٦١ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع أن ابن عمر كان لا يَرُوحُ إلى الجُمُعَةِ إلا اغتسل.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك بن أنس، أخبرني نافع أن ابن عمر ﵄: كان لا يَرُوحُ إلى الجُمُعَةِ، أي: لا يريد الذهاب إلى صلاة الجمعة، إلا اغتسل، أي: وجوبًا أو استحبابًا.
* * *
٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ دخل المسجد يوم الجُمُعَةِ وعُمر بن الخطاب يخطُبُ الناسَ، فقال: أيَّةُ سَاعَةٍ هذه؟ فقال الرجل: انْقَلَبْتُ من السُّوقِ فسمعت النداءَ، فما زدْتُ عَلَى أنْ توضأتُ، ثم أقْبَلْت، قال عمر: والوُضُوء أيضًا؟ وقد علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسْل.
قال محمد: الغسل أفضلُ يومَ الجُمُعَةِ، وليس بواجبٍ، وفي هذا آثارٌ كثيرة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرني، وفي نسخة: قال: ثنا الزهري، أي: ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
قال السيوطي: ترك يحيى لفظ عن أبيه في موطئه، فذكره عن مالك مرسلًا، والصواب أن يذكره كما ذكره أصحاب الزهري عن سالم عن أبيه، أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يعني: عثمان بن عفان، ﵁، كما بيَّنه غير واحد، دخل المسجد
стр. 142
يوم الجُمُعَةِ وعُمر بن الخطاب يخطُبُ الناسَ، جملة حالية، ولعل المعنى: وهو يريد أن يخطب، وفي رواية جويرية: أن عمر بينما هو قاىم في الخطبة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فناداه عمر منكرًا عليه: فقال: أيَّةُ سَاعَةٍ هذه؟ بفتح الهمزة وفتحها مشددة وتاء تأنيث، أي: يستفهم بها، والساعة: اسم لجزء من الزمان المقدر، ويطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهو استفهام توبيخ وإنكار، كأنه يقول له: لما تأخرت إلى هذه الساعة، وقد ورد التصريح بالإِنكار في رواية أبي هريرة، بلفظ: فقال عمر: لم تُحبسون عن الصلاة؟
وفي مسلم: تعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، قال الحافظ: والذي يظهر أن عمر قال ذلك كله، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر التلميح أو الإِشارة إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا وقعت انقضت صلاة الملائكة الصحف، وهذا من أحسن التعريفات (ق ٦٦) ووافق الكنايات.
وفهم عثمان بن عفان ﵁، فبادر إلى الاعتذار عن التأخير، فقال الرجل: أي: عثمان بن عفان ﵁، اعتذارًا: انْقَلَبْتُ أي: رجعت من السُّوقِ هذا الزمان، وكان الصحابة يكرهون ترك العمل على مخالفة لليهود والنصارى، فإنهم بتركهم الأعمال يعظمون يوم السبت والأحد، كما ذكره السيوطي، فسمعت النداءَ، أي: الأذان بين يدي الخطيب، وفي رواية جويرية: إني شُغِلتُ فلم أنقلب، أي: لأهلي حتى سمعتُ التأذين، فما زدْتُ في التوقف ولم أشتغل بشيء بعد أن سمعت الأذان، عَلَى أنْ توضأتُ، أى: لضيق الوقت، ثم أقْبَلْت، أي: توجهت وجئت.
قال عمر، إنكارًا آخر على ترك السنة المؤكدة، وهي: الغسل، والوُضُوء بالنصب، واخترت الوضوء دون الغسل، أيضًا، مصدر آض، أي: عاد ورجع، فهو مفعول مطلق، حذف عاملها وصاحبها، أي: ارجع إلى الأخبار ولا أقتصر على ما قدمت، أو حال حذف عاملها وصاحبها، أي: أخبر أيضًا فيكون حالًا من ضمير المتكلم، كما ذكره السيوطي.
والمعنى: اكتفيت بتأخير الوقت، وتفويت الفضيلة، حتى تركت الغسل، واقتصرت على الوضوء، أو بالرفع: على أنه مبتدأ خبره محذوف، أي: الوضوء أيضًا
стр. 143
مقتصر عليه، والواو في الوضوء عاطفة، وهمزة الاستفهام الإِنكاري مقدرة بقرينة ما سبق، أي: ألم يكفك أن يفوتك فضل المبادرة إلى الجمعة، حتى أضفت إليه ترك الغسل، واخترت الوضوء والمناسب للمقام أن يكون التقدير ترجع ولا تقتصر بصيغة الخطاب ليلائم قول الخطاب. وقد أي: والحال أنك علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسْل، أي: أمرًا مؤكدًا يوم الجمعة لصلاتها أو مطلقًا.
قال محمد: الغسل أفضل يومَ الجُمُعَةِ، وليس بواجبٍ، وفي هذا، أي: والحال ثبت في حق فضيلة الغسل يوم الجمعة، آثارٌ، أي: أحاديث كثيرة، كذا في جميع الروايات، ولم يذكر المصنف الأمور إلا في رواية جويرية بنت أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عند الطحاوي وغيره: أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: أما علمت أنا كنا نؤمر؟ وللطحاوي عن ابن عباس، أن ابن عمر قال: لقد علمت أنا أُمِرْنَا بالغسل، قلت: أنتم أيها المهاجرون الأولون أم الناس جميعًا؟ قال: لا أدري، رواته ثقات إلا أنه معلول.
وفي رواية أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن عمر قال: ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ قال: "إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل" (١)، وهذا ظاهر في عدم تخصيص الغسل بالمهاجرين الأولين، ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان بن عفان، ﵁، عن ذلك، والظاهر: أنه سكت اكتفاءً بالاعتذار الأول؛ لأنه قد أشار إلى أنه كان زاهلًا عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء وإنما ترك الغسل لأنه يعارض عنده إدراك سماع الخطبة، والاشتغال بالاغتسال، وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضيته فلذلك آثره.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد القيام في الخطبة على المنبر، وتفقد الإِمام رعيته، وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على أهل الفضل، وإن كان عظيم المحل، ومواجهته (ق ٦٧) بالإِنكار ليرتدع من دونه بذلك، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثناء الخطبة لا يفسدها، وسقوط الإِنصات عن المخاطب بذلك، والاعتذار إلى ولاة الأمور، وإباحة الغسل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء ولو أفضى إلن ترك فضيلة البكور إلى الجمعة؛ لأن عمر لم يأمر برفع السوق لأجل هذه القضية.
стр. 144
واستدل به مالك على أن السوق لا يُمْنَع يوم الجمعة قبل النداء، لكونها كانت في زمان عمر، وذهب إليها مثل عثمان، وفيه شهود الفضلاء السوق ومعناه التجارة فيها، وأن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل النداء.
قال عياض: وفيه أن السعي إنما يجب بسماع الأذان، وأن شهود الخطبة لا يجب، وهو مقتضى قول أكثر المالكية.
وتعقب بأنه لا يلزم من التأخير إلى سماع النداء فوات الخطبة، بل قول عثمان: ما زدتُ على أن توضأت، يشعر بأنه لم يفته شيء من الخطبة، كما قاله الزرقاني.
* * *
٦٣ - قال محمد: أخبرنا الربيع بن صَبِيح البَصْريُّ، عن الرَّقَاشِيَّ، عن أنس بن مالك، وعن الحسن البَصْري، كِلَاهما يَرْفَعُهُ إلى النبي ﷺ أنه قال: "من توضأ يوم الجُمُعَةِ فبهَا ونِعمَتْ ومن اغتَسل فالغسل أفْضل".
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا الربيع بن صَبِيحٍ بفتح وكسر فيهما عن سعد؛ وفي نسخة: عن يزيد الرَّقَاشِيِّ، بفتح الراء، عن أنس بن مالك، وهو من أكابر الصحابة، وعن الحسن البَصْري، وهو من أجلاء التابعين، كِلَاهما يَرْفَعُهُ أي: الحديث، إلى النبي ﷺ فيكون من طريق الحسن: مرسلًا، وفي نسخة: يرفعان، نظرًا إلى معنى كلًا، وأفرد في الأولى وهو الأول نظرًا إلى لفظه، ومنه قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]. يرفع كل واحد من أنس بن مالك، والحسن البصري الحديث، أشار المصنف إلى تحويل تقوية للحديث؛ بأن عطف بالواو، وقوله: عن الحسن البصري، على قوله عن أنس بن مالك.
стр. 145
وقال: أخبرنا سعيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، وعن الحسن البصري، أنه قال: من توضأ يوم الجُمُعَةِ فبهَا، أي: خيار الرخصة أخذ، ونِعمَتْ أي: هذه الخصلة، فقد ورد أن الله يحب أن تُؤتى رخصه، كما يحب أن تُؤتى عزائمه (١)، رواه أحمد وغيره، ومن اغتسل أي: يوم الجمعة، فالغسل أفْضل؛ لأنه سنة مؤكدة على أنه في النظافة أسهل.
والحديث رواه الترمذي، والنسائي عن قتادة مرفوعًا.
* * *
٦٤ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أَبَان بن صالح، عن حمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ قال: سألتُهُ عن الغُسْلِ يوم الجُمُعَةِ والغُسْل من الحِجَامة، والغسلِ في العيديْن قال: إن اغتسلْتَ فَحسَنٌ، وَإنْ تركتَ فليس عليك، فقلت له: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من رَاحَ إلى الجُمُعَة فليغتسل"، قال بلى: ولكن؛ ليس من الأمور الواجبة؛ إنما هو كقول الله جل وعز: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فمن أشْهَدَ فقد أحْسَنَ، ومن تَركَ فليس عليه، وكقول الله جل وعز ههنا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فمن انتشر فلا بأس، ومن جلس فلا بأس، قال حمّادٌ: ولقد رأيت إبراهيم النَّخَعِيِّ يأتي العيديْن وما يغتسل.
• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبَان تصرف وتمنع، ابن صالح، عن حمَّادٍ، أي: ابن سليمان: كوفي تابعي، روى عنه شعبة، والثوري، وهو إسناد أبي حنيفة ﵀ في الحديث والفقه، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ بفتحتين، نسبة إلى قبيلة باليمن. قال لي حماد: سألتُهُ أي: النخعي، عن الغُسْل يوم
стр. 146
الجُمُعَةِ والغُسْل من الحِجَامة، أي: من أجلها حين فرغها، والغسلِ في العيديْن، أي: في حكمها وجوبًا واستحبابًا، قال: إن اغتسلْتَ فَحَسَنٌ، أي: في الكل، وإن كان حسن الغسل من الحجامة دون البقية، وَإنْ تركتَ، أي: الغسل في الجميع، ولو بلا ضرورة، فليس عليك، أي: لا عقاب؛ إذ ليس بواجب.
فقلت له: ألم يقل رسول الله ﷺ : من رَاحَ إلى الجُمُعَةِ، أي: أراد الرواح إلى الجمعة، أي: صلاتها، فليغتسل، أي: وظاهر الأ مر الوجوب، ولا يصرف إلى غيره إلا بدليل، قال: أي: النخعي، بلى: أي: قال هذا الحديث (ق ٦٨) ولكن؛ ليس أي: مضمون قوله فليغتسل من الأمور الواجبة؛ أي: من الأمور الإِرشادية، وبقرينة ما سبق من الحديث، وإنما هو أمر بالغسل في الحديث للشفقة، إنما هو كقول الله جل وعز: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولذا قيل: إنها أرجى آية من القرآن؛ لأنها تدل على كمال الرحمة؛ لئلا يقعوا في المخاصمة والمنازعة، فمن أشْهَدَ فقد أحْسَنَ؛ لأن أمره محمول على الاستحباب عند الجمهور، ومن تَرَكَ أي: الإِشهاد فليس عليه، أي: شيء من التبعة، وكقوله في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فإن أمره محمول على الإِباحة، بلا خلاف، فمن انتشر فلا بأس، أي: بفعله، ومن جلس فلا بأس، بل هو الأفضل، نظرًا إلى الاعتكاف في المسجد، وغيره من الفوائد.
قال: حمّادٌ: ولقد رأيت إبراهيم النَّخَعِيِّ يأتي العيديْن أي: يحضر صلاته وما يغتسل، أي: لأجلها، أحيانًا بعذر أو بغير عذر، والله أعلم.
* * *
٦٥ - أخبرنا محمد بن أبَانَ: عن ابن جُريج، عن عطاء بن أبي رَبَاح، قال: كنا جلوسًا عند ابن عباس، فحضرتِ الصلاةُ - أي: الجمعة - فدعَا بَوضوءٍ فتَوضأ، فقال له بعض أصحابه: ألا تغتسل؟ قال: اليومُ يومٌ باردٌ، فتوضأ.
стр. 147
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال الشيخ: هكذا في كتابي: محمد بن أبَانَ: عن ابن جُريج، بضم الجيم وفتح الراء والباء الساكنة بعد جيم مصغر، عن عطاء بن أبي رَبَاح، بفتح الراء كما سبق، قال: كنا جلوسًا أي: جالسين عند عبد الله بن عباس، ﵄، فحضرتِ الصلاةُ - أي: الجمعة - فدعَا بوضوءٍ بفتح الواو، فتَوضأ، فقال له أي: لابن عباس ﵄، بعض أصحابه: ألا تغتسل؟ أي: لصلاة الجمعة، وألا، بفتح الهمزة واللام المشددة: حرف تحضيض مختص بالجملة الفعلية الخبرية كسائر أدوات التحضيض، ومعناهما طلب الشيء بلين، والتحضيض طلب بحت، كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كما في سورة النور [النور: ٢٢]، ولكن هنا أن تكون بمعنى العرض؛ لأن رتبة عبد الله بن عباس أعلى من رتبة أصحابه فطلب الأدنى من الأعلى رجاء، كما قاله ابن هشام، قال أي: ابن عباس: اليومُ يومٌ باردٌ، أي: فيترك السنة للعذر، فتوضأ، أي: ثبت على وضوئه عملًا بالرخصة.
ويمكن أن قوله: فتوضأ أولًا معناه: فأراد الوضوء أو أعاد الثاني للتأكيد أو لطول الفصل، ولا يبعد أن يكون توضأ الأول من زوائد النساخ فتأمل.
* * *
٦٦ - أخبرنا سلَّام بن سُلَيْمِ الحَنَفِيُّ، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان علقمة بن قيس إذا سافر لم يصلِّ الضُّحَى، ولم يغتسل يوم الجمعة.
• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا سَلَّام بتشديد اللام، ابن سُلَيْم بالتصغير، أبو الأحوص الحَنَفيُّ (١)، أي: منسوب إلى أبي حنيفة بحذف المضاف والزوائد عن منصور، وهو من أكابر التابعين، روى عنه الثوري وغيره، عن إبراهيم، أي: النخعي، قال: كان علقمة بن قيس أحد أجلاء التابعين، إذا سافر لم
стр. 148
يصلِّ الضُّحَى، أي: صلاة الضحى فإنها مستحبة، وقد تصدق الله عن المسافرين بعض الفرض فكيف بالسنة، وقيل: إذا كان في المنزل، فالأولى أن يأتي بها، وإذا سافر فلا، وهو تفصيل حسن، وجمع مستحسن، ولم يغتسل يوم الجمعة، إما لقلة الماء، أو لتعب السفر، أو لاعتقاده أنه كصلاة الجمعة، وهي ليست على المسافر.
* * *
٦٧ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثَّوْرِيّ، قال: حدثنا منصور، عن مجاهد، قال: من اغتسلَ بعد طلوع الفجر أجْزأه عن غُسل الجُمُعَةِ.
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، يرمز (ق ٦٩) إلى حدثنا سفيان الثَّوْرِيّ (١) وهو ابن سعيد الكوفي، أحد الأئمة المجتهدين، وأقطار الإِسلام، وأركان الدين، جمع بين الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، ولد في أيام سليمان بن عبد الملك بن مروان، سنة تسع وتسعين، وسمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه: الأوزاعي، وابن جريج، ومالك، وشعبة، وابن عيينة، وفضيل بن عياض، وغيرهم، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، قال: حدثنا منصور، عن مجاهد، وهو ابن جبر، بفتح الجيم وسكون الموحدة، من الطبقة الثانية من تابعي مكة وفقهائها وقرائها المشهورين، وأعلامها المعروفين، كان إمامًا في القراءة، مات سنة مائة.
قال: من اغتسلَ بعد طلوع الفجر أجْزأه عن غُسل صلاة الجُمُعَةِ.
ظاهره أنه أراد الغسل لليوم، سواء صلى للجمعة به أم لا، والمعتمد عندنا: أن الغسل للصلاة، حتى لو اغتسل قبل الفجر وصلى الجمعة به، خرج عن عهدة السنة على أنه يلزم من أنه لليوم جواز الغسل ولو بعد صلاة الجمعة، وهو بعيد جدًا.
وسبب الورود الآتي يؤيد مختار ما. . .
* * *
стр. 149
٦٨ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثوري، عن عبَّاد بن العوَّام، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عَمْرَة، عن عائشة، قالت: كان الناس عُمَّال أنْفُسِهِمْ، فكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ بهيئاتهِمْ، فكان يقال لهم: لو اغتسلتم؟.
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا سفيان الثوري، عن عبَّاد بن العوَّام (١)، بتشديد الموحدة والواو أيضًا، وفي نسخة: حدثنا يحيى بن سعيد، وقد مر ذكره، عن عَمْرَة، بفتح أوله تأنيث عمر، ولم يكتب الواو لعدم الالتباس، وهي بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، وكان في حجر عائشة أم المؤمنين، وتربيتها وروت عنها كثيرًا من حديثها وغيرها، وروى عنها جماعة ماتت سنة ثلاث ومائة.
وفي نسخة: عروة، بدلها، وهو تصحيف، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: كان الناس عُمَّال أنْفُسِهِمْ، بضم العين وتشديد الميم، أي: كان المهاجرين والأنصار يعملون أعمالًا لأنفسهم، لا لغير من أمر الزراعة والبناء وغيرهما، فكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ، أي: يذهبون إلى صلاتهم بهيئاتهِمْ، أي: بصفتهم المعتادة حال صنيعتهم من غير غسل، ولا استعمال طيب، ولا تغيير ثوب، فكان يقال لهم: أي: فيما بينهم: لو اغتسلتم؟؛ أي: لكان حسنًا، ويحتمل أن يكون كلمة لو للتمني، والأظهر أن هذا كان من مقالته ﷺ لهم.
وقد أخرج أبو داود (٢) عن عكرمة: أن ناسًا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا بن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ فقال: لا، ولكنه طهور وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغسل:
стр. 150
كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويحملون على ظهورهم، فكان مسجدهم ضيقًا، متقارب السقف؛ إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت بينهم رياح، حتى آذى بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الرياح، قال: "يا أيها الناس؛ إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم مثل ما يجده من دهنه وطيبه".
(ق ٧٠) قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسعوا مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم من العرق، فهذا يشير إلى أن الغسل كان واجبًا، كما ذهب إليه مالك، ثم صار سنة كما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.
ولما أتم ما يتعلق بغسل يوم الجمعة، شرع فيما يتعلق بالاغتسال في يوم العيدين، فقال: هذا
* * *
باب في بيان أحكام الاغتسال في يوم العيدين
أحكام الاغتسال في يوم العيدين، وهما الفطر والأضحى على خلاف في أنه غسله للصلاة، ولليوم، كما تقدم في يوم الجمعة، والعيد مشتق من العود؛ لتكرره كل عام؛ أو لعود السرور بعوده، أو لكثرة عوائد الله تعالى على عباده فيه، وجمعه أعياد بالياء، وإن كان أصله بالواو، وللزومها في الواحد وللفرق بينه وبين عود.
٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يغتسلُ قبل أن يَغْدُوَ إلى العيد.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك، وفي نسخة: أنبا مشيرًا إلى أخبرنا مالك بن أنس، حدثنا، وفي نسخة: قال: أنبا نافع، أن ابن عمر ﵄، كان يغتسلُ قبل أن يَغْدُوَ إلى العيد، أي: يذهب إلى مصلاه، وهو يحتمل أنه
стр. 151
اغتسل قبل الفجر وبعده، والمراد بالعيد، جنسه الشامل للعيدين، ولا يبعد أن يراد به العهد، ويحتمل على عيد الأضحى، وهو العيد الأكبر فتدبر.
* * *
٧٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عُمر، أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يَغْدُوَ.
قال محمد: الغسل يوم العيد حَسَن، وليس بواجب، وهو قولُ أبي حنيفة.
• محمد قال: ثنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، عن ابن عُمر، أنه كان يغتسل يوم الفطر وهو الأفضل، إذا صلى به للجمع الأكمل، قبل أن يَغْدُوَ، أي: يقبل أن يذهب إلى المصلى.
قال محمد: الغسل يوم العيد حَسَن، أي: سنة مؤكدة، وليس بواجب، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.
بعد ذكره ما يتعلق باغتسال يوم العيدين، ولا يعرف خلاف كغيره، لما ذكر الطهارة بالماء، شرع بما يقوم مقام الماء، فقال: هذا
* * *
باب في بيان أحكام التيمم بالصعيد
التيمم: هو القصد لغة، ولهذا اعتبر النية عندنا بخلاف الوضوء والغسل؛ ولأن الماء بطبعه مطهر، والتراب مغير، والمراد بالصعيد: وجه الأرض لغة.
وفي الشرع: كل ما يكون من جنس الأرض، ولا يذب، ولا يرمد، وهو قول أبي حنيفة، وزاد مالك فقال: الصعيد طاهر؛ لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وروى البخاري ومسلم (١) عن حذيفة بن اليمان،
стр. 152
رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلْنَا على الناس - أي: على الأمم السابقة - بثلاث خصال، لم يكن لهم واحدة منها: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعِلَت لنا الأرض كلها مسجدًا، ولم يجز لهم أن يصلوا إلا في كنائسهم ومعبدهم، وجعلت تربتها - أي: تراب الأرض - لنا طهورًا، أي: مطهرًا، إذا لم نجد الماء، ولم يجز للأمم المتقدمة"، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح).
٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجُرُف؛ حتى إذا كانا بالمِرْبَدِ، نزل عبد الله بن عُمر، فتيمم صعيدًا طيبًا؛ فمسح بوجهه ويديه إلى المِرْفَقَيْنِ، ثم صلى.
• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا نافع: أنه أي: نافع، أقبل هو ضمير تأكيد للمستتر ليصح العطف عليه بقوله: وعبد الله بن عمر من الجُرُف؛ بضم الجيم فسكون، أو بضمتين، وبالفاء: موضع على ثلاثة أميال من المدينة من جانب الشام حتى إذا كان أي: ابن عمر، (ق ٧١) وفي نسخة: إذا كانا بالبناء المثنى، أي: إذا انتقل نافع وابن عمر بالمِرْبَدِ، وهو بكسر الميم وسكون موحدة مفتوحة ومهملة: موضع بقرب المدينة نحو ميل، كما في (المصباح)، وهو أيضًا موضع التمر، وكان الظاهر أن يقول: حتى إذا كنا بالمربد، نزل عبد الله بن عُمر، فتيمم صعيدًا طيبًا؛ أي: ترابًا ظاهرًا، فمسح بوجهه، أي: بضربة، ويديه بأخرى، لما رواه الحاكم والدارقطني عن ابن عمر: التيمم ضربتان، ضربة لوجهه وضربة ليديه، إلى المِرْفَقَيْنِ، أي: معهما، وهو قول أبي حنيفة، والجديد من قول الشافعي، وعن مالك وأحمد إلى المرفقين مستحب، وإلى الكوعين: جائز، وكأنهما نظرا إلى إطلاق الآية.
والكوع، بالضم: طرف الزند، الذي يلي الإِبهام، كذا في الأختري.
وحكي عن الزهري المسح إلى الآباط؛ لشمول اليد إياها عند الإطلاق لغة، ثم صلى، ومن الأدلة لمذهبنا ما رواه الحاكم والدارقطني عن جابر أنه ﷺ قال: "التيمم
стр. 153
ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين" (١). قال الحاكم: صحيح الإِسناد، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، كما قاله علي القاري.
ويصح التيمم بشروط ثمانية:
الأول: النية؛ لأن التراب ملوث فلا يصير مطهرًا إلا بالنية، والماء: خلق مطهرًا، ووقت النية به عند ضرب يده على ما يتيمم به، وهي عقد القلب، أي: قصده على إيجاد العقل جزمًا، وللنية في حد ذاتها شروط لصحتها.
وشروط صحة النية على ثلاثة أقسام: الأول: الإِسلام، ليصير الفعل سببًا للثواب ومحروم منه، والثاني: التمييز، لفهم ما يتكلم به. والثالث: العلم بما ينويه ليعرف حقيقة المنوي.
ويشترط صحة نية التيمم للصلاة، فتصح به أحد ثلاثة أشياء: إما نية الطهارة من الحدث القائم، ولا يشترط لتعيين الجنابة من الحدث فتكفي فيه الطهارة؛ لأنها شرعت للصلاة، أو نية استباحة الصلاة؛ لأن إباحتها برفع الحدث، فيصح بإطلاق النية، وبنية رفع الحدث؛ لأن التيمم رافع له كالوضوء، أو بنية عبادة مقصودة، لا يصح بدون طهارة، فيكون المنوي إما صلاة، أو جزء للصلاة في حد ذاته، كقوله: نويت التيمم، أو لصلاة الجنازة، أو لسجدة التلاوة، أو لقراءة القرآن، وهو جنب، أو نوته لقراءة بعد انقطاع حيضها، أو نفاسها؛ لأن كلًا منهما لا بد له من الطهارة.
وهو عبادة؛ فلا يصلي بالتيمم إلا إذا نوى به فقط، أي: مجردًا من غير ملاحظة شيء مما تقدم، أو نوى التيمم لقراءة القرآن ولم يكن جنبًا.
الثاني: من شروط صحة التيمم: العذر المبيح، كبعد الشخص عن ماء مطهر، ولو كان بعده في المطر ميلًا، وهو ثلث فرسخ بغلبة الظن، وهو المختار للحرج بالذهاب إلى هذه المسافة، وما شرع التيمم إلا لرفع الحرج، وثلث الفرسخ: ٤ آلاف خطوة، وهو ذراع بذراع العامة، فيتيمم لبعده ميلًا عن ماء، ومن العذر المبيح للتيمم: مرض يخاف منه اشتداد المرض أو بطء البرء.
стр. 154
ومن الأعذار: برد يخاف منه لغلبة الظن، التلف لبعض الأعضاء، والمرض إذا كان خارج المصر.
ومن الأعذار: خوف عدو آدمي أو غيره.
ومن الأعذار: عطش (ق ٧٢)، سواء خافه حالًا ومالًا على نفسه أو رفيقه في القافلة أو دابته، ولو كلبًا؛ لأن المعد للحاجة كالمعدوم.
ومن الأعذار: خوف فوت صلاة جنازة، أو خوف فوت صلاة عيد، ولو اشتغل بالوضوء، وليس من العذر المبيح للتيمم: خوف فوت الجمعة، وخوف فوت الوقت، لو اشتغل بالوضوء؛ لأن الظهر يُصلى بفوت الجمعة، وتقتضي الفائتة، فلهما خلف.
الثالث: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يكون المُتَيَمَّمُ به طاهرًا طيبًا؛ وهو الذي لم يمسه نجاسة، ولو زالت بذهاب أثرها.
الرابع: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: استيعاب المحل بالمسح.
الخامس: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يمسح بجميع اليد، أو بأكثرها حتى لو مسح بإصبعين، لا يجوز كما في (الخلاصة)، ولو كرر حتى استوعب، بخلاف مسح الرأس، كذا في (سراج الوهاب).
السادس: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يكون التيمم بضربتين بباطن الكفين ولو كان الضربتان في مكان واحد على الأصح.
السابع: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: انقطاع ما ينافيه، من حيض ونفاس، أو حدث، كما هو شرط أصله.
الثامن: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: زوال ما يمنع المسح على البشرة، كشمع وشحم، لأنه يصير به المسح عليه، لا على الجسد.
كما بيناه في (سلم الفلاح) شرح (نور الإِيضاح) و (نجاة الأرواح).
* * *
стр. 155
٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسْفَارِهِ، حتى إذا كانا بالبَيْدَاء - أو بِذَاتِ الْجَيْش - انقطع عِقْدِي، فأقام رسول الله ﷺ على الْتِمَاسِه، وأقام الناسُ، ولَيْسُوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا تَرَى إلى ما صنَعَت عائشةُ؛ أقَامتْ برسول الله ﷺ ، وبالناس، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر، ورسول الله ﷺ وَاضعٌ رأسَه على فَخِذِي؛ قد نام، فقال: حَبَسْتِ رسول الله ﷺ والناس، ولَيْسُوا على ماء، معهم ماء؟ قالتْ: فعاتبني، وقال ما شاء الله أن يقولَ، وجعل يَطْعنني بَيدهِ في خَاصِرَتي، فلا يَمْنَعُني من التحرُّك إلا رسول الله ﷺ على فَخِذِي، فقام رسول الله ﷺ حتى أصبحَ على غير ماء، فأنزل الله آيةَ التيمم، ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، قال أسَيْد بن حُضَيْرِ: ما هي بأوّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آل أبي بكر، قال: وبَعَثْنَا البعيَر الذي كنتُ عليه، فوجَدْنَا العِقْدَ تحته.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، والتيمم ضربتا يَدٍ: ضربةٌ للوجهِ، وَضَرْبَةٌ لليدين، إلى المرفقين وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا يرمز إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنبا يرمز إلى أخبرنا مالك بن أنس، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، أحد الفقهاء السبعة المشهورين، بالمدينة، من أكابر التابعين، روى عنه جماعة منهم: مالك وسماك بن حرب، وأيوب، والزهري، وحميد الطويل، والسفيانان، وخلق وكان ثقة جليلًا. قال ابن عيينة: كان أفضل زمانه، مات بالشام سنة ست وعشرين ومائة، وقيل
стр. 156
بعدها، عن عائثسة، أم المؤمنين، ﵂، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسْفَارِهِ، قال في التمهيد: يقال: إنها غزوة بني المصطلق، في سنة ست، وقيل: خمس، وجزم بذلك في (الاستذكار)، وسبقه ابن سعد وابن حبان، وغزوة بني المصطلق: هي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإِفك لعائشة ﵂، وكان ابتداء ذلك، وسببه وقوع عقدها أيضًا، فإن كان ما جزموا بان ثابتًا حمل على أنه سقط منها في ذلك السفر مرتين، لأجل اختلاف القصتين كما هو بين في سياقهما، وذهب جماعة إلى تعدد ضياع العقد، وإن هذه كانت بعد قصة الإِفك، محتجين بما رواه الطبراني عن عائشة: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإِفك ما قالوا، خرجتُ مع رسول الله ﷺ في غزاة أخرى فسقط أيضًا عقدي، حتى حبس الناس على التماسه، فقال أبو بكر الصديق، ﵁: يا بنية في كل مرة تكونين عنا وبالًا على الناس، فأنزل الله آية التيمم.
فقال أبو بكر: إنك لمباركة، ففيه التصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين، وبذلك جزم محمد بن حبيب الأخبار فقال: سقط عقدها في غزوة بني المصطلق، وفي ذات الرقاع، واختلف أهل المغازي في أيهما كانت أولًا.
روى ابن أبي (ق ٧٣) شيبة (١): عن أبي هريرة: لا نزلت آية التيمم، لم أدر كيف أصنع، ففيه دليل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأن إسلام أبي هريرة كان في السابعة، وهي بعدها بلا خلاف.
حتى إذا كانا بالبَيْدَاء بفتح الموحدة، وسكون التحتية، والدال الممدودة، وهي الصحراء، والمراد به الشرف الذي قدام ذي الحليفة، من طريق مكة، أو بِذَات الْجَيْش، كلمة "أو" للشك من عائشة، ﵂، كما قاله الحافظ: وهي بفتح الجيم وسكون الياء التحتية والشين المعجمة: موضع على بريد من المدينة، وبينها وبين العقيق ستة أميال. قال أبو عبيد البكري في (معجمه): العقيق من طريق مكة، لا من طريق خيبر، كما قاله الزرقاني.
стр. 157
انقطع عِقدِي، بكسر أوله: وهو كل ما يعقد ويعلق به في العنق، ويسمى قلادة، وكان من جزع ظفار على ما ذكره السيوطي، والجزع، بفتح الجيم وسكون الزاي، خرز فيه بياض وسواد، الواحد جزعة كتمر وتمرة، وكذا في (المصباح)، وظفار كقطا، اسم مدينة باليمن، كذا في (النهاية).
قيل: اشتقاقه من الجزع بفتحتين، ولذا كانت ملوك حمير لا تدخل الجزع خزائنها، ولا تقلد شيئًا ولا تختم به.
وفي (القاموس): الجزع بكسر الخرز اليماني العيني، فيه سواد وبياض شبه العين، والتختم به: يورث الهم والحزن، والأحلام المفزعة، ومخاصمة الناس، وإن لف به شعر مسعر ولدت من ساعتها .. انتهى.
وكان العقد ملكًا لأسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵂، استعارته منها عائشة، وكان ثمنه اثنى عشر درهمًا، فأقام رسول الله ﷺ أي: توقف فسأل على الْتِمَاسِه، أي: لأجل طلبه، وأقام الناسُ، أي: تبعًا له ﷺ ، ولَيْسُوا على ماء، أي: والحال أنهم ليسوا على بير أو عين، والحال: وليس معهم ماء نقية، إشارة إلى ترك إضاعة المال، واعتنى الإِمام بحفظ حقوق المسلمين، ويلحق بتحصيل الضايع، والإِقامة لإِلحاق المنقطع، ودفن الميت، ونحو ذلك من مصالح الناس، واستدل به على جواز الإِقامة في مكان لا ماء فيه، وسلوك طريق لا ماء فيها.
ونظر فيه الحافظ: بأن المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها، قال: ويحتمل أن رسول الله ﷺ لم يعلم بعدم الماء مع الركب، وإن علم أن المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن قوله: ليس معهم ماء، أي: للوضوء، وإما للشرب، فيحتمل أنه معهم، والأول محتمل لجواز المطر، أو نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، كما وقع في مواطن أخرى.
فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، أي: شاكيًا من الإِقامة، فقالوا: ألا تَرَى الهمزة للاستفهام، إلى ما صنَعَت عائشهُ؛ ﵂؟ أقَامَتْ برسول الله ﷺ ، وبالناس، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليس معهم ماء؟ أسند الفعل إليها، لأنه كان بسببها، وفيه شكوى عن المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا لأنه ﷺ نائم وكانوا لا يوقظونه.
قال ابن حجر: وخافوا تغيظه، لشدة محبة المصطفى لها، كما قاله الزرقاني عن
стр. 158
بعض شيوخه. قالت: أي: عائشة، ﵂، كما في (الموطأ) لمالك: فجاء أبو بكر الصدِّيق، ﵁ وكان رسول الله ﷺ وَاضعٌ رأسَه على فَخِذِي؛ بالذال المعجمة وبالياء للمتكلم، قد نام، أي: (ق ٧٤) والحال أنه ﷺ قد نام على فخذي، وفيه جواز دخول الرجل على بنته، وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاء ذلك، ولم يكن حالة مباشرة، فقال: أي: أبي بكر الصديق توبيخًا لي: يا عائشة حَبَسْتِ على بناء المفرد المخاطبة، أي: منعتِ رسول الله ﷺ والناس عن السير، ولَيْسُوا على ماء، وليس معهم ماء؟ وفيه ضرر شديد، قالتْ: أي: عائشة ﵂، فعاتبني، أي: أبو بكر الصديق ﵁، ولم تقل فعاتبني أبي؛ لأن قضية الأبوة رحمة وشفقة.
والعتاب بالقول، والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر فأنزلته؛ أي: أبا بكر منزلة الأجنبي، وقال أبو بكر ما شاء أن يقولَ، أي: وما مصدرية بمعنى الوقت، يعني: قال أبو بكر وقت مشيه تكلمه في العتاب بعائشة، وفيه دلالة على أن أحدًا لا يقول خير إلا بتوثيق الله ولا شرًا إلا بخذلان الله، فإنهم يدعون أن العبد مستقل؛ أي: في فعله، وهو ليس كذلك، بل الأقوال والأفعال كلها بخلق الله تعالى، كما قال الله تعالى في سورة الصافات: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
وجعل, أي: شرع أبو بكر الصديق، حال كونه يَطْعنني بيَدهِ وهو بضم العين، وكذا جميع ما هو حِسِّي، وأما المعنوي فيقال: يطعن بالفتح، هذا هو المشهور فيهما.
وحكى فيهما معًا الفتح والضمِ، ذكره في (المصباح)، طعن بالرمح كنصر وطعن فيه، والمعنى: يضربني بيده في خَاصِرَتي، أي: جنبي، بحيث إنه زائل عني راحتي، وفيه تأديب الرجل بنته، ولو متزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق به تأديب من له تأديبه، ولو لم يأذن الإِمام، فلا يَمنَعُني من التحرُّك: الاستقرار إلا رأس رسول الله ﷺ على فَخِذِي، وفيه استحباب، بمعنى بيان الصبر، لمن قاله ما يوجب الحركة ويحصل به التشويش لنائم، وكذا المصلي، وقارئ مشتغل بعلم أو ذكر، فنام رسول الله ﷺ حتى أصْبحَ، إلى أن ينتهي إلى الصباح، على غير ماء متعلق بنام، وأصبح متنازعًا فيه، هكذا الرواية في (الموطأ)، حتى وهي رواية مسلم عن يحيى والبخاري في فضل أبي بكر عن قتيبة، كليهما عن مالك، ورواه في التيمم عن عبد الله بن يوسف بلفظ حين بتحتية ونون. قال الحافظ: ومعناهما متقارب؛ لأن كلًا منها يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح.
стр. 159
وقال بعضهم: ليس المراد بقوله حتى أصبح بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأن قيد الغاية بقوله: على غير ماء، أي: أمره إلى أن أصبح على غير ماء.
وأما رواية عمرو بن الحارث، فلفظه: ثم إن النبي استيقظ وحضرت الصبح، فإن أغربت الواو حالته، كان دليلًا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصبح، وهو الظاهر.
واستدل به على الرخصة في ترك التهجد في السفر، إن ثبت أنه كان واجبًا عليه، وعلى أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت، لقوله في رواية عمرو بعد قوله: فحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، فأنزل الله تعالى آية التيمم.
قال ابن العربي: هذه (ق ٧٥) معضلة ما وجدت لذاتها من ذوي الأنام، لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة. وقال ابن بطال: هي آية النساء والمائدة.
وقال القرطبي: هي آية النساء؛ لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر للوضوء فيها.
وأورد الواحدي في (أسباب النزول) هذا الحديث عند ذكر آية النساء، وقال الحافظ (١): وخفى على الجميع ما ظهر للبخاري أنها آية المائدة بلا تردد؛ لرواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عند البخاري في التفسير؛ أنه قال فيها: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ...﴾ [المائدة: ٦].
وقال: واستدل به على أن الوضوء كان واجبًا قبل نزول الآية، ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع.
قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه ﷺ لم يصل حين فرضت الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند.
قال: وفي قولها: آية التيمم، إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا الوضوء. وقال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع ما تقدم العمل به ليكون فرضه متلوًا بالنزول.
стр. 160
وقال غيره: يحتمل أن أول آية الوضوء نزل قديمًا فعلموا به، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة وإطلاق آية التيمم على هذا من قبيل إطلاق الكل على البعض، كما قاله الزرقاني.
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أي: النبي ﷺ وأصحابه، وفي نسخة: فتيممنا، أي: نحن جميعًا، قال أسَيْد بن حُضَيْرِ: بضم الهمزة، وفتح السين المهملة وسكون التحتية والدال المهملة، ابن حُضَيْرِ؛ بضم الحاء المهملة وفتح الضاد وسكون التحتية، والراء المهملة: تصغير فيهما، وهو أوسي، أنصاري، شهد العقبة، وبدرًا وما بعدها من المشاهد، روى عنه جماعة من الصحابة، ومات بالمدينة سنة عشر ودفن بالبقيع. ما هي أي: هذه البركة التي حصل منها هذه الرخصة، بأوّلِ بَرَكَتِكُمْ أريد بها الجنس، أي: ليست هذه البركة بأول بركة من بركاتكم، بل هي مسبوقة بغيرها من البركات يا آل أبي بكرٍ، والمراد بأبي بكر نفسه وأهله وأتباعه، وفي (تفسير إسحاق): أن النبي ﷺ قال لها: "ما كان أعظم بركة قلادتك"، وفي رواية عمرو بن الحارث: "لقد بارك الله فيكم".
وللبخاري من وجه آخر، فقال أسيد لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا.
وفي لفظٍ له: إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين منه بركة، وإنما قال ذلك أسيد دون غيره؛ لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد الذي ضاع، قالت: أي: عائشة، فبَعَثْنَا وفي نسخة بالواو، فأقمنا البعير الذي كنتُ راكبة عليه، فوجَدْنَا العِقْدَ تحته، أي: تحت البعير، هذا ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه أولًا لم يجدوه.
وفي رواية عائشة في البخاري: فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، أي: القلادة.
وللبخاري ومسلم: فبعث ناسًا من أصحابه في طلبها.
ولأبي داود: فبعث أسيد بن حضير وناسًا معه.
وطريق الجمع بين هذه الروايات: أن أسيد بن حضير كان رأس من بُعِثَ لذلك (ق ٧٦)، فلذا سُمِّيَ في بعض الروايات دون غيرها، وأسند إلى واحد منهم في رواية دون غيره، وهو المراد كأنهم لم يجدوا العقد أولًا، فلما رجعوا ونزلت الآية، وأرادوا الرحيل،
стр. 161
وأثاروا البعير وجده أسيد، فقوله في رواية عروة: فوجدها، أي: بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره. وقال الثوري: يحتمل أن فاعل وحدها: النبي ﷺ ، كما قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، والتيمم ضربتا يَدٍ، أي: وضعتان للوجه، أي: لمسحه والاستيعاب فرض، وَضَرْبَةٌ لليدين إلى المرفقين، وهو أي: الضرب لكل واحد منهما مع النية للعبادة، قولُ أبي حنيفة، ﵀، وأصحابه.
ما الحكمة في الأمر: بالماء فى الوضوء؟ والتراب في التيمم؟
الجواب: لأن أصل وجود الإِنسان من التراب، قبض عزرائيل ﵇، من أنواع التراب على عدد بني آدم وهيئاتهم، كما ورد في الحديث، وأصل وجودك ونشأتك من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، وأنهما: أي: الماء والتراب أوسع شيء وجودًا فأمرك بهما لئلا يتعذر بفقدانهما، وتتواضع برؤيتهما بافتقارك إليهما.
أما ترى قول إبليس، كيف ترك التواضع، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقيل: أمر بهما لسر الطهارة والحياة والقابلية والإِحياء في الماء، وسر التواضع والتذلل والثبات في التراب، بخلاف النار؛ لأن في النار صفة العلو والرفع في الهواء صفة الإنقلاب وعدم الثبات، ففي استعمالهما على وجه التقرب بالتعبد تأثير في تكميل الوجود الإِنساني؛ ولهذا قيل: الوضوء نور، أي: ينور الوجود ويصفيه.
والتيمم: بالتراب يثبته، ويمكنه في طريق الرشاد، ولله أسرار خفيفة في أوضاع أحكام الشريعة، أبقاها الله إلى يوم الحساب، كما في (خواتم الحكم).
الحكمة في التيمم بالتراب: هل يقوم التراب مقام الماء؟
الجواب: أن الله تعالى خلق الذرة، ونظر إليها، فصارت ماء، وعليه زبد بيضاء، ثم خلق الله تعالى الأرض من زبد الماء، فيكون أصل الأرض من الماء، لهذا أقام التراب مقامه، عند عدم الماء في التيمم، كما في (الفوائد).
لما فرغ من بيان التيمم، شرع في بيان حال الرجل يقبل امرأته، في حال حيضها، فقال: هذا
* * *
стр. 162
باب في بيان حكم حال الرجل الذي يصيب، أي: يقبل امرأته، وهي حائض
حكم حال الرجل يصيب، أي: يقبل من امرأته، أي: مملوكته ملكًا نكاحًا أو يمينًا، فمن مرادف الباء بالباء.
قال الله تعالى في سورة ﴿حم (١) عسق﴾ ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أي: ينظر المنافقون إلى النار بعين خفيفة خوفًا كنظر المقتول إلى السياف، كذا في (عيون التفاسير).
أو يباشرها: أي: يلامس بامرأته، وهي حائض، أي: والحال أنها في الحيض.
٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر، أرسل إلى عائشة يسألُهَا: هل يُباشرُ الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: لِتَشُدَّ إزارَهَا إلى أسفُلِهَا، ثم ليُبَاشِرْهَا إن شاء.
قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ، لا بأس بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ، من فُقهَائِنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا نافع: أن عبد الله بن عمر، ﵄، أرسل إلى عائشة، ﵂، أحدًا حال كونه يسألُهَا: هل يُباشرُ الرجل امرأته وهي أي: والحال أنها حائض؟ فقالت: أي: عائشة لِتَشُدَّ بكسر اللام وفتح التاء المثناة، وضم الشين المعجمة، والدال المهملة المشددة المفتوحة: أمر إلى امرأة غائبة، ويجوز أن يكون إخبارًا عن فعلها لحسن ظنها (ق ٧٧)، إليها إن كانت اللام مفتوحة، أي: لتربط إزارها على أسفلها، أي: ما بين سرتها وركبتها، ثم يباشرها، أي: الرجل بالعناق ونحوه، فالمراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين،
стр. 163
لا الجماع: إن شاء، أي: ان أراد الرجل مباشرتها.
قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، أقول: لا بأس, أي: لا حرج ولا ضرر، بذلك، بل يستحب إذ ثبت أنه ﷺ كان يباشرها كذلك، كما في حديث متفق عليه: أنه كان لا يباشر أحدًا من أزواجه المطهرات، وهن حائضات حتى يأمرهن بالاتزار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ، من فُقهَائِنا، وكذا من فقهاء غيرنا، وإنما خالفنا الشيعة وبعض أهل البدعة تبعًا لليهود، حيث لم يأكلوا معهن، ولم يضاجعوهن، إن حضن.
والمعتمد في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي: يجوز أن يتمتع الرجل من الحائض بما فوق الإزار فقط، وأن استمتاع تحت الإزار حرام في وقت الحيض، ولعله أراد بقوله: والعامة من فقهائنا أخرج نفسه عنهم، ودليله ما أخرج الجماعة إلا البخاري (١): أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يوكلوها، ولم يجامعوها في البيوت. فسئل رسول الله ﷺ وأصحابه عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والآية من سورة البقرة.
فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، وفي رواية: "الجماع".
ولنا عن عبد الله بن سعد: سألت رسول الله ﷺ : ما يحل من امرأتي وهي حائض؟ فقال: "لك ما فوق الإزار"، رواه أبو داود.
* * *
٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرني الثِّقَةُ عِنْدِي، عن سالم بن عبد الله وَسليمانَ بن يَسَار، أنهما سُئلا عن الحائض، هل يُصيبها زوجُها إذا رَأتِ الطُّهْرَ، قبل أن تَغْتَسِلَ؟ فقالا: لا، حتى تغتسل.
стр. 164
قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ؛ لا تُبَاشرُ حائضٌ عندنَا حتى تَحِلَّ لها الصلاةُ، أو تجبَ عليها، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس، من أتباع التابعين، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة، قال: أخبرني الثِّقَةُ، أي: المعتمد، يعني: ربيعة، والله أعلم.
كما وجدتُ في حاشية المتن عندي أي في معتقدي، ولم يذكر الإِمام مالك بن أنس اسم الثقة؛ لأنه مشهور بين المحدثين بكونه ثقة، وَذِكْر عندي: إشعار بأن كل راوٍ عن مالك ينبغي أن يعتمد بصحة الحديث، عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر، وهو أحد الفقهاء السبعة، وَسليمانَ بن يَسَار، أي: أحدهم أيضًا، أنهما، أي: سالمِ وسليمان، سُئلا على بناء المجهول، عن الحائض، هل يُصيبها أي: يجامعها زوجُها إذا رأتِ الطُّهْرَ، أي: علامته بقصة أو جفوف قبل أن تَغْتَسِلَ؟ فقالا: أي: كلًا منهما: لا، أي: لا يصيبها حتى تغتسل، لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
إذ تأكيد للحكم، وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع، ويدل عليه صريحًا قراءة ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، بمعنى يغتسلن، والتزامًا بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإنه يقتضي تأخر جواز الإِتيان عن الغسل، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وزفر وجمهور الفقهاء، يعني: أنه لا يجوز وطء امرأة انقطع حيضها ونفاسها حتى تغتسل.
قال محمد ﵀: وبهذا (ق ٧٨) أي: إنما نعمل بهذا الحديث لا غير نأخُذُ؛ أي: نعمل ونفتي به، بأن لا تُبَاشرُ على صيغة المجهول، أي: لا تُجامع حائضٌ عندنَا حتى تَحِلَّ لها الصلاةُ، أي: بأن تغتسل، أو تجبَ عليها الصلاة، أي: بدخول وقتها، أو بالشروع فيها، وتقديم بهذا على قوله: نأخذ يفيد الحصر، كما أشرنا بلفظ إنما، وهو قولُ أبي حنيفة وقد قال علماء الحنفية: حل وطء من انقطع دمها لأكثر الحيض أو النفاس قبل الغسل دون من انقطع لأقله، إلا إذا اغتسلت بلا خلاف، أو مضى وقت يسع فيه الغسل والتحريمة.
* * *
стр. 165
٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم: أن رجلًا سأل النبي ﷺ : ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "تَشُدُّ عليها إزارَها، ثم شَأنَكَ بأعْلاها".
قال محمد: وهو قولُ أبي حنيفةَ، وقد جاءَ ما هو أرخَصُ من هذا.
عن عائشة، أنها قالتْ: يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّم، وله ما سِوَى ذلك (١).
• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا، زيد بن أسْلَم: أن رجلًا سأل النبي ﷺ : ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ "وما": مبتدأ بمعنى الاستفهام، ويحل مرفوع المحل؛ لأنه خبر المبتدأ والجار والمجرور متعلق بيحل، "ومن": بيانية بما الاستفهامية، فالمعنى: أي شيء يحل، أي: من أحوال امرأتي، والحال أنها حائض.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ مسندًا، ومعناه صحيح ثابت. انتهى.
وقد روى أبو داود، عن عبد الله بن سعد، قال: سألتُ رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ (٢)، قال مالك: ما فوق الإِزار، وسكت أبو داود عليه، وهو صالح للحجية وبه علم اسم الرجل السائل، واختلف في أنه أنصاري أو قرشي، عم: حكيم بن حزام.
قال: أي: النبي ﷺ : تَشُدُّ بفتح التاء وضم الشين المعجمة، وضم الدال المشددة، أي: تربط امرأتك عليها، أي: على سرتها إزارَها، ثم شَأنَكَ بالنصب، أي: دونك، كذا قاله علي القاري، ويجوز بالرفع، أي: حالك أن تمساها بأعْلاها، أي: فوق الإِزار، كما رواه أبو داود، فإرجاع الضمير المؤنث إلى الإِزار المذكر على تأويل أنه قطعة من الثوب.
стр. 166
قال محمد: أي: ابن حسن الشيباني، ﵀، وهو قولُ أبي حنيفةَ، ﵀، أي: وأكثر أصحابه، وتبعه بعض الأئمة، بل أكثرهم.
وقد جاءَ ما، أي: في حديث هو أرخَصُ، أي: أكثر رخصة من هذا، عن عائشة ﵂، أنها قالتْ: يَجْتَنِبُ بصيغة المجهول، شِعَارَ الدَّم، بكسر الشين: الخرقة أو الفرج على الكناية؛ لأن كلًا منهما علم الدم، وله، أي: وجاز للرجل ما سِوَى ذلك، أي: غير الجماع من المؤاخذة والمباشرة، وهي التجرد عن الثوب فوق السرة وإلصاق جسد الرجل إلى جسد المرأة مجردين عن ثوبهما، وهو مختار الإِمام محمد على ما تقدم، والله أعلم.
وقال الاوزاعي وداود: إذا غسلت فرجها جاز وطؤها، ثم إذا طهرت الحائض ولم تجد ماء.
قال أبو حنيفة: في المشهور عنه لا يحل وطئها حتى يتيمم وتصلي.
قال مالك: لا يحل وطئها حتى تغتسل.
وقال الشافعي وأحمد: متى تيممت حلت، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان السبب الاضطراري للغسل، شرع في بيان السبب الاختياري له، فقال: هذا
* * *
باب في بيان إذا التقى الختانان، هل يجب الغسل ؟
الختان، بكسر الخاء المعجمة والتاء والنون بينهما ألف: موضع ما يختن، كذا قاله علي القاري، والمراد بهذه التثنية ختان (ق ٧٩) الرجل، وهو قطع جلدة كمرته، وخفاض المرأة، وهو موضع قطع جليدة في أعلى فرجها تشبه عرف الديك، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، وإنما تثنى بلفظ واحد تغليبًا، وله نظائر وقاعدته رد الأثقل إلى الأخف، والأدنى إلى الأعلى، كذا قاله الزرقاني.
٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْريُّ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أن عمر
стр. 167
وعثمان وعائشة كانوا يقولون: إذا مَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فقد وَجب الغُسْلُ.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك حدثنا وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا الزُّهْريُّ، وهو ابن شهاب، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، وهو من سادات التابعين، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة أي: زوج النبي ﷺ ، كانوا يقولون: أي: كان مذهبهم إذا مَسَّ أي: إذا جاوز، الخِتَانُ أي: ختان الرجل والمرأة، الخِتَانَ، أي: ختان الآخر منهما من غير حائل بينهما، فالمراد بالختان الثاني موضعه من فرج الأنثى، وهو مشاكلة؛ إنما يسمى خفاضًا لغة كقوله ﷺ : "اخفضي"، فقد وَجب الغُسْلُ، أي: سواء أنزل أم لا؛ لأن المراد بالمس والالتقاء المجاوزة لا حقيقة المس، والالتقاء؛ لأنه لا يتصور عنده غيبة الحشفة ولو دفع مس بلا إيلاج لم يجب الغسل بالإِجماع.
وصدر الإِمام بهذا الخبر إشارة لدفع ما رواه زيد بن خالد الجهني، أنه سأل عثمان: إذا جامع الرجل فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله ﷺ . قال زيد بن خالد، فسألتُ عن ذلك عليّا، ﵁، والزبير، وطلحة، وأُبيّ بن كعب، فأمروه بذلك، رواه الشيخان، واللفظ للبخاري وللإِسماعيلي، فقالوا بمثل ذلك، عن النبي ﷺ .
قال الإِمام أحمد: حديث معلول؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف هذا الحديث.
وقال علي بن المديني: إنه شاذ، فالحديث المعلول والشاذ معطوفان لا يُعمل بهما، والحديث المعلول ما في روايته علة خفية قادحة كصفة الوهم، والحديث الشاذ ما يخالف فيه الراوي من هو أرجح منه.
فقال: الحديث الشاذ ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١) من طريق ابن عيينة،
стр. 168
عن عمرو بن دينار، عن عويجة، عن ابن عباس ﵄، أن رجلًا توفى على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثًا إلا مولى أعتقه سيده، فقال رسول الله ﷺ : "هل له أحد؟ " قالوا: لا، إلا غلام أعتقه، فجعل ﷺ ميراثه له، هذا خلاصة النخبة والفكر والشرح في فرائض (مشكاة المصابيح).
فالمسألة: من مات ولم يدع أحدًا فميراثه لبيت المال.
قال ابن عبد البر: ومحال أن يسمع هؤلاء الخمسة من رسول الله ﷺ إسقاط الغسل من التقاء الختانين ثم يفتو بإيجابه.
وأجاب الحافظ وغيره: بأن الحديث ثابت من جهة اتصال السند وحفظ رواته، وليس فردًا ولا يقدح فيه إفتاؤهم بخلافه؛ لأنه ثبت عندهم، ناسخه، فذهبوا إليه فكم من حديث صحيح هو منسوخ من حيث الصناعة الحديثية.
وقد ذهب الجمهور إلى ناسخه بحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب (ق ٨٠) الغسل"، رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وبحديث عائشة نحوه مرفوعًا في مسلم وغيره، كما قاله الزرقاني.
* * *
٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْرِ مَوْلَى عمر بن عُبَيْد الله، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، أنَّه سأل عائشةَ؛ ما يُوجب الغُسْلَ؟ فقالت: أتَدْرِي ما مَثلُكَ يا أبَا سَلَمَةَ؟ مَثَلُ الفَرُّوجِ يَسْمَعُ الدِّيَكَةَ تَصْرُخُ فَيَصْرُخُ معها، إذا جَاوَزَ الخِتَانَ الختان فقد وَجَبَ الغُسْل.
стр. 169
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا وفي نخسة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا أبو النَّضْرِ بفتح النون وسكون الفاء المعجمة، والراء: سالم بن أبي أميّة، مَوْلَى عمر بن عُبَيْد الله، بالتصغير عن أبي سَلَمَةَ، أي: إسماعيل، أو عبد الله، واسمه وكنيته: ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف، أنَّه سأل عائشةَ؛ أي: زوج النبي ﷺ ، ما يُوجب الغُسْلَ؟ أي: ما حد جماع، يكون سببًا لوجوب الغسل على الفاعل والمفعول، فقالت: تلاطفه وتعاتبه استفهامًا إنكاريًا: أتَدْرِي ما مَثلُكَ بفتح الميم والثاء المثلثة وضم اللام، وكاف الخطاب، أي: صفتك العجيبة يا أبَا سَلَمَةَ؟ فكأنه قال: لا قالت مثلك مَثَلُ الفَرُّوجِ قال المجد: هو بفتح الفاء، وضم الراء المشدودة، وسكون الواو، والخاء المعجمة، فرخ الدجاج، يَسْمَعُ صوت الدِّيَكَةَ، وهي بكسر الدال وفتح الياء التحتية، وفتحِ جمع: ديك، ويجمع أيضًا على ديوك ذكر الدجاج، تَصْرُخُ أي: بضم الراء: تصيح فَيَصْرُخُ معها، أي: يصيح معها، أي: مع الديكة.
قال ابن عبد البر: عاتبته بهذا الكلام؛ لأنه قلد فيه من لا علم له به، لأنها كانت أعلم بحال النبي ﷺ ، وقد كان أبو سلمة لا يغتسل من التقاء الختانين لروايته عن أبي سعيد حديث: "الماء من الماء"، فلذلك نفرته عنه.
قال الباجي: يحتمل أنه كان في زمن الصبا قبل البلوغ، يسأل عن مسألة الجماع، وهو لا يعرفه إلا بالسماع، كالفروج يصرخ لسماع الديكة، وإن لم يبلغ حد الصراخ.
ويحتمل أنه لم يبلغ مبلغ الكلام في العلم لكنه يسمع الرجال يتكلمون فيه، فيتكلم معهم. إذا جَاوَزَ الخِتَانَ الختان فقد وَجَبَ الغُسْل، والحديث مرفوعًا، أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وعن عائشة بلفظ: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا.
* * *
٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كَعْبٍ؛ مولى عثمان بن عفان، أن محمود بن لَبِيدٍ؛ سأل زيد بن ثابت: عن الرَّجل يُصيب
стр. 170
أهلَه، ثم يُكْسِلُ؟ فقال زيد بن ثابت: يَغْتَسِلُ، فقال محمود بنِ لِبيد: فإن أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ لا يَرى الغُسل، فقال زيد بن ثابت: إن أُبَيَّ بنَ كَعْب نَزَعَ من ذلك قبل أن يموت.
قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ؛ إذا الْتَقَى الختانان، وتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الغُسل، أَنْزَلَ أو لم يُنْزِلُ، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري، ولقيس صحبة، عن عبد الله بن كَعْبٍ؛ الحميري المدني، مولى عثمان بن عفان، صدوق، روى له مسلم والنسائي، أن محمود بن لَبِيدٍ؛ بفتح اللام، وكسر الموحدة، ابن عقبة بن رافع الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبا نعيم المدني، صحابي صغير، وَجُلُّ روايته عن الصحابة، مات سنة تسعين، وقيل: سبعة، وله تسع وستون سنة، وفي بعض النسخ: محمد سأل زيد بن ثابت، وهو من أعيان الصحابة وكبرائهم عن الرَّجل يُصيب أهلَه، أي: يجامع امرأته وجاريته ثم يُكْسلُ؟ بضم الياء التحتية وسكون الكاف وكسر السين المهملة من أكسل الرجل إذا جامع، ثم أدركه فتور، فلم ينزل أو معناه صار ذا كسل على ما ذكره السيوطي، فقال زيد بن ثابت: يَغتَسِلُ، خبر معناه إنشاء.
فقال محمود بن لِبيد: فإن أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ لا يَرَى أي: لا يختار الغُسل، أي: حين الكسل، فقال زيد بن ثابت: إن أُبَيَّ بنَ كَعْب نَزعَ أي: رجع أُبيّ عن ذلك قبل أن يموت. وفي رجوعه دليل على أنه صح عنده، أنه منسوخ، ولولا ذلك ما رجع عنه أبيّ بن كعب.
قال محمد بن الحسن (ق ٨١) الشيباني: وبهذا نأخُذُ؛ أي: إنما نعمل ونفتي بهذا الحديث: إذا الْتَقَى الختانان، أي: جاوز ختانه في ختانها، كما بينه المصنف، ﵀، بعطف تفسيري بقوله وتَوَارَتِ أي: غابت الْحَشَفَةُ بفتحتين، أي: رأس الذكر بفرجها، فقد وَجَبَ الغُسل، على الفاعل والمفعول، أَنْزَلَ أو لم يُنزِلُ، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.
стр. 171
أجمع الأئمة على أن الرجل إذا جامع امرأته، والتقى الختانان فقد وجب الغسل عليهما، وإن لم يحصل الإنزال، كما قاله علي القاري.
فإن قيل: ما الحكمة فى الأمر بالختان، ولأي معنى سره؟
الجواب: قيل: للتطهر؛ لأنه يوجب المحبة الإِلهية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فيحصل الاحتراز من البول بالختان.
وقيل: أمر بذلك لأنه وضع على عضو عبارة، وعلامة يعرف بها، فوضع على القلب التوحيد، وعلى اللسان: الشهادة، وعلى الوجه: الوضوء، وعلى الجبين: السجدة، وعلى الرأس: المسح، وعلى الشفة: قص الشارب، وعلى الأصابع: تقليم الأظافر، وعلى العانة حلقها، وعلى الإِبط: نتفها، وعلى الذكر: الختان.
وقيل: في الختان خواص، منها: نضارة الوجه، ونماء البدن كالشجر إذا انقطع فضله، وغصنه الزائد، ويحصل لها النماء.
فإن قيل: ما معنى قوله ﷺ : "أول من اختتن إبراهيم ﵇"، وفي الخبر: ولد الأنبياء ﵈ مختونين؟
الجواب: أقول: إنه ﵇ ولد مختونًا، ولكنه ختن نفسه، ليقتدي به؛ لأنه مقتدى الأمم، ومتبوع الملل، كما في (خواتم الكلم).
لما فرغ من بيان ما يوجب الطهارة الكبرى، شرع ما يوجب الطهارة الصغرى، فقال: هذا
* * *
باب في بيان حال الرجل ينام هل ينقض ذلك - أي: النوم - وضوءه؟ الرجل والمرأة في هذا الحكم سواء
عبَّر المصنف، ﵀، بذلك عن النوم إشارة إلى أن النوم خصلة تبعد صاحبها عن القرب الإلهية. والوضوء خصلة تقرب صاحبها إلى رحمة رب العالمين، فيلزم للرجل الكامل أن يستيقظ من نومة الغافلين.
стр. 172
٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم، قال: إذا نام أحدُكم وهو مُضْطَجع فليتوضَّأ.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم، قال: إذا نام أحدُكم والحال: وهو مُضْطَجع، أي: راقد على جنبه، وفي معناه: أنا راقد على قفاه، أو على بطنه، وكذا إذا أسند إلى ما لو أزيل لسقط، فليتوضَّأ.
وليحيى عن مالك عن زيد بن أسلم، أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: إذا نام أحدكم مضطجعًا فليتوضأ.
* * *
٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنه كان ينام وهو قَاعِدٌ فلا يتوضأ.
قال محمد: وبِقَوْل ابن عمر في الْوَجْهَيْن جميعًا نأخُذُ وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزا إلى حدثنا مالك، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا نافع، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان ينام وهو قَاعِدٌ فلا يتوضأ.
قال محمد: وبِقَوْل ابن عمر في الْوَجْهَيْن جميعًا، أي: في نقض الوضوء إذا نام مضطجعًا، وفي عدم نقض الوضوء، إذا نام قاعدًا، نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، فيه تغليب (ق ٨٢) قول ابن عمر على زيد بن أسلم؛ لأن ابن عمر لم يذكر في الوجه الأول، وهو أي: عدم نقض الوضوء إذا نام قاعدًا، قولُ أبي حنيفة، ﵀.
واتفقوا على نوم المضطجع والمتكئ ينقض الوضوء، واختلفوا فيمن نام على حالة،
стр. 173
من أحوال المصلين، من قيام أو ركوع أو سجود أو قعود.
فقال أبو حنيفة: لا ينقض، وإن طال نومه، فإن وقع على جنبه ينقض، ويدل عليه ما رواه البيهقي عنه ﷺ : "لا يجب الوضوء على من نام جالسًا، أو قائمًا، أو ساجدًا، حتى يضع جنبه على الأرض، فإنه إذا اضطجع، استرخت مفاصله" (١).
وروى أبو داود، والترمذي، من حديث: ابن عباس ﵄، أنه رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد، حتى غَطّ أو نفخ ثم قام يصلي، فقلتُ: يا رسول الله إنك نمت، قال: "إن الوضوء لا يجب على من نام مضطجعًا؛ فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" (٢).
وقال مالك: ينتقض الوضوء في حال الركوع والسجود، إذا طال دون القيام والقعود.
وقال مالك وأحمد: إذا نام طال نوم الجالس فعليه الوضوء، والله أعلم.
ولما فرغ من بيان ما يعرض الرجل بمنامه من الحدث الصغرى، شرع في بيان ما يعرض للمرأة في منامها من الحدث الكبرى.
* * *
стр. 174
باب المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل
بيان حال المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؛ أي: من الاختلاف، وهو من الافتعال من الحلم، بضم الحاء المهملة وسكون اللام، أي ما يراه النائم في نومه خصه العُرف ببعض ذلك، وهو رواية الجماع.
٨١ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عُرْوة بن الزُّبَيْر، أن أمَ سُلَيْمٍ قالتْ لرسول الله ﷺ : يا رسول الله؛ المرأة تَرَى في منامها مِثْل ما يَرَى الرجلُ، أتَغْتَسِلُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "نَعَمْ فَلتَغْتَسِل" فقالَتْ لها عائشةُ: أفٍّ لكِ، وهل تَرَى ذلك المرأةُ؟ قالت: فالتَفتَ إلينا النبيُّ ﷺ ، فقال: "تَرِبَتْ يمينُكِ، ومِنْ أين يكون الشِّبْهُ".
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن شهاب، أي: الزهري، عن عُرْوة بن الزُّبَيْر، أي: ابن العوام.
قال السيوطي (١): وصله مسلم، وأبو داود من طريق عروة، عن عائشة أن أمَّ سُلَيْم، وهو بالتصغير، بنت ملحان، بكسر الميم، وسكون اللام والحاء والنون ما بينهما ألف على وزن صبيان، بكسر الصاد وسكون الموحدة، تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك، فولدت له أنسًا ثم قُتل عنها مشركًا، وأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت ودعته إلى الإِسلام، فأسلم فقالت: إني أتزوجك، ولا منك صداقًا إلا إسلامك،
стр. 175
فتزوجها أبو طلحة، روى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين.
زاد أبو داود (١): هي أم أنس بن مالك، قالتْ لرسول الله ﷺ ، والحال أن عائشة عنده: يا رسول الله، المرأة تَرى في منامها مِثْل ما يَرَى الرجلُ، أتَغْتَسِلُ؟
ولأحمد قالت: يا رسول الله، إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟
فقال رسول الله ﷺ : نَعَمْ، أي: إذا رأت الماء، كما في رواية أخرى، و"نعم" بفتح النون والعين المفتوحة، وسكون الميم، حرف إعلام جواب للاستفهام.
والسؤال كما قاله ابن هشام، وأكد الجواب بقوله: فَلتَغْتَسِل، فقالَتْ لها أي: لأم سليم، عائشةُ ﵂: أفٍّ لكِ (٢)، بضم الهمزة وكسر الفاء، منون وغير منون، وفتحها بلا تنوين روايات (ق ٨٣) متواترة، وفيها لغات أخر، اسم فعل بمعنى الضجر، كذا قاله علي القاري. قال القاضي عياض: وهي كلمة تستعمل في الاستقذار والاستحقار، وقيل: الضجر والكراهة.
قال الباجي: وهي هنا بمعنى الإِنكار.
قال ابن العراقي: ولا مانع من أنها على بابها، أي إنها تضجرت من ذكر ذلك وكرهته واستقذرت ذكره بحضرة الرجال. انتهى.
قال السيوطي (٣): بل فيها أربعون لغة، حكاها أبو حيان وغيره.
وهل تَرَى ذلك المرأةُ؟ بكسر الكاف؛ أي: ترى المرأة في منامها خصلة المجامعة مع الرجل، فلفظ المرأة مرفوع على أنه فاعل ترى، وذلك مبني لفظًا منصوب محلًا، على أنه مفعول ترى، وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام والتعبير على الخصلة المجامعة بذلك؛ لتبعيدها عن المرأة.
في حديث آخر أن أم سلمة هي القائلة ذلك.
стр. 176
قال القاضي عياض: ويحتمل أن عائشة وأم سلمة، كلتاهما أنكرتا عليه، فأجاب النبي ﷺ بما أجابها، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا: أم سلمة لا عائشة.
قال ابن حجر (١): وهو جمع حسن، لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبي ﷺ في مجلس واحد. انتهى.
وفيه: أنه لا يبعد اجتماعهما، ولكن يستغرب إنكارهما معًا في واحد، نعم لو فرض أن السائلة غير أم سلمة، فربما يحمل على واقعتين، والله أعلم بحقيقة الحالتين.
قالت: أي: الراوية، فالتَفتَ أي: رسول الله ﷺ ، إليها، أي: إلى عائشة ﵂، فقال: تَرِبَتْ بكسر الراء؛ أي: افتقرت يمينُك، أي: بذلك، والذي عليه المحققون أنها كلمة أصلها: افتقرت، ولكن العرب: اعتادت استعمال مبناها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي، فتذكرون: "تربت يداك"، وقاتله الله، ما أشجعه، ولا أم له، ولا أب لك، وقتلته أمه، وويل أمه، وغير ذلك من ألفاظهم عند إنكار الشيء، أو الزجر عنه، والزم عليه، واستعطافه والحث عليه والإِعجاب به.
وقال السيوطي (٢): أي: افتقرت بذلك من العلم، والمعنى: إذا جهلت مثل هذا، فقد قل حظك من العلم.
ومِنْ أين يكون الشِّبْهُ، بفتحتين، أو بكسر وسكون، يريد شبه الابن لأحد أبويه، أو لأقاربه، والمعنى أن للمرأة ماء تدفعه عند اللذة الكبرى، كما للرجل ماء يدفعه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، خرج الولد شبه عمومته، وإذا سبق ماء المرأة، خرج الولد شبه خؤولته، ذكره السيوطي، والأظهر ما ذكره بعضهم: من أن السبق يوجب كون الولد من جنس صاحبه، وإن كثرته يوجب شبهه.
وروى يحيى في (موطئه) لمالك: عن هشام بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، زوج النبي ﷺ أنها قالت: جاءت أم سليم، امرأة أبي طلحة الأنصاري إلى
стр. 177
رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي (ق ٨٣) من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: "نعم، إذا رأت الماء" (١).
رواه البخاري (٢) من طريق آخر: عن هشام بن عروة، فغطت وجهها، قالت: يا رسول الله، أو تحتلم المرأة؟ قال: "نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟ ".
ولأحمد: قالت: وهل للمرأة ماء؟ قال: "هن شقائق الرجال"، أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق. ذكره الرافعي.
قوله: إن الله لا يستحيي من الحق، أي: لا يأمر أن نستحي من الحق، ولا يمتنع من ذكره امتناع المستحيي أو لا يتركه، فإن من يستحي من الشيء تركه.
والمعنى: أن الحياء لا ينبغي أن يمنع من طلب الحق.
فإن قيل: إنما يحتاج إلى تأويل الحياء في حق الله تعالى، إذا كان الكلام مثبتًا في حديث: "إن الله حييٌ كريم" (٣). فأما في النفي فالمستحيلات على الله تُنفى، ولا يشترط في النفي أن يكون النفي ممكنًا.
فالجواب: على تقدير تسليم ذلك إنه لم يرد النفي على الاستحياء مطلقًا؛ بل ورد على الاستحياء من الحق، وبطريق المفهوم يقتضي أنه ليستحي من غير الحق، فيعود بطريق المفهوم إلى الإِثبات، كذا حققه السيوطي (٤).
стр. 178
وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وأنت بهذا شاهد، على تعيين السؤال المحقق.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نقول ونحكم بأن النساء يحتلمن كالرجال، وهو أي: هذا القول، قولُ أبي حنيفة، وسائر العلماء.
وقال ابن عبد البر (١): في هذا الحديث دليل على أنه ليس كل النساء يحتلمن، وإلا لما أنكرت عائشة وأم سلمة ذلك. قال: وقد يوجد عدم الاحتلام في بعض الرجال، إلا أن ذلك في النساء أوجد وأكثر عكس ذلك.
قال ابن بطال (٢): فقال فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن.
قال الحافظ (٣): والظاهر أن مراده الجواز، لا الوقوع؛ أي: فيهن قابلة ذلك.
قال السيوطي (٤): وأيُّ مانع يكون ذلك خصوصية لأزواجه ﷺ أنهن لا يحتلمن، كما أن من خصائص الأنبياء أنهم لا يحتلمون؛ لأنه من الشيطان، فلم يسلط عليهم، وكذا على أزواجه ﷺ تكرمًا له.
قلت: المانع من ذلك أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وهو كغيره، ولم يثبت ذلك للأنبياء ﵈ بالدليل.
قال الحافظ ولي الدين العراقي: بحث بعض أصحابنا في الدرس فمنع وقوعه من أزواجه ﷺ ؛ بأنهن لا يطعن غيره لا يقظة ولا منامًا والشيطان لا يتمثل به.
وفيه نظر؛ لأنهن قد يحتلمن من غير رؤية، كما يقع لكثير من الناس، ويكون سبب ذلك شبعًا وغيره. والذي منعه بعض الفقهاء، هو وقوع الاحتلام من الأنبياء ﵈، كما قاله الزرقاني (٥).
стр. 179
ولما فرغ مما يعرض للنساء في منامهن، مما يوجب الغسل، وهو الاحتلام، شرع في بيان حكم ما يعرض لهم ما يوجب الغسل، وهو دم الاستحاضة، فقال: هذا
* * *
باب المستحاضة
في بيان أحكام المستحاضة، وهو يحتمل أن يكون وصفًا، أو يكون مصدرًا ميميًا، والاستحاضة دم يرى في أقل من المدة، وما زال عليها وعلى عادتها.
٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن سليمان بن يَسَار، عن أمِّ سلمةَ زوج النبي ﷺ ، أن امرأةً كانت تُهرَاقُ الدَّمَ على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفْتَتْ لها أمُّ سلمة رسول الله ﷺ ، فقالَ: "لتَنْظُر الليَالي والأيام التي كانت تَحيضُ من الشهر قبل أن يُصيبها الذي أصابَها، فَلْتَتْرُك الصلاةَ قدرَ ذلك من الشَهر، فإذا خَلَّفَتْ ذلك فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بثوب فَلْتُصَلِّ".
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، وتَتَوضأ لِوَقْتِ كل صلاةِ، وتصلي إلى الوقت الآخر، وإن سال دمُها، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد: ثنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، أي: قال مالك: حدثنا نافع، عن سليمان بن يَسَار، عن أمِّ سلمةَ زوج النبي ﷺ ، أن امرأةً، قال أيوب (ق ٨٥) السختياني: هي فاطمة بنت أبي حبيش، بالتصغير، قال الشيخ ولي الدين العراقي: اللاتي استحضن على عهد
стр. 180
رسول الله ﷺ تسع: فاطمة هذه، وأم حبيبة وأختها حمنة، وأختها زينب أم المؤمنين إن صح، وسهلة بنت سهل، وسودة أم المؤمنين، وأسماء بنت مرشد الحارثية، وزينب بنت أبي سلمة، وباوية بنت غيلان الثقفية. انتهى.
وتعقب ابن حجر في (شرح البخاري) بأن زينب بنت أبي سلمة كانت صغيرة في زمنه ﷺ ؛ لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة، وهي ترضع، ثم عد منها ابن حجر: أسماء بنت عميس، وقال: رواه الدارقطني.
كانت تُهَرَاقُ أي: تُصاب، وهو مضارع مجهول، الدَّمَ، تمييز وإن كان معرفة وله نظائر، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: تهراق: وهي دماءه ويجوز الرفع، أي: تهراق دمها، على العوض عن المضاف إليه، يعني: صارت مستحاضة، كما نقله علي القاري، عن السيوطي.
على عهد رسول الله ﷺ ، أي: في زمانه، فاستفْتَتْ لها أمُّ سلمة ﵂، أي: سألت وطلبت أم سلمة لأجل امرأة، هي: فاطمة بنت أبي حبيش الفتوى من رسول الله ﷺ ، كذا في هذه الرواية، وفي حديث عائشة السابق أن السائلة هي: فاطمة، ولأبي داود عن عروة - كذلك - عن فاطمة نفسها، أنها قالت: سألتُ رسول الله ﷺ . وفي حديث آخر: أن أسماء بنت عميس سألت لها.
قال الحافظ ولي الدين العراقي: ولعل الجمع بينها أن فاطمة سألت كلًا من أم سلمة وأسماء، تسألهما، فسألتا مجتمعتين، أو سألت كل واحدة منهما مع عدم علمها بسؤال الأخرى. فقالَ: أي: رسول الله ﷺ ، "لتَنْظُرِ أي: لتتأمل ولتقدر إلى عدد الليَالي والأيام التي كانت تَحِيضُ من الشهر أي: جنسه على حسب عادتها، قبل أن يُصيبها، أي: قبل إصابة الاستحَاضة الذي أصابَها، أي: الآن، فَلْتَترُكِ الصلاةَ وكذا الصوم قدرَ ذلك، بكسر الكاف، أي قدر عادة حيضها من الشهر، من لياليه وأيامه، فإذا خَلَّفَتْ بفتح الخاء واللام المشددة المفتوحة، والفاء المخففة، والتاء الساكنة، أي: جاوزت ذلك أي: قدر العادة، ودخلت في أيام الاستحاضة فَلتَغْتَسِلْ، أي: لانقطاع حيضها، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بكسر لام الأمر، وفتح التاء الفوقية، وسكون السين المهملة، وفتح التاء الفوقية، وسكون التاء المثلثة الساكنة، وكسر الفاء والراء الساكنة، لتشد فرجها بثوب أي: بخرقة عريضة بعد أن تحتشي