← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

البحر، بأس أي: كراهة فكله، أي: يا عبد الرحمن. قال محمد: وبقول ابن عمر الآخر مجرور على أنه صفة قوله: نأخذ؛ أي: لا نعمل إلا بالقول الآخر لابن عمر: لا بأس بما (ق ٦٧٣) لفظه البحر وما حَسَر بفتح المهملات، ماضٍ من الباب الثاني، أي: انكشف وغار عنه الماء، إنما يكره أي: يحرم من ذلك الطافي، أي: من السمك الذي يعلو على الماء ميتًا، وهو أي: حل ما لفظه الماء وحرمة ما على الماء، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه". وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في (مصنفيهما) كراهة أكل الطافي عن جابر بن عبد الله وعلي وابن عباس وابن المسيب وأبو الشعثاء والنخعي وطاوس والزهري وغيرهم. لما فرغ من بيان حكم السمك الذي ألقاه البحر إلى الساحل وما علا على الماء، شرع في بيان حكم السمك الذي مات فيه، فقال: هذا * * * باب السمك يموت في الماء باب في بيان حكم السمك يموت في الماء أي: بسببه وغيره. وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق في بيان حكم السمك. ٦٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن سعد الجاريّ بن الجار قال: سألتُ ابن عمر عن الحيتان يقتُل بعضها بعضًا ويموت صَرَدًا، قال: ليس به بأس، قال: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول مثل ذلك. قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا ماتت الحيتان من بردٍ أو حُرٍّ أو قَتْل بعضِها بعضًا فلا بأس بأكلها، فإذا ماتت ميتة نفسِها فطفت فهذا الذي يكره من السمك، فأما ما سوى ذلك فلا بأس به.

стр. 1227

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن سعد بن الجاريّ بالجيم وتخفيف الراء: مدينة بساحل البحر بينها وبين المدينة يوم وليلة، وقيل: الجار ساحل المدينة من وراء ينبع، ابن الجار، وليحيى عن سعيد الجاري، مولى عمر بن الخطاب ﵁، قال: سألتُ ابن عمر عن الحيتان، بكسر الحاء المهملة جمع الحوت، أبدلت واو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، يقتُل بعضها بعضًا وتموت أي: الحيتان صَرَدًا، بفتحتين، أي: تموت لأجل البرد، قالوا: ومعنى أو التخيير به، كما في (الموطأ) ليحيى، أو تموت، قال ابن هشام في (مغني اللبيب): الواو تُستعمل على أوجه: أحدهما: أن تكون بمعنى أو في التقسيم، كقولك: الكلمة اسم وفعل وحرف، والثاني: أن تكون بمعنى أو في الإِباحة والتخيير، كما يقال: جالس الحسن وابن سيرين، أي: أحدهما، انتهى، وفي نسخة: وفي أصل ابن الصواف: وتموت بردًا، قال: أي: ابن عمر: ليس به بأس، أي: لا كراهة بأكل السمك الذي مات بردًا، فقال سعيد الجاري: وفي نسخة: قال بلا فاء، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول مثل ذلك، أي: كما قاله ابن عمر، يعني قال: لا كراهة في أكله، وليحيى قال سعيد الجاري: ثم سألتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقال مثل ذلك. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة إلا بما رواه سعيد الجاري عن ابن عمر: إذا ماتت الحيتان من بردٍ أو حُرٍّ أو قَتْل بعضِها بعضًا فلا بأس بأكلها، فإذا ماتت ميتة نفسِها بالإِضافة اللاميتة فطفت أي: علت على الماء، فهذا الذي يكره من السمك، أي: لما تقدم، فأما ما سوى ذلك فلا بأس به. وقال الدميري - من الشافعية: السمك بجميع أنواعه حلال بغير ذبح، سواء مات بسبب ظاهر أو صدمة حجر، أو انحسار ماء، أو ضرب (ق ٦٧٤) الصياد، أو مات حتف أنفه لعموم قوله ﷺ : "أُحِل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال"، وأجمع المسلمون على طهارة ميتتهما ولو صادهما مجوسي لقول الحسن البصري: رأيتُ سبعين صحابيًا كلهم يأكلون صيد المجوس من الحيتان، ولا يتجلجل ولا ينحصر في صدورهم شيء.

стр. 1228

فائدة لطيفة: حُكي أن هارون الرشيد خرج ذات يوم للصيد، فأرسل شاهينًا له، فغاب زمانًا ثم أتى وفي فمه سمكة، فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك، فقال مقاتل بن سليمان: يا أمير المؤمنين روينا عن جدك خير الأمة عبد الله بن عباس ﵄، أنه قال: الجو محمود ومملوء بأمم مختلفة الخلق، وفيه دواب تبيض بيضة وتفرخ فرخًا على هيئة السمك، ولها أجنحة ليست بذوات ريش، فأجاز مقاتل بن سليمان بجوائز سخية على ذلك الخبر، كذا نقله السيوطي عن (حياة الحيوان). لما فرغ من بيان حكم السمك، شرع في بيان حكم الجنين إذا ذبح أمه، فقال: هذا * * * باب ذكاة الجنين ذكاة أمه باب في بيان حكم ذكاة الجنين، والذكاة بالذال المعجمة: الذبح، والجنين بفتح الجيم وكسر النون بينهما تحتية: هو ولد ما دام في بطن أمه، وهي مبتدأ مضاف إلى الجنين كإضافة غلام زيد، وخبره: ذكاة أمه، يعني: إذا كان لرجل شاة وفي بطنها ولد فذبح أمه، ثم خرج الولد ميتًا حل أكله كما حل أكل السمك الذي مات بسبب خروجه من الماء. ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الذبح الحكمي. ٦٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُحرت الناقة فذكاة ما في بطنها ذكاتُها إذا كان قد تمّ خَلقه ونبت شعره، فإذا خرج من بطنها ذُبح حتى يخرج الدمُ من جوفه. • أخبرنا مالك, وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، أي: عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُحرت الناقة فذكاة ما في بطنها أي: في الولد، ذكاتُها أي: يقوم مقامها؛ لأنه جزء فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها، إذا كان قد تمّ خَلقه بفتح الخاء المعجمة وسكون القاف، أي: أجزائه

стр. 1229

أو هيئته، فالإِضافة بيانية، ونبت شعره، أي: في أعضائه، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد: ولا يحل أكل الجنين الميت وجد في بطن أمه سواء كان أشعر أو لم يُشعر، فإذا خرج أي: الجنين من بطنها أي: بطن الناقة حيا ذُبح أي: اتفاقًا ندبًا كما يفيده السياق، حتى يخرج الدمُ أي: دم الذابحة، من جوفه، أي: من جوف الجنين الشامل لخلقه وأوداجه، هذا موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا، روى أبو داود عن جابر والحاكم عن ابن عمر مرفوعًا: ذكاة الجنين إذا أشعر ذكاة أمه، ولكنه يذبح حتى ينصاب ما فيه في الدم، ويعارضه حديث ابن عمر رفعه ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر، ولكن فيه مبارك (ق ٦٧٥) بن مجاهد ضعيف، ولتعارض الحديثين لم يأخذ بهما الشافعية، فقالوا: ذكاة أمه ذكاته مطلقًا، ولا الحنفية فقالوا: إلا مطلقًا، ومالك: وألغى الثاني لضعفه، وأخذ بالأول لاعتضاده بالموقوف الذي رواه فقيد به بقوله ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، رواه أبو داود وصححه الحاكم عن جابر وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، وابن حبان عن أبي سعيد، وجاء من رواية جمع من الصحابة وهو يرفع ذكاة في الموضعين مبتدأ وخبر، أي: ذكاة أمه ذكاة له، وروي بالنصب على الظرفية كحديث طلوع الشمس، أي: وقت طلوعها، أي: ذكاته حاصلة وقت ذكاة أمه، قال الخطاب وغيره: ورواية الرفع هي المحفوظة، والمراد بالجنين الذي خرج ميتًا فيأكل بذكاة أمه لأنه جزء منها عند مالك والشافعي وغيرهما، لما جاء في بعض طرق الحديث من السائل: يا رسول الله، إنا ننحر الإِبل ونذبح البقر والشاة، فنجد في بطنها الجنين فنلقيه أو نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم". * * * ٦٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيْط، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: ذكاة ما في بطن الذبيحة ذكاة أُمَّه، إذا كان قد نبت شعره وتمّ خلقه. قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا تمّ خَلقه فذكاته في ذكاة أُمِّه، ولا بأس

стр. 1230

بأكله، فأما أبو حنيفة: فإنه كان يكره أكله حتى يَخْرج حيّا فيذكى، وكان يرْوي عن حماد عن إبراهيم، أنه قال: لا تكون ذكاة نفسٍ ذكاة نَفسَيْن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيْط، بضم القاف، وفتح السين المهملة، وسكون التحتية، فطاء مهملة، ابن أسامة الليثي الأعرج ثقة، يُكنى أبا عبد الله المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة وله سبعون سنة، عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار الفقهاء، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن الجوزي، وابن حجر، أنه كان يقول: ذكاة ما في بطن الذبيحة أي: إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، ذكاة أُمَّه أي: كذكاتها فيه من التشبيه البليغ، إذا كان قد نبت شعره وتمّ خلقه، أي: هيئته التي خلقها الله عليها، ولو ناقص يدًا ورجل، كذا قاله سعيد بن زيد الباجي المالكي، قوله: نبت شعره، أي: شعر جسده لا شعر عينيه وحاجبيه، وإلا لم يؤكل، كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، إذا تمّ خَلقه أي: ومن جملة تمام خلقه إجزائه نبت شعره، فذكاته في ذكاة أُمِّه، أي: حكمًا، فلا بأس أي: لا كراهة بأكله، أي: حل أكله، لما أخرجه أبو داود (٢) عن جابر، والترمذي (٣)، وقال: حسن، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "ذكاة الجنين ميت حل أكله"، وبه قال الشافعي. فأما أبو حنيفة: فإنه كان يكره أكله أي: يقول: لا يحل أكله، حتى يَخْرج أي: إلى أن يخرج حيّا فيذكى، (ق ٦٧٦) أي: فيذبح، ومعنى الحديث عنده كذكاة أمه، والتشبيه بهذا الطريق كثير، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ويدل على هذا أنه روي ذكاة

стр. 1231

أمه بالنصب، أي: يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه، فإن قيل: لو لم يحل أكله بذكاة أمه لما حل ذبح أمه؛ لأن في ذبحها إضاعتها، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، أُجيب بأن موته ليس بمتيقن، بل يُرجى إدراكه حيّا يذبح فلا يحرم ذبح أمه مع أن الضرورة تبيح المحظورات، وكان أي: أبو حنيفة يروي عن حماد عن إبراهيم، أي: النخعي، أنه أي: إبراهيم النخعي، قال: لا تكون ذكاة نفسٍ ذكاة نَفسَيْن، أي: لا تقوم مقامها. لما فرغ من بيان حكم ذكاة الجنين، شرع في بيان حكم أكل الجراد، فقال: هذا * * * ١١ - باب أكل الجراد باب في بيان حكم أكل الجراد، وقد تقدم في باب الحلال يذبح الصيد: هل يحل أن يأكل المحرم منه أم لا؟ لا من أكل الجراد خلق أولًا من غطسته الحوت في السفينة مرتين. وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق حكم الأكل، أجمع المسلمون على إباحة أكله، وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد، رواه البخاري (١) وأبو داود (٢) والحافظ وأبو نعيم، وفيه: ويأكله معنا، ويروي ابن ماجه (٣) عن أنس ﵁ أنه قال: كان أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد في الأطباق. ٦٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الجراد، فقال: ودِدتُ أن عندي قُفْعَةً من جراد، فأكل منه. قال محمد: وبهذا نأخذ، فجرادٌ ذُكِّي كُلّه لا بأس بأكله إن أُخِذَ حيًا أو ميتًا، وهو ذكيّ كله على كل حال، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1232

• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم، يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه سئل عن الجراد، أي: أيحل أكله أم لا؟ فقال: ودِدتُ بكسر الدال، أي: أحببت، أي: تمنيت أن عندي بفتح الهمزة وسكون النون، قوله: عندي ظرف يكون مقدرًا فهو مفعول وددت، قُفْعَةً بضم القاف وسكون الفاء وفتح العين المهملة والفوقية: زنبيل بغير عروة، يُعمل من ورق النخل، كذا في (صحاح الجوهري)، مرفوعة على أنها اسم يكون مقدرًا، من جراد، متعلق بمملوءة مقدرة صفة قفعة، فآكل بمد الهمزة وضم الكاف، نصب على أنه عطف على يكون، منها، أي: مما في قفعة. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁، فجرادٌ أي: فحينئذٍ ذُكِّي أي: مذكى حكمًا، كُلّه أي: جميع أنواعه، لا بأس أي: لا كراهة بأكله إن أُخِذَ على صيغة المجهول، وفي نسخة: أن أخذه حيًا أو ميتًا، وهو ذكيّ أي: مذكى في حكمه على كل حال، أي: سواء أخذه حيًا أو ميتًا، فهو تأكيد لما قبله، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. وفي (حياة الحيوان) للدميري: الأربعة يحل أكلها سواء مات حتف أنفه، أو بذكاة، أو باصطياد مجوسي أو مسلم قطع منه شيء أم لا، وعن أحمد: إذا قتله البرد لم يؤكل، وملخص مذهب مالك: إن قطعت رأسه (ق ٦٧٧) حل وإلا فلا، والدليل على عموم حله قوله ﷺ : "أُحِلت لنا ميتتان ودمان: الكبد والطحال، والسمك والجراد"، رواه الشافعي (١) وأحمد (٢) والدارقطني (٣) والبيهقي (٤) عن ابن عمر مرفوعًا، ورُوي عنه موقوفًا لكنه في حكم المرفوع، والله أعلم، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم أكل الجراد، شرع في بيان حكم الذبائح، فقال: هذا * * *

стр. 1233

باب ذبائح نصارى العرب باب في بيان حكم ذبائح، جمع ذبيحة، وهي حيوان من شأنه أن يُذبح فيخرج السمك والجراد؛ لأن ليس من شأنها الذبح بلا ذكاة، وهي نوعان: ضرورية وهي جرح عضو نعم توحش أو سقط في البئر ولم يكن ذبحة؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة إلاختياري، واختيارية، وهي: ذبح الحلقوم والمريء والودجان، وفي (المغرب): الحلقوم عرق يجري النفس، والمريء بفتح اليم وكسر الراء المهملة والهمزة في آخره يجري فيه العلف والودجان بفتحتين، والجيم والألف والنون تثنية الودج، وهو عرق يجري فيه الدم، فالذبائح مضاف إلى نصارى الحرب، فإضافته إلى العرب من قبيل إضافة خيار القوم، والمراد بنصارى العرب أهل الكتاب مطلقًا، سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا، قال تعالى في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]، يعني في هذا الزمان يبين لكم حل المذبوحات بذكر اسم الله عليها، ثم قال في ترخيص ذبائح أهل الكتاب؛ لأنهم يدعون بوحدانيته تعالى بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، يعني بهم: اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم بعد مبعثه ﷺ فلا يحل ذبيحته؛ لأنه مرتد لا ملة له، وتارك ما عليه، وكذا لا يحل ذبيحة وثني ومجوسي ولا ذبيحة مسلم وكتابي تركا ذكر اسم الله تعالى عمدًا عند ذبحها، كذا في (عيون التفاسير) و (المعالم) و (غرر الدرر). فإن قلت: فإذا كان المراد بنصارى العرب أهل الكتاب مطلقًا، فما وجه تقييد النصارى بالعرب؟ فالجواب: والله أعلم بالصواب: وتقييده به اهتمامًا لشأنهم فإنهم صدقوا أولًا بنبوة النبي ﷺ كأبي بكر الصديق ﵁، وكذبوها أولًا كأبي جهل بن هشام شدد الله عليه عذابه. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق إباحة أكل الجراد وذبيحة أهل الكتاب، اعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن الذبائح المعتد بها: ذبيحة المسلم العاقل الذي يمكن منه الذبح سواء في ذلك الذكر والأنثى، الصغير والكبير، والحر والعبد. ٦٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ثور بن زيد الدِّيلي، عن عبد الله بن عباس،

стр. 1234

أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال لا بأس بها، وتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ثور باسم الحيوان المعروف، ابن زيد الدِّيلي، بكسر الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن عبد الله بن عباس ﵄، أنه سُئل عن ذبائح نصارى العرب، أي: عن ذبائح أهل الكتاب ممن تنصر، وظاهره العموم الشامل من تنصر قبل البعثة وبعده، لكن الصحيح أنه خاص بمن دخل في دين النصارى قبل البعثة، (ق ٦٧٨) فإن من دخل في دينهم بعد البعثة فهو مرتد لا تحل ذبيحته كما ذكرنا آنفًا، فقال: لا بأس بها، أي: لا حرمة في أكل ذبائح نصارى العرب، وتلى هذه الآية في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: في النصرة لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، نزلت نهيًا عن موالاة أعداء الدين وذلك حين كان وقعة أُحد، فإن بعض الناس من المسلمين فيها خاف أن يظهر عليهم الكفار فأراد أن يعاشرهم ويواليهم وليأمن منهم، فقال تعالى: لا تتخذوهم أولياء في العون والنصرة كالمؤمنين، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾ أي: من يتخذ اليهود والنصارى أولياء ﴿مِنْكُمْ﴾ فعم الخطاب ما خص المسلمين ولا بغير العرب، وقيل: الخطاب للعرب، ﴿فَإِنَّهُ﴾ أي: من يتخذهم أولياء ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: على دينهم ومعهم في النار بنفاقهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة أعداء الله تعالى. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول ابن عباس ﵄، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة، ﵏ من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم ذبائح نصارى العرب، شرع في بيان حكم الطير المقتول بالحجر، فقال: هذا * * *

стр. 1235

باب ما قتل الحجر باب في بيان حكم ما أي: طير قتل بالحجر، أي: بسبب ثقله عليه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الإِصلاح والإِفساد. ٦٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، قال: رميْتُ طائرين بحجر وأنا بالجُرف فأصبتهما، فأما أحدهما فمات، فطرحه عبد الله بن عمر، وأما الآخر فذهب عبد الله يذكِّيه بقَدُوم فمات قبل أن يذكيه، فطرحه أيضًا. قال محمد: وبهذا نأخذ، ما رُمي من الطير فقتل به قبل أن تُدرَك ذكاتُه لم يؤكل، إلا أن يخرق أو يُبَضَّع، فإذا خَرَق أو بضَّعَ فلا بأس بأكله، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة، قال: رميْتُ طائرين بحجر وأنا بالجُرف جملة حالية، والجرف بضم الجيم والراء والفاء موضع قريب من المدينة بطريق مكة على فرسخ، فأصبتهما أي: فضربتهما فأخذتهما، فأما أحدهما فمات أي: قبل ذبحه، فطرحه عبد الله بن عمر، وأما الآخر أي: الذي كان فيه أثر الحياة، فذهب عبد الله أي: ابن عمر، أراد وشرع يذكِّيه أي: أن يذبحه بقَدُوم، بفتح القاف وضم الدال المهملة، وسكون الواو، فميم على وزن رسول، آلة النجار، فمات قبل أن يذكيه، فطرحه أي: عبد الله بن عمر، كما في (الموطأ) لمالك أيضًا، أي: لأنه من قبيل الموقوذة التي لم تدرك ذكاته. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما قاله نافع المدني، ما رُمي من الطير أي: من حجر أو خشب أو نحوهما فقتل به قبل أن تُدرَك ذكاتُه لم يؤكل، أي: يحرم أكله، إلا أن يخزق بالخاء المعجمة والزاي المكسورة، يقال: خزق السهم القرطاس، أي: ينفذ منه

стр. 1236

أو يُبَضَّع، بتشديد الضاد المعجمة المكسورة، أي: يقطع ويشق، فإذا خَرَق أو بضَّعَ فلا بأس أي: فلا حرمة بأكله، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ﵏. لما فرغ من بيان حكم الطير قتل بالحجر، شرع في بيان حكم النعم تذبح قبل أن تموت، فقال: هذا * * * باب الشاة وغير ذلك تذكى قبل أن تموت باب في بيان حكم الشاة وغير ذلك تُذكى بصيغة المجهول، أي: تذبح قبل أن تموت، والمراد بالشاة واحدة من الغنم، وبغير ذلك الإِبل والبقر والظبي والطير وأمثالها، وإنما أشار المصنف إلى الشاة بذلك يشار به إلى البعيد، والحال أن مقتضى الظاهر وغيرها بالضمير المؤنث اهتمامًا بشأنها، قال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، أي: بكبش عظيم الجثة، سمين أو عظيم القدر؛ لأنه يفدي (ق ٦٧٩) به الله نبيّا ابن نبي ابن نبي، من نسله سيد المرسلين، وذلك أن الأغنام لا تنام بعد نصف الليل، ولذلك قل نسلها. تدبر وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق، معنى الإِفساد والإِصلاح. ٦٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن أبي مُرّة أنه سأل أبا هريرة عن شاة ذبحت فتحرك بعضها، فأمره بأكلها، ثم سأل زيد بن ثابت فقال: إن الميتة لتتحرك ونهاه. قال محمد: إذا تحركت تحركًا أكبر الرأي فيه والظنُّ أنها حيّة أُكِلَتْ، وإذا كان تحركها شبيهًا بالاختلاج، وأكبرُ الرأي والظنُ في ذلك أنها ميتة لم تُؤكل. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات

стр. 1237

التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، عن أبي مُرّة، بضم الميم وتشديد الراء المهملة المفتوحة، اسمه يزيد، وهو مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: مولى أخته أم هانئ، مدني مشهور بكنيته، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، أنه سأل أبا هريرة ﵁، عن شاة ذبحها وهي كانت مريضة أو مضروبة ونحوهما، فتحرك بعضها أي: بعض عضو من أعضاء الشاة بعد ذبحها، فأمره أي: أبو هريرة بأكلها، بناء على أن الحركة دالة على الحياة، ثم سأل أي: أبو مرة استقرارًا بالحكم في قلبه زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوث، الأنصاري البخاري، يُكنى أبا سعيد وأبا خارجة، كان صحابيًا مشهورًا كاتب الوحي، قال مسروق: كان أبو مرة من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين بعد الهجرة، فقال: أي: زيد بن ثابت ﵁: إن الميتة لتتحرك أي: أحيانًا ونهاه عن أكلها احتياطًا. قال محمد: إذا تحركت تحركًا أكبرُ الرأي فيه والظنُّ أي: غالبة أنها حيّة أي: كانت قبل التذكية أُكِلَتْ، أي: جاز أكلها، وإذا كان تحركها شبيهًا بالاختلاج، أي: اضطراب العضو، وفي نسخة: باختلاج بالتنوين، وأكبرُ الرأي والظنُ في ذلك أي: التحرك، أنها أي: المذبوحة ميتة أي: قبل التذكية، لم تُؤكل، وفي (تفسير البغوي): وإنما يحل ما ذكيته بعد ما جرحه السبع أو أكله منه شيئًا إذا أدركته الحياة مستقرة فيه فذبحه، فأما ما أصار بجرح السبع أي: حالة المذبوح فهو في حكم الميتة، فلا يكون حلالًا وإن ذبحته، انتهى. لما فرغ من بيان حكم الشاة وغيرها تذكى قبل أن تموت، شرع في بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم ولا يعلم حاله، فقال: هذا * * * باب الرجل يشتري اللحم فلا يدري أذكى هو أو غير ذكى باب أي: كائن في بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم، فلا يدري أي: لا يعلم الرجل أذكي بهمزة الاستفهامية وفتح الذال المعجمة وكسر الكاف وتشديد التحتية المنونة، مثل رضي إعلالًا وإدغامًا، أي: هل مذبوح بذكر اسم الله، هو أي: ذو اللحم من نحو الإِبل والبقر والغنم، أم غير ذكي، أم متصلة؛ لأنها يتقدم عليها همزة يطلب بها فيلزم

стр. 1238

التعبير نحو أزيد في الدار أم عمرو، وإنما سُميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغني بأحدهما عن الآخر، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب). وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق حصول المعنى الجزم والتردد في قلب الرجل إذا رأى الشاة واللحم. ٦٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله، إن ناسًا من أهل البادية يأتوننا بلُحْمان فلا ندري هل سمّوا عليها أم لا، قال: فقال رسول الله ﷺ : "سمّوا الله عليها ثم كلوها"، قال: وذلك في أول الإِسلام. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا كان الذي يأتي بذلك مسلم أو من أهل الكتاب، فإن أتى بذلك مجوسي فذكر أن مسلمًا ذبحه أو رجلًا من أهل الكتاب لم يصدّق، ولم يؤكل بقوله. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرشا هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة فقيه، ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، (ق ٦٨٠) مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة وله سبع وثمانون سنة، عن أبيه، أي: عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة، كان فقيه مشهور، في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، كذا في (تقريب التهذيب) أنه قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ هذا إجمال بينه بقوله: فقيل له: يا رسول الله، إن ناسًا من أهل البادية أي: مثلًا يأتوننا وفي نسخة: يأتونا بتشديد النون، أي: يجيئونا بلُحْمان بضم الميم جمع لحم، أي: بقطع من اللحم، فلا ندري هل سمّوا بفتح الميم المشددة، أي: ذكروا اسم الله عليها أي: على صاحبة اللحم عند ذبحها أم لا، قال: أي: عروة مرسلًا، فقال رسول الله ﷺ : "سمّوا الله بضم الميم، أي: اذكروا أنتم اسم الله عليها أي: على قطعة من اللحم ثم كلوها"،

стр. 1239

والمعنى أنكم غير مأمورين بالتجسس والتنصص فإنه يورث الوسوسة والحرج في الدين، وإنما عليكم بما أمرتم به من التسمية عموا ولو كان الذابح مؤمنًا أو كتابيّا أو يسميه غيره، قال ابن الملك في (شرح المشارق): ليس معناه: أن تسميتكم الآن تنوب عن تسمية المذكي، بل فيه بيان أن التسمية مستحبة عند الأكل، وإنما لم يعرفوا ذكر اسم الله عليه عند ذبحه يصح أكله، إذا كان الذابح ممن يصح أكل ذبيحته، حملًا لحال المسلم على الصلاح، انتهى. قال: أي: مالك كما ليحيى: وذلك أي: جواز الأكل مع التسمية باللحم لمَ ذَبَحَهُ بذكر اسم الله عليه، في أول الإِسلام, وهذا قد يوهم نسخ ما فيه من الأحكام وليس كذلك كما لا يخفى على العلماء الأعلام هذا الحديث مرسل، لكن اختلف في حد الحديث المرسل، فالمشهور أنه ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ سواء كان من كبار التابعين كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب وأمثالهم، أو من صغار التابعين كالزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباههم، والقول الثاني: أنه ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي ﷺ ، فهذه الصورة لا خلاف فيها كما قاله ابن الصلاح، وأما مراسيل صغار التابعين، فإنها لا تسمى مرسلة على هذا القول، بل هي منقطعة كما نقله عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي في (شرح الألفية)، عن ابن عبد البر الأجهم. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أرسله عروة بن الزبير إلى رسول الله ﷺ ، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا كان الذي يأتي بها، أي: بتلك اللحوم, وفي نسخة: بذلك مسلمًا أو من أهل الكتاب، أي: يهوديا أو نصرانيا أو كان حربيا وصار كتابيا، فإن أتى بذلك مجوسي أي: عابد نار، وفي معناه الوثني وهو عابد الصنم والمرتد، فذكر أن مسلمًا ذبحه أو رجلًا من أهل الكتاب أي: ذبحه، لم يصدّق، أي: فيما ذكره المجوسي، ولم يؤكل بقوله، أي: لأنه ليس من أهل الديانة، بل من أرباب الخلابة والخداعة والخيانة، والله أعلم. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم ويشك بأنه ذبح بذكر اسم الله عليه أو ترك عمدًا، شرع في بيان حكم الصيد يصيده الكلب المعلم، فقال: هذا * * *

стр. 1240

باب صيد الكلب المعلم باب في بيان حكم الصيد يصيده الكلب المعلم، بفتح اللام المشددة، وهو الذي (ق ٦٨١) إذا زُجِرَ انزجر، وإذا أُرْسِل أطاع، وإذا أخذ الصيد لم يؤكل فإذا وُجِدَ ذلك منه مرارًا وأقله ثلاث مرات كان معلمًا يحل قتيله، استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، في سورة المائدة، حيث قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]، نزلت هذه الآية حين سأل عدي بن حاتم الطائي وأصحابه وقالوا: يا رسول الله، إنا قوم نتصيد بالكلاب والبزاة، وهو جمع البازي، فما يحل لنا من المطاعم والصيود؟ وذلك السؤال عند آية تحريم المحرمات، فقال تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، أي: الذبائح على ذكر اسم الله تعالى قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: أحل لكم صيد الذي صاده الكلاب والبزاة وغيرهما من سباع البهائم وسباع الطيور، قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، حال، أي: حال كونكم مدربين بالكلاب والبزاة بإرسالهن على الصيود، والمراد بالكلب جميع سباع البهائم؛ لأن العرب يسمي كل السباع كلبًا، قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾، حال من المكلبين، أي: حال كونكم مدربين الكلاب في طلب الصيد، قوله: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، أي: على لسان رسوله، فلا بأس بصيد الكلب إذا كان معلمًا، قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، أن الجارحة المعلمة إذا جرحت بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته ولم يأكل كانت معلمة، وكان المأخوذ حلالًا، وفي الكتب الستة: فأمسك وقتل، عن عدي بن حاتم الطائي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك وقتل ولم يأكل فكل، فإن كان أكل فلا تأكل، فإنه أمسك على نفسه"، قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: سموا على المذبوح عند الذبح باسم أو على أرسل على الصيد من الكلب والبازي عند الإِرسال، وفي الآية بيان أن ذكر اسم الله على الذبيحة شرط حالة الذبح وحال إرسال الجارحة على الصيد أو حاله رمي السهم إلى الصيد، قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: من أكل الميتة، أو من ترك التسمية على المذبوح أو المرسل، أو السهم عهدًا، قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ

стр. 1241

الْحِسَابِ﴾، أي: سريع المجازاة، كذا في (عيون التفاسير)، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق وجوب التسمية. ٦٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول في الكلب المُعلَّم: كل ما أمسك عليك إن قَتَل أو لم يَقتل. قال محمد: وبهذا نأخذ، كُلْ ما قتل وما لم يَقْتل إذا ذكّيته ما لم يأكل منه، فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وكذلك بلغنا عن ابن عباس، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع بن عبد الله، المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة، أن عبد الله بن عمر كان يقول في الكلب المُعلَّم، أي: أمر بأمر إباحة بصاحب الكلب المعلم بأن أمر كل ما أي: الصيد أمسك أي: أخذ الكلب المعلم، عليك أي: لأجلك، وكلمة "على" للتعليل، قال الله تعالى في سورة (ق ٦٨٢) البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: لهدايته إياكم، إن قَتَل أو لم يَقتل، أي: ما لم يأكل منه، هذا حديث موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر، كُلْ أيها المخاطب أمر إباحي، ما قتل وما لم يَقْتل إذا ذكّيته أي: إن ذبحته وهو ظرف لما لم يقتل، ما لم يأكل منه، هذا قيد للفعلين، فإن أكل منه، أي: مما أخذه الكلب، فلا تأكل، هذا تصريح بما علم ضمنًا، فإنما أمسك على نفسه، أي: إنه يأخذ لأجلك والشرط على ما تقدم أنه عليك، فإن فاته يحرم أكله، وعليه أكثر أهل العلم، وكذلك أي: كما بلغك أيها المخاطب عن ابن عمر، بلغنا أي: بإسناد لنا، عن ابن عباس، وهو قول عطاء وطاوس والشعبي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة أي: الجماعة من فقهائنا، وهو أصح قول

стр. 1242

الشافعي، لما في الصحيح: "وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه"، ورخص بعضهم في أكله، منهم ابن عمر وسلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وبه قال مالك لما رُوي عن أبي ثعلبة الخشني، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أرسلتَ كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه"، ويشترط عند علمائنا الجرح في أي موضع كان لتحقق الذكاة الاضطرارية، ولتحقق التسمية بالجوارح، وإن كانت بمعنى الكواسب، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يشترط، وروى الحسن بن زياد عنهما لإِطلاق قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، هذا إذا أكل الكلب المعلم من الصيد، قال أبو حنيفة ﵀: لا يحل وما صاده قبل ذلك، وقال مالك: يحل، وللشافعي قولان: أحدهما كمالك، والثاني كأبي حنيفة، وهو الراجح، وبه قال أحمد، وجارحة الطير في الأكل كالكلب، وبه قال الثلاثة، وقال أبي حنيفة: لا يحرم ما أكل منه، والله أعلم، كذا قاله علي القاري. قال جلال الدين السيوطي في (أولياته): من صاد من الملوك وعلم الكلاب وعلم الطير الصيد، واتخذ السروج وقوانين الملوك، وهو: شيخ شاة، وهو القهرمان الأول من بني آدم، وهو المسمى مراد عند الفارس، وهو تلميذ إدريس ﵇، وصاحب دعوته على دينه، قصر عفاريت الجن وكان حكيمًا عالمًا بطبائع الأشياء، وعلم المستخير، وهو من حراس الملوك الأول. انتهى. قال الحلواني: للفهد خصال حميدة، فينبغي للعاقل أن لا يجاهر عدوه بالخلاف، ولكن يترصد الفرصة مقصودة من غير إتعاب نفسه، ومنها أنه لا يعدو خلف صاحبه ولا يعطيه حتى يرتبه خلفه، كأنه يقول: صاحبي هو المحتاج إليَّ فلا أذل نفسي، وهكذا ينبغي لكل عاقل أن لا يذل نفسه فيما يفعله لغيره، ومنها أنه لا يتعلم بالضرب، ولكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد فيتعلم بذلك، وهكذا ينبغي لكل عاقل أن يتعظ بغيره، كما قيل: السعيد هو من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ منه غيره ولا يتعظ هو بما علمه للناس، ومنها أنه لا يتناول الخبث من اللحم، وإنما يطلب من صاحبة اللحم الطيب، وهكذا ينبغي لكل عاقل أن لا يتناول إلا الطيب، ومنها أنه يثب ثلاثًا وخمسًا، فإن لم يتمكن أي: وإن لم يقدر (ق ٦٨٣) على أخذه تركه، ويقول: لا أقتل نفسي فيما أعمل لغيري، وهكذا ينبغي لكل عاقل أن لا يلقي نفسه للهلاك لغيره، كذا قاله الزيلعي في (شرح الكنز).

стр. 1243

لما فرغ من بيان حكم صيد الكلب المعلم، شرع في بيان حكم العقيقة، فقال: هذا * * * باب العقيقة باب في بيان حكم العقيقة، وهي بفتح العين المهملة وكسر القاف الممدودة وفتح القاف الثانية والتاء للنقل، اسم للسهم الذي يرميه أهل الجاهلية في زمان الجاهلية إلى طرف السماء حين قتل رجل من قبيلة، فإن رجع طاهرًا يرضى ورثة المقتول بدية، وإن رجع ملطخًا بدم يقتلون القاتل قصاصًا، لكنها هنا اسم للحيوان الذي يذبح في اليوم السابع من مولود الولد للتقرب إلى الله تعالى، كما قاله محمد الواني في (شرح صحاح الجوهري)، وإضافة لفظة باب إلى العقيقة من قبيل إضافة العام إلى الخاص، فإن الباب في اللغة بمعنى النوع مطلقًا، وفي عُرف الفقهاء نوع من السائل التي يشمل عليها الكتاب، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية). ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الذبح الحقيقي. ٦٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضَمْرة عن أبيه، أن النبي ﷺ سُئِلَ عن العقيقة، قال: "لا أحب العُقوق"، فكأنه إنما كره الاسم، وقال: "مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فأحبَّ أن يَنْسُكَ عن وَلَدِهِ فليفعل". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة، المدني، ثقة عالم، كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة، عن رجلٍ من بني ضَمْرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وفتح الراء المهملة والهاء، قال خالد بن مهران أبو المنازل البصري الحذاء: لا أعرف هذا الصخري من هو، عن أبيه، أي: عن

стр. 1244

ضمرة بن سعيد بن أبي حنة بمهملة ثم نون، وقيل بموحدة، الأنصاري ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة جل روايتهم، كذا قاله في (تقريب التهذيب)، أن النبي ﷺ سُئِلَ عن العقيقة، قال: "لا أحب العقوق"، بضمتين، أي: العصيان وترك الإِحسان، وأصله مخالفة الولد بوالديه وأحدهما بما يؤذيهما، فكأنه أي: النبي ﷺ إنما كره الاسم، أي: لا مسماه الذي هو ذبح واحدة تجزئ عن أضحية لنصه عليها في عدة أحاديث، وقد تقرر في علم الفصاحة الاحتراز عن لفظ يشترك فيه معنييان: أحدهما مكروه فجاء به مطلقًا، وقال: أي: النبي ﷺ : "مَنْ وُلِدَ على بناء المفعول لَهُ وَلَدٌ أي: ذكر أو أنثى، فأحبَّ أن يَنْسُكَ بضم السين من باب نصر أي: أن يتقرب إلى الله تعالى بذبح حيوان عن وَلَده أي: لولادة ولده وكلمة "عن" للتعليل، قال تعالى في سورة هود: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، أي: لقولك، يعني: قال قوم هود صلوات الله على نبينا وعليه حين قال هود لقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا﴾ [هود: ٥٢، ٥٣]، أي: قوم هود: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾، أي: حجة واضحة على قولك، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾، أي: نترك عبادة آلهتنا لقولك هذا، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بمصدقين بأنك رسول الله، كذا في (عيون التفاسير)، فليفعل، أي: فليذبح ضحية، هذا حديث مرسل؛ لأنه رفعه ضمرة بن (ق ٦٨٤) سعيد التابعي إليه ﷺ ، وكان ما دفعه التابعي إليه مرسل، فهذا الحديث مرسل، وهذا الأمر إباحي؛ لأنه ﷺ علق الذبح بالمشيئة، حيث قال: "مَنْ وُلِدَ له ولد فأحب أن ينسك"، ولا يخفى أن الميتة تنفي الفرضية دون السنية، قال في كتاب (الرحمن في اختلاف الأئمة): إن العقيقة سنة مشروعة عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: هي مباحة، ولا أقول: إنها مستحبة، وعن أحمد روايتان، أشهرهما أنها سنة، والثانية أنها واجبة، واختارها بعض أصحابه، ولفظ حديث عمرو بن شعيب: "مَنْ أحب أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة"، وروى الترمذي (١) مرفوعًا: "عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة"، وقال: حديث حسن صحيح، ولا يمس رأس المولود بدم العقيقة اتفاقًا، وقال الشافعي

стр. 1245

وأحمد: يستحب أن لا يكسر عظام العقيقة، بل يطبخ أجزاء أجزاء تفاؤلًا بسلامة أعضاء المولود، ويقول عند ذبح العقيقة: اللهم هذه عقيقة فلان، دمها بدمه، ولحمها بلحمه، وعظمها بعظمه، وجلدها بجلده، وشعرها بشعره، والباء في هذه المعطوفات للمقابلة، ويقول عند ذبحها: اللهم اجعل فداء لابن فلان من النار، ويحلق شعر رأس المولود في اليوم السابع لا قبله، ويتصدق بوزنه فضة، ويسمى المولود في اليوم السابع من الولادة بأحسن الأسماء، كعبد الله وعبد الرحمن ومحمد؛ فإنه يُدعى باسمه واسم أبيه، ثم يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في يسراه، لقوله ﵇: "مَنْ وُلِدَ له مولود فأذن في يمناه وأقيم في يسراه رفعت عنه أم الصبيان"، وهو مرض يعرض بالصبيان، ومن لم يشبع من هذا فليراجع في (شرح المصابيح)، و (شرح شرعة الإِسلام). * * * ٦٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه لم يكن يسأله أحدٌ من أهله عقيقةً إلا أعطاها إياه، وكان يعقّ عن ولده بشاة شاة عن الذكر والأنثى. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه لم يكن يسأله أحدٌ من أهله عقيقةً أي: عن نفسه مما فاته عند تولده، إلا أعطاها إياه، وفي نسخة: أعطاه إياه، فالضمير المذكور راجع إلى العقيقة باعتبار المذبوح، وفائدة الاستثناء إشعار بأن عبد الله بن عمر كان من أشد الصحابة اتباعًا للسنة، فيحب نشرها، وفيه قصر الفاعل على المفعول، ومعنى قصر الفاعل على المفعول مثلًا قصر الفعل المسند إلى الفاعل على المفعول، فالمقصور عليه مؤخر مع أداة الاستثناء، وهو الضمير المستتر في أعطاها، فليراجع تفصيله في (علم البيان). وكان أي: عبد الله بن عمر يعقّ بضم العين المهملة، وتشديد القاف في باب نصر، أي: يذبح، عن ولده بضم الواو وسكون اللام، ويجوز فتح اللام والواو، أي: يذبح بسبب أولاده، بشاة شاة أي: يذبح لكل واحد منهم شاة واحدة، عن الذكر والأنثى، أي:

стр. 1246

سواء كما قاله ابن مالك، ورُوي أنه ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا، ولا يخفى أن الاكتفاء بواحد لا ينافي فضل التعدد. * * * ٦٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، أنه قال: وَزَنَتْ فاطمةُ بنت رسول الله ﷺ شعر حسن وحسين وزينب وأم كُلثوم فتصدقتْ بوزن ذلك فضَّة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا جعفر وهو الصادق بن محمد وهو الباقر بن علي، وهو زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، يكنى أبا عبد الله، المعروف بالصادق صدوق فقيه إمام، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة، عن أبيه أي: عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يُكنى أبا جعفر الباقر، ثقة فاضل، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة بضع وعشر ومائة، كما في (تقريب التهذيب) (١)، (ق ٦٨٥) أنه أي: محمد بن علي، قال: أي: مرسلًا، وَزَنَتْ فاطمةُ بنت رسول الله ﷺ شعر حسن أي: بأمر أبيها، ففي الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: عن رسول الله ﷺ عن الحسن بكبش، وقال: "يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة"، قال: فوزناه فكان درهمًا أو بعض درهم، وحسين ﵄، بضم الحاء المهملة، روى أحمد عن علي قال: لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه؟ " قلنا: حربًا، قال: "بل هو حسن"، فلما وُلِدَ الحسين فذكره مثله، وقال: "بل هو حسين"، فلما ولد محسن، فذكر مثله، وقال: "بل هو محسن"، ثم قال: سميتهم بأسماء ولد هارون بشر وبشير ومبشر، إسناده صحيح، ومحسن بضم الميم وفتح الحاء، وكسر السين المهملة المشددة، مات صغيرًا، وزينب وُلِدَت في حياة جدها، وكانت لبيبة جزلة عاقلة، ولها قوة جنان، وتزوجها عبد الله ابن عمها

стр. 1247

جعفر، فولدت له عليّا وأم كلثوم وعونًا وعباسًا ومحمدًا، وأم كُلثوم وُلِدَتْ قبل وفاة جدها ﷺ وتزوجها عمر بن الخطاب، وأمهرها أربعين ألفًا، فولدت له زيدًا ورقية، ولم يعقبا، ثم تزوجها بعد موت عمر: عون بن جعفر، ثم مات فتزوجها أخوه محمد بن جعفر، ثم مات فتزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر، فماتت عنه فتزوج أختها زينب، فتصدقتْ بوزن ذلك أي: شعرهم فضَّة، أي: يحمل بأمره ﷺ كما أمرها في الحسن. قال ابن عبد البر: أهل العلم يستحبون ما فعلته فاطمة مع العقيقة، ودونها السعيد بن زيد الباجي المالكي: التصدق بزنة الشعر حسن، وعمل برواية في الصحيح مرفوعًا، "مع الغلام عقيقة فاهر يقول عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى"، فسره ابن الجلاب تبعًا للأصمعي بحلق رأسه، كذا قاله الزرقاني (١). * * * ٦٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ربيعة بن أبي ربيعة عبد الرحمن، عن محمد بن علي بن حسين، أنه قال: وزنتْ فاطمة بنت رسول الله ﷺ شعر حسن وحسين وزينب وأم كُلثوم فتصدقتْ بزنته فضة. قال محمد: أما العقيقة، فبلغنا أنها كانت في الجاهلية، وقد فعلت في أوّل الإِسلام، ثم نسخ الأضحى كلَّ ذَبْح كان قبله، ونسخ صومُ شهر رمضان كلَّ صوم كان قبله، ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان قبل، ونَسَخَت الزكاة كل صدقة كانت قبلها، كذلك بلغنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: قال: بنا ربيعة الرأي، واسم أبيه ابن أبي ربيعة عبد الرحمن التميمي مولاهم، يُكنى أبا عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ، ثقة فقيه مشهور، قال ابن سعد: يتقونه لموضع الرأي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، ومن أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة على الصحيح، وقيل: ثلاث، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي:

стр. 1248

ستة واثنين وأربعين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١)، عن محمد بن علي بن الحسين، وقد سبق بيان طبقته آنفًا، أنه قال: مرسلًا، وزنتْ فاطمة بنت رسول الله ﷺ شعر حسن وحسين وزينب وأم كُلثوم فتصدقتْ بوزن الشعر فضة أي: فيندب ذلك، وبالذهب أيضًا معمولة كانت أو غير معمولة. قال محمد: أما العقيقة، فبلغنا أنها كانت في الجاهلية، أي: سنة أو واجبة على زعمهم أو معمولة عندهم، وقد فعلت في أوّل الإِسلام، أي: بطريق الوجوب ليوافق قوله: ثم نسخ الأضحى كلَّ ذَبْح كان قبله، أي: مشروعًا من العقيقة والعتيرة والرجبية، فكان الرجل إذا ولدت له الناقة أو الشاة ذبح أول ولد فأكل وأطعم، ويسمى العتيرة، وقيل في تفسير العتيرة: أن الرجل كان إذا نذر نذرًا بأنه إذا وقع كذا أو بلغ شأنه كذا فعليه أن يذبح من كل عشرة منها شاة، وكان (ق ٦٨٦) العرب يذبحون الشاة في رجب يدعى الرجبية، فإسناد النسخ إلى الأضحى كان مجازًا مرسلًا من قبيل: أنبت الربيع البقل؛ لأن النسخ في اللغة عبارة عن تبديل حكم إلى حكم آخر، وهو فعل الأضحى، وكذا الحكم في المعطوفات، ونسخ صومُ شهر رمضان كلَّ صومٍ كان قبله، أي: واجبًا كأيام البيض ويوم عاشوراء، ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان قبل، أي: واجب أو لم أعرفه ما هو، ونَسَخَت الزكاة كل صدقة كانت قبلها، وهذا أيضًا غير معروف، كذلك بلغنا، أي: في أسانيدنا، وفيه أن الفريضة إذا نُسخت تبقى الفضيلة التي تترتب عليها المثوبة، كصلاة التهجد، وصوم عاشوراء، وهي تنافي الإِباحة التي لا ثواب فيها ولا عقاب، وفي (البدائع) ذكر محمد في (الجامع الصغير): ولا يعق عن الغلام ولا عن الجارية، وأنه إشارة إلى الكراهة؛ لأن العقيقة كانت فضيلة ومتى نسخ الفضل لا يبقى إلا الكراهة، بخلاف الصوم والصدقة، فإنهما كانتا من الفرائض، فإذا نسخت الفضيلة يجوز التنفل بهما، قلت: وفيه بحث؛ لأن الفضيلة إذا نسخت تبقى الإِباحة؛ لأن النسخ ما توجه إلا إلى الفضيلة فيبقى أصل الإِباحة، وهذا على تقدير أنه كان فضيلة، وإلا فالظاهر من ذكرها مع الصوم والصدقة أنها على منوالهما في كونها واجبة، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام العقيقة، شرع في بيان أحكام الديّات، فقال: هذا * * *

стр. 1249

أبواب الديات كتاب في بيان أحكام الديَّات، وفي نسخة: أبواب الديّات، وهي جمع الديَّة، وهي مصدر ودى القاتل المقتول، إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قبل لذلك المال، الديَّة تسمية بالمصدر، ولذا جُمِعَت، وهي كعدة في حذف الفاء الفعل، كذا في (المغرب) وغيره؛ لأن التاء في آخر الديَّة عوض عن الواو كعدة، والكتاب لغة: مصدر بمعنى الكتب، وهو الجمع، سُمي به المفعول للمبالغة، واصطلاحًا: طائفة من المسائل، وإضافته إلى الديات من قبيل إضافة العام إلى الخاص، وإنما قال: الديات بلفظ الجمع للإِشعار بتعدد أنواعها، واستنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين باب العقيقة، إعطاء المال إلى الغير استحبابًا ووجوبًا. ٦٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره عن الكتاب الذي كان رسول الله ﷺ كتبه لعمرو بن حزم في العُقُول، فكتب: "أن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جَدْعًا مائة من الإبل، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المأمومة مثلها، وفي العين خمسين، وفي اليد خمسين، وفي الرِّجل خمسين، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السنّ خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل". قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.

стр. 1250

• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، أن أباه أي: أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أخبره أي: حكى أبو بكر بن محمد لابنه عبد الله عن الكتاب الذي كان رسول الله ﷺ كتبه أي: أمر كاتبه بأن قال: اكتب لعمرو بن حزم بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي، فميم، أي: ابن لوزان الأنصاري البخاري، شهد الخندق وما بعدها، وكان عاملًا للنبي ﷺ على نجران، مات بعد الخمسين من الهجرة، وغلط من قال في خلافة عمرو، وهو كتاب جليل، فيه أنواع كثيرة من الفقه في الذكاة، والديَّات، والأحكام، وذكر الكبائر، والطلاق، والعتاق، وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والأجنب (ق ٦٨٧) فيه، ومس المصحف، وغير ذلك، أخرجه النسائي وابن حبان موصولان من طريق الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديَّات وبعث به مع عمرو بن حزم، فقدم على أهل اليمن، وهذه نسخة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، قيل: ذي رعين ومعافير، وهمدان، أما بعد: فذكر الحديث بطوله، وفيه: في العُقُول، أي: الديَّات، بضم العين المهملة والقاف، وسكون الواو، فلام: جمع العقل، يقال: عقلت القتل عقلًا أديت ديته، قال الأصمعي: سُميَّت الديَّة عقلًا تسمية بالمصدر؛ لأن الإِبل كانت تُعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الديَّة إبلًا كانت أو نقدًا، فكتب، يحتمل صيغة الفاعل والمفعول: "أن في النفس أي: في قتلها خطأ سواء كانت حرًا مسلمًا أو ذميّا مائة من الإبل، أي: وما يقوم مقامها من الذهب ألف دينار، ومن الفضة عشرة آلاف درهم عند أبي حنيفة.

стр. 1251

روى الدارقطني في (سننه) عن الحسين بن صفوان، عن عبد الله بن أحمد رحمويه، عن إبراهيم بن سعد بن شهاب، أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يجعلان ديَّة اليهودي والنصراني المعاهدين دية الحر المسلم، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن علقمة ومجاهد، وعطاء، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والزهري، وروى عبد الرزاق عن أبي حنيفة عن الحكم بن عيينة، عن علي ﵁ أنه قال: دية كل ذمي مثل دية المسلم، وقال أبو حنيفة: وهو قولي؛ لأنه حُرّ معصوم الدم فتكمل ديته كالمسلم، وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وهو قول أحمد، وقال مالك: ديَّة اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وللشافعي ما رواه في مسنده عن فضيل بن عياض عن منصور عن ثابت بن قيس، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وفي المجوسي ثمان مائة درهم؛ لأن نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة، وبالأنوثة تنتصف الدية بالإِجماع، فينبغي أن يكون بالكفر أنقص من النصف، فيكون ثلث دية المسلم، وهي عندي اثنى عشر ألف درهم؛ ولأن الديَّة تنصف باعتبار الرق، وهو أثر من آثار الكفر فلا ينتقص باعتبار الكفر ولي؛ ولأن عقد الذمة أولى من الإِسلام، فينبغي أن لا يؤثر في حقن الدم مثل الإِسلام، وقولهم نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة مُسلَّم؛ إلا أن الدية في المرأة باعتبار نقصانها في المالكية؛ لأنها مالكة لما دون النكاح، ولا نقصان في المالكية للذمي، وقولهم: إن الديَّة ينتقص باعتبار الرق، غير مُسلَّم، بل تنتقص بنقصان المالكية، ولا تأثير للكفر في نقصان المالكية، واستدلالهم بنقصان عقد الذمة عن الإِسلام ساقط، لأن الإِحراز والتقويم بالدار عندنا وهما في ذلك سواء، كذا قاله عبد الله بن مسعود تاج الشريعة في (شرح النقاية). وفي الأنف أي: في قطعه أو إتلافه كلًا أو بعضًا، (ق ٦٨٨) إذا أوعبت بضم الهمزة، وسكون الواو وكسر العين المهملة، وفتح الموحدة، والتاء الساكنة، أي: إن استوصلت بحيث لم يبق منه شيء، وفي نسخة: بالباء التحتية وهي بمعناها، جَدْعًا بفتح الجيم وسكون الدال المهملة والعين المهملة منونًا أي: قطعًا، مائة من الإبل، أي: تمام الدية، وفي الجائفة اسم فاعل من جافته تجوفه، إذا وصلت لجوفه، أي: أن في الجراحة التي وصلت إلى الجوف ثلث النفس، أي: من الدية، وفي المأمومة مثلها، قيل لها: مأمومة؛ لأن فيها معنى المفعولية في الأصل، وجمعها على لفظ مأمومات، وهي الشجة

стр. 1252

التي تصل إلى أم الدماغ وهي الجلدة التي فيها الدماغ، أي: والدية، وفي الشجة التي تصل إلى أم الدماغ فدية الجائفة، وهي ثلث دية النفس، وفي العين أي: وإن في إحدى العينين دية خمسين، أي: إبلًا في سنن أبي داود والنسائي، أنه ﷺ كتب كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديَّات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فكان فيه وفي العينين الدية الكاملة، وفي العين الواحدة نصف الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية. وفي اليد الواحدة نصف الدية، وعلى هذا القياس يجب دية كاملة في اثنين مما في البدن منه اثنان كالعينين واليدين والرجلين والشفتين والأذنين والأنثيين، وفي أحدهما نصف الدية، وفي الرِّجل بكسر الراء المهملة وسكون الجيم، أي: إذا كانت واحدة خمسين أي: إبلًا، وفي كل إصبع بتثليث الهمزة والموحدة، وهي: تسعة فما هنالك أي: في الرجل واليد عشر من الإبل، لما أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل أصبع"، وما أخرجه الجماعة إلا مسلمًا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه وهذه سواء"، يعني الإِبهام والخنصر، وفي السنّ خمس من الإبل، أي: سواء كان أضراسًا أو ثنايا أو رباعيات، لما أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قضى رسول الله ﷺ في الأسنان خمس من الإِبل، في كل سن، وفي الموضحة وهي الشجة التي تكشف العظم، أي: تكسره وتظهره خمس من الإبل". قال محمد: وبكذا كله نأخذ، أي: نعمل بجميع ما رواه عبد الله بن أبي بكر في هذا الكتاب الديات، وهو أي: ما قاله أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان محل كامل الدية ومحل بعضها، شرع في بيان محل بعض الديَّة، فقال: هذا * * *

стр. 1253

باب الدية في الشفتين باب في بيان الديَّة في الشفتين، والمفرد الشفة، يقال: أصله شفهة؛ لأن تصغيرها شفيهة، والجمع شفاه بالهاء، كذا في (الأختري). ٦٦٤ - أخبرنا مالك, أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، قال: في الشفتين الدّية، فإذا قطعت السفلى ففيها ثلث الدّيَّة. قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا: الشفتان سواء؛ في كل واحدةٍ منهما نصف الدِّية، ألا ترى أن الخِنصر والإِبهام سواء، ومنفعتهما مختلفة، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران (ق ٦٨٩) بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من كبار طبقات التابعين، ومن أهل المدينة، واتفقوا على أن مراسيله أصلح المراسيل، مات بعد التسعين بيسير وهو أربع وثمانين، كذا قاله ابن حجر (١)، وابن الجوزي. قال: في الشفتين أي: حكم في قطع الشفتين الدّية، أي: الكاملة، وفي الشفة الواحدة نصف الدية، ولا فرق بينهما عند الجمهور، خلافًا لابن المسيب، حيث قال: فإذا قطعت أي: الشفة السفلى بضم السين المهملة وسكون الفاء واللام المفتوحة وتحتية ضد العليا من الشفتين، ففيها ثلث الدّيَّة، أي: ترجى للسفلى على العليا؛ لأن الدية مختلف باختلاف المنفعة. قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، أي: لا ينبغي لنا أن نعمل بما قاله سعيد بن المسيب، ولكن نقول: الشفتان سواء؛ في كل واحدةٍ منهما نصف الدِّية، ألا ترى أن الخِنصر

стр. 1254

والإِبهام سواء، أي: كما تقدم في الحديث، ومنفعتهما مختلفة، أي: فإن الإِبهام منفعتهما أكثر وأقوى كما لا يخفى، وهذا قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وفي رواية أبي داود والنسائي مرفوعًا، أن في الشفتين الدية، وظاهرة الإِطلاق من غير التفرقة. لما فرغ من بيان ما يتعلق بدية الشفتين، شرع في بيان ما يتعلق بدية العمد، فقال: هذا * * * باب دية العمد باب في بيان ما يتعلق بدية العمد، اتفقوا على أن الدية للمسلم الحر الذكر مائة من الإِبل في مال القاتل العامد إذا عدل إلى الدية، ثم اختلفوا: هل هي حالة أو مؤجلة؟ فقال مالك والشافعي وأحمد: هي حالة، وقال أبو حنيفة: هي مؤجلة في ثلاث سنين، واختلفوا في دية العمد، فقال أبو حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه: هي أرباع الكل سن من الأسنان الإِبل منها خمس وعشرون بنت مخاض، ومثلها بنت لبون، ومثلها حقاق، ومثلها جذاع، وقال الشافعي: يؤخذ ثلثه ثلاثون حقة وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة هي حوامل، وبه قال أحمد في روايته الأخرى. ٦٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، قال: قد مضت السُّنَّة، أن العاقلة لا تحمل شيئًا من دية العمد إلا أن تشاء. قال محمد: وبهذا نأخذ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كان في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، قال: قد مضت أي: سبقت السُّنَّة، هي في اللغة: الطريقة المرضية، وفي الشريعة هي الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب، وهي تطلق على قول الرسول ﷺ وفعله

стр. 1255

وسكوته عند أمر يعاينه، وعلى طريقة الصحابة ﵃، والحديث والخبر مختصان بالقول، كذا قاله السيد محمد الجرجاني وعبد اللطيف بن فرشت في (شرح المنار)، أن العاقلة أي: أهل الديوان وهم الجيش الذين كتب أسماءهم في الديوان، لا تحمل أي: لا تلتزم على نفسها شيئًا من دية العمد، فإنها مخيرة إن شاءت أعطاها، وإن لم تشأ لم تعطها كما قال: إلا أن تشاء؛ فإن دية المقتول عمدًا تلتزم على القاتل فقط. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله ابن شهاب (ق ٦٩٠). * * * ٦٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: لا تَعقل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جَنى المملوك. قال محمد: فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، كذا في نسخة: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، أي: أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، الهزلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين ومائة. عن ابن عباس، ﵄، قال: لا تَعقل العاقلة أي: لا تُعطى دية المقتول عمدًا أهل الديوان القاتل لزومًا، بل هي مخيرة بين إعطائها وإمساكها، يعني لا تلزم العاقلة دية المقتول إذا كان القتل عمدًا أي: محضًا، ولا صلحًا ولا يتحمل العاقلة دية المقتول إذا صولح الجاني من الدية على مال، ولا اعترافًا ولا ما جَنى المملوك، أي: إذا جنى عبد أو أمة على إنسان لا يلتزم عاقلة مولى العبد الجاني دية جنايته. قال محمد: فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1256

لما فرغ من بيان دية العمد، شرع في بيان دية الخطأ، فقال: هذا * * * باب دية الخطأ باب في بيان دية الخطأ، وهو بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة مقصورًا وِقديمة عند العمد، استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق التضاد. ٦٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، أنه كان يقول: في دية الخطأ عشرون بنتَ مخاض، وعشرون بنتَ لَبون، وعشرون ابنَ لبون، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة. قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، ولكنا نأخذ بقول عبد الله بن مسعود (١)، وقد رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "دية الخطأ أخماس، عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقَّة، وعشرون جَذَعة أخماس"، وإنما خَالَفنا سليمان بن يسار في الذكور فجَعلها من بني اللبون، وجعلها عبد الله بن مسعود من ابني المخاض، وقول أبي حنيفة مثل قول ابن مسعود. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، أنه كان يقول: في دية الخطأ عشرون بنتَ مخاض، وهي الإِبل التي تم لها السنة

стр. 1257

وطعنت في السنة الثانية، سميت بذلك لأن أمها في الغالب تصير ذات مخاض، أي: حمل بأخرى، والمخاض أيضًا وجع الولادة، وعشرون بنتَ لَبون، وعشرون ابنَ لبون، وهي الإِبل التي تم لها سنتان ودخلت في السنة الثالثة، سميت بها لأن أمها في الغالب ذات لبن من أخرى، وعشرون حِقَّة، بكسر الحاء المهملة وفتح القاف المشددة، وبعدها هاء، وهي الإِبل التي تم لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها استحقت الحمل والركوب، وعشرون جَذَعة، بفتح الجيم والذال المعجمة والمفتوحة والعين المهملة المفتوحة، ثم الهاء، وهي الإِبل التي تم لها السنة الرابعة ودخلت في السنة الخامسة، سميت بذلك لمعنى في أسنانها يعرفها أهل اللغة وهي أقصى سن. قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، أي ما كنا أنا وأصحاب أبي حنيفة نعمل بقول سليمان بن يسار، ولكنا نأخذ أي: نحن نعمل ونفتي بقول عبد الله بن مسعود، ﵁، لأنه أفضل، مع أن حديثه مرفوع لا بينه بقوله، وقد رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "دية الخطأ أخماس، عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وفي ترجيح ما رواه ابن مسعود على قول سليمان بن يسار تيسير لمن يلزم عليه الدية لأن قيمة ابن مخاض (ق ٦٩١) قليل من قيمة ابن لبون، وفي قول سليمان بن يسار تغليظ للخطائي وتزجير للعامد بقتل النفس، فالتزجير إحياء الناس، كما أن القصاص إحياء الباقين، ولكل وجهة. وعشرون بنت لبون، وعشرون حقَّة، وعشرون جَذَعة أخماس"، وإنما خَالَفنا سليمان بن يسار في الذكور أي: في تعيينها فجعلها أي: جعل سليمان بن يسار الذكور من بني اللبون، وجعلها أي: الذكور عبد الله بن مسعود من ابني المخاض، وقول أبي حنيفة مثل قول ابن مسعود. وحديثه هذا أخرجه أصحاب السنن عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابني مخاض ذكر"، قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد رُوي عنه موقوفًا، وقال مالك والشافعي: مكان عشرين بنت مخاض، عشرين ابن لبون، لما في الكتب الستة من حديث سهل بن خيثمة في الذي وداه النبي ﷺ بمائة من إبل الصدقة، وبني المخاض لا مدخل لها في الصدقات، وأجاب الأصحاب عنه بأنه ﷺ تبرع بذلك دفعًا لفتنة الأنام، ولم تجعل حكمًا من الأحكام.

стр. 1258

وقال النووي في (شرح مسلم): المختار ما قاله جمهور أصحابنا وغيرهم أن معناه أنه ﷺ اشتراها من أهل القتيل. انتهى، وقيل: لا حجة عنه لأنهم لم يدعوا إلى أهل خيبر إلا قتله عمدًا فيكون ديته دية العمد، وهي من أسنان الصدقة، وإنما الخلاف في الخطأ، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بدية الخطأ، شرع في بيان ما يتعلق بدية الأسنان مطلقًا، فقال: هذا * * * باب دية الأسنان باب في بيان أحكام دية الأسنان بفتح الهمزة جمع سن مؤنثة وزن حمل وأحمال، والعامة يقولون: إسنان بالكسر والضم وهو خطأ، وهو أعم من الضرس وغيره لغة، اقتبس المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق الإِطلاق والتقييد. ٦٦٨ - أخبرنا مالك, أخبرنا داود بن الحصين، أن أبا غَطَفان أخبره: أن مروان بن الحكم أرسله إلى ابن عباس يسأله: ما في الضرس؟ فقال عبد الله بن عباس: إن فيه خمسًا من الإِبل، قال: فردني مروان إلى ابن عباس، فقال: فلم تجعل مقدَّم الفم مثل الأضراس؟ قال: فقال ابن عباس: لولا أنك لا تعتبر إلا بالأصابع عَقْلها سواء. قال محمد: وبقول ابن عباس نأخذ، عقل الأسنان سواء، وعقل الأصابع سواء؛ في كل أصبع عُشر الدية، وفي كل سن نصف عُشر الدية، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا داود بن

стр. 1259

الحصين، الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني ثقة، إلا في عكرمة، رُمي برأي الخوارج، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر العسقلاني (١)، أن أبا غَطَفان بفتح العين المعجمة وفتح الطاء المهملة والفاء فألف ونون على وزن نزوان المري بن طريف أو ابن مالك المري بالراء، المدني، قيل: اسمه سعد، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات بعد المائة، أخبره: أن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، يكنى عبد الملك الأموي، ولي الخلافة في المدينة من جهة معاوية في آخر سنة أربع وستين ولم يثبت له صحبة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس في رمضان قبل المائة، وهو ابن ثلاث أو إحدى وستين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، أرسله إلى ابن عباس ﵄، (ق ٦٩٢) يسأله: ما في الضرس؟ أي: أي شيء من الدية تلزم للضرس الذي قلع خطأ؟ فقال عبد الله بن عباس: إن فيه أي: في واحدة خمسًا من الإِبل، أي: لقوله ﷺ : "وفي السن خمس"، قال أي: أبو غطفان: فردني مروان أي: ثانيًا حتى أسأل إلى أبن عباس، ﵄، فقال: أي: أبو غطفان على وجه الالتفات من التكلم إلى الغيبة لنشاط السامع وللإِصغاء بكلامه، وللتنبيه على أن هذا الحكم عظيم، ومقتضى أن يقال، فقلت: أي: سألت عبد الله بن عباس بأن أقول له: فلم تجعل أي: يا ابن عباس مقدَّم الفم أي: الثنايا والفاء عطف على مقدر وهو مدخول الهمزة الاستفهامية مقدرة كما جيئت في (الموطأ) ليحيى أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس؟ وهي غير الثنايا، والمعنى: هل رويت يا ابن عباس عن النبي ﷺ دية الثنية والضرس سواء، فلم تجعل دية مقدم الفم كدية الأضراس؟ قال: أي: أبو غطفان: فقال ابن عباس ﵄: لولا أنك لا تعتبر أي: لا تقيس إلا بالأصابع أي: لكان كافيًا لك، فحذف جواب لو، وإنما قال له ذلك مجازاة لما رُوي إليه من أن جعل الأسنان مثل الأضراس خلاف القياس، وإلا فابن عباس روى عن النبي ﷺ الأصابع والأسنان والثنية والضرس سواء أخرجه الإسماعيلي، وفي البخاري (٢) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:

стр. 1260

"هذه وهذه سواء" يعني الخنصر والإِبهام، ولأبي داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: "الأصابع كلها سواء، كلهن فيه عشر عشر من الإبل"، كذا قاله الزرقاني، عَقْلها أي: دية الأصابع كلها، سواءُ، أي: مستوية مع اختلاف ما فيها من تفاوت المنفعة. قال محمد: وبقول ابن عباس نأخذ، أي: نعمل ونقول: عقل الأسنان أي: ديتها سواء أي: لا فرق بين أفرادها، قال الأصمعي: وجه التسمية الدية عقلًا؛ لأن كل إبل تربط عند باب وإرث المقتول لأجله ديته، ثم شاع استعمال لفظ العقل في كل دية كانت دنانيرًا ودراهم، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، وعقل الأصابع سواء؛ في كل أصبع عُشر الدية، بضم العين المهملة وسكون الشين المعجمة والراء، وهي عشرة من الإِبل، وفي كل سن نصف عُشر الدية، وهو خمس من الإِبل لزوم دية كل سن نصف عشر الدية، وهو أي: لزوم دية كل سن نصف عشر الدية الكاملة قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لما أخرجه أبو داود (١) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: أنه قضى رسول الله ﷺ في الأسنان خمس من الإِبل في كل سن، ولما في كتاب عمرو بن حزم: وفي السن خمس من الإِبل، ولما أخرجه أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "الأسنان سواء الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء"، ولو قلع جميع أسنانه يجب ستة عشر ألفًا، وفي البدن عضو الدية، أكثر من دية النفس سوى الأسنان، وفي الكوسج يجب أربعة عشر ألفًا؛ لأن أسنانه تكون ثمانية وعشرين، حُكي أن امرأة قالت لزوجها: يا كوسج، فقال: إن كنت كوسجًا فأنت طالق، (ق ٦٩٣) فسئل أبو حنيفة عن ذلك فقال: تعد أسنانه إن كانت ثمانية وعشرين فهو كوسج، وهذا يدل على أن الكوسج أنواع باختلاف تفاوت اللحية، وما ذكره الإِمام حقيقة العلامة لكن فيه إشكال؛ لأن مدار الإِيمان على العرف في الأمكنة والأزمان، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام دية الأسنان مطلقًا، شرع في بيان أحكام دية السن والعين المخصوصين، فقال: هذا * * *

стр. 1261

باب أرش السن السوداء والعين القائمة باب في بيان أحكام أرش السن السوداء، وهو بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة والشين المعجمة هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني الحنفي، قال الإِمام المطرزي في (المغرب): الأرش دية الجراحات، انتهى، السوداء بفتح السين المهملة وسكون الواو والدال الممدودة صفة شيء مطلقًا، وأما السواد بفتح السين والواو فألف ودال فمصدر، كذا قاله أهل اللغة والعين القائمة، أي: وبيان أحكام دية العين القائمة. ٦٦٩ - أخبرنا مالك, أخبرنا يحيى بن سعيد، أن سعيد بن المسيَّب كان يقول: إذا أصيبت السنّ فاسودّت ففيها عَقلها تاما. قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا أصيبت السن فاسودّت أو احمّرت أو اخضرّت فقد تم عَقْلُها، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، أن سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد التسعين، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، كان يقول: إذا أصيبت السنّ، أي: بحجر ونحوه فاسودّت أي: فتغيرت لونها عما كانت في أصلها، ففيها عقلها أي: ديتها المعروفة وهي نصف العشر، تاما، أي: من غير نقص منها. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، إذا أصيبت

стр. 1262

السن فاسودّت أو احمّرت أو اخضرّت أي: تغيرت ولو اصفرت، فقد تم عَقلُها، أي: ديتها، فهو بمنزلة تلفها، وهو قولُ أبي حنيفة، أي: ومن أتبعه. * * * ٦٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن زيد بن ثابت كان يقول في العين القائمة: إذا فُقئت مائة دينار. كال محمد: ليس فيها عندنا أرش معلوم، ففيها حكومة عدل، فإن بلغت الحكومة مائة دينار أو أكثر من ذلك كانت الحكومة فيها، وإنما نضع هذا من زيد بن ثابت لأنه حكم بذلك. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، أن زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوفان الأنصاري البخاري، يُكنى أبا سعيد، وأبا خارجة، صحابي مشهور، كتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين من الهجرة، كان يقول في العين القائمة أي: الثابتة الصحيحة إذا فُقئت، بضم الفاء وكسر القاف وفتح الهمزة، وسكون التاء الفوقية، أي: غارت العين بأن شق حدقتها، وفي نسخة: إذا طُفئت، أي: أطمس نورها، مائة دينار، قال سيد محمد الزرقاني (٢): ولم يأخذ بهذا مالك، بل قال: إن أمكن أن يفعل ذلك بالجاني وإلا فالعقل كالخطأ، انتهى، وقولهم: أبو حنيفة سوى بين الفقء (ق ٦٩٤) والقلع أراد التسوية حكمًا لا لغة، لأن الفقأ ما ذكره، والقلع أن نزع حدقتها بعروقه، كذا قاله علي القاري عن (المغرب).

стр. 1263

قال محمد: ليس عندنا فيها أي: فقء العين أرش معلوم، أي: دية مقدرة مفهومة، ففيها حكومة عدل، أي: مطلقة، وفسر صاحب (الاختيار) حكومة العدل، بأن يقوم المجروح عبدًا سالمًا أو صحيحًا وجريحًا، فما نقصت الجراحة من القيمة يعتبر من الدية كما فسرها المصنف بقوله: فإن بلغت الحكومة وفي نسخة: وإن بلغت بالواو مائة دينار أو أكثر من ذلك كانت الحكومة فيها، أي: معتبرة وإنما نضع أي: نحمل هذا أي: الحكم من زيد بن ثابت، أنه، وفي نسخة: لأنه حكم بذلك، فيكون واقعة اتفاقية فرعية لا قضية فرعية شرعية، وتفسير حكومة عدل أن يقوم المجني عليه، وهذا تفسير الحكومة عند الطحاوي، بل هذا الأثر يقوم عبدًا معه، فقدروا التفاوت بين القيمتين من الدية هو الحكومة العدل وبه يفتى، كذا قاله قاضيان، وبه أخذ الحلواني، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وكل من يحفظ عند العلم، كذا قاله ابن المنذر. وقال بعض المشايخ في تفسيرها: ينظر إلى قدر ما يحتاج إليه من النفقة إلى أن تبرأ هذه الجراحة، فيجب على الجاني، فإن عرف القاضي مقداره وإلا فسأل من له علم بذلك من الأطباء، وقالوا: وهذا لا يقوى لأن الناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يكون أبطأ براء، ومنهم من يكون أسرع براء، وهذا إذا بقي للجراحة أثر ما إذا لم يبق فقال أبو يوسف: لا شيء على الجاني، وقال محمد: يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ، وقال أكثر أهل العلم بقول أبي يوسف ﵀. لما فرغ من بيان دية السن السوداء والعين إذا فقئت، شرع في بيان ما يتعلق بأحكام أحوال الجماعة يجتمعون على قتل رجل واحد، فقال: هذا * * * باب النفر يجتمعون على قتل واحد باب في بيان أحكام أحوال النفر، بفتح النون والفاء فراء مهملة، أي: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة من الرجال، فإضافة الباب إلى النفر من قبيل إضافة العام إلى الخاص، يجتمعون على قتل واحد، أي: بالإِضافة. ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق اللازم والملزوم، والمراد بالأول الدية، وبالثاني سببها.

стр. 1264

٦٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا - خمسة أو سبعة - برجلٍ قَتَلوه قَتْلَ غِيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء قتلْتُهم به. قال محمد: وبهذا نأخذ، إن قتل سبعةٌ أو أكثر من ذلك رجلًا عمدًا قَتْلَ غِيلة أو غير غيلة، ضربوه بأسيافهم حتى قتلوه قُتِلوا به كلهم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري، المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة من الهجرة، عن سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله ابن الجوزي وابن حجر في طبقاته (وتقريب تهذيبه)، (ق ٦٩٥) أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرًا جماعة خمسة منصوب على أنه بدل بعض من نفر، فإنه جماعة من ثلاثة إلى عشرة، وفي نسخة: خمسة نفر بإضافتها إليه، أو سبعة، شك من الراوي، برجلٍ أي: بسبب قصاص رجل واحد غلام اسمه أصيل من أهل صنعاء، قَتَلوه أي: شاركوا في قتله، قَتْلَ غِيلة، بكسر الغين المعجمة، وسكون التحتية وفتح اللام، فهاء مجرور مضاف إليه لقتل، أي: خدعة وخفية، وقال أي: عمر: لو تمالأ بفتح الفوقية والميم واللام وألف بينهما وفتح الهمزة في آخره على وزن تعاون لفظًا ومعنى، أي: اجتمع عليه أي: على قتله فرضًا، أهل صنعاء بالمد، مدينة عظيمة معروفة في بلاد اليمن، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وإنما خصها بالذكر لأنها كانت موضع نزول النازلة التي استغنى فيها، قتلْتُهم به، جواب لو كما ذكر في (الموطأ) ليحيى، وهذا مختصر من أثر وصله ابن وهب.

стр. 1265

ورواه من طريق قاسم بن أصبغ والطحاوي، والبيهقي، قال ابن وهب: حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم حدثه عن أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنًا له من غيرها غلامًا يُقال له: أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى، فامتنعت منه، فطاوعها فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادعها فقتلوه ثم قطعوه عضوًا عضوًا منه، وجعلوه في عيبة - بفتح المهملة وسكون التحتية فموحدة - وعاد من أدم فوضعوه في ركية بتشديد التحتية بئر لم تطو في ناحية القرية ليس فيها ماء، فأخذ خليلها، ثم اعترف الباقون، فكتب لعلي وهو يومئذٍ أمير بشأنهم إلى عمر، فكتب عمر بقتلهم جميعًا، وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلهم أجمعين، كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، إن قتل سبعةٌ أي: وما دونها بالأولى، وذكر السبع إشعار بأن العدد الثابت في القضية كما رواه عبد الرزاق في (مصنفه) من غير شك، أو أكثر من ذلك أي: لو بلغ ألفا رجلًا أي: ممن لا يستحق القتل، عمدًا أي: بالعمد دون الخطأ، قَتْلَ غِيلة أو غير غيلة، فيه إيحاء إلى أن قتل غيلة في الحديث حكاية الواقعة، ضربوه بأسيافهم أي: أو ما يقوم مقامها، حتى قتلوه قُتِلوا به كلهم، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، والعامة من فقهائنا، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، منهم علي وشريح، وقال ابن الزبير، والزهري، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وأحمد في رواية: لا تقتلوه به ويجب الدية (ق ٦٩٦) عليهم؛ لأن مفهوم النفس بالنفس أن لا يقتل بالنفس الواحدة أكثر من واحدة؛ ولأن في القصاص يجب المساواة ولا مساواة بين العشرة والواحدة، وكلهم حملوا حديث عمر على السياسة، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام أحوال الجماعة قتلوا مجتمعين رجلًا واحدًا، شرع في بيان حكم حال الشخصين، فقال: هذا * * *
следующие страницы →