← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الزوج وعدة الحرة ثلاثة قروء، بضم القاف والراء وسكون الواو فهمزة جمع قرء وهو الحيض عند أبي حنيفة والطهر عند الشافعي وعدة الأمة حيضتان أي: وإن كان زوجها حرًا لأن العبرة في عدة المرأة. قال محمد: محمد بن الحسن الشيباني قد اختلف الناس في هذا، أي: الحكم المذكور فأما ما أي: حكم عليه فقهاؤنا: فإنهم يقولون: الطلاق بالنساء أي: حرة أو أمة والعدة بهن؛ أي: كذلك لأن الله قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فإنما الطلاق للعدة، أي: يتبعها في العدة فإذا كانت المرأة الحرة وزوجها عبدٌ فعدتها ثلاثة قروء، أي: حيض عند أبي حنيفة أو أطهارًا عند الشافعي وطلاقها ثلاث تطليقات للعدّة، كما قال الله ﵎، أي: وفقًا لحكمه وإذا كان الحر تحته الأمة فعدتها حيضتان وطلاقها للعدة تطليقتان، كما قال الله ويؤيده ما سبق من حديث "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" (١)، فإن قيل: المراد بالحديث الأمة التي تحت العبد أجيب (ق ٥٩٤) بأن عدة الأمة لا تختلف بالحر والعبد، والتقييد في حق الطلاق يوجب التقييد في حق العدة ولم يقل به أحد فكان باطلًا. * * * ٥٥٨ - قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي، قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح يقول: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: الطلاق بالنساء والعدة بهن، وهو قول عبد الله بن مسعود، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • قال محمد: أي: بسند آخر أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي، الخوزي بضم الخاء المعجمة والواو الساكنة والزاي، يكني أبا سهيل مولى بني أمية متروك الحديث، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة مائة وإحدى وخمسين كما في (تقريب التهذيب) (٢) قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح بفتح الراء والموحدة واسم أبي رباح

стр. 1087

أسلم القرشي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإِرسال، كان في الطبقة الثالثة من طبقات أجلاء التابعين من أهل مكة، مات سنة أربع عشرة بعد المائة من الهجرة يقول: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: الطلاق بالنساء أي: عدده معتبر بالزوجات حرائر أو إماء والعدة بهن، أي: وفق طلاقهن وهو قول عبد الله بن مسعود، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان طلاق الحرة تحت العبد، شرع في بيان حكم حال المرأة التي طلقت طلاقًا بائنًا أو مات عنها زوجها، فقال: هذا * * * باب ما يُكره للمطلقة المبتوتة والمتوفى عنها من المبيت في غير بيتها في بيان حكم ما أي خروج يكره للمطلقة المبتوتة، أي: يكره الخروج للمرأة المطلقة البائة والمتوفى عنها، أي: يكره خروج المرأة التي مات زوجها عن بيتها حتى ينقضي عدتها، من البيت بيان بما أي: من أن تسكن ليلًا في غير بيتها، استنبط المصنف ﵀ من قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١]. ٥٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: لا تَبِتْ المبتوتة ولا المتوفي عنها إلا في بيت زوجها. قال محمد: وبهذا نأخذ، أما المُتوفَى عنها فإنها تخرج بالنهار في حوائجها ولا تبيت إلا في بيتها، وأما المطلقة مبتوتة كانت أو غير مبتوتة فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا ما دامت في عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1088

• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام صاحب المذهب الأصبحي، يعني من بني ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن المدني، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة مات في المدينة وله تسعون سنة حدثنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر ﵄ كان يقول: لا تَبِتْ أي: لا تسكن ليلًا المبتوتة أي: المطلقة البائنة ولا المتوفي عنها أي: ولا تسكن ليلًا المرأة التي مات عنها زوجها إلا في بيت زوجها وإذا كان الأمر هكذا في الطلقة الصغرى والكبرى, وفي المتوفى عنها ففي الطلقة الرجعية بالأولى، وبه أخذ أبو يوسف وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر أما المُتوفَى عنها فإنها تخرج بالنهار في حوائجها أي: في تحصيل ما لزمت لها حيث لا نفقة لها ولا تبيت أي: لا تسكن ليلًا إلا في بيتها، أي: حقًا لله وأما المطلقة مبتوتة أي: بائنة صغرى أو كبرى كانت أو غير مبتوتة أي: بأن تكون مطلقة رجعية فهى الأولى فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا ما دامت في عدتها، أي: لاستحقاق نفقتها فلا يجوز لها الخروج من بيتها وهو أي: عدم خروج المرأة المطلقة بائنة من بيتها قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا (ق ٥٩٥) عن علي وابن عباس وجابر وعائشة ﵃ تعد المتوفي عنها زوجها حيث شاءت، وهو قول الحسن وعطاء. أقول: ولعل دليل عدم خروج المتوفى عنها زوجها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠]، فلما نسخ مدة الحول بأربعة أشهر وعشرًا بقي عدم الخروج على أصله كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم حال المرأة المطلقة بائنة والمرأة التي مات زوجها شرع في بيان حكم حال الرجل يأذن لعبده في التزويج، فقال: هذا * * *

стр. 1089

باب الرجل يأذن لعبده في التزويج هل يجوز طلاق المولى عليه ؟ في بيان حكم حال الرجل يأذن لعبده بالتزويج على وزن التكريم، أو هي لا تنبغي في المقام لأن التزويج بمعنى الإنكاح، كما قاله محمد الواني من أهل اللغة هل يجوز طلاق المولى عليه؟ المراد بالرجل الشخص وبالمولى أعم من المالك والمالكة. ٥٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: من أذن لعبده في أن ينكح، فإنه لا يجوز لامرأته طلاقٌ إلا أن يطلقها العبدُ، فأمّا أن يأخذ الرجل أمةَ غلامه أو أمَة وليدته فلا جُناح عليه. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: من أذن لعبده في أن ينكح بفتح التحتية وكسر الكاف أي: أن يتزوج فإنه لا يجوز لامرأته أي: لا مرأة العبد طلاقٌ أي: من سيدها وغيره إلا أن يطلقها العبدُ، أي: حقيقة أو حكمًا بالتعليق أو التوكيل فقد ورد الطلاق بيد من أخذ الساق. قال محمد بن عبد الله التمرتاشي في (تنوير الأبصار): لا يقع طلاق المولى على امرأة عبده انتهى؛ لأنه ليس بزوجها, ولقول ابن عباس ﵁ جاء إلى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها فصعد النبي ﷺ : فقال: "يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده من أمته ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"، رواه ابن ماجه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواه الدارقطني عن غيره في (المناوي) قال رسول الله ﷺ : "لا يملك العبد ولا الأمة شيئًا إلا الطلاق" كما نقله في (منح الغفار) عن تبيين الكنز فأمّا أن يأخذ الرجل أي: المتصرف المالك بالخدمة أو الوطء وغيرهما أمةَ غلامه أي: جارية عبده حصلها عنده أو أمَة وليدته

стр. 1090

أي: جارية جاريته كسبتها فلا جُناح أي: لا إثم عليه فإن العبد، وما في يده كان لمولاه أن لا يملك شيئًا ولو ملكه مولاه خلافًا لمالك. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما ذكر من الحكمين السابقين وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. * * * ٥٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أن عبدًا لبعض ثقيف جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إن سيدي أنكحني جاريته فلانة؛ وكان عمر يعرف الجارية - ثم هو يطؤها. فأرسل عمر إلى الرجل فقال: ما فَعَلَتْ جاريتك فلانة؟ قال: هي عندي، قال: هل تطؤها؟ فأشار إليه بعضُ من كان عند عمر، فقال: لا، فقال عمر: أما والله لو اعترفتَ لجعلتك نكالًا. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي إذا زوّج الرجل جاريته عبدَهُ أن يطأها, لأن الطلاق والفرقة بيد العبد إذا زوجه مولاه، وليس لمولاه أن يفرِّق بينهما بعد أن زوجها؛ فإن وطئها يُنَدِّم إليه في ذلك، فإن عاد أدّبه الإِمام على قدر ما يرى من الحبس أو الضرب، ولا يبلغ بذلك أربعين سوطًا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر أن عبدًا لبعض ثقيف أي: لواحد من قبيلة بني ثقيف، وهم من أهل الحجاز جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن سيدي أنكحني أي: زوجني جاريته فلانة؛ إنما ذكر العبد اسم الجارية لأنها معروفة عند عمر حيث قال ابن عمر وكان (ق ٥٩٦) عمر يعرف الجارية أي: بوصفها أو الجملة معترضة وهو أي: والحال أن سيدي هو يطؤها. فأرسل عمر إلى الرجل أي: إلى سيدها فقال: أي: عمر ﵁ ما فَعَلَتْ جاريتك بصيغة الفاعل أو المفعول والمعنى: ما صنعت بها وما جرى لها قال: هي عندي، أي: في

стр. 1091

ملكي وتحت تصرفي قال: هل تطؤها؟ أي: تجامعها أحيانًا وذلك بطريقة الأنباط خوف من إنكاره لو بسط له البساط فأشار إليه أي: إلى سيد العبد بعدم الإِقرار خوفًا من السياط بعضُ مرفوع على أنه فاعل أشار ومضاف إلى من كان عنده أي: حاضرًا عند عمر من الصحابة أو غيرهم فقال: أي: سيد العبد لا، أي: ما أطؤها وذلك إشارة إلى الستر في حدود التعاذير أفضل وتلقين الإِنكار أكمل كما قال ﷺ : "من ستر مسلمًا ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١) فقال عمر: أما بفتح الهمزة وتخفيف الميم تنبيه والله قسم للتأكيد لو اعترفتَ أي: بوطئها بعد تزويجها زوجًا لجعلتك نكالًا أي: عبرة في العقوبة في باب الحكومة. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر لا ينبغي أي: لا يحل إذا زوّج الرجل جاريته عبدَهُ أو غيره أن يطأها, لأنها بقيت زوجة لغيره لأن الطلاق والفرقة أي: بنحو الفسخ بيد العبد إذا زوجهما مولاه، وليس لمولاه أن يفرِّق بينهما أي: بين عبده وجاريته زوجين بعد أن زوجها، أي: بطريقة الاستقلال وكذا مولاته في تلك الحال، بخلاف ما إذا تزوج بغير إذنه فإن له أن يبقى الأمر وله أن يفسخ فإن وطئها أي: بعد ذلك يُنَدِّم إليه بضم الياء وتشديد الدال المفتوحة أن يوبخ عليه وينبه في ذلك، أي: إن علم جهله بما هنالك فإن عاد أي: في وطئها ويمسها بشهوة ونحوها أدّبه الإِمام على قدر ما يرى من الحبس والضرب، في نسخة: أو الضرب ولا يبلغ بذلك أي: لا يصل ضربه بتأديبه أربعين سوطًا فإن أكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطًا، وأقله ثلاثة أسواط ولا يفرق الضرب في التعذير على بدن المضروب، والتعذير مفوض إلى رأي الحاكم بقدر ما يرى المصلحة فيه على ما قيل أن التعذير على مراتب تقدير أشراف الأشراف وهم العلماء، والعلوية بالأعلام وهو أن يقول القاضي: بلغني أنك تفعل كذا وكذا فلا تفعل، وتعذير الأشراف وهم الأمراء والدهاقين بالأعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة، وتعذير الأسواط وهم السوقة بالجر والحبس، وتعذير الأخس بهذا كله وبالضرب كذا في أكثر المعتبرات، روى أبي سفيان أن التعذير من السلطان بأخذ المال جائز كذا في (الظهيرية).

стр. 1092

وفي (الخلاصة): سمعت عن ثقة أن التعذير بأخذ المال أن رأى القاضي ذلك أو الوالي مصلحة جاز، ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعذيره بأخذ المال انتهى. وأفاد في البزارية معنى التعذير بأخذ المال على إمساك شيء من ماله عنده مده ليزجره ثم يعيد الحكم إليه لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز (ق ٥٩٧) لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير حق شرعي، وفي المجتبى لم يذكر كيفية الأخذ، وأرى أن يأخذها فيمسكها فإن آيس من توبته فيصرفها إلى ما يرى، وفي (شرح الآثار) التعذير بأخذ المال كان في ابتداء الإِسلام ثم نسخ، كذا في باب التعذير من (منح الغفار). لما فرغ من بيان عدم جواز تطليق السيد جاريته عن عبده الذي تزوجها بإذن سيده، شرع في بيان جواز خلع امرأته إذا وقع النفور بينهما، فقال: هذا * * * باب المرأة تختلع من زوجها بأكثر مما أعطاها أو أقل في بيان حكم حال المرأة تخلع بصيغة المفعول أو الفاعل أي: تنزع المرأة عن زوجها، أو تفتدي نفسها وفي تختلع من الافتعال من زوجها بأكثر مما أي: من مال أعطاها أو أقل، والخلع المستفاد من لفظ تخلع بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام فعين مهملة مصدر من الباب الثالث، وفي اللغة: النزع يقال: خلع ثوبه ونعله إذا نزعهما، وفي الشرع: إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو بما في معناه، إنما سمي النزع خلعًا لأن كل من الزوجين كان لباسًا للآخر في المعنى قال تعالى في سورة البقرة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فكأنه بمفارقته عن الآخر نزع لباسه فضم مصدره وهو الخلع تفرقة بين اللباس الحسي والمعنوي، كما قاله الزرقاني (١). فالمناسبة بين هذا الباب والباب السابق العدم والملكة، استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة أو الأعراف: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: لا جناح على الزوج فيما أخذ ولا على المرأة فيما أعطيت.

стр. 1093

٥٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أن مولاة لصفيّة اختلعت من زوجها بكل شيء، فلم ينكره ابن عمر. قال محمد: ما اختلعت به المرأة من زوجها فهو جائز في القضاء، وما نحبّ له أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وإن جاءَ النشوز من قبلها، فأمّا إذا جاء النشوز من قبله لم نُحبّ له أن يأخذ منها قليلًا ولا كثيرًا، وإن أخذ فهو جائز في القضاء، وهو مكروه له في ما بينه وبين ربه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أن مولاة أي: المعتوقة لصفيّة أي: بنت أبي عبيد اختلعت على صيغة المجهول أي: طلقت من زوجها بكل شيء، والباء متعلقة باختلعت بمعنى طلقت أي: طلقها زوجها بمقابلة كل شيء ملكتها فلم ينكره ابن عمر أي: مع أن الظاهر أن كل شيء أكثر مما أخذته من زوجها، وقال المزني الخلع غير جائز؛ لأن الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وأجيب بأن شرط النسخ العلم بتأخر الناسخ وتعدد الجمع بينهما؛ أما الأول فهو ظاهر، وأمال الثاني فإنه يمكن حمل عدم الأخذ على ما سوى رضاها من الخلع ونحوه. قال محمد: ما أي: مال اختلعت به أي: طلقت بمقابلته المرأة من زوجها أي: سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا فهو أي: الخلع بمقابلة المال جائز في القضاء، أي: في ظاهر الحكومة الشرعية وما نحبّ أي: والحال أنا لا نرضى له أن يأخذ أي: الزوج إن أراد تطليقها بمقابلة المال أكثر مما أعطاها، وإن جاءَ النشوز بضم النون والشين المعجمة وسكون الواو والزاي أي: العصيان والضررمن قبلها، بكسر القاف وفتح الموحدة وكسر اللام من جانبها وطرفها. قال القدوري: وهو رواية الأصل وفي (الجامع الصغير) أن الفضل يطلب له لا طلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ووجه ما في الأصل، وهو

стр. 1094

الصحيح ما روى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما عن عطاء قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشكو زوجها فقال: "أتردين عليه حديقته التي أصدقك" قالت: نعم وزيادة قال: "أما الزيادة فلا" (١)، وأخرج الدارقطني (٢) عن عطاء أن النبي ﷺ قال: "لا يأخذ الرجل من المختلعة أكثر مما أعطاها" فأمّا إذا جاء النشوز أي: العصيان والشقاق من قبله بكسر القاف (ق ٥٩٨) وفتح الموحدة وكسر اللام أي: من جانب الرجل لم نُحبّ له أي: لا نرضى بل يكره أن يأخذ منها أي: بدلًا عن خلعها قليلًا ولا كثيرًا، وقال مالك: لا يجوز لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] وإن أخذ أي: شيئًا بعد نشوزه فهو أي: فأخذه جائز في القضاء، أي: لا يجوز في الديانة كما قال المصنف وهو مكروه له في ما بينه وبين ربه، وهو أي: جواز الأخذ قضاء لا ديانة قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان مشروعية الخلع إجمالًا، شرع في بيان كمية وقوع الطلاق في الخلع، فقال: هذا * * * باب الخلع كم يكون من الطلاق في بيان أحكام الخلع كم يكون أي: الخلع من الطلاق، الخلع بضم الخاء المعجمة وسكون اللام والعين المهملة: إبانة الرجل زوجته كما يقال: خلع امرأته خلعًا كذا قاله محمد الواني من أهل اللغة، والخلع طلاق بائن عند أبي حنيفة. وقال أحمد وإسحاق بن راهويه في القديم: هو فرقة بغير طلاق لما روى عبد الرزاق (٣) في مصنفه من رواية طاوس عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لو طلق رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه حل له أن ينكحها، ذكر الله تعالى الطلاق في أول

стр. 1095

الآية وفي آخرها الخلع بينهما, ولنا ما روى عبد الرزاق (١) وابن أبي شيبة (٢) في مصنفيهما عن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ جعل الخلعة تطليقة بائنة، لكن في مسنده إرسال وهو حجة عند الجمهور وكذا مرسل سعيد بن المسيب عند الشافعي، ويؤيده ما رواه الدارقطني (٣) والبيهقي (٤) في سننيهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ : "جعل الخلعة تطليقة بائنة" لكن في سنده عباد بن كثير فيه كلام. ٥٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان مولى الأسْلميِّين، عن أم بكرٍ الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أُسَيْد، ثم أتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: هي تطليقة؛ إلا أن تكون سمّت شيئًا فهو على ما سمَّتْ. قال محمد: وبهذا نأخذ، الخُلع تطليقة بائنة إلا أن يكون سمى ثلاثًا أو نواها، فتكون ثلاثًا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا هشام بن عروة، الأسدي ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة عن أبيه، أي: عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من كبار طبقات التابعين، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح عن جُمْهان مولى الأسْلميِّين، وهو بضم الجيم وسكون الهاء أسلمي مدني قديم مقبول في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة عن أم بكرٍ الأسلمية: نسبة إلى قبيلة أسلم أنها اختلعت بصيغة المجهول أي: طلقت بائنًا بمقابلة المال من زوجها عبد الله بن أُسَيْد، بالتصغير ثم أتيا أي: الزوجان مختلفان عثمان بن عفان ﵁ في ذلك أي: في شأن ذلك الحكم من أنه طلقة أو

стр. 1096

فرقة فقال: هي أي: المرأة والخلع والتأنيث باعتبار خبره تطليقة؛ أي: ذات تطليقة واحدة إلا أن تكون أي: المرأة سمّت شيئًا أي: ذكرت أو نوت الزيادة، وفي نسخة: إلا أن يكون سمى شيئًا فهو أي: الخلع مبني علي ما سمَّتْ وفي نسخة: على ما سمى أي: (ق ٥٩٩) صرح. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عثمان بن عفان ﵁ من أن الخُلع تطليقة بائنة إلا أن يكون سمى ثلاثًا أو نواها، فتكون ثلاثًا وفي (الزخيرة) ولو خلعها ثم قال: انو به الطلاق فإن لم يذكر بدلًا صدقة ديانة وقضاء وإن ذكر لا يصدق ديانة ولا قضاء انتهى. وإن قالت: طلقني ثلاثًا بألف فطلقها واحدة في المجلس فبائنة بثلاث الألف وقال مالك: بالألف. وقال أحمد: بغير شيء، وإن قالت: طلقني ثلاثًا على ألف فطلقها تقع رجعية بكل شيء عند أبي حنيفة وبالألف عند مالك وبائنة بثلث الأف عند أبي يوسف ومحمد والشافعي. لما فرغ من بيان كمية الطلاق في الخلع شرع في بيان حكم تعليق الطلاق بشيء. * * * باب الرجل يقول: إذا نكحت فلانة فهي طالق في بيان حكم حال الرجل يقول: إذا نكحت فلانة فهي طالق شرط صحة تعليق الملكة كأن يقول لمنكوحته: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو الإضافة إلى الملك بأن يعلق على نفس الملك نحو: إن ملكت طلاقك فأنت طالق، أو على سببه نحو: إن تزوجتك فأنت طالق، وقال: لا يصح التعليق المضاف إلى الملك، وقال مالك: إذا لم يسم امرأة بعينها أو قبيلة أو أرضا ونحو هذا فليس يلزمه ذلك لما في (الموطأ) لمالك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: من قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق إذا لم يسم قبيلة أو امرأة بعينها فلا شيء عليه قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت، وللشافعي ما روى أبو داود (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن عامر

стр. 1097

الأحول، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: قال ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح أو هو أحسن شيء روى في هذا الباب، ولنا ما في (الموطأ) أن عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود ﵃، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد وابن شهاب وسليمان بن يسار كانوا يقولون: إذا حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها ثم أثم أي: حنث أن الطلاق لازم له إذا أنكحها أي: قبل الحنث، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن سالم والقاسم وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي والزهري والأسود وأبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق قالوا: هو كما قال، وفي لفظ: يجوز ذلك عليه أي: يقع، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن معمر عن الزهري أنه قال في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل أمة أشتريها فهي حرة فهو كما قال، فقال معمر: أوليس قد جاء: "لا طلاق قبل النكاح ولا عتق إلا بعد الملك". قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلان طالق وعبد فلان حر. ٥٦٤ - أخبرنا مالك، قال أخبرنا مُجَبَّر، عن عبد الله أنه كان يقول: إذا قال الرجل: إذا نكحت فلانة فهي طالق، فهي كذلك إذا نكحها، وإن طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا فهو كما قال. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا مُجَبَّر، بضم الميم وفتح الجيم وفتح الموحدة المشدودة فراء اسمه عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ثلاثة ابن عمر بن الخطاب كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عبد الله أنه كان يقول: إذا (ق ٦٠٠) قال الرجل: إذا نكحت فلانة فهي طالق، فهي كذلك أي: طالق إذا نكحها، أي: بمجرد عقدها وإن طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا أي: في ضمن تعليقه فهو كما قال أي: وفق تطليقته. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عبد الله بن عمر وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى. * * *

стр. 1098

٥٦٥ - أخبرنا مالك، عن سعيد بن عمرو بن سُليم الزُّرَقي، عن القاسم بن محمد، أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب، فقال: إني قلتُ: إن تزوجتُ فلانة فهي عليَّ كظهر أمِّي، قال: إن تزوجتها فلا تقربها حتى تُكَفِّر. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، يكون مُظاهرًا منها، إذا تزوجها فلا يقربها حتى يُكَفِّر. • أخبرنا مالك، عن سعيد بكسر العين وقيل: بسكونها بلا ياء ابن عمرو بفتح العين ابن سُليم بالتصغير الزُّرَقي، بضم الزاي وفتح الراء المهملة وبالقاف الأنصاري وثقه ابن معين وابن حبان كان في طبقة التابعين مات سنة أربع وثلاثين ومائة عن القاسم بن أبي بكر الصديق ﵁ كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (في طبقاته) أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب، ﵁ فقال: أي: السائل إني قلتُ: إن تزوجتُ فلانه أي: وسمي باسمها فهي عليَّ كظهر أمِّي، أي: في الحكم قال أي: عمر بن الخطاب للسائل إن تزوجتها فلا تقربها حتى تُكَفِّر، وفي (القاموس) من الكفارة ما كفر به من صدقة أو صوم أو نحوها انتهى، وهي مبنية على الستر فيه، لأنها من الكفر وهو التغطية والترفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، فإن عمر يشبه كلام القائل الذي قال: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي بمرض الجرب الذي أصاب البعير، وكان مجروبًا لا ينتفع منه حتى يدهن بقطران ونحوه وشبه كفارة هذا القول بدواء الجرب، فلا يحل أن يطأ الرجل امرأته إن تزوجها بعد أن يقول: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي حتى يكفر كما لا ينتفع من البعير المجروب حتى يخلص من جربه، وكفارة هذا القول تحرير رقبة، وإن لم يجد ما يعتقه صيام شهرين متتابعين قبل الجماع لها في أثناء الشهرين وليس فيهما رمضان وأيام نهي عن صومها، فإن أفطر بعذر أو بغيره أوطئها في أثناء الشهرين عامدًا أو ساهيًا استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف، فإن عجز عن الصوم أطعم ستين مسكينًا كالفطرة كما في (منح الغفار). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁

стр. 1099

وهو قولُ أبي حنيفة أي: قائل هذا الكلام مظاهرًا منها أي: من المرأة إذا تزوجها ولا يقربها أي لا يجامعها حتى يكفر أي: كفارة الظهار. لما فرغ من بيان حكم تعليق الطلاق بشيء، شرع في بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها تطليقتين فتزوج زوجًا فقال: هذا * * * باب المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين فتتزوج زوجًا ثم يتزوجها الأول باب في بيان حكم المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين أي: فينقض عدتها فتزوج زوجًا غيره أي: غير زوجها الأول، علي ما في نسخة الفاء بمعنى ثم للتراخي في الزمان كما في قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخلَقْنَا الْمُضغَةَ عِظَامًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤] ثم أي: بعد انقضاء عدتها من الزوج الثاني يتزوجها أي: بعقدها مجددًا زوجها الأول فالزوج الثاني يهدم ما دون (ق ٦٠١) الثلاث من الطلاق عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وزفر، ومن أدلتهم ما أخرجه المصنف بقوله: ٥٦٦ - أخبرنا مالك, أخبرنا الزهري، عن سليمان بن يسار وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أنه استفتى عمر بن الخطاب في رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تركها حتى تحل، ثم تنكح زوجًا غيره فيموت، أو يطلقها فيتزوجها الأول، على كم هي؟ قال عمر: هي على ما بقي من طلاقها. قال محمد: وبهذا نأخذ، فأما أبو حنيفة فقال: إذا عادت إلى زوجها الأول بعد ما دخل بها الآخر عادت على طلاق جديد، ثلاث تطليقات مستقبلات، وهو قول ابن عباس، وابن عمر.

стр. 1100

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سليمان بن يسار أي: الهلالي المدني مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة المخزومي، كان في الطبقة الثالثة من كبار التابعين مات بعد المائة وقيل قبلها وسعيد بن المسيب، عطفه على سليمان بن يسار إشارة لتحويل السند تقوية للحكم، وهو ابن حزن بن أبي عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله ابن حجر (١) وابن الجوزي عن أبي هريرة: ﵁ أنه استفتى على صيغة المجهول أي: طلب الفتوى طالب من عمر بن الخطاب ﵁ في رجل أي: في حق رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تركها حتى تحل، أي: إلى انقضاء عدتها كلمة حتى للغاية أي: للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها سواء كان جزء منه كما في أكلت السمكة حتى رأسها، أو غير جزء كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّي مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] وأما عند الإطلاق أي: عند انفصام القرينة فالأكثر على أن ما بعدها داخل فيما قبلها، كما أن إلى للغاية، كذا قاله ابن مالك في (شرح المنار) ثم أي: بعد انقضاء عدتها تنكح أي: تتزوج زوجًا غيره أي: غير زوج الأول فيموت، أي: الزوج الثاني بعد وطئها أو يطلقها أي: الزوج الثاني بعد أن جامعها فيتزوجها الأول، أي: بعد فراغها من عدة الثاني على كم هي؟ هذا محل السؤال، والمعنى أن المرأة على كم عدد من الطلاق عند الأول قال عمر: هي على ما بقي من طلاقها أي: فيما يملكها بما بقى من الثلاث سواء كان طلاقها من الأول واحدة أو اثنتين. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما سبق من الحديث، وقد رواه البيهقي في (المعرفة) من طريق الشافعي عن ابن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار: أنهم سمعوا أبا هريرة يقول: سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن رجل من أهل البحرين طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم

стр. 1101

انقضت عدتها فتتزوج غيره ثم فارقها، ثم تزوجها قال: هي عنده على ما بقي: كما قاله علي القاري. والمراد من أهل البحرين: أهل البلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان كذا قاله الياقوت الحموي في (معجم البلدان) فأما أبو حنيفة أي: ومن تبعه كأبي يوسف وفي نسخة: وأما بالواو فقال: إذا عادت إلى زوجها الأول بعد ما دخل بها الآخر عادت على طلاق جديد، أي: حيث هدم الزوج الثاني ما دون الثلاث ثلاث تطليقات مستقبلات، أي: إن كانت حرة وتطليقتين إن كانت أمة ففي أصل ابن الصواف كذا في نسخة وهو أي: قول أبي حنيفة وهو إذا عادت إلى الأول بعد ما دخل بها الآخر عادت على طلاق جديد ثلاث تطليقات (ق ٦٠٢) مستقبلات وهو قول ابن عباس، وابن عمر ﵄، والدليل عليه ما روى محمد في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سلمة عن سعيد بن جبير قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عتبة بن مسعود إذ جاءه أعرابي فسأله عن رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم انقضت عدتها وتزوجت زوجًا غيره، فدخل بها ثم مات عنها أو طلقها ثم انقضت عدتها، فأراد الأول أن يتزوج على كم هي فالتفت إلى ابن عباس فقال: ما تقول في هذا يهدم الزوج الثاني والواحدة واثنتين والثلاث وأسأل ابن عمر قال: فلقيت ابن عمر فسألته فقال: مثل ما قال ابن عباس ﵄. لما فرغ من بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين فتزوجت زوجًا غيره ثم يتزوجها الأول، شرع في بيان حكم حال الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها، فقال: هذا * * * باب الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها باب في بيان حكم الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها أي: يجعلها تخييرًا في تطليق نفسها. ٥٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن خارجة

стр. 1102

ابن زيد بن ثابت: أنه كان جالسًا عنده، فأتاه بعض بني أبي عتيق؛ وعيناه تدمعان، فقال له: ما شأنك؟ قال: مَلَّكتُ امرأتي أمرها ففارقتني، فقال له: ما حملك على ذلك؟ فقال: القدر، فقال زيد بن ثابت: ارتجعها إن شئت فإنما هي واحدة، وأنت أمْلَك بها. قال محمد: هي عندنا على ما نوى الزوج، فإن نوى واحدة، فهي واحدة بائنة، وهو خاطب من الخطَّاب، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقال علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان: القضاءُ ما قضتْ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، الأنصاري المدني، قاضيها ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن خارجة بن زيد أي: ابن ثابت: الأنصاري، يكنى أبا زيد المدني ثقة فقيه كان في الطبقة الثالثة مات سنة مائة وقيل: قبلها عن زيد بن ثابت أي: ابن الضحاك بن لوزان الأنصاري البخاري، يكنى أبا سعيد أو أبا خارجة صحابي مشهور كتب الوحي، قال مسروق. كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين وقيل: بعد الخمسين كذا في (تقريب التهذيب) أنه أي: خارجة كان جالسًا عنده، أي: عند أبيه زيد بن ثابت فأتاه بعض أي: محمد بن عبد الله من بني أبي عتيق؛ وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التيمي المدني مقبول روى له البخاري والستة وعيناه تدمعان، بفتح الميم أي: تسيلان دمعًا من شدة البكاء فقال أي: زيد بن ثابت له: أي: لبعض وهو محمد بن عبد الله ما شأنك؟ أي: حالك قال: مَلَّكتُ امرأتي بفتح الميم وتشديد اللام أي: جعلتها أمرها بيدها ففارقتني. اعلم أن التفويض طلاقها إليها بأن قال لها: اختاري ينوي به الطلاق، أو قال لها: طلقي نفسك فينعقد بمجلس علمها غائبة كانت أو حاضرة فتطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، وإن قامت منه أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها. وقال الزهري وقتادة ومالك: في رواية الشافعي في القديم لا ينعقد بالمجلس.

стр. 1103

وقال أحمد: لا ينعقد الأمر باليد بالمجلس ولنا ما روى عبد الرزاق (١) في (مصنفه) عن ابن مسعود أنه قال: "إذا ملكها أمرها فتفرقا قبل أن تنقضي شيء فلا أمر لها" وما روى أيضًا عن جابر بن عبد الله أنه قال: "إذا خير الرجل امرأته فلم تختر في مجلسها ذلك فلا خيار لها" وما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة (٢) عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ قالا: "أيما رجل ملك امرأته أمرها بيدها وخيرها ثم افترقا (ق ٦٠٣) من ذلك المجلس فليس لها خيار وأمرها بيد زوجها". قال البيهقي: وقد تعلق بعض من يجعل لها الخيار، ولو قامت من المجلس بحديث تخير عائشة ﵂: وهو في (الصحيحين) "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك لا تعجلين فيه حتى تستشرين فيه أبويك"، وهذا يعني الاستدلال به غير ظاهر؛ لأنه ﷺ لم يخيرها بإيقاع الطلاق بنفسها وإنما خيرها على أنها إن اختارت نفسها أحدث عليها الطلاق لقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] انتهى. لكن إن قال: كلما شئت فإنه يتقيد بمجلس علمها، وأما إذا فوض طلاقها إلى غيرها لا يتقيد بالمجلس اتفاقًا؛ لأن ذلك توكيل بالطلاق وأمر بإيقاعه والتوكيل، والأمر لا يقتضيان القول كأمر الشارع وكباقي الوكالاة فقال له: ما حملك أي: أي شيء أقدمك على ذلك؟ أي: على ما فعلته من التفويض والتخيير حتى أوقعت في يدها التخيير فقال: القدر، أي: تعلق الإرادة الذاتية بالأشياء في أوقاتها الخاصة كذا فسرها محمد الجرجاني، فيه إثبات مذهب أهل السنة والجماعة ورد مذهب المعتزلة قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" رواه الإِمام أحمد في مسنده (٣). قال أبو حنيفة في (الفقه الأكبر): وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله خالقها، إن أفعال العباد من الإِيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره انتهى.

стр. 1104

ومذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإِيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه، فيقع مراد العبد دون مراد الله تعالى، فتكون إرادته غالبة على إرادة الله تعالى، وأما عندنا فكل ما أراده الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر، ويريد الإِيمان من المؤمن، وعلى هذا فإرادة الله غالبة على إرادة العبد مثلًا إذا كان للرجل على إنسان دين وكان في ذلك المديون قادرًا على أداء الدين وقال والله لأقضين هذا الدين غدًا إن شاء الله تعالى، فإذا جاء الغد ولم يقض غدًا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة حنث، فعلم من هذه المسألة أن مشيئة الله غالبة دون مشيئة العبد عند أصحابنا إذا علمت أن جميع الأشياء من الخير والشر بمشيئته تعالى وعلمه وقضائه وقدره. فاعلم أن الطاعات كلها بأمر الله وبمحبته ورضائه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، فلا تتعلق محبته بالفساد من الكفر والمعاصي وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] أي: بالقبيح من الكفر والمعاصي، وهذا يدل على أن أمر الله لا يستلزم أن يوافق إرادته بل قد يأمر بالشيء، ولكن لا يريده كإيمان أبي جهل بن هشام وينهى عن السيئ ويريده ككفر أبي جهل، والمعتزلة يقولون: أن أمر الله وإرادته (ق ٦٠٤) متطابقات في كل مأمور به مراد الله وكل منهي عنه ليس بمراد الله وقلنا: إن الأمر والإِرادة قد يختلفان؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإِيمان عام في حق الكل، أما إرادة الإِيمان به تعالى بالبعض وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] كذا قاله أحمد بن محمد البهنساوي في شرح (الفقه الأكبر لأبي حنيفة) ﵀ قال له أي: لبعض وهو محمد بن عبد الله، زيد بن ثابت: ارتجعها إن شئت أي: رجوعها فإنما هي أي: المرأة مطلقة بطلقة واحدة، أي: من الطلاق عند الإِطلاق وأنت أمْلَك بها أي: من غيرك لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال محمد: هذا أي: الإِطلاق عندنا على ما نوى الزوج، أي: به فإن نوى واحدة، فهي واحدة بائنة، وهو أي: الزوج خاطب من الخطَّاب، بضم فتشديد جمع خاطب

стр. 1105

والمعنى إنه لا يراجعها بل ينكحها إنكاحًا ثانيًا وإن نوى ثلاثًا، أي: فحكمه معلوم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. وقال مالك: تفسخ بالتفويض ثلاث لأن الثلاث أتم ما يكون من الاختيار، وبه قال أحمد، وفي (الهداية) إنه يقع طلقة رجعية اعتبارًا لما أتت به من صريح الطلاق فقيل: هذا سهو، وقيل: فيها روايتان إحداهما: أنه يقع طلقة رجعية؛ لأن لفظهما صريح، والأخرى: إنها بائنة وهذا أصح كما في (شرح الوقاية) إنما كانت بائنة؛ لأن التفويض في البائن ضرورة ملكها أمرها، وقد خرج كلهما جوابًا له فتصير الصفة المذكورة في التفويض مذكورة في الإِيقاع، وقال علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵄: القضاءُ ما قضت أي: الحكم ما نوت من رجعية أو بائنة واحدة أو ثلاث؛ لأن الظاهر مفوض إليها ويعمل هذا عند إطلاق زوجها، فلا ينافي ما تقدم والله أعلم بالصواب. * * * ٥٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها خطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر قريبةَ ابنةَ أبي أُميّة، فَزُوِّجَتْه، ثم إنهم عتبوا على عبد الرحمن بن أبي بكر وقالوا: ما زوّجنا إلا عائشة، فأرسلت إلى عبد الرحمن فذكرت ذلك له، فجعل عبد الرحمن أمر قُرَيْبَة بيدها، فاختارته وقالت: ما كنتُ لأختار عليك أحدًا، فقرّت تحته، فلم يكن ذلك طلاقًا. • أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: أنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قاله عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) عن عائشه ﵂ أنها خطبت بفتح الخاء المعجمة، وكسر الطاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون الفوقية أي: تكلمت وطلبت لأجل النكاح على أخيها على عبد الرحمن بن أبي بكر

стр. 1106

الصديق ﵁ قريبةَ بفتح القاف وكسر الراء المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة فتاء تأنيث على وزن حبيبة، ويقال: بالتصغير ابنةَ أبي أُميّة، بن المغيرة المخزومية الصحابية أخت أم سلمة أم المؤمنين، وكانت موصوفة (ق ٦٠٥) بالجمال روى عمر بن شيبة لما فُتحت مكة قال سعد بن عبادة: ما رأينا من نساء قريش ما كان يذكر من جمالهن فقال ﷺ : "هل رأيت من بنات أبي أمية قريبة" فَزُوِّجَتْه، بصيغة المجهول أي: زوجها أهلها إياه، وبصيغة المعلوم أي: صارت عائشة ﵂ سببًا لتزويج قريبة إلى أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم إنهم أي: أهلها عتبوا بفتح الفوقية أي: غضبوا على عبد الرحمن بن أبي بكر والمعنى: أن قوم قريبة كرهوا بعض ما عنده من سوء الخلق أو قلة الرزق وقالوا: ما زوّجنا إلا عائشة، أي: إنما وثقنا بفضلها وحسن خلقها وإنها لا ترضى لنا بإيذاء ولا أضرار في وليتنا، يعني ما صار سبب زوجنا إلا هي وشكوا عنه عندها فأرسلت أي: عائشة إلى عبد الرحمن فذكرت ذلك له، أي: إما حضورًا أم غيبة فجعل عبد الرحمن أمر قُرَيْبَة بيدها، فاختارته أي: زوجها عبد الرحمن وقالت: ما كنتُ لأختار عليك أحدًا، أي: وإنما ذلك الكلام من باب العتاب في المقام فقرّت تحته، أي: فاستقرت واستمرت معه فلم يكن ذلك أي: اختيارها له طلاقًا. وفي (جامع الترمذي) اختلف أهل العلم في الخيار، فروى عن عمر وعبد الله بن مسعود ﵄ أنهما قالا: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وروى عنهما أيضًا: إنما قالا واحدة تملك الرجعة وإن اختارت زوجها فلا شيء، وروى عن علي ﵁ أنه قال: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها تملك الرجعة. وقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة وإن اختارت نفسها فثلاث انتهى. ولنا إن اختارت زوجها لم يقع شيء وهو قول أكثر أهل العلم، لما روى البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث عائشة قالت: "خيرنا النبي ﷺ فاخترنا الله تعالى ورسوله، فلم يعد ذلك شيئًا" ففيه بحث، والله أعلم. * * *

стр. 1107

٥٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر المنذرَ بنَ الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلما قدم عبد الرحمن، قال: ومثلي يُصنع به هذا ويُفتات عليه ببناته؟ فكلمت عائشة المنذرَ بن الزبير، فقال: فإن ذلك في يد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما لي رغبة عنه، ولكن مثلي ليس يُفتات عليه في بناته، وما كنتُ لأردّ أمرًا قضيته فقرّت امرأته تحته، ولم يكن ذلك طلاقًا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: ﵂ أنها زوّجت أي: بطريق الولاية حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ كانت من ثقات التابعيات روى لها مسلم والثلاثة المنذرَ بنَ الزبير، ابن العوام الأسدي، يكنى أبا عثمان شقيق عبد الله، وهو مفعول ثان لزوجته وعبد الرحمن غائب بالشام، جملة حالية معترضة مبنية لسبب تزوجها مع وجود أبيها وذكر مصعب الزبيدي أن المنذر غاضب أخاه عبد الله فخرج من مكة إلى معاوية، فأجازه بجائزة عظيمة وأقطعه أرضًا بالبصرة، وذكر الزبير بن بكار: أن المنذر كان عند عبيد الله بن زياد لما امتنع عبد الله بن الزبير من مبايعة يزيد بن معاوية، فكتب يزيد إلى عبيد الله أن يوجه إليه المنذر فبلغه فهرب إلى مكة، فقتل في الحصار الأول بعد وقعة الحرة سنة أربع وستين، فلما قدم عبد الرحمن، وفي نسخة مصحفة: عبد الله أي: جاء من سفره قال: ومثلي بكسر الميم أي: وأمثلي يُصنع به هذا أي: تزويج بنته في غيبته ويُفتات عليه بصيغة المجهول من الافتيات المأخوذ من الفوت أي: يستبد برأيه ولم يأمر فيه من هو أحق منه بالأمر ببناته؟ أي: في حق بعضهن، (ق ٦٠٦) والمعنى لا يصلح أمرهن بغير إذني فكلمت عائشة المنذرَ بن الزبير، أي: أخبرته بقول أخيها عبد الرحمن بما جرى على لسانه فقال: أي: المنذر فإن ذلك أي: اختيارها وأمرها من عندي في يد عبد الرحمن، أي: فيختار ما يشاء في حقها فقال عبد الرحمن: ما لي رغبة عنه، أي: ليس لي زهدًا عنه وإعراضًا منه ولكن مثلي ليس يُفتات عليه في بناته، أي: لا يعقل شيء بدون أمره وما كنتُ لأردّ أمرًا

стр. 1108

قضيته بكسر التاء خطابًا لأخته عائشة أي: حكمت يا عائشة فقرّت: استمرت امرأته أي: زوجة المنذر حفصة تحته، أي: المنذر ولم يكن ذلك أي: القول المذكور عند الزوج طلاقًا هذا شاهد للجزء الثاني من ترجمة الباب. قال مالك: في (الموَّازِيَّةِ) إنما كان ذلك لمثل عائشة لمكانها من رسول الله ﷺ أي: لأنه إنما يجوز إجازة المجيز تزويج ابنه أو أخيه أو جده إذا كان قد فوض له أموره وإلا لم يجز، ولو أجازه الأب كما (في المدونة) وعائشة ولست واحدة من هؤلاء ولم يفوض لها أموره فالجواز في إجازة فعلها خصوصية، قال ابن القاسم: وأظنها وكلت عند العقد، ولكنهم نصوا أن ولي المرأة لا يؤكل إلا بمثله وعائشة لا يصح كونها وكيلًا عن أخيها، فكيف توكل؟ إلا أن يقال: ما نصوا عليه إذا وكل الولي من يتولى العقد، أما إذا كان وكل من يوكل من يتولى العقد فلا مانع أن يوكل امرأة مثلًا، وذكر الزبير بن بكار: أن المنذر فارق حفصة فتزوجها حسن بن علي فاختارت المنذر عليه حتى طلقها فأعادها المنذر كما قاله الزرقاني. * * * ٥٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه كان يقول: إذا ملَّك الرجل امرأته القضاءُ ما قضتْ، إلا أن ينكر عليها، فيقول: لم أرد إلا تطليقة واحدة؛ فتحلف على ذلك، ويكون أملك بها في عدتها. • أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام، صاحب المذهب، منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض كما قاله السيد علي في (خلاصة الهيئة) وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: إذا ملَّك بفتح الميم وتشديد اللام، أي: فوض الرجل امرأته أمرها أي: أمر طلاقها إليها القضاءُ أي: الحكم ما قضتْ، أي: طلاق حكمت به

стр. 1109

امرأته من طلاق واحدة أو أكثر، لأنهما حقيقة في زوال الملك الزوج عنها إلا أن ينكر عليها، أي: الزوج فيقول لم أرد بضم الهمزة وكسر الراء المهملة وسكون الدال, أي: ما أردت إلا تطليقة واحدة؛ أي: رجعية فتحلف على ذلك، أي: على ما نوى فيكون أي: زوجها، وفي نسخة: بالواو أملك بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام، فكان أي: أحق وأولى بها من غيرها في عدتها أي في مدة عدتها، وفي (الموطأ) لمالك وفي رواية يحيى ما كانت في عدتها أي: ما دامت المرأة في عدتها له. * * * ٥٧١ - أخبرنا مالك, أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: إذا ملَّك الرجل امرأته أمرها فلم تفارقه، وقرّت عنده، فليس ذلك بطلاق. قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اختارت زوجها فليس ذلك بطلاق، وإذا اختارت نفسها فهو على ما نوى الزوج، فإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة عن سعيد بن المسيَّب، (ق ٦٠٧) بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين، من أهل المدينة، وقال المدني: لا أعلم في كبار التابعين أوسع علمًا منه مات بعد التسعين بيسير من الهجرة وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) أنه قال: إذا ملَّك أي: فوض الرجل امرأته أمرها أي: أمر طلاقها فلم تفارقه، أي: بأن اختارته حقيقة أو حكمًا وقرّت بفتح القاف وتشديد الراء المفتوحة أي: ثبتت عنده، فليس ذلك بطلاق أي: لردها ما ملكت.

стр. 1110

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب إذا اختارت المرأة زوجها فليس ذلك بطلاق، وإذا اختارت نفسها فهو على ما نوى الزوج، أي: لأن الطلاق بيد من له الساق كما ورد فإن نوى واحدة فهي أي: المرأة مطلقة طلقة واحدة بائنة، أي: لأنها أقل ما ملك له نفسها وإن نوى ثلاثًا فثلاث، أي: فإنه أتم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيره، شرع في بيان حكم حال الرجل يكون تحته أَمة فيطلقها ثم يشتريها، فقال: هذا * * * باب الرجل يكون تحته أمة فيطلقها ثم يشتريها باب في بيان حكم حال الرجل يكون تحته أَمة فيطلقها ثم يشتريها أطلق بتطليقها وأراد تطليقها ثلاثًا. ٥٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي عبد الرحمن، عن زيد بن ثابت: أنه سُئل عن رجل كانت تحته وليدة فأبَتَّ طلاقها ثم اشتراها، أيحلّ أن يمسها؟ فقال: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، عن أبي عبد الرحمن، وهو طاوس بن كيسان اليماني الحميري مولاهم الفارسي يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه ثقة فقيه فاضل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل اليمن، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ست ومائة، وقيل: بعدها كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب). قاله الزرقاني: إنما كتم اسم أبي عبد الرحمن وهو طاووس مع جلالته؛ لأن طاووسًا

стр. 1111

كان يطعن على بني أمية ويدعو عليهم في مجلس هشام، روى عن طاوس فقال للسائل: أما أنك لو رأيت طاووسًا لعلمت أنه لا يكذب ولا يحبه بأنه يروي أو لا يروي انتهى. عن زيد بن ثابت: بن الضحاك كتب الوحي قال: مسروق كان زيد بن ثابت من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: تحت عقده وليدة أي: جارية فأبَتَّ طلاقها بتشديد التاء يقال: بتَّ الرجل طلاق امرأته إذا قطعها عن الرجعة، وأبت طلاقه بألف والمراد هنا البينونة الكبرى أي: ثلاث طلقات ثم اشتراها، أي: وهي عنده أيحلّ أن يمسها؟ أي: يجامعها فقال: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره لعموم الآية، وعلى هذا جمهور العلماء والأئمة الأربعة، خلافًا لقول السلف: تحل لعموم الآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ﴾ [النساء: ٣] قال ابن عمر: هذا خطأ لأنها تبيح الأمهات والأخوات والبنات فكذا سائر المحرمات. (ق ٦٠٨) قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بهذا الحديث وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يكون تحت عقده أمة فيطلقها ثم يشتريها، شرع في بيان حكم حال الأمة تكون تحت العبد، فقال: هذا * * * باب الأمه تكون تحت العبد فتعتق باب في بيان حكم حال الأمة تكون تحت العبد أي: الذي لسيدها أو لغيره فتعتق أي: يكون لها الخيار. ٥٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: في الأمة تحت العبد فَتُعْتَق: أن لها الخيار ما لم يمسّها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه فاضل ثبت كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة،

стр. 1112

مات سنة سبع عشرة ومائة، عن ابن عمر، ﵄ أنه كان يقول: في الأمة أي: في حقها كانت تحت العبد فَتُعْتَق: على بناء المجهول أي: يعتقها سيدها أن لها الخيار ما لم يمسّها أي: ما دام لم يجامعها. * * * ٥٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن زَبْرَاءَ مولاةً لبني عدي بن كعب أخبرته: أنها كانت تحت عبدٍ، وكانت أمة، فأعتقت فأرسلت إليها حفصة وقالت: إني مخبرتُكِ خبرًا، وما أحبّ أن تصنعي شيئًا إنَّ أمرك بيدكِ ما لم يمسّك، فإن مسّك فليس لك من أمرك شيء، قالت: ففارَقَتْه. قال محمد: إذا علمت أن لها خيارًا فأمرها بيدها، ما دامت في مجلسها ما لم تقم منه، أو تأخذ في عمل آخر أو يمسها، فإذا كان شيء من هذا بطل خيارها، فأما إن مسها ولم تعلم بالعتق، أو علمت به ولم تعلم أن لها الخيار، فإن ذلك لا يبطل خيارها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح. كما قاله ابن حجر، أن زَبْرَاءَ بالزاي المعجمة المفتوحة فموحدة ساكنة فراء مهملة فألف ممدودة على وزن صفراء، كما ضبطها ابن الأثير هي مولاةً معتقة لبني عدي بن كعب أخبرته: أي: عروة بن الزبير أنها كانت تحت عبدٍ، وكانت أمة، أي: يومئذ فأعتقت بصيغة المجهول أي: أعتقني سيدي فأرسلت إليها حفصة في (الموطأ) لمالك وقالت: أي: زبراء فأرسلت إلى حفصة زوج النبي ﷺ فدعتني وقالت:

стр. 1113

إني مخبرتُكِ بضم الميم وسكون الخاء المعجمة فموحدة مكسورة فراء مفتوحة فتاء مضمومة مضافة إلى الكاف خبرًا، أي: أمرًا يتضمن خيرًا وما أحبّ أي: لا أرضى أن تصنعي شيئًا أي: حتى تتأملي في أمرك وتختاري ما يليق بقدرك إنَّ أمرك بيدكِ أي: اختيارك ما لم يمسّك، أي: ما دام لم يجامعك زوجك فإن مسّك فليس لك من أمرك شيء، أي: سقط خيارك، وفي نسخة: من الأمر قالت: أي: زبراء ففارَقَتْه أي: فاخترت نفسي وتركت زوجها، وفي (الموطأ) لمالك: فقلت هو الطلاق ثم الطلاق ثم الطلاق ففارقته ثلاثًا لأني كرهت الثبات معه. قال محمد: إذا علمت أي: الجارية أن لها خيارًا أي: عند عتقها فأمرها بيدها، أي: إذا أعتقت ما دامت في مجلسها ما لم تقم منه، فإنه علامة الأعراض أو تأخذ أي: ما لم تشرع في عمل آخر فإنه في معنى الإِعراض أو حكمه أو يمسها، أي: وما لم يجامعها فإذا كان أي: وقع شيء من هذا أي: مما ذكر بطل خيارها، فأما إن مسها ولم تعلم بالعتق، أو علمت به أي: بالعتق ولم تعلم أن لها الخيار، فإن ذلك أي: ما ذكر من المس وعدم العلم لا يبطل خيارها، أي: يستمر بعد علمها إلى آخر عملها وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وللشافعي أقوال أصحها: أن لها الخيار على الفور، والثاني إلى ثلاثة أيام، والثالث ما لم تمكنه من الوطء، ولو عتقت وزوجها حر فلا خيار لها عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يثبت لها الخيار مع حريته، ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات في حرية زوج بريرة وعدمها مما يدل على أنه حرمًا روى الجماعة إلا مسلمًا من حديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة واللفظ للبخاري أنها قالت: يا رسول الله إني اشتريت بريرة لأعتقها وإن أهلها يشترطون ولاءها فقال: "أعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق"، قال: فإن اشتريتها فأعتقتها قال: وخيرت فاختارت نفسها وقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه، قال الأسود: وكان زوجها حرًا أو عبدًا أسود يقال له: مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي ﷺ للعباس: "يا عباس ألا تعجب من شدة حب مغيث بريرة ومن شدة بغض بريرة" فقال لها ﷺ : "لو راجعته" قالت: يا رسول الله أتأمرني به فقال ﷺ : "إنما أنا شافع"، قالت: لا حاجة لي منه.

стр. 1114

وأجيب بأنه كان عبدًا أسود معتوقًا جمعًا بين الحديثين، وقد أسند الطحاوي عن طاووس أنه قال: للأمة الخيار إذا أعتقت وإن كانت تحت قرشي، وعن ابن سيرين والشعبي: تخير حرًا كان زوجها أو عبدًا، وعن مجاهد: تخير وإن كانت تحت أمير المؤمنين. لما فرغ من بيان حكم حال الأمة تكون تحت العبد فتعتق، شرع في بيان حكم طلاق المريض، فقال: هذا * * * باب طلاق المريض باب في بيان حكم حال طلاق المريض، ويسمى طلاق الفارّ بتشديد الراء فمن غالب حاله الهلاك كمريض عجز عن إقامة مصالحه خارج البيت، وكذا من بارز في الحرب أو قدم لقصاص أو رجم وأبان زوجته بغير رضاها ومات ولو بغير ذلك السبب وهي في العدة ترثه عند الجمهور، خلافًا للشافعي. ٥٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وهو مريض، فورّثها عثمان منه بعد ما انقضت عدتها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن طلحه بن عبد الله بن عوف الزهري المدني القاضي ابن أخي عبد الرحمن يلقب: طلحة المدني، ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وهو ابن اثنين وسبعين سنة، كذا في (تقريب التهذيب) أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ طلق امرأته تماضر بالفوقية فميم فألف ثم ضاد معجمة فراء مهملة بنت الأصبغ الكلبية الصحابية أم ابنة أبي سلمة وهو مريض، أي: مرض الموت فورّثها بفتحتين وتشديد الراء المهملة المفتوحة وثاء مثلثة مفتوحة أي جعل امرأة

стр. 1115

عبد الرحمن بن عوف وارثًا منه عثمان رضي الله تعالى عنه منه أي: من عبد الرحمن بن عوف بعد ما انقضت عدتها هذا بظاهره يوافق مذهب أبي ليلى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد من أنها ترثه بعد العدة ما لم تتزوج بزوج آخر، وعن مالك والليث وإن تزوجت بزوج، لكن التحقيق، أن قوله بعد ما انقضت ظرف لعدتها لا لمات وأنه غير مذكور في العبارة، ومما يدل على ذلك: أنه روى أن عبد الرحمن بن عوف لما بتَّ طلاق امرأته تماضر بنت الأصبغ بن زياد بن الحصين الكلبية في مرضه ومات عبد الرحمن وهي في العدة (ق ٦١٠) ورَّثها عثمان ﵁ بمحضر من المهاجرين والأنصار، فقال: ما اتهمته ولكن أردت السنة أي: طلاقها كذا قاله (علي القاري). قال الواقدي: هي أول كلبية نكحها قرشي ولم تلد له غير أبي سلمة، وروى بسند مرسل أن النبي ﷺ بعث عبد الرحمن إلى بني كلب وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم أو سيدهم، فلما قدم دعاهم إلى الإِسلام فاستجابوا وأقام من قام منهم على إعطاء الجزية فتزوج عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ ثم قدم المدينة انتهى. * * * ٥٧٦ - أخبرنا مالك, أخبرنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عثمان: أنَّه ورَّث نساء ابن مُكْمِل منه؛ كان طلق نساءه وهو مريض. قال محمد: يرثنه ما دُمْن في العدة، فإذا انقضت العدة قبل أن يموت فلا ميراث لهن، وكذلك ذكر هُشَيْم بن بشير عن المغيرة الضبي، عن إبراهيم النَّخَعِيّ، عن شريح: أن عمر بن الخطاب كُتِبَ إليه في رجل طلق امرأته ثلاثًا وهو مريض: أن وَرِّثها ما دامت في عدتها، فإذا انقضت العدة فلا ميراث لها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن الفضل، بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، تابعي ثقة من رجال الجميع، كان في الطبقة الرابعة من طبقات صغار التابعين، من أهل المدينة، عن الأعرج، عبد الرحمن بن

стр. 1116

هرمز يكنى أبا داود المزني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، كذا قاله ابن حجر عن عثمان: ابن عفان ﵁ أنَّه ورَّث بتشديد الراء جعل وارثًا نساء ابن مُكْمِل بضم الميم وسكون الكاف وكسر الميم الثانية فلام اسمه عبد بن مكمل بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب، كذا ذكره الطبري وعمر بن شيبة في الصحابة، واستدركه ابن فتحون وقال: أكثر ما يأتي في الرواية أن مكمل غير مسمى، وسماه بعضهم عبد الرحمن وهو وهم إنما عبد الرحمن ابنه وهو شيخ للزهري كما قاله العسقلاني في (الإِصابة) منه؛ أي: من ابن مكمل كان طلق نساءه وهن ثلاث كما رواه عبد الرزاق وهو أي: والحال أن ابن مكمل مريض ثم مكث بعد طلاقه سنتين فورثهن عثمان بن عفان ﵁ بعد انقضاء عدتهن كما رواه عبد الرزاق، فلم يمنعهن طلاقه عن الميراث لوقوع طلاقه في مرض موته فقضى بذلك عثمان ولم ينكر أحد عليه. قال محمد: يرثنه ما دُمْن في العدة، فإذا انقضت العدة أي: عدتهن قبل أن يموت أي: الرجل فلا ميراث لهن، أي: لما سبق، ولما روى عن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عمر وأبي بن كعب ﵃ أن الفار ترث ما دامت في العدة، وعن إبراهيم: جاء عروة البارقي إلى شريح من عند عمر بخمس خصال منها ما إذا طلق المريض امرأته ثلاثة ورثته إذا مات وهي في العدة وكذلك أي: كما ذكرته لك أيها المخاطب ذكره هُشَيْم بالتصغير ابن بشير عن المغيرة الضبي، بتشديد الموحدة عن إبراهيم النَّخَعِيّ، بفتح الخاء المعجمة عن شريح: بالتصغير وهو من أجلاء التابعين وأكابر القضاة في الدين وأعيانهم المجتهدين أن عمر بن الخطاب ﵁ كُتِبَ إليه في رجل طلق امرأته ثلاثًا وهو مريض: جملة حالية من فاعل طلق أن أي: بأن أو أي وَرِّثها أمر من التوريث ما دامت في عدتها، أي: بعد موته فإذا انقضت العدة ثم مات فلا ميراث لها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وقال الشافعي في الجديد وأبو ثور وابن المنذر: لا ترث مطلقًا؛ لأن سبب الإِرث وهو الزوجية قد ارتفع قبل الموت فصار كما لو طلقها قبل الدخول وفي الصحة؛ ولهذا لو حلف أن لا زوجة له (ق ٦١١) لا يحنث، ولنا أن الزوجية سبب إرثها والزوج قصد إبطال حقها فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى انقضاء العدة لبقاء بعض الأحكام، بخلاف ما إذا ماتت هي حيث لا يرثها؛ لأنه رضي بذلك وبخلاف ما إذا طلقها

стр. 1117

بسؤالها لأنها رضيت ببطلان حقها، وأما عدم الحنث فلأن مبني الإِيمان على العرف مع إمكان نفيه على الحقيقة، ولا ينافي في بقاء بعض أحكام الزوجية في الجملة والله سبحانه أعلم. ثم العدة لامرأة الفار للبائن بعد الأجلين من عدة الوفاة، وعدة الطلاق بأن تتربص أربعة أشهر وعشرًا من وقت الموت فيها ثلاث حيض من وقت الطلاق. وقال أبو يوسف: تعتد بثلاثة أقراء لا بأبعد الأجلين، وهو قول مالك والشافعي، لأن العدة وجبت في حياته فتكون بالأقراء، ولنا أن فيما قلناه احتياطًا فكان أولى، وأما الرجعي فما للموت اتفاقًا؛ لأن النكاح قائم على كل وجه، وقد انقطع بالموت فيدخل في عموم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠] كذا قاله: علي القاري. لما فرغ من بيان حكم طلاق المريض، شرع في بيان حكم حال المرأة طلقت أو مات عنها زوجها وهي حامل، فقال: هذا * * * باب المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها وهي حامل باب في بيان حكم حال المرأة تطلق على صيغة المجهول أو يموت عنها زوجها وهي حامل أي: حبلى من المطلق أو من الميت استنبط المصنف روح هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ٤] واحتج بقوله: ٥٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري: أن ابن عمر سئل عن المرأة يُتوفى عنها زوجها، قال: إذا وضعت فقد حلَّت، قال رجل من الأنصار كان عنده: إن عمر بن الخطاب قال: لو وضعت ما في بطنها وهو على سريره لم يدفن بعدُ لحلَّت. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1118

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهري: أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، أن ابن عمر ﵄ سئل عن المرأة أي: عن حكم حال جنس امرأة يُتوفى بصيغة المجهول وقد يفتح فاءه كما في قراءة شاذة لقوله تعالى في سوره البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] أي: ينقضون أجلهم أي: يموتون، إنما سمي الموت بالتوفي لترتبه على تمام الأجل قدر له عنها زوجها، قال: إذا وضعت أي: حملها فقد حلَّت، أي: للزوج ولو قبل مضي أربعة أشهر وعشرا قال رجل من الأنصار كان عنده: أي: عند ابن عمر تقوية لفتياه إن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أي: في هذا الكتاب لو وضعت ما في بطنها وهو أي: زوجها الميت على سريره أي: نعشه ومغسله لم يدفن بعدُ تأكيد لما قبله لحلَّت باللام كما في (الموطأ) لمالك. جواب لو أي: خرجت من العدة لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] حيث لا فصل فيه بين الحرة والأمة ولا بين المطلقة المنسوخة والمتوفى عنها والموطوءة بشبهة ولا بين الحامل الثابت النسب وغيره، وعن علي وابن عباس ﵃: تعتد المتوفي عنها بأبعد الأجلين فتعتد بأربعة أشهر وعشرًا فيها ثلاث حيض لأن قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنِّ أَن يَضَعْنَ حَملَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] يوجب العدة بوضع الحمل وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يوجب الأشهر فيجمع احتياطًا بينهما ودليل عامة العلماء ما روى مالك: صاحب المذهب في (الموطأ) (ق ٦١٢) "أن عبد الله بن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف اختلفا في المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال فقال أبو سلمة: إذا وضعت ما في بطنها فقد حلت فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعني: أبا سلمة فأرسلوا كريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ يسألها عن ذلك فجاءهم فأخبرهم أنها قالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليالي فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "قد حللت فانكحي من شئت" وفي (البخاري) في تفسير سورة الطلاق وأواخر سورة البقرة "أن ابن مسعود ﵁ أنه قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون الرخصة فنزلت سورة النساء القصوى بعد الطول: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ

стр. 1119

أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ انتهى: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: من شاء لاعنته فنزلت سورة النساء القصوى بعد أربعة أشهر وعشرا. قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه الزهري عن ابن عمر وهو أي: ما قاله ابن عمر قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والعامة يطلق على معظم الشيء وعلى جميعه، والظاهر أن الخطاب أراد بالعامة الكل كما قاله عبد الرحيم بن الحسين الأثري في (شرح الألفية من أصول الحديث). * * * ٥٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن ابن عمر قال: إذا وضعت ما في بطنها حلَّت. قال محمد: وبهذا نأخذ في الطلاق والموت جميعًا، تنقضي عنها بالولادة، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه فاضل مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة عن ابن عمر ﵄ قال: إذا وضعت ما في بطنها أي: من الجنين حلَّت أي: لها أن تتزوج سواء طلقها زوجها أو توفي عنها زوجها. قال محمد: وبهذا نأخذ في الطلاق وهو بالاتفاق والموت جميعًا، أي: لا فرق بينهما تنقضي عنها بالولادة، أي: وحدها من غير انضمام أمر آخر إليها وهو قولُ أبي حنيفة ﵀. لما فرغ من بيان حكم حال المرأة طلقت أو مات عنها زوجها وهي حامل، شرع في بيان حال المولى، فقال: هذا * * * باب الإيلاء باب الإِيلاء أي: في بيان حكمه هو في اللغة: اليمين، يقال: ألى يولي إيلاء

стр. 1120

كأعطى يعطي إعطاء، وفي الشرع: حلف على ترك وطء المنكوحة مسلمة كانت أو كتابية، وحرة كان أو أمة، في مدة الإِيلاء، وحكمه: وقوع طلقة بائنة إن برأ والكفارة والجزاء إن حنث، وأقل مدته للحرة أربعة أشهر، وللأمة شهران، ولا حد لأكثرها، وصورة الإيلاء أن يقول المولى للمنكوحة الحرة: والله لا أقربك أربعة أشهر، وللأمة والله لا أقربك شهرين فلا إيلاء لو حلف على أقل من أقل المدتين بأن قال للحرة: والله لا أقربك شهرين أو ثلاثة أشهر، وللأمة: والله لا أقربك شهرًا. وقال الشافعي: مدة إيلاء الأمة أيضًا أربعة أشهر؛ لأن هذه المدة ضربت لإِظهار الظلم بمنع الحق في الجماع (ق ٦١٣) والحرة والأمة سواء، ولنا أن هذه المدة ضربت إجلال البينونة فشابهت مدة العدة في تصنيف مدة العدة فكذا في مدة الإِيلاء، والجامع فوات الحل بهما كما قاله الشمني والتمرتاشي وابن مالك في (شرح النقاية) و (تنوير الأبصار) و (مجمع البحرين)، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى يوجب البينونة من أن المرأة إذا طلقت أو مات زوجها عنها فولدت ما في بطنها بانت وحل لها أن تتزوج زوجًا في الحال وكذا الحكم في الإِيلاء، استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: يحلفون على ترك قربان أزواجهم أربعة أشهر فصاعدًا بالله أو بتعليق ما يشق عليهم وأيد استنباطه بقوله: ٥٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهري، عن سعيد بن المسيَّب قال: إذا آلى الرجل من امرأته ثم فاء قبل أن يمضي أربعة أشهر فهي امرأته، لم يذهب من طلاقها شيء، وإن مضت الأربعة قبلِ أن يفيء فهي تطليقة، وهو أمْلَك بالرجعة ما لم تنقض عدتها، قال: وكان مَرْوان يقضي به. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، عن سعيد بن المسيَّب بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في

стр. 1121

الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين وبيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر (١) في (طبقاتهما) قال: إذا آلى أي: حلف الرجل من امرأته أي: بأن قال: والله لا أقربك أربعة أشهر إن كانت حرة، أو قال: والله لا أقربك شهرين إن كانت أمة، فالإِيلاء الذي يكون بمعنى الحلف يتعدى بعلي لكنه ضمن معنى البعد فكأنه قال: إذا بعد الرجل من امرأته شبه سعيد بن المسيب الحكم المعقول المستفاد من قول الرجل لامرأته، والله لا أقربك أربعة أشهر إلى مكان بعيد محسوس وهو استعارة تبعية ثم فاء أي: رجع عن يمينه بأن يجامع امرأته قبل أن يمضي أربعة أشهر وهي مدة الإِيلاء في الحرة وشهران في الأمة فهي امرأته، لم يذهب من طلاقها شيء، أي: لكنه حنث ووجب الكفارة في الحلف بالله وسقط الإِيلاء بانحلال اليمين بالحنث بإجماع العلماء وإن مضت الأربعة أشهر أي: في الحرة والشهران في الأمة قبل أن يفيء أي: أن يرجع عن يمينه بالوطء أو ما يقوم مقامه عند عدم القدرة عليه فهي مطلقة تطليقة، أي: بائنة عندنا، وقيل: رجعية وهو أي: زوجها أمْلَك أي: أولى وأقوى بالرجعة أي: بالرجوع إليها ما لم تنقض أي: ما دامت لم تتم عدتها، قال: أي: سعيد بن المسيب وكان مَرْوان أي: ابن الحكم يقضي به أي: يحكم بكونها رجعية. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من التابعين: إذا مضى أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وقيل: إذا مضت أربعة أشهر (ق ٦١٤) يوقف فإما أن يفيء ويرجع إلى جماعها وإما أن يطلقها، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، كذا ذكره الترمذي في (جامعه) وليحيى عن مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم كان يقضي في الرجل إذا آلى من امرأته أنها إذا انقضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة، وله عليها الرجعة ما دامت في العدة. قال مالك: وعلى ذلك كان رأي ابن شهاب. * * * ٥٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أيُّما رجلٍ

стр. 1122

آلى من امرأته فإنه إذا مضت الأربعة الأشهرُ وُقِفَ حتى يطلق أو يفيء، ولا يقع عليها طلاق، وإن مضت الأربعة الأشهر حتى يوقف. قال محمد: بلغنا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت: أنهم قالوا: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر قبل أن يفيءَ فقد بانت بتطليقة بائنة، وهو خطاب من الخطَّاب، وكانوا لا يَرَوْنَ أن يُوقف بعد الأربعة، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧] , قال: الفيء: الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، وإذا مضت بانت بتطليقة، ولا يُوقَف بعدها، وكان عبد الله بن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن ابن عمر، ﵄ وفي نسخة: عن عبد الله بن عمر قال: أيُّما رجلٍ بفتح الهمزة وتشديد التحتية المضمومة فميم وألف محله مرفوع على أنه مبتدأ واستفهام متضمن معنى الشرط، وما زائدة تأكيد لإِبهام، ورجل مجرور لإِضافة كلمة أيما آلى صفة رجل أي: حلف من امرأته فإنه أي: الشأن إذا مضت الأربعة الأشهرُ وُقِفَ على صيغة المجهول جواب إذا، والجملة الشرطية محلها مرفوعة لأنها خبر للمبتدأ الثاني وهو فإنه والمبتدأ الثاني مع خبره خبر وجواب لأيما يعني: إذا حلف رجل أن لا يطأ امرأته أربعة أشهر وانقضت قبل أن يطأها وقف أي: أمسك حتى يطلق أي: بنفسه كما رواه الحاكم أو يفيء، أي: يرجع إلى جماعها فأو للتخيير ولا يقع عليها طلاق، وإن وصلية مضت الأربعة الأشهر ولم يجامع امرأته فيها حتى يوقف أي: يمكث إلى أن يطلقها بنفسه أو يرجع إلى جماعها، وبه قال مالك حيث قال في (موطئه) ليحيى قال مالك: وذلك الأمر عندنا انتهى.

стр. 1123

وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وعارضه بعض الحنفية بما رواه ابن أبي شيبة (١) بسند على شرط الشيخين عن ابن عباس، وابن عمر قالا: إذا آلى رجل فلم يف حتى مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة كما. قال محمد: بلغنا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت: ﵃ أنهم قالوا: إذا آلى أي: حلف الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر قبل أن يفيءَ أي: قبل أن يجامع امرأته فيها إذا كانت حرة، أو مضي شهران قبل أن يجامعها فيهما إذا كانت أمة فقد بانت أي: منه كما في نسخة بتطليقة بائنة، وهو أي: الزوج خاطب من الخطَّاب، بضم فتشديد جمع خاطب أي: واحد من الطالبين نكاحها فإنه ينكحها نكاحًا جديدًا، وهو تأكيد أن المطلقة ليست برجعية وكانوا أي: المذكورون أو غيرهم من السلف لا يَرَوْنَ أي: لا يختارون أن يُوقف أي: أن يمكث المولى بعد الأربعة، الأشهر وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في تفسير هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ بالهمزة وقد تبدل بالواو ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: انتظام مدتها ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا فيهن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفيه إيماء إلى أن الفيء أفضل ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: استمروا على عدم الفيء حتى تنقضي الأربعة أشهر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: بمقالتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بنياتهم، روى الواحدي في (أسباب نزول القرآن) بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك فوقت الله أربعة أشهر فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر، وكانت امرأته حرة فليس مؤلي. وقال سعيد بن المسيب من التابعين: كان الإِيلاء ضرار أهل الجاهلية كان الرجل منهم لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها فيحلفان لا يقربها أبدًا وكان يتركها كذلك لا أيما ولا ذات بعل، فجعل الله الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل من المرأة أربعة أشهر وأنزل ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية, كذا قال الشيخ الإِمام العلامة عبد الله بن مسعود تاج الشريعة الشمني في (شرح النقاية) قال أي: ابن عباس ﵄ الفيء مصدر فاء الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، أي: الدالة على عدم الرغبة منها وإذا مضت أي: تلك المدة بانت بتطليقة، ولا يُوقَف أي: لا ينتظر ولا يمكث

стр. 1124

بعدها، أي: بعد انقضائها كما لا يوقف قبلها إجماعًا وكان عبد الله بن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره، أي: قال ﷺ في حقه: "اللهم علمه القرآن وفقه في الدين" والمراد بتعليم القرآن: تأويله كما قاله ﷺ : "اللهم علمه الحكم وتأويل الكتاب" رواه أحمد بن حنبل في مسنده (١) وهو أي: ما قاله عمر وعثمان وابن مسعود قولُ أبي حنيفة، أي: الكل من والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم حال الإِيلاء، شرع في بيان حكم حال الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل الدخول بها، فقال: هذا * * * باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها باب في بيان حكم حال الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فإذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا وهي غير مدخول بها يقعن، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس وأبي هريرة وبه قال جمهور العلماء. قال الحسن البصري، وعطاء وجابر بن زيد: تقع واحدة؛ لأنها تبين بقوله: أنت طالق إلى عدة فيصادفها قوله: ثلاثًا وهي بائن، وصار قوله: أنت طالق وطالق وطالق، ولنا أن الثلاث صفة للطلاق الذي أوقعه والموصوف لا يوجد بدون الصفة، فصار الكلام كقوله: أوقعت عليك ثلاث تطليقات. ٥٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن محمد بن إياس بن البُكير، قال: طلَّق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاءَ ليستفتي، قال: فذهَبْتُ معه، فسأل أبا هريرة وابن عباس فقالا: لا يَنْكحها حتى تنكح زوجًا غيره، فقال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، قال ابن عباس: أرسلْت من يدك ما كان لك من فضْل.

стр. 1125

قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ لأنه طلَّقها ثلاثًا جميعًا فوقعن عليها جميعًا معًا، ولو فرّقهن وقعت الأولى خاصة، لأنها بانت بها قبل أن يتكلم بالثانية، ولا عدّة عليها، فتقع عليها الثانية والثالثة ما دامت في العدة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا أخبرنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، وهو ثقة فاضل كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين المحدثين، من أهل المدينة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، بلفظ تثنية ثوب، العامري القرشي المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن محمد بن إياس بكسر الهمزة ابن البُكير، تصغير بكر وهو خليفة بني بكير مكي، صدوق، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض قال: طلَّق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أي: ظهر عنده أن ينكحها، أي: يتزوجها زعمًا منه أنه وقع واحدة بائنة فجاءَ أي: إلى المدينة ليستفتي، أي: يطلب بالفتوى من بعض الصحابة قال: أي: محمد بن إياس فسأل أبا هريرة وابن عباس فقالا: لا يَنْكحها بصيغة الغيبة والخطاب أي: لا تتزوجها حتى تنكح زوجًا غيره، أو غير زوجها الأول ويطأها ويطلقها، أو يموت عنها وتخرج من عدة الثاني فقال: أي: الرجل المستفتي إنما كان طلاقي أي: قصدي في تطليقي إياها أي: بهذا اللفظ واحدة، أي: لا زائدة قال ابن عباس: أرسلْت من يدك أي: اختيارك ما كان لك من فضْل أي: زيادة طلاق اقتصرت على واحدة أو اثنتين، وأما حيث أرسلت الثلاثة جملة واحدة، فما بقي لك من أمرك شيء في يدك. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله: محمد بن إياس وهو أي: ما قاله محمد بن إياس قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، قال عبد الرحيم بن الحسين الأثري في (شرح الألفية من أصول علم الحديث): وعامة الشيء يطلق بإزاء معظم الشيء وبإزاء جميعه، والظاهر أن الخطابي أراد الكل ولو أراد الأكثر لا فرق بين العلماء والفقهاء لأنه طلَّقها ثلاثًا جميعًا أي: مجموعًا لا متفرقًا بعطف أو غيره فوقعن أي الثلاث عليها جميعًا معًا، أي: مرة واحدة ولو فرّقهن أي: بالعطف بأن قال: أنت طالق وطالق وطالق بالتكرير من غير عطف نحو: أنت طالق طالق طالق وقعت الأولى خاصة، أي: وحدها
следующие страницы →