كتاب الضحايا وما يُجزئ منها
كتاب الضحايا، أي: في بيان الأحاديث التي تتعلق بأحكام الأضحية، هذا الكلام إضافي يجوز فيه وجهان من الإِعراب: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، كما قدر، ونصبه على تقدير حذف الكتاب، أو إقراء الكتاب وغيرهما، والكتاب لغة مصدر بمعنى كتب، سُمي به المفعول للمبالغة، واصطلاحًا من المسائل، واختار المصنف رحمه الله تعالى لفظ الكتاب على لفظ باب؛ لأن في لفظ الكتاب معنى الجمع، يقال: كتبت الخيل إذا جمعت، والباب بمعنى النوع، وكان غرض المصنف بيان أنواع الأضحية، وإضافة الكتاب إلى الضحايا من قبيل إضافة العام إلى الخاص؛ لأن الضحايا جمع ضحية كعطايا جمع عطية، والأضاحي جمع أضحية بضم الهمزة في الأكثر وكسرها اتباعًا لكسر الحاء، والأضحى جمع أضحاه مثل أرطا وأرطاه وهو اسم لما يُذبح من النعم تقربًا إلى الله تعالى في يوم العيد.
قال عياض: سُميت بذلك لأنها تفصل في وقت الضحى وهو ارتفاع النهار، فسُميت باسم زمن فعلها، وفي الشرع: اسم لحيوان مخصوص يُذبح بنية القربة عند وجود شرائطها وسببها، وشرائطها الإِسلام والإِقامة واليسار التي تتعلق به وجوب صدقة الفطر، وسببها الوقت وهو أيام النحر، وركنها: ذبح يجوز ذبحها، وجه المناسبة (ق ٦٥٤) بين هذا الكتاب وبين كتاب الطلاق معنى التباعد؛ لأن الرجل إذا طلق امرأته وقع التباين بينه وبينها، وكذلك إذا ذبح رجل أضحية وقع التباين بين جسمها وروحها.
قدَّم المصنف كتاب الطلاق على كتاب الضحايا؛ لأن دليل الطلاق قطعي، قال تعالى في سورة الطلاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والخطاب للنبي ﷺ مع أمته، ودليل الضحايا ظني، وهو ما رواه الطبراني في (الأوسط) (١) عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يا أيها الناس ضحوا واحبسوه بدمائها، فإن الدم وإن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله تعالى"، ورُوي مرفوعًا
стр. 1192
وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح فلا يحضر مصلانا" (١)، كذا في (الترغيب والترهيب) (٢).
وما يُجزئ منها، أي: وبيان حكم الحيوان يجزئ من الإِجزاء مهموز اللام لكن الهمزة قلبت ياء لوقوعها في الطرف وانكسار ما قبلها، أي: يكفي، ويجوز أن يكون حيوان أضحية قوله: منها بيان بما، والضمير المجرور عائد إلى الضحايا، فالمراد بما حيوان يجوز أن يكون أضحية مثل الشاة إذا تمت لها سنة وطعنت في الثانية، وكذا الماعز والبقر إذا تمت له سنتان وطعنت في الثالثة؛ والإِبل إذا تم له خمس سنين وطعن في السادسة.
وفي نسخة: باب الضحايا ولكن لم يظهر فائدتها.
٦٢٩ - أخبرنا مالك, أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول في الضحايا والبُدْن: الثِّنيّ فما فوقه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، ابن عد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، أن عبد الله بن عمر كان يقوله في الضحايا والبُدْن: بضم الموحدة وسكون الدال جمع بدنة محركة، وهي الإِبل والبقر أيضًا فهو تخصيص بعد التعميم، والمعنى أنه يقول في وقوع جوازهما، الثِّنيّ فما فوقه، الثني تكريم وهو ما سقط ثنيته بكسر الثاء المثلثة وسكون النون وهو الأضراس الأربع التي في مقدم الأنف، والثني من الإِبل ما له خمس سنين وطعن في السادسة، ومن البقر ما له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الغنم ما له سنة وطعن في الثانية.
* * *
стр. 1193
٦٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينهى عما لم تُسنَّ من الضحايا والبُدْن، وعن التي نُقِص من خلْقها.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينهى عما أي: عن حيوان لم تُسنَّ بفتح التاء المثناة وكسر السين، وتشديد النون، وفي نسخة: لم تسن بالفك، أي: لم تبدل أسنانها، من الضحايا والبُدْن بيان بما في عمياء، وعن التي أي: الضحايا نُقِص من خلْقها، بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام فقاف، أي: من عضوها كالقرن والأذن والرجل والإِلية، قوله: وعن التي نقص من خلقها، صح من رواية من روى عن جواز الأضحية بالبتراء، إلا أنه يحتمل أن اتقاء ابن عمر لمثل ذلك يحتمل أنه لما نقص منها خلقه وحمله منها على عمومه أولى، وأجمعوا على جواز الجماء في الضحايا، فدل على أن النقص المكروه هو ما تتأذى به البهيمة وينقص من ثمنها ومن شحمها، كما قاله الزرقاني (١).
* * *
٦٣١ - أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه ضحّى مرة بالمدينة فأمرني أن أشتري له كبشًا فحِيلًا أقْرَنَ، ثم أذبحه يوم الأضحى في مصلى الناس، ففعلت، ثم حمل إليه فحلق رأسه حين ذُبِح كبشه، وكان مريضًا لم يشهد العيد مع الناس، قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يقول: وليس حِلاق الرأس بواجب على من ضحّى إذا لم يحجّ، وقد فعله عبد الله بن عمر.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، إلا في خصلة واحدة، الجَذَع من الضأن إذا كان عظيمًا أجزأ في الهدي والأضحية، وبذلك جاءَت الآثار, والخصيّ من الأضحية يجزئ مما يجزئ منه الفحل.
стр. 1194
وأما الحِلاق، فنقول به بقول عبد الله بن عمر: إنه ليس بواجب على من لم يحجّ في يوم النحر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، فقيه، (ق ٦٥٥) ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه ضحّى بفتح الضاد المعجمة والحاء المهملة المفتوحة المشددة، أي: أراد أن يضحي مرة بالمدينة فأمرني أن أشتري له كبشًا فحِيلًا بفتح الفاء وكسر الحاء المهملة وتحتية ساكنة فلام، أي: ذكر لا أنثى، وقيل: هو عظيم الخلق، وقال البوني: ويحتمل أن يريد لا خصي، أقْرَنَ أي: ذا قرنين، قالوا: ويجوز الجماء، وهي التي لا قرن لها؛ لأنه لا يتعلق بها مقصود، لكن قد نهى ﷺ أن الضحي بعصباء الأذن والقرن، رواه أحمد والأربعة والحاكم عن علي - كرَّم الله وجهه - فيحمل على النهي التنزيهي، وكذا لا يجوز الشولاء وهي المجنونة، ثم أذبحه بالنصب عطف اشترى، أي: لأجله يوم الأضحى أي: عيد الأضحى، في مصلى الناس أي: مصلى عيدهم بالمدينة أو غيرها اتباعًا للمصطفى، قال: نافع ففعلت أي: ما أمرني به من الشراء والذبح بالمصلى، ثم حُمِل أي: الكبش المذبوح إليه أي: إلى عبد الله بن عمر كما في (الموطأ) لمالك، فحلق رأسه مقتضى الفاء التعقيبية أن الحلَّاق بعد حمل الكبش إليه والظرف في فقوله: حين ذُبِح بصيغة المجهول كبشه، مجازية؛ لأنها لما وقعت بعدد بقرب كأنها فعلت حينه أو الظرف حقيقة والتجوز في التعقيب، وكان مريضًا لم يشهد العيد صلاته مع الناس، ولعله علة ذبحه في المصلى بدلًا من حصوله بنفسه، فالاستناب في الذبح لا ينافي في أن الأفضل الذبح بيده عن أحسنه، وقدر اتباعًا للفعل النبوي، قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يقول: وليس حِلاق الرأس بكسر أوله، أي: حلق شعر رأسه بواجب على من ضحّى إذا لم يحجّ، وقد فعله عبد الله بن عمر، جملة حالية، هذا الحديث موقوف على عبد الله بن عمر حقيقة، ومرفوع حكمًا، لما في (الصحيحين) عن أنس بن مالك ﵁: كان النبي ﷺ يضحي بكبشين أملحين أقرنين، فذبحهما بنية، وفي (الصحيحين) أيضًا عن ابن عمر ﵄، كان النبي ﷺ يذبح وينحر بالمصلى، وفيه استحباب إبراز الإِمام أضحيته بالمصلى، وفيهما دلالة على أن تلك عادته، ففيه أفضلية الضأن في الضحايا، كما قال مالك،
стр. 1195
وضرورة أنه ﷺ لا يواضب إلا ما هو أفضل، وحديث البيهقي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ يضحي الجزور أحيانًا، وبالكبش إذا لم يجد الجذور، ضعيف، في سنده عبد الله بن عمر، وفيه مقال، وفيه أن الذكر أفضل من الأنثى؛ لأن لحمه أطيب، وندب التضحية بالأقرن، وأنه أفضل من الأحجم الذي لا قرن له، كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بجميع ما رواه نافع هنا عن ابن عمر، إلا في خصلة واحدة أي: تفهم من الأحاديث من عموم الشيء أنه لا يجوز ما لم يبلغ الشيء مطلقًا، والحال أن نقول: الجَذَع من الضأن إذا كان عظيمًا أجزأ أي: كفى وجاز في الهدي والأضحية، والجذع بفتح الجيم والذال المعجمة المفتوحة فعين مهملة ولد الضأن، جاء عليه أكثر من ستة أشهر، وعن الأزهري أن الجذع من الضأن ما أتى عليه ثمانية أشهر، وهو عند الفقهاء ما تم له ستة أشهر، وذكر الزعفراني أنه ابن سبعة أشهر، وتفسير (ق ٦٥٦) العظيم أنه لو خلط بالثنايا اشتبه على الناظر أنه منها، وبذلك أي: بجواز الجذع جاءَت الآثار، أي: وردت الأخبار، منها ما أخرجه مسلم (١) عن جابر ﵁ مرفوعًا: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن"، والخصيّ من الأضحية يجزئ مما يجزئ منه الفحل؛ لأن لحمه أطيب.
وروى أبو داود وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله، وأحمد من حديث عائشة وأبي هريرة وأبي رافع وأبي الدرداء ﵄، أن رسول الله ﷺ ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجودين ثم الذكر من الضأن والمعز أفضل إذا استويا، والأنثى من الإِبل والبقر أفضل إذا استويا، والجواميس كالبقر، والمراد من الهدي ما يُنقل للذبح من النعم إلى الحرم.
وأما الحِلاق، فنقول به بقول عبد الله بن عمر: إنه ليس بواجب على من لم يحجّ في يوم النحر، أي: وأما ما فعله فهو من باب بيان الجواز، وهو أي: ما قاله ابن عمر قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، أي: من أتبع أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال مالك: الأضحية سُنَّة مؤكدة على كل مقيم ومسافر الحج، وليست بواجبة، أي: بفرض، هذا زيادة في البيان لدفع توهم أن مراده شرعت، فلا ينافي الوجوب فبين المراد والحجة في
стр. 1196
السنية ما رواه مسلم (١) من طريق شعبة، عن مالك، عن عمرو بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره"، ولمسلم، غيره من وجه آخر عن أم سلمة مرفوعًا: "إذا دخل العشر - أي: عشر ذي الحجة - فأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئًا"، ففي قوله: أراد دليل على أنها غير واجبة، وصرح بالسنة في حديث الطبراني (٢) عن ابن عباس مرفوعًا: "الأضحية عليَّ فريضة ولا تُكتب عليكم"، قال الحافظ: رجاله ثقات لكن من رفعه خلق فصرح في هذا الحديث بأنها سنة؛ وأن الوجوب في خصائصه.
وروى أحمد (٣) وأبو يعلى (٤) والدارقطني (٥) والحاكم (٦) عن ابن عباس، رفعه: "كُتِبَ عليَّ النحر ولم يُكتب عليكم"، وهو أيضًا في خصائصه لكن إسناده ضعيف وتساهل الحاكم وصححه، وأقرب ما يتمسك به للوجوب الذي ذهب إليه الحنفية، حديث أبي هريرة رفعه: "مَنْ وَجَدَ سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا"، أخرجه ابن ماجه ورجاله ثقات، كذا قاله الزرقاني.
* * *
٦٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر لم يكن يضحي عما في بطن المرأة.
قال محمد: وبه نأخذ، لا يُضَحى عما في بطن المرأة.
стр. 1197
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر ﵄ لم يكن يضحي عما أي: عن جنين في بطن المرأة، أي: لأنه ما خرج إلى دار التكليف.
قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر: لا يُضَحى عما في بطن المرأة، ولعله لا يشبه إلى قول أبي حنيفة إذ لا رواية عنه.
لما فرغ من بيان أجناس الحيوان يجوز الأضحية منها، شرع في بيان حيوان لا يجوز أن يكون أضحية، فقال: هذا
* * *
باب ما يُكره من الضحايا
باب في بيان ما أي: حيوان يُكره أي: كراهة تحريم من الضحايا أو من الحيوانات التي لا تجوز أن تكون أضحية، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الكتاب السابق الإِباحية والحظر.
٦٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو بن الحارث: أن عُبيد بن فيروز أخبره عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ سُئِلَ: ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده، وقال: "أربع"، وكان البراءُ يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يده ﷺ وهي: "العرجاء البين ظلعها، والعوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعجْفاءُ التي لا تُنْقى".
قال محمد: فبهذا نأخذ، فأما العرجاءُ فإذا مشت على رجلها فهي تجزئ، وإذا كانت لا تمشي لم تجزئ؛ وأما العوراءُ فإن كان بقي من البصر أكثر من نصف البصر أجزأت، وإن ذهب النصف فصاعدًا لم تجزئ، وأما المريضة التي فسدت لمرضها، والعجفاءُ التي لا تُنْقَى فإنهما لا يُجزئان.
стр. 1198
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري، مولاهم مصري، يُكنى أبا أيوب، (ق ٦٥٧) ثقة فقيه حافظ، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مصر، ولد سنة اثنين وتسعين بعثه صالح بن أمية من المدينة إلى مصر مؤدبًا لبنيه، مات قديمًا قبل الخمسين والمائة، كذا في (تقريب التهذيب) عَنْ، وفي نسخة: أَنَّ عُبيد بن فيروز الشيباني، مولاهم يُكنى أبا الضحاك والكوفي، نزيل الجزيرة وهي بلده، بناها ابن عمر فوق الموصل، بينهما ثلاثة أيام، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كان ثقة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة أو الجزيرة، كذا قاله ياقوت الحموي وابن حجر في (معجم البلدان)، و (تقريب التهذيب)، أخبره أي: عمرو بن الحارث عن البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، ﵁، نزيل الكوفة، استصغر يوم بدر، فكان لدة ابن عمر، مات سنة اثنين وسبعين، سأل رسول الله ﷺ : ماذا يُتَّقى أي: أي شيء من الحيوانات تحترز عنه من الضحايا؟ بيان بما قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: دل هذا على أن للضحايا صفات يُتقى بعضها، ولو لم يعلم أنها منها شيء، لسئل: هل يتقى من الضحايا شيء؟ فأشار أي: النبي ﷺ بيده، وقال: "أربعًا", أي: تتقي، وفي نسخة: أربع بالرفع، أي: لا يجوز من الضحايا أربع، كما في رواية، وكان البراءُ بن عازب يشير بيده أي: موافقة بما رواه من رسول الله ﷺ ، كما وافقه ﷺ أبو ذر الغفاري ﵁، ومسح يده على أنفه وقال حين روى عنه ﷺ : "رغم أنف أبي ذر".
كما روى مسلم (١) عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة"، وقال أبو ذر: وإن زنى يا رسول الله؟ قال: "وإن زنى"، قال أبو ذر: وإن زنى يا رسول الله؟ قال: "وإن زنى"، قال أبو ذر في المرة الثالثة: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق"، ووضع ﷺ يده على جبهة أبي ذر وأمرَّها على أنفه، وقال تلطفًا: "رغم أنف أبي ذر"، وفي هذا الحديث دليل على إباحة ما يقوله المحدث ويفعله أثناء تحديثه، فما يشوق السامعين للعلم ويؤلف قلوبهم،
стр. 1199
ويقول: يدي أقصر من يده ﷺ أي: حسا ومعنى، هذا من قبيل إطلاق اسم الكل على البعض، ففي رواية ابن عبد البر عن ابن وهب، عن عمرو والليث وابن لهيعة بسندهم عن البراء بن عازب ﵁ أنه يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ ، وأشار بإصبعه، قال: وإصبعي أقصر من إصبع رسول الله ﷺ ، وهو يشير بإصبعه ويقول: "لا يجوز من الضحايا أربع"، وهي: أي: الأربع: العرجاء البين أي: الظاهر ظلْعُها، بفتح الظاء المعجمة، وإسكان اللام، أي: عرجها، وهي التي لا تلحق الغنم في مشيها، وقال أبو حنيفة: تجزئ ويرد عليه الحديث، ولا شك أن العرجاء تجزئ وتمشي، والعرج من صفات المشي، وأما التي لا تمشي فلا يقال لها: عرجاء، فإن خف العرج فلم يمنعها أن تسير بسير الغنم أجزأت، كما هو مفهوم الحديث، والعوراء بالمد تأنيث، البيّن عورها، بفتحتين، كذا قاله علي القاري، وهو ذهاب بصر إحدى عينيها، فإن كان بها بياض قليل على الناظر لا يمنعها الإِبصار، (ق ٦٥٨) أو كان على غير الناظر أجزأت، قاله محمد عن مالك، وهو مفهوم الحديث، والمريضة البيّن مرضها، أي: بأي مرض كان يشرط وضوحه، فهو عام عطف عليه خاصًا، بقوله: والعجْفاءُ بالمد مؤنث أعجف الضعيفة، التي لا تُنْقى، بضم الفوقية وإسكان النون وقاف، أي: لا مخ في عظامها، وفي رواية قاسم بن أصبغ: والكسيرة التي لا تنقي، يريد بها التي لا تقوم ولا تنهض من الهزال.
وهذه العيوب الأربع مجمع عليها، وما في معناها داخل فيها، ولا سيما إذا كانت العلة فيها أبين، فإذا لم تجز العوراء والعرجاء والعمياء ومقطوعة الرجل أخرى وقد أم المرض والعرج الخفيفين، والنقطة اليسيرة في العين، والمهزولة التي ليست بغاية من الهزال تجزئ من الضحايا والهدايا، كما قاله الفاضل الزرقاني (١).
قال محمد: فبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه البراء بن عازب عن رسول الله ﷺ ونغمرها بما تبين, فأما العرجاءُ فإذا مشت أي: إلى المذبح والمرعى على رجلها فهي تجزئ، من الإِجزاء مهموزًا، أي: يكفي ويجوز بها، ولكن قُلبت الهمزة ياء لوقوعها فيها، وانكسار ما قبلها، وإذا كانت لا تمشي أي: بنفسها لم تجزئ؛ في نسخة: لا تجزئ، وأما العوراءُ فإن كان بقي من البصر أي: قوة لأكثر من نصف البصر أجزأت، أي: فإن
стр. 1200
العبرة للأكثر، وفي نسخة: أجزت بلا همزة، وهي لغة، وإن ذهب النصف فصاعدًا لم تجزئ، وأما المريضة التي فسدت لمرضها، أي: تغيرت، والعجفاءُ التي لا تُنقَى فإنهما لا يُجزئان، وكذا لا تجزئ عند أبي حنيفة ما ذهب أكثر ثلث أذنها، أو عينها، أو إليتها، أو ذيلها، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقى أكثر من النصف أجزأه، وهو اختيار أبي الليث، وفي كون النصف فإنهما روايتان عنهما.
لما فرغ من بيان حكم ما يكره في الضحايا شرع في بيان ما ينهى من أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة أيام، فقال: هذا
* * *
باب لحوم الأضاحي
باب في بيان حكم لحوم الأضاحي بتشديد التحتية جمع الأضحية، وهي بضم الهمزة وسكون الضاد المعجمة، وكسر الحاء المهملة، وتشديد التحتية المفتوحة فهاء، حيوان يُذبح في أيام النحر لم ينحر على وجه التقرب.
٦٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، أن عبد الله بن عمر أخبره: أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرتُ ذلك لِعَمْرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق، سمعتُ عائشة أم المؤمنين تقول: دفّ ناسٌ من أهل البادية حضرةَ الأضحى في زمان رسول الله ﷺ ، فقال: "ادّخروا لثلاث ليالٍ، وتصدَّقوا بما بقي"، فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله ﷺ : لقد كان الناس ينتفعون في ضحاياهم يجملون منها الودَك، ويتخذون منها الأسقية، قال: قال رسول الله ﷺ : "وما ذلك" - أو كما قال - قالوا: يا رسول الله نهيتَ عن
стр. 1201
إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال رسول الله ﷺ : "إنما نهيتكم من أجل الدَّافة التي كانت دَفَّت حَضْرَة الأضحى، فكلوا وتصدقوا وادَّخروا".
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة، عن عبد الله بن واقد، بن الحارث بن عبد الله الحنفي، يُكنى أبا رجاء الهروي الخراساني، وهي بلدة عظيمة في طرف الشرق، كانت في الإِقليم الرابع من الأقاليم السبعة، وعبد الله بن واقد، كان ثقة، وموصوفًا بخصال من الخير، وكان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل خراسان، مات سنة بضع وستين ومائة، أن عبد الله بن عمر ﵄، أخبره: أي: عبد الله بن واقد: أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، أي: بعد ثلاث ليال، قال عبد الله بن أبي بكر، فذكرتُ ذلك أي: حديث ابن عمر ﵄ لِعَمْرة بنت عبد الرحمن أي: الأنصارية فقالت: صدق، أي: عبد الله بن واقد، سمعتُ عائشة أم المؤمنين ﵂ تقول: دفّ بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء المفتوحة، أي: أتى ناسٌ من أهل البادية، والدافة الجماعة القادمة، (ت ٦٥٩) قاله ابن حبيب، وقال الخليل: قومٌ يسيرون إلينا، حضرةَ الأضحى بالنصب على الظرفية، أي: وقت الأضحى، في زمان رسول الله ﷺ ، فقال: أي: رسول الله ﷺ : "ادّخروا بتشديد الدال المهملة وأصله تحروا بالمعجمة من الذخيرة، أي: امكسوا واحبسوا منه لثلاث، أي: لثلاث ليالٍ، كما في النسخة، وتصدَّقوا بما بقي"، وهذا كان أمر للوجوب في سنه محط، فلما كان بعد ذلك أي: في العام المقبل، وقد سألوا: هل يفعلون كما فعلوا العام الماضي؟ قال ابن المنير: كأنهم فهموا النهي ذلك العام كان على سبب خاص، والدافة فإذا ورد العام على سبب خاص حال في النفس من عمومه وخصوصه، هو استحالة، فلما كان مظنته الاختصاص عادوا للسؤال، فبيَّن لهم أنه خاص بذلك السبب، ويشبه أن يستدل بهذا من يقول: إن العام يضعف عمومه بالسبب، فلا يبقى على أصالته ولا ينتهي به إلى التخصيص، ألا ترى أنهم لو اعتقد بقاء العموم على أصالته لما سألوا، ولو اعتقدوا الخصوص لما سألوا، بدل سؤالهم على أنه ذو شانين، وهذا اختيار الجويني، كما قاله الزرقاني.
стр. 1202
قيل لرسول الله ﷺ : لقد كان الناس ينتفعون في ضحاياهم أي: في الادخار والتزود ويجملون بسكون الجيم وضم الميم، أي: يذيبون منها الودَك، بفتحتين، أي: الشحم، ويتخذون منها أي: من جلود الضحايا الأسفية، جمع السقاء، وهي: أداة الماء، قال: قال رسول الله ﷺ : "وما ذلك" أي: أي السبب الذي منعهم من الانتفاع، أو كما قال، شك الراوي أي: في هذا المعنى، ولو كان بخلاف المبنى، قالوا: يا رسول الله نهيتَ أي: نهي تحريم عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، أي: ثلاث ليال، فقال رسول الله ﷺ : "إنما نهيتكم من أجل الدَّافة بالدال المهملة، وبعد الألف فاء ثقيلة، أصله لغة الجماعة، التي كانت دَفَّت حَضْرَة الأضحى، أي: في وقته، فكلوا وتصدقوا وادَّخروا، بتشديد الدال المهملة وكسر الخاء المعجمة، أمر استحباب ورخصة، زاد يحيى: يعني أي: رسول الله ﷺ بالدافة قومًا مساكين قدموا المدينة، فأراد أن يعينهم، ولذا قالت عائشة ﵂، وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منها والله أعلم بنيته، وهذا الحديث رواه مسلم من طريق روح بن عبادة، وأبو داود عن القعنبي، كلاهما عن مالك به.
* * *
٦٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزّبير المكي، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد ذلك: "كلوا وتزوّدوا وادَّخروا".
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالادخار بعد ثلاث، والتزوّد، وقد رخّص في ذلك رسول الله ﷺ بعد أن كان نهى عنه، فقوله الآخِرُ ناسخٌ للأوَّل، فلا بأس بالادّخار والتزوُّد من ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.
• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الزّبير المكي، هو محمد بن مسلم، تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة، وضم الراء، الأسدي، مولاهم صدوق، إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ستة ومائة، عن جابر بن عبد الله، الصحابي ابن الصحابي، أنه أخبره، أي: أبا الزبير
стр. 1203
المكي, أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، أي: ثلاث ليال من وقت التضحية، واختلف في أنه كان نهي تحريم أو تنزيه، وصححه المهلب لقول عائشة: التضحية كنا نملح منها، ونقدد (ق ٦٦٠) إلى النبي ﷺ بالمدينة فقالوا: لا نأكل إلا ثلاثة أيام، قالت: وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منه، والله أعلم.
ثم قال بعد ذلك أي: سنة أخرى: "كلوا وتزوّدوا وادَّخروا".
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعلم إلا بما رواه جابر، لا بأس أي: لا كراهة بالادخار بعد ثلاث، والتزوّد، أي: وبالتزود وأيضًا بعد ثلاث، وقد رخّص في ذلك أي: فيما ذكر من الادخار والتزود رسول الله ﷺ بعد أن كان نهى عنه، أي: عما ذكر، فقوله الآخِرُ ناسخٌ للأوَّل، وهو نص يزيل حكم النص الآخر، كما في (صحاح الجوهري). والنسخ بفتح النون وسكون السين المهملة والخاء المعجمة: التغيير، كما يقال: نسخت الريح آثار الدار إذا غيرتها.
والحاصل: أن النسخ فيه جهتان، ففي حق الله تعالى بيان محض لانتهاء الحكم الأول ليس فيه معنى التبديل؛ لأنه كان معلومًا عند الله تعالى أنه ينتهي في وقت كذا بالناسخ، فكان الناسخ بالنسبة إلى علمه تعالى مبينًا للمدة، وفي حق البشر تبديل؛ لأنه أزال ما كان ظاهر الثبوت، ولحقه شيء آخر، وهذا على مثال القتل؛ فإنه بيان انتهاء أجل المقتول عند الله تعالى؛ لأن المقتول ميت بانقضاء أجله عند أهل السنة والجماعة، إذ لا أجل له سواه، وفي حق العباد تبديل وتغيير وقطع للحياة المظنون استمرارها لولا القتل؛ فلهذا يترتب عليه القصاص وسائر الأحكام، لأنا أمرنا إيراد الأحكام على الظواهر، كذا قاله عبد اللطيف بن الملك في (شرح المنار)، فلا بأس أي: لا كراهة بالادّخار والتزوُّد من ذلك، أي: من لحم الضحايا، وهو أي: جواز الادخار من لحوم الضحايا، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
٦٣٦ - أخبرنا مالك, أخبرنا أبو الزبير المكيّ، أن جابر بن عبد الله أخبره: أن رسول الله ﷺ كان نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد ذلك: "كُلوا وادَّخروا وتَصدَّقُوا".
стр. 1204
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يأكل الرجل من أضحيته ويدّخر ويتصدق، وما نحب له أن يتصدق بأقل من الثلث، وإن تصدّق بأقل من ذلك جاز.
• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الزبير المكيّ، هو محمد بن مسلم الأسدي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات سنة ست ومائة بعد الهجرة، أن جابر بن عبد الله أخبره: أن رسول الله ﷺ كان في أول الأمر نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، أي: ثلاث ليال، ثم قال بعد ذلك: "كُلوا وادَّخروا أي: هيئوا لحوم الضحايا ذخيرة للأيام والأشهر، وتَصدَّقُوا".
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله ﷺ : لا بأس أي: لا كراهة بأن يأكل الرجل من أضحيته ويدّخر ويتصدق منها، لما قال تعالى في سورة الحج: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ولا نحب أي: لا نرى حسنًا له أي: لصاحب الأضحية أن يتصدق بأقل من الثلث، وإن تصدّق بأقل من ذلك أي: الثلث جاز، وكذا جاز لو لم يتصدق بشيء من لحم أضحيته.
لما فرغ من بيان حكم لحوم الضحايا، شرع في بيان حكم حال الرجل يذبح أضحيته قبل الصبح أو قبل صلاة العيد، فقال: هذا
* * *
باب في الرجل يذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى
باب في بيان حكم الرجل يذبح أضحيته قبل أن يغدو أي: قبل أن يدخل الصباح، هذا في حق أهل القرى، أو قبل أن يصلي صلاة العيد، وهذا في حق أهل المصر يوم الأضحى، هذا ظرف لقوله: قبل أن يغدو؛ لأن ذبح الأضحية قبل الصبح بعد يوم الأضحى إلى قبيل غروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق يصح للمصري والقروي. وجه المناسبة بين هذا الباب بين الباب السابق (ق ٦٦١) بيان المعنى المتضاد؛ لأن في الباب السابق بيان نسخ الحكم السابق وتبديله في هذا الباب بيان إبقاء الحكم السابق على حاله.
стр. 1205
٦٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبّاد بن تميم: أن عُوَيمر بن أشقر ذبح أضحيته قبل أن يغدوَ يومَ الأضحى، وأنه ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمره أن يعود بأضحية أخرى.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا كان الرجل في مصر يصلي فيه العيد فذبح قبل أن يصلي الإِمام فإنما هي شاة لحم، ولا تجزئ من الأضحية، ومن لم يكن في مصر وكان في بادية أو نحوها من القرى النائية عن المصر؛ فإن ذبح حين يطلع الفجر أو حين تطلع الشمس أجزأه، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة أخبرنا، وفي أخرى: ثنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، عن عبّاد بفتح العين المهملة، وفتح الموحدة المشددة فالألف والدال مهملة ابن تميم، بفتح الفوقية وكسر الميم وسكون التحتية، فميم ثابتة، ابن غزيَّة الأنصاري المازني المدني، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقد قيل: له رؤية، أن عُوَيمر بضم العين المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الميم فراء مُصغر عامر بن أشقر، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف فراء مهملة، ابن عدي الأنصاري المازني، كذا نسبه ابن عبد البر، يُكنى أبا عمر، ذبح أضحيته قبل أن يغدوَ من الغدوة، وهي بالضم البكرة، من بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وفي رواية أنه ذبح قبل الصلاة يومَ الأضحى، أي: عيده، وهو اليوم الأول، ويومًا بعده، لما روى مالك في (الموطأ) عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى، قال مالك: وبلغني أن علي بن أبي طالب كان يقول مثل ذلك، وأنه ذكر ذلك أي: الذبح المذكور على وجه المسطور لرسول الله ﷺ ، أي: بعد ما صلى، فأمره أن يعود بأضحية أخرى، أي: بأن يذبح بدلها، وأنه لم يصادف، (ق ٦٦٢) قال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في هذا الحديث، وظاهر اللفظ الانقطاع؛ لأن عبادًا لم يدركه الوقت،
стр. 1206
ولذا زعم ابن معين أنه مرسل، لكن سماع عباد من عويمر ممكن، وقد صرح به في رواية عبد العزيز الدراوردي عن يحيى بن سعيد، عن عباد بن تميم أن عويمر بن أشقر أخبر أنه ذبح قبل الصلاة، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ بعد ما صلى فأمره أن يعيد أضحيته، وفي رواية حماد بن سلمة عن يحيى بن عباد عن عويمر أنه ذبح قبل أن يصلي فأمره ﷺ أن يعيد، فهاتان الروايتان تدلان على غلط يحيى بن معين، وأن قوله ذلك ظن لم يصب فيه، انتهى ملخصا.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن عباد بن تميم إذا كان الرجل في مصر يصلي فيه العيد أي: صلاته فيه صفة كاشفة، فذبح قبل أن يصلي الإِمام فإنما هي أي: المذبوحة شاة لحم، أي: لا قربة، ولا تجزئ بضم المثناة، وسكون الجيم، وكسر الزاي، وسكون التحتية، أي: لا تكفي الشاة من الأضحية، لما أخرجه الشيخان عن البراء بن عازب قال: ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاة لحم"، فقال: "ضحي بها ولا تضح لغيرك، من ضحى قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين"، ومن لم يكن في مصر (ق ٦٦٣) أي: يصلي فيه، وكان في بادية عطف تفسيري أو نحوها من القرى النائية أي: البعيدة عن المصر أي: جنسه احتراز من القرى التي في فناء مصر، فإن حكمها كحكمه، فإن ذبح حين يطلع الفجر أي: الفجر الثاني، أو حين تطلع الشمس وما بعده أجزأه، وأو للتخيير، والأفضل هو الأخير للمشابهة بأهل المصر.
والحاصل: أن يغير ذبح الأضحية عن الصلاة في حق من عليه صلاة العيد، وهو المصري دون أهل السواد؛ لأن التأخير لاحتمال التشاغل عن الصلاة، ولا معنى له في حق القروي، إذ لا صلاة عليه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وذهب مالك والشافعي والأوزاعي أنهم لا يجوزونها بعد الصلاة، وقبل ذبح الإِمام لأهل المصر، لحديث مسلم عن جابر أن النبي ﷺ صلى يوم النحر بالمدينة فسبقه رجال وظنوا أنه قد نحر، فأمره ﷺ "من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحر حتى ينحر"، وقال الحسن في قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، نزلت في قوم ذبحوا قبل النبي ﷺ فأمرهم أن يعيدوا، أخرجه ابن المنذر، لكن هذا من خصائص النبي ﷺ ، لما يدل عليها هذه الآية، وجوز أبو حنيفة والليث والثوري الذبح بعد
стр. 1207
الصلاة وقبل ذبح الإِمام لحديث البراء بن عازب، مرفوعًا من نسك قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم، لكن الأولى لصاحب الأضحية أن يؤخر ذبحها ليقع بعد ذبح الإِمام أضحيته احتياطًا، وعملًا بأقوال جميع الأئمة، كما قاله الزرقاني.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل الذي يذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى، شرع في بيان أجناس الحيوانات يجوز منها الأضحية، وبيان كمية الشركاء في الأضحية، فقال: هذا
* * *
باب ما يجزئ من الضحايا عن أكثر من واحد
باب في كمية ما يجزئ أي: يكفي من الضحايا، بيان بما عن أكثر من واحد، متعلق بيجزئ عن وجه التنازع، أي: باب في بيان أضحية فيها اشتراك سبعة رجال أن يذبحوها للتقرب، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى الاختلاف بين الأئمة واتفاقهم.
٦٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عُمارة بن صياد: أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا أيوب صاحب رسول الله ﷺ أخبره، قال: كنا نضحّي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد ذلك، فصارت مباهاة.
قال محمد: كان الرجل يكون محتاجًا فيذبح الشاة الواحدة يضحي بها عن نفسه؛ فيأكل ويُطعم أهله، فأما شاةٌ تُذبح عن اثنين أو ثلاثة أضحية فهذه لا تجزئ، ولا تجزئ الشاة إلا عن الواحد، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا عُمارة بضم العين المهملة، وتخفيف الميم الممدودة، فرواها ابن صياد بفتح الصاد المهملة وتشديد التحتية
стр. 1208
فألف ودال، اسم جده واسم أبيه أكيمة، بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية، وفتح الميم والهاء، مصغر أكمه، وهو الذي وُلِدَ من أمه عمي، يكنى أبا الوليد الليثي، المدني، ثقة كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين, من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، أن عطاء بن يسار الهلالي، يُكنى أبا محمد المدني، مولى ميمومة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، أخبره أن أبا أيوب هو خالد بن زيد الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ أخبره، قال: كنا نضحّي بالشاة الواحدة أي: من الأغنام يذبحها الرجل عنه أي: عن نفسه وعن أهل بيته أي: تطوعًا، (ق ٦٦٣) ثم تباهى الناس أي: تفاخروا وتكاثروا بعد ذلك، فصارت أي: التضحية مباهاة، أي: مبالغة ومفاخرة، فبعدت عن السنة، فإنما عاب ذلك للمباهاة.
قال محمد: كان الرجل يكون محتاجًا أي: إلى اللحم وفقيرًا لا يجب عليه التضحية، فيذبح في يوم النحر الشاة الواحدة أي: للتبرك لا للتقرب، يضحي أي: الرجل المسلم المقيم لصاحب النصاب، بها أي: الشاة الواحدة عن نفسه للتقرب، فيأكل أي: صاحب الأضحية عن أضحيته، ويُطعم أهله أي: يطبخ لحم أضحيته ويدعو أتباعه ويحضرهم عنده، ويجعل اللحم المطبوخ بين يديهم، ويأمرهم بأن يأكلوا، ويعطيهم اللحم غير مطبوخ، والإِطعام على هذين المعنيين أعم من الإِعطاء صورته من حنث في يمينه يجوز له أن يُكَفِّر بأن يدعو بعشرة مساكين ويشبعهم في الغداة والعشي، أو يدفع يد كل واحد منهم نصف صاع من بر أو صاعًا من تمر أو شعير، فأما الزكاة وصدقة الفطر فتدفعان بأيدي الفقراء فقط، كما ذكرناه في كتاب الزكاة من (سلم الفلاح).
فأما شاةٌ واحدة تُذبح بصيغة المجهول، عن اثنين أو ثلاثة أضحية أي: بطريق الوجوب، فهذه أي: أضحية الشاة الواحدة عن متعدد، لا تجزئ أي: لا تكفي، ولا تجزئ الشاة إلا عن الواحد، إذا كانت واجبة عليه، وهذا كالتأكيد لما قبله، وهو أي: جواز أضحية الشاة الواحدة عن رجل واحد، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
стр. 1209
٦٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزّبير المكي، عن جابر بن عبد الله، قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحُديبيَة البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة في الأضحية والهدي؛ متفرقين كانوا أو مجتمعين، من أهل بيت واحد أو غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا أبو الزّبير المكي، هو محمد بن مسلم الأسدي، مولاهم، صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات سنة ست ومائة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ﵄، على ما رواه الجماعة إلا البخاري، قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحُديبيَة أي: عام الحديبية بضم الحاء المهملة وفتح الدال وسكون التحتية وكسر الموحدة وفتح التحتية الثانية المخففة فهاء على المشهور، أو بينه وبين مكة عشرة أميال، أو خمسة عشر ميلًا عن طريق جدة قريبًا من جدة، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، على معنى أنهم اشتركوا في الأجر، وكان القياس أنه لا يجوز البقرة أو البعير إلا عن فرد؛ لأن الإِراقة واحدة، وهي القربة، إذ تركناه لهذا الحديث ولا نص في الشاة، فبقيت على أصل القياس، ثم كل من البقرة والبعير يجوز عن ستة، وعن خمسة، وعن ثلاثة، على ما ذكره محمد في الأصل، وعن اثنين على أصح الروايتين؛ لأنه إذا أجاز عن السبعة فعن ما دونهم أولى، ولا يجوز عن ثمانية أخذًا بالقياس فيما لا نص فيه، فكذا أخرج الترمذي (١) وقال: حديث حسن غريب، والنسائي (٢) وأحمد (٣) وابن حبان (٤) في
стр. 1210
(صحيحه) عن ابن عباس ﵄، أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة سبعة رجال، كما قاله علي القاري، لكن إنما يجوز الاشتراك عن سبعة إذا لم يكن لأحدهم أقل من سبع، وهي بضم السين والموحدة والعين المهملة جزء واحد من سبعة أجزاء، حتى إذا مات رجل وترك ابنًا وامرأة وبقرة وضحيا بها لم يجز في نصيب الابن أيضًا لفوات وصف القربة في البعض، وعدم تجزيء هذا الفعل في كونه قربة، كذا نقله صاحب (الدرر) عن (الكافي).
(ق ٦٦٤) وندب كون الاشتراك قبل الشراء ليكون أبعد عن الخلاف بين الأئمة، حيث قال زفر: من اشترى بدنة لأضحية ثم جعل ستة رجال شركاء له في بدنة مشربة لا يجوز؛ لأنه أعدها للقربة، فلا يجوز بيعها ولا رجوع عنها، كذا في (المورد).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما يجوز شركة سبعة رجال في بقرة لأضحية ولغيرها من القربات بما رواه أبو الزبير المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري وبغيره، البدنة والبقرة أي: كل منهما تجزئ أي: تكفي عن سبعة في الأضحية والهدي؛ وغيرها من الكفارة والنذر والعقيقة، متفرقين أي: حال كون الشركاء أجانب أو مجتمعين من أهل بيت واحد أو غيره، أي: ولو كانوا من بيوت متعددة إن لم يكن لفرد منهم أقل من سبع، كما ذكر آنفًا ولم يكن أحدهما كافرًا أو يريد اللحم، وهو أي: جواز اشتراك سبعة رجال في الأضحية والهدي، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وتقسيم لحم الأضحية وزنًا لأجزاء إلا إذا ضم معه من أكارعها أو جلودها ليكون في جانب شيء من اللحم ومن الأكارع أو ليكون في كل جانب شيء من اللحم وبعض الجلد فحينئذٍ يجوز صرفًا للجنس إلى خلاف الجنس.
لما فرغ من بيان ما يجزئ من الضحايا عن أكثر من واحد، شرع في بيان الذبائح، فقال: هذا
* * *
باب الذبائح
باب في بيان الذبائح، جمع ذبيحة، فعيل بمعنى مفعول يعني: مذبوح، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، ويقال للمذبوح: ذبيحة، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية
стр. 1211
فيكون الذبيحة اسمًا للحيوان المذبوح، وهو أي: الباب في اللغة: النوع سطلقًا، وفي العُرف: نوع من المسائل التي اشتمل عليها الكتاب، كذا قاله الشمني.
قوله: بابٌ بالتنوين، خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا باب أو بالوقوف فلا نصيب له من الإِعراب، فإضافة الباب إلى الذبائح بمعنى في تقديره: هذا باب كائن في بيان الذبائح، وإضافته إليها من قبيل إضافة العام إلى الخاص، وإنما اختار المصنف الذبائح بلفظ الجمع إشعارًا إلى أنواع الذبيحة فإن بعضه مباح الأكل وبعضه حرام، أما مباحه: ما ذُبح بذكر اسم الله تعالى عليه، وأما حرامه فما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه، وأنه فسق، والناسي لا يسمى فاسقًا كما هو ظاهر في الآية، وإنما قدم باب ما يجزئ من الضحايا عن أكثر من واحد على باب الذبائح اعتناءً لشأن الضحايا؛ لأنها تذبح للتقرب إلى الله تعالى. والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى إراقة الدم مطلقًا.
٦٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن رجلًا كان يرعى لِقْحة له بأُحُدِ، فجاءَها الموت فذكّاها بشِظاظٍ، فسأل رسول الله ﷺ عن أكلها، فقال: "لا بأس بها فكلوها".
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا زيد بن أسلم، أي: العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة، عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، عن عطاء بن يسار الهلالي، يُكنى أبا محمد المدني، مولى ميمومة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من صغار التابعين، من أهل المدينة، ومات سنة أربع وتسعين، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، أن رجلًا أي: من الأنصار من بني حارثة، وهو بطن من الأوس، كان يرعى لِقْحة له بكسر اللام وسكون القاف والحاء المهملة المفتوحة فهاء: ناقة ذات لبن، بأُحُدِ وهو بضمتين: جبل عظيم (ق ٦٦٥) قريب من
стр. 1212
المدينة، وقد ورد في حقه: "أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه"، فجاءَها أي: فأصاب اللقحة الموت أي: مقدماته، فذكّاها بتشديد الكاف، أي: فذبحها، كما في نسخة، بشِظاظٍ بكسر السين المعجمة وإعجام الظائين: العود المحدد، وفسِّر في بعض طرق الحديث بالوتد، كذا نقله علي القاري عن السيوطي، وفي رواية أيوب: فنحرها بوتد، فقلت لزيد وتد من حديد ومن خشب؟ قال: بل من خشب، وفي رواية يعقوب بن جعفر عن زيد عن عطاء، فأخذها الموت فلم يجد شيئًا ينحرها به، فأخذ وتدًا فذكاها به، حتى طرق دمها، فعلى هذا فالشظاظ الوتد، فسأل رسول الله ﷺ عن أكلها، فقال. "لا بأس أي: لا كراهة بها كلوها، وفي نسخة: فكلوها بالفاء أمر إباحة، ففيه دليل على أن الذبح يحل بكل ما فيه حدة كالقصب والحجر، قال أبو عمر، أي: ابن عبد البر: هذا مرسل عند جميع الرواة، ووصله أبو العباس محمد بن إسحاق السراج من طريق أيوب والبزار من طريق جرير بن حازم، كلاهما عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري.
* * *
٦٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن رجل من الأنصار: أن معاذ بن سعد - أو سعد بن مُعاذ - أخبره أن جارية كانت لكعب بن مالك ترعى غنمًا له بسَلْع، فأصيبت منها شاة فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "لا بأس بها فكلوها".
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، كل شيء أفرى الأوداج وأنهر الدم فذبحتَ به فلا بأس بذلك، إلا السن والظفر والعظم، فإنه مكروه أن يذبح بشيءٍ منه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن رجل من الأنصار، يحتمل أنه
стр. 1213
ابن كعب بن مالك، كما في رواية البخاري عن عبد الله عن نافع عن ابن كعب بن مالك عن أبيه، والابن عبد الرحمن، كما رجحه الحافظ، وقيل: عبد الله، وبه جزم المزي في (الأطراف)، أن معاذ بن سعد أو سعد بن مُعاذ شك من الراوي، وسعد هذا أشهلي، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، ودارهم أول دار أسلمت من الأنصار، وسماه رسول الله ﷺ سيد الأنصار، شهد بدرًا وأُحدًا وغيرها، أخبره أن جارية أي: لا تسم لكعب بن مالك الأنصاري والصحابي الخزرجي، شهد العقبة الثانية، وكان أحد شعراء النبي ﷺ ، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وكف بصره في آخر عمره، كانت ترعى غنمًا له أي: قطعة غنم لكعب بن مالك، بسَلْع، بفتح السين المهملة، وسكون اللام، فعين مهملة: جبل بالمدينة، ومتعلق بترعى، فأصيبت منها شاة بصيغة المجهول، أي: أصابت مقدمة الموت شاة من تلك الغنم، فأدركتها أي: الجارية بتلك الشاة حيّة، فذبحتها بحجر، وفي نسخة: ثم ذبحها ولكنه بمعنى الفاء التعقيبية، كما قال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "لا بأس بها فكلوها". والحديث أخرجه البخاري أيضًا عن كعب بن مالك، أن جارية كانت لهم ترعى بسلع فأبصرت شاة من غنمها موتًا فكسرت حجرًا فذبحتها، (ق ٦٦٦) فقال كعب لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبي ﷺ فأسأله أو حتى أرسل إليه، فأتى النبي ﷺ أو بعثه إليه فأمر النبي ﷺ بأكلها، فالأمر باقي، وفيه جواز التزكية بالحجر، وجواز ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أم أمة كبيرة كانت أو صغيرة، طاهرة كانت أو غير طاهرة؛ لأنه ﷺ أباح ما ذبحته ولم يستفصل، وهذا قول الجمهور، ومالك في (المدونة)، والشافعي، ونقل ابن عبد الحكم عن مالك الكراهة، وأخرجه البخاري عن إسماعيل عن مالك، وتابعه عبيد الله وجويرية بن إسماعيل عند البخاري، والليث بن سعد عند الإِسماعيلي وعلَّقه البخاري الثلاثة عن نافع، كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سعد بن معاذ، كل شيء أفرى بفتح الهمزة وسكون الفاء قراءة مفتوحة وتحتية على وزن أقطع لفظًا ومعنًا،
стр. 1214
الأوداج بفتح الهمزة وسكون الواو ودال مهملة، فألف وجيم: جمع ودج، أي: العروق التي تحيط بالعنق لقطع في الذبح، أي: كل محدة تشق العروق المحيطة بالعنق، وأنهر الدم أي: أساله وكثر، فذبحتَ به فلا بأس بذلك، أي: الذبح بكل ما وصف، إلا السن والظفر بفتحتين وسكون الثاني، وبكسر السين وتشديد النون، وذلك لما أخرجه البخاري (١) عن عبادة بن رفاعة بن رافع عن جده، أنه قال: يا رسول الله، ليس لنا مدي، فقال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس الظفر والسن، أما الظفر فمدي الحبشة، وأما السن فعظم"، والعظم أي: مطلقًا، فإنه مكروه أن يذبح بشيءٍ منه، وذلك أن العظم يتنجس بالدم إذا ذبح به، وقد نهينا عن تنجيسه لأنه زاد إخواننا من الجن، وأما الظفر فإن الجِنَّة يحلونه محل المدي، ومذهبنا النهي عن التشبه بالكفار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
قال صاحب (الهداية): فكلموا في معنى المكروه والمروي عن محمد نصًا أن كل مكروه حرام؛ إلا أنه لم يجد نصّا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ الحرام، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب. انتهى. وهذا في كراهة التحريم، وفي (الحاشية اليعقوبية) أن المكروه كراهة التنزيه، وعند محمد كان تركه أولى مع عدم المنع عن الفعل، ويقابله المندوب، أي: ما كان فعله أولى مع عدم المنع عن الترك. انتهى.
وفي كلام ابن الهمام أن الحرام في مقابلة الفرض، وكراهة التحريم في مقابلة الوجوب، وكراهة التنزيه في مقابلة السنة، كما قاله علي القاري.
* * *
٦٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب أنه كان يقول ما ذبح به إذا بَضَعَ فلا بأس به إذا اضْطُررتَ إليه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بذلك كلِّه، على ما فسرت لك، وإن
стр. 1215
ذُبِح بسنٍّ أو ظفر منزوعين فأفرى الأوْداج وأنْهر الدم أكل أيضًا، وذلك مكروه وإن كانا غير منزوعين فإنما قتلها قتلًا فهي ميتة لا تؤكل، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته (ق ٦٦٧) أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، أنه كان يقول ما أي: جارح ذبح به بصيغة المجهول إذا بَضَعَ بفتح الموحدة وتشديد الضاد المعجمة، وقد يخفف أي: إذا قطع الحلقوم والودجين، فلا بأس به، أي: لا كراهة في الذبح بالمحددة، إذا اضْطُررتَ إليه، أي: إن احتجت إليه في الذبح أشد الاحتياج، وإلا فالمستحب الذبح بالحديد المشحوذ لحديث: "وليحد شفرته"، وذكاة الضرورة جرح أين ما كان من البدن، وذكاة الاحتياج بين الحلق واللبة وهي الصدر، وعروق الذبح الحلقوم وهي مجرى النفس، والمريء، وهي مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما مجرى الدم، وهل الذبح بقطع الثلاث منهما، عند أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أولًا، ثم رجع إلى أنه لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وعن محمد أنه لا بد من قطع أكثر من واحد من الأربعة، وهو رواية عن أبي حنيفة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب: لا بأس بذلك كلِّه، أي: لا كراهة في الذبح بكل محدة، على ما فسرت لك، أي: بينت وسرحت فإن في نسخة: وإن بالواو ذُبِح بسنٍّ أو ظفر منزوعين أي: مقطوعين ومفصولين عن محلهما، فأفرى الأوْداج وأنْهر أي: أسال الدم أكل أيضًا، أي: كما أكل المذبوح بكل محدة وفيه خلاف للشافعي، وذلك مكروه؛ لأن في الذبح بسن أو ظفر تشبه بالكفار كما مرّ، لكن ينبغي التحرز أو يستحب الخروج من الخلاف؛ ولأن الدليل من الحديث مطلق، فإن كانا أي: السن والظفر غير منزوعين بأن يكونا قائمين في محلهما، فإنما قتلها أي: الذبح قتلًا، أي: غير ذبح شرعي، فالضمير المنصوب عائد إلى المذبوح باعتبار النفس، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أو باعتبار الميتة، كما فسرت
стр. 1216
بقوله: فهي ميتة لا تؤكل، وهو قولُ أبي حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن مالك بن شيبان الكوفي، كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين، من أهل الكوفة، مات ببغداد في سنة خمسين ومائة بعد الهجرة، وهو ابن سبعين سنة.
لما فرغ من بيان حكم الذبائح، شرع في بيان حكم الصيد، فقال: هذا
* * *
باب الصيد وما يُكره أكله من السباع وغيرها
باب في حكم الصيد أي: مطلقًا، سواء كان حلالًا أكله أو حرامًا، وهو مصدر من صاد يصيد، وقد يطلق على المصطاد، والمراد هنا الاصطياد، وما أي: وبيان حكم المصطاد يكره من السباع، بيان بما نحو الأسد والفهد والثعلب والذئب وغيرها، لكن يجوز اصطيادها للانتفاع بجلدها وغيره.
وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الحل والحرمة فيهما.
٦٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ثعلبة الخُشَني: أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي نابٍ من السباع.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، عن أبي إدريس الخَوْلاني، بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو واللام الممدودة فنون مكسورة فتحتية نسبة إلى خولان بن مالك، كان ابن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، وكان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين، من أهل الشام، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني عالم الشام بعد أبي الدرداء، مات سنة ثمانين بعد الهجرة، كما قاله ابن حجر. عن أبي ثعلبة الخُشَني ﵁، بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة بعدها نون، منسوب إلى بني خشين، صحابي مشهور بكنيته، بايع
стр. 1217
النبي ﷺ بيعة الرضوان، وأرسله إلى قومه فأسلموا، وقيل: اسمه جرثوم أو جرثمة أو جرثم، أو جرهم، أو لاثر، أو لاشر، أو لاشق، أو لاسوق، واختلف في اسم أبيه أيضًا، فقيل: عمرو، أو قيل: قيس، وغير ذلك، قال ابن الكلبي: قال أبو ثعلبة الخشني: إني لأرجو الله أن لا يحنقني كما أراكم تحنقون عند الموت، فبينما هو يصلي في جوف الليل قُبِضَ وهو ساجد، فرأت ابنته في النوم أن أباها قد مات، فاستيقظت فزعة فقالت: أين أبي؟ فقيل لها: في صلاة، فنادته فلم يجبها، فوجدته ساجد فحرَّكته، فسقط ميتًا، سكن الشام أو حمص، ومات سنة خمس وسبعين، وقيل غير ذلك بكثير بعد الأربعين في أواخر خلافة معاوية، كما قاله الزرقاني، أن رسول الله ﷺ نهى أي: نهي تحريم عن أكل كل ذي نابٍ، قال ابن الأثير: الناب السن التي خلف الرباعية، والمراد كل ذي ناب مطلقًا، أو المراد ناب يعدو به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبًا، بخلاف غير العادي كثعلب وضبع، وبه قال الليث والشافعي، وأصحاب مالك المدنيين، من السباع، بكسر السين المهملة جمع السبع بفتح وضم ويسكن بها وبها قُرئ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ الآية [المائدة: ٣]، وقيل: سُمي به لأنه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر، ولا تلد الأنثى أكثر من سبعة أولاد، ولا ينزو الذكر من الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره، كما قاله علي القاري، فمن للتبعيض أو للجنس، إذ المراد يعدو به كما علم بقرنية قوله: ناب، ولم يقل: كل سبع تنبيهًا على الافتراس والتعدي وإلا فلا فائدة بذكر الناب، إذ السباع كلها ذات أنياب، وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها، وأما الثعلب فورد في تحريمه حديث خزيمة بن جزء عند الترمذي وابن ماجه، ولكن سنده ضعيف، كما في (الفتح)، وقال في (النهاية): ذكر في بعض المواضع أن الخفاش يؤكل، وذُكِرَ في بعضها أنه لا يؤكل لأنه من السباع. انتهى.
* * *
٦٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم، عن عُبَيْدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أكل كل ذي نابٍ من السباع حرام".
стр. 1218
قال محمد: وبهذا نأخذ، يكره أكل كُلّ ذي نابٍ من السباع، وكلِّ ذي مِخْلب من الطير، ويكره من الطير أيضًا ما أكل الجيفَ مما له مِخلب، أو ليس له مخلب، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقول إبراهيم النَّخَعي.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم القرشي مولاهم المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة، من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن عَبَيْدة بفتح العين المهملة وكسر الموحدة، ابن سفيان بن الحارث الحضرمي، أي: منسوب إلى حضرموت المدني التابعي الثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن أبي هريرة، ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أكل كل ذي نابٍ من السباع حرام".
(ق ٦٦٩) فذكره بلفظ حديث أبي ثعلبة الخشني على رواية يحيى، وهو نص في حرمة الحيوان المفترس، ورواه مسلم من طريق ابن مهدي، وابن وهب عن مالك به، قال مالك: وهو الأمر المعمول به عندنا بالمدينة، قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، وعن بعضهم لا يحرم، وظاهر مذهب (الموطأ) التحريم.
ورواه ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك نصًا، ورجحه ابن عبد البر، وقيل: مكروه عملًا على الكراهة، ولفظ حرام شذ به يحيى عن رواية (الموطأ) في حديث أبي ثعلبة لكنهم اتفقوا على لفظ حرام في حديث أبي هريرة، فيُحمل على المنع الصادق على الكراهة، وهو المشهور في المذهب، كما قال ابن العربي وغيره، وظاهر المذهب لقول مالك فيها: لا أحب أكل السبع والثعلب والذئب والهرة الوحشي والإنسي ولا شيء من السباع، والقول الثالث لأصحاب مالك المدنيين الفرق بين ما يعدو كالأسد والنمر فيحرم، وبين ما لا يعدو كالضبع والهرة والثعلب والذئب فيكره، نقله عنهم ابن حبيب، ووجه المشهور قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، فإنه يدل على عدم غير ما فيها لكن نفي الحرمة لا يقتضي الحل عينًا، بل يحتمل الكراهة أيضًا، فاحتيط بذلك، وتعقب بأن الآية مكية، وحديث التحريم بعد الهجرة باتفاق، وبأنها خرجت مخرج الرد على شيء خاص وهو ما حكى الله عنهم بقوله
стр. 1219
تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وأُجيب بأن الحديث لا دليل فيه على الحرمة لاحتمال أكل مصدر مضاف إلى الفاعل، فيكون كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]، وقال ابن عبد البر: إن النهي أن تنظر إلى ما ورد فيه، فإن ورد على ملكك فهو نهي إرشاد كالأكل بالشمال وأخذ الكتاب به، والاستنجاء باليمين، وما ورد غير ملكك فهو على التحريم كالشفاء، وعن قليل ما أُسكر كثيره، وعن بيع حبل الحبلة، واستباحة الحيوان من هذا القسم، قال: وحمل النهي عن التنزيه ضعيف لا يعضده دليل صحيح. انتهى، وهو على اختياره ترجيح التحريم، كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبيدة بن أبي سفيان بن الحارث الحضرمي عن أبي هريرة ﵁، يكره أي: يحرم أكل كُلّ ذي نابٍ من السباع، وكلِّ ذي مِخْلب من الطير، لما روى أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير، ويكره أي: يحرم من الطير أيضًا أي: كما يحرم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير ما أكل الجيفَ بكسر ففتح جمع جيفة، وهي: النجاسة، مما له مِخلب، أو ليس له مخلب، أي: هما سيان، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقول إبراهيم النَّخَعي.
لما فرغ من بيان حكم الصيد الذي يكره أكله من كل ذي ناب ومخلب، شرع في بيان حكم الضب، فقال: هذا
* * *
باب أكل الضب
باب في بيان حكم أكل الضب، بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الموحدة دويبة معروفة بأرض اليمن وأرض نجد، ولم تكن بأرض الحجاز، يقال لها باللسان التركي: (كلي)، وإنما سميت ضبًا لقربها (ق ٦٧٠) إلى الأرض؛ لأن الضب في الأصل الالتصاق
стр. 1220
بأرض، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، قال السيوطي: الضب دويبة لطيفة من خصياته أن له ذكرين في أصل واحد، يعيش سبعمائة سنة ولا يشرب الماء، بل يكتفي بالنسيم، وهو ريح الصباح، ويبول في كل أربعين يومًا قطرة، ولا يسقط له سن، وما أحسن قول حاتم الأصم شعرًا:
وكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
يكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... فللضب في البيداء وللحوت في البحر
والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق ظاهرة.
٦٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنيف عن عبد الله بن عباس، عن خالد بن الوليد بنِ المغيرة، أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة زوج النبي ﷺ ، فأُتي بضبّ مَحْنوذ فأهْوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي كنّ في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل منه، فقيل: هو ضبّ، فرفع يده، فقلتُ: أحرامٌ هو، قال: "لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي؛ فأجدُني أعافه"، قال: فاجْتَرَرْتُه، فأكلتُ ورسول الله ﷺ ينظر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، عن أبي أُمامة أي: سعد أو أسعد بن سهل بن حُنيف بالتصغير الأنصاري، له رؤية، وأبوه صحابي بدري، عن عبد الله بن عباس، عن خالد بن الوليد بن المغيرة، أي: المخزومي، يقال له: سيف الله، أنه أي: خالد بن الوليد دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة زوج النبي ﷺ ، فأُتي بفتح الهمزة، أي: فجيء بضبّ مَحْنوذ، بفتح الميم وسكون
стр. 1221
الحاء المهملة، وضم النون، فواو ساكنة، ثم ذال معجمة، أي: مشوي بالحجارة المحماة بالنار، ومنه قوله تعالى في سورة هود: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]، فأهْوى بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح الواو فتحتية، أي: مد إليه أي: إلى الضب المشوي رسول الله ﷺ وكم يده أي: ليأخذه فيأكله، فقال بعض النسوة التي، وفي نسخة: اللاتي كنّ في بيت ميمونة أي: لم يسم النسوة، والقائل ميمونة، كما في مسلم وغيره: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل منه، والمعنى: سموه باسمه لمعرفة حكمه، فقيل: أي: بعضهن: هو ضبّ، ولفظ مسلم من طريق ابن الأصم عن ابن عباس، فقالت ميمونة: يا رسول الله إنه لحم ضب، فرفع يده، أي: امتنع من أكله، قال خالد: فقلتُ: أحرامٌ هو؟ أي: حيث امتنعت من أكله؟ قال: "لا، أي: ليس بحرام، ولكنه أي: الضب لم يكن بأرض قومي؛ أي: من الحجاز الذي يسكنه قريش، فأجدُني أي: نفسي وطبعي أعافه"، بفتح الهمزة وضم الفاء، أي: أكرهه، ومعنى الاستدراك هنا تأكيد الخبر، كأنه لما قال: "ليس بحرام" قيل: ولم لا تأكله أنت؟ قال: "لأنه لم يكن بأرض قومي"، والفاء للسببية في فأجدني، قال: أي: خالد بن الوليد، كما رواه ابن بكير بن الأشج عن مالك: فاجْتَرَرْتُه، بجيم ساكنة ففوقية فراء مكسورة، أي: جررته فأكلتُ، وفي نسخة: فاجتذبته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر، فاجتمع فيه الدليل القولي والتقريري على جواز أكله خلافًا لقول صاحب (الهداية) من الحنفية يكره لنهيه ﷺ عائشة لما سألته عن أكله، لكنه ضعيف فلا يُحتج به، وحكى عياض تحريمه عن قوم، قال النووي: وما أظنه يصح عن أحد.
قال أبو عمر ابن عبد البر: فيه أن ﷺ لا يعلم الغيب، وإنما يعلم منه ما يظهره الله عليه، وأن النفوس تعاف ما لم تعهد، وحل الضب؛ وأن من الحلال ما تعافه النفس، وأن الحرمة والحل ليسا مردودين إلى الطباع، وإنما الحرام ما حرمه الكتاب والسنة، وكان في معنى ما حرمه أحدهما، قال: ودخول خالد وابن عباس (ق ٦٧١) بيت ميمونة، وفيه النسوة كان قبل نزول الحجاب. انتهى.
وليس يلازم أن يجوز أنه وبعده وهن مستترات، وأما ميمونة فخالة ابن عباس، وخالد بن الوليد. انتهى.
* * *
стр. 1222
٦٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: نادى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف ترى في أكل الضب؟ قال: "لستُ بآكله ولا مُحَرِّمه".
قال محمد: جاءَ في أكل الضبّ اختلاف، فأما نحن فلا نرى أن يُؤكل.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (تقريب التهذيب)، عن عبد الله بن عمر، ﵄ أنه قال: نادى رجل، وفي نسخة: سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف ترى أي: أي شيء تختار في أكل الضب؟ أي: أيحل أكله أم يحرم؟ قال: "لستُ بآكله بمد الهمزة، ولا مُحَرِّمه"، رواه مسلم أيضًا، قال ابن العربي: سبب عدم أكله، لاستكراهه عن رائحته، فيكون من باب أكل البصل والثوم ولنزول عليه الملك بالوحي، كما روى ابن بكير بن الأشج عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني، عن سليمان بن يسار الهلالي، أنه قال مرسلًا: دخل رسول الله ﷺ بيت ميمونة بنت الحارث الهلالية، أم المؤمنين، فأُتي بضباب فيها بيض ومعه عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد، فقال ﷺ : "من أين لكم هذا؟ " فقالت ميمونة: أهدته إليَّ أختي هزيلة بنت الحارث، فقال لعبد الله بن عباس وخالد بن الوليد: "كُلا"، فقالا: أفلا تأكل أنت يا رسول الله؟ فقال: "إني يحضرني من الله حاضرة"، أي: يجيء ملك بالوحي، فلا ينبغي أن يجد عندي رائحة لا يرضى عنها.
قال محمد: قد جاءَ في أكلة وفي نسخة: في أكل الضب اختلاف، أي: في الأحاديث، فأما نحن أنا مع أصحاب أبي حنيفة، فلا نرى أي: لا نختار أن يُؤكل، أي: الضب، احتياطًا، لتعارض الأدلة.
* * *
стр. 1223
٦٤٧ - أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنه أُهدي لها ضب، فأتاها رسول الله ﷺ فسألته عن أكله فنهاها عنه، فجاءَت سائلة فأرادت أن تطعمها إياه، فقال لها رسول الله ﷺ : "أتطعمنها مما لا تأكلين".
• أخبرنا أبو حنيفة, نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن مالك بن شيبان، سلطان المجتهدين في المذهب، الإِمام الأعظم، كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين، فإنه ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين بعد الهجرة، ومات سنة خمسين ومائة ببلدة بغداد، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو ابن سبعين سنة في أشهر الروايات.
عن حماد أي: ابن مسلم يكنى أبا سليمان مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، كان في الطبقة الخامسة من طبقات فقهاء أهل الكوفة، مات سنة عشرين ومائة (١)، عن إبراهيم بن يزيد النخعي بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن مالك، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل الكوفة، مات سنة ست وتسعين، وقيل: خمسة ومائة، وهو ابن ست وأربعين سنة. عن عائشة ﵂، أنه أي: الشأن أهدي يصيغة المجهول لها ضب، فأتاها أي: جاء رسول الله ﷺ فسألته أي: عائشة عن أكله فنهاها عنه، أي: عن أكله، فجاءَت سائلة أي: امرأة فقيرة، فأرادت أي: عائشة أن تطعمها إياه، أي: الضب، فقال لها أي: لعائشة رسول الله ﷺ : "أتطعمنها مما لا تأكلين" أنتِ يا عائشة؟
* * *
٦٤٨ - قال محمد: أخبرنا عبد الجبار، عن ابن عباس الهمدانيّ، عن عزيز بن مَرثَد، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه نهى عن أكل الضبّ والضبع.
قال محمد: فترْكه أحبّ إلينا من أكله، وهو قول أبي حنيفة.
стр. 1224
• قال محمد: أخبرنا عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار العطار البصري، يُكنى أبا بكر، نزيل مكة، لا بأس به، كان في الطبقة العاشرة من طبقات صغار التابعين من (ق ٦٧٢) أهل البصرة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر (١)، عن ابن عباس الهمدانيّ، بفتح الهاء وسكون الميم، نسبة إلى قبيلة، عن عزيز بن مَرثَد، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه نهى عن أكل الضبّ والضبع، بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة: والعين المهملة، يقال له باللسان التركي: (سرثلان) و (ياللي فورت)، قال أبو حنيفة: الضبع حرام، وبه قال سعيد بن المسيب، والثوري مجتمعين بأنه ذو ناب من السباع، وقد نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وقال مالك: يُكره أكلها، والمكروه عنده ما أثم بأكله ولا يقطع بتحريمه، وفي البيهقي (٢) عن عبد الله بن مغفل السلمي قال: قلتُ: يا رسول الله، ما تقول في الضبع، قال: "لا آكله ولا أنهى عنه"، وقال الشافعي: حل أكله مستدلًا بما روى عبد الرحمن بن أبي عمار قال: سألتُ جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، أخرجه الترمذي (٣)، وقال: حسن صحيح.
قال محمد: فترْكه أي: ترك لحم الضب، أحبّ إلينا من أكله؛ لأنه أحوط في حقه، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقال بعض علمائنا: إنه لا يحل الحشرات؛ لأنها من الخبائث، وقد قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأما ما رُوي من إباحة أكل الضب فمحمول على ابتداء الإِسلام قبل أن يحرم الخبائث.
لما فرغ من بيان حكم أكل الضب، شرع في بيان أكل السمك الذي رماه البحر، فقال: هذا
* * *
стр. 1225
باب ما لفظه البحر من السمك الطافي وغيره
باب في بيان حكم ما لفظه أي: طرحه البحر أي: إلى الساحل من السمك، بيان بما الطافي صفة السمك، قال المطرزي في (المغرب): طفا الشيء فوق الماء يطفو طفوًا إذا علا، ومنه السمك الطافي، وهو الذي يموت في الماء فيعلو ويظهر، أي: يعلو فوق الماء ولم يرسب، وغيره، أي: غير السمك مما يعيش في الماء.
وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الاصطياد سواء كان صيد البر أو البحر.
٦٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل عبد الله بن عمر، عمّا لفظه البحر، فنهاهُ عنه، ثم انقلبَ فدعا بالمصحف، فقرأ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال نافع: فأرسلني إليه: أن ليس به بأس فكله.
قال محمد: وبقول ابن عمر الآخر نأخذ؛ لا بأس بما لفظه البحر وما حَسَر عنه الماء، إنما يكره من ذلك الطافي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، أن عبد الرحمن بن أبي هريرة وقيل: ليس لعبد الرحمن هذا في (الموطأ) حديث غيره، سأل عبد الده بن عمر، عمّا أي: عن السمك الذي لفظه بالفاء والظاء المعجمة المفتوحتين، ماضي يلفظ من باب ضرب أي: طرحه البحر، فنهاهُ عنه، أي: عن أكله، ثم أي: بعد نهيه عن أكله، انقلبَ أي: رجح ابن عمر عن قوله بالنهي عن أكل السمك الذي رماه البحر، فدعا بالمصحف، أي: طلب احتياطًا، فالباء زائدة، فقرأ قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس حلالًا كنتم أو محرمين صَيْدُ الْبَحْرِ أي: ما صيد بالحيلة حال حياته، ﴿وَطَعَامُهُ﴾، أي: البحر، وهو ما قذفه ميتًا ونصب عنه الماء بلا علاج، قال نافع: فأرسلني أي: ابن عمر إليه، أي: إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة كما في (الموطأ) ليحيى أن ليس به بأكل صيد
стр. 1226
البحر، بأس أي: كراهة فكله، أي: يا عبد الرحمن.
قال محمد: وبقول ابن عمر الآخر مجرور على أنه صفة قوله: نأخذ؛ أي: لا نعمل إلا بالقول الآخر لابن عمر: لا بأس بما (ق ٦٧٣) لفظه البحر وما حَسَر بفتح المهملات، ماضٍ من الباب الثاني، أي: انكشف وغار عنه الماء، إنما يكره أي: يحرم من ذلك الطافي، أي: من السمك الذي يعلو على الماء ميتًا، وهو أي: حل ما لفظه الماء وحرمة ما على الماء، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه". وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في (مصنفيهما) كراهة أكل الطافي عن جابر بن عبد الله وعلي وابن عباس وابن المسيب وأبو الشعثاء والنخعي وطاوس والزهري وغيرهم.
لما فرغ من بيان حكم السمك الذي ألقاه البحر إلى الساحل وما علا على الماء، شرع في بيان حكم السمك الذي مات فيه، فقال: هذا
* * *
باب السمك يموت في الماء
باب في بيان حكم السمك يموت في الماء أي: بسببه وغيره.
وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق في بيان حكم السمك.
٦٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن سعد الجاريّ بن الجار قال: سألتُ ابن عمر عن الحيتان يقتُل بعضها بعضًا ويموت صَرَدًا، قال: ليس به بأس، قال: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول مثل ذلك.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا ماتت الحيتان من بردٍ أو حُرٍّ أو قَتْل بعضِها بعضًا فلا بأس بأكلها، فإذا ماتت ميتة نفسِها فطفت فهذا الذي يكره من السمك، فأما ما سوى ذلك فلا بأس به.
стр. 1227
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن سعد بن الجاريّ بالجيم وتخفيف الراء: مدينة بساحل البحر بينها وبين المدينة يوم وليلة، وقيل: الجار ساحل المدينة من وراء ينبع، ابن الجار، وليحيى عن سعيد الجاري، مولى عمر بن الخطاب ﵁، قال: سألتُ ابن عمر عن الحيتان، بكسر الحاء المهملة جمع الحوت، أبدلت واو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، يقتُل بعضها بعضًا وتموت أي: الحيتان صَرَدًا، بفتحتين، أي: تموت لأجل البرد، قالوا: ومعنى أو التخيير به، كما في (الموطأ) ليحيى، أو تموت، قال ابن هشام في (مغني اللبيب): الواو تُستعمل على أوجه: أحدهما: أن تكون بمعنى أو في التقسيم، كقولك: الكلمة اسم وفعل وحرف، والثاني: أن تكون بمعنى أو في الإِباحة والتخيير، كما يقال: جالس الحسن وابن سيرين، أي: أحدهما، انتهى، وفي نسخة: وفي أصل ابن الصواف: وتموت بردًا، قال: أي: ابن عمر: ليس به بأس، أي: لا كراهة بأكل السمك الذي مات بردًا، فقال سعيد الجاري: وفي نسخة: قال بلا فاء، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول مثل ذلك، أي: كما قاله ابن عمر، يعني قال: لا كراهة في أكله، وليحيى قال سعيد الجاري: ثم سألتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقال مثل ذلك.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة إلا بما رواه سعيد الجاري عن ابن عمر: إذا ماتت الحيتان من بردٍ أو حُرٍّ أو قَتْل بعضِها بعضًا فلا بأس بأكلها، فإذا ماتت ميتة نفسِها بالإِضافة اللاميتة فطفت أي: علت على الماء، فهذا الذي يكره من السمك، أي: لما تقدم، فأما ما سوى ذلك فلا بأس به.
وقال الدميري - من الشافعية: السمك بجميع أنواعه حلال بغير ذبح، سواء مات بسبب ظاهر أو صدمة حجر، أو انحسار ماء، أو ضرب (ق ٦٧٤) الصياد، أو مات حتف أنفه لعموم قوله ﷺ : "أُحِل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال"، وأجمع المسلمون على طهارة ميتتهما ولو صادهما مجوسي لقول الحسن البصري: رأيتُ سبعين صحابيًا كلهم يأكلون صيد المجوس من الحيتان، ولا يتجلجل ولا ينحصر في صدورهم شيء.
стр. 1228
فائدة لطيفة: حُكي أن هارون الرشيد خرج ذات يوم للصيد، فأرسل شاهينًا له، فغاب زمانًا ثم أتى وفي فمه سمكة، فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك، فقال مقاتل بن سليمان: يا أمير المؤمنين روينا عن جدك خير الأمة عبد الله بن عباس ﵄، أنه قال: الجو محمود ومملوء بأمم مختلفة الخلق، وفيه دواب تبيض بيضة وتفرخ فرخًا على هيئة السمك، ولها أجنحة ليست بذوات ريش، فأجاز مقاتل بن سليمان بجوائز سخية على ذلك الخبر، كذا نقله السيوطي عن (حياة الحيوان).
لما فرغ من بيان حكم السمك، شرع في بيان حكم الجنين إذا ذبح أمه، فقال: هذا
* * *
باب ذكاة الجنين ذكاة أمه
باب في بيان حكم ذكاة الجنين، والذكاة بالذال المعجمة: الذبح، والجنين بفتح الجيم وكسر النون بينهما تحتية: هو ولد ما دام في بطن أمه، وهي مبتدأ مضاف إلى الجنين كإضافة غلام زيد، وخبره: ذكاة أمه، يعني: إذا كان لرجل شاة وفي بطنها ولد فذبح أمه، ثم خرج الولد ميتًا حل أكله كما حل أكل السمك الذي مات بسبب خروجه من الماء.
ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الذبح الحكمي.
٦٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُحرت الناقة فذكاة ما في بطنها ذكاتُها إذا كان قد تمّ خَلقه ونبت شعره، فإذا خرج من بطنها ذُبح حتى يخرج الدمُ من جوفه.
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، أي: عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُحرت الناقة فذكاة ما في بطنها أي: في الولد، ذكاتُها أي: يقوم مقامها؛ لأنه جزء فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها، إذا كان قد تمّ خَلقه بفتح الخاء المعجمة وسكون القاف، أي: أجزائه
стр. 1229
أو هيئته، فالإِضافة بيانية، ونبت شعره، أي: في أعضائه، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد: ولا يحل أكل الجنين الميت وجد في بطن أمه سواء كان أشعر أو لم يُشعر، فإذا خرج أي: الجنين من بطنها أي: بطن الناقة حيا ذُبح أي: اتفاقًا ندبًا كما يفيده السياق، حتى يخرج الدمُ أي: دم الذابحة، من جوفه، أي: من جوف الجنين الشامل لخلقه وأوداجه، هذا موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا، روى أبو داود عن جابر والحاكم عن ابن عمر مرفوعًا: ذكاة الجنين إذا أشعر ذكاة أمه، ولكنه يذبح حتى ينصاب ما فيه في الدم، ويعارضه حديث ابن عمر رفعه ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر، ولكن فيه مبارك (ق ٦٧٥) بن مجاهد ضعيف، ولتعارض الحديثين لم يأخذ بهما الشافعية، فقالوا: ذكاة أمه ذكاته مطلقًا، ولا الحنفية فقالوا: إلا مطلقًا، ومالك: وألغى الثاني لضعفه، وأخذ بالأول لاعتضاده بالموقوف الذي رواه فقيد به بقوله ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، رواه أبو داود وصححه الحاكم عن جابر وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، وابن حبان عن أبي سعيد، وجاء من رواية جمع من الصحابة وهو يرفع ذكاة في الموضعين مبتدأ وخبر، أي: ذكاة أمه ذكاة له، وروي بالنصب على الظرفية كحديث طلوع الشمس، أي: وقت طلوعها، أي: ذكاته حاصلة وقت ذكاة أمه، قال الخطاب وغيره: ورواية الرفع هي المحفوظة، والمراد بالجنين الذي خرج ميتًا فيأكل بذكاة أمه لأنه جزء منها عند مالك والشافعي وغيرهما، لما جاء في بعض طرق الحديث من السائل: يا رسول الله، إنا ننحر الإِبل ونذبح البقر والشاة، فنجد في بطنها الجنين فنلقيه أو نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم".
* * *
٦٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيْط، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: ذكاة ما في بطن الذبيحة ذكاة أُمَّه، إذا كان قد نبت شعره وتمّ خلقه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا تمّ خَلقه فذكاته في ذكاة أُمِّه، ولا بأس
стр. 1230
بأكله، فأما أبو حنيفة: فإنه كان يكره أكله حتى يَخْرج حيّا فيذكى، وكان يرْوي عن حماد عن إبراهيم، أنه قال: لا تكون ذكاة نفسٍ ذكاة نَفسَيْن.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيْط، بضم القاف، وفتح السين المهملة، وسكون التحتية، فطاء مهملة، ابن أسامة الليثي الأعرج ثقة، يُكنى أبا عبد الله المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة وله سبعون سنة، عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار الفقهاء، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن الجوزي، وابن حجر، أنه كان يقول: ذكاة ما في بطن الذبيحة أي: إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، ذكاة أُمَّه أي: كذكاتها فيه من التشبيه البليغ، إذا كان قد نبت شعره وتمّ خلقه، أي: هيئته التي خلقها الله عليها، ولو ناقص يدًا ورجل، كذا قاله سعيد بن زيد الباجي المالكي، قوله: نبت شعره، أي: شعر جسده لا شعر عينيه وحاجبيه، وإلا لم يؤكل، كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، إذا تمّ خَلقه أي: ومن جملة تمام خلقه إجزائه نبت شعره، فذكاته في ذكاة أُمِّه، أي: حكمًا، فلا بأس أي: لا كراهة بأكله، أي: حل أكله، لما أخرجه أبو داود (٢) عن جابر، والترمذي (٣)، وقال: حسن، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "ذكاة الجنين ميت حل أكله"، وبه قال الشافعي. فأما أبو حنيفة: فإنه كان يكره أكله أي: يقول: لا يحل أكله، حتى يَخْرج أي: إلى أن يخرج حيّا فيذكى، (ق ٦٧٦) أي: فيذبح، ومعنى الحديث عنده كذكاة أمه، والتشبيه بهذا الطريق كثير، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ويدل على هذا أنه روي ذكاة