من النساء وهو أي: عدم الحل فوق أربع حرائر من النساء قولُ أبي حنيفة أي: وكافة الفقهاء من أهل السنة والجماعة، وإنما خص بذكر قول أبي حنيفة اعتناء بشأن أبي حنيفة، أو يقال: اكتفى المصنف عن الأدنى بذكر الأعلى عنده.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأختها في ملك النكاح، وفي ملك اليمين وطأ، شرع في بيان حكم حال الرجل ينكح ولا يطاءها لعلة.
* * *
باب الرجل ينكح المرأة ولا يصل إليها لعلة بالمرأة أو الرجل
في بيان حكم حال الرجل ينكح المرأة، أي: يتزوجها ولا يصل إليها أي: لا يقدر أن يطأها لعلة أي: وجدت بالمرأة كالرتق، أو العلة وجدت بالرجل وهي كالعنة والجباب أو لعلة وجدت فيهما كالجنون ونحوه.
٥٣٨ - أخبرنا مالك, أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: مَنْ تَزَوَّجَ امرأة فلم يستطع أن يمسها، فإنَّه يُضْرَبْ له أجَلُ سَنَةٍ، فإن مَسَّها، وإلا فُرِّقَ بينهما.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إن مضت سنة ولم يمسَّها، خُيِّرَت، فإن اختارته فهي زوجته، ولا خِيَارَ لها بعد ذلك أبدًا، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، وإن قال: إني قد مَسستُها في السَّنَة، إن كانت ثَيِّبًا فالقول قوله، مع يمينه، وإن كانت بِكْرًا نَظَرَ إليها النساء، فإن قالوا: هي بِكْرٌ، خُيِّرت، بعد ما تُحَلَّف بالله ما مَسَّها، وإن قالوا: هي ثَيِّبٌ، فالقول قوله مع يمينه، لقد مَسَّها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، صاحب المذهب يعني كان من بني ذي أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة
стр. 1052
من كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وله تسعون سنة أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سعيد بن المسيب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات من فقهاء المدينة، كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كما قاله ابن حجر (١) وابن الجوزي أنه كان يقول: مَنْ تَزَوَّجَ امرأة فلم يستطع أي: لم يقدر أن يمسها، أي: يجامعها لمانع به بأن يكون عنينًا أو خصيًا فإنَّه يُضْرَبْ أي: يقطع له أجَلُ سَنَةٍ، أي: قمرية على الأصح؛ لأن فيها أربعة فصول: فصل الربيع، وفصل الخريف، وفصل الصيف، وفصل الشتاء لعلة يقدر أن يجامعها في فصل منها، والسنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، وصححه في الواقعات والوالجية، وهو ظاهر الرواية كما في الهداية، وقيل: سنة شمسية، وهي تزيد عن القمرية بأحد عشر يومًا.
قال صاحب (الخلاصة): وعليه الفتوى، كما في (منح الغفار) فإن مَسَّها، أي: جامعها, ولو مرة قرت وإلا أي: وإن لم يمسها فُرِّقَ بينهما أي: فرق القاضي بينهما إن طلبته وتبين مطلقة.
وقال أحمد: يفسخ ثم لها كل المهر إن خلا بها ونصفه إن لم يخل بها.
وقال الشافعي: (ق ٥٧٦) لا يجب شيء من المهر ولا متعة؛ لأنه فسخ عنده، وتجب العدة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقد روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن هيثم عن محمد بن مسلم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى شريح أن يؤجل العنين سنة من يوم يرفع إليه، فإن استطاعها فبها، وإلا فخيرت المرأة، فإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقه، وروى أيضا عن علي ﵁ وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ﵃: أن العنين يؤجل سنة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، من سادات التابعين وهو قولُ أبي حنيفة، إن مضت سنة ولم يمسَّها، خُيِّرَت، أي: بين المقام عنده والمفارقة عنه فإن اختارته أي: بعد ظهور عيبه فهي زوجته، أي: بلا طلاق ولا فسخ ولا
стр. 1053
خِيَارَ لها بعد ذلك أبدًا، أي: الرجوع إلى المطالبة بخلاف ذلك في إسقاط حقها بالنفقة والحضانة، فإن لها الرجوع بعد ذلك، والفرق ظاهر لا يخفى، والمجرب لا يجرب وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، والمعنى فرق بينهما ويقع طلقة بائنة حتى لو تزوجها بعد تفريق القاضي، لم يكن لها خيار لرضاها بحاله، بل لو تزوج امرأة أخرى عالمة بحاله ففي الأصل: لا خيار لها، وعليه الفتوى لعلمها بعيبه، وبه قال أحمد والشافعي في القديم وإن قال: إني قد مَسستُها بكسر السين الأولى وتفتح أي: جامعتها في السَّنَة, أي: في أثنائها إن كانت أي: المرأة ثَيِّبًا فالقول قوله، مع يمينه، وإن كانت بِكْرًا نَظَرَ إليها النساء، أي: العارفات فإن قالوا: هي بِكْرٌ، خُيِّرت، بعد ما تُحَلَّف بالله ما مَسَّها، أي: لم يجامعها ولو بالإِنزال وبدونه مع قيام ذكره، ولعل هذا هو يمين استظهار وإن قالوا: هي ثَيِّبٌ، فالقول قوله مع يمينه، لقد مَسَّها، والحاصل فيه إذا كانت ثيبًا فالقول قوله ابتداء وانتهاء مع يمينه، فإن كل ابتداء يؤجل سنة، وإن كل في الانتهاء تخيرت المرأة، وإذا كانت بكرًا تقول النساء: يؤجل في الابتداء ويخير في الانتهاء وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
٥٣٩ - أخبرنا مالك، حدثنا مُجَبَّر، عن سعيد بن المسيَّب، أنَّه قال: أيُّمَا رجل تزوّج امرأة وبه جُنون أو ضُرّ، فإنها تُخَيَّر، إن شاءَت قَرَّت، وإن شاءَت فَارَقَتْ، ولا خِيَارَ لها إلا في العِنِّين والمَجْبُوب.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا مُجَبَّر، بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الموحدة المفتوحة والراء المهملة تابعي صرعه بعيره وكسر ساقه فشده بخشبات عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن مخزوم، القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسر ابن أربع وثمانين سنة، كما قال ابن الجوزي وابن حجر (١) أنَّه قال: أي: مرسلًا أيُّمَا رجل تزوّج امرأة وبه جُنون أي: مسلوب عقله أو ضُرّ، بضم الضاد
стр. 1054
المعجمة والراء المهملة المشددة، أي: ضرر آخر كالبرص والجزام فإنها تُخَيَّر، إن شاءَت قَرَّت، أي: أقامت معه وقامت وإن شاءَت فَارَقَتْ، أي: عنه بالمطالبة لما ينالها من الضرر وتخيرها نفسه.
قال الخطيب الدمشقي: في (تلخيص المفتاح) ويسأل بأيهما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، والمراد بالأمر مضمون ما أضيف إليه (ق ٥٧٧) كلمة أي: كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] أي: تخير أصحاب محمد، فالمؤمنون والكافرون قد اشتركا في الفريقين وسألوا عما يميز أحدهما عن الآخر، مثل الكون كافرين قائلين لهذا القول، ومثل الكون أصحاب محمد ﷺ كما قاله سعد الدين التفتازاني في شرحه فأي مرفوع مضاف إلى موصوف ورجل صفته، وتزوج رجل وبه جنون خبر مقدم ومبتدأ مؤخر مرفوع محله؛ لأنه خبر لأي فمحل كلمة "أي" منصوب على أنه مقول قال، ورجل جنس شامل إلى رجل واحد وأكثر منه، وهم مشاركون في الرجولية يميز بعضهم عن بعض بصفة الجنون وغيره من العقل والعلم.
قال محمد: إذا كان أي: عيبه أمرًا لا يحتمل بصيغة المجهول، أي: لا يمكنها المقام معه إلا بضربها خيرت، فإن شاءت أي: أقامت معه وإن شاءت قرت فارقت، وإلا أي: وإن كان عيبه أمر يحتمل، كما في نسخة فلا خِيَارَ لها وفي نسخة: ولا خيار بالواو إلا في العِنِّين وهي بكسر العين وكسر النون الأولى الممدودة المشددة على وزن دليل: من لا يريد النساء، والاسم منه العُنة بالضم، كما في اللغة، وفي الشرع عندنا: من لا يصل إلى النساء مع وجود الآلة أو من يصل إلى الثيب دون البكر، أو إلى بعض النساء دون بعضها وذلك لمرض به أو لضعف في خلقته أو لكبر في سنه، أو في غير ذلك، وعند مالك: العنين من لا يأتي بذكره الجماع لصغره والمَجْبُوب أي: الخصيِّ سواء كان مسلولًا وهو الذي سلت خصيتاه أو موجودًا وهو الذي قطعت خصيتاه، فهو كالعنين في التأجيل؛ لأن الوطء منه متوقع ففرق حالًا يطلبها، فيتعين أن يحمل المجبوب على الخصي بنوعيه، فإنه حقيقة أو حكمًا.
والحاصل أنه إذا كان بالزوج جنون أو برص أو جزام، فلا خيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: لها الخيار دفعًا للضرر عنها، كما في الجب والعنة بخلاف جانبه؛ لأنه يتمكن من دفع الضرر عنه بالطلاق، ولهما أن الأصل عدم الخيار لما فيه من إبطال حق
стр. 1055
الزوج وإنما ثبت في الجبة والعنة, لأنهما تخلان بالمقصود والمشروع له بالنكاح وهذه العيوب غير مخلة به فافترقا، كذا في (الهداية).
لما ذكر ما يتعلق بأحكام حال الرجل ينكح المرأة ولا يجامعها لعلة معه، شرع بذكر ما يتعلق بنكاح البكر البالغة، فقال: هذا
* * *
باب البكر تستأمر في نفسها
في بيان ما يتعلق بحكم نكاح البكر تستأمر بصيغة المجهول في نفسها أي: تستأذن وتطلب أمرها في حق نكاحها إذا كانت عاقلة بالغة.
٥٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن الفَضْل، عن نافع بن جُبَيْر، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحَقُّ بنفسها من وَلِيِّها، والبكْرُ تُسْتَأمر في نفسها، وإذنها صُماتُها".
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وذات الأب وغير ذات الأب في ذلك سواء.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن الفَضْل، بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ثقة من رجال الجميع، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن نافع بن جُبَيْر، بالتصغير ابن مطعم بن عدي القرشي النوفلي، يكنى أبا محمد وأبا عبد الله المدني، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات سنة تسع وتسعين ومائة كما في (تقريب التهذيب) (١) عن ابن
стр. 1056
عباس، أي: كما رواه (ق ٥٧٨) الجماعة إلا البخاري عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأيم بفتح الهمزة وكسر التحتية المشدودة والميم: امرأة لا زوج لها، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا كما قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري). لكن المراد به هنا الثيب وهي أحَقُّ بنفسها، أي: أولى بها من وَلِيِّها، أي: لا تحتاج إلى رضى وليها إذا تزوجت كقولها وهي عاقلة بالغة أحق بالمشاركة أي: أن لها في نفسها في النكاح حقًا ولوليتها حقًا آكد من حقه، كما قاله النووي، وقال عياض: يحتمل من حيث اللفظ أن المراد إنها أحق في كل شيء من عقد وغيره، ويحتمل أنها أحق بالرضى أن لا تزوج حتى تنطق بالإِذن بخلاف البكر، لكن لما صح قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (١) مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي تعين الاحتمال الثاني أن المراد أحق بالرضا دون العقد، وأن حق الولي في العقد، ودل أفعل التفضيل المقتضى المشاركة أن لوليها حقًا، لكن حقها آكد، وحقها أن لا يتم ذلك إلا برضاها، كذا قاله السيد الشريف محمد الزرقاني (٢).
والبكْرُ أي: البالغ، وفي رواية شعبة عن مالك واليتيمة مكان البكر تُسْتَأمر في نفسها، أي: يطلب وليها إذنها في حق نكاحها تطييبًا لنفسها، سواء كان وليها أباها أو غيرها وإذنها صماتها بضم الصاد المهملة أي سكوتها وفي (المصباح) أن وإذنها صُماتُها" مثل زكاة الجنين زكاة أمه، قوله: والبكر تستأمر في نفسها شاهد للترجمة، وفي هذا الحديث إشعار بأن الزيادة في نصاب الشهود لا تضر بحكم الشهادة، بل تؤكدها في الدعوة كأنها تزكية بالشهود.
قال ابن عبد البر (٣): هذا حديث رفيع المقام، وأصل من أصول الأحكام رواه عن مالك جماعة من الأجلة الفخام، منهم شعبة والسفيان ويحيى بن سعيد القطان وقيل: رواه عنه أبو حنيفة، ولا يصح كما نقله علي القاري عن السيوطي قال القرطبي: هذا منه ﷺ مراعاة لتمام صوتها وإبقاء لاستحيائها؛ لأنها لو تكلمت صريحًا لظن أنها راغبة في الرجال، وذلك لا يليق في البكر، واستحب العلماء أن تعلم أن صماتها إذن، واختلف
стр. 1057
قول مالك في حل البكر هنا على اليتيمة، كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى وحمله على ظاهره، ولو ذات أب لكن على الندب لا للوجوب كما قاله الشافعي وأحمد وغيرهما، وقال الكوفيون والأوزاعي: يلزم ذلك في كل بكر.
ومفهوم الحديث أن ولي البكر أحق بها من نفسها؛ لأن الشيء إذا قيد بالنص أوصافه دل على أن ما عداه بخلافه، فقوله: في الثيب أحق بنفسها جمع نصًا ودلالة، والعمل بالدلالة واجب كوجوبه بالنص وإنما شرع للولي استئذانها تطييبًا لها لا وجوبًا بدليل جعله صماتها إذنها، والصمات ليس بإذن حقيقة وإنما جعل بمنزلة الإذن؛ لأنها قد تستحي أن تفصح، ورواه مسلم عن سعيد بن منصور وقتيبة بن سعد ويحيى التيمي الثلاثة عن مالك به، وأخرجه أحمد والشافعي وأصحاب السنن كلهم من طريق مالك، وتابعه زياد بن سعد عن عبد الله بن الفضل بإسناده بلفظ: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها وإذنها (ق ٥٧٩) صماتها"، وربما قال: "وصماتها إقرارها" رواه مسلم، كما قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عباس ﵄ وهو قولُ أبي حنيفة, وذات الأب وغير ذات الأب في ذلك أي: في استئذان البكر البالغة بتزويجها سواء.
وحاصله: أن تزويج البكر البالغة العاقلة بغير رضاها لا يجوز لأحد بحال، وعند الشافعي يجوز للأب والجد تزويجها بغير رضاها صغيرة كانت أو كبيرة، وبه قال مالك في الأب، وهو أشهر الروايتين عند أحمد في الجد، وقال مالك وأحمد في رواية أخرى: لا يثبت ولاية الإِجبار، ولا يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة حتى تبلغ وتأذن.
وقال أبو حنيفة: يجوز لسائر العصبات تزويجها غير أنه لا يلزم العقد في حقها فيثبت لها الخيار. كذا قاله علي القاري.
* * *
٥٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا قَيْس بن الربيع الأسَدي، عن عبد الكريم
стр. 1058
الجَزرِي، عن سعيد بن المسيَّب، قال: قال رسول الله ﷺ : "تُسْتَأذَن الأبْكار في أنفسهنَّ ذَوَاتِ الأب، وغير الأب".
قال محمد: فبهذا نأخذ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا قَيْس بن الربيع الأسَدي، يكنى أبا محمد الكوفي، صدوق تغير للكبر، وأخذ عنه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة بضع وستين بعد المائة من الهجرة عن عبد الكريم بن مالك الجَزرِي، يكنى أبا سعيد مولى بني أمية، وهو الخضرمي بالخاء المعجمة والضاد المعجمة نسبة إلى قرية من اليمامة، كانت في الإِقليم الثالث، وهو ثقة متقن، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل اليمامة، كانت بلدة من بلاد اليمن والجزيرة وهي جزيرة ابن عمر، وهي بلدة فوق الموصل بينها ثلاثة أيام، وهي في الإقليم الثالث، كما قاله في (معجم البلدان) عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران ابن مخزوم القرشي المخرومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن حجر وابن الجوزي قال: أي: مرسلًا اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا من سعيد بن المسيب قال رسول الله ﷺ : "تُسْتَأذَن الأبْكار في أنفسهن أي: يطلب الإذن من الأبكار في أمر من حقهن من النكاح وغيره إذا كن عاقلات بالغات ذَوَاتِ الأب، وغير الأب أي: سواء فيهن، وهو يحتمل أن يكون مرفوعًا أو مدرجًا من كلام سعيد بن المسيب ولذا لم يقل به الشافعي، وإلا فمراسيل سعيد بن المسيب حجة بلا خلاف.
قال محمد: فبهذا نأخذ أي: لا نعمل إلا بما رواه سعيد بن المسيب.
لما ذكر ما يتعلق بنكاح البكر، شرع في بيان حكم النكاح بغير ولي، فقال: هذا
* * *
باب النكاح بغير ولي
في بيان حكم النكاح بغير ولي، وفي نسخة: إذن الولي، وهو عصبته على تربيتهم
стр. 1059
بشرط حرية وتكليف، ثم الأم ذو الرحم الأقرب فالأقرب، ثم مولى الموالات، ثم القاضي في منشورة تزويج الأيتام.
٥٤٢ - أخبرنا مالك, أخبرنا رجل، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر بن الخطاب: لا يصلح لامرأة أن تُنكح إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها والسلطان.
قال محمد: لا نكاح إلا بَوَليّ، فإن تَشاجَرَت هي والوَلِيّ، فالسُّلطان وَلِيّ مَنْ لا وَلِيّ له.
وأما أبو حنيفة فقال: إذا وضعت نفسها في كفاءة ولم تُقَصِّر في نفسها في صَدَاق، فالنكاح جائز، ومن حُجَّته قول عمر هذا الحديث: "أو ذي الرَّأي من أهلها"، أنه ليس بوَلِيّ، وقد جاز نكاحه؛ لأنَّه إنما أراد أن لا تُقَصِّر بنفسها، فإذا فعلت هي ذلك جاز.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرنا رجل، ولم يذكر اسمه عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁ لا يصلح أي: لا يصح لامرأة أن تُنكح بصيغة المجهول إلا بإذن وليها، أي: الأقرب أو ذي الرأي من أهلها أي: ولو كان بعيدًا.
قال مالك: في المدينة هو الرجل من العشيرة أو ابن العم أو المولى، وروى ابن نافع عنه أن الرجل من عصبتها، وقال ابن (ق ٥٨٠) الماجشون: العشيرة قد تعظم، إنما هو الرجل من البطن أو من بطن من أعتقها؛ لأن البطن ألصق من العشيرة أو السلطان لأنه ولي لمن لا ولي له، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يهديه من له حكم من إمام أو قاض فيزوجها مع عدم الولي إمامه فروى أصبغ عن ابن القاسم: ليس له أن يزوج حتى يسأله, وإن امتنع بغير عذر زوجها، فإن بدر السلطان أو ذي الرأي من أهلها فأنكحها في المؤونة يمضي ورأي [حث] (١) عمر على المساواة، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم ورده أنه لو كان ذلك لرد قول مالك بتقديم الأبعد، وإنما معناه: إذا لم يكن لها ولي من القرابة.
стр. 1060
وقال أبو عمر: اختلف أصحابنا في قول عمر هذا فقال بعضهم: كل واحد من هؤلاء يجوز نكاحه إذا أصاب وجه النكاح من الكفء والصلاح.
وقال آخرون: على الترتيب لا على التخيير، كما قاله الزرقاني (١).
قال محمد: لا نكاح أي: لا يصح النكاح إلا بوَليّ، فإن تَشاجَرَت أي: تنازعت هي والوَلِيّ أي: بأن رضيت هي دونه. فالسُّلطان وَلِيّ منْ لا وَلِيّ له أي: والولي المذكور عند مخالفته لها صار كالقدم.
وأما أبو حنيفة فقال: إذا وضعت نفسها في كفاءة ولم تُقَصِّر في نفسها أي: في حقها في صَدَاق، أي: مهر مثلها فالنكاح جائز، أي: منفذ من غير اعتراض ولي عليها ومن حُجَّته أي: بعض أدلة أبي حنيفة ﵀ قول عمر ﵁ هذا الحديث: "أو ذي الرَّأي من أهلها"، أنه ليس بَوَلِيّ، أي: أقرب وقد جاز أي: عمر ﵁ نكاحه؛ أي: تزويج ذي الرأي لأنَّه إنما أراد أن لا تُقَصِّر بنفسها، أي: من اعتبار كفاءة وتمام مهر المثل، وفي نسخة: نفسها فإذا فعلت هي أي: بنفسها ذلك أي: ما ذكر من أمر الكفاءة ومهر المثل جاز أي: النكاح؛ لأن المقصود من المولى ذلك فإن المرأة قد تقصر في حقها, لنقصان عقلها وميل بعلها أن لا تلتفت إلى كدها وتمام مهرها، فإذا قامت بهما بنفسها فلا اعتراض لأحد عليها.
والحاصل: أنه ينفذ نكاح امرأة مكلفة ثيبًا كانت أو بكرًا ولو من غير كفء بلا ولي، وله اعتراض فيما لو زوجت نفسها من غير الكفء بأن يطلب من الحاكم التفريق بينهما للحوق الباذلة بمظاهرة غير الكفء وهذا كله عند أبي حنيفة، وكان أبو يوسف أولًا يقول: إن النكاح لا ينعقد إذا كان لها ولي، ثم رجع وقال: إن كان الزوج كفءً انعقد النكاح وإلا لم ينعقد، ثم رجع وقال: ينعقد سواء كان الزوج كفء أو لم يكن، وقال مالك: ينعقد إذا كانت خسيسة، وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد بعبارة النساء، لما تقدم، كما قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم النكاح من غير وليها، شرع في بيان حكم النكاح بغير تقدير المهر، فقال: هذا
* * *
стр. 1061
باب الرجل يتزوج المرأة ولا يفرض لها صداقًا
في بيان حكم حال الرجل يتزوج المرأة ولا يفرض من الإِفراض، أي: لا يقدر لها صداق بفتح الصاد المهملة أي: مهرًا ومات زوجها عنها ولم يدخل بها.
٥٤٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن بنتًا لِعُبَيْد الله بن عمر، وأمها ابنة زيد بن الخطاب، كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات ولم يُسَمِّ لها صَدَاقًا فقامت أمها تطلب صَدَاقها، فقال ابن عمر: ليس لها صَدَاق، ولو كان لها صَدَاق لم نمسكه، ولم نَظلمها، فأبَت أن تقبل ذلك، وجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فَقَضَى ألَّا صداق لها, ولها الميراث.
قال محمدٌ: ولسنا نأخذ بهذا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا،، في نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن بنتًا لِعُبَيْد الله بالتصغير ابن عمر، وأمها بالرفع ابنة زيد بن الخطاب، وهو أخو عمر، والجملة معترضة، أسلم قبله، واستشهد (ق ٥٨١) قبله كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات أي: ابن عبد الله، وهو زوجها ولم يُسَمِّ لها صَدَاقًا أي: مهرًا عند عقدها فقامت أمها تطلب صَدَاقها، أي: وكالة عنها فقال ابن عمر: ليس لها صَدَاق، أي: مهرًا مسمي من أصله ولو كان لها صَدَاق أي: تستحقها لم نمسكه، أي: لم نمنعه منها ولم نَظلمها، أي: لم ننقصها فأبَت أي: أمها تبعًا لها أن تقبل ذلك، أي: ترضى ما قاله ابن عمر من ليس لها صداق وجعلوا أي: قوم الزوج والزوجة حكمًا، وفي نسخة بالواو وبينهم زيد بن ثابت، أي: قاضيًا أو مفتيًا فقضى أي: حكم ألَّا صداق لها، أي: لبقاء بضعها ولها الميراث أي: بالموت، وهو الثمن إن ترك ولدًا وإلا فلها الربع مما ترك وبهذا قال علي وجمهور الصحابة.
وقال جماعة منهم: يجب الصداق بالموت، وقاله الشافعي، وهو قول شاذ عندنا، ورجحه ابن العربي وغيره، لما في السنن لأبي داود والترمذي وقال: حسن صحيح عن
стр. 1062
معقل بن يسار ﵁: أن بروع بنت واشق نكحت بلا مهر فمات زوجها قبل أن يفرض لها صداقا، فقضى لها ﷺ بمهر نساءها وبالميراث لكن قال مالك: ليس عليه العمل كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمدٌ: ولسنا نأخذ بهذا أي: بحكم زيد بن ثابت، وفي نسخة الشارح: بها أي: بحكومة زيد بن ثابت أو لا لمعارض له أقوى.
* * *
٥٤٤ - أخبرنا أبو حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيّ، أن رجلًا تزوج امرأة ولم يَفْرِض لها صَدَاقًا، فمات قبل أن يدخل بها، فقال عبد الله بن مسعود: لها صداق مثلها من نسائها, لا وَكْسَ ولا شَطَط، فلما قضى قال: فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، فقال رجل من جلسائه: بَلَغَنَا أنَّهُ مَعْقِل بن يَسَار الأشجعي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ : قَضَيْتَ والذي يُحْلَفُ به بِقَضَاءِ رسول الله ﷺ في بِرَوْعَ ابنة وَاشِق الأشْجَعِيّة.
قال: ففرح عبد الله فَرْحَة ما فرح قبلها مثلها, لموافقة قوله قولَ رسول الله ﷺ .
وقال مسروق بن الأجْدع: لا يكون ميراثٌ حتى يكون قبله صَدَاق.
قال محمد: فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا أبو حنيفة، أي: سلطان المجتهدين في المذاهب، وبرهان الأئمة في المشارق والمغارب الإِمام الأعظم، نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين من الهجرة، ولقي جماعة منهم كأنس بن مالك وعاص بن الطفيل وعبد الله بن الزهري وسهل بن سعد
стр. 1063
الساعدي، ونشأ في زمن التابعين، مات سنة خمس ومائة ببغداد، هي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو ابن سبعين سنة عن حَمَّاد، بن أبي سليمان مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري الكوفي فقيه صدوق، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة مات سنة عشرين ومائة، عن إبراهيم بن زيد النَّخَعِيّ، بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن مالك، كان في الطبقة الرابعة، من كبار التابعين، من أهل الكوفة، مات سنة ست وتسعين من الهجرة، وهو ابن ست وأربعين سنة، كما قاله الاقتصاري في (طبقات الحنفية) أن رجلًا تزوج امرأة ولم يَفْرِض بكسر الراء أي: لم يقدر ولم يعين لها صَدَاقًا، فمات قبل أن يدخل بها، فقال عبد الله بن مسعود: أي: بعد اجتهاده شهرًا لها صداق مثلها من نسائها, أي: من نساء قومها في موافقة وصفها لا وَكْسَ ولا شَطَط، أي: لا نقصان ولا زيادة، فلما قضى أي: بما سبق قال: فإن يكن صوابًا فمن الله، أي: فهو بعض إلهاماته تعالى إلى وإن يكن خطأ فمني أي: من تحدث نفسي ومن الشيطان، أي: من وسوسته وهي الدعوة خفيفة لا تسمع والله ورسوله بريئان، أي: منزهان عن الخطأ، ولعله قال ذلك لئلا يتوهم أن حديثه هذا في حكم المرفوع، وذكر الله لتزين الكلام وذكر رسوله للتلذذ، والحال يجوز صدور الخط والنسيان عنه ﷺ وإلا لما دعا عند العرش في ليلة (ت ٥٨٢) المعراج بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقل رجل من جلسائه: أي: من رفقاء ابن مسعود لما كان بينهما بَلَغَنَا أنَّهُ أي: الرجل هو مَعْقِل بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف ابن سنان بكسر أوله ابن مطهر الأشجعي، وكان أي: معقل من أصحاب رسول الله ﷺ نزل المدينة ثم الكوفة واستشهد بالحرة سنة ثلاث وستين، كذا في (تقريب التهذيب)، والجملة معترضة بين القول ومقوله وهو قَضَيْتَ أي: حكمت بابن مسعود والذي يُحْلَفُ به بصيغة المجهول قسيمت اعتراضية بِقَضَاء رسول الله ﷺ والمعنى قضيت بعين قضائه ﷺ ومثله في بِرَوْعَ ابنة بكسر الموحدة في المشهور على ما ذكره ابن الهمام، ويروي بفتحها وسكون الراء المهملة وفتح الواو والعين المهملة بنت وَاشِق الأشْجَعِيّة أي: الصحابية، قال بعض أهل اللغة: كسر الباء خطأ لأنه لا يؤخذ فعول بالكسر [الآخر دع بفتح معروف] (١) وعتود اسم واد عتود وزرود.
стр. 1064
وقال بعضهم: رواه المحدثون بالكسر ولا سبيل إلى دفع الرواية, وأسماء الأعلام لا مجال للقياس فيها، فالصواب جواز الفتح والكسر كما في (المصباح) بل الكسر أولى؛ لأن رواية المحدثين أقوى من رواية اللغويين لقوة سند الأولين، وضعف معتمد الآخرين، وبهذا بطل قول صاحب (القاموس): لا يكسر.
قال: أي: النخعي ففرح عبد الله أي: ابن مسعود ﵁ فَرْحَة أي: عظيمة ما فرح قبلها مثلها، أي: أبدًا وإنما فرح هذا الفرح لموافقة قوله قولَ رسول الله ﷺ .
وقال مسروق بن الأجْدع: وهو أحد أكابر التابعين لا يكون ميراثٌ حتى يكون قبله صَدَاق يعني الميراث يتفرع على الصداق المتفرع على النكاح بمهر حقيقة أو حكمًا والميراث متفق عليه، فينبغي أن يكون الصداق كذلك.
قال محمد: فبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود ﵁ وهو أي: ما قاله النخعي قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا فإن قيل: ما الحكمة في وضع المهر للمرأة في النكاح، ولا مهر في ملك اليمين إذا وهبت أو سبيت، الجواب: أنه تعالى لما أدخل آدم الجنة أباح له الحوراء وجميع النعم إلا تلك الشجرة فلما خلق حواء أراد آدم صلوات الله على نبينا وعليه أن يمسها، فأوحى الله إليه أن لا يجوز ذلك إلا بيدك فقال آدم: وما بدلها وليس لي ملك فإن الجنة وما فيها ملك لك، فأوحى الله تعالى إليه أن صل على نبيي محمد ﷺ عشر مرات حتى تكون بدلًا لها، فصلى آدم صلوات الله على نبينا وعليه، على نبينا ﷺ عشر مرات؛ ولهذا قال مشايخنا: إن المهر لا يكون أقل من عشرة دراهم، كذا في (خواتم الحكم).
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يتزوج امرأة ولا يقدر لها مهرًا، شرع في بيان حكم حال المرأة تتزوج في عدتها، فقال: هذا
* * *
باب المرأة تتزوج في عدتها
في بيان حكم حال المرأة تتزوج في عدتها أي: بزوج آخر استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢] نزلت في
стр. 1065
معقل بن يسار حين طلق أبو الدحداح أخته ثم ندم فخطبها بعد عدتها فرضيت ومنعها أخوها أن تتزوج قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لتحبسوهن ولا تمنعوهن قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أي: الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن قوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ أي: النساء والمريدون نكاحهن قوله: ﴿بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يحسن في الدين من نكاح جديد ومهر (ق ٥٨٣) صالح وقيل: بمهر المثل كما فسرها شهاب الدين أحمد بن محمود السيواسي في (عيون التفاسير).
٥٤٥ - أخبرنا مالك، أخرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يَسَارٍ أنهما حَدَّثا: أن ابنة طَلْحَة بن عُبَيْد الله، كانت تحت رُشَيْد الثَّقَفِيّ، فطلَّقها، فنكحت في عِدَّتها أبا سعيد بن مُنَبِّهٍ أو أبا الجُلاس بن مُنَيَّة فضربها عمر، وضرب زوجها بالمِخْفَقَة ضَرَبَاتٍ، وفرَّقَ بينهما، وقال عمر: أيّما امرأة نكحت في عِدَّتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرّق بينهما، واعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان خاطبًا من الخُطاب، وإن كان قد دخل بها، فرَّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت عِدَّتها من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا، قال سعيد بن المسيب: ولها مهرها، بما استحل من فرجها.
قال محمد: بلغنا أن عمر بن الخطاب رجع عن هذا القول إلى قول علي بن أبي طالب.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري التابعي المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى، من كبار طبقات التابعين، من أهل المدينة اتفقوا
стр. 1066
على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله ابن الجوزي وسليمان بن يَسَارٍ الهلالي المدني مولى ميمونة وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كما في (تقريب التهذيب) عطفه على سعيد بن المسيب، وهو تحويل من المصنف ومن مالك لتقوية الحكم، حيث قال أي: سعيد بن المسيب وسلمان بن يسار: حَدَّثا أي: ابن شهاب وغيره أن ابنة طَلْحَة بن عُبَيْد الله، هو أحد العشرة المبشرة كانت تحت رُشَيْد وفي نسخة: بفتح وكسر الثَّقَفِيّ، أي: نسبة إلى ثقيف قبيلة من الطائف ثم المدني الخضرمي فطلَّقها، فنكحت في عِدَّتها أي: قبل انقضائها رجل غيره فطلقها يعني به أبا سعيد وفي نسخة بغير ياء ابن مُنَبِّهٍ بضم الميم وفتح النون وتشديد الموحدة المكسورة فهاء أو أبا الجُلاس كغراب بن عمرو بن سويد صحابيان على ما في (القاموس) ابن مُنَيَّة بضم الميم وفتح النون وتحتية مشددة مفتوحة فتاء تأنيث، والشك من أحد الرواة فضربها عمر بن الخطاب ﵁ تعزيرًا، وقد ضربها لتحقق ذنبها وتقدم رضاها، وربما إنها غرت خطيبها بفراغها وضرب زوجها أي: لتقصيره فيها وعدم محصنه عنها بالمِخْفَقَة ضَرَبَاتٍ وهي بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الفاء والقاف شيء يضرب به، على ما في (القاموس) ويقال: خفقه إذا ضربه بشيء عريض كالدرة، كذا في (المصباح) ويقال لها باللسان التركي: توره وفرَّقَ بينهما، بتشديد الراء أي: حكم بالفراق بينهما وقال عمر أيضًا أي: كما ضربها وزوجها على ما في نسخة: أيّما امرأة وفي نسخة: "أيتما" بفتح الهمزة وتشديد التحتية المفتوحة والتاء الفوقية مضمومة فميم وألف، وكلمة "أي" مرفوعة على أنها مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة تأكيدة لإِبهام "أي" وامرأة مجرورة لإِضافة "أي" إليها فخبرها، وجوابها جملة، فإن كان زوجها نكحت على بناء المجهول وفي نسخة: أنكحت من باب الأفعال في عِدَّتها، متعلق بنكحت فإن كان زوجها الذي تزوجها أي: عقدها في عدتها لم يدخل بها أي: لم يجامعها بعد عقدها فرّق بينهما، أي: حكم بينهما القاضي بالتفريق واعتدت بقية عدتها من الأول، أي: من زوجها الأول، وأما الزوج الثاني فلا عدة له لعدم الدخول بها لقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية
стр. 1067
[الأحزاب: ٤٩] ثم أي: بعد عدتها من زوجها الأول كان أي: الزوج الآخر بعد تمام العدة خاطبًا من الخُطاب، أي: طالبًا عقدها من الأجانب فتنكح من شاءت، ولا يكون الآخر أحق بها وإن كان أي: زوجها الآخر قد دخل بها، أي: جامعها فرَّق بينهما، ثم اعتدت أي: توقفت إلى أن تمت بقية عدتها من الأول، ثم (ق ٥٨٤) أي: بعد إتمام بقية عدتها من زوجها الأول اعتدت إلى أن تتم عِدَّتها من الآخر، بكسر الخاء المعجمة أي: لتقدر أن تزوج بزوج آخر ثم أي: بعد إتمامها عدة الزوج الثاني لم ينكحها أي: لا ينكحها الزوج الثاني أبدًا، أي: زجرًا له وسياسة في حقها جزاء لسرعته ومبادرتها إليه قبل انقضاء عدتها قال سعيد بن المسيب: ولها مهرها، أي: الأقل من المهر المسمى لها أو من مهر مثل بما استحل من فرجها أي: الزوج حيث دخلها، وأما إذا لم يدخل بها فلا مهر لها إذ نكاحها فاسد من أصله.
قال محمد: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ رجح عن هذا القول إلى قول علي بن أبي طالب ﵁ أي: الذي يأتي بيانه.
* * *
٥٤٦ - أخبرنا الحسن بن عُمَارَة, عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، قال: رجع عمر بن الخطاب في التي تُزَوَّج في عِدَّتها إلى قول عليّ، وذلك: أن عمر قال: إذا دخل بها فرّق بينهما, ولم يجتمعا أبدًا، وأخذ صَدَاقها فجُعل في بيت المال، فقال عليّ: لها صداقها بما استحل من فرجها، وإذا انقضت عِدَّتها من الأوَّل تزوجها الآخر إن شاء، فرجع عمر إلى قول عليّ.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• قال محمد: أخبرنا الحسن بن عُمَارَة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم المفتوحة فألف وراء وتاء البجلي مولاهم، يكنى أبا محمد الكوفي قاضي بغداد متروك، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل بغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض مات سنة ثلاث وخمسين ومائة عن الحكم بن عتيبة، بضم العين المهملة وفتح
стр. 1068
التاء وسكون التحتية وفتح الموحدة والهاء، يكنى أبا محمد الكندي الكوفي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة مات سنة ثلاث عشرة ومائة وله نيِّف وستون عن مجاهد، بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، يكنى أبا الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو أربع بعد المائة وله ثلاث وثمانون، كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) قال: رجع عمر بن الخطاب ﵁ عن حكمه السابق في التي أي: في حق امرأة تُزَوَّج في عِدَّتها أي: ودخل بها إلى قول عليّ بن أبي طالب ﵁ وذلك: أي: تفصيله وتوضيحه أن عمر قال: إذا دخل بها أي: الزوج الثاني فرّق بينهما، أي: بين المرأة وبين الزوج الثاني ولم يجتمعا أبدًا، أي: توبيخًا لهما وتأديبًا لهما وأخذ صَدَاقها أي: مهرها فجُعل في بيت المال، أي: لزيادة زجرها بحرمان أجرها فقال عليّ: كرم الله وجهه أي: زاد الله نور وجهه، قيل: وإنما دعي له بكرم الله وجهه؛ لأنه لم ينظر إلى عورته الغليظة أبدًا بغير ضرورة، وفي نسخة: ﵁ لها صداقها بما استحل أي: استمتع من فرجها، أي: ببعضها بنكاح فاسد وإذا انقضت عدَّتها من الأوَّل أي: من الزوج الأول تزوجها الآخر بكسر الخاء المعجمة أي: ينكحها الزوج بنكاح جديد إن شاء، أي: إذ لا عدة ثانية، وأما إذا زاد ثالث أن يتزوجها، فلا يجوز حتى تخرج من عدة الثاني فرجع عمر ﵁ إلى قول عليّ بن أبي طالب ﵁ فإن الحق أحق أن يتبع إذا ظهر، والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب فيؤجر في كل منهما إذا كان خطؤه في العمليات، وإذا كان في الاعتقاديات فلا يؤجر ولا يعذر.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله على ﵁ وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى.
* * *
٥٤٧ - أخبرنا يزيد بن عبد الله بن الهَادِ، عن محمد بن إبراهيم، عن
стр. 1069
سليمان بن يَسَار، عن عبد الله بن أبي أُمَيَّة: أن امرأة هَلَك عنها زوجها، فاعتدت أربعة أشهر وعشرًا، ثم تزوّجت حين حَلَّت، فمكثت عند زوجها أربعة أشهر ونصفًا، ثم وَلَدَت ولدًا تامّا، فجاء زوجها إلى عمر بن الخطاب، فدعا عمر نساء من نساءِ أهل الجاهلية قدماء، فسألهن عن ذلك، فقالت امرأة منهنّ: أنا أُخْبرك: أما هذه المرأة فهلك زوجها حين حملت، فَأُهْريقت الدماء، فَحَشَفَ وَلَدُها في بطنها، فلما أصابها زوجها الذي نكحته وأصاب الولدَ الماء، تحرّك الولد في بطنها، وكبر، فَصَدَّقها عمر بذلك، وفرَّق بينهما، وقال عمر: أما إنه لم يبلغني عنكما إلا خير، وأَلْحَقَ الولد بالأوّل.
قال محمد: وبهذا نأخذ، الولد ولد الأوّل, لأنها جاءت به عند الآخر لأقل من ستة أشهر، ولا تلد المرأة ولدًا تامّا لأقل من ستة أشهر؛ فهو ابنٌ للأوَّل، ويفرق بينها وبين الآخر، ولها المهر، بما استحلّ من فرجها: الأقَلُّ مما سمى لها ومن مهر مثلها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا يزيد بن عبد الله بن (ق ٥٨٥) الهَادِ، بحذف الياء ويجوز إثباتها أو ابن أسامة الليثي يكني أبا عبد الله المدني ثقة مكثر، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة تسع وثلاثين بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن محمد بن إبراهيم، بن الحارث بن خالد التيمي، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين بعد المائة من الهجرة عن سليمان بن يَسَار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل قبلها عن عبد الله بن أبي أُمَيَّة: أسند الخطيب البغدادي من طريق البغدادي قال محمد بن عمر: مات النبي ﷺ ولعبد الله بن أبي أمية ثمان سنين، كما قاله ابن حجر في (الإِصابة): أن امرأة هَلَك أي: مات عنها زوجها، فاعتدت أي: توقفت أربعة أشهر وعشرًا، أي: ليال ثم
стр. 1070
تزوّجت حين حَلَّت، أي: خرجت من عدتها فمكثت عند زوجها أي: لبثت وقعدت عند زوجها الثاني أربعة أشهر ونصفًا، أي: نصف شهر ثم وَلَدَت ولدًا تامَّا، أي: كاملًا غير سقط ناقص الخلقة فجاء زوجها إلى عمر بن الخطاب، ﵁ أي: فأخبره بما جرى له في هذا الباب فدعا عمر نساء أي: جماعة من نساءِ أهل الجاهلية قدماء، فسألهن عن ذلك، أي: مما جرى هنالك فقالت امرأة منهنّ: أنا أُخْبرك: أي: بحقيقة الأمر أما هذه المرأة فهلك وفي نسخة الشارح: فإنما زوجها حين حملت، أي: حبلت فَأُهْريقت بضم الهمزة وسكون وفتحها، أي: صببت الدماء، فَحَشَّ بفتح الحاء المهملة وبفتح السين المعجمة المشددة، بمعنى يبس وَلَدُها في بطنها، كما يقال: أحشيت السيد إذا يبست وثلث، كما قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري) فلما أصابها أي: وطئها زوجها الذي نكحته على بناء الماضي للمجهول وأصاب أي: وصل الولدَ بالنصب على أنه مفعول مقدم على الفاعل اهتمامًا لشأنه: وهو الماء أي: مني زوجها، تحرّك الولد في بطنها، وكبر، بفتح الكاف وضم الموحدة، أي: جشم وظهر كبره وثقله، فإذا قرئ بكسر الموحدة يكون بمعنى أسن أي: طال عمره لكن المراد هو الأول هنا فَصَدَّقها عمر بذلك، أي: الخبر وفرَّق بينهما، أي: حكم أو أمر بالتفريق بينهما وقال عمر: أما بالتحقيق للتنبيه إنه أي: الشأن لم يبلغني عنكما إلا خير، أي: صلاح وديانة وإنما قال عمر هذا القول تطييبًا بقلبي الزوج والزوجة وترغيبًا بهما لإِطاعة الشرع وأَلْحَقَ الولد بالأوّل أي: سلمه بأقارب زوجها الأول توفر عنها، فإن قيل: كيف يصل ماء الزوج الثاني إلى الولد في بطن أمه وقد طبع الله فم الرحم، أجيب عنه بأن مائه يصل إليه فيه بالترشح، كما يجتمع البول في المثاني بالترشح كذا نقله الزيلعي عن الأطباء.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁ الولد ولد الأوّل, لأنها جاءت به أي: ولدته عند الآخر بفتح الخاء المعجمة وكسرها والأول أظهر فتدبر لأقل من ستة أشهر، اللام للتوقيت أي: زمان أقل من أقل مدة الحمل ولا تلد المرأة ولدًا تاما لأقل من ستة أشهر؛ لقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فأكثر الرضاع حولان، وأقل الحمل ستة أشهر فهو ابنٌ للأوَّل، (ق ٥٨٦) ويفرق أي: يحكم القاضي بالتفريق بينها وبين الآخر، أي: سواء
стр. 1071
دخل بها الزوج الثاني أو لم يدخل، ولا تتزوج حتى تلد الولد ولها المهر، بما استحلّ من فرجها: أي: وإن دخل بها كما هو الظاهر من بيان القضية الأقَلُّ مما سمى لها ومن مهر مثلها، أي: إن لم يسم لها وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم حال المرأة تتزوج في عدتها بزوج آخر، شرع في بيان حكم حال الرجل يعزل عند الجماع، فقال: هذا
* * *
باب العزل
في بيان حكم حال الرجل يقصد العزل، هو أن يجامع الرجل امرأته فإذا قرب الإِنزال نزع الذكر وأنزل خارج الفرج.
٥٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا سالم أبو النَّضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه، أنه كان يَعْزِل.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا سالم بن أبي أمية أبو النَّضر، مولى عمر بن عبيد بن معمر القرشي التيمي المدني، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وعشرين بعد المائة من الهجرة عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، الزهري المدني، ثقة كان في في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، ابن الصحابي، مات سنة أربع ومائة عن أبيه، أي: عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة أنه كان يَعْزِل أي: عن نسائه أو إمائه، والثاني هو الظاهر وهو شاهد للترجمة.
* * *
٥٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا سالم أبو النضر، عن عبد الرحمن بن أفْلَح مولى أبي أيُّوب الأنصاري، عن أم ولد أبي أيوب، أن أبا أيوب كان يَعْزِل.
стр. 1072
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا سالم أبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) والطيبي في (شرح مشكاة المصابيح) عن عبد الرحمن بن أفْلَح هو عمر بضم العين ابن كثير المدني، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مولى أبي أيُّوب اسمه خالد بن زيد، والمراد بالمولى ولاء الحليف يعني: عبد الرحمن بن أفلح حليف الأنصاري، كالإِمام مالك بن أنس، هو أصبحي صلبية وقيل له: التيمي لكون نفره أصبح مولى لتيم قريش بالحلف، وقيل: لأن جد مالك عمير بن أبي عامر، كان أجيرًا لطلحة بن عبد الله التيمي وطلحة محتلف بالتجارة كذا قاله عبد الرحيم بن الحسين العراقي في (شرح الألفية من الأصول) الأنصاري الصحابي شهد بدرًا، ونزل المدينة حين قدم النبي ﷺ فيها، مات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل بعدها كذا في (تقريب التهذيب) وقبره الشريف خارج عن صور القسطنطينية نحو الميلين يزال الآن عن أم ولد أبي أيوب، أن أبا أيوب خالد بن زيد ﵁ كان يَعْزِل أي: ينزل المني خارج الفرج إذا وطئ؛ لأنه كان يرى الترخيص فيه كزيد وجابر وابن عباس وسعد قال ابن عبد البر: هو قول جمهور الفقهاء يعني أن العزل بغير إذنها.
* * *
٥٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ضَمْرَة بن سعيد المازني، عن الحجَّاج بن عمرو بن غَزِيَّة: أنه كان جالسًا عند زيد بن ثابت، فجاءَه ابن قَهْد: رجل من أهل اليمن، فقال: يا أبا سعيد، إن عندي جَوَاريَ، ليس نسائي اللاتي أُكِنُّ بِأعْجَبَ إليَّ منهنّ، وليس كلهن يعجبني أن تحمل مني، أفأعزل؟ قال: أفْتِه يا حجّاج، قال: قلتُ: غفر الله لك، إنما نجلس إليك لنتعلم منك، قال: أفْتِه، قال: قلتُ: هو حَدَّثَك، إن شئتَ أعطشته وإن شئتَ سقيته، قال: وقد كنتُ أسمع ذلك من زيد، فقال زيد: صَدَقَ.
стр. 1073
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى بالعزل بأسًا عن الأَمَة، فأما الحُرَّة فلا ينبغي أن يُعْزَل عنها إلا بإذنها، وإذا كانت الأمة زوجة الرجل فلا ينبغي أن يَعْزِل عنها إلا بإذن مولاها، وهو قولُ أبي حنيفة.
أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ضَمْرَة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم ابن سعيد بكسر العين المازني، الأنصاري المدني، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن الحجَّاج بن عمرو بفتح العين وسكون الميم ابن غَزِيَّة: بفتح العين المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتية المفتوحة الأنصاري المازني المدني صاحبي شهد صفين مع علي، صفين بكسر الصاد (ق ٥٨٧) المهملة وتشديد الفاء المكسورة وسكون التحتية فنون موضع قرب الرقة بشاطئ الفرات، كانت فيه الوقعة العظمى بين علي ومعاوية غرة صفر سنة سبع وثلاثين، فمن ثمة احترز الناس عن السفر في صفر وذلك أن عليًا ﵁ بايعة أهل الحل والعقد بعد قتل عثمان ﵁، وامتنع معاوية في أهل الشام إليه مع جرين البجلي بالدخول في الطاعة، فأبى فخرج إليه علي في أهل العراق في سبعين ألفًا فيهم تسعون بدريًا وسبعمائة من أهل بيعة الرضوان وأربعمائة في سائر المهاجرين والأنصار، وخرج معاوية في أهل الشام في خمسة وثمانين ألفًا من أهل العراق عشرون ألفًا وقيل: خمسة وأربعون ألفًا من أهل الشام وخمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق، وآل الآمر في معاوية ومن معه إلى طلب التحكيم. ثم رجع علي إلى العراق فخرجت عليه الحرورية فقتلهم بالنهروان، ومات بعد ذلك فبايع ابنه الحسن ﵁ أربعون ألفًا على الموت، وخرج بالعساكر لقتال أهل الشام، وخرج إليه معاوية فوقع بينهم الصلح، كما قال ﷺ : "إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح بين الفئتين من المسلمين". كذا قاله الزرقاني.
أنه أي: الحجاج بن عمرو كان جالسًا عند زيد بن ثابت، أي: الأنصاري فجاءَه ابن قَهْد: بفتح القاف وسكون الهاء فدال مهملة على في المعنى، وقيل: بالفاء إذا لم يعرف بقاف إلا قيس بن قحد رجل من أهل اليمن، بدل من ابن قهد فقال: أي: ابن قهد لزيد يا أبا سعيد، إن عندي جَوَاريَ، بفتح الجيم جمع جارية أي: إماء ليس نسائي اللاتي أُكِنُّ بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون صلة الموصول والعائد إليه محذوف، أي: ليس
стр. 1074
لي نساء أسترها وأضمها إليَّ بِأعْجَبَ أي: أحسن وأرغب إليَّ منهنّ، أي: إمائي وليس كلهن أي: والحال لم يكن جميع إمائي يعجبني على صيغة الجمع المؤنث الغائبة من باب الأفعال أي: يرضيني أي تحمل أي أن تحمل كل واحدة منهن مني, لأني أحتاج إلى بيعهن ونحو ذلك أفأعزل؟ أي: عن كلهن أو بعضهن قال أي: زيد أمر إلى حجاج بن عمر أفْتِه أي: أجب إلى رجل من أهل اليمن يا حجّاج، ولعله كان معروفًا بالفقه من التابعين قال: أي: الحجاج قلتُ: أي: لزيد بن ثابت غفر الله لك، هذا على منوال عفى الله عنك وحفظك وأمثال ذلك إنما نجلس إليك أي: عندك كما في (الموطأ) لمالك لنتعلم منك، وفي نسخة: لنعلم من باب علم لكن الأولى أحسن، والمعنى أنك أعلم مني، فكيف أفتي بمحضرتك ومع وجود الماء لا يجوز التيمم قال: أفْتِه، أي: أجبه امتحانًا لعلمه، أو لعدم استحضاره في حكمه قال: أي: حجاج قلتُ: أي: للسائل هو أن يضع أمامك حَرثَك، أي: موضع زرعك وفيه قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] إن شئتَ أعطشته أي: منعت الماء عنه وإن شئتَ سقيته أي: رويته، وفيه إشارة إلى أن ترك منزل أفضل فإن الحرث بالماء أكمل قال: أي: الحجاج وقد كنتُ أسمع ذلك أي: الجواب من زيد، أي: فجوابي كان مثبتًا على جوابه فقال زيد: أي: للسائل صَدَقَ أي: المجيب؛ (ق ٥٨٨) لأنه حله.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله حجاج بن عمرو لا نرى بالعزل بأسًا أي: كراهة عن الأَمَة، أي: فإنها مملوكة وليس لها رضاء معتبر في الحجاج وغيره، وأيضًا قد يكره الرجل ولادة الأمة ونسلها من حيث جناية أصلها، أو من جهة فوق ما له في فصلها فأما الحُرَّة فلا ينبغي أي: لا يجوز أن يُعْزَل عنها إلا بإذنها، وإذا كانت الأمة أي: أمة أحد زوجة الرجل أي: تزوجها بشرائطه فلا ينبغي أن يَعْزِل عنها إلا بإذن مولاها، أي: مالكها من سيدتها وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وبه قال مالك وأحمد المسألتين خلافًا للشافعي فيهما على الراجح مذهبها.
* * *
٥٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن
стр. 1075
عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: ما بالُ رجالٍ يَعْزِلون عن ولائِدهم، لا تأتيني وليدة فيعترف سيدها أنه قد ألَمَّ بها، إلا ألحقتُ به ولدها، فاعزلوا بعدُ أو اتركوا.
قال محمد: إنما صنع هذا عمر على التهديد للناس، أن يُضَيِّعوا ولائِدهم وهم يطئونهن.
قد بلغنا أن زيد بن ثابت وطئ جارية له، فجاءت بولد، فنفاه.
وأن عمر بن الخطاب وطئ جارية له فحملت، فقال: اللهم لا تُلحق بآل عمر من ليس منهم، فجاءَت بغلام أسود، وأَقَرَّت أنه من الراعي، فانتفى منه عمر.
وكان أبو حنيفة يقول: إذا حصّنها ولم يدعها تخرج فجاءَت بولد لم يسعه فيما بينه وبين ربه أن ينتفي منه، فبهذا نأخذ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من كبار التابعين، مات في آخر سنة ست ومائة بعد الهجرة عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما بالُ أي: أي شيء يخطر بقلوب رجالٍ يَعزِلون عن ولائِدهم، بفتح الواو واللام فألف وكسر الهمزة والدال المهملة على وزن قلائد جمع الوليدة، أي: عن إمائهم لا تأتيني وليدة أي: أمة فيعترف سيدها أي: يقر مولاها أنه قد ألَمَّ بها، بفتح الهمزة واللام وتشديد الميم المفتوحة، أي: جامعها إلا ألحقتُ به أي: أضم سيدها ولدها، وحكمت بأنه ولده، ولو لم تعترف أنه منه فاعزلوا بعدُ بضم الدال مبنيًا أي: بعده، كما في نسخة، والمعنى بعد هذا الحكم إن شئتم فاعزلوا أو اتركوا أي: العزل.
стр. 1076
قال محمد: إنما صنع عمر هذا أي: حكم عمر ﵁ على التهديد للناس، أن يُضَيِّعوا أي: لئلا يضيعوا أو كراهة أن يضيعوا ولائِدهم أي: إمائهم وهم أي: الناس يطئونهن جملة حالية احترازية.
قد بلغنا أن زيد بن ثابت وطئ جارية له، فجاءت بولد، فنفاه أي: زيد فدل على جواز نفي ولدها بعد وطئها, ولعل ذلك بسبب خروجها ودخولها واحتمال غيره بوصلها.
وأن عمر بن الخطاب ﵁ وطئ جارية له فحملت، بفتح الميم فحبلت فقال: أي: عمر بن الخطاب اللهم لا تُلحق من الإِلحاق بآل عمر بمد الهمزة بأتباع عمر وأولاده وأقربائه من ليس منهم، أي: ليس من آل عمر أو من كان من أولاد الزنا فجاءَت أي: فولدت جارية له بغلام أسود، فأقرت أي: فاعترفت أنه أي: الغلام من الراعي، فانتفى منه عمر أي: تبرء من أن يكون ولده، وهل هنا معارض بما سبق عن الظاهر، لا لأن انتفائه بعد إقرارها، بل ويدل على وفاق ما تقدم وعاؤه.
وكان أبو حنيفة يقول: إذا حصّنها أي: الجارية الموطؤة بأن حفظها من وصولها إلى غيره ولم يدعها أي: لم يتركها تخرج أي: من محلها إلى موضع يوجب الريبة والشبهة فجاءَت بولد لم يسعه بفتح السين المهملة أي: لم يجز له فيما بينه وبين ربه أي: ديانة لا قضاء (ق ٥٨٩) وحكومة الفرق بين الديانة والقضاء صورتهما لو استفتى أحد عن فقيه أن لفلان علي درهم وقد قضيته برئت ذمتي منه فإنه يقضيه بالبراءة عن دينه، وإذا سمع القاضي ذلك منه يقضي عليه بالدين إلا أن يقيم بينه على الإِبقاء، كذا قال عزمي زادة في (حاشية المنار) أن ينتفي منه، أي: من ذلك الولد، مفهومه أنه إذا لم يحصنها فجاءت بولد جاز له أن لا يقربها فبهذا نأخذ أي: بقول أبي حنيفة نعمل ونفتي.
* * *
٥٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع عن صفية بنت أبي عُبَيْد قالت: قال عمر بن الخطاب: ما بالُ رجالٍ يطئون ولائِدهم، ثم يدَعُونهن فيخرجن، والله لا
стр. 1077
تأتيني وَلِيدَة فيعترف سيدها أن قد وطِئَها إلا ألحقتُ به ولدها، فأرسلوهن بعدُ أو أمسكوهن.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن صفية بنت أبي عُبَيْد بالتصغير أي: ابن مسعود الثقفية، زوج ابن عمر قيل: لها إدراك، وأنكره الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، كانت في الطبقة الثانية من طبقات التابعيات، من أهل المدينة قالت: قال عمر بن الخطاب: ﵁ ما بالُ أي: أي شيء خطر إلى قلوب رجالٍ يطئون ولائِدهم، أي: إمائهم ثم يدَعُونهن بفتح الدال المخففة أي: يتركونهن فيخرجن، أي: من بيوتهن من غير أن يكون أحد معهن والله لا تأتيني وَلِيدَة أي: أمة فيعترف سيدها أن قد وطِئَها إلا ألحقتُ من الإِلحاق أي: حكمت وضممت به أي: بالسيد ولدها، فأرسلوهن بعدُ مبني على الضم أو أمسكوهن أي: أسكنوهن، كما في نسخة: واحفظوهن.
لما فرغ من بيان أحكام النكاح، شرع في بيان أحاكم الطلاق، فقال: هذا
* * *
стр. 1078
كتاب الطلاق
في بيان أحكام الطلاق، وهو في اللغة: إزالة القيد وتحليله، وفي الشرع: إزالة ملك النكاح، والمناسبة بين هذا الكتاب وبين الكتاب السابق التضاد من التعقيد والتحليل، وإنما قدم كتاب النكاح على كتاب الطلاق؛ لأن مفهوم النكاح وجودي، ومفهوم الطلاق عدمي، وفي الوجود شرف والشريف مقدم على غيره عقلًا وشرعًا.
باب طلاق السنة
في بيان أحكام طلاق السنة هو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا في ثلاثة أطهار، وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، كذا قاله السيد محمد الجرجاني، فإضافة الطلاق إلى السنة من قبيل إضافة الموصوف إلى صفاته.
قال ابن الهمام: المراد بالطلاق السني: هو المباح؛ لأن الطلاق ليس عبادة في نفسه يثبت له ثواب، فمعنى المسنون ما ثبت على وجه لا يوجب عقابًا إذا ترك نعم يثاب إذا وقعت له داعية إلى أن يطلقها عقب الجماع أو حائضًا أو ثلاثًا فمنع نفسه إلى الطهر الآخر.
٥٥٣ - أخبرنا مالك، قال: حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سمعتُ ابن عمر يقرأ: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقُبُل عدتهن".
قال محمد: طلاق السنَّة: أن يُطَلقها لقُبُل عدّتها طاهرًا في غير جماع، حين تطهرُ من حيضها قبل أن يجامعها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة قال: سمعتُ
стр. 1079
ابن عمر يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفي نسخة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فيفيد أن المراد به هو أمته ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي: إذا أردتم طلاقهن ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ لقُبُل بضم القاف الموحدة، كما روى يحيى في (الموطأ لمالك) في جامع الطلاق ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: في استقبال عدتهن، قال مالك: يعني بذلك: أن يطلق في كل طهر مرة لا أكثر، وكأنه أتى بكل ليشتمل ما إذا كان الطهر عقب حيض طلقت فيه وراجعها؛ لأنه يصدق عليه إنه طلق لاستقبال العدة، وإن الأمر في هذا الحديث بأن يمسكها حتى تحيض ثم تطهر للندب لا للوجوب.
قال القشيري وغيره: هذه القراءة على التفسير لا التلاوة، وهي تصحح أن المراد بالأقراء الأطهار إذ لا يستقبل (ق ٥٩٠) في الحيض عند الجميع ولا يفتي عند أحد من الطائفتين قاله عياض، وفي مسلم في بعض طرق حديث ابن عمر وقراء النبي ﷺ : "فطلقوهن في قبل عدتهن"، فتأويل القراءة المشهورة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أن اللام متعلق بمحذوف مثل مستقبلات جمعًا بين القراءة والروايات، لحديث: "طلاق الأمة تطليقة وعدتها حيضتان" وهو قول الخلفاء الأربعة وغيرهم من أكابر الصحابة وأجلاء التابعين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم على القراءة الأولى من أقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها، وقد ورد: "دعي الصلاة أيام أقرائك"، ومذهب الشافعي أن القرء: هو الطهر، فعلى التقدير الأول عدتهم أو وقتها على أن اللام للتوقيت.
قال محمد: طلاق السنَّة: أن يُطَلقها لقُبُل عدتها طاهرًا أي: طاهرة غير حائض في غير جماع، أي: كان حين تطهرُ من حيضها قبل أن يجامعها، أي: في ذلك الطهر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
٥٥٤ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، في عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﷺ
стр. 1080
فقال: "مُره فليراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، إن شاء أمسكها بعدُ، وإن شاءَ طلَّقها قبل أن يمَسَّها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلَّق لها النساء".
قال محمد: وبهذا نأخذ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله بن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن عبد الله بن عمر: أنه طلَّق امرأته قال السيوطي: اسمها آمنة بمد الهمزة وكسر الميم بنت غفار، بكسر المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء كما ضبط أبي نقطة، وعزاه لابن سعد، ذكر أنه وجده كذلك بخط الحافظ أبي الفضل ابن ناصر، أو بنت عمار بفتح العين المهملة والميم المشددة.
قال الحافظ: والأول أولى في مسند أحمد اسمها النوار، فيمكن أن يكون اسمها آمنة ولقبها النوار صحابية، وظاهر هذه الرواية في هذا الحديث مرسل؛ لأن نافعًا لم يدرك ذلك، وليس بمراد فقد رواه غيره في (الموطأ)، كيحيى والنيسابوري وإسماعيل وغيرهما وهي حائض، جملة حالية، زاد الليث عن نافع عن ابن عمر: تطليقة واحدة، أخرجه مسلم وقال جود الليث في قوله: تطليقة واحدة قال عياض: يعني: أنه حفظ وأتقن ما لم يتقنه غيره، ممن لم يُفسِّر كم الطلاق وممن غلط ووهم، وقال: طلقها ثلاثًا في عهد رسول الله ﷺ أي: في زمان حياته فسأل عمر أي: ابن الخطاب عن ذلك أي: عن حكم طلاق ابنه على هذه الصفة رسول الله ﷺ قال ابن العربي: يحتمل أن سؤال عمر بن الخطاب؛ لأن النازلة لمن تكن وقعت فسأل ليعلم الحكم، ويحتمل أنه علمه من قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والحيض ليس بقرء إلى بيان الحكم فيه، ويحتمل أن يكون سمع النهي والأوسط فقال: رسول الله ﷺ أي: لعمر: "مُره أي: عبد الله أمر استحباب أو أمر إيجاب، أصله اأمر بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا للعين مثل انصر، والثانية فاء الكلمة ساكنة تبدل تخفيفًا من جنس حركة سابقتها فيقال: أومر، فإذا أوصل الفعل بما قبله زاله همزة الوصل
стр. 1081
وسكنت الهمزة الأصلية، كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] لكن استعملتها العرب بلا همزة فقالوا: مره لكثرة الدور؛ ولأنهم حذفوا أولًا الهمزة الثانية تخفيفًا ثم (ق ٥٩١) حذفوا همزة الوصل استغناء عنها لتحرك ما بعدها أي: مر ابنك عبد الله فليراجعها، أي: بالقول، أو الفعل حال عدتها الرجعية، والأمر للوجوب عند مالك وجماعة، وصححه صاحب (الهداية) من الحنفية، وللندب عند الأئمة الثلاثة، ولا حجة لهم في أنه إنما أمره بالرجعة أبوه، وليس له أن يضع الشرع؛ لأنه أمره بأمر النبي ﷺ وهو مبلغ، وأما استدلالهم بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وغيرها من الآيات المقتضية للتخيير بين الإِمساك للرجعة أو الفراق بتركها، فيجمع بينهما وبين الحديث بحمل الأمر فيه على الندب جمعًا بينهما، فليس بنا إذ الأصل في الأمر الوجوب فيحمل عليه، ويخص عموم الآيات بمن لم يطلق في الحيض ثم يُمسكها أي: يديم إمساكها وإلا فالرجعة إمساك وفي رواية يحيى التيمي: ثم ليتركها ولإِسماعيل: ثم ليمسكها بإعادة اللام مكسورة، ويجوز تسكينها كقراءة ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فالكسر على الأصل في لام الآخر فرق بينهما وبين لام التأكيد والسكون للتخفيف إجراء للمنفصل مجرى المتصل، وفي رواية: ثم ليدعها حتى تطهير، ثم تحيض أي: حيضة أخرى ثم تطهر، إن شاء أمسكها بعدُ، أي: بعد الطهر من الحيض الثاني وإن شاءَ طلَّقها قبل أن يمَس، ولإِسماعيل: يمسها أي: يجامعها في طهر مس فيه للتلبيس أن لا يدري أحملت فتعتد بالوضع أو لا فبالإِقرار وقد يظهر الحمل فيندم على الفراق، وقد ذهب بعض الناس إلى جبره على الرجعة كالمطلق في الحيض فإن قيل: لم أمره أن يؤخر الطلاق إلى الطهر الثاني؟ أجيب بأن حيض الطلاق والطهر الثاني له بمنزلة قرء واحد، فلو طلق فيه، لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وليس ذلك بطلاق السنة، وبأنه عاقبه بتأخير الطلاق تغليظًا عليه جزاء بما فعله من الحرام من الطلاق في الحيض، وإن شاء طلقها قبل أن يمسها، أي: يجامعها، وفي نسخة: يمس بغير إضافة إلى ضمير المؤنث فتلك العدة التي أمر الله أي: بقوله في سورة الطلاق: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أن تطلَّق لها النساء" مرفوع على أنه نائب الفاعل لقوله أن تطلق فمحله منصوب؛ لأنه مفعول لقوله: أمر الله ولها ظرف لغو متعلق لتطلق، والظرف اللغو ما يكون الكلام تامًا بدونه، والأصل في كلام الفصيح أن يؤخر الظرف اللغو عن فاعل الفعل ومفعوله، لكن قدم هنا على الفاعل
стр. 1082
لاهتمام، كما فصلنا في (نور الأفئدة) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
وحاصله أن اللام في لها بمعنى في عند الشافعي، ولام العلة عندنا وسماها ابن الملك في (شرح المشارق) لام العاقبة وفي صحة كونه لها مطابقة، كذا قاله علي القاري.
قال محمد: وبهذا نأخذ أي: لا نعمل إلا بما رواه عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ ذكر الطحاوي: إنه يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها، وفي التحفة أنه القياس، وهو المختار في المتون، وذكر محمد في الأصل أنها إذا طهرت من الحيضة الأخرى يطلقها، قبل الجماع إن شاء.
قال الكرخي: ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة ﵀، وما في الأصل قولهما انتهى.
قال أبو عمر: جمهور العلماء أن الطلاق في الحيض واقع وإن كرهه جميعهم، ولا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والجهل الذين يرون الطلاق لغير السنة لا يقع، وروى ذلك عن بعض التابعين، وهو شذوذ (ق ٥٩٢) لم يرجع أحد من العلماء، وقد سئل ابن عمر أتعتد بتلك الطلقة قال: نعم، روى ذلك عنه من طرق، وفي بعضها قال: أفرأيت إن عجز واستحمق، أو عجز من فرض آخر فلم يأت به، أكان يعذر، وكان إذا سئل يقول: إن طلقت امرأتك وهي حائض مرة أو مرتين، فإن أمر أن تراجعها وإن طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، فلو كان غير لازم لم يلزمه ثلاثًا كان أو واحدة، ومن جهة النظر أن الطلاق ليس من القرب كالصلاة، فلا تقع الأعلى سببها، وإنما زوال عصمة فإن أوقعه على غير سببه أثم ولزمه، ومحال أن يلزم المطيع المتبع للسنة طلاقه، ولا يلزم العاصي فيكون أحسن حالًا من المطيع وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] أي: عصى ربه وفارق امرأته، وكذلك المطلق في الحيض.
وقال النووي: أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها، فإن طلقها، أثم ووقع، وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يقع لأنه لا يؤذن فيه ما شبه طلاق الأجنبية، والصواب الأول، وبه قال العلماء كافة، لأمره ﷺ بالمراجعة، فلو لم يقع لم تكن رجعة كما قاله الزرقاني.
لما فرغ من بيان طلاق السنة، شرع في بيان حكم طلاق الحرة تحت العبد، فقال: هذا
* * *
стр. 1083
باب طلاق الحرة تحت العبد
في بيان حكم طلاق الحرة تحت العبد، وكذا طلاق الأمة تحت الحر فعندنا يعتبر عدد الطلاق بالنساء، وهو قول لسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وعند مالك والشافعي بالرجال.
٥٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيَّب: أن نُفَيعا مكاتَب أم سلمة كانت تحته امرأة حرة فطلَّقها اثنتين، فاستفتى عثمان بن عفّان، فقال: حرُمت عليك.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، حدثنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة عن سعيد بن المسيَّب: بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير من الهجرة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله ابن الجوزي أن نُفَيعا تصغير نفع أو نافع مكاتَب أم سلمة وهو ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين. كذا في (تقريب التهذيب) (١) كانت تحته امرأة حرة فطلَّقها اثنتين، فاستفتى عثمان بن عفّان، فقال: حرُمت عليك أي: بالبينونة الكبرى, ولنا ما روى أبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "طلاق الأمة يطلب تطليقتان وعدتها حيضتان" ورواه ابن ماجه (٥) أيضًا في حديث ابن عمر، والحاكم (٦) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ ، وكذا الدارقطني (٧).
стр. 1084
وقال الترمذي: حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم.
وفي سنن الدارقطني: قال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: عمل به المسلمون، وهذا إجماع.
وقال مالك: شهرة الحديث تغني عن صحة سنده، كما ذكره الزيلعي في (شرح الكنز).
* * *
٥٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، عن سليمان بن يسار: أن نُفَيْعًا كان عبدًا لأم سلمة - أو مُكاتبًا - وكانت تحته امرأة حرّة، فطلقها تطليقتين، فأمره أزواج النبي ﷺ أن يأتي عثمان فيسأله عن ذلك، فلقيه عند الدَّرَجِ، وهو آخذ بيد زيد بن ثابت، فسأله, فابتدراه جميعًا فقالا: حَرُمَتْ عليك حَرُمَتْ عليك.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا أبو الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة (ق ٥٩٣) الخامسة من طبقات التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة وقيل: بعدها عن سليمان بن يسار: الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل: قبلها أن نُفَيْعًا بالتصغير كان عبدًا أي: رقًا لأم سلمة - أو مُكاتبًا - لها كما جزم المصنف به فيما تقدم، وكان اسمها هند بنت أبي أمية وكانت تحته امرأة حرّة، فطلقها تطليقتين، وفي نسخة: اثنتين، ثم أراد أن يراجعها أي: ظنًا منه أنه كالحر فأمره أزواج النبي ﷺ أن يأتي عثمان أي: ابن عفان كما في نسخة: فيسأله عن ذلك، أي: عن حكمه فلقيه أي: عثمان عند الدَّرَج، بفتحتين جمع درجة يريد به درج المسجد وهو أي: والحال أن عثمان آخذ بيد زيد بن ثابت، أي: ابن الضحاك بن لوزان الأنصاري البخاري يكنى أبا سعيد وأبا خارجة، صحابي مشهور كاتب الوحي.
стр. 1085
قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين وقيل: بعد الخمسين كذا في (تقريب التهذيب) فسأله, فابتدراه جميعًا أي: تسارعا في جوابه كلاهما معًا فقالا: أي: كلاهما معًا أو قالا على المناوبة على أن الفاء بمعنى ثم مجازًا، كما كانت بمعنى ثم في قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] حَرُمَتْ عليك حَرُمَتْ عليك التكرير للتأكيد في المبالغة في كل منهما أو كل جملة معتدلة لأحدهما، والحديث رواه مالك في (موطئه) عن أبي الزناد والشافعي في مسنده عن مالك إلى آخره، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃ أجمعين أنهم قالوا: الطلاق للرجال والعدة للنساء.
* * *
٥٥٧ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع عن ابن عمر، قال: إذا طلَّق العبد امرأته اثنتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، حرةً كانت أو أمة، وعدة الحرة ثلاثة قروء، وعدة الأمة حيضتان.
قال محمد: قد اختلف الناس في هذا، فأما ما عليه فقهاؤنا: فإنهم يقولون: الطلاق بالنساء والعدة بهن؛ لأن الله قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فإنما الطلاق للعدة، فإذا كانت الحرة وزوجها عبدٌ فعدتها ثلاثة قروء، وطلاقها ثلاث تطليقات للعدّة، كما قال الله ﵎، وإذا كان الحر تحته الأمة فعدتها حيضتان وطلاقها للعدة تطليقتان، كما قال الله .
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن ابن عمر، ﵁ قال: إذا طلَّق العبد امرأته اثنتين أي: تطليقتين بمرة أو مرتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، أي: ثم يطلقها زوج آخر وتعتد حرةً كانت أي: سواء كانت تلك المرأة حرة أو أمة، أي: لأن المنظور إليه في الطلاق
стр. 1086
الزوج وعدة الحرة ثلاثة قروء، بضم القاف والراء وسكون الواو فهمزة جمع قرء وهو الحيض عند أبي حنيفة والطهر عند الشافعي وعدة الأمة حيضتان أي: وإن كان زوجها حرًا لأن العبرة في عدة المرأة.
قال محمد: محمد بن الحسن الشيباني قد اختلف الناس في هذا، أي: الحكم المذكور فأما ما أي: حكم عليه فقهاؤنا: فإنهم يقولون: الطلاق بالنساء أي: حرة أو أمة والعدة بهن؛ أي: كذلك لأن الله قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فإنما الطلاق للعدة، أي: يتبعها في العدة فإذا كانت المرأة الحرة وزوجها عبدٌ فعدتها ثلاثة قروء، أي: حيض عند أبي حنيفة أو أطهارًا عند الشافعي وطلاقها ثلاث تطليقات للعدّة، كما قال الله ﵎، أي: وفقًا لحكمه وإذا كان الحر تحته الأمة فعدتها حيضتان وطلاقها للعدة تطليقتان، كما قال الله ويؤيده ما سبق من حديث "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" (١)، فإن قيل: المراد بالحديث الأمة التي تحت العبد أجيب (ق ٥٩٤) بأن عدة الأمة لا تختلف بالحر والعبد، والتقييد في حق الطلاق يوجب التقييد في حق العدة ولم يقل به أحد فكان باطلًا.
* * *
٥٥٨ - قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي، قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح يقول: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: الطلاق بالنساء والعدة بهن، وهو قول عبد الله بن مسعود، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• قال محمد: أي: بسند آخر أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي، الخوزي بضم الخاء المعجمة والواو الساكنة والزاي، يكني أبا سهيل مولى بني أمية متروك الحديث، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة مائة وإحدى وخمسين كما في (تقريب التهذيب) (٢) قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح بفتح الراء والموحدة واسم أبي رباح
стр. 1087
أسلم القرشي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإِرسال، كان في الطبقة الثالثة من طبقات أجلاء التابعين من أهل مكة، مات سنة أربع عشرة بعد المائة من الهجرة يقول: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: الطلاق بالنساء أي: عدده معتبر بالزوجات حرائر أو إماء والعدة بهن، أي: وفق طلاقهن وهو قول عبد الله بن مسعود، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان طلاق الحرة تحت العبد، شرع في بيان حكم حال المرأة التي طلقت طلاقًا بائنًا أو مات عنها زوجها، فقال: هذا
* * *
باب ما يُكره للمطلقة المبتوتة والمتوفى عنها من المبيت في غير بيتها
في بيان حكم ما أي خروج يكره للمطلقة المبتوتة، أي: يكره الخروج للمرأة المطلقة البائة والمتوفى عنها، أي: يكره خروج المرأة التي مات زوجها عن بيتها حتى ينقضي عدتها، من البيت بيان بما أي: من أن تسكن ليلًا في غير بيتها، استنبط المصنف ﵀ من قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١].
٥٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: لا تَبِتْ المبتوتة ولا المتوفي عنها إلا في بيت زوجها.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أما المُتوفَى عنها فإنها تخرج بالنهار في حوائجها ولا تبيت إلا في بيتها، وأما المطلقة مبتوتة كانت أو غير مبتوتة فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا ما دامت في عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1088
• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام صاحب المذهب الأصبحي، يعني من بني ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن المدني، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة مات في المدينة وله تسعون سنة حدثنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر ﵄ كان يقول: لا تَبِتْ أي: لا تسكن ليلًا المبتوتة أي: المطلقة البائنة ولا المتوفي عنها أي: ولا تسكن ليلًا المرأة التي مات عنها زوجها إلا في بيت زوجها وإذا كان الأمر هكذا في الطلقة الصغرى والكبرى, وفي المتوفى عنها ففي الطلقة الرجعية بالأولى، وبه أخذ أبو يوسف وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر أما المُتوفَى عنها فإنها تخرج بالنهار في حوائجها أي: في تحصيل ما لزمت لها حيث لا نفقة لها ولا تبيت أي: لا تسكن ليلًا إلا في بيتها، أي: حقًا لله وأما المطلقة مبتوتة أي: بائنة صغرى أو كبرى كانت أو غير مبتوتة أي: بأن تكون مطلقة رجعية فهى الأولى فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا ما دامت في عدتها، أي: لاستحقاق نفقتها فلا يجوز لها الخروج من بيتها وهو أي: عدم خروج المرأة المطلقة بائنة من بيتها قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا (ق ٥٩٥) عن علي وابن عباس وجابر وعائشة ﵃ تعد المتوفي عنها زوجها حيث شاءت، وهو قول الحسن وعطاء.
أقول: ولعل دليل عدم خروج المتوفى عنها زوجها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠]، فلما نسخ مدة الحول بأربعة أشهر وعشرًا بقي عدم الخروج على أصله كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم حال المرأة المطلقة بائنة والمرأة التي مات زوجها شرع في بيان حكم حال الرجل يأذن لعبده في التزويج، فقال: هذا
* * *
стр. 1089
باب الرجل يأذن لعبده في التزويج هل يجوز طلاق المولى عليه ؟
في بيان حكم حال الرجل يأذن لعبده بالتزويج على وزن التكريم، أو هي لا تنبغي في المقام لأن التزويج بمعنى الإنكاح، كما قاله محمد الواني من أهل اللغة هل يجوز طلاق المولى عليه؟ المراد بالرجل الشخص وبالمولى أعم من المالك والمالكة.
٥٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: من أذن لعبده في أن ينكح، فإنه لا يجوز لامرأته طلاقٌ إلا أن يطلقها العبدُ، فأمّا أن يأخذ الرجل أمةَ غلامه أو أمَة وليدته فلا جُناح عليه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: من أذن لعبده في أن ينكح بفتح التحتية وكسر الكاف أي: أن يتزوج فإنه لا يجوز لامرأته أي: لا مرأة العبد طلاقٌ أي: من سيدها وغيره إلا أن يطلقها العبدُ، أي: حقيقة أو حكمًا بالتعليق أو التوكيل فقد ورد الطلاق بيد من أخذ الساق.
قال محمد بن عبد الله التمرتاشي في (تنوير الأبصار): لا يقع طلاق المولى على امرأة عبده انتهى؛ لأنه ليس بزوجها, ولقول ابن عباس ﵁ جاء إلى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها فصعد النبي ﷺ : فقال: "يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده من أمته ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"، رواه ابن ماجه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواه الدارقطني عن غيره في (المناوي) قال رسول الله ﷺ : "لا يملك العبد ولا الأمة شيئًا إلا الطلاق" كما نقله في (منح الغفار) عن تبيين الكنز فأمّا أن يأخذ الرجل أي: المتصرف المالك بالخدمة أو الوطء وغيرهما أمةَ غلامه أي: جارية عبده حصلها عنده أو أمَة وليدته
стр. 1090
أي: جارية جاريته كسبتها فلا جُناح أي: لا إثم عليه فإن العبد، وما في يده كان لمولاه أن لا يملك شيئًا ولو ملكه مولاه خلافًا لمالك.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما ذكر من الحكمين السابقين وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
٥٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أن عبدًا لبعض ثقيف جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إن سيدي أنكحني جاريته فلانة؛ وكان عمر يعرف الجارية - ثم هو يطؤها. فأرسل عمر إلى الرجل فقال: ما فَعَلَتْ جاريتك فلانة؟ قال: هي عندي، قال: هل تطؤها؟ فأشار إليه بعضُ من كان عند عمر، فقال: لا، فقال عمر: أما والله لو اعترفتَ لجعلتك نكالًا.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي إذا زوّج الرجل جاريته عبدَهُ أن يطأها, لأن الطلاق والفرقة بيد العبد إذا زوجه مولاه، وليس لمولاه أن يفرِّق بينهما بعد أن زوجها؛ فإن وطئها يُنَدِّم إليه في ذلك، فإن عاد أدّبه الإِمام على قدر ما يرى من الحبس أو الضرب، ولا يبلغ بذلك أربعين سوطًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر أن عبدًا لبعض ثقيف أي: لواحد من قبيلة بني ثقيف، وهم من أهل الحجاز جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن سيدي أنكحني أي: زوجني جاريته فلانة؛ إنما ذكر العبد اسم الجارية لأنها معروفة عند عمر حيث قال ابن عمر وكان (ق ٥٩٦) عمر يعرف الجارية أي: بوصفها أو الجملة معترضة وهو أي: والحال أن سيدي هو يطؤها. فأرسل عمر إلى الرجل أي: إلى سيدها فقال: أي: عمر ﵁ ما فَعَلَتْ جاريتك بصيغة الفاعل أو المفعول والمعنى: ما صنعت بها وما جرى لها قال: هي عندي، أي: في