حكم حال من أدرك عرفات ليلة المزدلفة، شرع في بيان حكم حال من ثبت بمنى عند غروب الشمس من اليوم الثاني من أيام التشريق، فقال: هذا * * * ٦٣ - باب من غربت له الشمس وهو في النفر الأول وهو بمنى في بيان حكم حال من غربت له الشمس، أي: ظهر لغروبها في النفر الأول، أي: الانصراف في اليوم الثاني من أيام التشريق، فيكون النفر الثاني هو اليوم الثالث من منى من أيام التشريق، وهو بمنى أي: والحال بما ظهر له غروب الشمس في النفر الأول وجد بمنى وقت الانصراف منه استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الآية [البقرة: ٢٠٣].

стр. 1000

٥١١ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفِرنَّ حتى يرمي الجمار من الغد. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، تابعي كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك. كذا في (التقريب) (١) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: من غربت له الشمس واللام الجار هنا للتعليل أي: لأجل توقفه في منى، كما في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾ [قريش: ١, ٢] وتعلقها بـ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، وقيل: بما قبله أي: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ من أوسط أيام التشريق وهو بمنى جملة حالية أي: والحال أنه لم ينفر من منى قبل غروبها فلا ينفِرنَّ أي: لا يخرجن من منى بعد غروبها حتى يرمي الجمار من الغد أي: بعد الزوال عند الجمهور، ولو رمى فيه قبل الزوال صح عند أبي حنيفة ويكره. قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع (ق ٥٥١) عن ابن عمر وهو أي: ما قاله ابن عمر، ﵄ قولُ أبي حنيفة، والعامة من أي: من فقهائنا، كما في نسخة. اعلم أن الأفضل أن يقيم ويرمي يوم الرابع، وإن لم يقم نفر قبل غروب الشمس من يومه، فإن لم ينفر حتى يرمي في اليوم الرابع، ولو نفر من الليل قبل طلوع الفجر من اليوم الرابع من أيام الرمي لا شيء عليه وقد أساء، ولا يلزمه رمي يوم الرابع في ظاهر الرواية نص عليه محمد في الرقيات، وإليه أشار في الأصل، وهو المذكور في المتون. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يلزمه أن ينفر قبل الغروب، وليس له أن ينفر بعده حتى لو نفر بعد الغروب قبل الرمي يلزمه دم، كما لو نفر بعد طلوع الفجر، وهو قول

стр. 1001

للأئمة الثلاثة، فوجه الظاهر أن قبل الغروب اليوم الثالث يجوز النفر فكذا بعده بجامع أن كلًا من الوقتين لا يجوز الرمي فيه عن الرابع، ووجه روايته عن أبي حنيفة ﵀ ومن تبعه أن النفر في اليوم لا في الليل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والجواب: أن لياليها الثلاثة تابعة لأيامها الماضية، ولذا جاز رمي أيامها في لياليها اتفاقًا. لما فرغ من بيان حكم حال من وجد بمنى وقت الانصراف منه وقد غربت الشمس من اليوم الثاني من أيام التشريق، ولم ينصرف منه قبل الغروب، شرع في بيان حكم حال من انصرف من منى في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق، والحال أنه لم يحلق ولم يقصر، فقال: هذا * * * باب من نفر ولم يحلق في بيان حكم حال من نفر أي: انصرف من منى، ولم يحلق أي: سواء نفر في اليوم الأول والثاني، والحال أنه لم يحلق، ولم يقصر بعد الرمي أو قبله. ٥١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر لقي رجلًا من أهله يقال له: المجَبَّر قد أفاض ولم يحلق رأسه ولم يقصّر؛ جهل ذلك، فأمره عبد الله بن عمر أن يرجع فيحلق رأسه أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فَيُفِيض. قال محمد: وبهذا نأخذ. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: بنا نافع، ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل بعد ذلك أن عبد الله بن عمر لقي رجلًا من أهله أي: من أقاربه هو ابن أخيه عبد الرحمن الأصغر ابن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: المجَبَّر بضم الميم وفتح الجيم وفتح الموحدة المشددة بوزن محمد لقب

стр. 1002

بذلك واسمه أيضًا عبد الرحمن قيل: لأن أباه مات وهو حمل، فلما ولد سمته حفصة باسم أبيه، وقالت: لعل الله يجبره وقيل: سقط فجبر فقيل له: المجبر قد أفاض أي: والحال أن المجبر نفر من منى ولم يحلق رأسه ولم يقصّر؛ أي: قبل الإِفاضة جهل ذلك، أي: لم يعلم عبد الرحمن الأصغر حلق رأسه أو قصره أو منى فأمره عبد الله بن عمر أن يرجع أي: إلى منى فإن الحلق به أفضل إجماعًا فيحلق رأسه أو يقصر، أي: مع أنه يجوز فعلها في الحرم مطلقًا ثم يرجع إلى البيت فَيُفِيض أي: ليالي بالترتيب، فإنه أمر مندوب، إذ لو طاف قبل الرمي والحلق لا شيء عليه ويكره، وكذا لو حلق في منى من أرض الحرم لخالف الأفضل. قال محمد: وبهذا نأخذ أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب. لما (ق ٥٥٢) فرغ من بيان حكم حال من انصرف من منى، ولم يحلق رأسه، شرع في بيان حكم حال من يجامع امرأته بعد الوقفة بعرفات قبل أن يفيض، فقال: هذا * * * باب الرجل يجامع بعرفة قبل أن يفيض في بيان حكم حال الرجل، أي: المحرم للحج يجامع امرأته أي: بعد الوقوف بعرفات قبل أن يفيض، أي: أن يرجع منها بعد إدراك الوقفة. ٥١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل وقع على امرأته قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة. قال محمد: وبهذا نأخذ، قال رسول الله ﷺ : "من وقف بعرفة فقد أدرك الحج، فمن جامع بعد ما يقف بعرفة لم يفسد حجه، ولكن عليه بدنة لِجِمَاعِه، وحَجُّهُ تامّ، وإذا جامع قبل أن يطوف طواف الزيارة لا يفسد حجه"، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا.

стр. 1003

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبو الزبير المكي، محمد بن مسلم، تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي، مولاهم صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ست ومائة عن عطاء بن أبي رباح، بفتح الراء المهملة والموحدة المخففة، واسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور، كذا قاله ابن حجر (١) عن ابن عباس: ﵄ أنه سئل عن رجل وقع أي: جامع على امرأته وهو بمنى، كما في (الموطأ) برواية يحيى قبل أن يفيض، أي: طواف الإِفاضة والزيارة فأمره أن ينحر بدنة أي: إذا جمع مرة أو مرارًا واتحد المجلس، وأما إن اختلف فبدنة للأول وشاة للثاني في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: يكفيه كفارة واحدة، كما بينها في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه عطاء بن أبي رباح عن أبي رباح عن ابن عباس قال سعيد بن زيد الباجي المكي: وهذا إذا طاف بعد رمي جمرة العقبة، أو بعد يوم النحر وقبل الإِفاضة، وأما إن جامع قبل رمي يوم النحر فالمشهور من مذهب مالك أن حجه فاسد. كذا قاله علي القاري. قال رسول الله ﷺ : "من وقف بعرفة فقد أدرك الحج، (٢) أي: لم يفته، وهذا معنى قوله: فمن جامع أي: قبل الحلق بعد ما يقف بعرفة أي: ولو ساعة لم يفسد حجه، ولكن عليه بدنة لِجِمَاعِهِ، أي: كفارة وحَجُّهُ تامّ، أي: لما في السنن الأربعة عن عروة بن مضر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن شهد صلاتنا هذه، أي صلاة بمزدلفة، وقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" وحقيقة التمام غير مرادة لبقاء طواف الزيارة، وهو ركن المراد به إلا من الفساد وإذا جامع قبل أن يطوف طواف الزيارة لا يفسد حجه" وهو أي: ما قاله رسول الله ﷺ من قوله: "من وقف

стр. 1004

بعرفات فقد أدرك حجه" (١) قولُ أبي حنيفة, والعامَّة من فقهائنا والحاصل أنه وطئ قبل وقوف عرفات أفسد حجه ومضى فيه أي: تم أفعال حجه بأن يتحلل عن إحرامه بالوقوف في عرفات والطواف بالبيت سبعة أشواط، ليخرج عما التزمه من الحج صورة، ولو كان حجه فاسدا وإحرامه عبثًا فيذبح شاة ويقضي حجه من قابل سنة بإحرام جديد، كما قلنا في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح). وقال الشافعي: يجب عليه بدنة اعتبارًا بالجماع بعد الوقوف، بل أولى؛ لأن الجماع قبله في مطلق الإِحرام (ق ٥٥٣) وبخلاف بعده أجيب بأنه لما وجب القضاء في الجماع قبل الوقوف أخف معنى الجناية، فيجب الشاة، وقد روى البيهقي (٢) عن يزيد بن نعيم الإِسلامي التابعي أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان فسألا رسول الله ﷺ فقال لهما: "اقضيا نسككما واهديا هديًا" واسم المهدي يتناول الشاة، كما يتناول البدنة وفي البدنة أكمل لكن الواجب انصراف المطلق إلى الكمال وفي الماهية لا إلى الأكمل وماهية الهدي كاملة فيها، وقد تقدم تحقيق هذا المبحث في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأن الجمهور على أنه الشاة، وأما جماعه بعد الوقوف بعرفات قبل الحلق سواء يقع قبل الرمي أو بعده فيوجب بدنة لما سبق في الحديث ولا يفسد حجه. قال الشافعي: وهو أظهر القولين في مذهب مالك: يفسد إذا جامع قبل الرمي اعتبارًا لو جامع قبل الوقوف؛ لأن كلًا منهما قبل التحلل، وجوابه تقدم وإذا جامع بعد الحلق قبل الطواف يجب شاة، ولو جامع بعد طواف الزيارة وبعد الحلق فعليه شاة، لوجود الجماع في الإِحرام. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يجامع امرأته بعرفات قبل أن يرجع شرع في بيان تعجيل الإِهلال، فقال: هذا * * *

стр. 1005

باب تعجيل الإهلال في بيان حكم تعجيل الإِهلال أي: تقديم الإحرام بالنسبة إلى المكي ومن بمعناها في المقام. ٥١٤ - أخبرنا مالك, حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة، ما شأن الناس يأتون شُعْثًا، وأنتم مُدَّهِنُون، أهِلُّوا إذا رأيتم الهلال. قال محمد: تعجيل الإِهلال أفضل من تأخيره، إذا ملكت نفسك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثني عبد الرحمن بن القاسم التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة من الهجرة عن أبيه، أي: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات قبل المائة، كما قاله عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في طبقاته، وقد سبق منقبته أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أهل مكة، ما شأن الناس يأتون أي: من مكان بعيد ويحضرون مكة شُعْثًا، بضم الشين المعجمة وسكون المهملة وبعد مثلثة أي: مغبرين متلبدين لعدم التعاهد بالدهن وأنتم مُدَّهِنُون، بتشديد الدال، أي: متدهنون ومستطيبون، والتدهن هنا عبارة عن عدم إحرامهم كأنه قيل: الذي كان بعيد الدار أشعث لأجل القدوم إلى مكة، فأولى للإِهلال لها كما قال أهِلُّوا أي: أحرموا للحج قال: الأمر استحبابي إذا رأيتم الهلال أي: هلال ذي الحجة وهذا مما لم يوافق عمر ابنه عبد الله فكان يهل يوم التروية، واحتج أنه لم ير النبي ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته أي: تستوي قائمًا إلى طريقه، وبكل من القولين قاله جماعة من السلف والأئمة وهو روايتان عن مالك، والخلاف في الأفضل؛ إذ يجوز كلّ بإجماع كما مر كذا قاله الزرقاني.

стр. 1006

قال محمد: تعجيل الإِهلال أي: تقديم الإحرام أفضل من تأخيره، أي: بعد دخول وقته إذا ملكت نفسك، أي: أيها المخاطب عن الوقوع في المحظور وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم (ق ٥٥٤) تعجيل الإِحرام وتأخيره بعد دخول وقته، شرع في بيان ما يتعلق بِذِكْرِ يتكلم به الذَّاكِر عند الرجوع عن الحج والعمرة والغزو وغيرها إلى أهله، فقال: هذا * * * باب القفول من الحج أو العمرة في بيان ما يقال عند القفول، بضم القاف والفاء وسكون الواو وبعدها اللام أي: الرجوع، ومنه القافلة سميت بها تناولًا إلى الحج وغيره، كما قال من الحج والعمرة أي: إلى أهله. ٥١٥ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ كان إذا قَفَلَ من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ أو غَزْوٍ يُكَبِّر على كل شَرَفٍ من الأرض، ثلاث تكبيرات، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، آيبُونَ، تائبون، عابدُونَ، ساجدُونَ لرَبِّنَا حامِدُونَ، صَدَقَ الله وعْدَه، ونَصَرَ عَبْدَه، وَهَزَمَ الأحزابَ وَحْدَه". • أَخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور تابعي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قَفَلَ أي: إذا رجع إلى أهله من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ أو غَزْوة والحصر لبيان الواقع يُكَبِّر أي: يقول الله أكبر على كل شَرَفٍ بفتحتين أي: مكان مرتفع من الأرض، أي: العلوية والسفلية ثلاث تكبيرات، أي: ثلاث مرات متوالية ثم يقول: "لا إله إلا الله أي: المعبود الواجب الوجود المنعوت بالكرم والجود وحده نصب حال أي: متفرد بالذات وكمال الصفات لا شريك له، أي: ذاتًا وصفة فهو تأكيد لا قبله له المُلْك بضم الميم أي: الملك الظاهر والباطن الملك له لا لغيره وله الحمد، أي: جنس الحمد مختص له، والمعنى

стр. 1007

أن كل حمد صدر عن كل حامد، فهو له حقيقة، ولو حمد غيره صورة يحيي ويميت أي: يوجد الحياة والموت، وله الحياة الأبدية الذاتية وحياة غيره عارضية وهو على كل شيءٍ قدير أي: تعلقت به الإرادة قديرًا أي: تام القدرة، وهي جملة حالية أيضًا آيبُونَ، أي: نحن راجعون ظاهرًا تائبون، أي: باطنًا عابدُونَ، ساجِدُونَ أي: مصلون أو منقادون لرَبِّنَا يحتمل أن يتعلق بما قبله أو بما بعده حامِدُونَ، أي: مثنون بالحسنى من الأسماء، وشاكرون في السراء والضراء صَدَقَ الله وَعْدَه، أي: في إظهار الدين وكون العافية للمتقين وغير ذلك من أمور اليقين ونَصَرَ عَبْدَه، أي: عبده خاص المواقف على قدم الإِخلاص وأتباعه من العوام والخواص وَهَزَمَ الأحزابَ وهم الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على عداوة رسول الحق وَحْدَه" أي: من غير قتال من الآدميين بل بإرسال ريح وجنود من الملائكة المقربين، والحمد لله رب العالمين. لما فرغ من بيان الذكر عند الرجوع عن الحج والعمرة، شرع في بيان الفعل عند الرجوع عنها. * * * باب الصَّدَرِ في بيان الصدر بفتحتين أي: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ [الزلزلة: ٦]. ٥١٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسولَ الله ﷺ كان إذا صَدَر من الحج أو العُمْرَة أناخَ بالبطْحَاءِ التي بذي الحُلَيْفَة، فَيُصَلِّي بها يكبر ويُهَلِّل، قال: وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك. • أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة حدثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة

стр. 1008

ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا صدر أي: إذا طاف البيت (ق ٥٥٥) بطواف الصدر المسمى بطواف الوداع ورجع من الحج أو العُمْرَة أناخَ بنون وألف وخاء معجمة، أي: برك وأقعد راحلته على أربع قوائمة بالبطْحَاءِ وهو في الأصل مسيل واسع فيه دقاق الحصبا، ولذا وصفه بقوله التي بذي الحُلَيْفَة، احترازًا عن البطحاء التي بين مكة والمدينة فَيُصَلِّي بها أي: حمد الله تعالى ويُهَلِّل، أي: كما سبق في الباب الذي تقدم. قال الزرقاني (١): وليس هذا من مناسك الحج، وإنما يؤخذ منه أماكن نزوله ﷺ ليتأتى به فيها؛ إذ لا يخلوا شيء من أفعاله عن حكمة وأيضًا لطلب فعل ذلك الموضع، لما في الصحيحين: عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ أري بذي الحليفة، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة (٢) انتهى. قال: أي: نافع وكان وفي نسخة: فكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك أي: مثل فعله ﷺ وفيه تنبيه على أنه مستحب لأهل المدينة أنهم ينزلون في ذي الحليفة ذهابًا وإيابًا، وينبغي أن يكون كذا أمر غيرهم ولعل فائدة هذا لحوق السابق من الرفقة وزيادة المتعة حال الرجعة بشيوع خبر الوصلة، وهذا الحديث مشتمل على الصدر اللغوي بخلاف قوله. * * * ٥١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: لا يَصْدُرَنَّ أحدٌ من الحاجّ حتى يطوفُ بالبيت، فإنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بالبيت. قال محمد: وبهذا نأخذ، طوافُ الصَّدَر واجِبٌ على الحاجّ، ومن تركه فعليه دَمٌ، إلا الحائض والنُفساءَ فإنها تَنْفِر ولا تطوف إن شاءَتْ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا.

стр. 1009

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: حدثنا أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: لا يَصْدُرَن أي: لا ينصرفن من مكة أحدٌ من الحاجّ أي: الأفاقي حتى يطوفُ بالبيت، أي: طواف الصدر المسمى طواف الوداع فإنَّ آخِرَ النُّسُكِ أي: الواجبة الطَّوَافُ بالبيت والأفضل تأخيره إلى حين خروجه ولو قدمه جاز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن عمر طوافُ الصَّدَر واجِبٌ أي: فرض عملي؛ لأنه دليله ظني على الحاجّ من أهل الآفاق. ومن تركه أي: طواف الصدر بأن خرج من مكة بغير عذر فعليه دَمٌ، أي: شاة إلا الحائض والنُفساءَ فإنها أي: كل واحدة منهما تَنْفِر أي: ترجع ولا تطوف الواو حالية معرضة لا عاطفة لقوله إن شاءَتْ؛ لأنه متعلق بتفسير والمعنى إذا اضطرت بسبب خروج أهل بلدها أو لعذر آخر ظهر لها إذ لا يجوز ترك الواجب من غير عذر، ومعه يكون مسقطًا للدم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: أمر الناس بأن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، ولو نوى الأفاقي الاستيطان بمكة أو حولها قبل النفر الأول صار من أهل مكة وسقط عنه طواف الوداع كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم طواف الصدر شرع في بيان حكم المرأة المحرمة، فقال: هذا * * * باب المرأة يكره لها إذا حلت من إحرامها أن تمتشط حتى تأخذ من شعرها في بيان حكم حال المرأة المحرمة، هل يكره لها إذا حلت أي: إذا أرادت الخروج من إحرامها أن تمتشط أي: أن تسرح شعرها حتى تأخذ من شعرها أي: شعر رأسها قدر أنملة، فإن القصر متعين في حقها. ٥١٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول:

стр. 1010

المرأة المُحْرِمة إذا حَلَّت لا تَمْتَشِط حتى تأخذ من شعرها؛ شعرِ رأسها، وإن كان لها هَدْيٌ لم تأخذ من شعرها شيئًا حتى تنحر. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: المرأة المُحْرِمة أي: بالحج والعمرة إذا حَلَّت أي: إذا أرادت الخروج من إحرامها لا تَمْتَشِط أي: لا تسرح شعر رأسها حتى تأخذ (ق ٥٥٦) من شعرها؛ وهذا مجمل بيانه شعرِ رأسها، وإن كان لها هَدْيٌ أي: هدي واجب أو تطوع لم تأخذ من شعرها شيئًا حتى تنحر أي: إلى غاية ذبح بدنتها، وهذا الترتيب بالنسبة إلى القارن أو المتمتع واجب، وأما بالنسبة إلى المفرد فمندوب، وقد تقدم. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم حال المرأة المحرمة تريد أن تخرج من إحرامها، شرع في بيان حكم النزول بالمحصب، فقال: هذا * * * باب النزول بالمحصب في بيان حكم النزول بالمحصب، بضم الميم وفتح الهاء المهملة المخففة والصاد المهملة المشددة والموحدة. قال ابن عبد البر وتبعه عياض: هو اسم لمكان متسع بين مكة ومنى، وهو أقرب إلى منى، ويقال له: الأبطح والبطحاء وخيف بين كنانة وكان الكفار اجتمعوا فيه وتحالفوا على ضرار رسول الله ﷺ فنزل ﷺ فيه إراءة لهم لطيف صنع الله تعالى به وتكريمه بنصره وفتحه، فذلك سنة كالرمل والطواف كذا في شرح (المجمع). وقال شمس الأئمة السرخسي في مبسوطه: والأصح أن التحصيب سنة ولو ساعة، وإلا فالأفضل أن يصلي فيه العصر والظهر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة، أي: ينام نومة ثم يدخل مكة على ما ذكره ابن الحمام، ويؤيده قوله:

стр. 1011

٥١٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يصلي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمحصّب، ثم يدخل من الليل فيطوف بالبيت. قال محمد: هذا حسن، ومن تركَ النزول بالمحصّب فلا شيء عليه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يصلي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمحصّب، ثم يدخل أي: مكة من الليل أي: آخره فيطوف بالبيت أي: طواف الوداع ويتوجه إلى المدينة. وقال الشافعي: النزول بالمحصب ليس نسبة، لما في الكتب الستة من حديث عائشة، ﵂ أنها قالت: إنما ترك رسول الله ﷺ المحصب ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة فمن شاء تركه ومن شاء لم يتركه (١)، ولنا ما رواه مسلم (٢) من حديث نافع عن ابن عمر: إنه كان يرى التحصيب سنة. قال نافع: قد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده. أقول: الأظهر أنه مستحب، وليس سنة مؤكدة، إذ المحصب لا يسع بجميع الحاج بلا شبهة، فلا يقاس على الرمل أو يقال: إنها سنة مؤكدة على طريق الكفاية أو متعينة على أفراد الحاج، وهذا أمر تركه الناس بالكلية إلا من نزل فيه من أعراب البادية من غير القصد والنية، والله ولي دينه وناصر نبيه. قال محمد: هذا أي: النزول بالمحصب حسن، أي: مستحسن ومستحب ومن تركَ النزول بالمحصّب فلا شيء عليه، اتفاقًا إذ ليس بواجب وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى. لما فرغ من بيان حكم النزول بالمحصب، شرع في بيان حكم حال الرجل يحرم من مكة، فقال: هذا * * *

стр. 1012

باب الرجل يُحرم من مكة هل يطوف بالبيت ؟ في بيان حكم حال الرجل يحرم من مكة هل يطوف بالبيت، أي: طواف القدوم المختص بالأفاقي من الحاج. ٥٢٠ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، حتى يرجع من مِنىً، ولا يسعى إلا إذا طاف حول البيت. قال محمد: إن فعل هذا أجزأ، وإن طاف وسعى ورَمَل قبل أن يخرج أجزأه ذلك، كل ذلك حسن، إلا أنَّا نُحبّ له أن لا يترك الرَّمل بالبيت في الأشواط الثلاثة الأوَل، إن عجل أو أخَّر، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، (ق ٥٥٧) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا أحرم أي: رحل من مكة لم يطف بالبيت، إذ ليس سنة، فإن كان الطواف مستحبًا في جميع الأزمنة ولا بين الصفا والمروة، أي: ولا يسعى بينهما التوقف صحته على تقديم طواف ما حتى يرجع من مِنىً، ولا يسعى أي: للحج إلا إذا طاف حول البيت أي: طواف الإِفاضة. والحاصل: أنه كان يختار أن يقع سعي الحج بعد طواف الفرض، وإن جوز تقديم سعي الحج بعد طواف نفل نفل، ثم إنه لا يسعى بعد طواف الفرض، إذ السعي لا يكرر، واختلفوا في الأفضل؛ فقيل: الثاني وقيل: الأول، وقيل: تأخير السعي أفضل للمقيمين، وتقديمه للقادمين، وينبغي أن يكون هو المعول؛ لأن الشافعي لا يجوِّز التقديم للمكي فتأمل. قال محمد: إن فعل هذا أي: تأخير السعي أجزأ، وإن طاف أي: أيّ طواف كان وسعى ورَمَل وفي نسخة: لفظ رمل مقدم على سعى، فإن السعي والرمل مستحبان في

стр. 1013

كل طواف بعده سعي قبل أن يخرج إلى عرفات أجزأه ذلك، أما ما ذكر من التقديم أيضًا كل ذلك أي: ما ذكر حسن، أي: جائز مستحسن إلا أنَّا نُحبّ له أن لا يترك الرَّمل بالبيت في الأشواط الثلاثة الأوَل، أي: وإن وجد المزاحمة إن عجل أو أخَّر، أي: السعي والاضطباع تابع للرمل، إلا أنه في الأشواط السبعة وهو قولُ أبي حنيفة. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يحرم من مكة هل يطوف بالبيت، شرع في حكم حال المحرم يحتجم، فقال: هذا * * * باب المحرم يحتجم في بيان حكم حال المحرم يحتجم أي: للضرورة أو في محل لا شعر فيه يحلق. ٥٢١ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن رسول الله ﷺ احتجم فوق رأسه وهو يومئذٍ محرم، بمكان من طريق مكة، يقال له: لَحْيُ جَمَل. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يحتجم الرجل وهو محرم، اضطر إليه أو لم يُضطر إليه، إلا أنه لا يحلق شعرًا، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة تابعي ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة عن سليمان بن يسار، الهلالي المدني، مولى ميمونة وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقال بعض المؤرخين: مات قبل المائة، كما في (التقريب في أسماء الرجال) (١) لابن حجر قال السيوطي: هذا مرسل ولكن وصله البخاري ومسلم

стр. 1014

من طريق سليمان بن بلال عن علقمة عن الأعرج، عن عبد الله بن عتبة أن رسول الله ﷺ احتجم فوق رأسه أي: من قفاه وهو يومئذٍ محرم، أي: في حجة الوداع، كما جزم به الحازمي وغيره، والجملة حالية، وفي رواية الصحيحين وسط رأسه،، وقيد بالطرف؛ لأنها لا تختص بالرأس ولا بالقفا بل تكون في سائر البدن لغة سميت بذلك لما فيها من المصنف. قال في (المحكم): الحجم المص الحجام المصاص، زاد في رواية علقها البخاري: من شقيقة كانت به وهو نوع من الصداع يعرض من مقدم الرأس وإلى أحد جانبيه بمكان من طريق مكة، وهو إلى المدينة أقرب، وقيل: عقبة وقيل: ماء ولأبي داود (١) والنسائي (٢) والحاكم (٣) عن أنس أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به، ولفظ الحاكم: على ظهر القدمين، وقال: صحيح على شرطهما، وهذا يبين تعددهما منه في الإِحرام، ويحتمل أنهما في إحرام واحد، وأن الثاني في عمرة، والأول في حجة الوداع وفي الحجامة في الرأس وغيرِه للعذر، وهو إجماع ولو أدت إلى قلع الشعر لكن يفتدي إذا قلع لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (ق ٥٥٨) الآية [البقرة: ١٩٦]، وفيه مشروعية التداوي واستعمال الطيب في التداوي بالحجامة، وفي الحديث: "إن أنفع ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري" (٤)، وفيه أيضًا: "إن كان الشفاء في شيء ففي شرطه محجم، أو شربة عسل أو كي بنار، وأنهى أمتي عن الكي" (٥) كذا قاله الزرقاني يقال له أي: للمكان الذي احتجم فيه. ﷺ لحْيُ جَمَل بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وتحتيتين، لامها مفتوحة ومضاف إلى جمل بفتح الجيم والميم موضع بين مكة والمدينة. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سليمان بن يسار الهلالي عن رسول الله ﷺ لا بأس أي: لا كراهة بأن يحتجم الرجل وهو محرم، اضطر إليه أو لم

стр. 1015

يُضطر إليه، إلا أنه لا يحلق شعرًا، إلا إن اضطر إليه ويعطي كفارة وهو قولُ أبي حنيفة. * * * ٥٢٢ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: لا يحتجم المحرم إلا أن يُضطر إليه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: عن نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن ابن عمر، ﵄ أنه قال: لا يحتجم المحرم أي: في موضع له شعر يحتاج إلى قطعه إلا أن يُضطر إليه أي: إلى الاحتجام فيفتدي، كما علم من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا منافاة بين هذا الحديث وبين ما تقدم، فإن احتجم لغير ضرورة حرمت إن لزم منها قلع الشعر، فإن كان في موضع لا شعر فيه فأجازها الجمهور ولا فدية، وأوجبها الحسن البصري وكرهها [ابن عمر] (١) كما قاله علي القاري والزرقاني. لما فرغ من بيان حكم حال المحرم يحتجم، شرع في بيان حكم دخول مكة بسلاح، فقال: هذا * * * ٧٣ - باب دخول مكة بسلاح باب في بيان حكم دخول مكة بسلاح أي: من سيف أو مغفر أو غيرهما للضرورة. ٥٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول

стр. 1016

الله ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه جاءَه رجل فقال له: ابنُ خَطَل متعلِّق بأستارِ الكعبة، قال: "اقتلوه". قال محمد: إنَّ النبي ﷺ دخل مكة حين فتحها غيرَ مُحْرِم، ولذلك دخل وعلي رأسه الِمغْفَر، وقد بلَغَنَا أنَّه حين أَحْرَمَ من حُنَيْن، قال: "هذه العُمْرَة لدخولنا مكة بغير إحرام"، يعني: يوم الفَتْح. وكذلك الأمر عندنا: مَنْ دخل مكة بغير إحرام، فلا بدّ له من أن يخرج فَيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ أو حَجَّةٍ، لدخوله مكة بغير إحْرام، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة. قال الحافظ ابن حجر: بعد ما سرد طرقًا كثيرة لهذا الحديث غير طريق مسلم عن الزهري، كيف يحل لأحد أن يتهم إمامًا من أئمة المسلمين بغير علم ولا إطلاق (١)؟. قال السيوطي: يريد برد قول من قال الحديث تفرد به مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح، أي: فتحها وعلى رأسه المِغْفَر، وهو ما يغطي به الرأس من السلاح كالبيضة ونحوها فلما نزعه أي: قلعه عن رأسه جاءَه رجل أي: إلى النبي ﷺ فقال له: ابنُ خَطَل بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة، واسمه عبد الله، وقيل: عبد العزى وقيل: هلال وصححه الزبير بن بكار، وذكره السيوطي، وكان قد ارتد وقيل: مسلما وفي رواية: كان يهجو رسول الله ﷺ بالشعر، وفي نسخة: هذا ابن خطل متعلِّق بأستارِ الكعبة، قال: أي: ﷺ اقتلوه فقتلوه واختلف (ق ٥٥٩) في قاتله، كما بينه علي القاري في (شرح الشمائل) للترمذي. قال محمد: بغلنا أي: من غير هذا الطريق على ما في نسخة: إنَّ النبي ﷺ دخل مكة حين فتحها أي: أراد فتحها غيرَ مُحْرِم، أي: حال بحسب الظاهر من عدم التجرد، وإلا فالإِحرام حقيقة النية اتفاقًا، وزيادة التلبية ولذلك أي: ولدخوله ﷺ مكة حين أراد

стр. 1017

فتحها من غير إحرام دخل وعلى رأسه المغفر وهذا ليس صريحًا في عدم إحرامه لاحتمال أن يكون لبسه لضرورة الحرب المتوقع عملًا بقوله تعالى: ﴿خذُوا حِذْرَكمْ﴾ [النساء: ٧١] إلا أنه لم يحفظ عنه ﷺ ما يترتب على حقيقة الإِحرام من الطواف والسعي، فعلم أنه لم يكن محرمًا، وقد قيل في توجيهه: إنه مما أبيح له ولأصحابه في ذلك الوقت فيكون من الخصائص أو محمولًا على ما ذكره المصنف بقوله وقد بلَغَنَا أنَّه ﷺ بسند بعد المشايخ الكرام حين أَحْرَمَ من حُنَيْن، أي: حين رجوعه من حنين وتقسيم غنائمه بالجعرانة وإحرامه بالعمرة منها قال: هذه العُمْرَة أي: المحددة كفارة أو قضاء لدخولنا مكة بغير إحرام، يعني يوم الفَتْح. وكذلك الأمر أي: الحكم عندنا أي: في مذهبنا مَنْ دخل أي: من أهل الآفاق مكة أي: وسائر الحرم بغير إحرام، أي: بأحد النسكين فلا بدّ له من أن يخرج أي: إلى ميقات أي ميقات فَيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ أو حَجَّةٍ، لدخوله مكة أي: لدخولها سابقًا بغير إحْرام، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا أي: لأنه من جاوز الميقات بغير إحرام، يريد دخول مكة فعليه أحد النسكين عما لزمه بالدخول غير محرم ودم لترك الوقت من غير خلاف عندنا إن رجع إلى الميقات من عامه ذلك فأحرم بحجه عليه من حجة الإسلام أو حجة منذورة أو عمرة منذورة أجزأه عما لزمه دخول مكة بغير إحرام، وسقط عنه دم المجاوزة، ولو لم يعد إلى الميقات والمسألة بحالها فأحرم من مكة أو خارجها داخل المواقيت أجزأه عما لزمه لدخول مكة، ولكن يجب عليه الدم اتفافًا لترك التلبية من الميقات. كذا في (شرح المجمع)، فهو ﷺ ترك الميقات الآفاقي وأحرم من ميقات العمرة، فيلزمه دم على مقتضى القواعد الشرعية، ولا محذور فيه، كما تحقق في احتجامه ﷺ فوق رأسه، فإنه لم يتصور عدم وجود الشعر في ذلك المقام، ولا شك في دخوله ﷺ تحت عموم الأحكام، وكذا قاله علي القاري. لما فرغ عما يتعلق بالعبادات، شرع في بيان ما يتعلق بالمعاملات وابتدأ من بعضها بالنكاح؛ لأن فيه من المصالح الدنيوية والدينية من حفظ النفس عن الزنا وظهور الأسرار به، فقال: هذا * * *

стр. 1018

المهيأ في كشف أسرار الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة ١٨٩ هـ) تأليف عثمان بن سعيد الكماخي (المتوفى سنة ١١٧١ هـ) تحقيق وتخريج أحمد علي [الجزء الثالث]

стр. 1019

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1020

الْمُهَيَّأ في كَشفِ أسرَارِ الموَطّأِ [٣]
следующие страницы →