← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

باب المرأة تُسْلِم قبل زوجها باب في بيان حكم حال المرأة أي: الكافرة تسلم أي: من الإِسلام قبل زوجها أي: قبل إسلامه. ٦٠٢ - أخبرنا مالك, أخبرنا ابن شهاب: أنَّ أُمّ حكيم بنت الحارث كانت تحت عِكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وخرج عِكْرمة هاربًا من الإِسلام حتى قدم اليمن، فارتَحَلَتْ أُمّ حكيم حتى قدمت عليه ودَعَتْه إلى الإِسلام فأسلم، وقدم على النبي ﷺ ، فلما رآه النبي ﷺ وثب إليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه. قال محمد: إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر في ديار الإِسلام لم يفرق بينهما حتى يعرض على الزوج الإِسلام، فإن أسلم فهي امرأته، وإن أبى أن يُسْلِم فُرِّقَ بينهما، وكانت فرقتهما تطليقة بائنة، وهو قول إبراهيم النَّخعي، وأبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا وفي أخرى: قال: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا ابن شهاب: أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة أنَّ أُمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية الصحابية بنت الصحابي كانت تحت أي: ابن عمتها عِكرمة بن أبي جهل، أي: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي الجاهل المعروف، كان يكنى أبا الحكم فكناه النبي ﷺ بأبي جهل فغلبت عليه هذه الكنية فأسلمت أي: أم حكيم يوم الفتح، أي: بمكة وخرج عِكْرمة هاربًا من الإِسلام حتى قدم اليمن، (ق ٦٣٣) وعند ابن إسحاق عن ابن شهاب عن عروة واستأمنت أم حكيم لعكرمة من النبي ﷺ فأمنه، وذكر موسى بن عقبة عن الزهري واستأذنته ﷺ في طلب زوجها عكرمة فأذن لها وأمنه فارتَحَلَتْ أُمّ حكيم أي: وراء زوجها عكرمة حتى قدمت عليه أي: على زوجها في اليمن بإذن المصطفى ودَعَتْه إلى

стр. 1157

الإِسلام فأسلم، أي: وحسن إسلامه بحيث إذا فتح المصحف كان يقول: هذا كلام ربي ويغشى عليه، واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح، وأخرج ابن مردويه والدارقطني والحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أن عكرمة لما ركب البحر أصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن ألهتكم لا تغني عنكم ها هنا فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلا ينجني في البر غيره، اللهم إن لك عهدًا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًا كريمًا. وروى البيهقي عن الزهري والواقدي عن شيوخه: أن امرأته قالت: يا رسول الله قد ذهب عنك عكرمة إلى اليمن وخاف أن تقتله فأمنه قال: "هو آمن" فخرجت في طلبه فأدركته وركب سفينة ونوتي يقول: له أخلص أخلص قال: ما أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، قال: ما هربت إلا من هذا وإن هذا أمرًا تعرفه العرب حتى النواتي ما الدين إلا ما جاء به محمد وغير الله ما في قلبي، وجاءت أم حكيم تقول: يا ابن عم جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس خير الناس، لا تهلك نفسك إني قد استأمنت لك رسول الله ﷺ ، فرجع معها وجعل يطلب جماعها فتأبى وتقول: أنت كافر وأنا مسلمة فقال: إن أمرًا منعك مني لأمر كبير، فلما قدم مكة قال ﷺ : "يأتيك عكرمة مؤمنًا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي"، فكأنه لما طلب جماعها وأبت وقال ما قال دعته إلى الإِسلام فأسلم كما قاله الزرقاني (١) في باب (نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبل إسلامه) في (شرح الموطأ لمالك)، وقدم على النبي ﷺ ، أي: عام الفتح بمكة فلما رآه النبي ﷺ وثب بموحدة أي: قام بسرعة إليه أي: مقبلا عليه فرحًا بفتح الراء وكسرها فهو صفة مشبهة على أنه مصدر مبالغة أو تقديره: ذا فرح وهو حال على كل تقدير ورمى عليه أي: على موضع قعودة رداءه الخاص لاستعجاله بالقيام حين رآه، وفي نسخة: رداء أي: من جملة أرديته وفي نسخة: ورد عليه رداء حتى بايعه أي: عاهده واستمر يقبل عليه ويتوجه إليه حتى بايعه لديه وفي (الترمذي) (٢) من حديثه قال النبي ﷺ يوم جئته: "مرحبًا بالراكب المهاجر"، وعند البيهقي عن الزهري: فوقف بين يديه ومعه زوجته منتقبة، فقال: إن هذه

стр. 1158

أخبرتني أنك أمنتني، فقال ﷺ : "صدقت فأنت آمن" قال: إلى ما تدعوا قال: "أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وكذا عن خصال الإِسلام"، قال: ما دعوت إلا إلى خير وأمر جميل، قد كنت فينا يا رسول الله قبل أن تدعونا وأنت أصدقنا حديثًا وأبرنا ثم قال، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول، ثم قال: يا رسول الله، علمني خير شيء أقوله (ق ٦٤٣) قال: "تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله"، فقال: ثم ماذا؟ قال: "تقول أشهد الله وأشهد من حضرني أني مسلم مجاهد مهاجر"، فقال ذلك عكرمة. وفي (فوائد يعقوب الجصاص): عن أم سلمة مرفوعًا: رأيت لأبي جهل عنقا في الجنة فلما أسلم عكرمة قال ﷺ : "يا أم سلمة هو هذا". قال محمد: إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر في ديار الإِسلام جملة حالية لم يفرق بينهما حتى يعرض على الزوج أي: على زوجها الإِسلام، فإن أسلم فهي امرأته، أي: باقية على ما كان فيه من الزواج وإن أبى أن يُسْلِم أي: امتنع عن الإِسلام فُرِّقَ بينهما، وكانت فرقتهما تطليقة بائنة، وهو قول إبراهيم النَّخعي، رحمهما الله تعالى. لما فرغ من بيان حكم حال المرأة الكافرة أسلمت قبل إسلام زوجها، شرع في بيان حكم انقضاء الحيض، فقال: هذا * * * باب انقضاء الحيض باب بالتنوين؛ لأنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدر أو بالسكون فلا إعراب له؛ لأن الإِعراب ملحق بعد التركيب، وهي في اللغة النوع مطلقًا، وفي عرف الفقهاء نوع من المسائل التي اشتملت عليها كتاب كما قاله الشمني في (شرح النقابة) أي: هذا باب في بيان حكم انقضاء أي: انقطاع الحيض أي: انتهاء مدته التي يترتب عليها انقضاء العدة، وإضافة الانقضاء إلى الحيض من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف بها، والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق تملك الزوج بامرأته، وبيانه أن رجلًا إذا طلق امرأته تطليقة تم تركها حتى انقطع دمها من الحيضة الثالثة، ودخلت مكان غسلها وجاء زوجها قبل غسلها وقال لها: قد راجعتك فهي زوجته كما كانت قبل الطلاق، وكذا أن امرأة كافرة تحت كافر

стр. 1159

إذا أسلمت قبل أن يسلم زوجها فعرضت عليه الإِسلام فأسلم فهي زوجته وإلا خيرت وأي رجل شاءت تتزوج. ٦٠٣ - أخبرنا مالك, أخبرنا ابن شهاب عن عُروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين قالت: انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدّم من الحيضة الثالثة، فذكرتُ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عُروة، وقد جادلها فيه ناسٌ، وقالوا: إن الله يقول: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فقالت: صدقتم، وتدرون ما الأقراءُ؟ إنما الأقراءُ الأطهار. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة عن عُروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من كبار التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح كما في (تقريب التهذيب) عن عائشة ﵂ قالت: انتقلت أي: تحولت عن بيتها حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أي: لما طلقها زوجها المنذر بن الزبير بن العوام حين دخلت أي: شرعت وابتدأت في الدّم من الحيضة الثالثة، قال: ابن شهاب فذكرتُ أي: أنا ذلك أي: ما رواه عروة لعمرة بنت عبد الرحمن أي: ابن أسعد بن زرارة وهي كانت في حجرة عائشة وربتها وروت عنها كثيرًا من حديثها وغيرها، وروى عنها جماعة وهي من التابعيات المشهورات الأنصاريات فقالت: أي: عمرة صدق عُروة، أي: فيما روى عن عائشة وقد جادلها أي: خالف لعائشة فيه أي: في هذا الفصل والحكم ناسٌ، أي: جماعة من الصحابة والتابعين وقالوا: وفي رواية: فقالوا: بالفاء إن الله يقول: في سورة (ق ٦٣٥) البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: يمضي من حين الطلاق فقالت: أي: عائشة صدقتم، أي: أيها الناس في أنه تعالى قال ذلك وتدرون والواو عطف على صدقتم بحذف الهمزة الاستفهامية المقدر قبل الواو وتقديره: صدقتم فيما

стр. 1160

أخبرتم أو تعلمون ما الأقراءُ؟ بفتح الهمزة وسكون القاف والراء فألف ممدودة جمع قرء بضم القاف وسكون وهمزة مثل قفل وأقفال إنما الأقراءُ الأطهار هذا من قصر الموصوف على الصفة يعني: والمطلقات لا يتجاوزن في عدتهم ثلاثة قروء وقصر القلب؛ لأن العراقيين قالوا: والمراد بالقرء الحيض، وجمهور أهل المدينة قالوا: القرء الطهر وهذا الحديث حجة لمالك والشافعي، ودليل أبي حنيفة أن الاستبراء بحيضة، كما رواه أحمد وأبو داود في سبايا أوطاس وأصل العدة للاستبراء، فيكون بالحيض، ويؤيده حديث عدة الأمة حيضتان، وروى ابن ماجه عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض" ومذهبنا قول الخلفاء الأربعة والعبادلة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري وطائفة من التابعين، قال أحمد بن حنبل: كنت أقول الأطهر, ثم وقفت لقول الأكابر كما قاله علي القاري. * * * ٦٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنه كان يقول مثل ذلك. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة عن أبي بكر اسمه محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أي: المخزومي المدني ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أنه أي: أبا بكر كان يقول مثل ذلك أي: كقول عائشة وأبو بكر هذا تابعي سمع عائشة وأبا هريرة وروى عنه الشعبي والزهري. * * * ٦٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، وزيد بن أسلم، عن سليمان بن يسار: أن رجلًا من أهل الشام يُقال له: الأحوص، طلق امرأته ثم مات حين دخلت

стр. 1161

في الدّم من الحيضة الثالثة، فقالت: أنا وارثته، وقال بنوه: لا ترثينه، واختصموا إلى معاوية بن أبي سفيان، فسأل معاوية فَضالة بن عُبيد وناسًا من أهل الشام فلم يجد عندهم علمًا فيه، فكتب إلى زيد بن ثابت، فكتب إليه زيد بن ثابت: إنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فإنها لا ترثه ولا يرثها، وقد برئت منه وبرئ منها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة وزيد بن أسلم، أي: العدوي مولى عمر بن الخطاب يكنى أبا عبد الله بن أسامة المدني ثقة عالم، وكان يرسل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عطفه على نافع رمز إلى تحويل السند لتقوي الحكم عن سليمان بن يسار الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) أن رجلًا من أهل الشام يُقال له: الأحوص، بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو والصاد المهملة هو ابن عبد شمس بن عبد مناف، ذكر ابن الكلبي والبلاذري أنه كان عاملًا لمعاوية على البحرين وسعى لمروان بن الحكم، والمراد بالبحرين اسم للبلاد على ساحل بحر الهند (ق ٦٣٦) بين البصرة وعمان، وقيل: قصبة هجر، وقيل: هجر هي قصبة البحرين، وقال قوم: هي من الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة وعرضها أربع وثلاثون درجة كما قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان) طلق امرأته أي: في صحته أو مرضه ثم مات حين دخلت أي: شرعت وابتدأت في الدّم من الحيضة الثالثة، أي: قبل إكمال حيضتها فقالت: أي: ادعت بأن قالت: أنا وارثته، أي: لأنه مات وأنا في العدة بناء على أن المراد بالقرء الحيض الكوامل وقال بنوه: أي: أولاد الميت منها أو من غيرها لا ترثينه، أي: لأنك خرجت من العدة قبل موته بناء على أن المراد بالقروء الأطهار، أو على أن الكمال ليس بشرط فيكون فعل لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧] واختصموا أي: تنازعوا وترافعوا الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، اسمه صخر بن حرب بن أمية الأموي، يكنى أبا عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي،

стр. 1162

ومات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين فسأل معاوية فَضالة بفتح أوله ابن عُبيد بالتصغير وهو أنصاري أول مشاهده أحد ثم شهد ما بعدها وبايع تحت الشجرة ثم انتقل إلى الشام فسكن دمشق وقضى بها لمعاوية زمن خروجه إلى صفين وناسًا وجمعًا آخرين من أهل الشام أي: علماؤهم فلم يجد عندهم علمًا فيه، أي: بحيث يرتضيه أو لوقوع الخلافة فيه فكتب إلى زيد بن ثابت، فكتب إليه زيد بن ثابت: أي: يسأله إنها إذا دخلت أي: شرعت وابتدأت في الدم من الحيضة الثالثة فإنها لا ترثه ولا يرثها، أي: زوجها وقد برئت منه أي: خلصت عنه وبرئ منها وهذا بناء على إحدى الوجهين السابقين. * * * ٦٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: مثل ذلك. قال محمد: انقضاءُ العدة عندنا الطهر من الدم من الحيضة الثالثة؛ إذا اغتسلت منها. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: مثل ذلك أي: نحو ما تقدم. قال محمد: انقضاءُ العدة عندنا الطهر من الدم من الحيضة الثالثة؛ إذا اغتسلت منها أي: لأنها قبل غسلها في حكم الحيض * * * ٦٠٧ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: أن رجلًا طلق امرأته تطليقة يملك الرجعة، ثم تركها حتى انقضى دمها من الحيضة الثالثة ودخلت مغتسلها وأدْنَتْ ماءَها، فأتاها فقال: قد راجعتك، فسألت عمر بن الخطاب عن ذلك وعنده عبد الله بن مسعود، فقال عمر: قل فيها برأيك،

стр. 1163

فقال: أراه يا أمير المؤمنين أحقّ برجعتها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة، فقال عمر: وأنا أرى ذلك، ثم قال عمر لعبد الله بن مسعود: كُنَيْفٌ ملئ علمًا. • قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، أي: سلطان العلماء المجتهدين في المذاهب برهان الأئمة في المشارق والمغارب الإِمام الأعظم والهمام الأكرم، نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن ملك بن شيبان، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين ولقي جماعة منهم كأنس بن مالك بن ضمضم، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن الزهري، وسهل بن سعد الساعدي وغيرهم ﵃، كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين من أهل بغداد، كان في الإِقليم الثالث، مات فيها سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة كما قاله المؤرخون، عن حماد، أي: ابن أبي سليمان مسلم مولى ابن أبي موسى الأشعري، كان في الطبقة الخامسة من طبقات أفضل التابعين، من أهل الكوفة كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات فيها سنة عشرين ومائة عن إبراهيم بن يزيد النخعي بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارث بن سعد بن مالك، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل الكوفة، كان أعلم أهل الكوفة والمقتدي في وقته، وكان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة مات فيها سنة ست وتسعين، وقيل: خمس ومائة وهو ابن ست وأربعين (ت ٦٣٧) كما في (طبقات الحنفية) أن رجلًا طلق امرأته تطليقة يملك الرجعة، ثم تركها حتى انقضى دمها من الحيضة الثالثة ودخلت مغتسلها أي: المكان تريد الغسل فيها وأدْنَتْ ماءَها، أي: قربت إلى ماء غسلها فأتاها أي: زوجها فقال: لها قد راجعتك، فسألت عمر ابن الخطاب ﵁ عن ذلك أي: عما وقع من صحة الرجوع وعدمه وعنده عبد الله بن مسعود، ﵁ أي: حاضر فقال عمر: قل فيها أي: في حق المرأة أو في جواب المسألة برأيك، أي: بناء على عدم التصريح في الكتاب والسنة وابن مسعود كان مشهورًا بالرأي الثاقب فقال: أي: ابن مسعود أراه أي: أختار أن الرجل زوجها يا أمير المؤمنين جملة ندائية معترضة وهو أحقّ برجعتها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة، فقال عمر: ﵁ وأنا أرى ذلك، أي: مثل رأيك ثم قال عمر لعبد الله بن مسعود: ﵄ أي: لأجله وفضله كُنَيْفٌ بضم الكاف وفتح النون وسكون التحتية ففاء، تصغير كنف وهو بكسر الكاف وسكون النون ففاء: وعاء أداة الراعي يضع فيه آلته، فيه استعارة بالكناية شبه عمر ﵁ قلب عبد الله بن مسعود رضي الله

стр. 1164

عنهما وعاء أداة الراعي وأثبت للمشبه ما يلازم بالمشبه به وهو العلم للمبالغة في وفرة علمه فكأنه قال: قلبك ملئ بصيغة المجهول علمًا نصبه على التمييز والتصغير للمدح والتعظيم على ما في (المغرب) و (المصباح). قال علي القاري: ولا يبعد أن يكون التصغير للتشبيه فإن ابن مسعود كان قصيرًا جدًا، والمعنى أنه وإن كان صغيرًا في المبنى إلا أنه كبيرًا في المعنى انتهى، والتنوين في علمًا للتنويع أي: ملئ قلبك علمًا من أنواع العلوم. * * * ٦٠٨ - قال محمد: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: قال علي بن أبي طالب: هو أحق بها حتى تغتسل من حيضتها الثالثة. • قال محمد: أخبرنا سفيان بن عيينة، بن أبي عمران ميمون الهلالي يكنى أبا محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه حجة، إلا أنه تغير حفظه في آخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وهو ابن إحدى وتسعين سنة كما قاله الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب) عن ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن سعيد بن المسيب، بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كذا قاله ابن حجر (١) أنه قال: قال علي بن أبي طالب: ﵁ هو أي: الزوج أحق بها أي: إلى المرأة في الرجوع حتى تغتسل من حيضتها الثالثة أي: إلى فراغها من غسلها * * *

стр. 1165

٦٠٩ - قال محمد، أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، المديني، عن الشعبي عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم قال: الرجل أحقّ بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة، قال عيسى: وسمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: الرجل أحق بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة. قال محمد: فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • قال محمد، أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، بالخاء المعجمة والتحتية وألف وطاء مهملة صانع الخياطة المديني، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وخمسين ومائة بعد الهجرة عن الشعبي بفتح المعجمة (ق ٦٣٨) وسكون العين المهملة فموحدة وتحتية اسمه: عامر بن شراحيل وكنيته أبو عمر، وكان ثقة فقيهًا فاضل مشهور، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه بعد المائة وله ثمانون سنة عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ وفي نسخة: من أصحاب النبي كلهم قال: الرجل أحقّ بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة، أي: فراغها من غسلها قال عيسى: وسمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: الرجل أحق بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة كرر لتأكيد الحكم ولطلاق الرجعية ستة شرائط: أولها: أن يكون الطلاق بلفظ صريح مثل: طلقتك، أو أنت طالق أو مطلقة، أو بلفظ يكون كناية عن الطلاق مثل: اعتدي واستبرئي رحمك، أو أنت واحدة إذا نوى بلفظ واحدة طلاقًا. وثانيها: أن لا يكون الطلاق بمقابلة المال. وثالثها: كون الطلاق دون الثلاثة. ورابعها: كون المرأة مدخول بها. وخامسها: أن تكون العدة قائمة. وسادسها: أن لا يكون الطلاق موصوفًا بتشديده فللزوج أن يراجعها بأن يقول لها:

стр. 1166

راجعتك، وإن أبت ما دامت في العدة، وله أن يفعل لها ما يوجب الحرمة المطاهرة من وطئها ولمسها، كذا قاله في (الفوائد). قال محمد: فبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عيسى عن الشعبي وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم انتهاء المدة التي تترتب عليها انقضاء الحيض، شرع في بيان حكم حال المرأة التي يطلقها زوجها طلاقًا فيملك الرجعة، فقال: هذا * * * باب المرأة يطلقها زوجها طلاقًا يملك الرجعة فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها باب في بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها طلاقًا يملك الرجعة فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها أي: تنقطع بسبب الإِرضاع لا بالإِياسة. ٦١٠ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان: أنه كان عند جده امرأتان: هاشميةٌ وأنصاريةٌ، فطلق الأنصارية، وهي ترضع، وكانت لا تحيض وهي ترضع، فمر بها قريب من سنة، ثم هلك زوجها حبَّان عند رأس السنة أو قريب من ذلك، ولم تحض، فقالت: أنا أرثه ما لم أحض، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى لها بالميراث، فلامَتْ الهاشمية عثمان، فقال: هذا عمل ابن عمك، وهو أشار علينا بذلك، يعني عليّ بن أبي طالب ﵃ أجمعين. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرني يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد الهجرة عن محمد بن يحيى الأنصاري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة إحدى وعشرين

стр. 1167

ومائة وهو ابن أربع وسبعين سنة ابن حَبّان: بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة أي: ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني المدني ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين وقيل: صحابي ابن صحابي كما في (تقريب التهذيب) (١) أنه أي: الشأن كان عند جده أي: جد محمد بن يحيى وهو حبان بن منقذ الصحابي امرأتان: أي: إحديهما هاشميةٌ أي: منسوبة إلى بني هاشم وأنصاريةٌ، وثانيهما منسوبة إلى قبيلة الأنصار فطلق الأنصارية، وهي ترضع، جملة حالية وكانت من عادتها أن لا تحيض وهي الأنصارية ترضع، وهما حالتان متداخلتان فمر بها قريب من سنة، ثم هلك أي: عنها زوجها حبَّان عند رأس السنة أو قريب من ذلك، ولم تحض، أي: لأجل الرضاعة فقالت: أي: المرأة الأنصارية أنا أرثه ما لم (ق ٦٣٩) أحض، أي: أنها كانت من ذوات الحيض ولم تصل إلى حد الإِياس فاختصموا أي: الأنصارية وبقية الورثة ترافعوا القضية إلى عثمان بن عفان، ﵁ فقضى أي: حكم لها للأنصارية بالميراث، فلامَتْ الهاشمية عثمان، أي: على حكمه فقال: أي: عثمان في جوابها هذا أي: الحكم عمل ابن عمك، بكسر الكاف خطابًا للهاشمية وهو أي: ابن عمك أشار أي: رفع علينا بذلك، أي: الحكم السابق قال ذلك تطييبًا لخاطرها يعني أي: ابن عم الهاشمية عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه. * * * ٦١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، ويحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: قال عمر بن الخطاب: أيّما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعت حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن استبان بها حَمْل فذلك، وإلا اعتدت بعد التسعة أشهر، ثم حلت. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يزيد بتحتية فزاي ودال ابن عبد الله بن قُسَيْط، بضم القاف وفتح السين المهملة وسكون التحتية فطاء مهملة، وهو ابن أسامة الليثي يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين،

стр. 1168

مات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة ويحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع ومائة عطفه على يزيد بن عبد الله إشعارًا لتحويل السند لتقوي الحكم كلاهما عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المديني: لا أعلم في التابعين أحدًا أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كما قاله ابن حجر, وابن الجوزى أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁ أيّما امرأة بفتح الهمزة وضم التحتية المشددة فميم وألف مرفوع على أنه مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة لتأكيد الإِبهام في أي مضاف إلى امرأة طلقت بضم الطاء المهملة وكسر اللام المشددة صفة امرأة فحاضت حيضة أو حيضتين، عطف على طلقت ثم رفعت بصيغة المجهول أي: امتدت انقطاع حيضتها مرفوع نائب الفاعل لرفعت فإنها تنتظر تسعة أشهر، أي: إتيان الحيضة هذه الجملة خبر لمبتدأ وجواب الشرط متضمن بصيغة المفعول أي: أن امرأة إذا طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم إن لم تحض فإنه تنتظر تسعة أشهر؛ لأن الحمل تضع غالبًا في تسعة أشهر فإن استبان أي: إن ظهر بها أي: في تسعة أشهر حَمْل فذلك، أي: فالحكم أنه تعتد بوضع الحمل وإلا أي: وإن لم يتبين الحمل اعتدت بعد التسعة أي: الأشهر ثلاثة أشهر، أي: تجعلها في حكم الآية ثم حلت أي: خرجت من العدة وحل لها التزوج. * * * ٦١٢ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أن علقمة بن قيس طلق امرأته طلاقًا يملك الرجعة، فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها عنها، ثمانية عشر شهرًا ثم ماتت، فسأل علقمة عبد الله بن مسعود عن ذلك، فقال: هذه امرأة حَبَس الله عليك ميراثها فكُلْه.

стр. 1169

• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، ﵀ أي: النعمان بن ثابن بن طاوس بن هرمز ابن مالك بن شيبان، سلطان المجتهدين في المذاهب، برهان الأئمة في المشارق والمغارب، الإِمام الأعظم الكوفي سيد بني تميم، فقيه مشهور كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين، فإنه ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين ومائة ومات سنة خمسين ومائة ببلدة بغداد وهو ابن سبعين سنة في أشهر الروايات بالإِسناد ﵀، (ق ٦٤٠) نفعنا الله بعلمه وبركته وشفاعته عن حماد، بن أبي سليمان مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري الكوفي تابعي سمع أنس بن مالك ﵁، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة عشرين ومائة بعد الهجرة عن إبراهيم، بن يزيد النخعي بفتح النون والخاء المعجمة والعين اسم قبيلة في اليمن كذا في (القاموس) كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، وكان قد رأى عائشة ﵂ ودخل عليها وسمع منها وأدرك عصر الصحابة، وكان أعلم الكوفة والمقتدى في وقته، وكان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة، مات سنة ست وتسعين وهو ابن ست وأربعين سنة أن علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي طلق امرأته طلاقًا يملك الرجعة، فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها عنها، ثمانية عشر شهرًا ثم ماتت، أي: المرأة قبل أن يكمل مدة العدة بالحيض الباقية فسأل علقمة أي: زوجها عبد الله بن مسعود ﵁ عن ذلك، أي: عما يترتب هنالك من ميراثها وغير ذلك فقال: أي: ابن مسعود ﵁ هذه امرأة حَبَس الله عليك ميراثها أي: أوقفه لك بتطويل مدة عدتها فكُلْه أي: الميراث فالأمر للندب فإنه حلال ورزقك من غير حسابك. * * * ٦١٣ - قال محمد: أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن الشعبي، أن علقمة بن قيس سأل ابن مسعود عن ذلك فأمره بأكل ميراثها. قال محمد: فهذا أكثر من تسعة أشهر وثلاثة أشهر بعدها، فبهذا نأخذ،

стр. 1170

وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ لأن العدة في كتاب الله جل وعز على أربعة أوجه لا خامس لها: للحامل حتى تضع، والتي لم تبلغ الحيضة ثلاثة أشهر، والتي قد يئست من المحيض ثلاثة أشهر، والتي تحيض ثلاث حيضٍ، فهذا الذي ذكرتم ليس بعدة الحائض ولا غيرها. • قال محمد: أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، بالخاء المعجمة وفتح التحتية والألف وبالموحدة والطاء المهملة، كان قد عالج الصنايع الثلاثة وهو متروك، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة إحدى وخمسين ومائة بعد الهجرة عن الشعبي، اسمه عامر بن شراحيل والشعبي بفتح الشين المعجمة وسكون العين وبالموحدة والتحتية، يكنى أبا عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين قال مكحول: ما رأيت أفقه منه بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنة كما في (تقريب التهذيب) أن علقمة بن قيس سأل ابن مسعود عن ذلك أي: حكم ما سبق فأمره بأكل ميراثها أي: وافق ابن مسعود في ذلك الحكم. قال محمد: كذا في نسخة فهذا أي: العدد المذكور في مدة امرأة علقمة السطور أكثر من تسعة أشهر أي: انتظار ظهور الحبل وثلاثة أشهر بعدها، أي: بعد تسعة أشهر لأجل العدة بناء على جعلها في حكم عدة المستحاضة وهي سنة، كما سوق ثاني بعد تسعة أشهر لأجل العدة بناء على جعلها في حكم فبهذا أي: بما ذكر من قول ابن مسعود وابن معمر نأخذ، أي: نعمل ونفتح وهو أي: قول ابن مسعود وقول ابن معمر قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ لأن العدة في كتاب الله جل وعز على أربعة أوجه: لا خامس لها: أي: الأربعة أشهر للحامل حتى تضع، أي: بقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والتي لم تبلغ الحيضة أي: لصغرها فإن عدتها ثلاثة أشهر، والتي أي: المرأة قد يئست أي: قطعت رجاء من المحيض لكسرها ووصولها إلى ما بين الخمسين والستين فعدتها ثلاثة أشهر، أي: كذلك لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ الآية [الطلاق: ٤] والتي تحيض (ق ٦٤١) فعدتها ثلاث حيضٍ، أي: لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: حيض

стр. 1171

فهذا الذي ذكرتم أي: من التفصيلات الذي به أشرتم ليس بعدة الحائض ولا غيرها أي: من التي لم تحض لصغرها ولا تم قياس يقتضيه فيكون القول به مرجوحًا. لما فرغ من بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها طلاقًا يملك الرجعة فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها، شرع في بيان حكم عدة المستحاضة، فقال: هذا * * * باب عدة المستحاضة باب في بيان حكم عدة المستحاضة وهي اسم مصدر لصلاة وأضافتها إلى المستحاضة من إضافة المسبب إلى السبب. اعلم أن ما نقص عن أقل الحيض وهو ثلاثة أيام أو زاد على حيض المبتدأ وهو عشرة أيام أو نفاسها وهو أربعون يومًا أو على العادة فيهما وجاوز أكثرهما، وما رأت حامل استحاضة وحكمها أن لا تمنع صلاة وصومًا ووطءًا. ٦١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب أن سعيد بن المسيَّب، قال: عدة المستحاضة سنة. قال محمد: المعروف عندنا أن عدتها على أقرائها التي كانت تجلس فيما مضى، وكذلك قال إبراهيم النَّخَعي وغيره من الفقهاء، فيه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ألا ترى أنها تترك الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس؛ لأنها فيهن حائض، فكذلك تعتد بهن، فإذا مضت ثلاثة قروءٍ منهن بانت إن كان ذلك أقل من سنة أو أكثر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة،

стр. 1172

اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في كبار التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كذا قاله ابن الجوزي، وفي نسخة: أن سعيد بن المسيب قال: عدة المستحاضة سنة بفتحتين أي: عام واحد كامل إن غير بين الدمين بلا خلاف، فإن ميزت فعدتها بالأقرار، وقال ابن وهب بالسنة مطلقا وهما روايتان عند مالك كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: المعروف عندنا أن عدتها على أقرائها أي: حيضتها التي كانت تجلس أي: عن الصلاة والصوم والوطء فيما مضى، أي: من مدتها المعروفة وكذلك قال إبراهيم النَّخَعي وغيره من الفقهاء، أي: جمهورهم وبه نأخذ، أي: إنما نعمل بما قاله إبراهيم النخعي وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ألا ترى أي: ألم تعلم أنها أي: المرأة المستحاضة تترك الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس؛ لأنها فيهن حائض، أي: وفي غيرها طاهر يجب عليها صومها وصلاتها فكذلك تعتد بهن، فإذا مضت ثلاثة قروءٍ منهن بانت إن كان ذلك أي: مقدار مدتها أقل من سنة أو أكثر أي: بالأولى. لما فرغ من بيان أحكام عدة المستحاضة، شرع في بيان أحكام الرضاع، فقال: هذا * * * باب الرضاع باب في بيان أحكام الرضاع، والباب في اللغة: النوع مطلقًا، وفي العرف: نوع من المسائل كما قاله الشمني في (شرح النقاية) والرضاع بفتح الراء وكسرها من باب علم أو ضرب اسم مصدر وهو: المص كما قال أهل اللغة: الرضاع مص الثدي مطلقًا، وقال (ق ٦٤٢) أهل الشرع في الرضاع: مص الصبي ثدي الآدمية في وقت مخصوص وهو حولان، ونصف عند أبي حنيفة وحولان فقط عند أبي يوسف ومحمد وهو الصحيح وبه صرح ابن الهمام في (فتح القدير) حيث قال: الأصح قولهما كذا في (منح الغفار)، وقال زفر: ثلاث سنين، وعن مالك سنتين وأيام، وعند عائشة وداود يثبت به الرضاع بعد البلوغ وسيأتي الكلام على تحقيق المرام.

стр. 1173

٦١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا رضاع، إلا لمن أرضع في الصغر. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع: أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا رضاع، أي: لا يثبت البنوة والأبوة والأموة والأخوة رضاعًا إلا لمن أرضع في الصغر أي: يثبت الحرمة لمن مص ثدي المرأة في وقت مخصوص كما مر آنفًا، والمراد بالمص وصول اللبن من ثدي المرأة إلى جوف الصغير من فمه أو أنفه في مدة الرضاع، فشمل ما إذا حلبت لبنها في قارورة فأخرجته إلى جوفه يثبت الحرمة وإن لم يوجد المص، وإنما قال: أرضع وهو بمعنى مص لانه سبب لوصول اللبن إلى الجوف، فأطلق السبب وأراد المسبب، فلا فرق بين المص والصبت والسعوط والوجود، كما نقله التمرتاشي عن (الخانية). * * * ٦١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان عندها، وأنها سمعت رجلًا يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، هذا رجلٌ يستأذن في بيتك، قال رسول الله ﷺ : "أراهُ فلانًا" لعمِّ لحفصة من الرضاعة، قالت عائشة: يا رسول الله، لو كان عمي من الرضاعة حيّا دخل عَليّ؟ قال: "نعم". • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة بعد الهجرة وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١) عن

стр. 1174

عَمْرَة بنت عبد الرحمن، بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية ثقة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، وماتت قبل المائة وقيل: بعدها كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله ﷺ كان عندها، أي: في حجرتهما يومًا من الأيام وأنها أي: عائشة ﵂ سمعت رجلًا قال الحافظ: لم أعرف اسمه يستأذن في بيت حفصة، أي: في دخول بيتها فقالت عائشة: أي: مريدة علم الحكم فقلت: يا رسول الله، هذا رجلٌ يستأذن في بيتك، أي: الذي فيه حفصة أم المؤمنين قال رسول الله ﷺ : "أراهُ بضم الهمزة: أي: أظن يعني المستأذن فلانًا"، أي: وسماه اسمه لعم لحفصة من الرضاعة، أي: طلبه دخول بيتي لأجل عم حفصة من الرضاعة، وفي نسخة: لعم حفصة أي: من أجله قالت عائشة: هذا من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة، ومقتضى السياق أن تقول: فقلت: وفائدته تشويق السامع إلى ما نقول يا رسول الله، لو كان عمي من الرضاعة حيّا دخل عَليّ؟ بتشديد التحتية أي: هل كان يحل له أن يدخل علي، وفي نسخة: فلانًا بالنصب على أن يكون خبر كان فيكون (ق ٦٤٣) لفظ حيا حالا منه. قال الحافظ: لم أقف على اسم عم عائشة أيضًا، وهم من فسره بأفلح أخي أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس والد عائشة من الرضاعة، وأما أفلح فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة، وقد عاش حتى جاء يستأذن على عائشة فامتنعت فأمرها رسول الله ﷺ أن تأذن له كما يأتي، والمذكور هنا عمها وأخو أبيها أبي بكر من الرضاعة أرضعتهما امرأة واحدة، وقيل: هما واحد وغلطه النووي بأن عمل في حديث أبي القعيس كان حيًا والآخر كان ميتًا كما يدل عليه قولهما لو كان حيًا، وإنما ذكرت ذلك في العم الثاني؛ لأنها جوزت تبدل الحكم فسألت مرة أخرى، قال الحافظ: ويحتمل أنها ظنت أنه مات لبعد عهدها به ثم قدم بعد ذلك فأستأذن قال: أي: رسول الله ﷺ "نعم" أي: كان يجوز دخوله عليك؛ لأن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة أي: النسب. * * *

стр. 1175

٦١٧ - أخبرنا مالك, أخبرنا عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "يَحرُمُ من الرضاعة ما يَحْرُم من الولادة". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي المدني مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن سليمان بن يسار، الهلالي مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل: قبلها من الهجرة عنِ عائشة: ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "يَحرُمُ من الرضاعة أي: من أجلها ما يَحْرُم من الولادة" بكسر الواو أي: من النسب من تحريم النكاح ابتداء ودواما ونشر الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة فيحرم عليها هو وفروعه من نسب ورضاع، ويحرم عليه جميع أولادها ما تقدم وما تأخر، وتحرم عليه هي وأخواتها من نسب ورضاع ويصير ابنا لزوجها صاحب اللبن فيحرم هو وأصوله وفروعه من نسب ورضاع إلى آخر ما بين في الفقه، ومن جواز النظر والخلوة والمسافرة دون سائر أحكام النسب كميراث ونفقة وعتق ورد شهادة وهذا الحديث رواه الترمذي من طريق يحيى القطان، وكذا روى أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة بلفظ: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" كذا قاله الزرقاني. * * * ٦١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنه كان يدخل عليها مَنْ أرضعته أخواتُها وبناتُ أخيها, ولا يَدخل عليها من أرضعه نساءُ إخوتها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد

стр. 1176

ابن أبي بكر الصديق التيمي يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن أبيه، أي: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن عائشة: أنه كان يدخل عليها أي: من الرجال مَنْ أرضعته أخواتُها (ق ٦٤٤) أي: إذا كان لهن من غير أخواتها وبناتُ أخيها، ولا يَدخل عليها أي: من الرجال من أرضعه نساءُ إخوتها؛ لأن المرضع إنما هي المرأة والرجل لم يرضع، فلا يحرم عند جماعة كابن عمرو وجابر وجماعة من التابعين وداود بن علية كما حكاه أبو عمر قائلًا: وحجتهم أن عائشة كانت تفتي بخلاف حديث أبي القعيس، يعني والعبرة عند قوم برأي الصحابي إذا خالف مرويه، قال: ولا حجة في ذلك؛ لأن لها أن تأذن لمن شاءت من محارمها من شاءت، ولكن لم يعلم أنها حجبت من ذكر إلا بخبر واحد كما علمنا المرفوع بخبر واحد فوجب علينا العمل بالسنة إذ لا يضرها من خالفها انتهى. وقد نسب المازني لعائشة القول بأن لبن الفحل لا يحرم. * * * ٦١٩ - أخبرنا مالك، أخبرشا الزهريّ، عن عمرو بن الشَّريد: أن ابن عباس سُئِل عن رجلٍ كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلامًا والأخرى جارية، فسُئِلَ: هل يزوج الغلام الجارية؟ قال: لا، اللَّقاح واحد. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهريّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عمرو بفتح العين، وكسر الميم ابن الشَّريد: بفتح الشين المعجمة وكسر الراء فتحتية ودال، يكنى أبا الوليد الثقفي الطائفي، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الطائف،

стр. 1177

كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن ابن عباس ﵁ سُئِل عن رجلٍ كانت له امرأتان وفي رواية قتيبة ومعن عن مالك بسنده: جاريتان فأرضعت إحداهما غلامًا والأخرى جارية، أي: بنت صغيرة من أولاد غيره فسُئِلَ: هل يزوج الغلام الجارية؟ قال: لا، أي: يتزوج اللَّقاح واحد وهو بفتح اللام ماء الفحل، ويحتمل أن يكون اللقاح بمعنى الإِلقاح يقال: ألقح الفحل الناقة إلقاحًا ولقاحًا كما تقول: أعطا إعطاء وعطاء، فالأصل فيه للإِبل ثم يستعار للنساء، وهذا الحديث رواه الترمذي عن قتيبة ومن طريق معن عنهما عن مالك والمعنى أنه لا يجوز للغلام أن يتزوج الجارية وإن كان أمهما متعددا لأنه باعتبار حصوله من الرجل متخذًا فيها أخ وأخت رضاعيان. * * * ٦٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إبراهيم بن عقبة: أنه سأل سعيد بن المسيَّب عن الرضاعة فقال: ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدة فهي تحرّم، وما بعد الحولين فإنما هو طعامٌ يأكله. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا إبراهيم بن عقبة: بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الموحدة فهاء أي: ابن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني أخ موسى ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة أنه سأل سعيد بن المسيَّب عن الرضاعة فقال: أي: سعد ما كان أي: وقوع الرضاع في الحولين، أي: اتفاقًا ولو كانت أي: وإن كانت قطرة واحدة أي: ولو بمصة وصلت إلى جوف الطفل فهي أي: القطرة التي مصها الطفل ووصلت جوفه تحرّم، بضم المثناة وفتح الحاء المهملة وتشديد الراء المكسورة فميم وما بعد الحولين فإنما هو طعامٌ يأكله أي: لا يحصل به الرضاعة، وبه قال الشافعي ومن تبعه وتقدم خلاف غيره. * * *

стр. 1178

٦٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا إبراهيم بن عقبة: أنه سأل عُروة بن الزبير، فقال له مثل ما قال سعيد بن المسيَّب. • أخبرنا مالك، أخبرنا إبراهيم بن عقبة: أنه سأل عُروة بن الزبير، أي: من مدة الرضاعة فقال أي: عروة بن الزبير له مثل ما قال سعيد بن المسيَّب أي: لموافقته لاجتهاده (ق ٦٤٦). * * * ٦٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ثور بن زيد: أن ابن عباس كان يقول: ما كان في الحولين وإن كانت مصّة واحدة فهي تحرّم. • أخبرنا مالك: وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ثور بن زيد: الديلمي بكسر الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، المدني، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة كذا في (التذهيب) أن ابن عباس ﵄ كان يقول: ما كان في الحولين أي: من الرضاعة وإن وصلية كانت مصّة واحدة فهي تحرّم تمسكًا بعموم الأحاديث وعليه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة كعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، ومالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري وهو مشهور ومذهب أحمد، وتمسكوا أيضًا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والمصة توجب تسمية المرأة أما في الرضاعة، وتعقب بأنه إنما تكون دليلًا لو كان اللفظ واللاتي أرضعناكم أمهاتكم فيثبت أُما بما قل من الرضاعة، وأُجيب بأن مفهوم التلاوة: وأمهاتكم اللاتي أرضعناكم محرمات لأجل أنهن أرضعناكم فتعود إلى معنى ما قالوا، وتوجب تعليق الحكم بما يسمى رضاعًا كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٦٢٣ - أخبرنا مالك: أخبرنا نافع مولى عبد الله بن عمر، أن سالم بن عبد الله أخبره: أن عائشة أم المؤمنين أرسلت به وهو يُرضَع إلى أختها أم كلثوم بنت

стр. 1179

أبي بكر، فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل عليّ، فأرضعتني أمّ كُلثوم بنت أبي بكر ثلاث رضعات، ثم مَرِضَتْ فلم ترضعني غير ثلاث مرات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أمّ كُلثوم لم تتم لي عشر رضعات. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة مولى عبد الله بن عمر، أن سالم بن عبد الله أي: ابن عمر بن الخطاب أخبره: أي. نافعًا أن عائشة أم المؤمنين ﵂ أرسلت به أي: سالم وهو أي: والحال أن سالمًا كان يُرضَع بصيغة المجهول لأنه لا يقدر أن يأكل الطعام لصغره إلى أختها متعلق بأرسلت أم كلثوم بضم الكاف بدل من أختها بنت أبي بكر، الصديق ﵁ عند اليتيمة مات أبوها وهي حمل، فوضعت بعد وفاته وقصتها بذلك صحيحة في (الموطأ) لمالك وغيره أرسلت حديثًا فذكرها بسببه ابن منده وابن السكن في الصحابة فقالت: أي: عائشة لأم كلثوم أرضعيه عشر رضعات بفتح الضاد المعجمة حتى يدخل عليّ، أي: بعد بلوغه وفي نسخة: تدخل عليه فأرضعتني أمّ كُلثوم بنت أبي بكر ثلاث رضعات، ثم مَرِضَتْ فلم ترضعني غير ثلاث مرات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أمّ كُلثوم لم تُتم لي عشر رضعات قال السيوطي: هذه خصوصية لأزواج النبي ﷺ خاصة دون سائر النساء. قال عبد الرزاق (١) في (مصنفه): عن معمر أخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: لأزواج النبي ﷺ رضعات معلومات وليس لسائر النساء رضعات معلومات، ثم ذكر حديث عائشة هذا وحديث حفصة الذي بعده، وحينئذ فلا يحتاج إلى تأويل سعيد بن زيد الباجي المالكي وهو قوله: لعله يظهر لعائشة النسخ بخمس إلا بعد هذه القصة انتهى. وبه يراد إشارة ابن عبد البر إلى الشذوذ رواية نافع هذه بأن أصحاب عائشة الذين أعلم بها من نافع وهم: عروة والقاسم وعمرة رووا عنها خمس رضعات فوهم من روى عشر رضعات؛ لأنه صح عنها أن الخمس نسخن العشر ومحال أن نعمل بالمنسوخ. كذا قاله وهو سهو؛ لأن نافعًا قال: إن سالمًا أخبره عن عائشة وكل منهما ثقة حجة حافظ، وقد

стр. 1180

أمكن الجمع بأنهما خصوصية للزوجات الشريفات كما قاله طاوس فلا وهم ولا شذ، وكذا قاله الزرقاني (١) (ق ٦٤٧). * * * ٦٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن صفية ابنة أبي عُبيد، أنها أخبرته: أن حفصة أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد إلى فاطمة ابنة عمر ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها، ففعلت، فكان يدخل عليها؛ وهو يوم أرضعتْه صغير يرضع. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن صفية ابنة أبي عُبيد، بالتصغير ابن مسعود الثقفية زوج ابن عمر قيل لها: إدراك، وأنكره الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، فهي كانت في الطبقة الثانية من طبقات التابعيات عن أهل المدينة كذا في (تقريب التهذيب) أنها أخبرته: أي: نافعًا أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد بسكون العين إلى فاطمة ابنة عمر أي: ابن الخطاب وهي أختها كما في (الموطأ) لمالك ترضعه استيناف عشر رضعات ليدخل أي: عاصم عليها، أي: على حفصة عند كبره وبلوغه ففعلت، أي: فأرضعته عشر رضعات فكان أي: عاصم يدخل عليها؛ أي: لأنها خالته من الرضاعة وهو يوم أرضعتْه صغير أي: جدًا كما بينه بقوله: يرضع بصيغة المجهول أي: حال إرضاعه دون وقت كبره. * * * ٦٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة، قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحرّمْن، ثم

стр. 1181

نسخْن "بخمسٍ معلومات"، فتُوفِّي رسول الله ﷺ وهنّ مما يُقرأ من القرآن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر عن عَمرة، أي: بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية كانت ثقة، وكانت من الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت قبل المائة، وقال بعض المؤرخين: إنها ماتت بعد المائة عن عائشة، ﵂ قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن: عشر رضعات معلومات وصفها بذلك تحرزًا عما شك وصوله. كذا قاله القرطبي يحرمن بتشديد الراء المكسورة ثم نسخْن بصيغة المجهول أي: نسخت المصات عشر مرات "بخمسٍ مصات معلومات"، فتُوفِّي رسول الله ﷺ وهنّ أي: الخمس مما يُقرأ من القرآن أي: المنسوخ فالمسخات العشر نسخت بخمس ولكن هذا النسخ تأخر حتى توفي رسول الله ﷺ ، وبعض الناس لم يبلغه النسخ فصار يتلوه قرآنا فلما بلغه تركه فالعشر على قولها أي: قول عائشة منسوخة الحكم والتلاوة، والخمس منسوخة التلاوة فقط كآية الرجم وهي "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما". وقال ابن عبد البر: وبه تمسك الشافعي لقوله: لا يقع التحريم إلا بخمس رضعات تصل إلى الجوف، وأجيب بأنه لم يثبت قرآن وهي قد أضافته إلى القرآن، واختلف عنها في العمل به فليس سنة ولا قرآن. وقال المازني: لا حجة فيه لأنه لم يثبت إلا من طريقها والقرآن لا يثبت بالآحاد، فإن قيل: إذا لم يثبت أنه قرآن بقي الاحتجاج به في عدد الرضعات, لأن المسائل العملية يصح التمسك وفيها بالأحاد قبل هذا أو إن قاله بعض الأصوليين فقد أنكره جدًا منهم، لأنها لم ترفعه فليس بقرآن ولا حديث، وأيضًا تذكره على أنه حديث، وأيضًا ورد بطريق الآحاد فيما جاءت العادة فيه التواتر، فإن قيل: إنما لم ترفعه ولم يتواتر؛ (ق ٦٤٨) لأنه نسخ قلنا: قد أجبتم أنفسكم فالمنسوخ لا يعمل به، وكذا قول عائشة وهي مما يتلى من القرآن أي: من القرآن المنسوخ، فلو أرادت من القرآن الثابت لاشتهر عند غيرها من الصحابة كما اشتهر سائر القرآن، ولذا قال مالك: وليس العمل على هذا الحديث بل التحريم يثبت ولو بمصة وصلت إلى الجوف عملًا بظاهر القرآن وأحاديث الرضاع، وبهذا

стр. 1182

قال الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة وعلماء الأمصار حتى قال الليث: أجمع المسلمون أن قليل الرضاعة وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم. وهذا أي: الحديث رواه مسلم (١) عن يحيى، وأبو داود (٢) عن القعنبي، والترمذي (٣) من طريق معن، والنسائي (٤) من طريق القاسم الأربعة عن مالك به، وتابعه محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر نحوه عن ابن ماجه (٥)، وتابعه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة نحوه عند مسلم كما قاله الزرقاني. * * * ٦٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله بن عمر وأنا معه عند دار القضاءِ؛ يسأله عن رضاعة الكبير، فقال عبد الله بن عمر: جاءَ رجلٌ إلى عمر بن الخطاب، فقال: كانت لي وليدة فكنتُ أصيبها، فعمدت امرأتي إليها فأرضعْتها، فدخلتُ عليها، فقالت امرأتي: دونَك قد والله أرضعتُها، قال عمر: أوْجِعْها وائت جاريتَك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة قال: جاء رجل أي: لم يعرف اسمه إلى عبد الله بن عمر وأنا معه عند دار القضاءِ؛ أي: بالمدينة يسأله أي: حال كون الرجل سأل ابن عمر عن رضاعة الكبير، فقال عبد الله بن عمر: جاءَ رجلٌ قال أبو عمر: هو أبو عيسى بن جبر الأنصاري ثم الحارث البدري إلى عمر بن الخطاب، ﵁ فقال: أي: الرجل كانت لي وليدة أي: جارية فكنتُ

стр. 1183

أصيبها، أي: أطأها كما في (الموطأ) لمالك فعمدت بفتح الميم أي قصدت امرأتي إليها فأرضعْتها، أي: لتحرم علي فدخلتُ عليها، أي: على امرأتي وأفادت أن أدخل على وليدتي فقالت امرأتي: دونَك أي: الزم نفسك والله قد أرضعتها، وفي نسخة: قد والله أرضعتُها، أي: فحرمت عليك قال عمر: ﵁ أوْجِعْها بكسر الهمزة وسكون الواو وفتح الجيم وسكون العين، أمر من الباب الرابع أي اضربها إيجاعًا مؤلمًا وائت جاريتَك، أي: بما أردت من الجماع وغيره فإنما الرضاعة رضاعة الصغير أي: كما دلت عليه الأحاديث والتنزيل. * * * ٦٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب - وسئل عن رضاعة الكبير - فقال: أخبرني عُروة بن الزبير أن أبا حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، شهد بدرًا وكان تبني سالمًا الذي يقال له مولى أبي حذيفة، وهو يرى أنه ابنه، وأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهي من المهاجرات الأوَل، وهي يومئذٍ من أفضل أيامَى قريش، فلما أنزل الله في زيد ما أنزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، رُدّ كل أحد تُبني إلى أبيه، فإن لم يكن يُعلم أبوه ردّ إلى مواليه، فجاءَت سهلة ابنة سُهَيْل امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر بن لؤي إلى رسول الله ﷺ فيما بلغنا - فقالت: كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يدخل عليَّ وأنا فُضْل، وليسْ لنا إلا بيتٌ واحد، فما ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله ﷺ فيما بلغنا: "أرضعيه خمس رضعات فيَحرُم بلبنك أو بلبنها"، وكانت تراه ابنًا من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، وكانت تأمر أمّ كلثوم وبنات أخيها يرضعْن لها من أحببن أن يدخل عليها، وأبى سائر أزواج النبي ﷺ أن

стр. 1184

يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس، وقلن لعائشة: والله ما نرى الذي أمر به رسول الله ﷺ سَهْلة بنت سُهيل إلا رخصة لها في رضاعة سالم وحده من رسول الله ﷺ ، والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد، فعلي هذا كان رأي أزواج رسول الله ﷺ في رضاعة الكبير. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا مالك أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة كان من الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائتان، وفي نسخة: بالواو سئل عن رضاعة الكبير أي: هل تؤثر التحريم فقال: أخبرني عُروة بن الزبير أي: ابن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان من الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح. قال ابن عبد البر: هذا يدخل في المسند أي: الموصول للقائه عائشة وسائر أزواجه ﷺ وللقائه سهلة بنت سهيل، وقد وصل جماعة منهم معمر وعقيل ويونس وابن جريج عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة بمعناه، ورواه عثمان بن (ق ٦٤٩) عمر وعبد الرزاق كلاهما عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن أبا حُذيفة اسمه مهشم وقيل: هاشم بن عُتْبة بن ربيعة أي: ابن عبد الشمس بن عبد مناف القرشي العبشمي كان طوالًا حسن الوجه كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، أي: السابقين إلى الإِسلام وكان من كبار الصحابة. قال ابن إسحاق: أسلم أبو حذيفة بعد ثلاث وأربعين إنسانًا وهاجر الهجرتين وصلى القبلتين شهد بدرًا وسائر المشاهد، واستشهد يوم اليمامة وهو ابن ستة وخمسين سنة وكان تبني سالمًا الفارسي المهاجري الأنصاري الذي يقال له أي: لسالم مولى أبي حذيفة، قال البخاري: كان مولى امرأة من الأنصار. قال ابن حبان: يقال لها: ليلى، ويقال: شُبيبة بفتح المثلثة وفتح الموحدة الثانية بنت يسار بفتح التحتية والمهملة المخففة فألف فراء ابن زيد بن عبيد وكانت امرأة أبي حذيفة وبهذا جزم ابن سعد، وقيل: اسمها سلمى. وقال ابن شاهين: سمعت ابن أبي داود يقول: هو سالم بن معقل مولى بنت يسار الأنصاري أعتقته سائبية فولى أبا حذيفة فتبناه أي: اتخذه ابنًا، وشهد اليمامة وكان معه

стр. 1185

لواء المهاجرين فسقطت يمينه فأخذه بيساره فقطعت فاعتنقه إلى أن صرع فقال: ما فعل أبو حذيفة؟ قيل: قُتل، قال: فأضجعوني بجنبه فأرسل عمر ميراثه إلى معتقه بنته فقالت: إنما أعتقته سائبة فجعله في بيت المال، رواه عبد الله بن المبارك، وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمة فقال: كليه وكان ذلك ترك إلى أن تولى عمر، وإلا فاليمامة كانت في خلافة أبي بكر فكان أبي حذيفة تبنى سالمًا كما كان تبنى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة أي الكلبي: فأنكح أبو حذيفة سالمًا أي: أراد تزويجه وهو أي: والحال أن سالمًا يرى بصيغة المجهول أي: يظن أنه ابنه، أي: أبي حذيفة وأنكحه أي: زوج أبو حذيفة سالمًا ابنة أخيه فاطمة وأعاد لفظ أنكح لطول الكلام بالفصل بقوله وهو. . . إلخ، وهو أحسن موجود في القرآن كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٨٩] فأعاد لما جاءهم لطول الكلام بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهي أي: والحال أن فاطمة يومئذ كانت من المهاجرات الأوَل، بضم الهمزة وفتح الواو المخففة فلام جمع أول وهي يومئذٍ من أفضل أيامَى قريش، بضم الهمزة وتحتية المخففة الفتوحة فألف وميم مفتوحة وتحتية جمع أيم بفتح الهمزة وتحتية المشددة المكسورة فميم من لا زوج لها بكرًا أو ثيبًا في رواية شعيب عن الزهري وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورثه ميراثه فلما أنزل الله تعالى في زيد أي: ابن حارثة ما أنزل: يحتمل صيغة الفاعل والمفعول وبيان قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾ أي: أعدل في حكمه ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم (ق ٦٥٠) في الدين ومواليكم أولياؤكم كما في الموطأ لمالك رُدّ بصيغة المفعول كل أحد تُبني بصيغة المجهول إلى أبيه، أي: الذي ولده فإن لم يكن يُعلم بصيغة المجهول أبوه ردّ بصيغة المجهول إلى مواليه، وفي رواية شعيب: فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخًا ويدل يا أخي يا مولاي في الدين فجاءَت سهلة بفتح الموحدة وسكون الهاء ابنة سُهَيْل بضم السين مصغرًا وهو ابن عمرو بفتح العين أسلمت قديمًا بمكة وهي امرأة أبي حذيفة، وهاجرت معه إلى الحبشة فولدت له هناك محمدًا وهي ضرة معتقة سالم الأنصاري وكي من بني عامر بن لؤي بضم اللام وفتح الهمزة وتحتية نسبية وقد تبدل الهمزة واوًا فهي قرشية عامرية وأبوها صحابي شهير إلى رسول الله ﷺ فيما بلغنا - أي: بإسناد فقالت: كنا أي: قبل نزول الآية نرى بضم النون أي: نظن سالمًا

стр. 1186

ولدًا، أي: بالتبني في الحكم الشرعي وكان أي: سالم يدخل عليَّ وأنا فُضْل، بضم الفاء والضاد المعجمة الساكنة قدم أي: مكشوفة الرأس والصدر كذا قاله ابن وهب، وقيل: على ثوب واحد لا إزار تحته وقيل: متوشحة بثوب واحد على عاتقها خالفت بين طرفيه. قال ابن عبد البر: أصحهما الثاني لأن كشف الحرة الصدر لا يجوز عند محرم وغيره وليس لنا إلا بيتٌ واحد، أي: فلا يمكن الاحتجاب منه فما ترى في شأنه؟ وفي (الموطأ) لمالك فماذ ترى؟ أي: أي شيء تختار لنا يا رسول الله في حال سالم فقال لها أي: لسهلة امرأة أبي حذيفة رسول الله ﷺ فيما بلغنا: أي: موصولًا أو مرسلًا "أرضعيه خمس رضعات قال ابن عبد البر: وفي رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن شهاب بإسناده عشر رضعات والصواب ما رواه المصنف عن مالك وتابعه يونس خمس رضعات فيَحرُم أي: تزوج سالم بك بلبنك أو بلبنها"، شك من الراوي والخطاب للمرأة، زاد في مسلم فقالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم ﷺ وقال: "قد علمت أنه رجل كبير وكان قد شهد بدرًا"، وفي لفظ له: "أرضعيه تحرمي عليه" ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت إليه فقالت: قد أرضعته، فذهب ما كان قبل الرضاعة في نفس أبي حذيفة من الغيرة. قال أبو عمر: صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه، فأما تلقمه المرأة ثديها فلا ينبغي أحد من العلماء، وقال عياض: ولعل سهلة حلبت لبنها فيشربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما إذ لا يجوز رؤية الثدي ولا مسه ببعض الأعضاء. وقال النووي: وهو حسن، ويحتمل أنه عُف عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبير وأيده بعضهم بأن ظاهر الحديث أنه رضع من ثديها, لأنه تبسم وقال: قد علمت أنه رجل كبير ولم يأمره بالحلب وهو موضع بيان ومطلق الرضاع يقتضي مص الثدي فكأنه أباح لهما ذلك لما تقرر في نفسهما أنه ابنها وهي أمه فهو خاص بهما لهذا المعنى كما قاله الزرقاني وكانت أي: سهلة بنت سهيل زوجة أبي حذيفة بعد ذلك تراه أي: تعلم سالمًا ابنًا من الرضاعة، أي: ولم تحجب عنه فأخذت بذلك أي: (ق ٦٥١) استدلت بقوله ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه" عائشة أي: أم المؤمنين ﵂ فيمن أي: في حق امرأة تحب أي: ترضى أن يدخل عليها من الرجال، أي: الأجانب وكانت أي: عائشة ﵂ تأمر أمّ كلثوم وهي أختها صغيرة منها وبنات أخيها أي: عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق تأخر إسلامه إلى قبيل الفتح وشهد اليمامة والفتوح، ومات سنة ثلاث وخمسين

стр. 1187

في طريق مكة فجأة كذا في (تقريب التهذيب) أن يرضعْن من باب الأفعال لها أي: لأجل عائشة وكلمة "لها" لم توجد في نسخة قديمة ولا في الموطأ لمالك من محله منصوب؛ لأنه مفعول أن يرضعن أحببن أي: رضيت عائشة أن يدخل عليها، أي: على عائشة ﵂ وفي (الموطأ) لمالك من الرجال فيكون بيانًا لمن وفائدة كلمة لها تخصيص هذا الحكم لعائشة لا لغيرها من أزواج النبي ﷺ كما قال وأبى سائر أزواج النبي ﷺ أي: امتنعن أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس، زاد أبو داود: حتى يرضع في المهد وقلن أي: أزواجه ﷺ لعائشة: ﵂ والله ما نرى أي: نقسم بالله ما نعلم في الحال الذي أي: الإِرضاع أمر به رسول الله ﷺ سَهْلة بنت سُهيل إلا رخصة لها أي: لسهلة بنت سهيل في رضاعة سالم وحده وهذا اليمين لغو؛ لأنه بمين في الحال كما يؤثر ما في (الموطأ) لمالك: لا والله فإن العرب يقولون أي أثناء كلامهم: لا والله ولا بالله من رسول الله ﷺ ، متعلق برد منه والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أي: التي وقعت في حال الكبير أحد. وفائدة القسم من أزواج النبي ﷺ تأكيد الإِخبار منهم بأن الرضاعة في حال الكبر لا تحرم النكاح بين الرضيع والمرضعة وقطع أطماع عائشة بأن امرأة من أزواجه ﷺ إذا أرضعت رجلًا بالغًا يدخل عليها فعلي هذا كان رأي اختيار أزواج رسول الله ﷺ في رضاعة الكبير فأجازته عائشة ومتعهن باقيهن، وفي مسلم عن ابن أبي مليكة أنه سمع هذا الحديث عن القاسم عن عائشة قال: فظلت أو قريبًا منها لا أحدث به رهبة، ثم لقيت القاسم فأخبرته قال: حدثه عني أن عائشة أخبرت به، قال أبو عمر: هذا يدل على أنه حديث تُرك قديمًا ولم يعمل به ولا تلقاه الجمهور بالقبول على عمومه، بل تلقوه على أنه مخصوص لسهلة بنت سهيل كما قاله الزرقاني. * * * ٦٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه سمعه يقول: لا رضاعة إلا في المهد، ولا رضاعة إلا ما أثبت اللحم والدم. قال محمد: لا يحرّم الرضاع إلا ما كان في الحولين، فما كان فيهما من

стр. 1188

رضاع وإن كانت مصّة واحدة فهي تحرّم، كما قال عبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وما كان بعد الحولين لم يحرّم شيئًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فتمام الرضاعة الحولان فلا رضاعة بعد تمامها يحرّم شيئًا، وكان أبو حنيفة يحتاط بستة أشهر بعد الحولين، فيقول: يحرّم ما كان في الحولين وبعدهما إلى تمام ستة أشهر، وذلك ثلاثون شهرًا, ولا يُحرّم ما كان بعد ذلك، ونحن لا نرى أنه يحرّم ما كان بعد الحولين. وأما لبن الفَحْل: فإنا نراه يحرّم، ونوى أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، فالأخ من الرضاعة من الأب تحرم عليه أخته من الرضاعة من الأب، وإن كانت الأمَّان مختلفتين إذا كان لبنهما من رجل واحد، كما قال عبد الله بن عباس: اللَّقاح واحد، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة، كان من الطبقة الخامسة في طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة من الهجرة عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهو ابن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن حجر (١) وابن الجوزي في (طبقاتهما) أنه أي: يحيى سمعه أي: سعيد يقول: لا رضاعة أي: محرمة إلا في المهد، وهو يمهد للصبي لينام فيه ولا رضاعة أي: معتبرة إلا ما أنبت اللحم والدم أي. إنما هما فرضا الكبير لا يحرم لأنه لا ينبت شيئًا منهما, وللترمذي (٢) وحسنه "لا رضاعة إلا ما فتق الأمعاء

стр. 1189

وكان قبل الحولين" ولأبي داود عن ابن مسعود موقوفًا: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم" ورواه مرفوعًا: "إنما الرضاع ما أنشر العظم وفتق الأمعاء". قال محمد: لا يحرّم الرضاع أي: المص بالنكاح إلا ما أي: رضاع كان في الحولين، أي: في أربعة وعشرين شهرًا من الرضع هذا مدة الرضاع فما كان فيهما أي: في الحولين من الرضاع بيان بما وفي نسخة: من رضاع وإن كانت أي: الرضاع مصّة واحدة أي: قطرة واحدة فهي تحرّم، أي: النكاح كما قال عبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وسبق أحاديث وردت بذلك وبيان صدق الشافعي هنالك وما أي: الرضاعة كان بعد الحولين لم يحرّم شيئًا؛ لأن الله قال: في سورة البقرة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ أي: الأمهات ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ أي: أربعة وعشرين شهرًا من الرضع نزلت لبيان مدة الرضاع المثبت للحرمة، قوله: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبر في معنى الأمر أي: ليرضعن، والأمر للاستحباب لأنه لا يجب على المطلقة إرضاع ولدها من زوجها الذي طلقها إن وجد من ترضعه ويجب إن لم توجد، ولم يقبل الولد ثدي غير الأم أو عجز الأب عن الاستئجار قوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ وصف للحولين بالكمال لتأكيد إرادة الحقيقة؛ لأن بعض الحولين يسمى حولين تجوزًا فعلم بالكاملين أن المراد بغير نقصان قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، لبيان لمن توجه إليه الحكم أي: هذا الحكم لمن أراد تمام الرضاع، واللام تتعلق بيرضعن حولين لمن أراد أن يكمل الإِرضاع من الأب؛ لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم إلا إذا رضيت الأم بإرضاعه، فالإِرضاع مستحب من الأم ولا تجبر عليه، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة ويجوز عند الشافعي، فمفهومه أنه يجوز عدم تمامها إن أراد كما جاء في قوله تعالى: سورة البقرة: ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أي: الوالدان ﴿فِصَالًا﴾ أي فطامًا للصغير قبل الحولين ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ باتفاق ﴿مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ أي: بمشاورتهما ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: لا حرج على الوالدان "في ذلك" يعني: سواء زاد على الحولين أو نقصا وهذه توسعة بعد التحديد. قال العلماء: إن قطع الغلام عن الثدي لا يضر الولد وإنما اعتبر اتفاق الوالدين لما في الأدب من الولاية وفي الأم شفقة فتمام الرضاعة الحولان فلا رضاعة أي: كانت بعد تمامها أي: الرضاعة، وفي نسخة: تمامها يحرّم شيئًا، أي: لأنه لا زيادة على الكمال وكان أبو حنيفة يحتاط بستة أشهر بعد الحولين، أي: مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ

стр. 1190

شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] يعني جعل مدة الحمل والفصال ثلاثون شهرًا، والظاهر أنها مدة لكل واحد منهما، وقد دل الدليل على انقضاء هذه المدة (ق ٦٥٣) في حق الحمل ويتبقى في الآخر وهو الفصال على حالها فيقول: أي: أبو حنيفة يحرّم ما كان في الحولين أي: في السنتين وبعدهما أي: بعد الحولين إلى تمام ستة أشهر، وذلك أي: مجموعهما ثلاثون شهرًا, ولا يُحرّم ما كان بعد ذلك، أي: لأن الرضيع لا يحصل فطامه في ساعة واحدة، بل لا بد من زيادة على الحولين يتعود فيها بالطعام ينسى اللبن فقدر ذلك بأدنى مدة الحمل وهي ستة أشهر لأنها مدة ينتقل فيها الصبي من غذا إلى غذاء؛ لأن غذاء الجنين غير هذا الرضيع، كذا علله بعض العلماء وفيه بحث؛ لأنه يمكن بهذا التدرج قبل الحولين نعم لو لم يجز الطعام قبلهما فربما كان يعتبر مثل هذا؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، ومع هذا كون القول به أحوط بعيد إذ لا ضرر في نفي الرضاعة بخلاف إثباتها فإن يتفرغ عليه أمور كثيرة كما لا يخفى ونحن أي: نفسه وأبو يوسف وغيرهما من العلماء الحنفية لا نرى أي: لا نختار أنه يحرّم أي: ما كان بعد الحولين ونرى أي: يختار أنه لا يحرم ما كان بعد الحولين تأكيد لما قبله وربما كان تلك العبارتين باعتبار النسختين. وأما لبن الفَحْل: أي: الرجل وهو زوج المرأة بأن يكون لبنها فمنه فإنا نراه يحرّم، أي: عليه وعلى من ينسب إليه ونرى أنه يحرم من الرضاع وفي نسخة: الرضاعة ما يحرم من النسب، أي: كل ما ورد في الأحاديث الصحيحة فالأخ من الرضاعة من الأب تحرم عليه أخته من الرضاعة من الأب، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وإن كانت الأمَّات أي: أم الأخ والأخت مختلفتين إذا كان لبنهما من رجل واحد، كما قال عبد الله بن عباس: اللَّقاح بكسر اللام أي: اللبن واحد، فبهذا أي: بما ذكر من لبن الفحل نأخذ، أي: نعمل جميعًا وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى. لما فرغ من بيان أحكام الطلاق وغيره، شرع في بيان أحكام الأضحية، فقال: هذا * * *

стр. 1191

كتاب الضحايا وما يُجزئ منها كتاب الضحايا، أي: في بيان الأحاديث التي تتعلق بأحكام الأضحية، هذا الكلام إضافي يجوز فيه وجهان من الإِعراب: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، كما قدر، ونصبه على تقدير حذف الكتاب، أو إقراء الكتاب وغيرهما، والكتاب لغة مصدر بمعنى كتب، سُمي به المفعول للمبالغة، واصطلاحًا من المسائل، واختار المصنف رحمه الله تعالى لفظ الكتاب على لفظ باب؛ لأن في لفظ الكتاب معنى الجمع، يقال: كتبت الخيل إذا جمعت، والباب بمعنى النوع، وكان غرض المصنف بيان أنواع الأضحية، وإضافة الكتاب إلى الضحايا من قبيل إضافة العام إلى الخاص؛ لأن الضحايا جمع ضحية كعطايا جمع عطية، والأضاحي جمع أضحية بضم الهمزة في الأكثر وكسرها اتباعًا لكسر الحاء، والأضحى جمع أضحاه مثل أرطا وأرطاه وهو اسم لما يُذبح من النعم تقربًا إلى الله تعالى في يوم العيد. قال عياض: سُميت بذلك لأنها تفصل في وقت الضحى وهو ارتفاع النهار، فسُميت باسم زمن فعلها، وفي الشرع: اسم لحيوان مخصوص يُذبح بنية القربة عند وجود شرائطها وسببها، وشرائطها الإِسلام والإِقامة واليسار التي تتعلق به وجوب صدقة الفطر، وسببها الوقت وهو أيام النحر، وركنها: ذبح يجوز ذبحها، وجه المناسبة (ق ٦٥٤) بين هذا الكتاب وبين كتاب الطلاق معنى التباعد؛ لأن الرجل إذا طلق امرأته وقع التباين بينه وبينها، وكذلك إذا ذبح رجل أضحية وقع التباين بين جسمها وروحها. قدَّم المصنف كتاب الطلاق على كتاب الضحايا؛ لأن دليل الطلاق قطعي، قال تعالى في سورة الطلاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والخطاب للنبي ﷺ مع أمته، ودليل الضحايا ظني، وهو ما رواه الطبراني في (الأوسط) (١) عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يا أيها الناس ضحوا واحبسوه بدمائها، فإن الدم وإن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله تعالى"، ورُوي مرفوعًا

стр. 1192

وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح فلا يحضر مصلانا" (١)، كذا في (الترغيب والترهيب) (٢). وما يُجزئ منها، أي: وبيان حكم الحيوان يجزئ من الإِجزاء مهموز اللام لكن الهمزة قلبت ياء لوقوعها في الطرف وانكسار ما قبلها، أي: يكفي، ويجوز أن يكون حيوان أضحية قوله: منها بيان بما، والضمير المجرور عائد إلى الضحايا، فالمراد بما حيوان يجوز أن يكون أضحية مثل الشاة إذا تمت لها سنة وطعنت في الثانية، وكذا الماعز والبقر إذا تمت له سنتان وطعنت في الثالثة؛ والإِبل إذا تم له خمس سنين وطعن في السادسة. وفي نسخة: باب الضحايا ولكن لم يظهر فائدتها. ٦٢٩ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول في الضحايا والبُدْن: الثِّنيّ فما فوقه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، ابن عد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، أن عبد الله بن عمر كان يقوله في الضحايا والبُدْن: بضم الموحدة وسكون الدال جمع بدنة محركة، وهي الإِبل والبقر أيضًا فهو تخصيص بعد التعميم، والمعنى أنه يقول في وقوع جوازهما، الثِّنيّ فما فوقه، الثني تكريم وهو ما سقط ثنيته بكسر الثاء المثلثة وسكون النون وهو الأضراس الأربع التي في مقدم الأنف، والثني من الإِبل ما له خمس سنين وطعن في السادسة، ومن البقر ما له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الغنم ما له سنة وطعن في الثانية. * * *

стр. 1193

٦٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينهى عما لم تُسنَّ من الضحايا والبُدْن، وعن التي نُقِص من خلْقها. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينهى عما أي: عن حيوان لم تُسنَّ بفتح التاء المثناة وكسر السين، وتشديد النون، وفي نسخة: لم تسن بالفك، أي: لم تبدل أسنانها، من الضحايا والبُدْن بيان بما في عمياء، وعن التي أي: الضحايا نُقِص من خلْقها، بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام فقاف، أي: من عضوها كالقرن والأذن والرجل والإِلية، قوله: وعن التي نقص من خلقها، صح من رواية من روى عن جواز الأضحية بالبتراء، إلا أنه يحتمل أن اتقاء ابن عمر لمثل ذلك يحتمل أنه لما نقص منها خلقه وحمله منها على عمومه أولى، وأجمعوا على جواز الجماء في الضحايا، فدل على أن النقص المكروه هو ما تتأذى به البهيمة وينقص من ثمنها ومن شحمها، كما قاله الزرقاني (١). * * * ٦٣١ - أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه ضحّى مرة بالمدينة فأمرني أن أشتري له كبشًا فحِيلًا أقْرَنَ، ثم أذبحه يوم الأضحى في مصلى الناس، ففعلت، ثم حمل إليه فحلق رأسه حين ذُبِح كبشه، وكان مريضًا لم يشهد العيد مع الناس، قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يقول: وليس حِلاق الرأس بواجب على من ضحّى إذا لم يحجّ، وقد فعله عبد الله بن عمر. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، إلا في خصلة واحدة، الجَذَع من الضأن إذا كان عظيمًا أجزأ في الهدي والأضحية، وبذلك جاءَت الآثار, والخصيّ من الأضحية يجزئ مما يجزئ منه الفحل.

стр. 1194

وأما الحِلاق، فنقول به بقول عبد الله بن عمر: إنه ليس بواجب على من لم يحجّ في يوم النحر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، فقيه، (ق ٦٥٥) ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه ضحّى بفتح الضاد المعجمة والحاء المهملة المفتوحة المشددة، أي: أراد أن يضحي مرة بالمدينة فأمرني أن أشتري له كبشًا فحِيلًا بفتح الفاء وكسر الحاء المهملة وتحتية ساكنة فلام، أي: ذكر لا أنثى، وقيل: هو عظيم الخلق، وقال البوني: ويحتمل أن يريد لا خصي، أقْرَنَ أي: ذا قرنين، قالوا: ويجوز الجماء، وهي التي لا قرن لها؛ لأنه لا يتعلق بها مقصود، لكن قد نهى ﷺ أن الضحي بعصباء الأذن والقرن، رواه أحمد والأربعة والحاكم عن علي - كرَّم الله وجهه - فيحمل على النهي التنزيهي، وكذا لا يجوز الشولاء وهي المجنونة، ثم أذبحه بالنصب عطف اشترى، أي: لأجله يوم الأضحى أي: عيد الأضحى، في مصلى الناس أي: مصلى عيدهم بالمدينة أو غيرها اتباعًا للمصطفى، قال: نافع ففعلت أي: ما أمرني به من الشراء والذبح بالمصلى، ثم حُمِل أي: الكبش المذبوح إليه أي: إلى عبد الله بن عمر كما في (الموطأ) لمالك، فحلق رأسه مقتضى الفاء التعقيبية أن الحلَّاق بعد حمل الكبش إليه والظرف في فقوله: حين ذُبِح بصيغة المجهول كبشه، مجازية؛ لأنها لما وقعت بعدد بقرب كأنها فعلت حينه أو الظرف حقيقة والتجوز في التعقيب، وكان مريضًا لم يشهد العيد صلاته مع الناس، ولعله علة ذبحه في المصلى بدلًا من حصوله بنفسه، فالاستناب في الذبح لا ينافي في أن الأفضل الذبح بيده عن أحسنه، وقدر اتباعًا للفعل النبوي، قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يقول: وليس حِلاق الرأس بكسر أوله، أي: حلق شعر رأسه بواجب على من ضحّى إذا لم يحجّ، وقد فعله عبد الله بن عمر، جملة حالية، هذا الحديث موقوف على عبد الله بن عمر حقيقة، ومرفوع حكمًا، لما في (الصحيحين) عن أنس بن مالك ﵁: كان النبي ﷺ يضحي بكبشين أملحين أقرنين، فذبحهما بنية، وفي (الصحيحين) أيضًا عن ابن عمر ﵄، كان النبي ﷺ يذبح وينحر بالمصلى، وفيه استحباب إبراز الإِمام أضحيته بالمصلى، وفيهما دلالة على أن تلك عادته، ففيه أفضلية الضأن في الضحايا، كما قال مالك،

стр. 1195

وضرورة أنه ﷺ لا يواضب إلا ما هو أفضل، وحديث البيهقي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ يضحي الجزور أحيانًا، وبالكبش إذا لم يجد الجذور، ضعيف، في سنده عبد الله بن عمر، وفيه مقال، وفيه أن الذكر أفضل من الأنثى؛ لأن لحمه أطيب، وندب التضحية بالأقرن، وأنه أفضل من الأحجم الذي لا قرن له، كذا قاله الزرقاني. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بجميع ما رواه نافع هنا عن ابن عمر، إلا في خصلة واحدة أي: تفهم من الأحاديث من عموم الشيء أنه لا يجوز ما لم يبلغ الشيء مطلقًا، والحال أن نقول: الجَذَع من الضأن إذا كان عظيمًا أجزأ أي: كفى وجاز في الهدي والأضحية، والجذع بفتح الجيم والذال المعجمة المفتوحة فعين مهملة ولد الضأن، جاء عليه أكثر من ستة أشهر، وعن الأزهري أن الجذع من الضأن ما أتى عليه ثمانية أشهر، وهو عند الفقهاء ما تم له ستة أشهر، وذكر الزعفراني أنه ابن سبعة أشهر، وتفسير (ق ٦٥٦) العظيم أنه لو خلط بالثنايا اشتبه على الناظر أنه منها، وبذلك أي: بجواز الجذع جاءَت الآثار، أي: وردت الأخبار، منها ما أخرجه مسلم (١) عن جابر ﵁ مرفوعًا: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن"، والخصيّ من الأضحية يجزئ مما يجزئ منه الفحل؛ لأن لحمه أطيب. وروى أبو داود وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله، وأحمد من حديث عائشة وأبي هريرة وأبي رافع وأبي الدرداء ﵄، أن رسول الله ﷺ ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجودين ثم الذكر من الضأن والمعز أفضل إذا استويا، والأنثى من الإِبل والبقر أفضل إذا استويا، والجواميس كالبقر، والمراد من الهدي ما يُنقل للذبح من النعم إلى الحرم. وأما الحِلاق، فنقول به بقول عبد الله بن عمر: إنه ليس بواجب على من لم يحجّ في يوم النحر، أي: وأما ما فعله فهو من باب بيان الجواز، وهو أي: ما قاله ابن عمر قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، أي: من أتبع أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال مالك: الأضحية سُنَّة مؤكدة على كل مقيم ومسافر الحج، وليست بواجبة، أي: بفرض، هذا زيادة في البيان لدفع توهم أن مراده شرعت، فلا ينافي الوجوب فبين المراد والحجة في
следующие страницы →