باب أرش السن السوداء والعين القائمة
باب في بيان أحكام أرش السن السوداء، وهو بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة والشين المعجمة هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني الحنفي، قال الإِمام المطرزي في (المغرب): الأرش دية الجراحات، انتهى، السوداء بفتح السين المهملة وسكون الواو والدال الممدودة صفة شيء مطلقًا، وأما السواد بفتح السين والواو فألف ودال فمصدر، كذا قاله أهل اللغة والعين القائمة، أي: وبيان أحكام دية العين القائمة.
٦٦٩ - أخبرنا مالك, أخبرنا يحيى بن سعيد، أن سعيد بن المسيَّب كان يقول: إذا أصيبت السنّ فاسودّت ففيها عَقلها تاما.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا أصيبت السن فاسودّت أو احمّرت أو اخضرّت فقد تم عَقْلُها، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، أن سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد التسعين، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، كان يقول: إذا أصيبت السنّ، أي: بحجر ونحوه فاسودّت أي: فتغيرت لونها عما كانت في أصلها، ففيها عقلها أي: ديتها المعروفة وهي نصف العشر، تاما، أي: من غير نقص منها.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، إذا أصيبت
стр. 1262
السن فاسودّت أو احمّرت أو اخضرّت أي: تغيرت ولو اصفرت، فقد تم عَقلُها، أي: ديتها، فهو بمنزلة تلفها، وهو قولُ أبي حنيفة، أي: ومن أتبعه.
* * *
٦٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن زيد بن ثابت كان يقول في العين القائمة: إذا فُقئت مائة دينار.
كال محمد: ليس فيها عندنا أرش معلوم، ففيها حكومة عدل، فإن بلغت الحكومة مائة دينار أو أكثر من ذلك كانت الحكومة فيها، وإنما نضع هذا من زيد بن ثابت لأنه حكم بذلك.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، أن زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوفان الأنصاري البخاري، يُكنى أبا سعيد، وأبا خارجة، صحابي مشهور، كتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين من الهجرة، كان يقول في العين القائمة أي: الثابتة الصحيحة إذا فُقئت، بضم الفاء وكسر القاف وفتح الهمزة، وسكون التاء الفوقية، أي: غارت العين بأن شق حدقتها، وفي نسخة: إذا طُفئت، أي: أطمس نورها، مائة دينار، قال سيد محمد الزرقاني (٢): ولم يأخذ بهذا مالك، بل قال: إن أمكن أن يفعل ذلك بالجاني وإلا فالعقل كالخطأ، انتهى، وقولهم: أبو حنيفة سوى بين الفقء (ق ٦٩٤) والقلع أراد التسوية حكمًا لا لغة، لأن الفقأ ما ذكره، والقلع أن نزع حدقتها بعروقه، كذا قاله علي القاري عن (المغرب).
стр. 1263
قال محمد: ليس عندنا فيها أي: فقء العين أرش معلوم، أي: دية مقدرة مفهومة، ففيها حكومة عدل، أي: مطلقة، وفسر صاحب (الاختيار) حكومة العدل، بأن يقوم المجروح عبدًا سالمًا أو صحيحًا وجريحًا، فما نقصت الجراحة من القيمة يعتبر من الدية كما فسرها المصنف بقوله: فإن بلغت الحكومة وفي نسخة: وإن بلغت بالواو مائة دينار أو أكثر من ذلك كانت الحكومة فيها، أي: معتبرة وإنما نضع أي: نحمل هذا أي: الحكم من زيد بن ثابت، أنه، وفي نسخة: لأنه حكم بذلك، فيكون واقعة اتفاقية فرعية لا قضية فرعية شرعية، وتفسير حكومة عدل أن يقوم المجني عليه، وهذا تفسير الحكومة عند الطحاوي، بل هذا الأثر يقوم عبدًا معه، فقدروا التفاوت بين القيمتين من الدية هو الحكومة العدل وبه يفتى، كذا قاله قاضيان، وبه أخذ الحلواني، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وكل من يحفظ عند العلم، كذا قاله ابن المنذر.
وقال بعض المشايخ في تفسيرها: ينظر إلى قدر ما يحتاج إليه من النفقة إلى أن تبرأ هذه الجراحة، فيجب على الجاني، فإن عرف القاضي مقداره وإلا فسأل من له علم بذلك من الأطباء، وقالوا: وهذا لا يقوى لأن الناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يكون أبطأ براء، ومنهم من يكون أسرع براء، وهذا إذا بقي للجراحة أثر ما إذا لم يبق فقال أبو يوسف: لا شيء على الجاني، وقال محمد: يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ، وقال أكثر أهل العلم بقول أبي يوسف ﵀.
لما فرغ من بيان دية السن السوداء والعين إذا فقئت، شرع في بيان ما يتعلق بأحكام أحوال الجماعة يجتمعون على قتل رجل واحد، فقال: هذا
* * *
باب النفر يجتمعون على قتل واحد
باب في بيان أحكام أحوال النفر، بفتح النون والفاء فراء مهملة، أي: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة من الرجال، فإضافة الباب إلى النفر من قبيل إضافة العام إلى الخاص، يجتمعون على قتل واحد، أي: بالإِضافة.
ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق اللازم والملزوم، والمراد بالأول الدية، وبالثاني سببها.
стр. 1264
٦٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا - خمسة أو سبعة - برجلٍ قَتَلوه قَتْلَ غِيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء قتلْتُهم به.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إن قتل سبعةٌ أو أكثر من ذلك رجلًا عمدًا قَتْلَ غِيلة أو غير غيلة، ضربوه بأسيافهم حتى قتلوه قُتِلوا به كلهم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري، المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة من الهجرة، عن سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله ابن الجوزي وابن حجر في طبقاته (وتقريب تهذيبه)، (ق ٦٩٥) أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرًا جماعة خمسة منصوب على أنه بدل بعض من نفر، فإنه جماعة من ثلاثة إلى عشرة، وفي نسخة: خمسة نفر بإضافتها إليه، أو سبعة، شك من الراوي، برجلٍ أي: بسبب قصاص رجل واحد غلام اسمه أصيل من أهل صنعاء، قَتَلوه أي: شاركوا في قتله، قَتْلَ غِيلة، بكسر الغين المعجمة، وسكون التحتية وفتح اللام، فهاء مجرور مضاف إليه لقتل، أي: خدعة وخفية، وقال أي: عمر: لو تمالأ بفتح الفوقية والميم واللام وألف بينهما وفتح الهمزة في آخره على وزن تعاون لفظًا ومعنى، أي: اجتمع عليه أي: على قتله فرضًا، أهل صنعاء بالمد، مدينة عظيمة معروفة في بلاد اليمن، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وإنما خصها بالذكر لأنها كانت موضع نزول النازلة التي استغنى فيها، قتلْتُهم به، جواب لو كما ذكر في (الموطأ) ليحيى، وهذا مختصر من أثر وصله ابن وهب.
стр. 1265
ورواه من طريق قاسم بن أصبغ والطحاوي، والبيهقي، قال ابن وهب: حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم حدثه عن أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنًا له من غيرها غلامًا يُقال له: أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى، فامتنعت منه، فطاوعها فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادعها فقتلوه ثم قطعوه عضوًا عضوًا منه، وجعلوه في عيبة - بفتح المهملة وسكون التحتية فموحدة - وعاد من أدم فوضعوه في ركية بتشديد التحتية بئر لم تطو في ناحية القرية ليس فيها ماء، فأخذ خليلها، ثم اعترف الباقون، فكتب لعلي وهو يومئذٍ أمير بشأنهم إلى عمر، فكتب عمر بقتلهم جميعًا، وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلهم أجمعين، كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، إن قتل سبعةٌ أي: وما دونها بالأولى، وذكر السبع إشعار بأن العدد الثابت في القضية كما رواه عبد الرزاق في (مصنفه) من غير شك، أو أكثر من ذلك أي: لو بلغ ألفا رجلًا أي: ممن لا يستحق القتل، عمدًا أي: بالعمد دون الخطأ، قَتْلَ غِيلة أو غير غيلة، فيه إيحاء إلى أن قتل غيلة في الحديث حكاية الواقعة، ضربوه بأسيافهم أي: أو ما يقوم مقامها، حتى قتلوه قُتِلوا به كلهم، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، والعامة من فقهائنا، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، منهم علي وشريح، وقال ابن الزبير، والزهري، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وأحمد في رواية: لا تقتلوه به ويجب الدية (ق ٦٩٦) عليهم؛ لأن مفهوم النفس بالنفس أن لا يقتل بالنفس الواحدة أكثر من واحدة؛ ولأن في القصاص يجب المساواة ولا مساواة بين العشرة والواحدة، وكلهم حملوا حديث عمر على السياسة، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان أحكام أحوال الجماعة قتلوا مجتمعين رجلًا واحدًا، شرع في بيان حكم حال الشخصين، فقال: هذا
* * *
стр. 1266
باب الرجل يرث من دية امرأته والمرأة من دية زوجها
باب في بيان حكم الرجل يرث من دية المرأة، أصله يورث من الباب الثاني، فسقطت الواو لوقوعها بين الباء وبين كسرة الراء، ومصدره ورث بكسر الواو وسكون الراء فتاء مثلثة فقلبت واوه همزة تبعًا لمضارعه في الحذف والقلب، وكان أرث بكسر الهمزة وسكون الراء فمثلثة فالإِرث، والميراث اسم لشيء تركه الميت، كذا قاله محمد الواني، والمعنى: الرجل يأخذ من تركة امرأة بعد موتها من ديتها، والمرأة ترث، أي: تأخذ من دية زوجها.
استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من مفهوم قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]؛ لأن الإِرث والميراث اسم عما تركه الميت.
ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق بسبب حياة بني آدم وهو القصاص أو أخذ الميراث؛ لأن في قصاص القاتل بقاء حياة الغير، وكذا في أكل الميراث حياة الباقين.
٦٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب أن عمر بن الخطاب نَشَدَ الناس بمنى من كان عنده علم في الدية أن يخبرني به، فقام الضَّحاك بن سفيان، فقال: كتب إليَّ رسول الله ﷺ في أشيم الضِّبابي: "أن وَرِّثْ امرأته من ديته"، فقال له عمر: ادخل الخِباء حتى آتيك، فلما نزل أخبره الضحاك بن سفيان بذلك، فقضى به عمر بن الخطاب.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لكل وارث في الدية والدمّ نصيب امرأةً كان الوارث أو زوجًا أو غير ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب هو: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من
стр. 1267
أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، أن عمر بن الخطاب ﵁، نَشَدَ الناس بمنى أي: سألهم فيها، فيه استعارة تبعية؛ لأن عمر ﵁ شبه الحكم في الدية بالضالة، حيث عبر عن السؤال بالنشد، فإنه يطلب به الضالة، يقال: نشدت الضالة أنشدها نشدة، ونشدانًا من الباب الأول إذا طلبتها ونشدت الله بمعنى سألتك يا الله، أي: الله، أسألك بالله كأنك ذكرته إياه، فنشد أي: تذكر، كذا قاله محمد الواني في ترجمة (صحاح الجوهري)، من كان عنده علم في الدية أي: من جهة إرثها يخبرني به، فقام الضَّحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر بن الكلاب، قال ابن عبد البر: هكذا رواه جماعة أصحاب مالك، ورواه أصحاب ابن شهاب عنه، وابن شهاب عن سعيد بن المسيب، ورواية سعيد بن المسيب عن عمر يجري مجرى المتصل لأنه قد رواه، وقد صحح بعض العلماء سماعه عنه، ومن طريق هشيم عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: جاءت امرأة إلى عمر تسأل أن يورثها من دية زوجها، قال: لا أعلم شيئًا، فنشد الناس الحديث، وفي طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: ما أرى الديَّة إلا للعصبة؛ لأنهم يعقلون عنه، فهل يسمع أحد منكم عن رسول الله ﷺ شيئًا؟ فقال: أي: الضحاك بن سفيان بن عوف (ق ٦٩٧) بن أبي بكر الكلابي، وكان رسول الله ﷺ استعمله على الأعراب، فذكر الحديث فقال: كتب إليَّ رسول الله ﷺ أن أورث امرأة، كذا في (الموطأ) ليحيى، في أشيم بوزن أحمد الضِّبابي بفتح الضاد المعجمة فموحدة فألف وموحدة ثانية وتحتية مشددة، نسبة إلى ضباب، بطن من بني الحارث ومن قريش، وبكسرها إلى ضباب بن عامر بن صعصعة فقلعة الضباب محلة بالكوفة، ذكره السيوطي، وزاد يحيى قال ابن شهاب: فكان قتل أشيم خطأ، قاله ابن عبد البر، روى مشكدانة عن ابن المبارك، عن مالك، عن الزهري، عن أنس قال: كان قتل أشيم خطأ، قال: وهو غريب جدًا، والمعروف أنه من قول ابن شهاب، فإنه كاف يدخل كلامه في الأحاديث كثير، كذا نقله علي القاري عن السيوطي أن ورث بفتح الهمزة وسكون النون مصدرية، والباء مقدرة أو تفسيرية، وكلمة ورث بفتح الواو وكسر الراء المشددة فمثلثة ساكنة أمر معروف، وفي نسخة: "أن أورث بضم الهمزة وفتح الواو وكسر الراء المهملة المشددة فمثلثة، امرأته أي: امرأة هشيم من ديته"، أي: من دية زوجها أشيم، فقال له عمر بن الخطاب ﵁، أي: للضحاك: ادخل الخِباء بكسر الخاء المعجمة وموحدة
стр. 1268
ممدودة، أي: الخيمة حتى آتيك، أي: أو تحقق السؤال عنك، واسمع الجواب منك، فلما نزل أي: عمر بن الخطاب أخبره الضحاك بن سفيان بذلك، أي: بالخبر، وروى ابن شاهين من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، قال: حُدثت عن المغيرة بن شعبة أنه قال: حدثت عمر بن الخطاب بقصة أشيم فقال: ابنيني على هذا بما أعرف، فنشدت الناس في الموسم فأقبل رجل يُقال له زرارة بن جزي فحدثه عن النبي ﷺ بذلك، وأخرج أبو يعلى والحسن بن سفيان بإسناد حسن عن المغيرة بن شعبة أن زرارة بن جزي قال لعمر بن الخطاب: إن النبي ﷺ كتب إلى الضحاك بن سفيان أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكان قتل أشيم خطأ، فقضى به أي: بما أخبره الضحاك بن سفيان عن النبي ﷺ ، عمر بن الخطاب، ﵁، أي: بعد رواية الضحاك وزرارة بن جزي والمغيرة بن شعبة، ذلك له عن النبي ﷺ كما علم، لا لأنه لا يقبل خبر الواحد بل لإِشاعة الخبر، وإشهاده بالموسم، ورد ما كان رواه أن الدية إنما هي للمعصية، لأنهم يعقلون عنه؛ لأنه قياس مع النص، قال أبو عمر: هذا حديث ابن شهاب عن مالك وغيره أن الضحاك بن سفيان أخبر عمر، وقول ابن عيينة أن الضحاك كتب إليه وهم، إنما الضحاك كتب إليه النبي ﷺ ، وفيه أن العالم الجليل قد يخفى عليه من السنن والعلماء ما يكونوا عند من هو دونه في العلم، وأخبار الآحاد (ق ٦٩٨) علم خاصة لا ينكر أن يخفى منه الشيء على العلم وهو عند غيره، كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بخبر الضحاك بن سفيان، قضى به عمر بن الخطاب ﵁، لكل وارث في الدية والدمّ نصيب أي: حظ وحصة، امرأةً أي: زوجة، كان الوارث أو زوجًا أو غير ذلك، أي: من الورثة ذكر أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقال مالك: لا يرث الزوجان من الانقطاع الزوجية بالموت، ولا وجوب الدية بعده، ولا يخفى أن هذا تعليل في مقابلة النص من الدليل غير مقبول، وكذا يثبت حق الزوجين في القصاص عند الجمهور لقوله ﷺ : "مَنْ ترك مالًا أو حقًا فهو لورثته"، ولا شك أن القصاص حقه؛ لأنه بدل نفسه فيستحقه جميع الورثة بحسب إرثهم كالدية، وقال ابن أبي ليلى: لا حق لهما في القصاص كذا قاله علي القاري.
стр. 1269
لما فرغ من بيان حكم الرجل يرث من امرأته وامرأة ترث من دية زوجها، شرع في بيان حكم أرش الجروح، فقال: هذا
* * *
باب الجروح وما فيها من الأروش
باب في بيان حكم الجروح وما فيها من الأرش، أي: من دية الجراحة، استنبط المصنف الجروح في هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأول الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
اعلم أنه يجب القود فيما دون النفس من الأعضاء المماثلة، روى البخاري عن أنس أن الربيع بن النضر لطمت جارية فانكسرت سنها فطلبوا القود، فوضعوا عليهم الأرش، فأبوا إلا القصاص فجاء أخوها أنس بن النضر وقال: يا رسول الله أتكسر سن الربيع، والذي بعثك بالحق لا ينكسر سنها، فقال رسول الله ﷺ : "كتاب الله القصاص"، فرضي القوم وعفوا، فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره"، ولفظ القصاص يُبنى على المماثلة، فكل ما أمكن رعاية المماثلة فيه يجب فيه القصاص، وما لا فلا، ومن الأولى قطع اليد من المفصل، وكذا الرِجل والأذن ومارن الأنف، وكذا كل الرجل يمكن فيها المماثلة، كالموضحة وعين قائمة ذهب نورها، إلا إن قلعت العين ولا قود في عظم إلا في السن، فقلع أن قلعت تبرد بالمبرد إن كسرت، ولا قود في الجائفة ولا في اللسان، ولا في الذكر، إلا أن قطع من الحشفة.
٦٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: في كل نافذة في كل عضوٍ من الأعضاء ثُلُث عقْل ذلك العضو.
قال محمد: في هذا أيضًا حكومة عدل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1270
• أخبرنا مالك, وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمر بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، قال: في كل نافذة أي: جراحة تنفذ في كل عضوٍ من الأعضاء ثُلُث عقْل أي: دية ذلك العضو، أي: لو قطع فرضًا وتقديرًا وجه تسمية الدية عقلًا؛ لأن كل إبل تربط عند باب وارث المقتول لأجله ديته، ثم شاع استعمال لفظ العقل في كل (ق ٦٩٩) دية كذا قاله الأصمعي.
قال محمد: في ذلك، أي: في جراحة وفي نسخة: في هذا أيضًا أي: كما قال ليس عندنا في العين القائمة إذا فقئت أرش معلوم ففيها، حكومة عدل، وكذلك في عضو من الأعضاء حكومة عدل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، والله أعلم بالصواب، وقد مرّ تفسير حكومة العدل في آخر باب أرش السن السوداء.
لما فرغ من بيان حكم دية الجروح شرع في بيان حكم دية الجنين، فقال: هذا
* * *
باب دية الجنين
باب في بيان حكم دية الجنين، وهو بفتح الجيم وكسر النون، وسكون التحتية، ثم نون، ولد ما دام في الرحم.
٦٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يُقتل في بطن أمه بغُرَّةٍ عبد أو وَلِيدةٍ، فقال الذي قُضي عليه: كيف أغرم من لا أكل ولا شَرب، ولا نَطَق ولا استهلّ، ومثل ذلك يُطلّ؟! فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهّان".
стр. 1271
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله ﷺ قضى أي: حكم في الجنين أي: جنسه أو في فرد منه وقيس عليه غيره يُقتل في بطن أمه جملة حالية أو صفة، كما قيل بهما في قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وفي قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... . . . . . . . . . . . .
والمقتول في بطن أمه، سواء كان ذكر أو أنثى أو خنثى، ولو مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد عند مالك بغُرَّةٍ أي: بالتنوين متعلق بقضى، وهي بضم العين المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة خيار المال كالفرس والبعير والنجيب والعبد والأمة الفارهة، كذا في (المغرب)، عبد أو وَلِيدةٍ، أي: جارية، وهما مجروران على أنهما عطفا بيان بغرة أو يدلان عنها، ورويا بالرفع بتقدير هي عبد أو وليدة، يعني المراد بالغرة التي تكون دية الجنين عبد أو جارية يساوي كل منهما خمسين دينارًا أو ستمائة درهم، وهي نصف عشر الدية أم الجنين إن كان الجاني من أهل الذهب والفضة، وإن كان من أهل الإِبل فخمسة من الإِبل، وإن كان من أهل الغنم فمائة من الشاة، فهو نصف عشر الدية الكاملة كما سيأتي في الحديث الثاني من هذا الباب، فقال الذي قُضِي عليه: بصيغة المجهول، وفي نسخة بصيغة الفاعل وهو ﵇، وفي رواية البخاري فقال: ولي المرأة التي غرت، بضم الغين المعجمة وفتح الراء الثقيلة التي قضى عليها بالغرة ووليها هو ابنها مسروج، ورواه عبد الغني، والأكثر إذ القائل زوجها جملة ابن النابغة الهذلي، وللطبراني أنه عمران بن عويمر أخو مليكة، قال الحافظ: فيحتمل تعدد القائلين، فإسناد هذه صحيح أيضًا. انتهى، وفيه دلالة قوية لقول مالك وأصحابه وأصحابهما؛ لأن المفهوم من اللفظ إذن المقضي عليه واحد معين، وهو الجاني، إذ لو قضى بها على العاقلة يقبل، فقال الذي قضي عليهم: وفي القياس إن كان جان جنايته عليه، إلا بدليل معارض له كل إجماع أو السنة، وقد قال تعالى في آخر سورة البقرة: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال في سورة فاطر: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، كما قاله الزرقاني. كيف أغرم أي: بأي حال أعطي غرم من لا شرب أي: لبنًا ولا ماء، ولا أكل ولا نَطَق ولا استهلّ، أي: لا صاح ولا تصوت عند الولادة؟، وليحيى بن بكير ما شرب، فإن قيل: لم اختار المصنف رواية من لا شرب ولا أكل إلى آخره، ولم يختر رواية ما لا
стр. 1272
شرب ولا أكل مع أنها كلمة تستعمل في الجمادات وفي غير ذوي العقول، وكلمة من تستعمل في الإِنسان وذوي العقول؟ (ق ٧٠٠) أجيب: اختيار رواية من لا شرب إثباتًا بمذهب الحنفي، وجواب على المذهب المالكي، فإن عندهم الآية ثابتة، لما خرج من بطن أمه ولو كان مضغة أو علقة، حيث قال خليل بن إسحاق المالكي: وفي الجنين وإن علقة عشر أمة، وأما عندنا فلا دية في الجنين إلا في الجنين الذي استبان بعض خلقه، فإنه بمنزلة الجنين التام في جميع الأحكام، لإِطلاق أن النفس بالنفس، ولأنه ولد في أمومية الولد، كذا في (الهداية)، ومقتضى الظاهر أن كيف أعزم من لم يشرب ولم يأكل وعدل عنه وعبر بالماضي تنبيهًا على تحقق وقوعه نحو: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، بمعنى: يصعق، ومثل ذلك أي: المقتول يُطلّ، بفتح التحتية وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام أي: يهدر ويلغي ويبطل، وفي نسخة: بطل بفتح الموحدة وطاء مهملة مفتوحة ولام مخففة من البطلان، فقال أي: الراوي: إن رسول الله ﷺ : "إنما هذا أي: القائل المسجع بالهذيان المخالف لحكم القرآن، من إخوان الكهّان"، بضم الكاف وتشديد الهاء وبعدها ألف ونون، جمع الكاهن، أي: واحد منهم وهو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني الحنفي، وهو ضال عن الطريق المستقيم، ومضل الناس عنه. قال رسول الله ﷺ : "من أتى كاهنًا فصدَّقَهُ بما يقول، فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمد"، رواه البخاري عن أبي هريرة، فإن معرفة الأسرار والغيب مقصورة إلى الله تعالى، وروى أبو داود (١) في (سننه) عن المغيرة بن شعبة: أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل فضرب إحداهما إلى الأخرى بعود فقتلها، فاجتمعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحد الرجلين: كيف ندي أي: يغطي من لا صاح عند الولادة ولا أكل ولا شرب، فقال: أسجع كسجع الأعراب، فقضى فيه غرة فجعلته على عاقلة المرأة. وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وتجب في سنة عندنا، وفي ثلاث سنين عند الشافعي، فإن قيل: لم قال رسول الله ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان"؟ لمشابهة كلام الرجل الذي قال: كيف أغرم من لا شرب ولا أكل كلام الكهان فىِ سجعه دفع ما أوجبه ﷺ .
* * *
стр. 1273
٦٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن امرأتين من هُذيل استَبَّتَا في زمان رسول الله ﷺ فرمت إحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغُرَّة عبدٍ أو وليدة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا ضُرب بطن المرأة الحرّة فألقت جنينًا ميتًا ففيه غُرةٌ عبدٌ أو أمةٌ أو خمسون دينارًا أو خمسمائة درهم؛ نصف عشر الدية، فإن كان من أهل الإِبل أُخذ منه خمسٌ من الإِبل، وإن كان من أهل الغنم أخذ منه مائة من الشاة، نصف عُشر الدية.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة، من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أي: ابن عوف الزهري، المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من كبار أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، عن أبي هريرة ﵄، أن امرأتين من هُذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة، نسبة إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، ولا يخالفه رواية الليث عن ابن شهاب: امرأتين من بني لحيان؛ لأنه يظن من هذيل، استَبَّتَا بتشديد الموحدة، أي: تشتما في زمان رسول الله ﷺ فرمت إحداهما الأخرى، قال السيوطي: اسم القاتلة أم عفيف بنت مشروح، والمقتولة: مليكة بنت عويم، فطرحت أي: ألقت الأم جنينها أي: بسبب رميها، زاد في رواية (ق ٧٠١) ابن خالد: فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغُرَّة بضم العين المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة منونًا، بياض والوجه عبر به عن الجسد كله، وإطلاقًا بالجزء على الكل، عبدٍ أو وليدة، أي: أمة بجرهما بدل من غرة، وكلمة "أو" للتنويع، ورواه بعضهم بالإِضافة البيانية، والأول أقيس وأصوب؛ لأنه حينئذٍ يكون من إضافة الشيء إلى نفسه،
стр. 1274
ولا يجوز إلا بالتأويل كما ورد قليلًا، والمراد بالغرة: العبد والأمة، وإن كانا أسودين، وإن كان في الأصل في الغرة البياض في الوجه، لكن توسعوا في إطلاقها على الجسد كله، كما قالوا: أعتق رقبة، وقول أبي عمرو بن العلاء المقري: المراد الأبيض لا الأسود، إذ لولا أنه ﷺ ، وعليه أراد بالغرة معنى زائدًا على شخص العبد والأمة ما ذكرها، وتعقبه النووي بأنه خلاف ما اتفق عليه الفقهاء من أجزاء الغرة السوداء، قال أهل اللغة: الغر عند العرب: أنفس الشيء وأطلقت هنا على الإِنسان؛ لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم فهو أنفس المخلوقات، كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله أبو هريرة، إذا ضُرب بطن المرأة الحرّة قيد بها؛ لأن في جنين الأمة إن كانت حاملًا من زوجها نصف عشر قيمته في الذكر، وعشر قيمته في الأنثى وإن كانت حاملًا من مولاها أو من المعروف يجب الغرة المذكورة في جنين الحرة ذكرًا كان أو أنثى لأنه حر، وقال الشافعي: في جنين الأمة عُشر قيمة الأم، وبه قال مالك وأحمد وابن المنذر، وهو قول إبراهيم النخعي والزهري وقتادة وإسحاق، فألقت جنينًا ميتًا، قيده به؛ لأنها إن ألقت جنينها حيّا فمات تجب دية كاملة وإن ألقت ميتًا فماتت الأم يجب غرة ودية، وإن ماتت الأم فألقت ميتًا تجب دية الأم، وبه قال أحمد، ففيه أي: ففي جنين ميت فقط غُرةٌ عبدٌ أو أمةٌ أو خمسون دينارًا أو خمسمائة درهم؛ أي: بطريق القيمة نصف عشر الدية، لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) أن عمر بن الخطاب قوم الغرة خمسين دينارًا، وكل دينار بعشرة دراهم، وأخرج البزار في (مسنده) عن عبد الله بن بريدة أن امرأة حذفت امرأة، فقضى رسول الله ﷺ في ولدها بخمسمائة ونهى عن الحذف، وأخرج أبو داود في (سننه) عن إبراهيم النخعي قال: الغرة خمسمائة يعني درهما، قال: وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: خمسون دينارًا، وروى إبراهيم الحربي في كتابه (غريب الحديث) عن أحمد بن حنبل، عن وكيع بن سفيان، عن طارق عن الشعبي: خمسمائة، ورُوي أيضًا عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: الغرة خمسون دينارًا، وهي عندنا وعند الشافعي على عاقلة الضارب لما سبق من أنه ﷺ جعل على عاقلة المرأة الضاربة، وقال مالك: في ماله لأنه بدل الجزء، وبه قال أحمد إذا كان ضرب الأم عمدًا أو مات الجنين وحده، وأما إذا كان خطأ أو شبه عمد، فقال: إنه
стр. 1275
على العاقلة، فإن كان من قتل الجنين من أهل الإِبل أُخذ منه خمسٌ من الإِبل، أي: نصف عشر الدية، وإن كان أي: القاتل من أهل الغنم أخذ منه أي: من القاتل مائة من الشاة، نصف عُشر الدية، بيان له ولما (ق ٧٠٢) قبله والجنين الذي تبين بعض خلقه كالجنين التام فيما ذكر من الأحكام.
لما فرغ من بيان حكم دية الجنين، شرع في بيان حكم دية الجراحة في الوجه والرأس، فقال: هذا
* * *
باب الموضحة في الوجه والرأس
باب في بيان حكم دية الموضحة، بضم الميم وسكون الواو وفتح الضاد المعجمة والحاء المهملة والهاء، أي: المجروحة حال كونها في الوجه والرأس، فإضافة الباب إلى الموضحة من قبيل الإضافة إلى الخاص، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق دية الجزء المنفصل من الإِنسان والمتصل منه.
٦٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: في الموضحة في الوجه إن لم تُعِبْ الوجهَ مثل ما في الموضحة في الرأس.
قال محمد: الموضحة في الوجه والرأس سواء؛ في كل واحد نصف عشر الدية، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، أنه سمع، عن سليمان بن يسار، أي: الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب)، أنه قال: في الموضحة في الوجه أي: في الشجة التي
стр. 1276
تظهر العظم إن لم تُعِبْ الوجهَ أي: عاب المتاع من باب عاب فهو عائب وعابه صاحبه فهو معيب، يتعدى ولا يتعدى، والفاعل في هذا أعايب، كذا في (المصباح)، وفي (القاموس)، عاب لازم ومتعد، مثل ما في الموضحة في الرأس، أي: الموضحة في الوجه مثل الموضحة في الرأس، إلا أن تعيب الوجه ليزاد في ديتها ما بينها وبين نصف دية الموضحة في الرأس، فيكون فيها خمسة وسبعون دينارًا كما في (الموطأ) ليحيى عن مالك.
قال محمد: الموضحة في الوجه والرأس سواء؛ أي: لعدم اعتبار تفاوت المنفعة، في كل واحد نصف عشر الدية، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، أحد أكابر المجتهدين، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم دية الموضحة في الوجه والرأس، شرع في بيان حكم هلاك ما في البئر، فقال: هذا
* * *
باب البئر جبار
باب في بيان حكم ما هلك في البئر بكسر الموحدة، وبسكون التحتية المنقلبة من همزة ساكنة، وما قبلها موحدة مكسورة، ويجوز تسهيلها وهي مؤنثة، قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، ويجوز تنكيرها على معنى القلب والطوي جبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة، أي: هدر لا شيء فيه ولا ضمان على ربها في كل ما سقط فيها من غير صنع أحد.
٦٧٧ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، وعن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "جَرْحُ العجماء جُبَارٌ, والبئر جُبَار، والمعدن جُبَار، وفي الرِّكاز الخُمس".
قال محمد: وبهذا نأخذ، والجُبار الهَدَرُ، والعجماء الدابَّة المنفلتة تجرح
стр. 1277
الإِنسان أو تعقره، والبئر والمعدن: الرجلُ يستأجر الرجل يَحْفُر له بئرًا أو معدِنًا فيسقط عليه فيقتله، فذلك هَدَر، وفي الرِّكاز الخمس، والرِّكاز ما استُخرج من المعدن من ذهب أو فضة أو رصاص أو نُحاس أو حديد أو زِئبق ففيه الخمس، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا ابن شهاب, أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن سعيد بن المسيَّب، أي: ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم، القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، وعن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر تابعي ابن الصحابي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو بعد المائة، عطف على قوله عن أبي سلمة على سعيد بن المسيب، تحويل للسند لتقوية الحكم، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "جَرْحُ بفتح الجيم على المصدر لا غير قاله الأزهري، فأما بالضم فاسم مضاف إلى العجماء بفتح العين المهملة، وسكون الجيم، وبالمد تأنيثًا أعجم، وهو البهيمة، ويُقال أيضًا لا تتكلم، جُبَارٌ, بضم الجيم (ق ٧٠٣) وتخفيف الموحدة، أي: هدر لا شيء فيه.
قال أبو عمر: جرحها جنايتها، وأجمع العلماء أن جنايتها نهار أو جرحها بلا سبب فيه لأحد أنه هدر لا دية فيه، ولا إرث، فلا يختص الهدر بالجرح بل كل الإِتلافات ملحقة بها، قال عياض: وإنما عبر بالجرح؛ لأنه الأغلب، أو هو مثال به على ما عداه، وفي رواية التنيسي عن مالك العجماء جبار، ولا بد من تقدير أن لا معنى لكون العجماء نفسها جبار أو دلت رواية مسلم بلفظ: "العجماء جرحها جبار" على أن ذلك المقدر هو جرحها، فوجب المصير إليه، والبئر بكسر الموحدة وبسكون التحتية مهموزة، جُبَار أي: هدر لا ضمان على ربها في كل ما سقط فيها من غير صنع أحد إذا حفرها في موضع يجوز حفرها فيه كملكه، أو داره أو فناءه، أو صحراء الماشية، أو في طريق واسع محتمل، ونحو
стр. 1278
ذلك، هذا قول مالك والشافعي والليث وداود وأصحابهم، كذا قاله في (التمهيد).
وقال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك، وتكون في البادية فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، والمعدن بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الدال المهملة: المكان من الأرض يخرج منه شيء من الجواهر والأجسام كالذهب وفضة وحديد ونحاس ورصاص وكبريت وغيرها، جُبَار، أي: لا ضمان فيه كالبئر، وليس المعنى أنه لا زكاة فيه، وإنما المعنى أن من استأجر رجلًا ليعمل في معدن فهلك فهدر لا شيء على ما استأجره ولا دية له في بيت المال، ولا غيره، والأصل في زكاته قبل الإِجماع قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وصحح الحاكم أنه ﷺ أخذ من معادن القبيلة الصدقة، وفي الرِّكاز بكسر الراء وتخفيف الكاف فألف فزاي، وهو كما نقله الإِمام في الزكاة دفن الجاهلية، الخُمس أي: في الحال لا بعد الحول باتفاق سواء في دار الإِسلام أو الحرب، قليلًا أو كثيرًا، نقدًا أو تبره كنحاس وجوهر على ظاهر الحديث، وإليه مالك وغيره، وهذا الحديث رواه أصحاب الكتب الستة بلفظ العجماء جبار.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بهذا الحديث، والجُبار الهَدَرُ، بفتح الهاء والدال المهملة والراء، أي: باطل لا دية فيه، والعجماء الدابَّة المنفلتة بضم الميم، وسكون النون، وفتح الفاء، وكسر اللام، وفتح المثناة والهاء، أي: المتخلصة الخارجة بغير تصرف صاحبها، تجرح الإِنسان أو تعقره، من الباب الثاني، أي: تقطعه سواء يكون ليلًا أو نهارًا، والبئر والمعدن، أي: صورتهما الرجلُ يستأجر الرجل أي: الآخر، يَحْفُر له بئرًا أو معدنًا بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر الدال والنون، اسم مال خلقه الله تعالى في الأرض والجمع معادن كالذهب والفضة والحديد، فيسقط أي: جدار أو حجر، عليه فيقتله، فذلك هَدَر، وأما من حفر بئرًا في طريق فتلف به إنسان ضمن عاقلته ديته؛ لأنه متسبب بالتلف متعد بشغل الطريق، وبه قال مالك وأحمد خلافًا للشافعي، وإن تلف بحفر البئر في الطريق بهيمة ضمن الحافر من ماله إن لم يأذن بحفره الإِمام، لأنه متعد في الحفر فيضمن ما تلف به، وفي الرِّكاز الخمس، أي: بيان ما ذكره بقوله، والركاز بكسر الراء والكاف، فألف وزاي، أي: مال تحت الأرض، كما قال، ما استُخرج من الأرض، من المعدن من ذهب، أو فضة، أو رصاص بالفتح، (ق ٧٠٤) أو نُحاس بالضم، أو حديد
стр. 1279
أو زِئبق كدرهم وزبرجد معرب، ومنه ما استخرج من حجارة معدنية بالنار ودخانه يهرب الحيات والعقارب من البيت، وما أقام منها قتله كذا في (القاموس)، ففيه الخمس، بضمتين وبضم فسكون، يعني لو وجد الرجل ذهبًا أو فضة أو غيرها في أرض خراجية، وهي التي فتحها الإِمام قهرًا أو عشرية وهي التي فتحها صلحًا أخذ الإِمام جزءًا واحدًا من خمسة أجزاء، فما وجده مسلم أو ذمي وباقي الخمس مما وجده المسلم من أربعة أخماس لمالك الأرض أن ملكت، وإلا فيكون الباقي للواجد، كذا بيناه في (سلم الفلاح) و (شرح نور الإِيضاح)، وهو أي: أخذ الإِمام الخُمس مما استُخْرِج في أرض خراجية أو عشرية، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
٦٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن حزام بن سعد بن مُحيِّصة، أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائطًا لرجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأما ما أفسدت المواضي بالليل فالضمان على أهلها.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا ابن شهاب، عن حزام بن سعد أو ابن ساعدة، ابن مُحيِّصة، بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر التحتية المشددة، وفتح الصاد المهملة المخففة، والتاء الفوقية، وهو ابن مسعود الأنصاري، وقد نسب إلى جده، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١)، أن ناقةً للبراء بن عازب ﵁، دخلت حائطًا أي: بستانًا لرجل فأفسدت فيه أي: بعض الفساد، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ على أهل الحوائط حفظها أي: الحائط بالنهار، وأما ما أفسدت المواضي بالليل فالضمان على أهلها، أي: المواشي، قال الشافعي وأحمد وهو قول مالك وأكثر أهل الحجاز: يضمن صاحب الدابة المنفلتة أفسدت ليلًا أو نهارًا لهذا الحديث، وأجيب بأن ما رويناه
стр. 1280
متفق عليه مشهور، وما رواه مرسل وهو ليس بحجة عند الشافعي، لذا قاله بعض علمائنا وفيه بحث؛ لأن المرسل حجة عند الجمهور، والحجة اللزومية على أن المطلق قابل للتعقيد، والله أعلم.
لما فرغ من بيان حكم ما قتل في البئر، شرع في بيان حكم حال من قتل نفسًا خطأً، فقال: هذا
* * *
باب من قتل خطأ ولم تعرف له عاقلة
بابٌ بالتنوين، أو في بيان حكم حال من قتل أي: نفسًا خطأ ولم تعرف له، أي: والحال أنه لم توجد للقاتل العاقلة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التضاد وهو العمد والخطأ، وهو مقابل للصواب.
اعلم أن العاقلة أهل الديوان لمن هو منهم تؤخذ الدية من خطاياهم متى خرجت، سواء خرجت في ثلاث سنين أو أكثر أو أقل، روى ابن أبي شيبة (١) في (مصنفه) عن جابر قال: أول من فرض الفرائض ودون الدواوين وعرف العرفاء: عمر بن الخطاب، قال صاحب (الهداية): وأهل الديوان أهل الروايات، وهم أهل الجيش الذين كتب أسماءهم في الديوان، والعطاء ما يُفرض للمقاتلة، والرزق ما يُفرض لفقراء المسلمين، إذا لم يكونوا مقاتلة، وقال مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم: الدية على العشيرة وهم العصبات؛ لأنه كان كذلك في عهد رسول الله ﷺ ؛ ولا نسخ بعده؛ لأنه لا يكون إلا بوحي على لسان (ق ٧٠٥) نبي، ولا نبي بعده؛ ولأنها صلة وإلا ولي الأقارب، واختلف في الآباء والبنين، فقال الشافعي وأحمد في رواية: ليس آباء القاتل وإن علوا، ولا أبناؤه وإن سفلوا من العاقلة، وقال مالك وأحمد في رواية: يدخل في العاقلة أبو القاتل وابنه، وهو قولنا: عند عدم أهل الديوان، ولنا أن عمر رضي الله تعالى عنه لما دون الدواوين جعل العقل على أهل الديوان، وكان ذلك محضر الصحابة من غير نكير، روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن الحكم قال عمر: أول من جعل الدية عشرة عشرة في عطيان المقاتلة
стр. 1281
دون الناس، وروى أيضًا عن الشعبي وعن إبراهيم النخعي أنهما قالوا: أول من فرض العطاء عمر بن الخطاب ﵁، وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين، وروى عبد الرزاق (١) في (مصنفه) عن عمر أنه جعل الدية في الأعطية في ثلاث سنين، وفي لفظ: قضى بالدية في ثلاث سنين في كل سنة ثلاث على أهل الديوان، في عطياتهم، وأما قولهم: ولا نسخ بعده ﷺ ، فجوابه أن هذا ليس بنسخ بل تقدير معنى؛ لأن الفعل على أهل النصرة، وكانت النصرة بأنواع القربة وبالعهد وبالحلف وبولاء العتاقة وبالعد، وهو أن يصدق القوم ولا يكون معهم، وفي عهد عمر صارت بالديوان فجعله على أهله اتباعًا للمعنى، ولهذا قالوا: لو كان اليوم قوم يتناصرون بالحرف كانت عاقلتهم على أهل حرفتهم هذا، والعاقلة في القاتل لمن ليس من أهل الديوان يؤخذ بثلاثة دراهم أو أربعة من كل واحدة منهم في ثلاث سنين، لما روينا عن عمر بن الخطاب ﵁، وقال مالك وأحمد في رواية: لا تقدير في أخذها بل يحملون ما يطيقون؛ لأن التقدير لا يثبت إلا بالتوقيف ولا نص فيه فيفوض إلى رأي الحاكم كتقادير النفقات، كذا نقله علي القاري عن شمس الأئمة الحلواني ومظهر الدين المرغيناني.
٦٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو الزناد، أن سليمان بن يسار أخبره أن سائبةً كان أعتقه بعض الحجّاج، وكان يلعب هو وابن رجل من بني عائذ، فقتل السائبةُ ابن العائذي، فجاء العائذي أبو المقتول إلى عمر بن الخطاب يطلب دية ابنه، فأبى عمر أن يديَهُ، وقال: ليس له مولى، قال العائذي له: أرأيت لو ابني قتله، قال: إذن تُخرجوا دِيَتَه، قال العائذي: هو إذن كالأرقم إن يُتْرك يَلْقَم، وإن يُقْتَل يُنْقَم.
قال محمد: وبهذا نأخذ، ألا ترى أن عمر أبطل ديته عن القاتل، ولا نراه أبطل ذلك إلا لأن له عاقلة، ولكن عمر لم يعرفها، فيجعل الدية على العاقلة، ولو أن عمر لم ير أن له مولى، ولا أنَّ له عاقلة لجعل دية من قُتِل في ماله أو
стр. 1282
على بيت المال، ولكنه رأى له عاقلة ولم يعرفهم، لأن بعض الحاج كان أعتقه ولم يُعرف المُعتِقُ ولا عاقلتُه، فأبطل ذلك عمر حتى يُعرف، ولو كان لا يرى له عاقلة لجعل ذلك عليه في ماله أو على المسلمين في بيت مالهم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرني، وفي أخرى: محمد قال: بنا، أخبرني أبو الزناد وهو: عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة من الهجرة، أن سليمان بن يسار أي: الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، أخبره أن سائبةً كان أعتقه بعض الحجّاج، جمع حاج، قال السيوطي: السائبة عبدٌ يُعتق بأن يقول له مالكه: أنت سائبة يريد به عتقه، ولا ولاء له عليه، فالعتق ماض على هذا بإجماع، وإذا اختلف الفقهاء في الولاء وفي كراهة هذا اللفظ وإباحته، والجمهور على كراهته لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، فكلمة في قوله: ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ زائدة لتأكيد النفي نزول في بيان أن المحلل والمحرم بالشريعة هو الله تعالى، وليس بغيره أن يسن شريعة (ق ٧٠٦) بها يحل ويحرم، لعمرو بن يحيى أخو بني كعب غير شريعة إسماعيل، صلوات الله على نبينا وعليه، فقال: إن الله أمرني بها افتراء على الله الكذب، أي: لم يجعل الله حرامًا من بحيرة، وهي ناقة ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر، فبحرت، أي: شق أذنها واسعًا مشبهًا بالبحر وحرم ركوبها، وتركت لترعى في المرعى، فإذا ماتت اشتركت فيها الرجال والنساء، قوله: ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ أي: ولم يجعل الله تعالى في الحيوانات حرامًا من سائبة وهي: من الأنعام التي خامس ولدها ذكر، فبحروا أذنها وتركوها مع أمها وحرموا منافعها على الرجال والنساء، فإذا ماتت اشتركوا فيها لو السائبة منها ما نذروا تسببها لا لمتهم إذا برؤوا من مرضهم أو جاؤوا من سفرهم وسلموها إلى خدام بيت المتهم، وكانوا صوفها وأولادها للرجال دون النساء، كذا في (عيون التفاسير)، فكان، أي: السائب يلعب مع ابن رجل، وفي نسخة: وكان يلعب هو وابن رجل من بني عايذ، بكسر التحتية، وقال: معجمة أصله عاوز، فقلبت الواو ياء، وفي نسخة: من بني عابد بكسر الموحدة والدال المهملة نسبة إلى عابد بن عمر بن مخزوم بكسر الهمزة، والذال المعجمة، نسبة إلى عائذ بن عمر بن بني سنان، ذكره
стр. 1283
السيوطي، فقتل السائبةُ ابن مفعول لقتل ومضاف إلى العائذي، وهو اسم رجل، فجاء العائذي بياء نسبية كفارسي، أبو المقتول بدل من العائذي، أو عطف بيان منه إلى عمر بن الخطاب ﵁، يطلب أي: حال كونه يطلب، وفي نسخة: فطلب دية ابنه، فأبى أي: امتنع عمر بن الخطاب ﵁ أن يديَهُ، أي: يحكم بدية المقتول على أحد، فأصل يديه يؤدى من باب ضرب، فحذفت الواو لوقوعها بين الياء التحتية وبين كسرة، يقال: ودي يدي دية، والهاء في دية عوض عن الواو المحذوفة في مضارعها، فمعنى قيمة دم المقتول، وقال أي: عمر: ليس له أي: للسائبة القاتل مولى أي: حتى يكون عاقلته فيؤخذ منه ديته، قال العائذي له: أي: لعمر ﵁: أرأيت أي: أخبرني يا عمر لو ابني قتله، أي: السائبة ما كان حكمه؟ قال: إذن أي: فإذا كان القاتل ابنك تُخرجوا أي: أنت وقومك دِيَتَه، فإنك عاقلة ابنك، وأما السائبة القاتل فليس له مولى يكون عاقلة له، قال العائذي: هو أي: السائبة إذن كالأرقم، بفتح الهمزة، وسكون الراء المهملة، والقاف المفتوحة والميم: الحية التي فيها بياض وسواد أو أحمر وسواد، إن يُتْرك على صيغة المجهول يَلْقَم، بفتح أوله، وإسكان اللام، وفتح القاف، وأصله الأكل بسرعة، وإن يُقْتَل بضم أوله وفتح ثالثه، يُنْقم، بكسر القاف من باب ضرب لغة القرآن، وفي لغة بفتح القاف من باب تعب، وهي أولى هنا بالسجع، ومعناه: إن تركت قتله قتلك، وإن قتلته كان له من ينقم منك، وهو مثل من أمثال العرب مشهور. قال ابن الأثير: (ق ٧٠٧) كانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب بثأر الجان وهي الحية الرفيعة، فربما قاتله وربما أصابه خلل، وهذا مثل يجتمع عليه شران يدري كيف يصنع بهما.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، ألا ترى أي: لم تنظر أن عمر ﵁ أبطل ديته أي: المقتول على القاتل أي: وحده، ولا نراه أي: لا نظن عمر أبطل ذلك أي: وجوب دية المقتول مطلقًا إلا أي: لكن عمر امتنع أن يحكم بدية المقتول على القاتل فقط ابتداءً لأن له أي: للقاتل عاقلة، أي: مبهمة مجهولة، ولكن عمر لم يعرفها، أي: عاقلة القاتل بعينها، والواو في "ولكن عمر": للعطف، لكن عمر يستفاد من كلمة إلا وكلمة لكن بفتح اللام الممدودة، وكسر الكاف، وسكون النون استدراك، وهو في اللغة طلب تدارك السامع، وفي الاصطلاح رفع توهم تولد على كلام سابق، كذا قاله السيد الجرجاني، يعني: توهم من قوله ولا نراه
стр. 1284
أبطل ذلك تعارض لقوله: ألا ترى أن عمر أبطل ديته عن القاتل، فدفع المصنف هذا التوهم بقوله ألا، وعطف عليه قوله: ولكن عمر لم يعرفها، فيجعل الدية أي: دية المقتول على العاقلة، وفي نسخة: على عاقلته بالإِضافة، أي: على قدر حالتهم، ولو أن عمر لم ير أن له أي: للسائبة القاتل مولى أي: أصلًا، ولا أنَّ له عاقلة أي: مطلقًا لجعل دية من أي: المقتول قُتِل بصيغة المجهول في ماله، أي: مال القاتل إن كان موسرًا، أو على بيت المال، أي: إن كان القاتل معسرًا، ولكنه أي: عمر رأى له عاقلة ولم يعرفهم، أي: بخصوصهم لأن بعض الحجاج، وفي نسخة تنبغي أن تصحح: بعض الحاج كان أعتقه ولم يُعرف بصيغة المجهول المُعتِقُ بصيغة اسم الفاعل نائب الفاعل لقوله: لم يعرف، أي: لم يعلم المعتق بعينه، ولا عاقلتُه، أي: لأنهم فرع الأول في المعرفة، فأبطل ذلك أي: وجوب الدية عمر حتى يُعرف، أي: حتى تبين معتقه وعاقلته، ولو كان لا يرى له عاقلة أي: من أول الأمر لجعل ذلك أي: لوجوب الدية عليه أي: على السائب القاتل في ماله أي: إذا كان غنيًا، أو على المسلمين في بيت مالهم، أي: إن كان القاتل فقيرًا.
لما فرغ من بيان حكم من قتل خطأ، ولم تُعرف له عاقلة، شرع في بيان القسامة، فقال: هذا
* * *
باب القسامة
باب في بيان القسامة، هي بفتح القاف مصدر لأقسم أو اسم لمصدره، ثم القوم الذين يحلفون سموا به، وسببها وجود القتيل في المحلة أو في معناها، وركنها: قولهم بالله ما قتلناه، وما علمناه قاتلًا، وشرطها: أن يكون المقسم رجلًا حرًا عاقلًا، وحكمها: القضاء بوجوب الدية، وإضافة باب إلى القسامة من إضافة العام إلى الخاص، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق السببية والمسببية.
٦٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، وعِراك بن مالك الغِفاري، أنهما حدثاه: أن رجلًا من بني سعد بن ليث أجْرى فرسًا
стр. 1285
فوطِئ على إصبع رجل من جُهينة فَنَزَفَ منها الدم فمات، فقال عمر بن الخطاب للذين ادُّعِيَ عليهم: أتحلفون خمسين يمينًا: ما مات منها؟ فأبوا وتحرَّجوا في الأيمان، فقال للآخرين: احلفوا أنتم، فأبَوْا، فقضى بشَطْر الدّية على السعديِّين.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين بعد المائة، عن سليمان بن يسار الهلالي، مولى ميمونة، (ق ٧٠٨) وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات بعد المائة، وعِراك بكسر العين المهملة فراء مهملة مخففة، وقيل: مشددة فألف وكاف، ابن مالك الغِفاري الكناني المدني التابعي الفاضل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة في خلافة يزيد، كذا في (تقريب التهذيب)، عطف قوله: عراك على قوله: سليمان إشعار التحويل السند لتقوي الحكم، أنهما أي: سليمان بن يسار، وعراك بن مالك، حدثاه أي: ابن شهاب، أن رجلًا أي: لم يسمَّ من بني سعد بن ليث بن أبي بكر بن عبد مناة بن كنانة، والنسبة إليه السعدي، أجْرى بفتح الهمزة وسكون الجيم، أي: أسرع فرسًا أي: في جريه فوطِئ أي: حافر فرسه على إصبع رجل منِ جُهينة بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح النون فهاء قبيلة: من قضاعة، فَنَزَفَ بفتح النون والزاي المعجمة ففاء، أي: سال منها أي: من إصبعه الدم بكثرة، حتى ضعف، فمات أي: بسببه، فقال عمر بن الخطاب ﵁: للذين ادُّعِيَ عليهم، بصيغة المجهول، يعني: إنكارهم أنه مات بسببه، أي: ادعى أولياء صاحب أصبع على أولياء صاحب فرس: أتحلفون بالله خمسين يمينًا: ما مات أي: لم يمت منها؟ أي: تلك الجهة، فأبوا أي: نكلوا وتحرَّجوا بفتح الفوقية والحاء المهملة وتشديد الراء المهملة المفتوحة والجيم والواو فألف للجمع، أي: امتنعوا عن الأيمان، بفتح الهمزة، وسكون التحتية والميم، فألف ونون جمع يمين، أي: حلف يعني لم يحلفوا احترازًا عن الحرج والوقوع في الإِثم، فقال أي: أمر عمر بالحلف للآخرين أي: لأولياء المقتول: احلفوا على صيغة الأمر، أنتم أيها المدَّعون خمسين يمينًا، وفي نسخة: أتحلفون كما في (الموطأ) ليحيى: أتحلفون أنتم أنه مات منها؟ فأبَوْا أي: امتنعوا عن الحلف، فقضى
стр. 1286
أي: حكم عمر بشَطْر الدّية أي: بنصفها على السعديِّين، أي: المنسوبين إلى بني سعد.
* * *
٦٨١ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن سهل بن أبي حَثْمة: أنه أخبره رجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومحيِّصة خرجا إلى خَيْبر من جهْد أصابهما فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قُتِلَ وطُرح في فقيرٍ أو عين، فأتى يهودَ فقال: أنتم قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى قَدِمَ على قومه، فذكر ذلك لهم، ثم أقبل هو وحويِّصة؛ وهو أخوه أكبر منه، عبد الرحمن بن سهل، فذهب ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله ﷺ : "كَبِّر كبِّر" يريد السن - فتكلم حُويِّصة، ثم تكلم مُحَيِّصة، فقال رسول الله ﷺ : "إما أن تَدُوا صاحبَكم وإما أن تؤذنوا بحرب"، فكتب إليهم رسول الله ﷺ ذلك فكتبوا له: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لِحُويِّصَة ومُحَيِّصَة وعبد الرحمن: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " قالوا: لا، قال: "فتحلف لكم يهود"، قالوا: ليسوا بمسلمين، فَوَدَاهُ رسول الله ﷺ من عنده، فبعث إليهم بمائة ناقة، حتى أدخلت عليهم الدار، قال سهل بن أبي حَثْمة: لقد ركضتني منها ناقة حمراء.
قال محمد: إنما قال لهم رسول الله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون دمَ صاحبكم"، يعني بالدية ليس بالقود، وإنما يدل على ذلك: أنه إنما أراد بالدية دون القود قوله في أول الحديث: "إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا
стр. 1287
بحرب"، فهذا يدل على آخر الحديث وهو قوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، لأن الدم قد يستحق بالديّة كما يستحق بالقود، لأن النبي ﷺ لم يقل لهم: أتحلفون وتستحقون دم من ادعيتم، فيكون هذا على القود، وإنما قال لهم: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، فإنما عنى به: تستحقون دم صاحبكم بالدية، لأن أول الحديث يدل على ذلك وهو قوله: "إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب"، وقال عمر بن الخطاب: القسامة تُوجب العَقْل ولا تُشِيط الدَّمَ، في أحاديث كثيرة.
فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، ويقال: اسمه عبد الله، تابعي، قال علي القاري: ويُطلق أبو ليلى على الوالد وولده، انتهى، وهو مدني ثم كوفي، ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب)، وسيد علي في (خلاصة الهيئة)، وقال ولي الدين التبريزي صاحب (المشكاة) في أسماء رجاله: أن عبد الرحمن بن ليلى سمع أباه وخلقًا كثيرًا من الصحابة، وعنه الشعبي ومجاهد وابن سيرين وجماعة من التابعين، قال ابن خلكان: إن عبد الرحمن بن أبي ليلى غرق في نهر البصرة، وقيل: فُقِدَ بدير الجماجم سنة ثمان وثمانين في وقعة بني الأشعث، وقيل: سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة اثنين من الهجرة، انتهى. عن سهل بفتح المهملة فسكون ابن أبي حَثْمة، بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة: ابن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي المدني صحابي صغير ولد سنة ثلاث (ق ٧٠٩) من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية، أنه أخبره رجال من كبراء بضم الكاف وفتح الموحدة والراء المهملة ممدودة، مضاف إلى قومه أي: مشايخهم وقدمائهم، وهم: محيصة وحويصة ابنا مسعود وعبد الله وعبد الرحمن ابنا سهل، أن عبد الله بن سهل هو ابن زيد بن كعب الأنصاري المارثي، ومحيِّصة بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر التحتية المشددة على الأشهر، وفتح الضاد المهملة، ابن مسعود بن كعب الحارثي الأوسي، أسلم قبل أخيه
стр. 1288
حويصة، خرجا إلى خَيْبر بعد فتحها، وعند ابن إسحاق: فخرج عبد الله بن سهل من جهْد بفتح الجيم وسكون الهاء، أي: من أجل جوع وقحط أصابهما، وفي مسلم: خرجا إلى خيبر في زمن رسول الله ﷺ وهي يومئذٍ صلح وأهلها يهود، فأتى بضم الهمزة وكسر التاء محيصة أي: فجاء آت، فأخبر بصيغة المفعول أن عبد الله بن سهل قد قُتِلَ وطُرح بضم أولهما، أي: رُمي في فقير بفتح الفاء وكسر القاف وهو البئر القريبة الواسعة الفم وقيل: الحفرة التي تكون حول النخل، وبين أو عين، شك من الراوي، وعند ابن إسحاق: وجد في عين قد كسرت عنقه، فأتى أي: محيصة يهودَ أي: جماعة يهود وهو غير منصرف للعلمية وتأنيث القبيلة مع وزن الفعل، فقال أي: لهم: أنتم أي: يا سكان خيبر قتلتموه، أي: حيث إنكم سكان خيبر وأعداء للمسلمين، ولعله كان به جرح أو أثر ضرب أو خنق أو خروج دم من أذنيه أو عينيه؛ لأن الخالي عنده لا قسامة فيه عندنا ولا دية وهو قول أحمد في رواية، وحماد والثوري، وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: ليس الأثر شرطًا بل الشرط اللوث، وهو ما يوقع في القلب صدق مدعي من أثرهم على ثيابه، أو عداوة ظاهرة، أو شهادة عدل، أو جماعة غير عدول، أن أهل المحلة قتلوه؛ لأنه ﷺ لم يسأل الأنصار بل كان يقتلهم أثر فيه أولا، ولنا أن القسامة في الدية لتعظيم الدم وصيانته عن الهدر، وذلك في القتل دون الموت حتف الأنف والقتل يُعرف بالأثر، فقالوا: أي: أهل خيبر والله ما قتلناه أي: عبد الله بن سهل، ثم أي: بعد حلفهم أقبل أي: محيصة، حتى قَدِمَ على قومه، أي: بني حارثة، فذكر ذلك أي: ما وقع لهم، ثم أقبل هو أي: محيصة وحويِّصة؛ بضم الحاء المهملة وفتح الواو وكسر التحتية المشددة على الأشهر، وقد تخفف وصاد مهملة هو ابن مسعود بن كعب الأوسي، شهد أحدًا والخندق وسائر المشاهد، وهو أي: حويصة أخوه أي: محيصة أكبر منه، أي: من محيصة، وعند ابن إسحاق أنه ﷺ قال بعد قتل كعب بن الأشرف: "مَنْ ظفرتم به من اليهود فاقتلوه"، فوثب محيصة على تاجر يهودي فقتله، فجعل حويصة يضربه وكان أسن منه، وذلك قبل أن يسلم حويصة، وعبد الرحمن بن سهل، أي: ابن زيد بن كعب الحارثي أخو المقتول، فذهب أي: محيصة ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، جملة حالية مبنية لعله تقدمه في القضية، حيث كان حاضرًا هناك، وفي الرواية اللاحقة، فذهب عبد الرحمن ليتكلم لمكانه من أخيه وجمعه باحتمال (ق ٧١٠) أن كل منهما أراد الكلام، فقال أي: لمحيصة رسول
стр. 1289
الله ﷺ : "كَبِّر كَبِّر" أي: قَدِّم الأكبر، وأن يبدأ في الكلام والتكرار للتأكيد والاهتمام في المرام، يريد السن، إرشاد إلى الأدب في تقديم الأسن، وفيه أن المشركين في معنى من معاني الدعوة وغيرها كالمسلمين في ابتداء الكلام أكبرهم، فإذا سمع منهم تكلم الأصغر فيُسمع منه إن احتيج له، فإن كان فيهم من له بنان ولتقديمه وجه فلا بأس بتقديمه، وإن صغر، قاله ابن عبد البر. وأخرج بسنده أنه قدم وفد من العراق على عمر بن [عبد] (*) العزيز، فنظر عمر إلى شاب منهم يريد الكلام، فقال: كبروا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك لكان في المسلمين من هو أسن منك، قال: صدقت: تكلم - رحمك الله - فقال: أما وقد شكر. . . فذكر الخبر. انتهى.
وحقيقة الدعوى إنما هي لعبد الرحمن أخي القتيل لاحق لابن عمه فيها، فإنما أمر ﷺ أن يتكلم الأكبر لأنه لم يكن المراد حينئذٍ الدعوى بل سماع صورة القصة وعند الدعوى يدعى المستحق أو المعني، أن الأكبر يكون وكيلًا له، كذا قاله الزرقاني (١).
فتكلم حُويِّصة، ثم تكلم مُحَيِّصة، فقال رسول الله ﷺ : أي: لليهود المُدعى عليهم: "إما بكسر الهمزة أن تَدُوا صاحبَكم بفتح الفوقية وخفة الدالة المهملة، أي: تعطوا أيها اليهود دية صاحبكم، وإما أن تؤذنوا أي: تعلموا بحرب"، أي: من الله ورسوله، هذا تهديد وتشديد أن لا قدرة لهم على حربه ﷺ مع ما هم فيه من غاية الذلة وكناية عن نسخ الجزية وترك الإِجارة، فكتب إليهم رسول الله ﷺ أي: أمر رسول الله ﷺ كاتبًا بالكتب إلى اليهود في ذلك أي: الجنس الذي نقل إليه هذا على تقدير إقرارهم وعدم إنكارهم، فكتبوا أي: اليهود له أي: لجواب رسول الله ﷺ : إنا والله ما قتلناه، وزاد في رواية: وما علمنا قاتله، هذا حكاية قول الجميع؛ لأن الواحد منهم إذا حلف يقول: ما قتلتُ ولا علمتُ له قاتله، لا ما قتلناه لجواز أنه قتله وحده، فإذا حلف ما قتلناه كان صادقًا في يمينه؛ لأنه لم يقتله مع غيره؛ فإن قيل: يجوز في ما قلت أن يكون قتله مع غيره كان في يمينه كاذبًا؛ لأن الجماعة متى قتلوا واحدًا كان كل واحد منهم قاتلًا، ولهذا يجب القصاص على كل واحد منهم في العمد والكفارة في الخطأ، كذا حققه بعض الحنفية، فإن قيل: المراد بقوله: ما قتلناه ما قتله واحد، فيقال: يحتمل أن يكون صادقًا في نفسه؛ إلا أنه
стр. 1290
يكون كاذبًا في حق غيره لعدم إحلافه في إثباته ونفيه، فقال رسول الله ﷺ لِحُويِّصَة ومُحَيِّصَة وعبد الرحمن: "تحلفون، وليحيى: أتحلفون؟ بهمزة الاستفهام، يعني: خمسين رجلًا، وتستحقون دم صاحبكم؟ " أي: قصاصًا على ما هو الظاهر أو دية كما سيأتي، قالوا: أي: الحويصة والمحيصة وعبد الرحمن: لا، أي: لا نحلف، وفي رواية ابن المفضل: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر، ووقع في الصحيح من رواية سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "تأتون بالبينة".
وفي النسائي: عن عمرو بن شعيب (ق ٧١١) عن أبيه عن جده، فقال ﷺ لعبد الرحمن بن سهل - وهو أخو المقتول: "أقم شاهدين على قاتل أخيك عبد الله بن سهل، أرفعه إليك برمته"، فقال: إني لم أصب شاهدين، وإنما أصبح قتيلًا على أبوابهم، فقال أبو عمر: هذه رواية أهل العراق عن بشير بن يسار، وفي رواية أهل المدينة عنه أثبت وهم به أقعد ونقلهم أصح عند العلماء.
وقد حكى الأثرم عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد بن عبيد عن بشير، وقال: الصحيح عنه ما رواه يحيى بن سعيد، وإليه أذهب، وقال بعضهم: ذكر البينة وهم؛ لأنه وإن سلم أنه لم يلن مع اليهود فيها منه ﷺ قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين، وأجيب بأنه وإن سلم أنه لم يلن مع اليهود فيها من المسلمين أحد، لكن في القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرًا فيجوران طائفة أخرى خرجت لمثل ذلك، ويحتمل أنه ﷺ طلب البينة أولًا فلم تكن لهم بينة فعرض عليهم الإِيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعي عليه، قال ﷺ لأصحاب المقتول: "فتحلف لكم يهود"، أي: المتهمون بأن حلف خمسون رجلًا حرًا مكلفًا منهم فتختارهم، قالوا: لا، أي: لا نرضى أنهم يحلفون، ليسوا بمسلمين، أي: فليس لهم أيمان؛ لأن فيهم كفر أعظم من أن يحلفوا على إثم، فَوَدَاهُ بفتح الواو والدال المهملتين الخفيفتين، فألف، أي: فأعطى رسول الله ﷺ دية المقتول إلى ورثة من عنده، أي: من خالص ماله أو من بيت المال؛ لأنه عاقلة المسلمين وولي أمرهم، فبعث إليهم أي: ورثة المقتول بمائة ناقة، أي: دفعًا للمنازعة، حتى أدخلت على بناء المجهول، أي: النوق، عليهم أي: على أصحاب المقتول وهم في الدار، وهو كناية عن قربها لديهم ووصولها إليهم، قال سهل بن أبي حَثْمة: لقد ركضتني بفتح الراء المهملة والكاف والضاد المعجمة المفتوحة، وسكون الفوقية والنون: الوقاية،
стр. 1291
أي: ضربتني برجلها، ومنه قوله تعالى في سورة ص: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، منها أي: من تلك الإِبل، فدخلت مربدهم فركضتني برجلها، وقال ذلك ليبين ضبطه للحديث، ضبطًا شافيًا بليغًا.
وفيه مشروعية القسامة، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، كمالك والشافعي في أحد قوليه، وأحمد عن طائفة التوقف فيها، فلم يروا القسامة ولا أثبتوا لها في الشرع، كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: إنما قال لهم رسول الله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون دمَ صاحبكم"، يعني يريد النبي ﷺ استحقاق دية بالدية ليس بالقود، بفتحتين، أي: ليس مراده أن استحقاقه بالقصاص، وفيه أنه ينافيه قوله فيدفع برمته إليهم، إلا أن يقال: أي يدفع ديته بتمامها، وإنما يدل على ذلك، أي: على ما ذكره من إرادة الدية لا القود، فقوله: أنه أي: بدل من ذلك إنما أراد بالدية دون القود قوله في أول الحديث، (ق ٧١٢) أي: مخاطبًا اليهود: "إما بكسر الهمزة أن تدوا كلمة أن مصدرية وبفتح الفوقية والدال المهملة المضمومة، والواو الساكنة فألف، أي: أعطوا صاحبكم أي: الدية أيها اليهود، وإما أن تؤذنوا أي: تعلموا بحرب" أي: من الله ورسوله، وفيه أنه يحتمل أن يكون هذا قبل تحقق اليمين من أحد الجانبين، فهذا أي: ما صدر في صدر الحديث يدل على آخر الحديث من جهة المراد، وهو قوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، لأن الدم قد يستحق بالدية كما يستحق بالقود، أي: بالقصاص والكلام في المراد فيهما وإلا فالأمر لا يخلو منهما، والظاهر أن الدية هي المراد؛ لأن النبي ﷺ لم يقل لهم أي: لورثة المقتول: أتحلفون وتستحقون دم من ادعيتم، أي: عليه ليكون صريحًا في المراد، فيكون هو أي: اللفظ محمولًا على القود" أي: نصًا، وإنما قال لهم: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، أي: ديته، يحتمل احتمالين، فالإِضافة قد تكون لأدنى ملابسة، فإنما عنى به أي: أراد النبي ﷺ بقوله: تستحقون دم صاحبكم بالدية، لأن أول الحديث يدل على ذلك، أي: على القود، وفي نسخة: على هذا، وهو أي: أول الحديث قوله: "إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب"، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: أي: ما يكون كالنص في هذا الباب: القسامة تُوجب
стр. 1292
العَقْل؛ لأن الدية لفظ، ولا تُشِيط الدَّمَ، أي: من نشاط دمه إذا بطل، وهو من باب ضرب وأشاطه السلطان أبطله، وهدره، ومنه قول بعض الشافعية: ويشاط الدم بالقسامة، كما في (المغرب)، وفي بعض النسخ الأصل: ولا تهدر بل ولا تشيط، والمعنى: لا تبطله بالكلية، فلا بد من الدية في القصة، في أحاديث كثيرة، أي: في ضمنها ومع جملتها.
فبهذا نأخذ، أي: فإنما نعمل بقول عمر بن الخطاب ﵁، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ثم عندنا يبدأ بالمدعى عليهم في الأيمان، وهو قول عمر والشعبي والنخعي والثوري، وقال مالك والشافعي وأحمد: يُبدأ بالمدعين في الأيمان فإن حلفوا استحقوا دم المقتول وإن نكلوا حلف المدعي عليهم خمسين يمينًا وإن حلفوا برؤوا، وهو مذهب يحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد، والليث بن سعد، لقوله ﷺ لأولياء عبد الله قوله فيما رواه البيهقي (١): أفتريكم يهود بخمسين رجلًا ولنا ما في الكتب الستة من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "اليمين على المدعين عليه"، وما رواه ابن أبي شيبة من قضاء عمر في القتيل الذي وجد في اليمين بين وادعة وأوجب، فكتب عامل عمر بن الخطاب ﵁ أن قِسْ بين الحيين قال: أيهما كان أقرب فخذهم به فقاسوه فوجدوه أقرب إلى وداعة فأخذنا وأغرمنا وأحلفنا، فقلنا: يا أمير المؤمنين، أتحلفنا وتغرمنا؟ قال: نعم، فاحلف خمسين رجلًا بالله، ما قتلت ولا علمت قاتلًا.
وقد روى أبو داود والطيالسي وإسحاق بن راهويه والبزار في (مسانيدهم)، والبيهقي في سننه (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن قتيلًا وجد بين حيين فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى الحيين أي قبيلتين، (ق ٧١٣) بشير، قال أبو سعيد الخدري: كأني أنظر إلى شبر رسول الله ﷺ فألقى ديته عليهم بعد يمين خمسين رجلًا منهم فإن لم يكن في المحلة خمسون من أهل القسامة كتب الحلف عليهم إلا أن يتم لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) أن عمر بن الخطاب ﵁ رد عليهم الإِيمان حتى وفوا، وروي أيضًا عن شريح قال: جاءت القسامة فلم يوفوا خمسين فردوا
стр. 1293
عليهم القسامة حتى أوفوا، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن سفيان الثوري عن مغيرة عن إبراهيم النخعي: إذا لم تبلغ القسامة كرروا حتى يحلف خمسين يمينًا، ولأن الخمسين واجب بنص الحديث فيجب إتمامها ما أمكن، ولا يطلب فيها الوقوف على الفائدة، مع أنها قد تكون سببًا لنكولهم؛ ولأن فيه استعظام أمر الدم فكمل وتكرار اليمين من واحد على سبيل الوجوب ممكن شرعًا كما في اللعان، والله هو المستعان.
لما فرغ من بيان أحكام الديَّات، شرع في بيان أنواع الحدود، فقال: هذا
* * *
стр. 1294
كتاب الحدود في السرقة
كتاب: أي: كائن في بيان أنواع الحدود، أي: حال كونها في السرقة، والكتاب لغة: مصدر بمعنى الكتب، وهي الجمع، يسمى به المفعول للمبالغة، واصطلاحًا: طائفة من المسائل، وإضافته إلى الحدود من قبيل إضافة العام إلى الخاص، وفي نسخة: أبواب الحدود بدل كتاب الحدود وهو جمع حد، وهو في اللغة: المنع، وفي الشرع: عقوبة مقدرة، ووجبت حقًا لله تعالى، وإنما قال: الحدود بلفظ الجمع إشعارًا بأنواع الحدود، كحد الزنا، والقذف، وشرب الخمر، لكنها هنا مخصوصة في حدود السرقة لما قيدها بقوله: من السرقة، وهي في اللغة: أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية، وفي الشريعة في حق القطع: أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محروزة بمكان أو حافظ بلا شبهة، كذا قاله السيد محمد الجرجاني الحنفي، استنبط المصنف ﵀ هذا الباب من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، لما كان المقصود من الحدود انزجارًا عن أسبابها كان الأهم تقديم حد السرقة على غيره؛ لأن في السرقة إتلاف المال، فإتلافه سبب لإِتلاف النفس، فالمال مخلوق وقاية للنفس، فحد السرقة وهو قطع يد السارق سبب لإِبقاء المال وإبقاؤه سبب لإِبقاء النفس، فالنفس مقدمة فكذلك سببها. ووجه المناسبة بين هذا الكتاب وبين الكتاب السابق الديات: إحياء النفس وجزؤها؛ لأن في أخذ الدية عن القاتل، وفي قطع اليد في السارق زجر غيره عن قتل النفس وعن السرقة، وهذا المعنى إحياء النفس وإبقاؤها حكمًا.
باب العبد يسرق من مولاه
باب العبد، أي: هذا المذكور كائن في بيان حكم حال العبد يسرق من مولاه، أي: العبد الذي يأخذ من مال سيده في مكان محرز خفية، والسرقة المستفادة من قوله: يسرق قد مرّ بيان معناها اللغوي والشرعي، وقال بعض الفضلاء: السرقة هي: أخذ مكلف خفية قدر وزن عشرة دراهم مضروبة جيدة وزن كل عشرة سبع مثاقيل كما في الزكاة، أو ما يبلغ قيمته وزن عشرة دراهم بقول رجلين عدلين، أو بإقراره مرة عند أبي
стр. 1295
حنيفة ومحمد، وهو قول أكثر العلماء، ومرتين عند (ق ٧١٤) أبي يوسف وأحمد وابن أبي ليلى وزُفر، وقال الحسن وداود وابن بنت الشافعي: ليس للسرقة نصاب مقدر لإِطلاق الدية، ولما روى الشيخان (١) عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله السارق بسرق بيضة فيقطع يده، ويسرق الحبل ويقطع يده"، وأجيب بأن الآية مقيدة بالنصاب كما هي مقيدة بالمال، وبأن الحديث قال فيه البخاري: قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل ما يساوي دراهم، والراد بالحبل حبل السفينة، وقال مالك وأحمد: نصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال الشافعي والأزرعي والليث: ربع دينار لما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا"، وسيأتي أدلتنا، كذا قاله علي القاري.
٦٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن السائب بن يزيد: أن عبد الله بن عمرو بن الحَضْرَمِيّ؛ جاء إلى عمر بن الخطاب بعبدٍ له، فقال: اقطع هذا فإنه سرق، فقال: وماذا سرق؟ قال: مِرْآةً لامرأتي ثمنها ستون درهمًا، قال عمر: أرسله؛ ليس عليه قطع، خادمُكم سرق متاعكم.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أيّما رجلٍ له عبد سرق من ذي رحم مَحْرم منه، أو من مولاه، أو من امرأة مولاه، أو من زوج مولاته، فلا قطع عليه فيما سَرق، وكيف يكون عليه القطع فيما سرق من أخته، أو أخيه، أو عمته، أو خالته، وهو لو كان محتاجًا زَمِنًا أو صغيرًا، وكانت محتاجة أجبر على نفقتهم، وكان لهم في ماله نصيب، فكيف يُقطع من سرق ممن له في ماله نصيب، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا الزهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين
стр. 1296
من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، عن السائب بن يزيد ﵁، هو ابن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبته، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به ﷺ في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله العسقلاني في (تقريب التهذيب) (١)، أن عبد الله بن عمرو بفتح العين ابن الحَضْرَمِيّ؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، واسمه عبد الله بن عمار حليف بني أمية، وهو ابن أخي العلاء بن الحضرمي، قتل أبوه في السنة الأولى من الهجرة النبوية كافرًا، قال ابن حجر في (الإِصابة): ومقتضى موت أبيه أن يكون له عند الوفاة النبوية نحو تسع سنين، فهو من أهل هذا القسم، أي: الأول من الصحابة. انتهى، جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁، بعبدٍ له، فقال: اقطعْ يد هذا العبد فإنه سرق، حذف مفعوله للتعميم، فقال: أي: عمر: وماذا أي: أي شيء سرق؟ قال: أي: أجاب عبد الله بن عمرو بسؤال عمر بن الخطاب ﵁ بأن قال: سرق مِرْآةً وهي بكسر الميم وسكون الراء المهملة ومد الهمزة والفوقية أنه النظر لامرأتي ثمنها ستون درهمًا، قال عمر: أرسله؛ أي: العبد، ليس عليه قطع، أي: قطع يده فإنه خادمُكم سرق متاعكم، أي: فلا يجتمع عليكم أمران، وكأنه سقط بعض مالكم على بعض فسر بما تحته.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، أيما رجلٍ كلمة "أيما" مرفوعة على أنها مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة تأكيدة لإِبهام، أي: ورجل مجرور لإِضافة، أي: إليه، فخبرها وجوابها جملة فلا قطع عليه، له أي: رجل ثابت له، عبد سرق من متاع ذي رحم مَحْرم منه، أي: مدة الرجل وذو الأرحام من العبد أولاد بناته، وأولاد أخواته، وبنات أخواته، وأبناء إخوته، والعمات والأعمام لأمه، وخاله وخالته، كذا قاله السيد الشريف الجرجاني، أو من مولاه، أي: أو سرق العبد من متاع سيده، أو سرق من أي: متاع امرأة مولاه، أو (ق ٧١٥) من زوج مولاته، أي: سيدته، فلا قطع عليه أي: على العبد فيما سَرق، أي: من المال، وكيف يكون عليه أي: وأي حال يلزم على العبد السارق القطع أي: قطع يده فيما
стр. 1297
أي: في مال سرق أي: العبد به من أخته، أو أخيه، أو عمته، أو خالته، أي: من جهة أمه، وهو أي: والحال أن العبد لو كان محتاجًا زَمِنًا أي: مقعدًا أو صغيرًا أي: بحيث ما يقدر على الكسب، وكانت أي: الأمَة محتاجة أي: إلى الشفعة والكسوة أجبر بصيغة المجهول، أي: أمر الحاكم إلى سيد العبد المحتاج والصغير والأمة المحتاجة على نفقتهم، وكان أي: فثبت لهم أي: للعباد والإِماء في ماله نصيب أي: حظ، فكيف يُقطع أي: يد من سرق ممن له أي: من متاع من للسارق، في ماله أي: في مال المسروق منه نصيب، أي: حظ عظيم، وهذا أي: المذكور هنا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم العبد يسرق من مال سيده، شرع في بيان حكم حال السارق يسرق ما كان في مكان غير محرز، فقال: هذا
* * *
باب من سرق تمرًا أو غير ذلك مما لم يحرز
باب في بيان حكم من سرق تمرًا أو غير ذلك، أي: من الحيوانات، مما أي: من موقع لم يحرز، أي: لم يمنع وصول يد غير صاحبه فيه، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التقييد والإِطلاق.
٦٨٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين، أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع في ثمر معلَّق، ولا في حريسةِ جَبَل، فإذا آواه المُرَاح أو الجرينُ فالقطع فيما بلغ ثمن المِجَنّ".
قال محمد: وبهذا نأخذ، من سَرَقَ تمرًا في رؤوس النخل، أو شاة في
стр. 1298
المرعى، فلا قطع عليه، فإذا أُتِيَ بالثمر الجرين أو البيت وأتي بالغنم المُرَاح، وكان لها من يحفظها فجاء سارق سَرق من ذلك شيئًا يساوي ثمن المِجن ففيه القطع، والمِجنّ كان يساوي يومئذٍ عشرة دراهم، ولا يقطع في أقل من ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين بن الحارث بن عامر بن نوفل الملكي النوفلي، ثقة، عالم بالمناسك، من رجال الجميع، كان في الطبقة الخامسة من طبقات صغار التابعين، من أهل مكة، مات بعد المائة من الهجرة، قال أبو عمر: لم تختلف رواة (الموطأ) في إرساله، ويتصل معناه من حديث عبد الله بن عمر وغيره، أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع أي: لا يقطع يد السارق في ثمر بفتح المثلثة والميم معلَّق بالنخل والشجر قبل أن يجزئ ويحرز، وكلمة "في" في قوله: ثمر للتعليل، كما في قوله ﷺ : "إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها"، ولا في حريسةِ جَبَل، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء الممدوة، وفتح السين المهملة والفوقية، مضافة إلى جبل فعيلة، بمعنى مفعولة، أي: ليس في الماشية المحروسة في الجبل بالمرعى قطع يد السارق إذا سرقها؛ لأن الحريسة لم تكن حرزًا عادة أو يقال لها باللسان التركية: (طاغدة أو لأن قيون أغلى) كما في ترجمة (صحاح الجوهري)، فإذا آواها بفتح الهمزة المدودة والضمير المؤنث راجع إلى حريسة، وفي نسخة بالضمير المذكر العائد إلى حريسة باعتبار المال، أي: إذا أنزل وأدخل الماشية صاحبها في المراح بضم الميم وفتح الراء المهملة فألف، وحاء مهملة وهو موضع مبيت الغنم، والفرق بين المعنى الثاني للحريسة وبين معنى المُرَاح، أن معنى المراح موضع له سطح وباب يغلق بخلاف المعنى الثاني للحريسة، أو الجرينُ بفتح الجيم وكسر الراء الممدودة فنون: هو الموضع الذي يُجمع فيه الثمار عطف على المراح، أي: إذا أدخل الثمار صاحبها فيه، فالقطع فيما بلغ أي: فيلزم قطع يد السارق بالمسروق الذي بلغ ثمنه قدر ثمن المِجَنّ"، بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون: الترس وثمنه ثلاثة (ق ٧١٦) دراهم بين ﷺ وهي حالة كون المال في حرزه فلا قطع على من سرق من غير حرز إجماعًا إلا ما شذ الحسن والظاهرية، قال ابن العربي: اتفقت الأئمة على أن شرط القطع أن يكون المسروق محرزًا يحرز مثله ممنوعًا من الوصول إليه بمانع، خلافًا لقول
стр. 1299
الظاهرية لا تُقطع في كل فاكهة رطبة ولو كانت محرزة، وقاسوا عليها الأطعمة الرطبة التي لا تدخر، كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بحديث رواه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين مرسلًا: من سَرَقَ تمرًا في رؤوس النخل، أو شاة في المرعى، بفتح الميم وسكون الراء المهملة والعين المهملة المفتوحة الممدودة، اسم مشترك بين معنى الكلاء بكسر الكاف نبت أخضر وبفتحها بمعنى المرعى، وبين موضع الكلاء كما فصلناه في (نور الأفئدة)، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ٤]، لكنه هنا مخصوص لمكان الكلاء، كما أشار المصنف ﵀ إلى هذا المعنى بكلمة في فلا قطع عليه، أي: لعدم وجود الأحراز، وإن كان في حائط، وروى النسائي (٢) وابن ماجه (٣) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ سُئِلَ عن التمر المعلق فقال: "من أصاب تقية من ذي حاجة غير متخذة خبية فلا شيء عليه، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع"، وفي (المغرب) الجرين: المربد، وهو الموضع الذي يلقى فيه الرطب ليجف، وجمعه جرون، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية)، فإذا أُتِيَ بالثمر الجرين أو البيت وأتي بالغنم المُرَاح، وكان لها أي: الغنم من يحفظها فجاء سارق سَرق من ذلك شيئًا يساوي أي: قيمته ثمن المِجن ففيه القطع، أي: قطع يد السارق، والمِجنّ بكسر الميم المخفف وتشديد النون: الترس، كان يساوي يومئذٍ أي: في عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم، ولا قطع أي: يد السارق في أقل من ذلك، أي: من عشرة دراهم، وهو أي: عدم قطع يد السارق إذا سرق أقل من عشرة دراهم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. هذا جواب على مالك وأحمد والشافعي لما قاله مالك وأحمد: نصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال الشافعي والأوزاعي والليث: نصاب السرقة ربع دينار، كما مر تفصيله في شرح ترجمة باب العبد يسرق من مولاه.
* * *
стр. 1300
٦٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان: أن غلامًا سَرَق وَدِيّا من حائط رجل، فغرسه في حائط سيده، فخرج صاحب الودِيِّ يلتمس ودِيَّهُ فوجده، فاستعدى عليه مروان بن الحَكم فسجنه وأراد قطع يده، فانطلق سيد العبد إلى رافِع بن خَدِيج، فسأله، فأخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ"، والكَثَر: الجُمّار، قال الرجل: إن مروان أخذ غلامي، وهو يريد قطع يده، فأنا أحب أن تمشي معي إليه فتخبره بالذي سمعتَ من رسول الله ﷺ ، فمشى معه حتى أتى مروان فقال له رافع: أخذتَ غلام هذا؟ قال: نعم، قال: فما أنت صانع به، قال: أريد قطع يده، قال: فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر"، فأمر مروان بالعبد فأُرْسِلَ.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا قطع في ثمرٍ مُعلَّق في شجر، وَلا في كَثَر، والكثر: الجمّار، ولا في ودِيّ، ولا في شجر، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى قال: مالك حدثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربعين ومائة بعد الهجرة، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، بفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة، ابن سعد الأنصاري المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة وهو ابن أربع وسبعين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، أن غلامًا أي: عبد أسود لواسع بن حبان، عم محمد، كذا في (التمهيد)، سَرَق وَدِيّا بفتح