من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، عن السائب بن يزيد ﵁، هو ابن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبته، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به ﷺ في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله العسقلاني في (تقريب التهذيب) (١)، أن عبد الله بن عمرو بفتح العين ابن الحَضْرَمِيّ؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، واسمه عبد الله بن عمار حليف بني أمية، وهو ابن أخي العلاء بن الحضرمي، قتل أبوه في السنة الأولى من الهجرة النبوية كافرًا، قال ابن حجر في (الإِصابة): ومقتضى موت أبيه أن يكون له عند الوفاة النبوية نحو تسع سنين، فهو من أهل هذا القسم، أي: الأول من الصحابة. انتهى، جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁، بعبدٍ له، فقال: اقطعْ يد هذا العبد فإنه سرق، حذف مفعوله للتعميم، فقال: أي: عمر: وماذا أي: أي شيء سرق؟ قال: أي: أجاب عبد الله بن عمرو بسؤال عمر بن الخطاب ﵁ بأن قال: سرق مِرْآةً وهي بكسر الميم وسكون الراء المهملة ومد الهمزة والفوقية أنه النظر لامرأتي ثمنها ستون درهمًا، قال عمر: أرسله؛ أي: العبد، ليس عليه قطع، أي: قطع يده فإنه خادمُكم سرق متاعكم، أي: فلا يجتمع عليكم أمران، وكأنه سقط بعض مالكم على بعض فسر بما تحته.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، أيما رجلٍ كلمة "أيما" مرفوعة على أنها مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة تأكيدة لإِبهام، أي: ورجل مجرور لإِضافة، أي: إليه، فخبرها وجوابها جملة فلا قطع عليه، له أي: رجل ثابت له، عبد سرق من متاع ذي رحم مَحْرم منه، أي: مدة الرجل وذو الأرحام من العبد أولاد بناته، وأولاد أخواته، وبنات أخواته، وأبناء إخوته، والعمات والأعمام لأمه، وخاله وخالته، كذا قاله السيد الشريف الجرجاني، أو من مولاه، أي: أو سرق العبد من متاع سيده، أو سرق من أي: متاع امرأة مولاه، أو (ق ٧١٥) من زوج مولاته، أي: سيدته، فلا قطع عليه أي: على العبد فيما سَرق، أي: من المال، وكيف يكون عليه أي: وأي حال يلزم على العبد السارق القطع أي: قطع يده فيما
стр. 1297
أي: في مال سرق أي: العبد به من أخته، أو أخيه، أو عمته، أو خالته، أي: من جهة أمه، وهو أي: والحال أن العبد لو كان محتاجًا زَمِنًا أي: مقعدًا أو صغيرًا أي: بحيث ما يقدر على الكسب، وكانت أي: الأمَة محتاجة أي: إلى الشفعة والكسوة أجبر بصيغة المجهول، أي: أمر الحاكم إلى سيد العبد المحتاج والصغير والأمة المحتاجة على نفقتهم، وكان أي: فثبت لهم أي: للعباد والإِماء في ماله نصيب أي: حظ، فكيف يُقطع أي: يد من سرق ممن له أي: من متاع من للسارق، في ماله أي: في مال المسروق منه نصيب، أي: حظ عظيم، وهذا أي: المذكور هنا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم العبد يسرق من مال سيده، شرع في بيان حكم حال السارق يسرق ما كان في مكان غير محرز، فقال: هذا
* * *
باب من سرق تمرًا أو غير ذلك مما لم يحرز
باب في بيان حكم من سرق تمرًا أو غير ذلك، أي: من الحيوانات، مما أي: من موقع لم يحرز، أي: لم يمنع وصول يد غير صاحبه فيه، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التقييد والإِطلاق.
٦٨٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين، أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع في ثمر معلَّق، ولا في حريسةِ جَبَل، فإذا آواه المُرَاح أو الجرينُ فالقطع فيما بلغ ثمن المِجَنّ".
قال محمد: وبهذا نأخذ، من سَرَقَ تمرًا في رؤوس النخل، أو شاة في
стр. 1298
المرعى، فلا قطع عليه، فإذا أُتِيَ بالثمر الجرين أو البيت وأتي بالغنم المُرَاح، وكان لها من يحفظها فجاء سارق سَرق من ذلك شيئًا يساوي ثمن المِجن ففيه القطع، والمِجنّ كان يساوي يومئذٍ عشرة دراهم، ولا يقطع في أقل من ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين بن الحارث بن عامر بن نوفل الملكي النوفلي، ثقة، عالم بالمناسك، من رجال الجميع، كان في الطبقة الخامسة من طبقات صغار التابعين، من أهل مكة، مات بعد المائة من الهجرة، قال أبو عمر: لم تختلف رواة (الموطأ) في إرساله، ويتصل معناه من حديث عبد الله بن عمر وغيره، أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع أي: لا يقطع يد السارق في ثمر بفتح المثلثة والميم معلَّق بالنخل والشجر قبل أن يجزئ ويحرز، وكلمة "في" في قوله: ثمر للتعليل، كما في قوله ﷺ : "إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها"، ولا في حريسةِ جَبَل، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء الممدوة، وفتح السين المهملة والفوقية، مضافة إلى جبل فعيلة، بمعنى مفعولة، أي: ليس في الماشية المحروسة في الجبل بالمرعى قطع يد السارق إذا سرقها؛ لأن الحريسة لم تكن حرزًا عادة أو يقال لها باللسان التركية: (طاغدة أو لأن قيون أغلى) كما في ترجمة (صحاح الجوهري)، فإذا آواها بفتح الهمزة المدودة والضمير المؤنث راجع إلى حريسة، وفي نسخة بالضمير المذكر العائد إلى حريسة باعتبار المال، أي: إذا أنزل وأدخل الماشية صاحبها في المراح بضم الميم وفتح الراء المهملة فألف، وحاء مهملة وهو موضع مبيت الغنم، والفرق بين المعنى الثاني للحريسة وبين معنى المُرَاح، أن معنى المراح موضع له سطح وباب يغلق بخلاف المعنى الثاني للحريسة، أو الجرينُ بفتح الجيم وكسر الراء الممدودة فنون: هو الموضع الذي يُجمع فيه الثمار عطف على المراح، أي: إذا أدخل الثمار صاحبها فيه، فالقطع فيما بلغ أي: فيلزم قطع يد السارق بالمسروق الذي بلغ ثمنه قدر ثمن المِجَنّ"، بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون: الترس وثمنه ثلاثة (ق ٧١٦) دراهم بين ﷺ وهي حالة كون المال في حرزه فلا قطع على من سرق من غير حرز إجماعًا إلا ما شذ الحسن والظاهرية، قال ابن العربي: اتفقت الأئمة على أن شرط القطع أن يكون المسروق محرزًا يحرز مثله ممنوعًا من الوصول إليه بمانع، خلافًا لقول
стр. 1299
الظاهرية لا تُقطع في كل فاكهة رطبة ولو كانت محرزة، وقاسوا عليها الأطعمة الرطبة التي لا تدخر، كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بحديث رواه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين مرسلًا: من سَرَقَ تمرًا في رؤوس النخل، أو شاة في المرعى، بفتح الميم وسكون الراء المهملة والعين المهملة المفتوحة الممدودة، اسم مشترك بين معنى الكلاء بكسر الكاف نبت أخضر وبفتحها بمعنى المرعى، وبين موضع الكلاء كما فصلناه في (نور الأفئدة)، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ٤]، لكنه هنا مخصوص لمكان الكلاء، كما أشار المصنف ﵀ إلى هذا المعنى بكلمة في فلا قطع عليه، أي: لعدم وجود الأحراز، وإن كان في حائط، وروى النسائي (٢) وابن ماجه (٣) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ سُئِلَ عن التمر المعلق فقال: "من أصاب تقية من ذي حاجة غير متخذة خبية فلا شيء عليه، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع"، وفي (المغرب) الجرين: المربد، وهو الموضع الذي يلقى فيه الرطب ليجف، وجمعه جرون، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية)، فإذا أُتِيَ بالثمر الجرين أو البيت وأتي بالغنم المُرَاح، وكان لها أي: الغنم من يحفظها فجاء سارق سَرق من ذلك شيئًا يساوي أي: قيمته ثمن المِجن ففيه القطع، أي: قطع يد السارق، والمِجنّ بكسر الميم المخفف وتشديد النون: الترس، كان يساوي يومئذٍ أي: في عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم، ولا قطع أي: يد السارق في أقل من ذلك، أي: من عشرة دراهم، وهو أي: عدم قطع يد السارق إذا سرق أقل من عشرة دراهم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. هذا جواب على مالك وأحمد والشافعي لما قاله مالك وأحمد: نصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال الشافعي والأوزاعي والليث: نصاب السرقة ربع دينار، كما مر تفصيله في شرح ترجمة باب العبد يسرق من مولاه.
* * *
стр. 1300
٦٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان: أن غلامًا سَرَق وَدِيّا من حائط رجل، فغرسه في حائط سيده، فخرج صاحب الودِيِّ يلتمس ودِيَّهُ فوجده، فاستعدى عليه مروان بن الحَكم فسجنه وأراد قطع يده، فانطلق سيد العبد إلى رافِع بن خَدِيج، فسأله، فأخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ"، والكَثَر: الجُمّار، قال الرجل: إن مروان أخذ غلامي، وهو يريد قطع يده، فأنا أحب أن تمشي معي إليه فتخبره بالذي سمعتَ من رسول الله ﷺ ، فمشى معه حتى أتى مروان فقال له رافع: أخذتَ غلام هذا؟ قال: نعم، قال: فما أنت صانع به، قال: أريد قطع يده، قال: فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر"، فأمر مروان بالعبد فأُرْسِلَ.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا قطع في ثمرٍ مُعلَّق في شجر، وَلا في كَثَر، والكثر: الجمّار، ولا في ودِيّ، ولا في شجر، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى قال: مالك حدثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربعين ومائة بعد الهجرة، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، بفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة، ابن سعد الأنصاري المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة وهو ابن أربع وسبعين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، أن غلامًا أي: عبد أسود لواسع بن حبان، عم محمد، كذا في (التمهيد)، سَرَق وَدِيّا بفتح
стр. 1301
الواو، وكسر الدال المهملة، وتشديد التحتية، أي: نخلًا صغيرًا من حائط رجل، أي: من داخل (ق ٧١٧) جداره، وهو لم يسم، وفي رواية حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى أن غلامًا لعمه واسع بن حبان سرق وديًا من أرض جاره، فغرسه في حائط أي: بستان سيده، فخرج صاحب الودِيِّ يلتمس أي: حال كون صاحبه يطلب ودِيَّهُ فوجده، أي: في بستان جاره، فاستعدى عليه بهمزة الوصل وسكون السين المهملة، وفتح الفوقية، وسكون العين المهملة، وفتح الدال المهملة المخففة فألف، فإن أصله عدو بالفتحات، فزيدت في أوله الهمزة والسين والتاء، فكان استعدو، يقال: استعديت على فلان الأمير فأعداني، أي: استعنت به عليه فأعانني، كذا قاله محمد الواني في ترجمة (صحاح الجوهري). يعني: أحضر صاحب الودي الغلام إلى حضور مروان بن الحَكم، وقال له: هذا الغلام سرق من حائطي وديّا، والحال أن مروان بن الحكم أمير المدينة حينئذ من جهة معاوية ﵁، فسجنه بفتح المهملة وتشديد الجيم المفتوحة والنون المفتوحة المخففة، أي: فجعله محبوسًا في السجن، وأراد قطع يده، أي: يد الغلام، فانطلق سيد العبد أي: والممع بن حبان إلى رافع بن خَدِيج ﵁، بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، وسكون التحتية فجيم، وهو ابن رافع بن عدي الأنصاري الأوسي الحارثي، أول مشاهده أُحد ثم الخندق، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقيل: قبل ذلك، فسأله عن ذلك، فأخبره أي: رافع إلى سيد العبد، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا قَطْعَ أي: لا يجوز قطع يد الرجل في ثَمَرٍ بفتح المثلثة والميم، أي: في سرقة ثمر معلق على شجر وقبل أن يجز ويحرز، ولا كَثَرٍ"، بفتح الكاف والمثلثة فراء مهملة، والكَثَر: الجُمّار، بالجيم المضمومة، وتشديد الميم المفتوحة فألف، ثم راء مهملة، وهي شيء أبيض ناعم يخرج من رأس النخل وهو شحمه الذي يخرج به الكافور، وهو وعاء الطلع من جوفه سمي جمارًا أو كثر؛ لأنه أصل الكوافير، وحيث تجتمع وتكثر كما في (الفائق)، وهذا التعبير مدرج في رواية شعبة: قلتُ ليحيى بن سعيد: ما الكثر؟ فقال: الجمار يقال له باللسان التركية: (خوماكويكي)، قال الرجل: أي: سيد العبد: إن مروان أي: ابن الحكم أخذ غلامي أي: عبدي، وهو أي: والحال أن مروان بن الحكم يريد قطع يده، فأنا أحب أن تمشي أي: إليه، معي إليه فتخبره بالذي سمعتَ من رسول الله ﷺ ، فمشى أي رافع بن خديج ﵁ معه حتى أتى مروان فقال أي: فسأل، أي:
стр. 1302
لمروان بن الحكم رافع: أخذتَ أي: هل أخذت وحبست في السجن غلام هذا؟ أي: الرجل، قال: نعم، أي: أخذته، قال: أي: رافع بن خديج: فما أنت صانع أي: أي شيء تفعل؟ له، وفي هذا من اللطف في الخطاب ما لا يخفى، حيث لم يقل له: إن هذا قد أخذت له غلامًا وأردت قطع يده، قال: أي: أجاب مروان: أريد قطع يده، أي: يد الغلام لأنه سرق، قال: أي: رافع له: فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر"، زاد في رواية الترمذي وغيره: إلا ما أواه الجرين، فأمر مروان بالعبد فأُرْسِلَ، أي: أطلق فخلي سبيله من السجن، وفي رواية يزيد بن هارون (ق ٧١٨) عن يحيى بن سعيد فأرسله مروان فباعه أو نفاه، أي: باعه سيده، وهذا الحديث أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان من طريق عن مالك وغيره، كلها عن يحيى بن سعيد، قال ابن العربي: فإن كان فيه كلام فلا يلتفت إليه، وقال الطحاوي: تلقت الأئمة منه بالقبول، وقال أبو عمر، أي: ابن عبد البر: هذا حديث منقطع؛ لأن محمد بن يحيى لم يسمعه من رافع، وتابع مالكًا عليه سفيان الثوري، والحمادان، وأبو عوانة، ويزيد بن هارون، وغيرهم، ورواه ابن عيينة عن يحيى عن محمد عن عمه واسع عن رافع، وكذا رواه حماد بن زيد المدايني عن شعبة عن يحيى بن سعيد به، فإن صح هذا وقيل عنه: أبي ميمونة عن رافع ولم يتابع عليه، وقد خولف حماد بن زيد أيضًا، فإنما رواه غيره عن شعبة عن يحيى عن محمد عن رافع كما رواه مالك كما قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه محمد بن يحيى بن حبان: لا قطع أي: لا يصح قطع يد في ثمرٍ مُعلَّق في شجر، أي: عليه، وَلا في كَثَر: والكثر: الجمّار، وقد مر تفسير الجمار آنفًا، ولا في ودِيّ، أي: لا يصح قطع يد السارق سرق نخلًا صغيرًا، ولا في شجر، أي: ولو كان في حائط، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل سرق ثمرًا معلقًا على شجر وغنمًا في المرعى، شرع في بيان حكم حال الرجل يسرق منه شيء، فقال: هذا
* * *
стр. 1303
باب الرجل يُسرق منه الشيء يجب فيه القطع فيهبه للسارق بعد ما يرفعه إلى الإمام
باب في بيان حكم حال الرجل يُسرق منه الشيء، مرفوع نائب فاعل يسرق، يجب صفة للشيء، فيه، أي: لأجل الشيء المسروق، والقطع، أي: قطع يد السارق، فيهبه أي: يهب الرجل الشيء المسروق إلى السارق بعد ما يرفعه، أي: بعد إحضار الرجل سارقًا إلى الإِمام، أي: إلى حضور السلطان أو نائبه.
ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق: العفو والإِيجاب من جهة الشارع في قطع يد السارق.
٦٨٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أن صفوان بن أميَّة قيل له: إنه من لم يهاجر هلك، فدعا براحلته فركبها حتى قدم على رسول الله ﷺ ، فقال: إنه قيل لي: إنه من لم يهاجر هلك، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة"، فنام صفوان في المسجد متوسدًا رداءَه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ السارق فأُتي به رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بالسارق أن تُقطع يده، فقال صفوان: يا رسول الله، إني لم أُرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ : "فهلَّا قَبْلَ أن تأتيني به".
قال محمد: إذا رُفِعَ السارق إلى الإِمام أو القاذف، فوهبَ صاحبُ الحد حدّه، لم ينبغ للإِمام أن يعطل الحدّ، ولكنه يمضيه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1304
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي مدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية الأمري القرشي التابعي، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات بعد المائة من الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب) (١).
قال: أي: صفوان بن عبد الله حاكيًا عن جده صفوان بن أميَّة بن خلف بن وهب بن قدامة جمح القرشي المكي، الصحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان بن عفان ﵁، وقيل: سنة إحدى أو اثنين وأربعين، قيل لصفوان بن أمية بالتصغير: إنه شأن من لم يهاجر هلك، فدعا براحلته فركبها حتى قدم على رسول الله ﷺ ، فقال: إنه قيل لي: إنه من لم يهاجر أي: من مكة وغيرها إلى المدينة هلك، أي: مات عاصيًا إن كان الهجرة قبل فتح مكة فرضًا أو شرطًا لقبول الإِسلام بالنسبة إلى غير المستضعفين، وكان قائل ذلك لم يسمع قوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح".
وفي رواية أخرجها أبو عمر أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا من قد هاجر، وقال صفوان بن عبد الله: قال جدي صفوان بن عبد الله، قال جدي صفوان بن أمية: (ق ٧١٩) لا أنزل منزلي حتى آتي النبي ﷺ ، فدعا براحلته فركبها حتى قَدِمَ، بكسر الدال المهملة المخففة المدينة على رسول الله ﷺ فقال: إنه، أي: الشأن قد قيل لي: إنه أي: الشأن، وفي نسخة: إنه من لم يهاجر هلك، فقال له: أي: صفوان بن أمية رسول الله ﷺ : "ارجع أبا وهب أي: يا أبا وهب إلى أباطح مكة"، أي: فإنه لا هجرة بعد فتح مكة، كما رواه البخاري (٢)، فنام صفوان في المسجد النبوي متوسدًا رداءَه، أي: جاعلًا رداءه تحت رأسه مكان وسادته، فجاء سارق فأخذ رداءه، أي: من تحت رأسه، فأخذ أي: صفوان بن أمية السارق فاُتي به رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بالسارق أن تُقطع يده، أي: يد السارق، فقال صفوان: يا رسول الله، إني لم أُرد هذا، أي: قطع يده، وإنما أردتُ تأديبه أو نحو ذلك، هو أي: المأخوذ عليه صدقة، أي: هبة له مني، كأنه ظن أن
стр. 1305
القطع موكول إلى إرادته؛ لأن ذلك كان قبل أن يتفقه في الدين، فقال رسول الله ﷺ : "فهلَّا بتشديد اللام، أي: فلم تهبه له قَبْلَ أن تأتيني به"، فمعنى هلا إذا دخلت على الماضي تكون لتوبيخ المخاطب، ولومه على ترك الفعل، ومعناه في المضارع الحض والحث على الفعل والطلب له، فهي في المضارع بمعنى الأمر ولا يكون التخصيص في الماضي الذي قد فات إلا أنها تستعمل كثيرًا في لوم المخاطب على أنه ترك في الماضي شيئًا يمكن تداركه في المستقبل فكأنها من حيث المعنى للتخصيص على فعل مثال ما فات، كما في (شرح الكافية).
والحديث رواه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣)، وأحمد (٤) في (مسنده) من غير وجه عن صفوان بن أمية أنه طاف بالبيت وصلى، ثم لف رداءه فوضعه تحت رأسه فنام فأتاه لص فاستله من تحت رأسه، فأخذه فأتى به النبي ﷺ ، فقال: إن هذا سرق ردائي، فقال له النبي ﷺ : "أسرقت رداء هذا؟ "، قال: "اذهبا به فاقطعا يده"، فقال صفوان بن أمية: ما كنتُ أريد أن أقطع يده في ردائي؟ قال: فلو كانت الهبة قبل أن تأتيني.
قال محمد: إذا رُفعَ السارق إلى الإِمام أي: الحاكم أو القاذف، أي: الحد عليهما بإقرار أو بينة، فوهبَ صاحبُ الحد حدّه، أي: صاحب الحق حقه، كما في نسخة: لم ينبغ للإِمام أي: لا يجوز له أن يعطل الحدّ، أي: يبطله، ولكنه أي: الإِمام يمضيه، أي: ينفذه ويقضيه، وهو أي: عدم الجواز للإِمام أن يعطل الحد بعد رفعه إليه، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يُسرق منه الشيء يجب فيه قطع يد السارق إذا رفع إلى الإِمام، شرع في بيان حكم حال مسروق يجب فيه القطع، فقال: هذا
* * *
стр. 1306
باب ما يجب فيه القطع
باب في بيان حكم ما أي: مال يسرق يجب فيه، أي: لأجل سرقته السارق القطع أي: قطع يد السارق.
٦٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ قطع في مِجَنّ ثمنه ثلاثة دراهم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عمر، المدني، ثقة ثبت، فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع (ق ٧٢٠) عشرة ومائة من الهجرة.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قطع أي: أمر بقطع يد السارق في مِجَنّ أي: لأجل سرقته المجن، بكسر الميم وفتح الجيم، وتشديد النون، أي: الترس، قيمته مبتدأ خبره: ثلاثة دراهم، هذا نصاب قطع اليد عند أهل المدينة، وأما النصاب عند أهل العراق فعشرة دراهم كما قاله المصنف فيما سيأتي في الحديث الثالث من هذا الباب.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصح حديث رُوي في ذلك، وأخرجه البخاري عن مسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به، وتابعه جريرية بن أسماء، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، عند البخاري، ومحمد بن إسحاق عند الإِسماعيلي، كلهم بلفظ ثمنه، والليث بن سعد عند مسلم بلفظ: قيمته، كلهم عن نافع به.
* * *
стр. 1307
٦٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ خرجت إلى مكة ومعها مولاتان ومعها غلام لبني عبد الله بن أبي بكر الصديق، وأنه بعث مع تينك المرأتين بِبُردٍ مُرَجَّل قد خِيطت عليه خرقة خضراءُ، قالت: فأخذ الغلام البُرْد فَفَتَقَ عنه، فاستخرجه، وجعل مكانه لِبْدًا أو فَرْوة، وخاط عليه، فلما قدمنا المدينة دفعنا ذلك البرد إلى أهله، فلما فتقوا عنه وجدوا ذلك اللّبد ولم يجدوا البرد، فكلموا المرأتين، فكلمتا عائشة أو كتبتا إليها، واتهمتا العبد، فسئل عن ذلك فاعترف، فأمرت به عائشة فقطعت يده، وقالت: القطع في ربع دينار، فصاعدًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، المدنية ثقة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات، من أهل المدينة، ماتت بعد المائة، كما قاله ابن حجر (١)، أن عائشة زوج النبي ﷺ خرجت إلى مكة أي: بحج أو عمرة ومعها مولاتان أي: معتقتان، وليحيى ومعها مولاة لها، أي: لم أقف على اسم أحد من الثلاثة، ومعها غلام أي: عبد لبني عبد الله بن أبي بكر الصديق، ﵁، أي: أنهم مشتركون فيه، أو كان لأحد منهم، وأنه أي: الشأن بُعث بصيغة المجهول، أي: أُرْسِلَ مع تينك المرأتين أي: المولاتين بِبُردٍ مُرَجَّل بفتح الميم وكسر الجيم، نوع من برود اليمن، قد خِيطت عليه أي: على ذلك البرد، خرقة خضراءُ، أي: لفافة له، قالت: أي: عمرة بنت عبد الرحمن: فأخذ الغلام أي: على غفلة منها البُرْد فَفَتَقَ أي: فقص خياطة الخرقة عنه أي: عند البُرد فاستخرجه، أي: البرد منها، وجعل مكانه أي: بدل البرد لِبْدًا بكسر فسكون، أي: ما يتلبد من شعر
стр. 1308
أو صوف، أو فَرْوة، بالهاء، ويُقال أيضًا بحذفها، ما يُلبس من جلد الغنم ونحوها، شك الراوي، وخاط أي: الغلام لبدًا عليه، أي: على الخرقة الخضراء، فالضمير المذكر عائد على الخرقة بتأويل الثوب، فلما قدمنا المدينة دفعنا ذلك البرد إلى أهله، على زعمهم، فلما فتقوا أي: شقوا وفتحوا عنه أي: عن البرد على زعمهم، وجدوا ذلك اللّبد يعني: أو الفرو ولم يجدوا البرد، فكلموا أي: أصحاب البرد إلى المرأتين، أي: المولاتين، فكلمتا عائشة أي: بلا واسطة، أو كتبتا إليها، أي: إلى عائشة، شك من الراوي، واتهمتا العبد، بتشديد التاء الفوقية الأولى، أي: ظنت المرأتان أن العبد أخذ البرد، فَسُئِلَ أي: العبد عن ذلك أي: عن مال البرد فاعترف أي: العبد بأخذ البرد، فأمرت به عائشة أي: بقطع يده على سبيل الفتوى فقطعت يده، بصيغة المجهول، أي: قطعها الحاكم، وقالت: أي: عائشة ﵂: القطع في ربع دينار (ق ٧٢١) فصاعدًا، نصب على الحال المؤكدة، وهي التي لا تنفك عن صاحبها ما دام موجودًا غالبًا نحو زيد أبوك، عطوفًا، فالعطوفية لا تنتقل عن الأب في غالب الأمر، كذا قاله السيد الشريف الجرجاني في (تعريفاته).
ولفظه في (الصحيحين) مرفوعًا: "لا يُقطع السارق إلا في ربع دينار"؛ ولأن صرف الدينار على عهد رسول الله ﷺ كان باثني عشر درهمًا، كذا قاله علي القاري.
وقال الإِمام القرطبي المفسر: أول من حكم بقطع السارق في الجاهلية الوليد بن المغيرة، وأمر الله تعالى بقطعه في الإِسلام، فكان أول سارق قطعه ﷺ كله من الرجال: الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء: فاطمة المخزومية.
* * *
٦٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن: أن سارقًا سَرَق في عهد عثمان أتْرُجَّةً فأمر بها عثمان أن تقوّم، فقوّمت بثلاثة دراهم، مِنْ صرْف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده.
стр. 1309
قال محمد: قد اختلف الناس فيما تُقطع فيه اليد، فقال أهل المدينة: ربع دينار، ورَوَوا هذه الأحاديث، وقال أهل العراق: لا تُقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، وروَوْا في ذلك عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعن عثمان، وعن عليّ، وعن عبد الله بن مسعود، وعن غير واحد، وإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثِّقة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: حدثنا، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، وقد مر بيان طبقة عبد الله بن أبي بكر وعمرة بنت عبد الرحمن آنفًا، أن سارقًا سَرَق في عهد عثمان ﵁، أي: في زمان خلافته، أتْرُجَّةً بضم الهمزة وسكون الفوقية وتشديد الجيم المفتوحة: أفضل الثمار المأكولة الذي يقصد بها الريح الطيب، وفيها: أترنجة، بزيادة النون، وأترجة بحذف وترنجة بحذف الهمزة، كذا ذكره عياض، فأمر بها عثمان أن تقوّم، بضم الفوقية وفتح القاف وتشديد الواو المفتوحة فميم: فقوّمت بثلاثة دراهم، مِنْ صرْف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده، أي: فأمر بقطع يد السارق، وقال مالك: أجب ما يجب فيه القطع إلى ثلاثة دراهم، سواء اتضع الصرف أو ارتفع، وحديث عثمان هذا أحب ما لسمعته إليَّ، وفي (مسند أحمد) عن عائشة عن النبي ﷺ : "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك"، وكان ربع دينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما.
قال محمد: قد اختلف الناس أي: العلماء فيما تُقطع فيه اليد، أي: في قدره، فقال أهل المدينة، أي: فقهائها ومنهم مالك، وتابعه الشافعي: ربع دينار، أي: حقيقة أو حكمًا، ورَوَوا هذه الأحاديث، أي: ونحوها فيما استدلوا بها، وقال أهل العراق: أي: فقهاء الكوفة: لا تُقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، وروَوْا في ذلك عن النبي ﷺ ، أي: في أحاديث، منها ما أخرجه الطحاوي في (شرح الآثار) عن أم أيمن أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقطع يد السارق إلا في مجنة"، وفي نسخة: "حجفة"، وقُوِّمَت يومئذٍ على عهد رسول الله ﷺ بدينار أو عشرة دراهم.
ورواه الطبراني في (معجمه) أيضًا، وهو حديث إما منقطع أو مرسل، ولكنه يتقوى
стр. 1310
بغيره من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، فمن المرفوعة ما أخرجه أبو داود في (سننه) (١) من حديث عطاء (ق ٧٢٢) عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قطع يد رجل في مجن قيمته عشرة دراهم.
ورواه النسائي (٢) والحاكم في (مستدركه) (٣) وقال: صحيح على شرط البخاري، ومن الأحاديث الموقوفة: أُتِي عمر بن الخطاب برجل سرق ثوبًا، فقال لعثمان: قَوِّمه، فَقَوَّمَهُ بثمانية دراهم فلم تقطعه، وعن عمر، أي: ورواه عنه، وعن عثمان، وعن عليّ، وعن عبد الله بن مسعود، ﵃، وعن غير واحد، أي: وعن كثير من الصحابة والتابعين مرفوعًا وموقوفًا، فإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثقة، أي: بالأحوط لأن الحدود تندرئ بالشبهات، ففي حديث ابن ماجه (٤) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعًا"، وعن عائشة: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خيرٌ من أن يخطئ في العقوبة"، رواه ابن أبي شيبة (٥) في (مصنفه)، والترمذي (٦) في (سننه)، والحاكم (٧) في (مستدركه)، والبيهقي (٨) في (سننه)، وهو أي: ما رواه عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم مال سُرِق، شرع في بيان حكم السارق، فقال: هذا
* * *
стр. 1311
باب السارق يسرق وقد قطعت يده أو يده ورجله
باب في بيان حكم السارق يسرق وقد قطعت يده أو يده ورجله، يعني: يقطع يمين السارق ثم رجله اليسرى إن عاد، فإن عاد ثالث لا يُقطع بل يُحبس في السجن حتى يتوب عند الحنفية، وقال الشافعي: إن سرق ثالثًا يقطع يده اليسرى، وإن سرق رابعًا يقطع رجله اليمنى، لما روى النسائي (١) في (سننه) عن الحارث اللحمي أن النبي ﷺ أُتِي بلص فقال: "اقتلوه"، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قالوا: اقطعوا، ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق في عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق الخامسة، فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: "اقتلوه"، وروى الدارقطني في (سننه)، والطبراني في (معجمه) عن عصمة بن مالك قال: سرق مملوك أربع مرات والنبي ﷺ يعفو عنه، ثم سرق الخامسة فقطع يده، ثم السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله، وقال ﷺ : "أربع بأربع"، أي: أربع عقوبات بسبب أربع خصال.
٦٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن رجلًا من أهل اليمن أقطع اليد والرِّجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق، وشكا إليه: أن عامل اليمن ظلمه، قال: فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر، وأبيك: ما ليلك بليل سارقٍ، ثم افتقدوا حليًا لأسماء بنت عُميس امرأة أبي بكر، فجعل الرجل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيَّت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوهُ عند صائغ زعم أن الأقطع جاء به، فاعترف الأقطع أو شُهِدَ عليه - فأمر به أبو بكر فقُطعت يده اليسرى، قال أبو بكر: والله لدُعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته.
قال محمد: قال ابن شهاب الزهري: يُروى ذلك عن عائشة أنها قالت: إنما كان الذي سَرَق حلي أسماءَ أقطع اليد اليمنى فقطع أبو بكر رجله اليسرى،
стр. 1312
وكانت تُنكر أن يكون أقطع اليد والرجل، وكان ابن شهاب أعلم من غيره بهذا ونحوه من أهل بلاده، وقد بلغنا أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب، أنهما لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليُمنى والرجل اليسرى، فإن أُتِي به بعد ذلك لم يقطعاه وضمنَّاهُ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني، ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة بعد الهجرة، كما قاله ابن حجر (١)، عن أبيه أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات قبل المائة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحبلي في (طبقاته)، أن رجلًا من أهل اليمن أي: لم يسمّ، أقطع اليد وهو بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الطاء المهملة ونصب العين، صفة رجل، ومضاف إلى اليد، أي: رجل قطع يده اليمنى، والرِّجل أي: اليسرى في (ق ٧٢٣) السرقة، قدم أي: المدينة، فنزل على أبي بكر الصديق ﵁، أي: في زمان خلافته، وشكا إليه: أن عامل اليمن ظلمه، أي: قطع يده ورجله ظلمًا، قال: أي: الراوي فكان أي: الرجل الشاكي يصلي من الليل، أي: بعضه، فيقول أبو بكر، أي: متعجبًا، وأبيك، قسم على معنى: ورب أبيك، أو كلمة جرت على لسان العرب لا يقصدون بها القسم، ما ليلك أي: في الطاعة بليل سارقٍ، أي: في المعصية؛ لأن قيام الليل ينافي السرقة.
ثم افتقدوا أي: فقدوا حليًا أي: عقدًا أو قلادة لأسماء بنت عُميس بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون التحتية وسين مهملة، امرأة أبي بكر، أي: الصديق ﵁، أم ابنه محمد، وهي صحابية شهيرة، فجعل الرجل أي: شرع أن يطوف أي: يدور ويفتش معهم، أي: مع اللذين بُعِثُوا للتفتيش عن القلادة، ويقول: اللهم يا الله عليك أي. الزم بقهرك بمن بيَّت بفتح الموحدة وتحتية المشددة من التبييت، وهو تسوية الشيء في
стр. 1313
النفس وتدبيره أو تبديله ليلًا للمكر، أهل مفعول يبيت بمعنى دبر ومضاف إلى أهل البيت صفة هذا الصالح، منصوب صفة بأهل، يعني: اللهم قهر بمن أغار على أصحاب هذا البيت بأخذ العقد ليلًا بالمكر عليهم، فوجدوهُ أي: أصحاب البيت حليّا هو عقد عند صائغ بالصاد المهملة والألف والتحتية المكسورة فغين معجمة، أي: صانع الحلي، زعم أي: قال الصائغ: إن الأقطع جاء به، أي: إليه فاعترف به، أي: بأخذ الحلي الأقطع أو شُهِدَ عليه بصيغة المجهول، شك من الراوي، وفي نسخة صحيحة: وشهدوا عليه بالواو، فأمر به أبو بكر أي: الصديق، كما في نسخة فقُطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: والله لدُعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته؛ لأن فيها خطأ للنفس في الجملة بخلاف الدعاء عليها، أو لما فيه من عدم المبالاة بالكبائر.
قال محمد: قال ابن شهاب الزهري: يُروى ذلك أي: الحديث المذكور عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: إنما كان الذي سَرَق حلي أسماءَ أقطع اليد اليمنى فقطع أبو بكر ﵁ رجله اليسرى، وكانت تُنكر أن يكون أقطع اليد والرجل، وكان ابن شهاب أعلم من غيره أي: من الرواة بهذا ونحوه أي: من الأحاديث، من أهل بلاده، أي: من المدينة وحولها، وقد بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁، وعليّ بن أبي طالب ﵁ أنهما لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليُمنى والرجل اليسرى، فإن أُتِي به أي: جيء بالسارق بعد ذلك أي: بعد ما ذكر في قطعهما لم يقطعاه.
روى ابن أبي شيبة عن مكحول أن عمر قال: إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله، ولا تقطعوا يده الأخرى، وزروه يأكل بها، ويستنجي بها، ولكن احبسوه عن المسلمين، وروى محمد بن الحسن في كتاب (الآثار) عن أبي حنيفة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة عن علي بن أبي طالب، قال: إذا سرق السارق فقطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد حبسه السجن حتى يحدث خيرًا، إني لأستحيي من الله (ق ٧٢٤) أن أدعه ليس له يد يأكل بها أو يستنجي، ورجل يمشي بها.
وروى ابن أبي شيبة عن بعض أصحابه: أن عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول عليٍّ ﵁، وضمنَّاهُ، أي: عمر وعلي ﵄، ما أخذه أو قيمته، وأما ما قطع السارق به أن بقي رد وإلا فلا يضمن، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور والنخعي وحماد والحسن وإسحاق والليث: يضمن في الحالين، وقال علماؤنا
стр. 1314
والثوري: لا يجتمع الضمان مع القطع، لما روى النسائي (١) بإسناد فيه مجهول عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "تغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد"، وقال مالك: إن كان السارق معسرًا لا ضمان عليه، وإن كان موسرًا انظر للجانبين، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وجوب الضمان في الاستهلاك دون الهلاك، وهو أي: عدم القطع في الثالث والرابع قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم السارق، شرع في بيان حكم حال العبد يأبق ثم يسرق، فقال: هذا
* * *
باب العبد يأبق ثم يسرق
باب في بيان حكم حال العبد يأبق ثم يسرق، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إطلاق وتقييد.
٦٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا شافع، أن عبدًا لعبد الله بن عمر سَرَق وهو آبق، فبعث به عبد الله بن عمر إلى سعيد بن العاص ليقطع يده، فأبى سعيدُ أن يقطع يده، وقال: لا تقطع يدُ الآبق إذا سَرَق، فقال له عبد الله بن عمر: في أي كتاب الله وجدتَ هذا؟ أن العبد الآبق لا تُقطع يده؟ فأمر به عبد الله بن عمر فقُطعت يده.
قال محمد: تُقطع يد الآبق وغير الآبق إذا سرق، ولكن لا ينبغي أن يقطع يد السارق أحدٌ إلا الإِمام الذي إليه الحكم، لأنه حدّ لا يقوم به إلا الإِمام، أو من ولّاه الإِمام ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني،
стр. 1315
مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة من الهجرة، أن عبدًا أي: لم يسمّ لعبد الله بن عمر ﵄ سرق وهو آبق، فبعث أي: أرسل به أي: بالعبد السارق عبد الله بن عمر إلى سعيد بن العاص بغير ياء على الصحيح، ابن آمنة القرشي الأموي، له صحبة، وكان سنه يوم موت النبي ﷺ تسع سنين، وقُتِلَ أبوه يوم بدر كافرًا، وكان سعيد فصيحًا مشهورًا بالكرم، فلما مات في قصره بالعقيق سنة ثلاث وخمسين، كان عليه ثمانون ألف دينار، فوفاها عنه عمرو الأشدق، وهو أي: سعيد بن العاص أمير المدينة من جهة معاوية، وكان عايش على تخلفه في حروبه، فاعتذر، ثم ولاه المدينة، فكان يعاقب بينه وبين مروان في ولايتها، ليقطع يده أي: يد العبد، فأبى سعيدُ أن يقطع يده، وقال: أي: أبو سعيد بن العاص: لا تقطع يدُ الآبق إذا سَرَق، ولعله قاس على عبد سرق من سيده أو عرسه أو سيدته؛ لما روى السائب بن يزيد قال: شهدتُ عمرو قد جاء عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق فاقطعه، فقال عمر: ما سرق؟ قال: سرق مِرات لامرأتي قيمتها أو ثمنها ستون درهمًا، فقال عمر: أرسله، لا قطع عليه، وقال مالك وأبو ثور: يقطع في عرسه لعدم استحقاقه النفقة في مالها، بخلاف السيد، وقال داود: يقطع لسرقته، قال سيده أيضًا لعموم الآية، وهي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فقال له أي: لسعيد، عبد الله بن عمرِ أي: منكرًا عليه في كتاب الله تعالى، وفي نسخة: في أي كتاب الله تعالى وجدت هذا؟ أي: الذي ذكرتُ هو أن العبد الآبق لا تُقطع يده؟ فأمر به أي: بالقطع عبد الله بن عمر فقُطعت يده، أي: يد العبد الآبق السارق لقوة الدليل على ذلك، وهو قوله تعالى في سورة المائدة: (ق ٧٢٥) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، قوله: أَيْديَهُمَا، أي: أيديهما، وفي قراءة عبد الله بن عمر: "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم"، رواه الترمذي، ودخلت الفاء في الخبر فاقطعوا لتضمن المبتدأ والخبر معنى الشرط، إذ المعنى: والذي يسرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، والاسم الموصول متضمن معنى الشرط، وإنما قدم في الآية نظم السارق على السارقة؛ لأن السرقة في الرجال أكثر، وقدمت الزانية في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢]؛ لأن داعية الزنا في الإِناث أكثر، ولأن الأنثى
стр. 1316
سبب في وقوع الزنى؛ لأنه لا يأتي غالبًا إلا بطوعها، وأتى بصيغة الجمع ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق فلوحظ الجمع والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما قوله: ﴿جَزَاءً﴾ نصب على المصدر، قوله: ﴿نَكَالًا﴾، أي: عقوبة لهما ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾، أي: غالب على أمره، قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾، أي: في خلقه، كما قاله الزرقاني (١).
قال محمد: تُقطع يد الآبق وغير الآبق أي: سواء إذا سرق أي: من مال غير سيده، وهذا كالجمع عليه، ولكن لا ينبغي أي: لا يجوز أن يقطع يد السارق أحدٌ إلا الإِمام الذي إليه الحكم وفي نسخة: إلا الإِمام الذي إليه الحكم لأنه أي: القطع حدّ لا يقوم به إلا الإِمام، أو من ولّاه الإِمام ذلك، أي: نيابة لما تقدم، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، أي: خلافًا للثلاثة.
لما فرغ من بيان حكم حال العبد يأبق ثم يسرق، شرع في بيان حكم حال المختلس، فقال: هذا
* * *
باب المختلس
باب في بيان حكم حال المختلس بضم الميم وسكون الخاء المعجمة، وفتح الفوقية وكسر اللام فسين مهملة، أي: المختطف ليلًا أو نهارًا، وفي (المغرب): الخلس: أخذ الشيء من مظاهر بسرعة.
٦٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن رجلًا اختلس شيئًا في زمن مروان بن الحكم، فأراد مروان قطع يده، فدخل عليه زيد بن ثابت، فأخبره أن لا قطع عليه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا قطع في المختلس، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1317
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا، وفي نسخة: أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومن فقهائهم، مات بعد المائة من الهجرة، أن رجلًا اختلس شيئًا أي: أخذ متاعًا بسرعة في مكان غير محرز في زمن مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، فأراد مروان قطع يده، أي: الرجل، فدخل عليه زيد بن ثابت، فأخبره أنه أي: الشأن لا قطع عليه، أي: الرجل المختلس.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله ابن شهاب، لا قطع في المختلس، أي: لأجل المال المأخوذ بنهب، وهو أي: قطع يد الرجل المختلس قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ لما أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، سكت عنه عبد الحق في أحكامه، وابن القطان بهذه، فهو صحيح عندهما، وعند أحمد: يقطع يد جاحد العارية، وبه قال إسحاق، لما أخرجه مسلم عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ق ٧٢٦) كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتحجره، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، وأجيب بأن ذكر العارية في هذا الحديث وقع لقصد التعريف؛ لا لأنه سبب القطع، فإنها كانت كثيرة الاستعارة والحجر، حتى عُرِفَت به، واستمرت على ذلك حتى سرقت، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها؛ بدليل الأحاديث التي طرح فيها بالسرقة، وقيل: الحديث منسوخ بما رويناه من حديث جابر، وقيل: إن قطعها كانت سياحة لتكرار ذلك الفعل، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم حال المختلس، شرع في بيان الحدود في الزنا، فقال: هذا
* * *
стр. 1318
كتاب الحدود في الزنا
أبواب الحدود في الزنا؛ وهي جمع باب، وهو في اللغة: النوع، وفي العرف نوع من المسائل التي اشتملت عليها الكتاب، وإضافتها إلى الحدود من قبيل إضافة العام إلى الخاص، والحدود جمع حد، وهو في اللغة: المنع، ولهذا يسمى لمنعه الناس من الدخول، وفي الشرع: عقوبة مقدرة واجبة حقًا لله تعالى، فلا يُسمى التعزير حدًا؛ لأنه غير مقدر، وإنما قال: الحدود إشعارًا بأنواع الحدود كحد القذف، وحد شرب الخمر، والزنا، لكنها مخصوصة في حد الزنا، كما قيدها بقوله: في الزنا، أي: الزنا بالقصر عند أهل الحجاز، وبالمد عند أهل نجد وطيئ، مكلف من قبل مشتهاه، خالية عن مالك وشبهة، وتثبت الزنا أربعة من الرجال في مجلس واحد بالزنا، فيسألهم الإِمام عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ ومتى زنى؟ وبمن زنى؟ فإن بيَّنوه وقالوا: رأينا وطئها في فرجها كالميل في المكحلة وعدلوا سرًا وعلنًا، حكم الإِمام بالزنا، كذا في (غرر الأحكام).
وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التناول بحق الغير بسرعة.
لما فرغ من تعريف الحدود لغة وشرعًا، شرع في بيان الرجم، فقال: هذا
باب الرجم
باب الرجم في بيان ما يوجب الرجم، وهو بفتح الراء المهملة وسكون الجيم: الرمي بالحجارة والقتل به، يقال: رجمه أرجمه رجمًا من الباب الأول، كما قاله محمد الواني في ترجمة (صحاح الجوهري)، ويقال: رجم الزاني بالحجارة في قضاء حتى يموت فيقتل ويكفن ويصلى عليه؛ لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) في كتاب الجنائز عن أبي معاوية، عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة قال: لما رجم ماعز ﵁ قالوا: يا رسول الله، ما نصنع به، قال: "اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه".
وروى الجماعة إلا البخاري من حديث عمر أن ابن حصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حُبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله أصبت حدًا فأقمه عليَّ،
стр. 1319
فدعا النبي ﷺ وليها، فقال: "أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل فأمر بها النبي ﷺ فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قُسِّمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدتَ توبة من أجادت بنفسها لله؟ "؛ ولأنه قتل بحق فصار كالمقتول في القصاص، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية).
٦٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء؛ إذا قامت عليه البيّنة أو كان الحَمْل أو الاعتراف.
• أخبرنا مالك، (ق ٧٢٧) وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، فقيه كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، عن عبيد الله أي: بالتصغير ابن عبد الله بن عتبة، ابن مسعود الهذلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة، فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب)، عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: الرجم بفتح الراء المهملة وسكون الجيم، أي: القتل برمي الأحجار في كتاب الله تعالى حق أي: ثابت حكمه ولو دفع لفظه، على من زنى أي: وطئ من قبل خال عن مالك وشبهة إذا أحصن بصيغة الفاعل والمفعول، من الرجال والنساء؛ يقال: رجل محصن بالكسر، إذا حصن نفسه بالنكاح، وبالفتح إذا حصنه غيره، وقرئ بهما، ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، والمحصنات، المراد بالمحصن هنا حر مكلف مسلم، وقرئ بهما: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ وطء امرأة قبل الزنا بنكاح صحيح، وهما بصفة الإِحصان، إذا قامت عليه أي: على رجل زان البيّنة وهي شهادة أربعة رجال بالزنا، أو كان الحَمْل أي: من غير أن يكون لها زوج، أو الاعتراف، أي: بإقراره أربعًا بأنه زنى في أربعة مجالس، وقال مالك والشافعي: يكفي في الإِقرار مرة
стр. 1320
واحدة، وقال أحمد وابن أبي ليلى: لا يختلف اختلاف مجالس المقر، والأدلة مبسوطة، وسيأتي بعضها مضبوطة، فإن قيل له: أمرنا بالرجم للمحصن دون غيره؟
فالجواب: قيل: لأن فعله فعل الحمير والكلاب، وهن تضرب بالحجارة والخشب؛ لأنه لما تزوج وامتثل أمر الله تعالى حصلت له الكرامة ونشر الشكر عليه، كذلك خالف أمر الله تعالى فينشر الحجارة عليه إهانة له، وقال بعض العلماء: إنما واجب الرجم على المحصن؛ لأنه لما تزوج ذاق طعم الغيرة، وعلم مقدار حرزها، فالإِقدام على الزنا مع علمه على قبحه وما يترتب عليه من الغيرة في أهل أوجب عليه الرجم، لأنه فعل مع الناس ما لا يجب أن يفعل، وأما الذي لم يتزوج فلم يعرف مقدار الغيرة، فوجب عليه الحد بمائة جلدة خاصة، لكنه فيه تنبيه إلى أن ذنب العالم أقبح من ذنب الجاهل، وكذلك عقاب العالم الغير عامل أشد من عقاب الجاهل، قال الله تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، أي: لا يستوي القانتون والعاصون، كذا في (خواتم الحكم)، و (عيون التفاسير).
* * *
٦٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالأبطح، ثم كَوَّم كَوْمة من بطحاء، ثم طرح عليها ثوبه، ثم استلقى ومدّ يده إلى السماء، فقال: اللهم كَبُرَت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرّط، ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: يا أيها الناس: قد سُنَّت لكم السُّنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُرِكتم على الواضحة - وصفَّق بإحدى يديه على الأخرى - ألا أن لا تضلوا بالناس يمينًا وشمالًا، ثم إياكم أن تهلِكوا عن آية الرجم: أن يقول قائل: لا نجد حدَّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، وإني والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في
стр. 1321
كتاب الله لكتبتها: "الشيخ والشيخة إذا زَنَيَا فارجموهما البتة"، فإنا قد قرأناها، قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى قُتِلَ عمر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا يحيى بن سعيد أي: ابن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، أنه سمع سعيد بن المسيَّب أي: ابن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله (ق ٧٢٨) ابن حجر (١) وابن الجوزي.
يقول: لما صدر أي: رجع عمر بن الخطاب ﵁ من منى أي: في آخر حجاته للسنة ثلاث وعشرين، أناخ أي: راحلته بالأبطح أي: المحصب، ثم كَوَّم بتشديد الواو، أي: جمع كَوْمة بفتح الكاف وضمها، أي: قطعة ورفع رأسها من بطحاء أي: صغار الحصى، أي: جمعها لها رأسًا، ثم طرح أي: ألقى ثوبه أي: على الكومة، وفي نسخة: عليه، أي: على المجموع من التراب والحصى ثوبه أي: رداءه، ثم استقلى أي: رقد على قفاه وأسند ظهره عليها، ومدّ يديه أي: رفعهما إلى السماء أي: لإِظهار التضرع والدعاء، وهي قبلة اليدين. فقال: اللهم أي: يا الله كَبُرَت بكسر الموحدة سني أي: عمري، فهي مؤنثة، يعني: طال عمري، يقال: كبر في القدر من باب كرم، وكبر في السن من باب علم على ما في (المغرب)، وضعفت قوتي أي: وهنت قواي وأعضائي وسكوني وحركتي بسبب كبر سني، وانتشرت رعيتي أي: التي أقوم بتسييرها وسياستها، وهي: أي: الرعية كل من جملة حفظ الراعي ونظره، ومنه حديث: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، فاقبضني بكسر الموحدة: فتوفني إليك أي: راجعًا إليك راضيًا مرضيّا وراعيًا مرعيّا حال كوني غير مضيع على صيغة اسم الفاعل، من باب التفضيل، أي: لا تجعلني مضيعًا بأمر من أوامرك التي أمرتني بها، ولا مفرّط من التفريط، وهو
стр. 1322
التقصير، يعني فتوفني حال كوني غير مقصر بسبب التهاون بأمرك أو غير مجاوز لحكم من أحكامك، ثم قدم المدينة فخطب الناس أي: وعظهم، وللبخاري (١) عن ابن عباس ﵄: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلنا بالرواح إلى أن قال: فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن، قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد؛ فإني قائل لكم مقالة قد مر التي إذ أقولها لا أدري لو لها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها، أي: حفظها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها، قال: لا أحل لأحد أن يكذب عليَّ، فقال: يا أيها الناس: قد سُنَّت بضم السين المهملة وتشديد النون المفتوحة وسكون الفوقية، أي: شرعت لكم السُّنن، بضم السين وفتح النون المخففة فنون بعدها، أي: الشرائع، وفُرضت على بناء المفعول للعلم بالفاعل، لكم الفرائض، أي: قضى الله لكم أحكامه، وتُرِكتم بصيغة المفعول، أي: وترككم النبي ﷺ على الواضحة أي: على الطريقة الظاهرة المستقيمة المؤيدة بالكتاب والسنة القديمة، وصفَّق بفتح الصاد المهملة وفتح الفاء المشددة، وفتح القاف، أي: ضرب بإحدى يديه على الأخرى وكان العرب يضرب إحدى اليدين على الأخرى إذا أراد أحدهم أن ينبه غيره، ويستدعي إقباله عليه، وربما فعله إذا صاح على شيء وتعجب من شيء، إلا بكسر الهمزة وتشديد اللام، أي: لكن أن لا تضلوا بالناس وكلمة إن شرطية والباء للتعدية، ولا يبعد أن تكون إلا للتنبيه، وإن زائدة، يمينًا وشمالًا أي: بالانتقال عن الطريقة الواضحة إلى أطرافها واختلاف طرقها لهوى أنفسكم، كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣]، ثم قال: إياكم أي: أحذركم أن تهلِكوا عن آية الرجم، بفتح الهمزة، (ق ٧٢٩) أي: سبب الغفلة عنها وعدم العمل بها، أن بفتح الهمزة، يقول قائل: لا نجد حدَّين في كتاب الله تعالى أحدهما: الرجم، والآخر: الجلد، إنما فيه حد واحد وهو الجلد، وفي حديث ابن عباس عن عمر: أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعينا، أي: حفظناها، فقد رجم رسول الله ﷺ أي: أمر برجم من أحصن وهو ماعز والغامدية واليهودية، ورجمنا أي: أنا والصدِّيق بمحضر من الصحابة من غير نكير، وكذلك النبي ﷺ قبلنا، وإني وفي نسخة: والذي
стр. 1323
نفسي بيده، لولا أن يقول الناس أي: لولا مخافة قولهم: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله أي: القرآن شيئًا من عنده، لكتبتها أي: آية الرجم وهي: الشيخ والشيخة، قال مالك صاحب المذهب: يريد عمر بالشيخ والشيخة الثيب من الرجال، والثيبة من النساء، كذا في نسخة ابن العربي برواية عن مالك، إذا زَنَيَا فارجموهما البتة، وزيد في رواية: نكالًا من الله والله عزيز حكيم، فإنا قد قرأناها، ثم نسخت تلاوة، وبقيت حكمًا، قال الزركشي في البرهان: ظاهره إن كتابتها جائزة، وإنما منعه قول الناس، وإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة؛ لأن هذا الشأن المكتوب، وقد قال فيه: إنه لو كانت التلاوة باقية، لبادر عمر ولم يعرج على مقالة الناس؛ لأنها لا تصلح مانعة، وبالجملة فهذه الملازمة مشكلتهم. انتهى، قاله الزرقاني، والذي يظهر أنه ليس مراد عمر هذا الخطأ، وإنما مراده المبالغة والحث على العمل بالرجم؛ لأن معنى الآية باق وإن نسخ لفظها، إذ لا يسمع عن عمر مع مزيد فقهه تجويز كتبها مع نسخ لفظها فلا إشكال فيه. انتهى.
قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ أي: مضى ذو الحجة أي: الشهر الذي خطب فيه هذه الخطبة، حتى قُتِلَ عمر ﵁، أي: استشهد بيد فيروز النصراني عبد المغيرة بن شعبة، يكنى أبا لؤلؤة.
* * *
٦٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ ، فأخبروه أن رجلًا منهم وامرأة زنيَا، فقال لهم النبي ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ "، فقالوا: نفضحهما ويُجلدان، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فجعل أحدهم يده على آية الرجم، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله: ارفع يدك، فرفع
стр. 1324
يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت يا محمد، فيها آية الرجم، قال: فأمر بهما رسول الله ﷺ فَرُجِمَا، قال ابن عمر: فرأيت الرجل يحنأ على المرأة يقيها الحجارة.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أيّما رجل مسلم زنى بامرأة وقد تزوج قبل ذلك بامرأة حرّة مسلمة وجامعها فعليه الرجم، وهذا هو المحصن، فإن كان لم يجامعها ولم يدخل بها أو كانت تحته أمة أو يهودية أو نصرانية لم يكن بها محصنًا ولم يُرجم، وضرب مائة، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة من الهجرة، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن اليهود أي: طائفة منهم من أهل خيبر، وذكر ابن العربي عن الطبري عن المفسرين منهم: كعب بن الأشرف، وكعب بن الأسعد، وسعيد بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق، وعباس بن قيس، ويوسف بن عازوراء، جاءُوا إلى النبي ﷺ ، أي: في ذي القعدة سنة أربع، فأخبروه أن رجلًا منهم لم يعرف الحافظ اسمه، وفتحت أن لسدها مسد المفعول، وامرأة أي: اسمها بسرة، بضم الموحدة وسكون السين المهملة، ثم راء وفوقية، كذا ذكره ابن العربي في (أحكام القرآن)، زنيَا، أي: والحال أنهما محصنان يهوديان، وذكر أبو داود سبب مجيئهم من طريق الزهري: سمعت رجلًا من مزينة ممن تتبع العلم، وكان عند سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة ﵁، قال: زنى رجل (ق ٧٣٠) من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلنا، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأفتوا النبي ﷺ وهو في المجلس جالس في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم: ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فقال لهم النبي ﷺ : "ما تجدون في التوراة ما مبتدأ استفهامية، وتجدون جملة في محل الخبر والمبتدأ، والخبر معمول المقول، والتقدير: أي شيءٌ تجدونه في التوراة، فيتعلق حرف الجر بمفعول ثاني بوجه، في شأن الرجم؟ "، أي: في حكمه، هل هو مذكور فيها أم لا، وإذا كان فيها، فما لكم لا تعلمون بها، وهو
стр. 1325
موافق لما عندنا، قال النووي: قال العلماء: وهذا السؤال لا لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لإِلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافقة لحكم الإِسلام، إقامة الحجة عليهم وإظهار لما كتبوه، وبدلوه من حكم التوراة، فأرادوا تعطيل نصها ففضحهم الله، وذلك إما بوحي من الله تعالى إليه، أنه موجود في التوراة، ولم يغير، وإما بإخبار من أسلم منهم كعبد الله بن سلام، فقالوا: نفضحهما بفتح النون وسكون الفاء وفتح الضاد المعجمة والحاء المهملة من الفضيحة، أي: لكشف مساويهما ونبينهما للناس، ويُجلدان، بفتح أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، أي: يُضربان بالجلد مائة.
والحاصل أثبتوا لهما الجلد، وأنكروا الرجم، فقال لهم عبد الله بن سلام، وهو من أحبار اليهود ومن ذرية يوسف بن يعقوب، حليف الخزرج له أحاديث وفضل، وشهد له النبي ﷺ بالجنة، مات سنة ثلاث وأربعين بعد الهجرة: كذبتم أي: في مقولتكم إن فيها أي: ثبت في التوراة آية الرجم، أي: على الزاني المحصن، وفي رواية للشيخين، فقال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله بالتوراة، فأتى، وفي رواية أيوب قال: أي: النبي ﷺ : فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بفتح الهمزة والفوقية بالتوراة، فنشروها أي: ففتحوها وبسطوها، زاد في رواية أيوب فقالوا: الرجل ممن رضون يا أعور اقرأ، فجعل أي: فوضع أحدهم هو عبد الله بن صور اليهودي الأعور يده على آية الرجم، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، وهذا يدل على أنهم ما حرفوها وأبقوها على حالها، إلا أنهم كانوا ينحرفون عن العمل بها، فقال له عبد الله بن سلام، بفتح السين وتخفيف اللام، أي: لمن وضع يده عليها: ارفع يدك أي: عنها، فرفع يده، فإذا فيها أي: في التوراة آية الرجم، أي: موجودة تحت يده، كما في رواية للشيخين، فقالوا: أي: اليهود، وليحيى: صدق، أي: عبد الله بن سلام، وفي نسخة: صدقت يا محمد، فيها أي: موجودة في التوراة آية الرجم، زاد في رواية أيوب: ولكننا نكاتمه بيننا، وفي رواية البزار: قال - يعني النبي ﷺ : "فما منعكم أن ترجموهما؟ " قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، زاد في حديث البراء بن عازب: نجد الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا (ق ٧٣١) التحميم، أي: تقبيح الوجه والجلد، مكان الرجم.
ولأبي داود عن جابر: فدعا رسول الله ﷺ بالشهود في أربعة فشهدوا أنهم رأوا
стр. 1326
ذكره في فرجها، مثل الميل في المكحلة، فأمر بهما رسول الله ﷺ فَرُجِمَا، زاد في رواية للشيخين: عند البلاط، وهو مكان عند السوق والمسجد النبوي، قال ابن عمر ﵄: فرأيت الرجل يحنأ بفتح التحتية وإسكان المهملة فنون مفتوحة فهمزة، أي: يميل على المرأة، قوله: يقيها الحجارة، جملة حالية أو استئنافية مبنية، أي: يقيها عنها، وليحيى: يحني على المرأة بسكون الحاء المهملة فكسر النون بعده تحتية ساكنة، وقال يحيى: سمعتُ مالكًا يقول: معنى يحني: يكب عليها حتى تقع عليه الحجارة دونها، وقال ابن عبد البر: أكثر شيوخنا قالوا: عن يحيى: يحني بالحاء، وقال بعضهم: بالجيم، والصواب فيه عند أهل العلم يجنأ بالجيم، والهمزة، أي: يميل عليها من جنأ عليه، إذا مال عليه وعطف إليه، وفي (القاموس): حنى عليه كفرح وجعل وأكب، وحنت على ولدها عطفت، كما حنت، فتفسير الإِمام مالك يناسب مادة الجيم والهمزة.
قال الزرقاني: وظاهر الحديث أن الإِسلام ليس شرطًا فلا يرجم كافر، وأجابوا عن الحديث بأنه ﷺ إنما رجمهما بحكم التوراة، تنفيذًا للحكم عليهم بما في كتابهم وليس هو من حكم الإِسلام في شيء، وهو فعل في واقعة حال عينية محتملة لا دلالة فيها على العموم في كل كافر. انتهى.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع على العموم عن عبد الله بن عمر، أيّما رجل مسلم زنى بامرأة أي: حرة مسلمة، وقد تزوج أي: ولو مرة قبل ذلك، أى: الزنا بامرأة حرّة مسلمة وجامعها أي: حقيقة ليكون حجة عليه، حيث عرف طريق الحال، فعليه الرجم، وهذا هو المحصن، أي: شرعًا، فإن كان لم يجامعها أي: بعد تزوجها إنما تزوجها ولم يدخل بها أي: مطلقًا، أو دخل بها لكن لم يجامعها، أو كانت تحته أمة أو يهودية أو نصرانية لم يكن بها محصنًا ولم يُرجم، وضرب مائة، أي: مائة جلدة لقوله تعالى في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والمراد بهما البكران، والحديث رواه أصحاب الكتب الستة مختصرًا أو مطولًا من حديث ابن عمر، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
فإن قيل: لم جلد البكر مائة جلدة؟
الجواب: قال النيسابوري: لأن السنة ثلاثمائة وستون يومًا، يذهب منها في الحيض في كل شهر عشرة أيام، فيكون مائة وعشرين يومًا، والنفاس أربعين يومًا، فيبقى
стр. 1327
مئتان، لكل واحد من الزانيين مائة جلدة على عدد أيام الاستمتاع التي تسلم لهما، وتخلو الوقت بقضاء شهوتهما، ولم تشغلا فيها بالوطء والحلال، وقيل: الحكمة في العدد المذكور؛ لأن أربع نسوة حلال، فيذهب من كل شهر خمسة أيام في أوسط أيام فيبقى خمسة وعشرون يومًا، فيكون للأربع نسوة مائة يوم، فاضربوه (ق ٧٣٢) مائة جلدة، حيث لم يشتغل بالحلال، ولأن السنة اثنا عشر شهرًا، وكل شهر أربع جمعات، وكل شهر ثلاثون يومًا وثلاثون ليلة، وكل يوم وليلة أربعة وعشرون ساعة، فيكون جملة مائة، لم يشتغل في جميع هذه المدة بالحلال، فاجلدوه مائة، وللشرع أطوار وحكم في تعيين الأعداد والحدودية والعلمية يعرفها العارفون والحكماء والأدباء، والله أعلم، كذا في (خواتم الحكم).
لما فرغ من بيان ما يوجب الرجم بأربع شهود، شرع في بيان ما يوجب الرجم بالإِقرار، فقال: هذا
* * *
باب الإِقرار بالزنا
باب في بيان حكم الإِقرار، أي: إقرار الزاني بالزنا، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق: الحكم بالرجم، لكن شرط الحكم به في الباب السابق شهادة، وفي هذا الباب إقرار.
٦٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني: أنهما أخبراه: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا نبي الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر
стр. 1328
وهو أفْقَهَهُما: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم، قال: تكلم، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، يعني أجيرًا، فزني بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي، ثم إني سألتُ أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ : "أما والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرَدٌّ عليك"، وجَلَد ابنه مائة وغرّبه عامًا، وأمر أُنَيْسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقد سبق بيان طبقاتهم في باب الرجم، عن أبي هريرة ﵁، أي: عمرو بن عامر، أي: عبد الرحمن بن صخر، هما قولان من نحو ثلاثين قولًا في اسمه واسم أبيه، وزيد بن خالد الجُهني، بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون وتشديد التحتية نسبة إلى قبيلة بني جهينة بالتصغير، أنهما أخبراه، أي: عبد الله بن عبد الله بن عتبة، أن رجلين أي: لم يعرف الحافظ اسمهما، اختصما أي: احتكما إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا نبي الله اقض أي: احكم بيننا بكتاب الله، أي: بحكمه، وفي رواية الشيخين: فقام رجل من الأعراب، فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب، قيل: وكان ذلك قبل نسخ تلاوة آية الرجم، وقال الآخر: بمد الهمزة، وفتح الخاء المعجمة، وهو أفقههما، حيث ظهر منه التأدب، قال حافظ الدين العراقي: يحتمل أن الراوي كان عارفًا بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول مطلقًا، ويحتمل في هذه القصة الخاصة لحسن أدبه في استئذانه أولًا وترك رفع صوته إن كان الأول رفعه، أجل، بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام، يا رسول الله فاقض أي: فاحكم بيننا بكتاب الله، فإنما هذا لا ذلك وهما يعلمان أنه ﷺ لا يحكم إلا بحكم الله، ليحكم بينهما بالحكم الصرف، لا بالنصائح والترغيب فيما هو الأرفق بهما، أو أمرهما بالصلح، أو للحاكم أن يفعل ذلك، وائذن لي في أن أتكلم، أي: قبله، قال: أمر بالتكلم بأن قال: تكلم، أمر حاضر، قال: إن ابني لم يعرف الحافظ اسمه، كان عسيفًا بفتح العين المهملة
стр. 1329
وكسر السين المهملة وسكون التحتية، وبالفاء، أي: أجيرًا على هذا، أي: عند الرجل الحاضر أو لأجله، فكلمة "على" إما بمعنى عند أو اللام التعليلية، يعني أي: يريد بالعسيف أجيرًا، فزني بامرأته، لم يعرف الحافظ اسمها، فأخبروني بصيغة الجمع، أي: بعض أهل العلم، وفي (الموطأ) لمالك برواية (ق ٧٣٣) يحيى وابن القاسم: فأخبرني بالإِفراد، وهو الأحسن، كما قاله الزرقاني: إن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة متعلق بافتديت، ومن للبدل نحو: أرضيتم بالحياة الدنيا من الأخرى، أي: افتديت بمائة شاة بدل الرجم، وجارية لي، وبرواية يحيى: بجارية بالموحدة، ثم إني سألتُ أهل العلم، قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم ولا عددهم الكبراء من العلماء عن جواز الافتداء، فأخبروني إنما على ابني جلد مائة أي: حدًا، أو تغريب عام، أي: لأنها محضة، فقال رسول الله ﷺ : "أما بالتخفيف حرف للتنبيه، والذي نفسي أي: أقسم بالله الذي كان نفسي بيده أي: بيده التي لا يعلم كنهها إلا هو، والمراد بها صفة الحفظ عند المتأخرين، لأقضيَّن بينكما بكتاب الله تعالى، أي: القرآن على ظاهره المنسوخ لفظه، الثابت حكمه، وهو قول عمر الآتي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، وأشار إلى قوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، وفسَّر النبي ﷺ السبيل برجم المحصن، رواه مسلم، أو المعنى بحكم الله وقضاؤه كقوله ﷺ : "كتاب الله فيكم"، أي: حكمه وقضاؤه عليكم، وما قضى به ﷺ هو حكم الله تعالى، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فلما أمر باتباعه وطاعته جاز أن يقال: لكل حكم حكم به حكم الله وقضاؤه، إذ ليس في القرآن إن من زنى وافتدى يره فداؤه، ولا أن عليه نفي سنة عن البلد مع الجلد، وعلى الثيب الرجم وقد اتسم أن يقضي بينكما بكتاب الله وهو صادق، وقال: أما غنمك وجاريتك فرَدٌّ أي: مردود عليك، وهو من إطلاق المصدر على المفعول نحو نسخ اليمين، أي: منسوخة، ولذا كان بلفظ واحد للجمع والواحد قوله: وجَلَد ابنه مائة عطف على قوله، فقال رسول الله ﷺ ، أي: أمر من يجلده أن يجلده مائة جلدة حدًا، وغرّبه عامًا، أي: نفاه عن وطنه سياسة سنة، وهذا يتضمن أن ابنه كان بكرًا، أو أنه اعترف بالزنا، فإن إقرار الأب عليه لا يُقبل، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه، كما في رواية
стр. 1330
أخرى: أن ابني هذا، وسكوته على ما نسبه إليه، وفي النسائي عن عمرو بن شعيب عن الزهري، كان ابن لي أجيرًا لامرأة هذا، وابني لم يحصن، فصرح أنه بكر، وفيه تغريب البكر الزاني، خلافًا لقول أبي حنيفة: لا يغرب؛ لأنه زيادة على النص، والزيادة عليه بخبر الواحد نسخ، فلا يجوز، وأجيب بأن الزيادة ليست بنسخ، إذ حكم النص باق وهو الجلد والتعذيب بالنسبة، وأمر أُنَيْسًا تصغيرًا لأنس الأسلمي وهو ابن الضحاك، (ق ٧٣٤) وقال ابن عبد البر: هو أنيس بن مرثد، وقال النووي: والأول هو الصحيح المشهور، أن يأتي امرأة الآخر، بمد الهمزة وفتح الخاء المعجمة فراء أي: لتعلمها أن الرجل قذفها بابنه، فلها عليه حد القذف فتطالبه أو تعفو عنه، فاستحب أن يلقن الرجوع عن الإِقرار بالزنا، فإن اعترفت رجمها"، فاعترفت فرجمها، أي: أنيس؛ لأنه حكمه في ذلك، لكن في رواية الليث عن الزهري فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت، وهو ظاهر في أن أنيسًا إنما كان رسولًا ليستمع إقرارها فقط، وأن تنفيذ الحكم إنما كان منه ﷺ ويشكل كونه اكتفى بشاهد واحد، وأجيب بأن رواية مالك والشافعي أنه يكفي في الإِقرار مرة واحدة، ووجه الدلالة أنه ﷺ علق رجمها باعترافها، ولم يشترط الأربع.
* * *
٦٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يعقوب بن زيد، عن أبيه زيد بن طلحة، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة: أنه أخبره: أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فأخبرته أنها زنت وهي حامل، فقال لها رسول الله ﷺ : "اذهبي حتى تضعي"، فلما وضعت أتته، قال لها: "اذهبي حتى تُرضعي"، فلما أرضعَتْ أتته، فقال لها: "اذهبي حتى تستودِعيه"، فاستودَعَتْهُ، ثم جاءَته، فأمر بها فأُقيم عليها الحد.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: حدثنا، أخبرنا يعقوب بن زيد، عن أبيه زيد بن طلحة، أي: التيمي القرشي، يكنى أبا يوسف المدني، قاضي المدينة، صدوق، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد
стр. 1331
المائة من الهجرة، عن جده عبد الله بفتح العين، ابن عُبيد الله بالتصغير ابن أبي مُلَيْكَة، بالتصغير، التيمي المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١). أنه أخبره، قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى، فجعل الحديث لعبد الله بن مليكة مرسلًا عنه، وقال القعنبي وابن القاسم وابن بكير: عن مالك عن يعقوب بن زيد عن أبيه زيد بن طلحة بن عبد الله بن مليكة، فجعلوا الحديث لزيد بن طلحة مرسلًا، وهذا هو الصواب، وكذا رواه ابن وهب عن مالك، ثم قال: وأخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن محمود بن لبيد الأنصاري، وروي مرسلًا من وجوه كثيرة، وصح بمعناه عن بريدة وعمران بن حصين، أن امرأة أي: من غامد كما في مسلم من حديث بريدة، وله ولأبي داود من حديث عمران بن جهينة، ولا تنافي، فغامد بغين معجمة فألف فميم مكسورة، فدال مهملة بطن من جهينة، وروى ابن منده بسند ضعيف عن عائشة سمعتُ سبيعة القرشية قالت: يا رسول الله، إني زنيتُ فأقم عليَّ حدود الله، الحديث بنحو حديث الغامدية المذكور، فإن صح فيكون ذلك واقعًا لهما معًا، أتت أي: جاءت النبي ﷺ ، فأخبرته أنها زنت، وفي مسلم: عن بريدة فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: "ويحك ارجعي، فاستغفري الله، وتوبي إليه"، فقالت: أراك تريد أن تردني، كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاك؟ "، قالت: إنها معي من الزنا، وهي حامل، أي: من الزنا، كما في مسلم عن عمران بن بريدة، ففال لها رسول الله ﷺ : "اذهبي حتى تضعي"، (ق ٧٣٥) أي: ما في بطنك لمنع رجم الحبلى؛ لأنه لا يلزم عليه قتل الولد بلا جناية، وفي مسلم عن بريدة: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، وفيه عن عمران: فدعا نبي الله وليها فقال: "أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها"، فلما وضعت أتته، أي: جاءته، وفي حديث بريدة: فلما أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال أي: رسول الله ﷺ لها: "اذهبي حتى تُرضعي"، أي: إلى أن تفرغي من إرضاعه، فقال ﷺ : "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار وقال: إليَّ إرضاعه يا نبي الله، وفي مسلم عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه"،
стр. 1332
فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقال: يا نبي الله فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، فلما أرضعَتْ أتته، أي: جاءت إلى النبي ﷺ ، فقال أي: أمر لها: بأن قال: "اذهبي حتى تستودِعيه"، أي: عند أحد يربيه ويحاضنه ويحافظه، فاستودَعَتْهُ، ثم جاءَته، فأمر بها فأُقيم عليها الحد، أي: الرجم، كما في رواية يحيى، فرجمت، وفي مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، ثم أمرها فحفر لها إلى صدرها، فأمر الناس فرجموها فنقل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمعه النبي ﷺ فقال: "مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له"، ثم أمر بها فصلى عليها فدفنت، وفي مسلم أيضًا عن عمران بن حصين: ثم صلى عليها فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: "لقد تابت توبة، لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من جادت بنفسها؟ "، وهذه الرواية صريحة في أنه ﷺ صلى عليها، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
٦٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا، على عهد رسول الله ﷺ ، وشهد على نفسه أربع شهادات، فأمر به فَحُدّ.
قال ابن شهاب: فمن أجل ذلك يؤخذ المرءُ باعترافه على نفسه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: مرسلًا أن رجلًا أي: ماعزًا ﵁، كما قاله الزرقاني عن النسائي، اعترف أي: أقرَّ بالزنا على نفسه، على عهد رسول الله ﷺ ، وقد رواه الشيخان من طريق عقيل وشعيب بن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ومن طريق يونس صرح في كثير من طرق الحديث، وشهد على نفسه أربع شهادات، أي: مرات، فأعرض عنه ثلاثة، ثم قال له: "أبك جنون في الرابعة"، ثم قال لأهله: "أيشتكي؟ أم به جنة؟ "، قال القرطبي: لما
стр. 1333
ظهر عليه من الحال الذي حال الجنون، وذلك أنه دخل منتثر الشعر ليس عليه رداء يقول: زنيت فطهرني، كما في مسلم عن جابر بن سمرة، واسم المرأة التي زنا بها فاطمة بنت قتادة، أي: جارية هزال بن يزيد الصحابي، من بني أسلم، كذا رواه النسائي، وقيل: منيرة، وفي (طبقات ابن سعد) اسمها مبيرة، وفي مسلم عن بريدة: جاء ماعز فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال: "ويحك ارجع واستغفر الله وتب إليه"، فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، قال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال ﷺ : "فبم أطهرك؟ " قال: من الزنا، فسأل: "أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: "أشرب خمرًا؟ "، فقام رجل (ق ٧٣٦) فاستشم فاه فلم يجد منه ريح خمر، فقال ﷺ : "أزنيت؟ " قال: نعم، فأمر أي: ﷺ به فَحُدّ، أي: فرجم، كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى، زاد في حديث جابر بالمصلى، أي: فرجم بالمصلى، فلما أزلفته الحجارة فر فأدركه فرجم حتى مات، فقال له النبي ﷺ : "لو سترت ولم تخبرني، لكان خيرًا لك"، أي: في أمرك، وفي مسلم عن بريدة فكان الناس فيه فريقين، قائل يقول: هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، من أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فوضع يده في يده، قال: اقتلني بالحجارة، فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء ﷺ وهم جلوس فسلم ثم جلس، فقال: "استغفروا لماعز بن مالك"، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، فقال: "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم".
وفي النسائي (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: "لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس يتنعم"، ولأحمد عن أبي ذر رفعه: "قد غفر الله له وأدخله الجنة"، وفي هذا منقبة عظيمة لماعز ﵁، كحديث الباب؛ لأنه استمر على طلب إقامة الحد عليه مع توبة، ليتم تطهيره، ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشري يقتضي أنه لا يستمر على الإِقرار بما يقتضي موته فجاهد بنفسه على ذلك، وقوى عليها، والصحيح عن ابن عباس ﵄: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت"، قال: لا يا رسول الله، قال: "أنكتها؟ "، لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه.
قال ابن شهاب: فمن أجل ذلك أي: لأجل شهادة الرجل أربع مرات على نفسه
стр. 1334
بالزنا، يؤخذ المرءُ باعترافه على نفسه، أي: إذا تكرر في باب الزنا، وهذا الحديث يدل على اعتبار الإقرار أربع مرات، وسيأتي ما يؤيده من الروايات.
* * *
٦٩٨ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ بسوطٍ فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: بين هذيْن، فأتي بسوط قد رُكِب به، فَلَانَ، فَأُمِرَ به فَجُلِدَ، ثم قال: "أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يُبْدِلَنَا صفحتَه نُقِمْ عليه كتاب الله".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، حدثنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يكنى أبا عبد الله، أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة، ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا مثله، وأخرجه ابن وهب من مرسل كريب نحوه، ولا أعلمه يستفد بلفظه من وجه، كذا قاله ابن عبد البر، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد أي: زمان حياة رسول الله ﷺ ، فدعا أي: طلب لأجله، رسول الله ﷺ بسوطٍ أي: ليجد به لأنه غير محصن، فأتي أي: جيء بسوط مكسور، أي: مقطوع، فقال: فوق هذا، أي: في القوة لخفة الإِيلام، هذا فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، بفتح المثلثة والميم والراء المهملة وفوقية، أي: طرفه، قال الجوهري: وثمرة السياط عقد أطرافها، وقال أبو عمر: أي: لم يمتهن ولم يلن والثمرة الطرف، فقال: بين هذيْن، فأتي بسوط قد رُكِب به، بصيغة المجهول، أي: ذهب عقدة طرفه، فَلَانَ، أي: صار لينًا مع بقاء صلابته بعدم كسره، وفي نسخة: ولان بالواو بدل الفاء، فَأُمِرَ أي: رسول الله ﷺ ، به أي: بالسوط الوسط بين القوي والخفيف، وهو سوط لا عقدة له؛ لأن عليّا رضي
стр. 1335
الله عنه لما أراد أن يقيم الحد كسر عقدته، وينزع ثيابه إلا الإِزار ويفرق الضرب على (ق ٧٣٧) جميع بدنه إلا رأسه وفرجه ووجهه، فَجُلِدَ، أي: مائة جلدة؛ لأن الزاني غير محصن، ثم قال: "أيها الناس: قد آن بمد الهمزة وفتح النون الخفيفة، أي: حان وقرب الوقت لكم أن تنتهوا عن حدود الله، أي: التي حرمها، فمن أصاب من هذه القاذورات أي: السيئات والشبهة بالنجاسات، سمى رسول الله ﷺ الأفعال القبيحة كالزنا، وشرب الخمر، وقذف المحصنات: قاذورات؛ لأن حقها أن تقذر فوصفت بما يوصف بها صاحبها، شيئًا فليستتر بستر الله، بفتح السين أو كسرها، أي: بسبب ما ستر الله عليه فليتب إليه ولا يظهر لنا، فإنه أي: الشأن من يُبْدِلَنَا من الإِبراء: أي: يظهر صفحتَه بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء وفوقية، أي: جريمته يعني: من كشف وأظهر لنا ما يوجب الحد أو التعزير نُقِمْ عليه كتاب الله "، فيجب على الشخص إذا فعل ما يوجب الستر على نفسه والتوبة، فإن خالف واعترف عند الحاكم أقامه عليه.
* * *
٦٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن صفية بنت أبي عُبيد حدثته عن أبي بكر الصديق: أن رجلًا وقع على جارية بكر فأحْبلها، ثم اعترف على نفسه أنه زنى ولم يكن أُحْصن، فأمر به أبو بكر فجُلد الحدّ ثم نُفي إلى فَدَك.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة، أن صفية بنت أبي عُبيد، أي: ابن مسعود الثقفية، زوجة ابن عمر، قيل لها: أرواك، وأنكرها الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، فهي كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت قبل المائة من الهجرة، حدثته أي: أخبرت نافعًا، عن أبي بكر الصديق ﵁، أن رجلًا وقع وطئ على جارية بكر فأحْبلها، ثم اعترف على نفسه أنه زنى ولم يكن أُحْصن، بفتح فسكون، فأمر به أبو بكر الصديق ﵁، فجُلد الحدّ أي: أقام عليه الحد بمائة جلدة حدًا، ثم نُفي أي: