← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الله عنه، أي: لدفع الوسواس عن نفسه. وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم، عن الحكم بن سفيان: أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فنضح بها فرجه (١)، أي: غسله. قال محمد: وبهذا، أي: بغسل الموضع الذي أصابه المذي، نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي: إذا كثُر ذلك أي: البلل من الإِنسان، أي: في عمره، أو فيما ابتلى به، بخلاف النادر في وقوعه، كما حقق في مسألة الشك في الصلاة. قوله: وأدْخَل الشيطان، أي: على الإِنسان، فيه أي: في الحدث شكًا، عطف على قوله "كثر ذلك"، وفي نسخة: الشكَّ، أي: أراد التشويش الخاطر بالوسوسة في الصلاة وغيرها، فلا يلتفت إليه، فإن هذا صعب عليه، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀. اعلم أنهم اتفقوا على أن من (ق ٤٧) يتقن الطهارة وشك في الحدث، فإنه باقٍ على طهارته إلا مالكًا، فإن ظاهر مذهبه أنه ينبئ عن الحدث ويتوضأ. وقال الحسن: إن شك في الحدث وهو في الصلاة يبني على تيقنه، ومضى على صلاته: أي: أتمها، وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك، وهذا تفصيل حسن وجمع مستحسن. ولما ذكر ما يقتضي الوضوء من المذي، شرع في ذكر بيان الوضوء مما يشرب منه السباع، وتلغ فيه، فقال: هذا * * * باب في بيان عدم جواز الوضوء من ماء قليل يشرب منه السباع وتلغ فيه السباع بكسر السين المهملة، جمع السبع بفتح، وضم وسكن، وبه قرئ شاذًا وهو الحيوان المفترس: كالأسد والفهد والذئب.

стр. 107

والجمهور ذهبوا إلى حرمة أكلها لحديث مسلم: "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام" (١)، وقال مالك: يكره ولا يحرم، لظاهر قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، وأجيب عنه بأن الآية ليست إلا الإِخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرمًا إلا المذكورات، ثم أوحى تحريم: "كل ذي نابٍ من السباع"، فوجب قبوله والعمل به. هذا ويقال: ولغ الكلب في الإِناء، وفي الشراب، ومنه: ولغ يلغ كيهب شرب ما فيه بأطراف لسانه، وأدخل لسانه فيه فحركه، كذا في (القاموس) وفي (المصباح): ولغ الكلب، كمنع، شرب، وسقوط الواو كما في يقع وكوعد، وورث، ويوغل، كيوجل لغة، ثم سؤر السباع نجس، عند أبي حنيفة، وأحمد، ووافقهما الشافعي في سؤر الكلب والخنزير، وقال مالك: بطهارة السؤر مطلقًا. ٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بَلْتَعَةَ: أن عمر بن الخطاب خرج في رَكْبِ فيهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، هل تَرِدُ حوضَك السِّباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تُخْبِرْنا، فإنا نَرِدُ على السِّبَاع وَتَرِدُ علينا. قال محمد: إذا كان حوض ماء عظيم، إن حرَّكت منه ناحية لم تتحركْ الناحيةُ الأخرى، لم يُفْسِد ذلك الماءَ مَا وَلَغَ فيه، من سَبُع ولا وقع فيه من قَذَرٍ، إلا أن يُغَلَب عَلى ريح أو طَعْمِ؛ وإذا كان حوضًا صغيرًا، إن حركتَ منه ناحيةً تَحَرّكَتْ الناحية الأُخرى؛ فَوَلَغَتْ فيه السِّبَاع، أو وقع فيه القَذَرُ، فلا يُتَوضأ منه ألا ترى أن عمر بن الخطاب كره أن يُخْبِرَهُ، ونهاه عن ذلك، وهذا كله قول أبي حنيفة.

стр. 108

• محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة: أنا رمزًا إلى أخبرنا مالك، قال: حدثنا، وفي نسخة: أخبرنا يحيى بن سعد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن أحد أكابر التابعين ابن حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ، بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقية، وحاطب هذا شهد بدرًا والخندق وما بينهما من المشاهد، مات سنة ثلاثين بالمدينة، أن عمر بن الخطاب ﵁، خرج في رَكْبِ بالفتح والسكون جمع الراكب، وهو ضد الراجل فيهم، أي: في جملتهم عمرو بن العاص، بالياء وبغيرها، لكنه بغير ياء. كذا قاله ابن مالك في (شرح المصابيح)، وهو أسلم سنة خمس من الهجرة وولاه النبي ﷺ على عمان، فلم يزل عليها حتى قبض النبي ﷺ ، وعمل لعمر وعثمان ومعاوية، وهو الذي افتتح مصر، وعمرو لم يزل عاملًا عليها إلى آخر وفاته، وأقره عثمان عليها نحوًا من أربعين سنة، وعزله ثم أقطعه إياها معاوية لما صار الأمر إليه، فمات بها سنة تسع وتسعون (١)، حتى وردوا حوضًا، أي: مروا على بركة ماء، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، هل تَرِدُ حوضَك أي: هل تدخل عليه السِّباع لأجل الشرب منه؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تُخْبِرْنا، واتركنا على الشبهة، فإنا نَرِدُ على السِّبَاع وَتَرِدُ علينا. وهذا بظاهره يؤيد مذهب مالك، من أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا (ق ٤٨) ما غير طعمه، أو لونه، أو ريحه سواء كان قليلًا أو كثيرًا. ويؤيده حديث: "الماء لا ينجسه شيء" (٢)، رواه الطبراني في (الكبير)، و (الأوسط)، والشافعي، والطيالسي، وأحمد بن حنبل، والدارقطني، والبيهقي،

стр. 109

والنسائي، وابن حبان، والطحاوي، والحاكم عن جماعة من الصحابة. وفي رواية للدارقطني: "الماء طهور إلا ما غلب ريحه، أو على طعمه". وأما عند غيره: فإما محمول على أن اليقين الأصل، لا يزول بالشك العارض، وإما على أن الماء كان كثيرًا قدر القلتين أو أكثر، والقلة، بضم الكاف وفتح اللام المشددة والتاء الفوقية، أي: وعاء يسع مائة وخمسين رطلًا، وهو مائة وثلاثون درهمًا. قال محمد: إذا كان حوض ماء عظيم، إن حرَّكت منه ناحية لم تتحركْ الناحيةُ (ق ٤٨) الأخرى، وقدر بعشر في عشر لا ينجس، أي: لا يظهر أرضه بالفرق، لم يُفْسِد ذلك الماءَ، وأي: حيوان وَلَغَ أي: شرب بلسانه فيه من سَبُع وأسد وضبع، وكذا خنزير وكلب، ولا ما وقع فيه من قَذَرٍ، بفتحتين، أي: عين نجاسة، إلا أن يُغَلَب على ريحٍ أو طَعْم؛ وفي معناهما اللون، فإذا كان حوضًا صغيرًا، أي: دلو قلتين، وتعريفه: إن حركتَ منه ناحيةً تَحَرّكَتْ الناحية الأُخرى؛ فَوَلَغَتْ فيه السِّبَاع، أو وقع فيه القَذَرُ، فلا يتَوضأ منه، بصيغة الخطاب المعلوم أو الغائب المجهول، وكذا قاله: ألا ترى أن عمر بن الخطاب كره أن يُخْبِرَهُ، ونهاه عن ذلك، وهذا كله قول أبي حنيفة، ﵀، وسبق خلاف غيره. لما فرغ عن بيان جواز الوضوء، بماء قليل شرب منه السابع، شرع في بيان جوازه بماء البحر، فقال: هذا * * * باب في بيان جواز الوضوء بماء البحر ٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُلَيْم، عن سعيد بن سَلمَة بن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بُرْدَة، عن أبي هريرة، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، قال: إنا نَرْكَبُ البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنَا به

стр. 110

عَطِشْنَا؛ أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو الطُّهُورُ ماؤهُ الحلالُ مَيْتَتُه". قال محمد: وبهذا نأخُذُ؛ ماء البحر طهور كغيره من المياه، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة. • محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، قال: أي: مالك: حدثنا صفوان بن سُلَيْم، بالتصغير: تابعي جليل القدر، من أهل المدينة، مشهور، روى عن: أنس بن مالك، ونفر من التابعين، وكان من خيار عباد الله الصالحين، ويقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، وجبهته نفيت من كثرة السجود، وكان لا يقبل جوائز السلطان، ومناقبه كثيرة، روى عنه ابن عيينة، عن سعيد بن سَلمَة المخزومي ابن الأزرق، وثقه النسائي، وقول ابن عبد البر: لم يرو عنه فيما علمت إلا صفوان، ومن كانت هذه حاله فهو مجهول، لا تقوم به حجة، تعقب بأنه روى عنه الجلاح أبو كبير، وحديثه عنه في مستدرك الحاكم. قال الرافعي: وعكس بعض الرواة الاسمين فقال: سلمة بن سعيد، وبدل بعضهم فقال: عبد الله بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بُرْدَة، بضم موحدة وراء ساكنة فدال مهملة. قال الترمذي: سألتُ البخاري عن حديث مالك هذا فقال: هو صحيح، قال: قلت: هُشَيْم: يقول فيه: المغيرة بن أبي بردة، أي: بفتح موحدة ثم راء معجمة، فقال: وهم فيه. ذكره السيوطي، قال الرافعي: الحديث [رواه] (١) بعضهم عن المغيرة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ولا يوهم ذلك إرسال في إسناد الكتاب، فإن فيه ذكر سماع المغيرة عن أبي هريرة، وصورة الحديث المرسل: يقول التابعي سواء كان كبيرًا أو صغيرًا: قال رسول الله ﷺ : كذا، أو فعل بحضرته كذا، ونحن ذلك كما قاله ابن حجر في (نخبة الفكر)، (ق ٤٩) عن أبي هريرة، ﵁، أنه يقول: أن رجلًا من بني مدلج كما في مسند أحمد والطبراني: أن اسمه: عبيد، بطن من كنانة، سأل رسول الله ﷺ ، قال: يا رسول الله، كما أورده مالك في (الموطأ)، إنا نَرْكَبُ البحر، الملح؛ لأنه المتوهم فيه؛ لأنه

стр. 111

مالح، ومرور ريحه منتنة، فإن قيل: أي شيء وحدث تحت البحر، أجاب عنه أبو الشيخ ابن حبان، وأخرج عن ابن عمر، وقال: تحت بحركم هذا بحر من نار، وتحت ذلك البحر بحر من ماء، وتحت ذلك البحر بحر من نار، حتى عد سبعة أبحر من نار، وتحت تلك البحور أبحر من ماء، كما أورده السيوطي في (الهيئة السنية)، قال أبو عبد الله: فيه جواز ركوبه لغير حج ولا عمرة ولا جهاد؛ لأن السائل إنما ركبه للصيد، كما جاز من غير طريق مالك، وكذا يجوز ركوبه للسفر لطلب العلم والتجارة وصلة الرحم، ونحمل معنا القليل من الماء أي: بقدر الاكتفاء، فإن توضأنَا به عَطِشْنَا؛ بكسر الطاء، أي: نحن ورفقاؤنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ وضع المظهر موضع المضمر، وهو خلاف الظاهر، ومقتضى الظاهر أن يقول السائل: بمائه لزيادة تمكن ماء البحر في ذهن السامع. فقال رسول الله ﷺ : "هو أي: البحر، الطُّهُورُ ماؤهُ هو: بفتح الطاء، أي: ماء البحر مطهر من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، فيلزم أن يكون مطهر، وتقديم المسند إليه؛ لتقوي الحكم وتقريره في ذهن السامع، وتعريف المسند، لإِفادة السامع حكمًا على أمر معلوم للسامع، باعتبار تعريف البحر، فحينئذٍ يفيد قصر الجنس على شيء تحقيقًا؛ نحو زيد الأمير إذا لم يكن أمير سواه، يعني: تقديم المسند إليه، وهو: لفظ (هو) لتقوي حكم جواز الوضوء بماء البحر في ذهن السامع، وتعريف المسند، وهو لفظ: الطُّهُورُ؛ لإِفادة السائل حكم طهورية مياه البحار، وجواز الوضوء بمياه البحار، وهو معلوم للسائل، فيفيد قصر جميع مياه البحار على الطهورية، وكون المسند [جملة] اسمية يفيد استمرار طهورية مياه البحار، وأما إضافة لفظ [ماء] إلى ضمير البحر، فلكون الفائدة أتم، فليطلب تفصيل هذه القاعدة في المسند إليه والمسند في علم المعاني، ولما عرف رسول الله ﷺ اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر، أشفق، أي: خاف عليه أن يشتبه عليه حكم ميتة البحر وقد يُبتلى بها ركاب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة فقال: الحلالُ مَيْتَتُه، أي: ميتة البحر وهي السمك فقط، عند أبي حنيفة ﵀، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وما عدا السمك. وذكره في (النقاية): ولا يحل حيوان مائي سوى السمك، قال الله تعال في سورة الأعراف: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وما عدى السمك خبث.

стр. 112

وأخرج أبو داود والنسائي (١) عن عبد الرحمن بن عثمان القرشي: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الضفدع؛ لأن النبي نهى عن قتله، والنهي عن قتل الحيوان إما لحرمة كالآدمي، وإما لتحريم أكله كالقرد، والضفدع ليس بمحرم، فكان النهي منصرفًا إلى أكله، كما قاله الشمني. قال (ق ٥٠) الشافعي: جميع حيوانات البحر حلال لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والطبائع السليمة تستخبث غير السمك. كذا قاله ابن الملك في شرح (مجمع البحرين): يقول الفقير: والصيد هنا مطلق، والمطلق يُصرف إلى الكمال، في صيد البحر السمك، ويكره أكل السمك الذي مات بغير آلة معلومة. وقال الشافعي: لا يكره لإِطلاق ما تمسك به من الآية، وكذا ما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر، أن رسول الله ﷺ قال: "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفى - أي: علا على الماء - فلا تأكلوه" (٢). وجزر بجيم فزاي فراء مهملة: انكشف وبعد عن الماء. كذا قاله الشمني، وذكر في (الحقائق): سمكة بعضها في الماء وبعضها في الأرض ميتة، لا تؤكل، وإن كان رأسه خارج الماء أكلت، وإن كان في الماء، وكان منها على الأرض قدر النصف، أو أقل لم تؤكل، وإن كان منها على الأرض أكثر من النصف، كذا قاله ابن الملك في شرح (مجمع البحرين). فائدة لطيفة: حُكِي أن هارون الرشيد بن مروان، خرج ذات يوم للصيد، فأرسل شاهينًا له فغاب عنه زمانًا، ثم أتى وفي فمه سمكة فأحضر هارون الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك، فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين: روينا عن جدك خير الأمة: عبد الله بن عباس

стр. 113

رضي الله عنهما قال: الجو مغمور بأمم مختلفة الخلق، وفيه دواب تبيض وتفرخ، أي: تلد بيضة تخرج منها فرخ على هيئة السمك، ولها أجنحة ليست بذوات ريش، فأجاز أي: الرشيد لمقاتل، ﵀، بجوائز كثيرة على ذلك الخبر كما في (حياة الحيوان). قال محمد ﵀: وبهذا، أي: بهذا الحديث نأخُذُ؛ أي: نعمل ونفتي، ماء البحر طهور، أي: طاهر في نفسه ومطهر بغيره كغيره من المياه، أي: من مياه الأرض والسماء على أصلها، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، والعامة، أي: عامة الفقهاء خلافًا لبعض السلف. ولما ذكر حكم جواز الوضوء بماء البحر، عقبه باب المسح على الخفين، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب الكلية والجزئية؛ لأن الوضوء واستعمال الماء على أربعة أعضاء، والمسح: استعمال اليد المبتلة بالماء، على الخفين البدلين من الرجلين، أو المناسبة بين هذا الباب وذاك الباب المستعمل به، والمستعمل فيه، والمراد بهما الماء والخفين. . فقال: هذا * * * باب في بيان أحكام المسح على الخفين هذا كلام إضافي، وهو مبتدأ وخبر، كما قرره في أول الكتاب، قدم المصنف ﵀ باب الوضوء بماء البحر على هذا الباب؛ لقوة دليله، كما قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. ودليل المسح على الخفين الحديث المشهور. والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، واصطلاحًا: عبارة عن رخصة مقدرة جعلت للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها. والخف في الشرع: المتخذ من الجلد الساتر للكعبين (ق ٥١) فصاعدًا وما ألحق به، وسُمَّي الخف خفًا؛ لأن الحكم خفف به من الغسل إلى المسح، كما قاله محمد بن عبد الله التمرتاشي في (المنح)، وكلمة على تدل على وجوب المسح على الخفين، والاقتداء به واجب علينا.

стр. 114

وفي كلمة الخفين، دلالة على رد مذهب الشيعة، والروافض، وإثبات مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم أنكروا المسح على الخفين، وأثبتوا على الرجلين عريانين، حيث عطفوا قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالجر على لفظ ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، وقراءة أهل السنة بالنصب، وعطفوا على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾. رُوي أن أبا حنيفة ﵀ سُئِل عن أهل السنة والجماعة فقال: أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وترى المسح على الخفين. كذا في (منح الغفار) وفي إيراد لفظ الخفين بصيغة التثنية إيماء إلى جواز المسح على خف واحد. وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أنكر المسح على الخفين، إلا مالكًا في رواية أنكرها أكثر أصحابه، والرواية الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطأه يشهد للمسح في الحضر والسفر على الرجال والنساء، وعليها جميع أصحابه وأهل السنة والجماعة. قال ابن وهب: آخر ما فارقتُ مالكًا على إثبات المسح، في الحضر والسفر. وقال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، لما قال بعض الحفاظ: حديث المسح متواتر، وحكمُه حكم النظم الكريم. ٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن عبَّاد بن زياد؛ من وُلْدِ المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ ذهب لحاجة في غزوة تَبُوك، قال: فذهْبتُ معه بماء فجاء النبي ﷺ فسكَبْتُ عليه، قال: فغسل وجهه ثم ذهب يُخْرِج يدَيْهِ فلم يستطع من ضيق كُمَّي جُبَّتِه، فأَخْرَجَهُمَا من تحت جُبَّتِه، فغسل يَدَيْهِ، ومسح برأسه ومسح على الْخُفَّيْنِ، ثم جاء رسول الله ﷺ ، وعبد الرحمن بن عوف يَؤمُّهُمْ؛ قد صلى لهم سجدة، فصلى معهم رسول الله ﷺ ، ثم صلى الركعة التي بقيَتْ، فَفَزع الناسُ له، ثم قال لهم: "قد أحسنتم". • محمد قال: ثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: أخبرنا مالك قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرنا ابن شهاب بكسر أوله، الزهري، بضم الزاي المعجمة منسوب إلى زهرة بن كلاب،

стр. 115

اشتهر بالنسب إليهم، وأبو بكر بن مسلم بن عبد الله بن شهاب, عن عبَّاد بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة، ابن زياد؛ أخي عبيد الله بن زياد: المعروف بابن أبيه، ويقال له: ابن أبي سفيان، يكنى: عباد، أبا حرب، وكان [رحل] إلى سجستان سنة ثلاث وخمسين، وثقه ابن حبان، وروى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، ومات سنة مائة، من وُلْدِ المغيرة بن شعبة، بضم الواو وسكون اللام والدال المهملة: جمع ولد، بفتح الواو واللام بمعنى البنين، بيان عن: عباد بن زياد، قال الزرقاني: هذا حديث منقطع، فعباد لم يسمع المغيرة، ولا رآه، وإنما يرويه الزهري عن عروة وحده دون حمزة. قال الدارقطني: فوهم مالك في إسناده في موضعين: أحدهما: قول عباد من ولد المغيرة. الثاني: إسقاط عروة وحمزة، قال: ورواه إسحاق بن راهويه، عن روح بن عبادة، عن مالك، عن الزهري، عن عباد بن زياد، رجل من ولد المغيرة، فإن كان روح حفظه عن مالك فقد أتى بالصواب عن الزهري. قال بعض الرواة عن الزهري، قال: عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، لم يذكر عبادًا، والصحيح: قول من ذكر أن عبادًا أو عروة أن النبي ﷺ ذهب لقضاء حاجة الإِنسان، وفي صحيح مسلم (١) فتبرز ﷺ قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر. ولابن سعد: (ق ٥٢) عن المغيرة: لما كنا بين الحجر وتبوك، ذهب لحاجته وتبعته بماء بعد الفجر، ويجمع أن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح في غزوة تَبُوك، آخر مغازيه ﷺ بنفسه بمنع الصرف للتأنيث والعلمية. كذا قاله النووي، وتبعه في (الفتح)، وتعقب بأنه علة منعه كونه على مثال الفعل كتقول، والمذكر والمؤنث في ذلك سواء. هو مكان بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة، وسميت بذلك في أحاديث صحيحة، كقوله ﷺ : "إنكم ستأتون غدًا عين تبوك"، فمقتضاه قدم تسميتها بذلك. وقيل: سميت به، لقوله ﷺ ، وقد رأى قومًا من أصحابه يتبوكون عين الماء، أي:

стр. 116

يدخلون فيها القدح فيحركونه ليخرج الماء، [فقال] (١): "ما زلتم تبوكونها بوكًا"، قال: أي: المغيرة، كما في (الموطأ): لمالك: فذهبتُ معه، أي: النبي ﷺ بماء، أي: للاستنجاء أو للوضوء وهو الأظهر. وللبخاري في الجهاد، وغيره: عن مسروق، عن المغيرة أن النبي ﷺ أمره أن يتبعه بالإِداوة، فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته، ثم أقبل: فتوضأ. وفي رواية أحمد: أن الماء أخذه المغيرة من أعرابية صبته له في قربة من جلد ميتة، فقال ﷺ : "سلها، فإن كانت دبغتها فهو طهور"، فقال: أي والله: لقد دبغتها، وفيه قبول خبر الواحد في الأحكام ولو امرأة، سواء كان مما تعم به البلوى أم لا لقبول خبر الأعرابية. قال: أي: المغيرة كما في (الموطأ) لمالك، أو أي: الرواي، كما فسره علي القاري، فجاء النبي ﷺ بعد قضاء حاجته، فسكَبْتُ أي: صببتُ ماء الوضوء عليه، أي: على يده الشريفة، وتفسير الضمير المذكر باليد المؤنث السماعي باعتبار لفظه، أو باعتبار محل الوضوء، وهذا دليل على جواز صب ماء الوضوء على يد المتوضئ، بل على استحبابه، خلافًا لمن قال بكراهته، بالمشاركة في أمر الطاعة، ويدفع بأنه من باب التعاون على البر، بقدر الاستطاعة، وفي كلمة فسكبت: الفاء، تنبيه على المبادرة إلى البر، وهي للتعقيب، وهو في كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل. كذا قاله: ابن هشام، وكذا لم يكن بين خروجه ﷺ بالوضوء، وبين قضاء حاجته إلا مدة المشي، بين الموضع الذي قضى حاجته، وبين الموضع الذي شرع فيه الوضوء. قال: أي: الراوي، فغسل وجهه، زاد في رواية أحمد: ثلاث مرات، وفي هذه الرواية اختصار؛ فعند أحمد، من طريق عباد بن زياد المذكور، أنه غسل كفيه، وله من وجه آخر قوي، فغسلهما فأحسن غسلهما، وللبخاري في الجهاد: وتمضمض واستنشق، وفي مسلم: فلما رجع أخذتُ، أي: شرعتُ، أهريق على يديه من الإِداوة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب، أي: شرع، وأراد حال كونه يُخْرج يدَيْهِ، أي: من كميه، فلم يستطع، أي: لم يقدر على إخراج يديه، وفي العطف بثم إشعار بأن الموالاة

стр. 117

في الوضوء ليست بشرط لصحته؛ لأن ثم للتراخي، (ق ٥٣) وهو أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه مهلة. قال ابن الملك في (شرح المنار): من ضيق، أي: لأجل عدم سعة كُمَّيّ جُبَّتِه، قيل: الجبة: ثوبان بينهما محشو إلا أن يكون من صوف، وقد تكون واحدة، واستدل به على أن ضيق الكمين مندوب في السفر؛ لأن الثياب الضيقة قليلًا أعون على التشمير، وفي الجملة، دل على جوازه، وأشعر بأن العادة المستمر عليها واسعة، فأَخْرَجَهُمَا، أي: اليدين، من تحت جُبَّتِه، أي: من داخلها من طرف ذيلها. وزاد مسلم: وألقى الجبة على منكبيه، فغسل يَدَيْهِ. ولأحمد: فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات. ومسح برأسه، أي: بمقدار ربع رأسه، كما في رواية مسلم: ومسح بناصيته، أي: بمقدار ربع رأسه، وقال مالك وأحمد: مسح كل الرأس، حيث اعتبر أن الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ زائدة كما أنها زائدة في آية التيمم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وقال الشافعي: الغرض من مسح الرأس أدنى جزء منه، ولو بعض شعره، إذ الباء في ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للتبعيض عنده. وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس في الوضوء فرض؛ لما رُوي عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: إن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال، وتوضأ ومسح على ناصيته (١)، السباطة: بضم السين المهملة: الكناسة: ومسح على الْخُفَّيْنِ، هذا محل الشاهد للترجمة، ثم المسح على الخفين خاص بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع ثم، أي: بعد الوضوء جاء رسول الله ﷺ ، أي: رجع عن محل الوضوء إلى رحله، أي: والحال وعبد الرحمن بن عوف ﵁ يَؤمُّهُمْ؛ أي: الصحابة الموجودين هناك. وفي مسلم: قال، أي: المغيرة بن شعبة، فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف.

стр. 118

ولابن سعد: فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا طلوع الشمس فقدَّموا عبد الرحمن فصلى بهم سجدة، أي: ركعة من صلاة الفجر، هذا من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل، وأشار بهذا المعنى الذي أخبره رسول الله ﷺ ، وقال: "أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد"، هذا حديث صحيح. وفي مسلم: "وهو ساجد"، و"ما" في قوله: "أقرب ما يكون العبد"، مصدرية، وأقرب مبتدأ حذف خبره، ولفظ يكون من الأفعال التامة، أي: أقرب وجود العبد إلى ربه حاصل وقت سجوده. وزاد أحمد: قال المغيرة بن شعبة: فأردتُ تأخير عبد الرحمن فقال ﷺ : "دعه". وعن ابن مسعود: فانتهينا إلى عبد الرحمن، وقد ركع ركعة، فسبح الناس له حين رؤوا رسول الله ﷺ ، حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه ﷺ : أن اثبت، فصلى رسول الله ﷺ ، ثم صلى الركعة التي بقيَتْ، فَفَزع الناسُ له، أي: فصاحوا لأجل النبي ﷺ ، أنه سبقهم بالصلاة ففزع الناس، وأكثروا التسبيح، رجاء أن يشير لهم هل يعيدونها معه أم لا؛ لظنهم أنه أدركهم من أولها، وأن قيامه لأمر حدث، كأنهم ظنوا الزيادة في الصلاة كما زعم بعضهم لتصريحه. في رواية ابن سعد: بأنهم علموا بالنبي ﷺ حين دخل معهم، فسبحوا حتى كادوا يفتنون، ثم قال: لهم: "قد أحسنتم"، أي: فعلتم الصلاة لوقتها. ولفظ مسلم وأبي داود: ثم صلى الركعة الثانية ثم سلم عبد الرحمن فقام النبي ﷺ في صلاته، ففزع المسلمون وأكثروا التسبيح؛ لأنهم سبقوا النبي ﷺ ، فلما سلم رسول الله ﷺ قال لهم: "قد أحسنتم"، وفيه اقتداء الفاضل بالمفضول، وصلاة النبي ﷺ خلف بعض أمته. وروى البزار عن الطريق مرفوعًا: "ما قبض نبي حتى يؤمه رجل من أمته" (١). * * *

стр. 119

٤٨ - أخبرنا مالك, حدثنا سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيْش، أنَّه قال: رأيت أنس بنِ مالك أتى قُبَاءَ فَبَالَ، ثم أُتِيَ بماء فتوضأ؛ فغسل وجهه ويديه إلى المِرْفَقَيْنِ، ومسح برأسه، ثم مسح على الخفَّيْنِ، ثم صلَّى. • محمد قال: أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، قال: حدثنا، وفي نسخة: ثنا سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيْش، (١) بضم الراء المهملة وبالقاف المفتوحة والياء التحتية الساكنة، والشين المعجمة، مصغر الأشعري الأسدي المدني؛ ثقة من صغار التابعين؛ أنَّه، أي: السعيد، قال: رأيت أنس بن مالك أتى قُبَاءَ بضم القاف ممدودًا ومقصورًا، فَبَالَ، ثم أي: بعد الاستبراء، أُتِيَ على بناء المجهول، أي: جيء بماء فتوضأ؛ فغسل وجهه ويديه إلى المِرْفَقَيْنِ، أي: معهما، ومسح برأسه، أي: ربع رأسه، ثم مسح على الخفَّيْنِ، ثم صلَّى. وفي (الموطأ) لمالك: ثم جاء المسجد فصلى. والمقصود من ذكر هذا وما قبله: أن المسح عليهما، معمول به عند الصحابة بعده ﷺ بالمدينة وغيرها، فلو كان منسوخًا، كما زعم الخوارج ما عملوا به، وقولهم: إنه خلاف القرآن، وعسى أن يكون القرآن نسخه مردود. كما في مسلم (٢) وغيره: أن جرير بن عبد الله البجلي بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هذا؟ فقال: نعم؛ رأيتُ رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه، قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة، وفي لفظ: أن جريرًا قال: ما أسلمت إلا بعد نزول سورة المائدة، وكان إسلامه في سنة عشر، وقيل: أول سنة إحدى عشرة، كما قاله الزرقاني (٣). * * *

стр. 120

٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع وعبد الله بن دينار: أن عبد الله بن عمر قَدِم الكوفَةَ على سعد بن أبي وقَّاص، وهو أميرها، فرآهُ عبدُ الله وهو يمسح على الخفَّيْن، فأنكر ذلك عليه، فقال له: سَلْ أبَاك إذا قَدِمْت عليه، فَنسِيَ، عبد الله أنْ يسأله، حتى قدم سعد، فقال: أسَألْتَ أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله فقال: إذا أدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ في الْخُفَّيْن وهما طاهرتان فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدُنا من الغَائِط؟ قال: وإن جاء أحدكم من الغائط. • محمد قال: أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: ينسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، حدثنا نافع وهو مولى عبد الله بن عمر، وعبد الله بن دينار العدوي، مولاهم المدني، أبي عبد الرحمن، وروى عن مولاه ابن عمر، وأنس، وعنه: الثوري، وابن عيينة، ومالك، وشعبة. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، مات سنة سبع وعشرين ومائة، هذا تحويل السند تقوية للحديث أن نافعًا وعبد الله بن دينار، أخبرنا مالك: أن عبد الله بن عمر قَدِم، بفتح القاف، وكسر الدال والميم بعدها، أي: دخل الكوفَةَ، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، على سعد بن أبي وقَّاص، ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين، وهو أميرها، من قبيل عمر بن الخطاب، فرآهُ أي: سعدًا، عبدُ الله أي: ابن عمر، وهو، أي: والحال سعد بن أبي وقاص: يمسح على الخفّيْن، فأنكر ابن عمر ذلك؛ أي: المسح عليه، أي: على سعد؛ لأنه لم يبلغه - مع قدم صحبته وكثرة روايته - إذ قد يخفى على قديم الصحبة من الأمور الجلية في الشرع ما يطلع عليه غيره، ويحتمل أنه أنكر عليه المسح في الحضر لا في السفر على ظاهر هذا القصد، وأما السفر فكان ابن عمر يعلمه، ورواه عن النبي ﷺ (ق ٥٥) يمسح على الخفين بالماء في السفر، فقال أي: سعد له، أي: لابن عمر بن الخطاب: سَلْ أبَاك، يعني: عمر بن الخطاب، أي: إذا قَدِمْت عليه في المدينة المنورة فإنه أعلم مني ومنك، فَنسِيَ عبد الله بعد قدومه المدينة أنْ يسأله، أي: أباه عمر بن

стр. 121

الخطاب عن ذلك، حتى قدم سعد لابن عمر؛ لإِزالة إنكاره وإفادته الحكم، فقال: أسَألْتَ أباك؟ فقال: لا. ولأحمد من وجه آخر: فلما اجتمعا عند عمر، قال لي سعد: سل أباك، فسأله عبد الله، أي: بعد ذلك. ولابن خزيمة: عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: كنا ونحن مع نبينا ﷺ نمسح على خفنا، لا نرى بذلك بأسًا. فقال أي: عمر بن الخطاب: إذا أدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ في الْخُفَّيْن وهما أي: الرجلين طاهرتان طهارة كاملة عند وجوب الحدث فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء كلمة إن وصلية، أحدُنا من الغَائِط؟ قال: أي: عمر، نعم، وإن وصلية، جاء أحدكم من الغائط. وفي البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر عن سعد عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، وأن ابن عمر سأل أباه عن ذلك، فقال: نعم إذا حدثك شيئًا سعد عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره. والإِسماعيلي: إذا حدثك سعد عن النبي ﷺ فلا تبغ وراء حديثه شيئًا؟ أي: لقوة الوثوق بنقله، ففيه تعظيم عظيم من عمر لسعد، وفيه دليل على أن الصفات الموجبة للترجيح، إذا اجتمعت في الراوي وكانت من جملة القرائن التي إذا [حَفَّت] (١) خبر الواحد قامت مقام الأشخاص المتعددة، وقد يفيد العلم عن بعض دون بعض، وأن عمر كان يقبل خبر الواحد، وما نقل عنه من التوقف. إنما كان عند وقوع ريبة في بعض المواضع، واحتج به من قال: يتفاوت رتب العدالة، ودخول الترجيح في ذلك عند التعارض، ويمكن إبداء الفرق في ذلك بين الرواية والشهادة، كما قاله الزرقاني (٢). * * *

стр. 122

٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع: أن ابن عمر بَالَ بالسُّوق، ثم توضأ؛ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه ثم دُعِيَ لجنَازَة حين دخل المسجد ليُصلي عليها، فمسح على خُفَّيْهِ ثم صلَّى. • قال محمد: حدثنا أخبرنا مالك، قال: كذا في نسخة: أي: قال مالك بن أنس: أخبرني بالإِفراد، نافع: أن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، بَالَ بالسُّوق، سمي به؛ لأن الناس يسوقون إليه أو يقومون على سوقهم لديه، وقيل: اسم لموضع، وقيل: هو بالفتح، اسم موضع كذا، قاله علي القاري. فإن قيل: كيف بال ابن عمر، في موضع يقوم الناس فيه، وهو أذى لهم؟ أجيب عنه بأنه فعله بلا اختياره؛ فالضرورات تبيح المحظورات، ثم بعد الاستبراء وهو الإزالة أثر البول عن العضو، توضأ؛ أي: غسل يديه إلى الرسغين، والرُسغ بضم الراء وسكون السين المهملة، وبالغين المعجمة: المفصل بين الساعد والكف، فغسل وجهه ويديه، أي: مع المرفقين، ومسح برأسه، أي: ربعه، ثم دُعِيَ لجنَازَة أي: لصلاة الجنازة، حين دخل المسجد أي: مسجد رسول الله ﷺ ، والظرف متعلق بدعي، واللام في ليُصلي متعلق بدعي، أي: لأن يصلي عليه، كذا في نسخة، وإرجاع الضمير المفرد المذكر الجنازة، باعتبار أنها ميت، وفي نسخة (ق ٥٦) مصححة (عليها) بدل (عليه)، وهو ظاهر ما في (الموطأ) لمالك. والجنازة بكسر الجيم: السرير عليه الميت، وبالفتح: الميت. فمسح على خُفَّيْهِ، كذا في نسخة كما في (الموطأ) لمالك، وفي نسخة الناسخ الساهي: خفين، ثم صلَّى على الجنازة. ومن المعلوم أنه لا فرق بين صلاة الجنازة وغيرها من الصلوات في اعتبار شرائطها، وفيه دليل صريح على جواز تأخير المسح على الخفين، وهو قائم مقام غسل الرجلين إذا لبسهما بطهارة كاملة، وتعجيل غسل أعضاء الوضوء عقب عضو المغسول قبله ليس شرط لصحة الوضوء، بل هو سنة عند الحنفية.

стр. 123

اعلم: يشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط: الأول منها: لبسهما بعد غسل الرجلين ولو حكمًا، كجبيرة بالرجلين أو بأحدهما مسحهما ولبس الخف: يمسح خفه؛ لأن مسح الجبيرة كالغسل، ولو كان اللبس قبل إكمال الوضوء إذا أتم الوضوء قبل حصول ناقض الوضوء. والثاني: ستر الخفين للكعبين، من الجوانب فلا يضر رؤية الكعبين من أعلى خف قصير الساق، والخف الذي لا يغطي الكعبين إذا خيط به ثخين كجوخ يجوز المسح عليه. الثالث: إمكان متابعة المشي في الخفين، فلا يجوز المسح على خف صنع من زجاج أو حطب أو حديد؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي فيها. الرابع: خلو كل من الخفين عن خرق، قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم؛ لأنه مخل للمشي، واختلف في اعتبارها مضمومة أو مفرجة، إذا انكشفت الأصابع، اعتبر ذواتها، فلا يضر كشف الإِبهام مع جاره، وإن بلغ قدر ثلاثة أصابع هي أصغرها على الأصح، والخرق طولًا يدخل فيه ثلاثة أصابع، ولا يرى شيء من القدم عند المشي؛ لصلابته فلا يمنع جواز المسح عليه، ولا يضم ما دون ثلاثة من رجل المثلة من الأخرى، وأقل خرق يجمع هو ما يدخل فيه مثله، ولا يعتبر ما دونه. الخامس: اشتمال الخفين على الرجلين من غير شد لثخانته، إذ الرقيق لا يصلح لقطع المسافة. السادس: منع الخفين من وصول الماء إلى الجسد، فلا يشفان الماء. السابع: أن يبقى بكل رجل من مقدم القدم قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد، ليوجد المقدار المفروض من محل المسح، فإذا قطعت رجل فوق الكعب، جاز مسح خف الباقي، وإن بقي من دون الكعب أقل من ثلاثة أصابع، لا يقم المسح؛ لافتراض غسل الباقي وهو لا يجمع مع مسح خف الصحيحة، كما في (مراقي الفلاح) (١). * * *

стр. 124

٥١ - أخبرنا مالك، أخبرني هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أنه رَأى أباه يمسح على الخُفَّيْنِ على ظُهُورِهِما؛ لا يمسح بُطُونهما، قال: ثُم يرفع العمامة للمسح برأسه. قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة، وَنَرى المسحَ للمقيم يومًا وليلة وثلاثة أيامٍ وليَاليها للمسافر. وقال مالك بن أنس: لا يمسح المُقيم على الخُفَّيْنِ؛ وعامة هذه الآثار التي رَوَى مالكٌ في المسح إنما هي في المقيم، ثم قال: لا يمسح المقيم على الخُفَّيْن. • محمد قال: حدثنا، كذا في نسخة، أخبرنا مالك، قال: ثنا، كذا في نسخة: أنا رمزًا إلى أخبرنا: أخبرني بالإِفراد هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أي: عروة أنه أي: عروة رَأى أباه، أي: الزبير بن العوام، أحد العشرة المبشرين بالجنة، يمسح على الخُفَّيْنِ على ظُهُورِهِما؛ على ظهور الخفين فقط؛ لأن ظهر الخف محل لوجوب المسح اتفاقًا. قوله: لا يمسح بُطُونهما، توكيد معنوي لقوله: على ظهورهما، قال علي ﵁: لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى المسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله ﷺ (ق ٥٧) يمسح على ظاهر خفيه (١)، وقال المغيرة: رأيتُ رسول الله ﷺ يمسح على ظهري الخفين (٢)، كما قاله الزرقاني. قال: أي: عروة، ثُم يرفع أي: الزبير بن العوام، العمامة بكسر العين فيمسح برأسه، أي: على كله أو بعضه. وفي نسخة: قال: فرفع العمامة، فمسح برأسه.

стр. 125

قال محمد: وبهذا أي: المذكور في هذا الباب كلِّه نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، وهو قولُ أبي حنيفة، أي: وأتباعه، وَنَرى أي: نختار المسحَ للمقيم يومًا وليلة وثلاثة أيامٍ وليَاليها للمسافر. كما ورد في كثير من الأخبار والآثار، كادت أن تكون متواترة، وبه قال: الجمهور. وقال مالك بن أنس: أي: في روايته: لا يمسح المُقيم على الخُفَّيْنِ؛ أي: يمسح المسافر عليها، ولا ترتيب في مسحها مسافرًا كان أو مقيمًا، وعامة هذه الآثار، أي: أكثر هذه الآثار؛ المسطورة في (الموطأ)، التي رَوَى مالكٌ في المسح إنما هي في المقيم. ثم قال: أي: مالك، مع ذلك لا يمسح المقيم على الخُفَّيْن. والحاصل: أنهم أجمعوا على جواز المسح في الجملة، وإنما خالف المسألة الخوارج وطائفة من الشيعة، كما قاله الشارح علي القاري، لما ذكر الأحاديث التي تدل على جواز المسح على الخفين، للمقيم وللمسافر، سواء كان رجلًا أو امرأة. وشرع في بيان الحديثين، ينفيان جواز المسح على العمامة والخمار، فقال: هذا * * * باب في بيان أحكام المسح على العمامة والخمار أحكام المسح على العمامة، وهي بكسر العين: ثوب يلفه الرجال على رؤوسهم وجمعه عمائم. ٥٢ - أخبرنا مالك، بلغني عن جابر بن عبد الله: أنَّه سُئل عن العمامة؟ فقال: لا، حتى يَمَسَّ الشعر الماء. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. والخمار، وهو بكسر الخاء المعجمة: ثوب تلفه النساء برؤوسهن، ويسترنها به. • محمد قال: ثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: أنا بدل أخبرنا: مالك قال: أي:

стр. 126

مالك، بلغني، أي: سفيان: إذا قال: مالك بلغني فهو إسناد قوي: جابر بن عبد الله ﵄، وهما صحابيان، أنَّه سُىل عن العمامة؟ أي: عن المسح عليها: هل يجوز؟ فقال: لا، أي: لا يجوز، حتى يمس من المس، أي: يصيب، الشعر على أنه مفعول مقدم، والماء بالرفع فاعل، وتقديم المفعول على الفاعل للأهمية، ولئلا يفوت الغرض، وهو الإِمساس بالشعر، كما قدم المفعول على الفاعل، للأهمية في قوله: "قتل الخارجي فلان" لأنه الأهم في تعلق القتل، هو الخارجي المقتول ليتخلص الناس من سوئه. كما قاله سعد الدين التفتازاني في "شرح التلخيص"، في متعلقات الفعل. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل، ونفتي، وهو قول أبي حنيفة، ﵀، واعلم أن المسح على العمامة، دون الرأس، بغير عذر لا يجوز عند: أبي حنيفة ومالك والشافعي. قال أحمد: يجوز بشرط أن يكون تحت الحنك منها شيء، رواية واحدة، وهو يشترط أن يكون قد لبسها على طهر عنه روايتان، وعنه في مسح الرأس على قناعها المنديل تحت خلفها، روايتان. * * * ٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، قال: رأيتُ صفية ابنةَ أبي عُبَيْدٍ تتوضَّأُ وتَنْزَعُ خِمَارَهَا، ثم تَمْسَح برأسها. قال نافع: وأنا يومئذ صغير. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا يُمْسَحُ على خمار ولا عِمَامَةٍ. بلغنا أن المسح على العمامة كانَ فَتُرِكَ؛ وهو قولُ أبي حنيفة والعَامَّةِ من فقهائنا. • محمد قال: حدثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: أنا مرموز إلى أخبرنا، مالك قال: ثنا كذا في نسخة مرموز إلى حدثنا نافع، قال: أي: نافع، رأيتُ صفية ابنة، وفي نسخة بنت: أبي عبيد، بالتصغير، وزاد يحيى: امرأة عبد الله بن عمر، وهي أخت المختار

стр. 127

(ق ٥٨) ابن أبي عبيد: أدركتْ النبي ﷺ وسمعت منه، ولم ترو عنه، وروت عن عائشة ﵂، وحفصة، وروى عنها نافع، مولى ابن عمر، أنها كانت تتوضأ وتنزع خمارها، أي: تقلعه أو تغيره ثم تمسح برأسها، قال نافع: وأنا يومئذ، أي: حينئذٍ كانت تفعل ذلك، صغير، أي: لكن أحفظه. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل، ونُفتي، لا يُمْسَحُ بصيغة المجهول، على خمار ولا عِمَامَةٍ. بلغنا أن المسح على العمامة، وفي معناه: الخمار، كانَ أي: في الإِسلام، فَتُرِكَ، لبعض الأحكام، وهو قولُ أبي حنيفة والعَامَّةِ من فقهائنا. وكذا جمهور سائر الفقهاء على ما تقدم، والله أعلم. لما ذكر الأحاديث التي تتعلق بالطهارة الصغرى، شرع بذكر الحديث، الذي يتعلق بأحكام الطهارة الكبرى؛ فقال: هذا * * * باب في بيان أحكام الاغتسال من الجنابة الاغتسال من الجنابة، أي: من أجلها وسببها؛ قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، أي: اغتسلوا، والأمر للوجوب، وفيه تسعة شرائط: الأول: الإِسلام، الثاني: العقل، الثالث: البلوغ، الرابع: وجود الحدث، الخامس: وجود الماء المطلق الطهور الكافي، السادس: القدرة على استعماله، السابع: عدم الحيض، الثامن: عدم النفاس، التاسع: تنجز خطاب المكلف بضيق الوقت، كما في (منح الغفار)، وإضافة الباب إلى الاغتسال بمعنى اللام، كما يؤيده لفظ من في الجنابة، لأنه بمعنى اللام الأصلية والتعليلية، وجعلها بمعنى "من" بعيد؛ لأن ضابطها صحة تقديرها، مع صحة الإِخبار عن الأول، وبالثاني: كخاتم فضة، وهو مفقود هنا، أي: لا يصح أن يقال: الباب اغتسال، والأوجه أن تكون بمعنى في كما قدرناه، وإن كانت قليلة وضابطها: أن يكون الثاني طرفًا للأول، نحو: مكر الليل.

стр. 128

٥٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة أَفْرَغَ على يده اليُمْنى؛ فغسلها، ثم غسل فَرْجه، ومَضْمَضَ واستنثر، وغسل وجهه، وَنَضَحَ في عينه، ثم غسل رأسه، ثم غسل يدهُ اليمنى، ثم اليسرى، ثم اغْتَسَلَ، وأفَاضَ الماء على جِلْدِهِ. قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ، إلا النَّضْحَ في العينين، فإن ذلك ليس بواجب على الناس من الجَنابَة، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك بن أنس والعامَّةِ. • محمد قال: كذا في نسخة، أخبرنا مالك، قال: ثنا، كما في نسخة رمزًا إلى حدثنا، نافع: أن ابن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة، أي: من أجلها أو سببها، أَفْرَغَ، أي: صب، الماء على يده اليُمْنى؛ فغسلها، أي: مع اليسرى، ثم غسل فَرْجه، أى: استنجا بيساره، ومَضْمَضَ، أي: بيمينه، وفي نسخة: تمضمض واستنشق، أي: أخذ الماء بفمه وجذبه بأنفه بيمينه، واستنثر، إلا أنه يستنثر بيساره، وهما، أي: المضمضة والاستنشاق: سنتان في الغسل، عند مالك والشافعي. قال أبو حنيفة: هما فرضان في الغسل. وقال أحمد: هما واجبان في الغسل والوضوء. فإن قيل: إذا كان القرآن تبيانًا لكل شيء من (الدين)، فمن أين وقع بين الأئمة في الأحكام الشرعية، هذا الخلاف الطويل العريض، يقال: إنما وقع لأن كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين ليس مبينًا في القرآن نصًا، بل بعضه مستنبط بيانه، بالنظر والاستدلال وطرق النظر والاستدلال مختلفة، وقع خلاف بينهم كما في (خواتم الحكم). وغسل وجهه، وَنَضَحَ أي: رش، الماء في عينه، أي: على عينيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي: جزوعه، ويدل على هذا المعنى لفظ نضح، بمعنى: رش وصب، وهو لا يقتضي دخوله فيهما، وأما (ق ٥٩) إن كان لفظ "في" بمعنى الظرف، كما فسره الفاضل بن سلطان محمد الهروي، ونضح، أي: رش الماء في عينيه، أي: داخلها ففيه حرج.

стр. 129

قال ابن عبد البر: لم يتابع ابن عمر على النضح في العينين أحد في إدخال الماء في العينين، وقال: له شدائد حمله عليها الورع، وقيل: داخل العينين يوجب العمى، انتهى. قال التمرتاشي في (المنح): لكن أسقط مالك بن أنس غسل داخل العينين، لما فيه من الحرج؛ لأن العين شحم، لا يقبل الماء، وقد كف بصر من تكلف من الصحابة كابن عمر وابن عباس، ولهذا لا نغسل العين، إذا اكتحل بكحل نجس، انتهى. ثم غسل رأسه، ثم غسل يدهُ اليمنى، ثم اليسرى، أي: مع مرفقيهما، ثم غسل رأسه في الأحاديث المشهورة، أنه يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، لكن لا في المستنقع، بأن يكون على لوح أو حجر، إلا فيؤخر غسلهما إلى بعد الغسل، ثم اغتسل وأفَاضَ الماء أي: صبه، على جِلْدِهِ، أي: على جميع أعضاء بشرته وأجزائه، وكل ما في هذا الباب يرجع لواحد وهو عموم الماء بما أمكن من الجسد بلا حرج. ولكن ابن عمر، ﵄ عمل ما في هذا الباب على الانفراد لتعليم الناس كما قال الفقهاء الحنفية: يبدأ من أراد الاغتسال أولًا برأسه، ثم جنبه الأيمن، ثم طرفه الأيسر. وقيل: يبتدأ باليمين، ثم باليسار، ثم بالرأس. قال محمد: وبهذا كلِّه أي: بكل ما ذُكِرَ في الحديث من الأحكام نأخُذُ، أي: نعمل مع أصحاب أبي حنيفة، إلا النَّضْحَ، أي: لا نعمل ولا نفتي بالغسل في داخل العينين، والاستثناء متصل، فإن ذلك، أي: النضح في العينين، ليس بواجب على جميع الناس في الجنابة، أي: كما أن غسل داخل العين ليس بفرض في الوضوء، ولا سنة فيه، ولا في الجنابة، بل يجب على من لف بعض جلد أشفار عينيه على بعض، لأجل كبر سنه، وعدم شحمه ولحمه إيصال الماء إلى تحت الجلد الملفوف، والذي لا يصل الماء بالصب والرش إلى ما تحته، حتى يدلكه كمن يغتسل من الجنابة، ولا يصل الماء إلى داخل سرته من كثرة شحمه ولحمه، فيجب عليه أن يدلكهما؛ ليصل الماء إلى داخل جلد سرته؛ لأنه من خارج الجسد ولا حرج في غسله. وكذا يفترض غسل داخل قلفة الأقلف لا عسر في فسحها، أي: وسعها على الصحيح كما في (مراقي الفلاح) للشرنبلالي.

стр. 130

فالفاء في قوله: فإن ذلك فاء فصيحة، وهي الفاء التي حذف معها المعطوف عليه، مع كونه سببًا للمعطوف، فاطلب تفصيلها في كتابنا "نور الأفئدة" في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، وذا في قوله: ذلك: اسم إشارة، واللام لام [عماد] (١) جيء به للدلالة على بعد المشار إليه، والكاف للخطاب، والمشار إليه هنا النضح في العينين، فإنه نزله منزلة المكان البعيد المشاهد بالبصر، إشعارًا بأن غسل داخل العينين بعيد عن المغتسل للمتوضئ، وهو: أي: ما ذكر في هذا الباب غير النضح في العينين، قولُ أبي حنيفة ومالك بن أنس والعامَّةِ، أي: عامة علماء الأمة. لما فرغ من بيان أحكام الاغتسال من الجنابة (ق ٦٠) مطلقًا. شرع في بيان الأحكام التي تتعلق إلى الرجل فقال: هذا * * * باب في بيان الأحكام التي تتعلق إلى الرجل الذي تصيبه الجنابة من الليل أي: بعض أجزاء الليل ٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ عمر ذَكَرَ لرسول الله ﷺ أنَّهُ تُصيبُه الجنابة من الليل؛ فقال: "توضأ، ثم اغْسِلْ ذَكرَك ونَمْ". قال محمد: وإن لم يتوضَّأ ويَغْسِلْ ذَكَرَهُ حين ينامُ فلا بَأسَ بذلك أيضًا. • محمد قال: ثنا، كذا في نسخة رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخبرنا: مالك، أخبرنا، كذا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن

стр. 131

عمر بن الخطاب ﵁ ذَكَرَ لرسول الله ﷺ . وقد بين النسائي سبب ذلك عن طريق ابن عوف عن نافع، قال: أصاب ابن عمر جنابة فأتى عمر فذكر ذلك له، فأتى عمر النبي ﷺ فاستأمره، فقال: ليتوضأ، ويرقد، وعلى هذا فالضمير في قوله أنه يصيبه، يرجع لابن عمر، وعدل عن مقتضى الظاهر، وهو أن يقول إنه قد أصابه الجنابة، أي: في الليل لإِحضار حال ابنه عند النبي ﷺ ، ويحتمل أن تكون "من" في الليل لابتداء الغاية في الزمان، أي: ابتداء إصابة الجنابة الليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]. قال: أي رسول الله ﷺ : توضأ، أي: يا عبد الله، هذا كان عبد الله بن عمر حاضرًا عند النبي ﷺ ، فوجه الخطاب إليه، ويحتمل أن يكون الخطاب لعمر بن الخطاب، في غيبة ابنه جواب الاستفتاء، ولكن يرجع إلى ابنه؛ لأن استفتاء عمر إنما هو لأجل ابنه. ثم اغْسِلْ ذَكَرَك ونَمْ بفتح النون: أمر من باب علم، أي: ارقد، والأمر في هذه الثلاثة للندب كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وقالوا: ثم للجمع لا للترتيب، عند أبي حنيفة، ﵀، كما في رواية أبي نوح عن مالك: "اغسل ذكرك ثم توضأ". لذا قال أبو عمر: هذا من التقديم والتأخير، أي: إن أردت اغسل وتوضأ ونم. قيل: حكمته ينشط للعود بالجماع، أو إلى الغسل إذا بل أعضاؤه، وقيل: المبيت على إحدى الطهارتين، خشية أن يموت في منامه. وقد روى الطبراني في (المعجم الكبير) بسند لا بأس به: عن ميمونة بنت سعد، قالت: قلت: يا رسول الله: هل يأكل أحدنا وهو جنب؟ قال: "لا يأكل حتى يتوضأ". قلت: يا رسول الله، هل يرقد الجنب؟ قال: "ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ، فإني أخشى أن يتوفى فلا يحضر جبريل". وفي الحديث: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيف عند القيام إلى الصلاة، واستحباب التنظيف عند النوم. قال ابن الجوزي: وحكمته: أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين، فإنها لا تقرب من ذلك.

стр. 132

وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن يحيى وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، والأربعة عن مالك به. كما قاله الزرقاني. . ولكن. قال محمد: وإن لم يتوضَّأ، أي: من أراد أن ينام ولم يغسل ذكره فلا بأس، أي: لا ضرر بذلك، أي: بأن ينام مقارنًا بالحديث وعدم غسله أيضًا كما نام مقارنًا بالوضوء، ويغسل ذكره أو يلفه بخرقة أنه إذا خاف تلويث الثوب بالبلل، فيتعين أن يغسل ذكره، أو يلفه بخرقة صيانة عن تنجيسها، كما قاله "علي القاري"، وفي بعض النسخ: حتى نام بصيغة الماضي، (ق ٦١) فحينئذ يكون عطفًا على معنى كلمة لم يغسل، والمناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه التضاد بالنفي والإِثبات، وكلمة حتى للعطف، لمناسبة أن المعطوف يعقب المعطوف عليه. وكذا الغاية تعقب المغيَّا مع قيام معنى الغاية كقوله: جاء الربيع، وأتاك المرعى، اسْتَنَّت الفصال حتى القرعي المرعي اسم المكان، والنباتات والفصال: جمع فصل وهو ولد الناقة انفصل عن أمه وانقطع عن اللبن، والاستنان: أن يرفع يديه، ويطرحهما معًا في حالة العدو، والقرعى جمع القريع وهو: الفصل له بثر أبيض يخرج بالفصاد، ودواؤه بالملح، والبثر بفتح الموحدة وسكون المثلثة والراء المهملة: أدْرة مائية تخرج في وجه ولد الناقة وعينيه، كما قاله عبد الرحمن بن عبد الملك: في "شرح المنار". * * * ٥٦ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، عن الأسْوَدِ بنِ يزيد، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يُصِيبُ من أهله، ثم ينام ولا يَمَسُّ ماء، فإن استيقظ من آخِرِ الليل عاد واغتسل.

стр. 133

قال محمد: وهذا الحديث أرْفَقُ بالناس. وهو قولُ أبي حنيفة. • قال محمد: لعله أعاد لتغيير سنده تقوية للحكم، وفي نسخة: أخبرنا أبو حنيفة، وفي نسخة: وأخبرنا بالواو، عن أبي إسحاق السَّبيعِيَّ، بفتح وكسر، هذا هو المشهور. وقال السيوطي: مثلثة نسبة إلى سبيع: بطن من همدان ومحلة بالكوفة، وفي (أسماء الرجال)، لصاحب المشكاة هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي، رأى عليًا وابن عباس، وغيرهما من الصحابة، سمع من البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، روى عنه: الأعمش والثوري، وهو تابعي مشهور، كثير الرواية، ولد لسنتين من خلافة عثمان بن عفان، ومات سنة تسع وعشرين وماىة، وضبط السبيعي كما قدمنا، عن الأسْوَدِ بن يزيد، وهو من أجلاء التابعين. عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يُصِيبُ من أهله، أي: من نسائه بالمجامعة، ثم ينام ولا يَمَسُّ ماء، أي: بغسل ذكره ولا للوضوء وللغسل، بل ربما يتيمم وربما يتركه أيضًا لبيان الجواز وشفقة على الأمة، حيث جمل في الأمر السعة، فإن استيقظ من آخِرِ الليل عاد أي: إلى الجماع ثانيًا، يعني: أحيانًا، واغتسل، أي: غسلًا واحدًا. كذا أخرجه المصنف، ﵀، في الآثار، من باب الغسل من الجنابة. قال محمد: غير المنصف عن نفسه بصيغة الماضي، للتواضع، وبيانًا للأدب، وهذا الحديث أرْفَقُ بالناس. أي: من الحديث السابق، وهو أي: الرفق بالناس، قولُ أبي حنيفة ﵀. والظاهر أنه لا خلاف فيه لأحد. لما فرغ من بيان الاغتسال من الجنابة التي تصيب الرجل، شرع في بيان الاغتسال يوم الجمعة فقال: هذا * * *

стр. 134

باب في بيان أحكام الاغتسال يوم الجمعة بيان أحكام الاغتسال يوم الجمعة، أي: لصلاتها على الأصح، والجمهور على ضم ميم الجمعة، وقُرئ بإسكانها، والضم هو الأصل، والإِسكان تخفيف، فكلاهما مصدر بمعنى الاجتماع. وقال مكي: فيه لغة ثالثة، وهي فتح الميم على نسبة الفعل إليها، كأنها تجمع الناس، كما يقال: رجل لعنة، إذا كان يلعن الناس، كما قاله الشيخ "زادة" في (حاشية بيضاوي). ٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم الجمعةَ فليغتسل". • أخبرنا مالك، كذا في نسخة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي (ق ٦٢) نسخة: قال: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، عن ابن عمر، ﵄، أن رسول الله ﷺ : قال: إذا أتى أي: إذا أراد أن يجيء أحدكم الجمعةَ بالنصب، والمعنى: إذا حضر يومها، أو أراد أن يحضر صلاتها، وجواز نصب أحدكم ورفع الجمعة، والمعنى: إذا أدرك يومها أو صلاتها، وإضافة أحد إلى ضمير الجمع تشعر بعموم الرجال والنساء والصبيان، والمشهور من مذهب مالك وهو رواية: ابن القاسم عنه: أن الغسل يسن لمن أتى الجمعة، ممن تجب عليه أولًا من مسافر، أو عبد، أو امرأة، أو صبي إذا أتوها. ولمالك في المختصرات: من لا تلزمه إن حضرها، لابتغاء الفضل شرع له الغسل، وسائر آداب الجمعة، وإن حضرها لأمر اتفاقي أو لمجرد الصلاة، فلا، وذكر الإِيتاء إليها لكونه الغالب، وإلا فالحكم شامل لمن كان مقيمًا بالجامع، فليغتسل استحبابًا، والحديث رواه الشيخان والنسائي عن ابن عمر أيضًا.

стр. 135

وفي حديث أبي هريرة ﵁: "أيعجز أحدكم أن يجامع أهله في كل يوم جمعة، فإن له أجرين، أجر غسله، وأجر امرأته" (١)، أخرجه البيهقي في الشعب. فظاهره: أن الغسل يعقب المجيء وليس بمراد، وإنما المراد: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل، رواه بهذا اللفظ الليث عن نافع، عند مسلم، ونظيره قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]. فإن معناه: إذا أردتم المناجاة بلا خلاف، ويقوي رواية الليث حديث أبي هريرة السابق: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح"، فهو صريح في الرواح عن الغسل. وبهذا علم فساد قول من حمله على ظاهره وتمسك به، على أن الغسل لليوم لا للصلاة، كما قاله علي القاري والزرقاني. قال السيوطي: يقول الحافظ ابن حجر: رواية نافع عن ابن عمر مشهورة جدًا، وقد اعتنى بتخريج طرق أبو عوانة صحيحة، فساق من طريق سبعين نفسًا، رواه عن نافع. قال: وقد تتبعت ما فاته، وجمعتُ ما وقع لي من طرقه، في جزء مفرد فبلغت أسماء من رواية نافع مائة وعشرين نفسًا، فيما يستفاد منه هنا ذكر سبب الحديث، في رواية إسماعيل بن أمية عن نافع عند ابن عوانة: كان الناس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاءوا وعليهم ثياب متغيرة، فتشاكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل"، انتهى. * * * ٥٨ - أخبرنا مالك، حدثنا صفوانُ بن سُلَيْم، عن عَطاءٍ بن يَسَارٍ، عن أبي سعيد الْخُدْرِيَّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "غُسْلُ يوم الجمعة واجِبٌ على كل مُحْتَلِمٍ".

стр. 136

• أخبرنا مالك، كذا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: أنا، وفي نسخة: ابنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا كذا في نسخة، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا صفوانُ بن سُلَيْم (١)، بضم السين المهملة: المدني أبو عبد الله الزهري، مولاهم، تابعي ثقة، مفتي عابد، مات سنة اثنتين وثلاثين، ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، عن عَطاءٍ بن يَسَارٍ، بفتح التحتية، وخفة المهملة، عن أبي سعيد أي: سعد بن مالك بن سنان الْخُدْرِيَّ: ﵁، صحابي ابن صحابي، وقد تابع مالك على رواية الدراوردي عن صفوان، هكذا أخرجه أبو بكر المروزي في كتابه الجمعة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "غُسْلُ يوم الجمعة ظاهر إضافته لليوم؛ لأن الغسل لليوم (ق ٦٣) لا للجمعة، وهو قول جماعة، وهو مذهب: مالك والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم، أنه للصلاة لا لليوم. وقد روى مسلم هذا الحديث، بلفظ: الغسل يوم الجمعة، كذا رواه الشيخان من وجه آخر، عن أبي سعيد، وظاهره: أنه حديث وجد الغسل فيه كفى؛ لأنه جعلَ اليوم ظرفًا للغسل، ويحتمل أن اللام للعهد، فيتفق الروايتان، واجبٌ أي: مسنون متأكد. قال ابن عبد البر (٢): ليس المراد أنه فرض، بل هو مؤَّل بالنسبة، أو في المروءة، أو في الأخلاق الحميدة، كقول العرب: وجب حقك. ثم أخرج بسنده عن أشهب: أن مالكًا سُئل عن غسل يوم الجمعة واجب هو؟ قال: هو حسن وليس بواجب. وأخرج عن ابن وهب: أن مالكًا سئل عن غسل يوم الجمعة، واجب هو؟ قال: هو سنة ومعروف، وقيل: إنه في الحديث واجب، قال: ليس كل ما جاء في الحديث فيكون كذلك، وظاهر الحديث منسوخ بقوله ﷺ : "مَنْ توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل"، رواه أنس بن مالك، والحسن البصري، كما سيأتي كذا قاله الشرنبلالي في (إمداد الفتاح)، و (مراقي الفلاح). على كل مُحْتَلِمٍ على صيغة اسم الفاعل، أي: بالغ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، فيدخل النساء على الحمل على الحقيقة.

стр. 137

إن الاحتلام إذا كان معه الإِنزال يوجب الغسل، سواء كان يوم الجمعة أم لا، ونقله المنذري والخطابي عن مالك. فرضية الغسل حقيقة ورده عياض، وغيره، بأن ذلك ليس بمعروف في مذهبه. * * * ٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن ابن السَّبَّاقِ: أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر المسلمين، هذا اليوم يومٌ جعله الله عيدًا للمسلمين، فَاغْتَسلوا، ومن كان عنده طِيبٌ فلا يَضُرُّهُ أن يَمَسَّ منه، وعليكم بالسِّواك". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا الزهري، أي: ابن شهاب، عن عبيد بالتصغير، عن ابن السَّبَّاقِ: بسين مهملة وتشديد الموحدة: المدني، أبي سعيد، من ثقات التابعين، وأشرافهم، روى له الستة، وفي (التقريب) وغيره: أنه ثقفي، وهو مرسل وقد وصله ابن ماجه، من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عبيد بن السابق، عن ابن عباس، ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: في يوم جمعة، وهو من الجمع، وهو جمع جمعة، ويجمع أيضًا على جمعات، مثل عرفة عرفات، يا معشر المسلمين، قال النووي: المعشَر، بفتح الميم وسكون العين المهملة، وفتح الشين المعجمة والراء، والطائفة التي يشملهم وصف، فالشباب: معشر، والشيوخ: معشر، والنساء: معشر، والأنبياء ﵈: معشر، وما أشبهه، هذا أي: اليوم، اليوم يومٌ جعله الله عيدًا للمسلمين، أي: هذه الأمة المسلمة خاصة، جزم به أبو يوسف في (شرف المصطفى)، وابن سراقة، وذلك أنه سبحانه خلق العالم في ستة أيام، ولكل يوم منها اسمًا يخصه، وخص كل يوم بنصف من الخلق أوجده فيه، وجعل كل يوم كمال الخلق مجمعًا، وعيدًا للمؤمنين، يجتمعون فيه لعبادته، وذكره، والتفرغ لشكره، والإِقبال على خدمته، وذكر ما كان في ذلك اليوم، وما يكون من المعاد.

стр. 138

وقال الراغب: والعيد ما يعاود مرة بعد أخرى، وخصَّه الشرع: بيومي الأضحى والفطر، ولما ذلك اليوم مجعولًا في الشرع للسرور، واستعمل العيد في كل يوم مرة أيما كان. قال ابن عبد البر (١): في أن من حلف أن يوم الجمعة يوم عيد، لم يحنث. قال عبد الحق في (شرح الأحكام): العرف لا يقتضيه. (ق ٦٤) وكذا لو حلف على فعل شيء يوم عيد ولا نية له بر بفعله يوم الجمعة، فَاغْتَسلوا، مسنونًا مؤكدًا، لحضور صلاة الجمعة، ومن كان عنده طِيبٌ فلا يَضُرُّهُ أن يَمَسَّ منه، إذ هو مستحب للقادر عليه، وقد كان يُعرف خروجه ﷺ إلى الصَلاة برائحة الطيب، إذا مشى، وأوجبه أبو هريرة، ﵁ يوم الجمعة، ولعله إيجاب سنة وأدب. وعليكم بالسِّواك، أي: الزموه لتأكد استحبابه، وهو بكسر السين على الأفصح، مذكر، وقيل: مؤنث، وأنكره الأزهري، مشتق من ساك إذا دلك أو من جاءت الإِبل تساوك هزلًا، أي: تمايل، ويطلق على الفعل وهو المراد هنا، وعلى الآلة، ويجوز إرادته بتقدير مضاف، أي: استعماله، وأل فيه لتعريف الحقيقة، لا للاستغراق وللعهد؛ لأن السواك كان معهودًا لهم على هيئات وكيفيات، فتحمل العود إليها، والأول أقرب. قالت عائشة ﵂: كان ﷺ إذا دخل عليَّ أول ما يبدأ به السواك، وسمعته يقول: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" (٢). وكان ربما استاك من الليل مرارًا، وقد علم أن هذا الحديث مرسل، وأن ابن ماجه وصله بذكر ابن عباس ﵄، كما قاله الزرقاني، وصورة الحديث المرسل: أن يقول التابعي سواء كان كبيرًا أو صغيرًا: قال رسول الله ﷺ : كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، ونحو ذلك.

стр. 139

كما قاله ابن حجر في (نخبة الفكر)، وصورة استعمال السواك: وهو السواك طولًا على ظاهر عرض السن الأيمن أعلا، ثم الأسفل، ثم الأيسر كذلك، ثم على وجه اللسان، بعد ما يجعل إبهامه الأيمن وخنصره تحت السواك، والباقي فوقه، ولا يقبض القبضة عليه، فإنه يورث البواسير، ولا يستاك بطرفي المسواك، ولا يمص لأنه يورث العمى، ولا يوضع عرضًا لأنه يورث الجنون، وإن استاك يغسله، وإلا فالشيطان يستاك به، ولا يستاك مضطجعًا؛ فإنه يورث كبر الطحال، كما قاله القستهاني في (جامع الرموز)، والاستياك مستحب في جميع الأوقات، ويتأكد استحبابه عند قصد التوضؤ فيسن أو يستحب عند كل صلاة، كما عند غيره. ويؤيده ما في الصحيحين أنه ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (١). وقد صح من غير طريق الحاكم: "ركعتان بسواك، أفضل من سبعين ركعة بلا سواك" (٢)، رواه الحميدي بإسناد كل رجاله ثقات. ووقته المسنون في ابتداء الصلاة، وعند المضمضة على قول الأكثر. وقال غيرهم: قبل الوضوء، وهو من سنن الوضوء عند أبي حنيفة، وعند الشافعي من سنن الصلاة، وفضله يحصل، ومن استاك بالإِصبع أو خرقة خشنة عند فقد السواك، وعند ضرره بفمه يجزئ، أي: يكفي من السواك. قال عليّ ﵁: التشويص بالمسبحة والإِبهام سواك، وتقوم العلك مقامه، للنساء لرقة بشرتهن، وينبغي أن يكون لينًا وطول الشبر من شجر مر، ويجوز أن يكون أقصر من الشبر كما صرح به في كتاب (الشافعي). وقال الحكيم الترمذي: لا يُزاد على الشبر، وإلا الشيطان ركب عليه، كما في (المحيط)، وأن يكون من شجر الزيتون، فإن منه سواك الأنبياء ﵈، كما في (الينابيع).

стр. 140

أو من حَيّثِ الخوخ، ويستحب الاستياك لتغيير الفم، والانتباه من النوم وإلى الصلاة، (ق ٦٥) ودخول البيت، واجتماع الناس، وقراءة القرآن، والحديث، لقول الإِمام: إنه من سنن الدين، كما قلنا في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح) * * * ٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرني المَقْبُرِيُّ، عن أبي هريرة أنه قال: غُسْل يوم الجمعة واجب على كل مُحْتَلِم كَغُسْلِ الجنابة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، قال: كذا في نسخة، أخبرني بالإِفراد، المَقْبُرِيُّ, بضم الميم وضم الموحدة، وفتح: نسبة إلى المقبرة، لكثرة زيارته إياها، واسمه: سعيد بن أبي سعيد بن كيسان، المدني التابعي المتفق على توثيقه، روى له جمعٌ كثير، واختلط قبل موته بأربع سنين وفاته سنة ثلاث وعشرين ومائة، وكان سماع مالك ونحوه من قبل الاختلاط، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: غُسْل بضم الغين المعجمة وسكون السين المهملة، ومضاف إلى يوم وهو مضاف إلى الجمعة إضافة لامية، أي: الغسل ليومها أو لصلاتها، واجب على كل مُحْتَلِمٍ أي: مكلف، كَغُسْلِ الجنابة: أي: في الصفة والكيفية، لا في الوجوب. لكن هذا على رأي الجمهور: أنه سنة مؤكدة، وهذا قد رواه مالك موقوفًا، كما ترى على أبي هريرة ﵁. وقد حكى المنذر عنه وعن عمار بن يسار وغيرهما الوجوب الحقيقي وهو قول الظاهرية، ورواية عن أحمد، فلا يؤول قول أبي هريرة، لأنه مذهبه، قال في (التمهيد) (١): وقد رفعه رجل لا يُحتج به عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . * * *

стр. 141

٦١ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع أن ابن عمر كان لا يَرُوحُ إلى الجُمُعَةِ إلا اغتسل. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك بن أنس، أخبرني نافع أن ابن عمر ﵄: كان لا يَرُوحُ إلى الجُمُعَةِ، أي: لا يريد الذهاب إلى صلاة الجمعة، إلا اغتسل، أي: وجوبًا أو استحبابًا. * * * ٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ دخل المسجد يوم الجُمُعَةِ وعُمر بن الخطاب يخطُبُ الناسَ، فقال: أيَّةُ سَاعَةٍ هذه؟ فقال الرجل: انْقَلَبْتُ من السُّوقِ فسمعت النداءَ، فما زدْتُ عَلَى أنْ توضأتُ، ثم أقْبَلْت، قال عمر: والوُضُوء أيضًا؟ وقد علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسْل. قال محمد: الغسل أفضلُ يومَ الجُمُعَةِ، وليس بواجبٍ، وفي هذا آثارٌ كثيرة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرني، وفي نسخة: قال: ثنا الزهري، أي: ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال السيوطي: ترك يحيى لفظ عن أبيه في موطئه، فذكره عن مالك مرسلًا، والصواب أن يذكره كما ذكره أصحاب الزهري عن سالم عن أبيه، أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يعني: عثمان بن عفان، ﵁، كما بيَّنه غير واحد، دخل المسجد

стр. 142

يوم الجُمُعَةِ وعُمر بن الخطاب يخطُبُ الناسَ، جملة حالية، ولعل المعنى: وهو يريد أن يخطب، وفي رواية جويرية: أن عمر بينما هو قاىم في الخطبة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فناداه عمر منكرًا عليه: فقال: أيَّةُ سَاعَةٍ هذه؟ بفتح الهمزة وفتحها مشددة وتاء تأنيث، أي: يستفهم بها، والساعة: اسم لجزء من الزمان المقدر، ويطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهو استفهام توبيخ وإنكار، كأنه يقول له: لما تأخرت إلى هذه الساعة، وقد ورد التصريح بالإِنكار في رواية أبي هريرة، بلفظ: فقال عمر: لم تُحبسون عن الصلاة؟ وفي مسلم: تعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، قال الحافظ: والذي يظهر أن عمر قال ذلك كله، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر التلميح أو الإِشارة إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا وقعت انقضت صلاة الملائكة الصحف، وهذا من أحسن التعريفات (ق ٦٦) ووافق الكنايات. وفهم عثمان بن عفان ﵁، فبادر إلى الاعتذار عن التأخير، فقال الرجل: أي: عثمان بن عفان ﵁، اعتذارًا: انْقَلَبْتُ أي: رجعت من السُّوقِ هذا الزمان، وكان الصحابة يكرهون ترك العمل على مخالفة لليهود والنصارى، فإنهم بتركهم الأعمال يعظمون يوم السبت والأحد، كما ذكره السيوطي، فسمعت النداءَ، أي: الأذان بين يدي الخطيب، وفي رواية جويرية: إني شُغِلتُ فلم أنقلب، أي: لأهلي حتى سمعتُ التأذين، فما زدْتُ في التوقف ولم أشتغل بشيء بعد أن سمعت الأذان، عَلَى أنْ توضأتُ، أى: لضيق الوقت، ثم أقْبَلْت، أي: توجهت وجئت. قال عمر، إنكارًا آخر على ترك السنة المؤكدة، وهي: الغسل، والوُضُوء بالنصب، واخترت الوضوء دون الغسل، أيضًا، مصدر آض، أي: عاد ورجع، فهو مفعول مطلق، حذف عاملها وصاحبها، أي: ارجع إلى الأخبار ولا أقتصر على ما قدمت، أو حال حذف عاملها وصاحبها، أي: أخبر أيضًا فيكون حالًا من ضمير المتكلم، كما ذكره السيوطي. والمعنى: اكتفيت بتأخير الوقت، وتفويت الفضيلة، حتى تركت الغسل، واقتصرت على الوضوء، أو بالرفع: على أنه مبتدأ خبره محذوف، أي: الوضوء أيضًا

стр. 143

مقتصر عليه، والواو في الوضوء عاطفة، وهمزة الاستفهام الإِنكاري مقدرة بقرينة ما سبق، أي: ألم يكفك أن يفوتك فضل المبادرة إلى الجمعة، حتى أضفت إليه ترك الغسل، واخترت الوضوء والمناسب للمقام أن يكون التقدير ترجع ولا تقتصر بصيغة الخطاب ليلائم قول الخطاب. وقد أي: والحال أنك علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسْل، أي: أمرًا مؤكدًا يوم الجمعة لصلاتها أو مطلقًا. قال محمد: الغسل أفضل يومَ الجُمُعَةِ، وليس بواجبٍ، وفي هذا، أي: والحال ثبت في حق فضيلة الغسل يوم الجمعة، آثارٌ، أي: أحاديث كثيرة، كذا في جميع الروايات، ولم يذكر المصنف الأمور إلا في رواية جويرية بنت أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عند الطحاوي وغيره: أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: أما علمت أنا كنا نؤمر؟ وللطحاوي عن ابن عباس، أن ابن عمر قال: لقد علمت أنا أُمِرْنَا بالغسل، قلت: أنتم أيها المهاجرون الأولون أم الناس جميعًا؟ قال: لا أدري، رواته ثقات إلا أنه معلول. وفي رواية أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن عمر قال: ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ قال: "إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل" (١)، وهذا ظاهر في عدم تخصيص الغسل بالمهاجرين الأولين، ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان بن عفان، ﵁، عن ذلك، والظاهر: أنه سكت اكتفاءً بالاعتذار الأول؛ لأنه قد أشار إلى أنه كان زاهلًا عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء وإنما ترك الغسل لأنه يعارض عنده إدراك سماع الخطبة، والاشتغال بالاغتسال، وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضيته فلذلك آثره. قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد القيام في الخطبة على المنبر، وتفقد الإِمام رعيته، وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على أهل الفضل، وإن كان عظيم المحل، ومواجهته (ق ٦٧) بالإِنكار ليرتدع من دونه بذلك، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثناء الخطبة لا يفسدها، وسقوط الإِنصات عن المخاطب بذلك، والاعتذار إلى ولاة الأمور، وإباحة الغسل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء ولو أفضى إلن ترك فضيلة البكور إلى الجمعة؛ لأن عمر لم يأمر برفع السوق لأجل هذه القضية.

стр. 144

واستدل به مالك على أن السوق لا يُمْنَع يوم الجمعة قبل النداء، لكونها كانت في زمان عمر، وذهب إليها مثل عثمان، وفيه شهود الفضلاء السوق ومعناه التجارة فيها، وأن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل النداء. قال عياض: وفيه أن السعي إنما يجب بسماع الأذان، وأن شهود الخطبة لا يجب، وهو مقتضى قول أكثر المالكية. وتعقب بأنه لا يلزم من التأخير إلى سماع النداء فوات الخطبة، بل قول عثمان: ما زدتُ على أن توضأت، يشعر بأنه لم يفته شيء من الخطبة، كما قاله الزرقاني. * * * ٦٣ - قال محمد: أخبرنا الربيع بن صَبِيح البَصْريُّ، عن الرَّقَاشِيَّ، عن أنس بن مالك، وعن الحسن البَصْري، كِلَاهما يَرْفَعُهُ إلى النبي ﷺ أنه قال: "من توضأ يوم الجُمُعَةِ فبهَا ونِعمَتْ ومن اغتَسل فالغسل أفْضل". • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا الربيع بن صَبِيحٍ بفتح وكسر فيهما عن سعد؛ وفي نسخة: عن يزيد الرَّقَاشِيِّ، بفتح الراء، عن أنس بن مالك، وهو من أكابر الصحابة، وعن الحسن البَصْري، وهو من أجلاء التابعين، كِلَاهما يَرْفَعُهُ أي: الحديث، إلى النبي ﷺ فيكون من طريق الحسن: مرسلًا، وفي نسخة: يرفعان، نظرًا إلى معنى كلًا، وأفرد في الأولى وهو الأول نظرًا إلى لفظه، ومنه قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]. يرفع كل واحد من أنس بن مالك، والحسن البصري الحديث، أشار المصنف إلى تحويل تقوية للحديث؛ بأن عطف بالواو، وقوله: عن الحسن البصري، على قوله عن أنس بن مالك.

стр. 145

وقال: أخبرنا سعيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، وعن الحسن البصري، أنه قال: من توضأ يوم الجُمُعَةِ فبهَا، أي: خيار الرخصة أخذ، ونِعمَتْ أي: هذه الخصلة، فقد ورد أن الله يحب أن تُؤتى رخصه، كما يحب أن تُؤتى عزائمه (١)، رواه أحمد وغيره، ومن اغتسل أي: يوم الجمعة، فالغسل أفْضل؛ لأنه سنة مؤكدة على أنه في النظافة أسهل. والحديث رواه الترمذي، والنسائي عن قتادة مرفوعًا. * * * ٦٤ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أَبَان بن صالح، عن حمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ قال: سألتُهُ عن الغُسْلِ يوم الجُمُعَةِ والغُسْل من الحِجَامة، والغسلِ في العيديْن قال: إن اغتسلْتَ فَحسَنٌ، وَإنْ تركتَ فليس عليك، فقلت له: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من رَاحَ إلى الجُمُعَة فليغتسل"، قال بلى: ولكن؛ ليس من الأمور الواجبة؛ إنما هو كقول الله جل وعز: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فمن أشْهَدَ فقد أحْسَنَ، ومن تَركَ فليس عليه، وكقول الله جل وعز ههنا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فمن انتشر فلا بأس، ومن جلس فلا بأس، قال حمّادٌ: ولقد رأيت إبراهيم النَّخَعِيِّ يأتي العيديْن وما يغتسل. • قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبَان تصرف وتمنع، ابن صالح، عن حمَّادٍ، أي: ابن سليمان: كوفي تابعي، روى عنه شعبة، والثوري، وهو إسناد أبي حنيفة ﵀ في الحديث والفقه، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ بفتحتين، نسبة إلى قبيلة باليمن. قال لي حماد: سألتُهُ أي: النخعي، عن الغُسْل يوم
следующие страницы →