المائة من الهجرة، عن جده عبد الله بفتح العين، ابن عُبيد الله بالتصغير ابن أبي مُلَيْكَة، بالتصغير، التيمي المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١). أنه أخبره، قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى، فجعل الحديث لعبد الله بن مليكة مرسلًا عنه، وقال القعنبي وابن القاسم وابن بكير: عن مالك عن يعقوب بن زيد عن أبيه زيد بن طلحة بن عبد الله بن مليكة، فجعلوا الحديث لزيد بن طلحة مرسلًا، وهذا هو الصواب، وكذا رواه ابن وهب عن مالك، ثم قال: وأخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن محمود بن لبيد الأنصاري، وروي مرسلًا من وجوه كثيرة، وصح بمعناه عن بريدة وعمران بن حصين، أن امرأة أي: من غامد كما في مسلم من حديث بريدة، وله ولأبي داود من حديث عمران بن جهينة، ولا تنافي، فغامد بغين معجمة فألف فميم مكسورة، فدال مهملة بطن من جهينة، وروى ابن منده بسند ضعيف عن عائشة سمعتُ سبيعة القرشية قالت: يا رسول الله، إني زنيتُ فأقم عليَّ حدود الله، الحديث بنحو حديث الغامدية المذكور، فإن صح فيكون ذلك واقعًا لهما معًا، أتت أي: جاءت النبي ﷺ ، فأخبرته أنها زنت، وفي مسلم: عن بريدة فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: "ويحك ارجعي، فاستغفري الله، وتوبي إليه"، فقالت: أراك تريد أن تردني، كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاك؟ "، قالت: إنها معي من الزنا، وهي حامل، أي: من الزنا، كما في مسلم عن عمران بن بريدة، ففال لها رسول الله ﷺ : "اذهبي حتى تضعي"، (ق ٧٣٥) أي: ما في بطنك لمنع رجم الحبلى؛ لأنه لا يلزم عليه قتل الولد بلا جناية، وفي مسلم عن بريدة: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، وفيه عن عمران: فدعا نبي الله وليها فقال: "أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها"، فلما وضعت أتته، أي: جاءته، وفي حديث بريدة: فلما أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال أي: رسول الله ﷺ لها: "اذهبي حتى تُرضعي"، أي: إلى أن تفرغي من إرضاعه، فقال ﷺ : "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار وقال: إليَّ إرضاعه يا نبي الله، وفي مسلم عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه"،
стр. 1332
فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقال: يا نبي الله فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، فلما أرضعَتْ أتته، أي: جاءت إلى النبي ﷺ ، فقال أي: أمر لها: بأن قال: "اذهبي حتى تستودِعيه"، أي: عند أحد يربيه ويحاضنه ويحافظه، فاستودَعَتْهُ، ثم جاءَته، فأمر بها فأُقيم عليها الحد، أي: الرجم، كما في رواية يحيى، فرجمت، وفي مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، ثم أمرها فحفر لها إلى صدرها، فأمر الناس فرجموها فنقل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمعه النبي ﷺ فقال: "مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له"، ثم أمر بها فصلى عليها فدفنت، وفي مسلم أيضًا عن عمران بن حصين: ثم صلى عليها فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: "لقد تابت توبة، لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من جادت بنفسها؟ "، وهذه الرواية صريحة في أنه ﷺ صلى عليها، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
٦٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا، على عهد رسول الله ﷺ ، وشهد على نفسه أربع شهادات، فأمر به فَحُدّ.
قال ابن شهاب: فمن أجل ذلك يؤخذ المرءُ باعترافه على نفسه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: مرسلًا أن رجلًا أي: ماعزًا ﵁، كما قاله الزرقاني عن النسائي، اعترف أي: أقرَّ بالزنا على نفسه، على عهد رسول الله ﷺ ، وقد رواه الشيخان من طريق عقيل وشعيب بن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ومن طريق يونس صرح في كثير من طرق الحديث، وشهد على نفسه أربع شهادات، أي: مرات، فأعرض عنه ثلاثة، ثم قال له: "أبك جنون في الرابعة"، ثم قال لأهله: "أيشتكي؟ أم به جنة؟ "، قال القرطبي: لما
стр. 1333
ظهر عليه من الحال الذي حال الجنون، وذلك أنه دخل منتثر الشعر ليس عليه رداء يقول: زنيت فطهرني، كما في مسلم عن جابر بن سمرة، واسم المرأة التي زنا بها فاطمة بنت قتادة، أي: جارية هزال بن يزيد الصحابي، من بني أسلم، كذا رواه النسائي، وقيل: منيرة، وفي (طبقات ابن سعد) اسمها مبيرة، وفي مسلم عن بريدة: جاء ماعز فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال: "ويحك ارجع واستغفر الله وتب إليه"، فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، قال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال ﷺ : "فبم أطهرك؟ " قال: من الزنا، فسأل: "أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: "أشرب خمرًا؟ "، فقام رجل (ق ٧٣٦) فاستشم فاه فلم يجد منه ريح خمر، فقال ﷺ : "أزنيت؟ " قال: نعم، فأمر أي: ﷺ به فَحُدّ، أي: فرجم، كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى، زاد في حديث جابر بالمصلى، أي: فرجم بالمصلى، فلما أزلفته الحجارة فر فأدركه فرجم حتى مات، فقال له النبي ﷺ : "لو سترت ولم تخبرني، لكان خيرًا لك"، أي: في أمرك، وفي مسلم عن بريدة فكان الناس فيه فريقين، قائل يقول: هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، من أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فوضع يده في يده، قال: اقتلني بالحجارة، فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء ﷺ وهم جلوس فسلم ثم جلس، فقال: "استغفروا لماعز بن مالك"، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، فقال: "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم".
وفي النسائي (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: "لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس يتنعم"، ولأحمد عن أبي ذر رفعه: "قد غفر الله له وأدخله الجنة"، وفي هذا منقبة عظيمة لماعز ﵁، كحديث الباب؛ لأنه استمر على طلب إقامة الحد عليه مع توبة، ليتم تطهيره، ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشري يقتضي أنه لا يستمر على الإِقرار بما يقتضي موته فجاهد بنفسه على ذلك، وقوى عليها، والصحيح عن ابن عباس ﵄: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت"، قال: لا يا رسول الله، قال: "أنكتها؟ "، لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه.
قال ابن شهاب: فمن أجل ذلك أي: لأجل شهادة الرجل أربع مرات على نفسه
стр. 1334
بالزنا، يؤخذ المرءُ باعترافه على نفسه، أي: إذا تكرر في باب الزنا، وهذا الحديث يدل على اعتبار الإقرار أربع مرات، وسيأتي ما يؤيده من الروايات.
* * *
٦٩٨ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ بسوطٍ فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: بين هذيْن، فأتي بسوط قد رُكِب به، فَلَانَ، فَأُمِرَ به فَجُلِدَ، ثم قال: "أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يُبْدِلَنَا صفحتَه نُقِمْ عليه كتاب الله".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، حدثنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يكنى أبا عبد الله، أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة، ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا مثله، وأخرجه ابن وهب من مرسل كريب نحوه، ولا أعلمه يستفد بلفظه من وجه، كذا قاله ابن عبد البر، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد أي: زمان حياة رسول الله ﷺ ، فدعا أي: طلب لأجله، رسول الله ﷺ بسوطٍ أي: ليجد به لأنه غير محصن، فأتي أي: جيء بسوط مكسور، أي: مقطوع، فقال: فوق هذا، أي: في القوة لخفة الإِيلام، هذا فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، بفتح المثلثة والميم والراء المهملة وفوقية، أي: طرفه، قال الجوهري: وثمرة السياط عقد أطرافها، وقال أبو عمر: أي: لم يمتهن ولم يلن والثمرة الطرف، فقال: بين هذيْن، فأتي بسوط قد رُكِب به، بصيغة المجهول، أي: ذهب عقدة طرفه، فَلَانَ، أي: صار لينًا مع بقاء صلابته بعدم كسره، وفي نسخة: ولان بالواو بدل الفاء، فَأُمِرَ أي: رسول الله ﷺ ، به أي: بالسوط الوسط بين القوي والخفيف، وهو سوط لا عقدة له؛ لأن عليّا رضي
стр. 1335
الله عنه لما أراد أن يقيم الحد كسر عقدته، وينزع ثيابه إلا الإِزار ويفرق الضرب على (ق ٧٣٧) جميع بدنه إلا رأسه وفرجه ووجهه، فَجُلِدَ، أي: مائة جلدة؛ لأن الزاني غير محصن، ثم قال: "أيها الناس: قد آن بمد الهمزة وفتح النون الخفيفة، أي: حان وقرب الوقت لكم أن تنتهوا عن حدود الله، أي: التي حرمها، فمن أصاب من هذه القاذورات أي: السيئات والشبهة بالنجاسات، سمى رسول الله ﷺ الأفعال القبيحة كالزنا، وشرب الخمر، وقذف المحصنات: قاذورات؛ لأن حقها أن تقذر فوصفت بما يوصف بها صاحبها، شيئًا فليستتر بستر الله، بفتح السين أو كسرها، أي: بسبب ما ستر الله عليه فليتب إليه ولا يظهر لنا، فإنه أي: الشأن من يُبْدِلَنَا من الإِبراء: أي: يظهر صفحتَه بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء وفوقية، أي: جريمته يعني: من كشف وأظهر لنا ما يوجب الحد أو التعزير نُقِمْ عليه كتاب الله "، فيجب على الشخص إذا فعل ما يوجب الستر على نفسه والتوبة، فإن خالف واعترف عند الحاكم أقامه عليه.
* * *
٦٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن صفية بنت أبي عُبيد حدثته عن أبي بكر الصديق: أن رجلًا وقع على جارية بكر فأحْبلها، ثم اعترف على نفسه أنه زنى ولم يكن أُحْصن، فأمر به أبو بكر فجُلد الحدّ ثم نُفي إلى فَدَك.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة، أن صفية بنت أبي عُبيد، أي: ابن مسعود الثقفية، زوجة ابن عمر، قيل لها: أرواك، وأنكرها الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، فهي كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت قبل المائة من الهجرة، حدثته أي: أخبرت نافعًا، عن أبي بكر الصديق ﵁، أن رجلًا وقع وطئ على جارية بكر فأحْبلها، ثم اعترف على نفسه أنه زنى ولم يكن أُحْصن، بفتح فسكون، فأمر به أبو بكر الصديق ﵁، فجُلد الحدّ أي: أقام عليه الحد بمائة جلدة حدًا، ثم نُفي أي:
стр. 1336
غُرِّب سياسة إلى فَدَك، بفتح الفاء والدال المهملة، والكاف قرية بناحية الحجاز، وبلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة، ولا جمع في غير المحصن بين الجلد والنفي، إلا تعزيرًا وسياسة، وقال الشافعي وأحمد والنووي والأوزاعي: يجمع بينهما، وقال مالك: يجمع بينهما في الرجل دون المرأة، وفي الحر دون العبد، وقال الشافعي وأحمد: يُنفى العبد نصف سنة، ومن نفي حبس بالموضع الذي ينفى إليه، ولهم ما روى البخاري من حديث زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ أنه الحد عليه، وما روى الترمذي من حديث نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب، ولنا ما روى عبد الرزاق في (مصنفه) عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب في خيبر، فلحق بهرقل فتنصف، فقال: لا أقرب بعده مسلمًا.
وروي أيضًا عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي، قال: قال ابن مسعود في البكر يزني بالبكر يجلدان مائة وينفيان سنة، (ق ٧٣٨) قال: وقال على حبسهما: من الفتنة أن ينفيا، ورواه أيضًا بهذا السند محمد بن الحسن في الآثار.
* * *
٧٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: إن رجلًا من أسلم أتى أبا بكر، فقال له: إن الآخِرَ قد زنى، فقال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري، قال: لا، قال أبو بكر: تُب إلى الله واستتر بستر الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده.
قال سعيد: فلم تقرّ به نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب، فقال له كما قال لأبي بكر، فقال له عمر كما قال له أبو بكر، قال سعيد: فلم تقرّ به نفسه حتى أتى النبي ﷺ فقال له: الآخِرَ قد زنى، فقال سعيد: فأعرض عنه رسول الله
стр. 1337
- ﷺ ، فقال له ذلك مرارًا، كل ذلك يُعرض عنه، حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله فقال: "أيشتكي، أبه جِنَّةٌ؟ "، فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح، قال: "أبِكْرٌ أم ثيب؟ "، قالوا: ثَيّب، قال: فَأَمَرَ به فَرُجِمْ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثني بالإِفراد، وفي نسخة: حدثنا بالجمع، وفي أخرى عن بدل: حدثني يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وأربعين ومائة، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، هذا حديث مرسل من طريق مالك، وتابعه طائفة على إرساله عن يحيى بن سعيد، ورواه الزهري، فاختلف عليه فيه، ورواه يونس عنه عن أبي سلمة عن جابر وشعيب وعقيل عنه عن أبي سلمة وابن المسيب عن أبي هريرة، ورواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁، يقول: إن رجلًا من أسلم هو ماعز بن مالك، كما صرح به في كثير من طرق الحديث، واتفق عليه الحفاظ، أتى أي: جاء أبا بكر ﵁، فقال له: إن الأخر قد زنى وهو بهمزة مفتوحة مقصورة وخاء معجمة مكسورة فراء الأرذل الأرداء والأبعد، وقيل اللئيم، ومعناه الرَّذِل الذي زنى كأنه يدعو على نفسها ويعيبها بما نزل به من موافقة الزنى، قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم السؤال آخر كسر الرجل، أي أرذل كسب الرجل، وقال الأخفش: كنى عن نفسه بكسر الخاء، وهذا إنما يكون لمن حدث عن نفسه بقبيح فكره أن ينسب ذلك إلى نفسه. انتهى.
فقال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري، وفي رواية: لأحد قبلي كأنه أراد هل ذكر للنبي ﷺ أم لا، قال: لا، قال أبو بكر: لما قيل عليه من الرأفة بالأمة: تُب إلى الله ، أي: ارجع عما فعلت من المعصية كلها بالطاعة إلى الذي غلب في حكمه وظهر حكمه على جميع المحكومات في الدنيا والآخرة، واستتر بستر الله، أي: بينك وبين الخلق، فلا تظهر أنت ما يستره عليك، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، إذا صحت شرائطها.
стр. 1338
قال سعيد أي: ابن المسيب، فلم تقرّ به نفسه بفتح التاء الفوقية وكسر القاف وضم الراء المهملة المشددة أن تطمئن بكلام الصديق ﵁ نفسه، حتى أتى عمر بن الخطاب، ﵁، فقال له أي: عمر، كما قال لأبي بكر، فقال له عمر كما قال له أبو بكر، قال سعيد: فلم تقرّ به نفسه أي: لم تطمئن بكلام عمر بن الخطاب نفسه، أي قلبه لشدة إشفاقه وخوفه، حتى أتى أي: جاء إلى النبي ﷺ وهو في المسجد فناداه، فقال له الأخِرَ بفتح الهمزة المقصورة وكسر الخاء المعجمة فراء، أي الأرذل والدني والمراد بالأخر نفسه: قد زنى، فقال سعيد أي: ابن المسيب: فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، فقال أي: سعيد بن المسيب، فقال أي: الأخر له أي: لرسول الله ﷺ ، ذلك أي: خبر الزنا مرارًا، أي: ثلاث مرات، كما في (الموطأ) لمالك، وكل ذلك أي: في كل قول (ق ٧٣٩) بالزنا يُعرض أي: رسول الله ﷺ عنه، أي: عن المخبر عن نفسه بالزنا.
وعند البخاري من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجهه الذي أعرض عنه، فقال: إني زنيت، حتى إذا أكثر عليه أي: المرة الرابعة، ففي حديث أبي هريرة المذكور، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه ﷺ فقال: "أبك جنون؟ " فقال: لا، فقال: "أحضنت؟ "، قال: نعم، ولا ينافي سؤاله عن ذلك قوله: بعث أي: النبي ﷺ إلى أهله أي: أهل ماعز بن مالك، فقال: "أيشتكي، أي: هل يكون مريضًا يذهب بمرضه عقله، أبه وفي نسخة: هل بدل الهمزة جِنَةٌ؟ "، بكسر الجيم وتشديد النون المفتوحة؛ لأنه سأَله أولًا ثم بعث إلى أهله؛ لأنه استنكر ما وقع منه، إذ مثل ذلك لا يقع من العاقل القوي، فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح، أي: في العقل والبدن، قال: أي: النبي ﷺ له: "أبِكْرٌ أم ثيب؟ "، أي: هل تزوجت زوجة ودخلت بها بعقد صحيح؟ قال: أي أخبر عن حاله بأنه قال: إني ثيّب، قال: فَأَمَرَ به فَرُجِمْ.
زاد في (الصحيح) عن جابر فرجمناه بالمصلى، فكنتُ فيمن رجمه، فلما أن القنه بالحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات، قال في المقدمة: والذي أدركه لما هرب فقتله عبد الله بن أنيس، وقال ابن جريج عمر، حكاه الحاكم عنه، وكان أبو بكر الصديق رأس الذين رجموه، ذكره ابن سعد. انتهى.
стр. 1339
فتقرب إلى الله أولًا بنصحه بأمره بالتوبة والستر، فلما ثبت على الإِقرار تقرب ثانيًا إلى الله، واحتج الحنفية والحنابلة بظاهره في اشتراط الإِقرار أربع مرات، وأنه لا يكفي بما دونها قياسًا على الشهود، وأجاب المالكية والشافعية في عدم اشتراط ذلك بقوله ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، ولم يقل ارجع مرات، وبحديث الغامدية إذا لم ينقل أنه تكرر إقرارها، وإنما قرر على ماعز بن مالك، لأنه شك في عقله، ولذا قال: "أبك جنون؟ "، وقال لأهله: "أيشتكي؟ أبه جنة؟ "، فإن الإِنسان غالبًا لا يصبر على إقرار ما يقتضي هلاكه من غير سؤال، مع أن له طريقًا إلى سقوط الإِثم بالتوبة، ولذا سأل أهله مبالغة في تحقيق حاله وصيانة دم المسلم، فيبنى عليه الأمر لا على مجرد إقراره بعموم الجنون، فإنه لو كان مجنونًا له يعذر قوله أنه وليس به جنون لأن إقرار المجنون ليس بمعتبر قال ابن عبد البر: وفيه الجنون المعتوه لا حد عليه، لأنه ﷺ قال: "رُفِعَ القلم عن ثلاث: الصبي والمجنون والنائم"، وأن إظهار الإِنسان ما يأتيه من الفواحش جنون لا يفعله إلا المجانين، وأنه ليس من شأنه ذي العقول كثرة ما يلزم ستره والاعتراف به عند السلطان وغيره، وإنما من شأنهم الستر (ق ٧٤٠) على أنفسهم والتوبة.
وكما يلزمهم الستر على غيرهم يلزمهم الستر على أنفسهم، وإن وجد غير حد البكر، ولا خلاف فيه لكن قيل: من العلماء رأى على الثيب الجلد والرجم، وروي ذلك عن علي وعبادة بن الصامت، وتعلق به داود وأصحابه والجمهور أن الثيب يرجم ولا يجلد، وقال الخوارج والمعتزلة: لا يرجم مطلقًا، وإنما الحد الجلد لثيب أو بكر، وهو خلاف إجماع أهل السنة والجماعة، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
٧٠١ - أخبرنا مالك، أخبَرنا يحيى بن سعيد، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال لرجلٍ من أسلم يُدْعَى هزَّالًا: "يا هزَّال، لو سترته بردائك كان خيرًا لك".
стр. 1340
قال يحيى: فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نُعيم بن هَزَّال، فقال يزيد: هَزَّال جدّي، والحديث حقّ.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، لا يُحدّ الرجل باعترافه بالزنا حتى يُقرّ أربع مرات في مجالس مختلفة، وكذلك جاءت السنة، لا يؤخذ الرجل باعترافه على نفسه بالزنا حتى يُقر أربع مرات، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وإن أقرّ أربع مرات ثم رجع، قُبِلَ رجوعه وخُلِّي سبيله.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، وقد سبق بيان طبقته آنفًا أنه بلغه، أي: أنه قال: بلغني، كما في (الموطأ) لمالك، برواية يحيى قال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لرجلٍ من أسلم بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام والميم، قبيلة قال فيها: "أسلم سلمها الله" يُدْعَى أي: يُسمى هزَّالًا، بفتح الهاء والزاي المفتوحة المشددة ابن يزيد الصحابي، وفي رواية النسائي أن هزالًا كانت له جارية وأن ماعزًا وقع عليها، فقال: انطلق فأخبر رسول الله ﷺ ، فعسى أن ينزل فيك قرآن، فانطلق فأخبره، فأمر به فرجم، وفي هذه الرواية دليل على أن الإِحصان ليس شرطًا في الرجم عند الشافعي وأحمد، لكن أجيب منها من جانب الحنفية والمالكية بأن الجارية التي وقع عليها ماعز بن مالك، كانت قد أعتقها سيدها هزال، وأنكحها إلى مسلم حر فوطئها، وكان الزاني والزانية محصنين، فقال النبي ﷺ : "يا هزَّال، لو سترته بردائك وهو كناية عن إخفاء أمره وقيده بالرداء اهتمامًا بأمر الستر، كان أي: سترك خيرًا لك"، من أمرك لماعز بن مالك بإخباري، لما في الستر على المسلم من الثواب الجزيل.
روى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ نَفَّسَ عن مسلمٍ كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسرٍ في الدنيا يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سترَ على مسلمٍ في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، كذا أورده الإِمام المنذري في (الترغيب والترهيب).
стр. 1341
قال يحيى أي: ابن سعيد، فحدثت أي: أخبرت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بتحتية قبل الزاي ابن نُعيم بالتصغير ابن هَزَّال، أي: الأسلمي، فقال أي: يزيد بن نعيم: هَزَّال جدّي، والحديث صحيح حقّ، أي: ثابت بلا شبهة، واستدل به على أن الستر أفضل في الحدود.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه مالك عن يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني القاضي بالمدينة: لا يُحدّ الرجل أي: وكذا المرأة باعترافه بالزنا حتى يُقرّ بفتح التحتية وكسر القاف وتشديد الراء المهملة، أي: إلى أبي بكر والخبر بالزنا على نفسه أربع مرات، أي: خلافًا لبعضهم في أربع مجالس مختلفة، أي: خلافًا للآخرين، وكذلك جاءت السنة، (ق ٧٤١) أي: الثابتة الصريحة، لا يؤخذ، وفي نسخة: [لا يؤخذ] (١)، أي: لا يحد الرجل باعترافه على نفسه بالزنا؛ لأن الاعتراف به مرة يورث الشبهة فلا يحد بالشبهة، قال رسول الله ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، رواه ابن عدي، كذا قاله النووي في (كنوز الحقائق)، حتى يُقر أربع مرات، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وإن أقرّ أي: بالزنا أربع مرات ثم رجع، أي: عن إقراره به قبل حده أو في وسطه قُبِلَ رجوعه وخُلِّي سبيله، بصيغة المجهول، أي: تُرك عند الحد، وهو قول الشافعي وأحمد ورواية مالك، وعنه أنه لا يخلى سبيله؛ لأن الحد وجب بإقراره، فلا يبطل بعد ذلك بإنكاره، وعنه إن ذكر لإِقراره تأويلًا بأن قال: حسبت المفاوضة زنى خلي ثم إنه يخلى إذا رجع قبل إكمال الحد؛ لأن الرجوع يحتمل الصدق كالإِقرار وليس أحد يكذبه فيه بخلاف ما فيه حق العبد، وهو القصاص والقذف لوجود من يكذبه، والله أعلم، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الزنا، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الإِكراه في الزنا، فقال: هذا
* * *
باب الاستكراه في الزنا
في بيان حكم الاستكراه في الزنا، والاستكراه هو الإِكراه وهو ضد الطوع، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق التضاد.
стр. 1342
٧٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عَبْدًا كان يقوم على رقيق الخُمس، وأنه استكره جاريةً من ذلك الرقيق، فوقع بها، فجلده عمر بن الخطاب ونفاه، ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا نافع، أن عَبْدًا كان يقوم، أي: يتولى على رقيق الخُمس، بضمتين وإسكان الميم لغة، أي: يتولى عبد على قيام الخدمة وإنفاق النفقة على الأرقاء التي أصابت بيت المال من مال الغنيمة، وأنه أي: عبد تولى على أمور الأسراء استكره بسين التأكيد، أي: أكره جارية من ذلك الرقيق، فوقع أي: فجامع العبد بها، أي: بجارية فجلده أي: ضرب العبد خمسين جلدة عمر بن الخطاب ﵁، لأنه كان بكرًا، ونفاه أي: سياسة، ولم يجلد الوليدة أي: الجارية، من أجل أنه استكرهها، قال الله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]، أي: لهن كما قرئ.
* * *
٧٠٣ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، أن عبد الملك بن مروان قضى في امرأة أصيبت مستكرهة بصداقها على من فعل ذلك.
قال محمد: إذا استُكرِهت المرأة فلا حدّ عليها، وعلى من استكرهها الحدّ، فإذا وجب عليه الحدّ بطل الصداق، ولا يجب الحدّ والصداق في جِماع واحد، فإن دُرِئ عنه الحدّ بشبهة وجب عليه الصداق، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعي، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، أن عبد الملك بن مروان قضى أي: حكم في امرأة
стр. 1343
أصيبت أي: جُومِعَت مستكرهة بصداقها متعلق بقضى، أي: بمهر مثلها على من فعل ذلك، متعلق بصداقها، أي: حكم قاض المدينة عبد الملك بن مروان بن الحكم بمهر امرأة على رجل زناها مكرهة.
قال محمد: إذا استُكرِهت المرأة أي: حرة أو امرأة أمة، فلا حدّ عليها، وعلى من أي: يجب على الذي استكرهها الحدّ، فإذا وجب عليه الحدّ بطل الصداق، أي: مهر المثل يعني كما لا يجمع بين القطع والضمان، ولا يجب الحدّ والصداق في جِماع واحد، احترازًا من أنه إذا وقع جماع ثان ولم يجد شبهة، فإنه يجب به الصداق، (ق ٧٤٢) ولعل حكم مروان محمول على ذلك، وهذا معنى قوله: فإن دُرِئ أي: دفع عنه الحدّ بشبهة أي: في الفعل والذات، كما هو مذكور في (المبسوطات)، وجب عليه الصداق أي: مهر المثل، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعي، والعامة من فقهائنا، والله أعلم.
لما فرغ من بيان حكم الاستكراه في الزنا، شرع في بيان حد المماليك في الزنا والسُكْر، فقال: هذا
* * *
باب حد المماليك في الزنا والسكر
في بيان حد المماليك، وجمع المملوك كالمناكير، جمع المنكور في الزنا والسكر متعلقات في الحد، وهو: أي السكر بفتح السين المهملة، وسكون الكاف، فراء مهملة السد وزوال الإِدراك بالخمور، قوله: في الزنا والسكر قيدان احترازان عن نحو القتل والسرقة، فإنه لا فرق فيما بين الأحرار والمماليك، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق السبب والمسبب.
٧٠٤ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، أن سليمان بن يسار، أخبره عن عبد الله بن عَيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي، قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائدَ من ولائد الإِمارة خمسين خمسين في الزنا.
стр. 1344
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة، أن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ وقيل: هو مولى أم سلمة ﵂، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا قاله ابن حجر (١)، أخبره عن عبد الله بن عَيَّاش بتشديد التحتية وشين معجمة، ابن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، المخزومي القرشي، كان أبوه قديم الإِسلام فهاجر إلى الحبشة، فولد له هذا بها وحفظ عن النبي ﷺ وعن عمر وغيره، روى عنه ابنه الحارث، ونافع وسليمان بن يسار وغيرهم، كذا قاله ابن حجر في الإِصابة، قال: أمرني عمر بن الخطاب ﵁ في فتية جمع قلة لفتى، وهو الشاب القوي الحديث، ويستعار للمملوك، وإن كان شيخًا كالغلام من قريش فجلدنا، أي: نحن مع جماعة من قريش، ولائدَ جمع وليدة، وهي الجارية من ولائد الإِمارة بكسر الهمزة، وتفتح، أي: سلطنة الخليفة، وهو عمر ﵁ خمسين خمسين أي: لكل جارية خمسين جلدة، في الزنا أي: بسببه في حدهن من الزنا، وذلك لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: من الجد أن الرجم لا ينصف، ولأن الإِحصان معدوم في حقهن لعقد شرطه وهو الحرية، وإذا ثبت النصف في الإِماء للرق ثبت في العبيد.
ودلالة أن النص الوارد في أحد المثلين وارد في الآخر، كذا قاله علي القاري.
ما الحكمة في لزوم على الإِماء نصف ما على المحصنات من العذاب، وهو الجلد؟
الجواب: ما رواه ابن جريج وابن عيينة، وغيرهما، عن يحيى بن سعيد، وروى معمر عن الزهري أن عمر بن الخطاب ﵁ جلد ولائد من الخمس أبكارًا في الزنا، قال أبو عمر: هذا كله أصح، وأثبت مما رُوي عن عمر أنه سئل عن الأمة كم حدها؟ فقال: القت، فروتها، وراء الدار بالفروة القناع، أي: ليس عليها قناع ولا حجاب
стр. 1345
لخروجها إلى كل موضع يرسلها أهلها لا تقدر على الامتناع منه، ولذا لا تقدر على الامتناع من الفجور، فلا حد عليها، وهكذا قال طائفة: لا حد (ق ٧٤٣) عليها، أي: على الأمة حتى تنكح، وعليه تأولوا حديث زيد وأبي هريرة، وروى القولان عن أنس، وقد قرئ: "فإذا أَحصن"، بفتح أوله، أي: أسلمن أو عففن عند الأكثر، ومعناه عند البعض تزوجن، وبضمها، أي: أحصن بالزواج، أي: أنهم أحصنوهن عند من شرطه، وعند غيرهم معناه أحصن بالإِسلام، فكان الزوج يحصن بالأمة، فكذلك الإِسلام يحصنها، والمعنيان متداخلان في القراءتين، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
٧٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة وعن زيد بن خالد الجُهني: أن رسول الله ﷺ سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تُحصَن، فقال: "إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفيرٍ"، قال ابن شهاب: لا أدري أبَعْدَ الثالثة أو الرابعة، والضفير: الحبل.
قال محمد: وبهذا نأخذ، يجلد المملوك في حدّ الزنا نصف حدّ الحر، خمسين جلدة، وكذلك القذف وشرب الخمر السكر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين بعد المائة، عن عبيد الله بالتصغير ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهزلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمانين بعد
стр. 1346
المائة، عن أبي هريرة وعن زيد بن خالد الجُهني، أشار بالعطف إلى تحويل السند تقوية بالحكم، أن رسول الله ﷺ سُئل عن الأمة أي: الجارية إذا زنت ولم تُحصن، بفتح الصاد وكسرها وسكون النون وتخفيفها.
وعن النووي: قال الطحاوي: لم يذكر أحد من الرواة قول: ولم تحصن، غير مالك، وأشار إلى تضعيفها بذلك، وأنكر الحفاظ هذا على الطحاوي، قالوا: بل روى هذه اللفظة ابن عيينة، ويحيى بن سعيد، فحصل أن هذه اللفظة صحيحة، وليس فيها حكم مخالف؛ لأن الأمة تجلد نصف جلد الحرة، سواء أحصنت أم لا، كذا ذكره السيوطي.
فقال: "إذا زنت فاجلدوها، أي: نصف جلد الحرة، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم أي: بعد الثلاث بيعوها ولو بضفيرٍ" أي: بمضفور من الحبل، قال ابن شهاب: لا أدري أي: لا أعرف، أبَعْدَ الثالثة أو الرابعة، وقع قوله: ثم بيعوها، والضفير: الحبل، أي: يحتمل أن يكون قوله: والضفير الحبل من كلام الزهري، أو من تفسير غيره.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بهذا الحديث، يجلد المملوك في حدّ الزنا نصف حدّ الحر، خمسين جلدة، أي: في الزنا، وكذلك القذف، أي: يحد به حد الحر أربعين جلدة، وشرب الخمر وكذلك يحد به أربعين في شرب الخمر مطلقًا، قليلًا أو كثيرًا، السكر، بفتح السين المهملة وسكون الكاف فراء مهملة زوال الإِدراك بسبب الخمر وغيره كالنبيذ وغيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، إلا أن السكران في حق الحد زائل العقل بناء على قول أبي حنيفة، هو من لا يعرف الرجال من النساء، ولا الأرض من السماء، وأما في حق الحرمة فعنده اختلاط الكلام احتياط في الجهتين.
وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد: السكران مطلقًا، أي: في حق الحد وفي حق الحرمة هو الذي يخلط في كلامه، قال في (المبسوط): وإليه أكثر المشايخ واختار للفتوى؛ لأنه هو المتعارف.
* * *
стр. 1347
٧٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن عمر بن عبد العزيز: أنه جَلد عبدًا في فِرْيَةٍ ثمانين، قال أبو الزِّناد: فسألتُ عبد الله بن عامر بن ربيعة فقال: أدركتُ عثمان بن عفان والخلفاء هلمّ جرّا، فما رأيتُ أحدًا منهم ضرب عبدًا في فِرْيَةٍ أكثر من أربعين.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يُضرب العبدُ في الفِرْيَة إلا أربعين جلدةً، نصف حدّ الحرّ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الزِّناد، بكسر الزاي، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل بعدها، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، (ق ٧٤٤) يُكنى أبا العاص الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي أمر المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فعد مع الخلفاء الراشدين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، كذا في (تقريب التهذيب)، أنه أي: عمر بن عبد العزيز جَلد عبدًا في فِرْيَةٍ بكسر الفاء وسكون الراء، أي: قذف ثمانين، أي: جلدة حملًا لظاهر قوله تعالى في سورة النور: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، على عمومة، قال أبو الزِّناد: فسألتُ عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي مولاهم، ولد في عهد رسول الله ﷺ ، وأبوه صحابي شهير، وفي (الموطأ) لمالك عن ذلك، أي: الفعل لإِشكاله إذ الآية مخصوصة بالجر، فقال: أدركتُ عثمان بن عفان والخلفاء هلمّ جرّا، أي: أعدادًا أعدادًا كأعداد حبوب التسبيح الذين أدركتهم من الصحابة كعلي بن أبي طالب، والحسن بن علي ومعاوية ﵃، وهو أي: لفظة هلم اسم فعل بُني لوقوعه موقع الأمر يستوي فيه الواحد والجمع، والذكر والأنثى عند أهل الحجاز، وأصله عند البصريين ها لم بفتح الهاء وضم اللام وألف بينهما، ففتح الميم المشددة مأخوذ من لم إذا قصده حذفت الألف
стр. 1348
عن الهاء للتخفيف، فصار هلم بفتح اللام وضم اللام وفتح الميم المشددة، كذا قاله عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، فاطلب تفصيله هناك، فما رأيتُ أحدًا أي: من الصحابة ضرب عبدًا في فِرْيَةٍ بكسر الفاء وسكون الراء المهملة وفتح التحتية فهاء، أي: قذف أكثر من أربعين، أي: جلدة، فدل أنهم خصوا الآية بالأحرار، كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والعبد في معنى الآية بجامع الرق.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أخبره أبو الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، لا يُضرب العبدُ في الفِرْيَة أي: في القذف إلا أربعين جلدةً، نصف حدّ الحرّ، أي: قياسًا على حده في الزنا من التنصيف، ولعل عمر بن عبد العزيز خص حكم التنصيف بالزنا، وأجرى حد القذف على عمومه، وهو من الأئمة المجتهدين، وهو أي: ضرب العبد في القذف أربعين جلدة، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ويؤيده ما ذكره بقوله:
* * *
٧٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، وسئل عن حدّ العبد في الخمر فقال: بلغنا أن عليه نصف حد الحرّ، وأن عمر وعثمان وعليّا وعبد الله بن عمر جلدوا عبيدهم نصف حدّ الحر في الخمر.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، الحدُّ في الخمر والسُكر ثمانون، وحد العبد في ذلك أربعون، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وسئل في (الموطأ) لمالك، أنه سئل عن حدّ العبد أي: الرقيق ولو
стр. 1349
أنثى في الخمر أي: في شربها، فقال: بلغنا أي: عن النبي ﷺ أن عليه أي: على العبد نصف حد الحرّ، أي: في الخمر، وهو أربعون جلدة، وأن عمر أي: بلغنا أن عمر وعثمان وعليّا وعبد الله بن عمر ﵃، وكذلك في (الموطأ) لمالك، وفي نسخة: لا تعتد عليها، وأن عمر وعليا وعثمان وابن عامر جلدوا عبيدهم نصف حدّ الحر في الخمر، أي: في هذا قياسًا أجمعوا عليه، وأصله قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فينبغي أن يكون حكم القذف كذلك إلا أن يفرق بأن القذف حق العبد.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، (ق ٧٤٥) أي: إنما نعمل بمجموع ما رُوي في هذا الباب، الحدُّ في الخمر أي: مطلقًا والسُكر أي: والحد في السكر من غيرها ثمانون أي: جلدة، وحد العبد في ذلك أي: في شرب الخمر أربعون جلدة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، والله أعلم.
* * *
باب الحد في التعريض
في بيان ما يتعلق الحد في التعريض، وهو بفتح الفوقية وسكون العين والراء المكسورة وسكون التحتية والضاد المعجمة كلام يفهم به السامع مراد المتكلم من غير تصريح، كذا قاله السيد الشريف، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق التصريح والتعريض فيما يقتضي الحد.
٧٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال: محمد بن عبد الرحمن، عن أمه: عَمْرة بنت عبد الرحمن: أن رجلين في زمان عمر استبّا، فقال أحدهما: ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانيةٍ، فاستشار في ذلك عُمر بن الخطاب، فقال قائل: مَدَحَ أباه وأمَّه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح سوى هذا، نرى أن تجلده الحدّ، فجلده عمر الحدّ ثمانين.
стр. 1350
قال محمد: قد اختلف في هذا على عمر أصحاب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: لا نرى عليه حدّا مدح أباه وأمه، فأخذنا بقول من درأ الحد منهم، وفيمن درأ الحد، وقال: ليس في التعريض جلد، عليّ بن أبي طالب، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الرِّجال، بكسر الراء المهملة وفتح الجيم فألف ولام، وهو محمد بن عبد الرحمن، أي: ابن حارثة بن النعمان الأنصاري، من بني النجار، بفتح النون، وتشديد الجيم المفتوحة، وراء بينهما ألف بطن من الخزرج، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن أمه: عَمْرة بنت عبد الرحمن، أي: ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، أن رجلين أي: لم يسميا في زمان عمر أي: في خلافته ﵁، استبّا، أي: شتم كل واحد منهما الآخر، فقال أحدهما: ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانيةٍ، أي: فاعرضا هذا الكلام إلى عمر بن الخطاب ﵁، فاستشار في ذلك أي: في موجب هذا الكلام التعريض عُمر بن الخطاب ﵁، أي: بحضرة جمع من الصحابة والتابعين تطييبًا لقلوبهم وإظهار آبائهم، قال النبي ﷺ : "ما شقي عبدًا قط بمشورة، وما سعد باستغناء رأي"، فقال قائل: أي: من الصحابة في مجلس المشاورة: مَدَحَ أباه وأمَّه، أي: فلا يلزمه شيء، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح سوى هذا، بكسر السين المهملة، وفتح الواو المقصورة، أي: غير هذا، أي: الكلام المعدول في مقام الاستباب، فيلزمه الحد؛ لأن التلويح أبلغ في التصريح، فلذا نرى أي: نختار أن تجلده الحدّ، فجلده عمر بن الخطاب ﵁ الحدّ ثمانين، أي: جلدة؛ لأنه وافق رأيه اجتهادهم، لا تقليدًا لهم، والصحابة مجتهد فليس على مجتهد أن يقلد غيره.
قال محمد: قد اختلف في هذا على عمر بن الخطاب ﵁، أصحاب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: لا نرى أي: لا نختار عليه حدّا مدح أباه وأمه، أي: وبعضهم
стр. 1351
أشاروا إلى الحد كما سبق، فأخذنا أي: عملنا بقول من درأ من ترك الحد منهم، أي: من الصحابة؛ لأنه أحوط، قوله: وممن درأ الحد، خبر مقدم، وقال: ليس في التعريض جلد، جملة حالية، وقوله: عليّ بن أبي طالب ﵁، مبتدأ مؤخر فتقديم المسند على المسند إليه فتخصيصه بالمسند إليه، نحو: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل (ق ٧٤٦) إلا بقول علي بن أبي طالب، وهو أي: ما قاله علي بن أبي طالب، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
وقال مالك وأحمد، وفي رواية: يحد عملًا بقول عمر ومن وافقه، ولنا ما رواه البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، قال: "هل لك من إبل؟ "، قال: نعم، قال: "وما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "فهل منها من أورق؟ "، أي: إبل لونه مائل إلى السواد؟، قال: إن فيها أورق، قال: "فأين أيتها ذلك؟ "، قال: لعله نزعه - أي جره - عرق، قال: "وكذلك هذا الولد نزعه عرق"، وترجم عليه البخاري: باب إذا عرض ينفي الولد، وزاد في لفظ: وإن أنكرته تعرض أن ينفيه، وما روى أبو داود (٣) والنسائي (٤) من حديث ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: "عذبها"، أي: طلقها، كما في رواية، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: "فاستمتع بها"، وفي رواية: "فأمسكها"، وقوله: لا تمنع يد لامس، كناية عن زناها؛ ولأن الله تعالى فرق بين التعريض بالخطبة في العدة، فأباحه، وبين التصريح فمنعه، حيث قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٥]، فليفرق بينهما في القذف أيضًا، ولأنه تعالى أوجب الحد في القذف، تصريح الزنا، فلم يمكن لنا إيجابه بكنايته إلحاقًا لها به دلالة؛ لأن الكناية دون التصريح، لما فيها من الاحتمال، والله أعلم بحقيقة الحال.
стр. 1352
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحد الحد في التعريض، شرع في بيان ما يتعلق الحد في الشرب، فقال: هذا
* * *
باب الحد في الشراب
في بيان ما يتعلق بالحد في الشرب، قوله باب، لغة: فرجة يدخل فيها الداخل من خارج، والعكس، وعرفًا: جملة مشتملة على فصول ومسائل غالبًا، وهو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ مقدر كما قدرناه، ومضاف إلى الحد، يجوز لنا يكون منصوبًا لمقدر، كما قدرنا، وظرف في الشرب حال من الحد أو صفة منه، أي: كائن في حق الشرب، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق إيلام الحد بالضرب الذي يتعلق مرة بالقول ومرة بالفعل.
٧٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب أن السائب بن يزيد أخبره قال: خرج علينا عمر بن الخطاب فقال: إني وجدتُ من فلانٍ ريح شراب فسألته، فزعم أنه شَرِبَ طلاءً، وأنا سائل عنه، فإن كان يُسكر جلدته الحدّ، فجلده الحدّ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، أن السائب بن يزيد، هو ابن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبته، ويعرف بابن النمر، صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج بالنبي ﷺ في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا في (تقريب التهذيب) (١). أخبره قال: خرج علينا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني وجدتُ من فلانٍ أي: هو ابنه عبيد الله بالتصغير، كما في البخاري ريح شراب أي: في فم ابنه
стр. 1353
عبيد الله، فسألته، أي: الفلان، فزعم أي: فقال عمر ظانًا أنه شَرِبَ طلاءً، (ق ٧٤٧) بكسر الطاء المهملة ومد اللام، قال في المقدمة: وهو ما طبخ من عصير العنب حتى يغلظ وشبه بطلاء الإِبل، وهو القطران الذي يطلى به الجرب، وهو ماء عنب طبخ وذهب أقل من ثلثه، وأنا سائل عنه، أي: عما شرب، فإن كان يُسكر كثيره جلدته الحدّ، أي: فسأل عنه فوجده يسكر، فجلده أي: فجلد عمر بن الخطاب ﵁ بابن السائب بن يزيد هو عبيد الله الحدّ، أي: التام، وهو ثمانون جلدة، اعلم أنه لا يحد بمجرد الريح لاحتمال أن يكون مكرهًا أو مضطرًا، وقال مالك: وهو رواية عن أحمد يحد من وجد منه رائحة الخمر؛ لأن رائحتها منه يدل على شربها، فصار كإقراره بالشربة، كذا قاله علي القاري.
* * *
٧١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ثور بن زيد الدِّيلي، أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له عليِّ بن أبي طالب: أرى أن تضربه ثمانين، فإنه إذا ما شربها سكِر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى - أو كما قال - فجلد عمر في الخمر ثمانين.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ثور بفتح المثلثة وسكون الواو والراء المهملة، هو ابن يزيد، وفي نسخة: زيد الدِّيلي، بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وكسر اللام فتشديد التحتية، المدني، اسمه محمد بن البرقي، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار أي: مع الصحابة في الخمر أي: في قدر حدها يشربها الرجل، بأخياره، فالمراد به المكلف ذكرًا كان أو أنثى، وإنما استشار؛ لأن النبي ﷺ لم يبينه، كما في الصحيحين، عن علي أي: لم يقدر فيه حدًا مضبوطًا، فقال له عليِّ بن أبي طالب ﵁: أرى بفتح الهمزة والراء المهملة: أي: اختيار أن تضربه ثمانين، أي: جلدة إذا كان حرًا الحد القذف، فإنه إذا ما شربها سكِر، كفرح، أي: أزال عقله، وإذا سكر هذى، أي: خلط وتكلم بما لا ينبغي، وإذا هذى افترى، أي: كذب وقذف، أو كما قال، أي: شك من الراوي، أي قال علي فيكون نقلًا بالمعنى، وفي رواية بعد افترى: وعلى المفتر ثمانون حد الفرية، فجلد عمر في الخمر ثمانين، أي: موافقة لعلي رضي الله
стр. 1354
عنه، لا تقليدًا له، وبه قال مالك وأحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وفي أبي داود والنسائي عن عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشاب الذي ضربه النبي بخيبر وفيه: فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد، أن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة، قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم فاجتمعوا على أن يضربه ثمانين، وفي مسلم عن أنس ﵁، فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف: نصف الحدود ثمانون، فأمر به عمر ﵁.
قال ابن عبد البر: وانعقد عليه إجماع الصحابة، ولا مخالف لهم منهم، وعليه جماعة التابعين، وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشذوذ المحجوج بقول الجمهور، وتعقب بما في الصحيحين، عن علي ﵁ أنه جلد الوليد في خلافة عثمان ﵁ أربعين، ثم جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر وعمر ثمانين، وكل سنة وهذا أحب إليَّ، فلو أجمعوا على الثمانين في زمن عمر لما خالفوا في زمن عثمان، وجلدوا أربعين، إلا أن يكون مراد عمر (ق ٧٤٨) أنهم أجمعوا على الثمانين بعد عثمان، فيصح كلامه، كذا قاله الزرقاني (١).
لما فرغ من بيان حد الشرب الخمر، شرع في بيان حد شرب المسكر، فقال: هذا
* * *
стр. 1355
كتاب الأشربَة
في بيان الأشربة جمع القلة، أي: المسكر الذي يتخذ من أي شيء، كذا في نسخة.
باب شراب البتع والغبيراء وغير ذلك
شراب البتع في بيان حكم الشربة يتخذ من البتع، وهو بكسر الموحدة وسكون المثناة الفوقية والعين المهملة، وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه كما رواه عبد الرحمن بن عوف، في رواية شعيب عن الزهري بسنده عند البخاري، قال أبو عمر: بلا خلاف عند أهل اللغة والفقه، والغبيراء بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وسكون التحتية فراء مهملة فألف ممدودة على وزن حميراء نبيذ الذرة، وقيل: نبيذ الأرز، وبه جزم ابن عمر، وغير ذلك، أي: مما ذكر كنبيذ البطيخ والتين والكمثري، ونحوها، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الإِطلاق والتقييد مما يوجب الحد.
٧١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: سُئِل رسول الله ﷺ عن البَتْع فقال: "كلّ شراب أسكر فهو حرام".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن أبي سلمة اسمه إسماعيل أو عبد الله، أو اسمه وكنيته، ابن عبد الرحمن بن عوف، الزهري المدني، تابعي ابن الصحابي، ثقة مكثر الرواية، كان في
стр. 1356
الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين ومائة، عن عائشة ﵂، قالت: سُئِل رسول الله ﷺ عن البتْع، بكسر الموحدة بفتح وسكون المثناة الفوقية، وقد تفتح، وعين مهملة، وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: أي: ﷺ : "كل شراب أسكر فهو حرام"، النبيذ المحرم هو الذي يحد عندنا من كثيره، وهو ما أسكر ولا يحد من قليله، وهو ما لا يسكر، وبه قال النخعي، وأبو وائل، وقال مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والحسين وقتادة وعمر بن عبد العزيز: يحد في قليله وكثيره كالخمر، وقال أبو ثور: من شربه متأولًا فلا حد عليه؛ لأنه مختلف فيه فأشبه النكاح بلا ولي، ولنا ما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) أن عمر بن الخطاب ﵁ سائر رجلًا في سفر وكان صائمًا، فلما أفطر مال إلى قرية فقال له عمر: إنما جلدتك بسكرك.
واعلم أنه يحد صائمًا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد ليحصل المقصود من الحد.
* * *
٧١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن النبي ﷺ سُئِلَ عن الغُبَيْراءَ فقال: "لا خير فيها"، ونهى عنها، فسألت زيدًا ما الغُبَيْرَاءُ؟ فقال: السَّكْرَكَة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي المدني مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة، ثقة عالم، كان يرسل الحديث، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن عطاء بن يسار الهلالي، يُكنى أبا محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين (ق ٧٤٩) ومائة بعد الهجرة، أنه كان مرسلًا، أن النبي ﷺ سُئِلَ عن الغُبَيْراءَ، بضم الغين المعجمة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية والراء المهملة، فألف ممدودة، نبيذ الذرة، وقيل: نبيذ الأرز، فقال: "لا خير فيها"؛ لأنها مسكرة، سواء كانت قليلة أو كثيرة، ونهى
стр. 1357
عنها، أي: نهيًا تحريمًا، فسألتُ قال مالك: فسألتُ زيدًا أي: ابن أسلم: ما الغُبَيْرَاءُ؟ فقال: السَّكْرَكَة، بسين مهملة، وكاف مضمومتين، وراء ساكنة، ثم كاف مفتوحة، فهاء فهي لفظة حبشية، وقد عربت فقيل الترفع، كذا في (النهاية)، وقال بعض أهل اللغة: هي بفتح السين وسكون الكاف الأولى وفتح الراء المهملة والكاف الثانية، وبالهاء، وفي الحديث: "إياكم والغبيراء، فإنها خمر الأعاجم".
لما فرغ من بيان الحد في شرب المسكر، شرع في بيان تحريم الخمر، فقال: هذا
* * *
باب تحريم الخمر وما يُكره من الأشربة
في بيان تحريم الخمر وما يكره من الأشربة بيان بما
٧١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن ابن وَعْلة المصري، أنه سأل ابن عباس عما يُعصر من العنب، فقال ابن عباس: أهدى رجلٌ لرسول الله ﷺ راوية خمرٍ، فقال له النبي ﷺ : "هل علمتَ أن الله حرَّمها؟ "، قال: لا، فسارَّ الرجلُ إنسانًا إلى جنبه، فقال النبي ﷺ : "بِمَ سارَرْتَهُ؟ " قال: أمرته أن يبيعها، فقال: "إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها"، قال: ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيهما.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا زيد بن أسلم، وقد مر بيان طبقته آنفًا، عن ابن وَعْلة المصري، بفتح الواو وسكون العين المهملة واللام المفتوحة فمثناة فوقية، اسمه عبد الرحمن المصري التابعي الصدوق، وفي رواية ابن وهب عن مالك عن زيد عن عبد الرحمن بن وعلة النسائي، من أهل مصر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مصر، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.
стр. 1358
أنه سأل ابن عباس ﵄ عما يُعصر من العنب، فقال ابن عباس: أهدى رجلٌ اسمه كيسان الفقي، كما رواه أحمد من حديثه، لرسول الله ﷺ راوية خمرٍ، بالإِضافة، أي: مزادتها، وأصل الراوية البعير يحمل الماء عليها فيها المبالغة، ثم أطلقت الراوية على كل دابة يحمل عليها الماء، ثم على المزادة، ولفظ رواية أحمد عن كيسان: أنه كان يتجر في الخمر، وأنه أقبل من الشام، فقال: يا رسول الله إني جئتك بشراب جيد، وعنده أيضًا عن ابن عباس، كان للنبي ﷺ صديق من ثقيف أو دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال له النبي ﷺ : "هل علمتَ أن الله حرَّمها؟ "، أي: غلب في أمره، وظهر في حكمه ولا يُسئل عما يفعله، حرَّمها في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، قال: أي: الرجل: لا، أي: لم أعلم بذلك، فسارَّ الرجلُ بتشديد الراء، أي تكلم خفية، إنسانٌ إلى جنبه، وفي رواية أحمد عن ابن عباس ﵄: فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها، ولابن وهب: فسارّ إنسانًا فقال له: أي: للإِنسان، تكلم خفية برجل في جنبة النبي ﷺ ، أصله بما محذوف الألف؛ لأن حرف الجر أدخل على ما الاستفهامية يحذف ألفها تخفيفًا للفظ الكثير التداول، أو فرق بين الاستفهامية والإِسمية، أو إخبارًا عن شدة اتصال ما بحرف الجر، حتى صارت كالجزء منه، فمعناه: أي شيء كلمته خفية، كما فصلناه في تفسير عم يتساءلون، في كتابنا (نور الأفئدة). قال: أمرته ببيعها، أي: ظنًا منه أنه يحرم شربها لا بيعها، فقال: أي: النبي ﷺ : "إن الذي أي: الله حرَّم شربها حرَّم بيعها"؛ لأنه رجس، أي: نجس، وهو لا يصح بيعه، ولا يؤدي إلى شربها، وفي حديث كيسان، (ق ٧٥٠) قال: إنها حرمت وحرم ثمنها.
قال: أي: الراوي، ففتح أي: الرجل المزادتين، بفتح الميم والزاي، تثنية مزادة، وهي القربة؛ لأنه يتزود فيها الماء، حتى ذهب ما فيهما، أي: من الخمر، ففيه وجوب إراقته لفعله ذلك بحفرته ﷺ ، وأقره عليه هذا إذا كانت عند مسلم صورة إذا أسلم ذمي وفي يده الخمر والخنزير فأتلفها آخر لا يضمنها بلا إتلاف لأنهما بمال في حق المسلم، بخلاف خمر الذمي، وخنزيره، حيث يضمنها بلا إتلاف، لأنهما مال في حق الذمي، كذا في كتاب (الغصب من الدرر).
стр. 1359
وقد اختلف في وقت تحريم الخمر، فقيل: سنة أربع بعد الهجرة، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة ثمان، قال الحافظ: وهو الظاهر لرواية أحمد عن ابن عباس، أن الرجل المهدي راوية الخمر لقيه ﷺ يوم الفتح، وروى أحمد وأبو يعلى عن تميم الداري: أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية خمر، فلما كان عام حرمت جاء براويته فقال: "أشعرت أنها قد حرمت بعدك؟ " قال: أفلا أبيعها وأنتفع، فنهاه، ففي هذا تأييد الوقت المذكور، فإن إسلام تميم الداري كان بعد الفتح. وروى أصحاب السنن عن عمر ﵁ أنه قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، فقرأت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فقرأت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
قال عمر ﵁: انتهينا، صححه علي بن المدني والترمذي، انتهى.
وبحديث عمر قد يجمع بين الأقوال الثلاثة باحتمال أن كل مرة كانت في سنة منها، وزعم مغلطاي أنها حرمت في شوال سنة ثلاث، والواقدي أنه عقد قول حمزة إنما أنتم عبيد لأبي يعني سنة اثنين، ويرد عليه حديث الصحيح عن جابر: اصطبح الخمر ناس يوم أحد فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء. ثم أحذر أن يخطر ببالك أن النبي ﷺ شرب الخمر قبل تحريمها، فلا يلزم من أهدى الراوية إليه كل عام قبل التحريم أن يشرب، بل يهديها أو يتصدق بها، أو نحو ذلك، وقد صانه الله تعالى من قبل النبوة عما يخالف شرعه، وهو لم يشرب الخمر المحضرة من الجنة ليلة المعراج، وهذا الحديث رواه مسلم في البيع من طريق ابن وهب عن مالك به، وتابعه حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، وتابعه يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن وعلة في مسلم أيضًا، كذا قاله الزرقاني.
* * *
стр. 1360
٧١٤ - اخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أن رجلًا من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر: إنا نبتاع من تمر النخل والعنب فنعصره خمرًا، فنبيعه، فقال له عبد الله بن عمر: إني أُشهد الله عليكم وملائكته، ومن سمع من الجنّ والإِنس أنِّي لا آمركم أن تبتاعوها فلا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تسقوها، فإنها رجس من عمل الشيطان.
قال محمد: وبهذا نأخذ، ما كرهنا شربه من الأشربة الخمر والسّكر، ونحو ذلك، فلا خير في بيعه ولا أكل ثمنه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن ابن عمر ﵄، أن رجلًا من أهل العراق بكسر العين المهملة والراء المهملة فألف، وقاف، أي: الكوفة والبصرة، كانتا في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، قال لعبد الله بن عمر ﵄: يا أبا عبد الرحمن، وهو كنية ابن عمر: إنا نبتاع أي: نشتري من تمر النخل والعنب والقصب أي: قصب السكر، فنعصره أي: من الإِعصار، خمرًا، فنبيعه، أي: فهل ذلك حرام، أي: ولعلهم كانوا حديثي عهد بالإِسلام. فقال له عبد الله بن عمر: إني أُشهد الله عليكم وملائكته، ومن سمع من الجن والإِنس أنِّي بذلك لزيادة الزجر والتهويل والإِشارة إلى أن حرمت ذلك فجمع عليها، لا آمركم أن تبتاعوها أي: فلا تشتروها، ولا تعصروها ولا تسقوها، أي: أنفسكم وغيرها، وهو من سقى أو أسقى، وفي (الموطأ) برواية يحيى: إني لا آمركم أن تبتاعوها، ولا تبيعوها، ولا تعصروها، ولا تشربوها، ولا تسقوها، أي: غيرها، فإنها أي: الخمر رجس أي: نجس من عمل الشيطان، أي: فاجتنبوه لعلكم تفلحون، كما في الآية.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما روى نافع عن ابن عمر، وفي نسخة: كله نأخذ، ما أي: شيء كرهنا أي: حرمنا شربه من الأشربة الخمر وهو حرام
стр. 1361
قطعًا، والسّكر، بفتحتين عصر الرطب إذا اشتد، كذا في (المغرب)، ونحو ذلك، أي: من أنواع النبيذ.
قال الميرك: اعلم أنه جرت عادة أصحاب الحديث إذا روي بإسنادين أو أكثر وساقوا الحديث بإسناد أولًا، ثم ساقوا بإسناد آخر يقولون في آخره: مثله أو نحوه اختصارًا، والمثل يستعمل بحسب الاصطلاح فيما إذا كان الموافقة بين الحديثين في اللفظ والمعنى، والنحو فيستعمل إذا كانت الموافقة في المعنى فقط، هذا هو المشهور فيما بينهم، وقد يستعمل كل واحد منهما مقام الآخر. كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل)، في حدثنا سفيان بن وكيع في باب خُلق رسول الله ﷺ ، فلا خير في بيعه ولو لغير مسلم، ولا أكل ثمنه، أي: لأنه لا بركة فيه.
* * *
٧١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الخمر في الدنيا، ثم لم يَتُب منها حُرِمَها في الآخرة، فلم يُسْقَها".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الخمر في الدنيا، ثم لم يَتُب منها أي: من شربها حتى مات، وفي لفظ: ثم إشعار بأن تراخي التوبة لا يمنع قبولها إلى أن يغرغر حُرِمَها بضم الحاء المهملة وكسر الراء المهملة الخفيفة من الحرمان، وهو حذف الإِيصال، أي: منع من شربها في الآخرة، فلم يُسْقَها" بصيغة المجهول، ولمسلم من طريق أيوب عن نافع: فمات وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة، قال ابن العربي: ظاهر الحديث أنه لا يشربها في الجنة؛ وذلك لأنه استعمل ما أمر بتأخير ما وعد به فحرمه عند ميقاته، كالوارث إذا قتل مورثه، فإنه يحرم ميراثه لاستعجاله؛ ولهذا قال نفر من الصحابة ومن العلماء، وهو موضع احتمال وتوقف وإشكال والله أعلم كيف يكون الحال؟
стр. 1362
قال القرطبي: يقول بظاهره أنه يحرم ذلك وإن دخل الجنة إذا لم يتب لاستعجاله ما أخر الله له في الآخرة وارتكاب ما حرم عليه في الدنيا.
وقد أخرج الطيالسي بسند صحيح، وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري (١) ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة، ولم يلبسه هو"، قال: فهذا نص صريح إن كان كله مرفوعًا، وإن كانت الجملة الأخيرة مدرجة من كلام الراوي، فهو أعرف بالحديث، قال الحافظ: وفصل بعض المتأخرين (ق ٧٥٢) بين من يشربها مستحلًا، فهو الذي لا يشربها أصلًا؛ لأنه لا يدخل الجنة وبين شربها عالمًا بتحريمها فهو حل الخلاف، فقيل: إنه الذي يحرم شربها مدة والوصال تعذيبه إن عذب، أو المعنى أن ذلك جزاؤه إن جوزي، كذا قاله الزرقاني (٢).
* * *
٧١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، عن أنس بن مالك: أنه قال: كنتُ أسقي أبا عُبيدة بن الجرّاح، وأبا طلحة الأنصاري، وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر، فأتاهم آت فقال: إن الخمر قد حُرِّمَتْ، فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجِرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسّرت.
قال محمد: النقيع عندنا مكروه، ولا ينبغي أن يُشرب من البُسْر والتمر والزبيب، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا كان شديدًا يُسكر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، الدني، يكنى أبا يحيى، ثقة حجة، كان في الطبقة
стр. 1363
الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة، عن أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الخزرجي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كنتُ أي: قبل تحريم الخمر أسقي بفتح الهمزة أو ضمها أبا عُبيدة بالتصغير، اسمه: عامر بن الجرّاح، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأبا طلحة، وهو زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم أنس، وجد إسحاق، وأبي بن كعب وهو سيد القراء وكبير الأنصار وعالمهم، زاد في رواية لمسلم، وأبو دجانة، وسهيل بن بيضاء، ومعاذ بن جبل، وأبا أيوب، شرابًا من فضيخ بفتح الفاء وكسر الضاد المعجمة، وسكون التحتية والخاء المعجمة، شراب يتخذ من البسر المكسور حتى يسكر بسرعة، وتمر لمسلم من طريق قتادة عن أنس أنه قال: أسقاهم من مزادة فيها خليط بسر وتمر.
وللبخاري من طريق بكر بن عبد الله عن أنس: أن الخمر حرمت يومئذ التمر والبسر، ولأحمد عن حميد عن أنس: حتى كان الشراب يأخذ فيهم، ولابن أبي عاصم: حتى مالت رؤوسهم، قال أنس: فأتاهم آت أي: فجاءهم رجل، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، فقال: إن الخمر قد حُرِّمَتْ، فقال أبو طلحة: أي: زيد بن سهل، وهو زوج أم أنس لربيبه الساقي: يا أنس قم إلى هذه الجِرار بكسر الجيم، جمع جرة، التي فيها الشراب المذكور، فاكسرها أي: اسكب ما فيها، قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا بكسر الميم وسكون الهاء، فراء مهملة، فألف وسين مهملة، أي: حجر مستطيل ينقر ويدق فيه، ويتوضأ، وقد استعير للخشبة التي يدق فيها الحب، فقيل لها: مهراس من الحجر أو الصفر الذي يهرس فيه الحبوب، وغيرها، فضربتها أي: الجرار بأسفله حتى تكسّرت.
وفي رواية إسماعيل عن مالك فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، وفي رواية لمسلم: سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل، فيه حجة قوية في قبول خبر الواحد؛ لأنهم أثبتوا به نسخ الشيء الذي كان مباحًا، حتى قدموا من أجله على تحريمه والعمل بمقتضاه من صب الخمر وكسر أوانيها.
وأخرجه البخاري في الأشربة عن إسماعيل، وفي الجر الواحد عن يحيى بن قزعة، ومسلم في الأشربة من طريق ابن وهب كلهم عن مالك به، وله طرق عندنا وعند غيرهما، قال أبو عمر: هذا الحديث وما كان مثله يدخل في المسند عند الجميع.
стр. 1364
قال محمد: النقيع عندنا مكروه، وهو شراب ينقع في الماء من غير طبخ، كذا في (النهاية)، وفي (المغرب)، أنقع الزبيب في الخابية ونقعه: أي: ألقاه فيها ليبتل ويخرج منه الحلاوة، واسم لشراب النقع، ولا ينبغي أي: ولا يحل أن يُشرب من البُسْر والتمر والزبيب، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، أنه إذا كان شديدًا يُسكر، وأما إذا لم يسكر فلا يحرم، وهو من قبيل الخليطين، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى.
ولما فرغ من بيان حرمة شرب الخمر الخالصة، شرع في بيان حرمة شرب الشراب المختلط، فقال: هذا
* * *
باب الخليطين
في بيان حكم شرب الشرابين الخليطين، أي: المخلوطين، وهو أن يجمع التمر والزبيب والرطب والبسر ويطبخ أدنى طبخة، ويترك إلى أن يغلي، ويشتد، كذا في (شرح النقاية)، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق حرمة الشرب.
٧١٧ - أخبرنا مالك، أخبرني الثقة عندي، عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن عبد الرحمن بن حُباب الأسْلَمي، عن أبي قتادة الأنصاري أن النبي ﷺ نهى عن شُرب التمر والزبيب جميعًا، والزَّهْوُ والرَّطب جميعًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد، قال: بنا، أخبرنا، وفي نسخة قال: بنا الثقة عندي، قيل: هو مخرمة بن بكير أو ابن لهيعة، فقد رواه الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة عن بكير بالتصغير ابن عبد الله بن الأشجّ، بفتح الهمزة والشين المعجمة وتشديد الجيم، هو مولى بني مخزوم، يكنى أبا عبد الله، أو أبا يوسف المدني المخزومي، نزل بمصر، ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل مصر، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة عشرين، وقيل: بعدها، ومائة بعد الهجرة، عن
стр. 1365
عبد الرحمن بن حُباب بضم الحاء المهملة والموحدتين الأولى خفيفة بينهما ألف، الأسْلَمي بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح اللام فالميم وتحتية شديدة ثقة تابعي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا قاله ابن حجر.
عن أبي قتادة الأنصاري، هو الحارث، ويقال: عمر أو النعمان بن ربعي، بكسر الراء وسكون الموحدة، وكسر العين المهملة، وتحتية، ابن بلوم السلمي المدني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، ومات سنة أربعة وخمسين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، والأول أصح وأشهر، كذا في (تقريب التهذيب)، أن النبي ﷺ نهى عن شُرب التمر والزبيب جميعًا، أي: لأن أحدهما يشتد به الآخر فيسرع الإِسكار، والزَّهْوُ بفتح الراء وسكون الهاء، وهو البس الملون على ما في (المغرب)، أي: نهى عن شربها جميعًا، وعن شرب: الزهو والرَّطب جميعًا، وهو نهي كراهة، وقيل: تحريمي لإِسراع الإِسكار، بخلطها فقد يظن عدم بلوغ الإِسكار، وقد يكون بلغه.
وهذا الحديث رواه البخاري (١) ومسلم (٢) من وجه آخر، عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: نهى النبي ﷺ أن يُجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب، وينبذ كل واحد منهما على حدة، وفي مسلم عن أبي سعيد مرفوعًا: "من شرب منكم النبيذ فليشربه زبيبًا فردًا وتمر فردًا أو بسرًا فردًا"، وجاء أيضًا النهي عن ذلك من حديث ابن عباس وجابر وأبي سعيد الخدري ﵃، قال أبو عمر: أحاديث الباب صحيحة متواترة، تلقاها العلماء بالقبول.
* * *
٧١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن النبي ﷺ نهى عن نبيذ البُسْر والتمر والزبيب جميعًا.
стр. 1366
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن عطاء بن يسار الهلالي، يكنى أبا محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان يرسل، وكان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين.
أن النبي ﷺ نهى أن ينبذ البُسْر بضم الموحدة وسكون السين المهملة فراء مهملة، والتمر بمثناة فوقية وميم ساكنة فراء مهملة، جميعًا، أي: حال كونهما مجتمعين، والتمر والزبيب جميعًا، ذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه إلى تحريم النبيذ الذي جمع فيه بين الخليطين المذكورين، ونحوهما، وإن لم يكن منهما (ق ٧٥٤) مسكرًا عملًا بهذا الحديث، وأبو حنيفة والشافعي في قوله الآخر: لا يحرم ما لم يسكر، فإن قيل: أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الزبيب والتمر والبسر، وقال: نبيذ كل واحد منهما على حدته أجيب بأنه محمول على شدة العيش أو سعته على الناس، روى هذا محمد في الآثار عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، رحمهم الله تعالى.
لما فرغ من بيان حكم نبيذ الخليطين، شرع في بيان حكم النبيذ المتخذ في الدباء والمزفت، فقال: هذا
* * *
باب نبيذ الدُّبَّاء والمُزَفَّت
بالتنوين، أي: كائن في بيان حكم نبيذ الدباء بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة الممدودة أو المقصورة، وهو فرع، والمزفت بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المثناة الفوقية الوعاء المطلي بالزفت، وهو القار، وهذا مما يحدث التغيير في الشراب سريعًا، ذكره في (المغرب).
стр. 1367
٧١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ خطب في بعض مغازيه، قال ابن عمر: فأقبلْتُ نحوه فانصرف قبل أن أبلغه، فقلت: ما قال؟ قالوا: نهى أن يُنْبَذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّت.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄، أن النبي ﷺ خطب أي: وعظ الناس في بعض مغازيه أي: غزواته، قال ابن عمر: فأقبلْتُ نحوه أي: توجهت إليه؛ لأسمع كلامه ﷺ ، فانصرف أي: من خطبته قبل أن أبلغه، أي: أن أصل إليه، فقلت: أي: سألت لبعض الأصحاب: ما قال؟ أي: أي شيء تكلم قالوا: أي: أجابني بعض الأصحاب: نهى رسول الله ﷺ أن يُنْبَذَ بضم التحتية وسكون وفتح الموحدة والذال المعجمة، أي: يطرح في الدُّبَّاءِ بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة الممدودة، أو المقصورة، أي: قرع، والمُزَفَّت، بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المفتوحة والمثناة الفوقية، أي: الوعاء المطلي بالزفت الأسود، وفي رواية: والنقير، والختم الخشب المنحوت، والختم الجرة الخضراء، وكان ذلك في أول الإِسلام، ثم نسخ بقوله ﷺ : "كنتُ نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن تشربوا سكرًا"، رواه مسلم (١) عن بريدة.
* * *
٧٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى أن يُنْبَذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّت.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي بضم الحاء المهملة، وفتح الراء المهملة بعدها قاف، يكنى أبا شبل، بكسر الشين
стр. 1368
المعجمة وسكون الموحدة وبعدها اللام، المدني، صدوق ربما وهم، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة، عن أبيه، أي: عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، يكنى أبا شبل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، أن النبي ﷺ نهى أن ينبذ بصيغة المجهول، أي: أن يطرح في الدباء، أي: القرع، والمزفت، أي: من الجرار لإِسراع إسكار ما ينبذ فيهما.
لما فرغ من بيان حكم ما ينبذ في الدباء والمزفت، شرع في بيان حكم نبيذ الطلاء، فقال: هذا
* * *
باب نبيذ الطلاء
في بيان حكم نبيذ الطلاء، أي: منبوذ فيه، وهو بكسر الطاء المهملة كل ما يُطلى به قطران ونحوه، ويقال: لكل ما غلظ من الأشربة طلاء على التشبيه، حتى سمي به الثلث، كذا في (المغرب).
٧٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد الأنصاري: أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثِقلها، قالوا: لا يصلح لنا إلا هذا الشراب، قال: اشربوا العسل، قالوا: لا يصلحنا العسل، قال رجل من أهل الأرض: هل لك أن أجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر، قال: نعم، فطبخوه حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فأتوا به عمر بن الخطاب، فأدخل إصبعه فيه ثم رفع يده فتبعه يتمطَّط، فقال: هذا الطلاءُ مثلُ طلاءِ الإِبل، فأمرهم أن يشربوه، فقال له عُبادة بن الصامت: أحللتَها والله، قال: كلا والله ما أحللتُها، اللهم إني لا أُحلُّ شيئًا حَرَّمْتَهُ عليهم، ولا أُحَرِّمُ عليهم شيئًا أَحْلَلْتَهُ لهم.
стр. 1369
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بشراب الطِّلاء الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو لا يُسكر، فأمَّا كل معتَّق يُسكر فلا خير فيه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا داود بن الحُصين الأموي، مولاهم يُكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، كان في الطبقة السادسة من (ق ٧٥٥) طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن واقد بالقاف ابن عمرو بفتح العين المهملة ابن سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة، عن محمود بن لبيد الأنصاري الأوسي الأشهلي، يُكنى أبا نعيم المدني، صحابي صغير، وحكى روايته عن الصحابة، مات سنة ست وتسعين وله تسع وتسعون سنة، كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١).
أن عمر بن الخطاب ﵁ حين قدم الشام أي: في زمان خلافته، شكا إليه أهل الشام وباء الأرض أي: عن طاعونها وثِقلها بكسر الثاء المثلثة وفتح القاف فلام بعدها، أي: ثقل مائها، وقالوا: عطف على شكى: لا يصلح لنا إلا هذا الشراب، لعله كان عندهم نوع من الشراب غير الخمر من أنواع النبيذ، فيكون الاستثناء منقطعًا، فقال: أي: عمر: اشربوا العسل أي: فإنه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون، قالوا: أي: أهل الشام، لا يصلحنا العسل، أي: لا يوافق أمزجتنا؛ لأنه حلو وأمزجتنا حارة، قال رجل من أهل الأرض أي: أرض الشام: هل لك أي: رغبة أن أجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر، قال: نعم، فطبخوه حتى ذهب أي: منه ثلثاه وبقي ثلثه، فأتوا به عمر بن الخطاب ﵁، أي: ليعرضوا عليه، فأدخل أي: عمر إصبعه فيه ثم رفع يده فتبعه وفي (الموطأ) ليحيى فتبعها يتمطَّط أي: يتمدد، أراد أنه ثخين على ما في (النهاية)، فقال: هذا الطلاءُ بالمد، أي: ما يطبخ من العصير حتى يغلظ مثلُ طلاءِ الإِبل، وفي رواية: ما أثبته بطلاء الإِبل، أي: ما يطلى به جربها من قطران ونحوه، فأمرهم أي: بأهل الشام أن يشربوه، أي: على سبيل التداوي؛ لأنه لم يره مسكرًا، وفيه إشعار بأن
стр. 1370
المسكر لا يتداوى به، إلا أن ينتقل من طبعه إلى الحل، فقال له أي: لعمر عُبادة بن الصامت أي: أحد فضلاء الصحابة أحللتَها أي: جعلت الخمر حلالًا يا عمر والله، هذا يمين لغو، وهي حلفه كاذبًا يظنه صادقًا، كما إذا حلف أن في هذا الكوز ماء بناء على أنه رآه كذلك، ثم ارتق ولم يعرفه، وحكمها أن يرجى عفوه، وإنما سميت لغوًا لأنها لا يعتبرها؛ فإن اللغو اسم لما لا يفيد شيئًا، وعند الشافعي اليمين اللغو أن يجري على لسانه بلا قصد، سواء كان في الماضي والآتي، بأن قصد التسبيح، فجرى على لسانه اليمين، مثل هذا خلاصة ما في (الدرر)، قال: أي: عمر كلا ردع، أي: انزجر عن هذا القول، والله ما أحللتُها، أي: الخمر، اللهم إني لا أُحلُّ لهم أي: لا أبيح لهم، أي: لأهل الشام شيئًا حَرَّمْتَهُ عليهم، ولا أُحَرِّمُ عليهم شيئًا أَحْلَلْتَهُ لهم.
وكان عمر اجتهد في ذلك تلك المرة، ثم رجع عنه، فحد ابنه في شرب الطلاء.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، من أن الشراب إذا لم يسكر يباح شربه، كما قال، أي: محمد بن الحسن، لا بأس أي: لا كراهة بشراب الطِّلاء الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو لا يُسكر، أي: مطلقًا قليلًا أو كثيرًا، فأمَّا كل معتَّق بضم الميم (ق ٧٥٦) وفتح العين المهملة وتشديد الفوقية، أي: العتيق والقديم، يُسكر أي: في ساعته أوسع التراجي، فلا خير فيه، أي: لا يتداوى به؛ لأنه نجس، فلا يتداوى به، وأما أبوال الإِبل شربها العرنيون بإذن النبي ﷺ لهم لأجل الدواء بجربهم فمختص لهم.
قال البخاري: ورأي عمر وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ شرب الطلاء على الثلث، وروي في النسائي شربه عن أبي موسى الأشعري، وقال أبو داود: سألتُ أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فقال: لا بأس به، قلتُ: إنهم يقولون: إنه يسكر، قال: لو كان يسكر ما أحله عمر، ثم اعلم أنه حل نبيذ التمر والزبيب مطبوخًا أدنى طبخة بأن طبخ حتى نضج، وإن اشتد إذا شرب ما لم يسكر بلا نية لهو وطرب، بل بنية التقوي، وكذا حل نبيذ العسل والتين والبسر والشعير والذرة، وإن لم يطبخ بلا نية لهو وطرب بل التقوي.
لكن حل ذلك أبي حنيفة وأبي يوسف، فلا يحد شاربه، وإن أسكر منه.