← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن عطاء بن يسار الهلالي، يكنى أبا محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان يرسل، وكان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين. أن النبي ﷺ نهى أن ينبذ البُسْر بضم الموحدة وسكون السين المهملة فراء مهملة، والتمر بمثناة فوقية وميم ساكنة فراء مهملة، جميعًا، أي: حال كونهما مجتمعين، والتمر والزبيب جميعًا، ذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه إلى تحريم النبيذ الذي جمع فيه بين الخليطين المذكورين، ونحوهما، وإن لم يكن منهما (ق ٧٥٤) مسكرًا عملًا بهذا الحديث، وأبو حنيفة والشافعي في قوله الآخر: لا يحرم ما لم يسكر، فإن قيل: أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الزبيب والتمر والبسر، وقال: نبيذ كل واحد منهما على حدته أجيب بأنه محمول على شدة العيش أو سعته على الناس، روى هذا محمد في الآثار عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، رحمهم الله تعالى. لما فرغ من بيان حكم نبيذ الخليطين، شرع في بيان حكم النبيذ المتخذ في الدباء والمزفت، فقال: هذا * * * باب نبيذ الدُّبَّاء والمُزَفَّت بالتنوين، أي: كائن في بيان حكم نبيذ الدباء بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة الممدودة أو المقصورة، وهو فرع، والمزفت بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المثناة الفوقية الوعاء المطلي بالزفت، وهو القار، وهذا مما يحدث التغيير في الشراب سريعًا، ذكره في (المغرب).

стр. 1367

٧١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ خطب في بعض مغازيه، قال ابن عمر: فأقبلْتُ نحوه فانصرف قبل أن أبلغه، فقلت: ما قال؟ قالوا: نهى أن يُنْبَذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّت. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄، أن النبي ﷺ خطب أي: وعظ الناس في بعض مغازيه أي: غزواته، قال ابن عمر: فأقبلْتُ نحوه أي: توجهت إليه؛ لأسمع كلامه ﷺ ، فانصرف أي: من خطبته قبل أن أبلغه، أي: أن أصل إليه، فقلت: أي: سألت لبعض الأصحاب: ما قال؟ أي: أي شيء تكلم قالوا: أي: أجابني بعض الأصحاب: نهى رسول الله ﷺ أن يُنْبَذَ بضم التحتية وسكون وفتح الموحدة والذال المعجمة، أي: يطرح في الدُّبَّاءِ بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة الممدودة، أو المقصورة، أي: قرع، والمُزَفَّت، بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المفتوحة والمثناة الفوقية، أي: الوعاء المطلي بالزفت الأسود، وفي رواية: والنقير، والختم الخشب المنحوت، والختم الجرة الخضراء، وكان ذلك في أول الإِسلام، ثم نسخ بقوله ﷺ : "كنتُ نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن تشربوا سكرًا"، رواه مسلم (١) عن بريدة. * * * ٧٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى أن يُنْبَذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّت. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي بضم الحاء المهملة، وفتح الراء المهملة بعدها قاف، يكنى أبا شبل، بكسر الشين

стр. 1368

المعجمة وسكون الموحدة وبعدها اللام، المدني، صدوق ربما وهم، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة، عن أبيه، أي: عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، يكنى أبا شبل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، أن النبي ﷺ نهى أن ينبذ بصيغة المجهول، أي: أن يطرح في الدباء، أي: القرع، والمزفت، أي: من الجرار لإِسراع إسكار ما ينبذ فيهما. لما فرغ من بيان حكم ما ينبذ في الدباء والمزفت، شرع في بيان حكم نبيذ الطلاء، فقال: هذا * * * باب نبيذ الطلاء في بيان حكم نبيذ الطلاء، أي: منبوذ فيه، وهو بكسر الطاء المهملة كل ما يُطلى به قطران ونحوه، ويقال: لكل ما غلظ من الأشربة طلاء على التشبيه، حتى سمي به الثلث، كذا في (المغرب). ٧٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد الأنصاري: أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثِقلها، قالوا: لا يصلح لنا إلا هذا الشراب، قال: اشربوا العسل، قالوا: لا يصلحنا العسل، قال رجل من أهل الأرض: هل لك أن أجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر، قال: نعم، فطبخوه حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فأتوا به عمر بن الخطاب، فأدخل إصبعه فيه ثم رفع يده فتبعه يتمطَّط، فقال: هذا الطلاءُ مثلُ طلاءِ الإِبل، فأمرهم أن يشربوه، فقال له عُبادة بن الصامت: أحللتَها والله، قال: كلا والله ما أحللتُها، اللهم إني لا أُحلُّ شيئًا حَرَّمْتَهُ عليهم، ولا أُحَرِّمُ عليهم شيئًا أَحْلَلْتَهُ لهم.

стр. 1369

قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بشراب الطِّلاء الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو لا يُسكر، فأمَّا كل معتَّق يُسكر فلا خير فيه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا داود بن الحُصين الأموي، مولاهم يُكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، كان في الطبقة السادسة من (ق ٧٥٥) طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن واقد بالقاف ابن عمرو بفتح العين المهملة ابن سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة، عن محمود بن لبيد الأنصاري الأوسي الأشهلي، يُكنى أبا نعيم المدني، صحابي صغير، وحكى روايته عن الصحابة، مات سنة ست وتسعين وله تسع وتسعون سنة، كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١). أن عمر بن الخطاب ﵁ حين قدم الشام أي: في زمان خلافته، شكا إليه أهل الشام وباء الأرض أي: عن طاعونها وثِقلها بكسر الثاء المثلثة وفتح القاف فلام بعدها، أي: ثقل مائها، وقالوا: عطف على شكى: لا يصلح لنا إلا هذا الشراب، لعله كان عندهم نوع من الشراب غير الخمر من أنواع النبيذ، فيكون الاستثناء منقطعًا، فقال: أي: عمر: اشربوا العسل أي: فإنه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون، قالوا: أي: أهل الشام، لا يصلحنا العسل، أي: لا يوافق أمزجتنا؛ لأنه حلو وأمزجتنا حارة، قال رجل من أهل الأرض أي: أرض الشام: هل لك أي: رغبة أن أجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر، قال: نعم، فطبخوه حتى ذهب أي: منه ثلثاه وبقي ثلثه، فأتوا به عمر بن الخطاب ﵁، أي: ليعرضوا عليه، فأدخل أي: عمر إصبعه فيه ثم رفع يده فتبعه وفي (الموطأ) ليحيى فتبعها يتمطَّط أي: يتمدد، أراد أنه ثخين على ما في (النهاية)، فقال: هذا الطلاءُ بالمد، أي: ما يطبخ من العصير حتى يغلظ مثلُ طلاءِ الإِبل، وفي رواية: ما أثبته بطلاء الإِبل، أي: ما يطلى به جربها من قطران ونحوه، فأمرهم أي: بأهل الشام أن يشربوه، أي: على سبيل التداوي؛ لأنه لم يره مسكرًا، وفيه إشعار بأن

стр. 1370

المسكر لا يتداوى به، إلا أن ينتقل من طبعه إلى الحل، فقال له أي: لعمر عُبادة بن الصامت أي: أحد فضلاء الصحابة أحللتَها أي: جعلت الخمر حلالًا يا عمر والله، هذا يمين لغو، وهي حلفه كاذبًا يظنه صادقًا، كما إذا حلف أن في هذا الكوز ماء بناء على أنه رآه كذلك، ثم ارتق ولم يعرفه، وحكمها أن يرجى عفوه، وإنما سميت لغوًا لأنها لا يعتبرها؛ فإن اللغو اسم لما لا يفيد شيئًا، وعند الشافعي اليمين اللغو أن يجري على لسانه بلا قصد، سواء كان في الماضي والآتي، بأن قصد التسبيح، فجرى على لسانه اليمين، مثل هذا خلاصة ما في (الدرر)، قال: أي: عمر كلا ردع، أي: انزجر عن هذا القول، والله ما أحللتُها، أي: الخمر، اللهم إني لا أُحلُّ لهم أي: لا أبيح لهم، أي: لأهل الشام شيئًا حَرَّمْتَهُ عليهم، ولا أُحَرِّمُ عليهم شيئًا أَحْلَلْتَهُ لهم. وكان عمر اجتهد في ذلك تلك المرة، ثم رجع عنه، فحد ابنه في شرب الطلاء. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، من أن الشراب إذا لم يسكر يباح شربه، كما قال، أي: محمد بن الحسن، لا بأس أي: لا كراهة بشراب الطِّلاء الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو لا يُسكر، أي: مطلقًا قليلًا أو كثيرًا، فأمَّا كل معتَّق بضم الميم (ق ٧٥٦) وفتح العين المهملة وتشديد الفوقية، أي: العتيق والقديم، يُسكر أي: في ساعته أوسع التراجي، فلا خير فيه، أي: لا يتداوى به؛ لأنه نجس، فلا يتداوى به، وأما أبوال الإِبل شربها العرنيون بإذن النبي ﷺ لهم لأجل الدواء بجربهم فمختص لهم. قال البخاري: ورأي عمر وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ شرب الطلاء على الثلث، وروي في النسائي شربه عن أبي موسى الأشعري، وقال أبو داود: سألتُ أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فقال: لا بأس به، قلتُ: إنهم يقولون: إنه يسكر، قال: لو كان يسكر ما أحله عمر، ثم اعلم أنه حل نبيذ التمر والزبيب مطبوخًا أدنى طبخة بأن طبخ حتى نضج، وإن اشتد إذا شرب ما لم يسكر بلا نية لهو وطرب، بل بنية التقوي، وكذا حل نبيذ العسل والتين والبسر والشعير والذرة، وإن لم يطبخ بلا نية لهو وطرب بل التقوي. لكن حل ذلك أبي حنيفة وأبي يوسف، فلا يحد شاربه، وإن أسكر منه.

стр. 1371

وقال محمد: كل مسكر كثيره حرم قليله من أي نوع كان، ويحد السكران فيه. والفتوى في زماننا على قول محمد بن الحسن الشيباني؛ لأن الفساق يجتمعون عليها ويقصدون اللهو بشرابها والسكر بسببها. لما ذكر ما يتعلق بالإِحياء، شرع بذكر ما يتعلق بالأموات، فقال: هذا * * *

стр. 1372

كتاب الفرائض في بيان أحكام الفرائض، هذا كلام إضافي يجوز فيه من الإِعراب وجهان: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب كما فسرناه فلفظ "هذا" اسم الإِشارة، وضع لأنه يشار به إلى محسوس بالإِشارة الحسية، والمراد بالمحسوس اللفظ الدال على المعنى أي: هذا اللفظ كتاب أي: مكتوب في بيان أحكام الفرائض، ونصبه على أنه مفعول لفعل مقدر وهو خذ واقرأ الكتاب، وهو لغة إما مصدر بمعنى الجمع يسمى به المفعول للمبالغة أو فعال بني للمفعول كاللباس بمعنى الملبوس، واصطلاحًا: مسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعها وهو أي: الفرائض جمع فريضة بمعنى المفروضة أي مقدرة لما فيها من السهام المقدرة في الميراث، والمراد بالفرائض هنا علم بفتح العين واللام فميم بعدهما يعرف منه كيفية قسمة المواريث بين مستحقها وقد ورد: "تعلموا الفرائض وعلموا الناس، فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء نزع من أمتي" رواه ابن ماجه (١) والحاكم (٢) عن أبي هريرة. وفي رواية الترمذي عنه: "تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض". قال جلال الدين السيوطي في (الأوليات): روى أبو هريرة ﵁: أول علم ينزع من هذه الأمة الفرائض. . . الحديث. ٧٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أن عمر بن الخطاب فرض للجَدِّ الذي يَفْرض له الناس اليوم. قال محمد: وبهذا نأخذ في الجَدِّ، وهو قول زيد بن ثابت، وبه يقول العامة، وأما أبو حنيفة فإنه كان يأخذ بقول أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس: فلا يورّث الإِخوة معه شيئًا. • أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، ينسب إلى ذي

стр. 1373

أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن المدني، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وله تسعون سنة أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة عن قبيصة (ق ٧٥٨) بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية والصاد المهملة المفتوحة فهاء ابن ذؤيب: بالذال المعجمة المضمومة، تصغير ذئب بهمزة ويبدل فيهما وهو حلحلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي أبا سعيد وأبا إسحاق المدني نزيل دمشق من أولاد الصحابة، وله رؤية مات سنة بضع وثمانين كذا في (تقريب التهذيب) أن عمر بن الخطاب ﵁ فرض أي: حكم للجَدِّ الذي يَفْرض له أي: للحد الناس أي: العامة من العلماء اليوم أي: من مقاسمة الأخ الواحد بالنصف والاثنين بالثلث، فإن زاد وأقله الثلث وفي (الموطأ) لمالك أنه قال: بلغني عن سليمان بن يسار أنه قال: فرض عمر وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت للجد مع الأخوة الثلث وصورته من مات وترك جده أو خاله لأبويه فالمال المتروك يقسم بينهما على النصفية، وإن ترك الجد مع الأخوين أو ثلاث أخوة فالمسألة من ستة الثلث للجد، والثلثان لهم عند مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد. كما قال محمد: وبهذا نأخذ أي: إنما نعمل ونفتي بقول عمر بن الخطاب ﵁ في الجَدِّ، مع الأخوة وهو أي: ما قاله عمر وزيد بن ثابت قول العامة، أي: جمهور الفقهاء وأما أبو حنيفة فإنه كان يأخذ أي: يعمل في الجد أي: في حق إرثه بقول أبي بكر الصديق ﵁ وعبد الله بن عباس: ﵄ فلا يورّث الإِخوة أي: فلا يجعلهم أبو حنيفة وارثًا معه أي: مع الجد شيئًا أي: الجد يأخذ جميع الأموال؛ لأنه بمنزلة الأب، فكما يسقطون من الميراث بالأب فكذا بالجد، وفي (شرح الفرائض السراجية) للسيد قال أبو بكر الصديق ومن تابعه من الصحابة ﵃ كابن عباس ﵄ وابن الزبير وابن عمرو، وحذيفة بن اليمان وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، وعائشة وغيرهم ﵃ وبنو الأعيان وبنو العلات من الأخوة والأخوات أي: لأب وأم أو لأب: لا يرثون مع الجد، كما لا يرثون مع الأب بل الجد يستبد بجميع المال كالأب، وهذا قول أبي حنيفة وشريح وعطاء وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن سيرين، وبه يفتى عند الحنفية، وقال

стр. 1374

علي وأحمد كما مر وبنو الأخيان أي: الأخوة للأم، فيعطون مع الجد إجماعًا، وهذه مسألة مشكلة، ولذا قال علي ﵁ سألوني عن المعضلات إلا مسألة الجد وقد توقف بعضهم فيها وامتنع جماعة من الفتوى في الجد وقال محمد بن مسلمة: تقضي فيه بالصلح. وقال محمد بن الفضل البخاري: يدفع إليه السدس الذي اجتمعت عليه الصحابة، ويصالح عن الباقي، ثم إن أبا حنيفة اختار قول أبي بكر الصديق؛ لأنه ثبت على قوله ولم يختلف عنه الرواية، وقد روى عن أبي عبيدة السليماني أنه قال: حفظت عن عمر في الجد سبعين قضية (ق ٧٥٨) يخالف بعضها بعضًا. وفي رواية: أن عمر خطب الناس، فقال: هل رأى أحد منكم النبي ﷺ قضي للجد بشيء؟ فقال رجل: رأيته حكم للجد بالسدس، فقال: من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، فقال: لا دريت، ثم قام آخر فقال: رأيته قضى للجد بالثلث، فقال: من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، فقال: لا دريت، وعلى هذه الوتيرة شهد ثالث بالنصف ورابع بالجميع، ثم إنه جمع الصحابة في بيت ليتفقوا في الجد على قول واحد فسقطت حية من السقف فتفرقوا مذعورين أي: خائفين، فقال عمر: أبى والله أن يجتمعوا في الجد على شيء. ومما يدل على ما اختاره أبو حنيفة: ما نقل عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي زيد يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أبو الأب أبًا، ثم اعلم أن عليًا وابن مسعود وزيد بن ثابت بعد اتفاقهم على توريث الأخوة من الجد، اختلفوا في كيفية القسمة على أقوال ثلاثة، ومحلها الكتب المبسوطة، كذا قاله علي القاري. * * * ٧٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: جاءت الجدّة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال: مَا لَكِ في كتاب الله من شيء، وما علمتُ لك في سنّة نبي الله شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، قال: فسأل الناس، فقال المغيرة بن شُعبة:

стр. 1375

سمعتُ رسول الله ﷺ أعطاها السُدس، فقال: هل معك غيرُك؟ فقال محمد بن مَسْلمة فقال مثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأل ميراثَها، فقال: مَا لَكِ في كتاب الله من شيء وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرِك، وما أنا بزائد في الفرائض من شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها. قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اجتمعت الجدّتان: أم الأم وأم الأب فالسدس بينهما، وإن خلت به إحداهما فهو لها، ولا ترث معها جدةٌ فوقَها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، بالخاء المعجمة المفتوحة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة ثم هاء، القرشي العامري ثقة الدوري في رواية ابن معين، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات بعد المائة عن قبيصة بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الصاد المهملة فهاء ابن ذؤيب، بضم الذال المعجمة وفتح الهمزة وسكون التحتية فموحدة تصغير ذئب بهمزة ويبدل فيهما ابن حلحلة بحائين المهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي يكنى أبا إسحاق وأبا سعيد المدني، نزيل دمشق ولد يوم الفتح، وقيل: يوم حنين وأتى به النبي ﷺ وعن عمرو وعثمان وبلال وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وروى عنه ابنه إسحاق والزهري والمكحول وغيرهم، وعده أبو الزناد في فقهاء المدينة، مات سنة ست وثمانين أنه قال: جاءت الجدّة أي: أم الأم إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها، لها أي: من ولد فقال: أي: أبو بكر لها مَا لَكِ أي: ليس لك في كتاب الله من شيء، أي: فريضة مقدرة وما علمنا أي: نحن وما حضرنا أو الصيغة للتعظيم لك في سنّة رسول الله ﷺ أي: من قوله وفعله شيئًا، أي: مما يكون لك فارجعي حتى أسأل الناس، أي: بقية الصحابة عن ذلك قال أي: الراوي فسأل الناس، بعد ما صلى الظهر كما في رواية عبد الرزاق عن عمر فقال المغيرة بن شُعبة: ﵁ وهو ابن مسعود الثقفي، أسلم قبل الحديبية وولي إمارة البصرة، ثم الكوفة ومات سنة خمسين

стр. 1376

على الصحيح عند المؤرخين حضرت رسول الله ﷺ وفي نسخة: النبي وإنما قال حضرت، ولم يقل: حاضرت رعاية للأدب وتركًا بإيهام التسوية بينه وبين النبي ﷺ في الجلسة في المكان أعطاها أي: الجدة السُدس، فقال: أي: أبو بكر الصديق ﵁: يا مغيرة (ق ٧٥٩) ابن شعبة هل معك غيرُك؟ أي: حين حضرت رسول الله ﷺ ، كان أبو بكر طلب الحجة من المغيرة بن شعبة على صحة خبره حضرت رسول الله ﷺ ، وأعطاه بها السدس، قال النبي ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وأراد زيادة التثبت والاستظهار مع الإِمكان وفتوا الحديث لعدم قبول خبر الواحد، أي: علمان خير من علم واحد ولا فخبر الواحد العدل مقبول اتفاقًا فقال محمد بن مَسْلمة أي: الأنصاري الصحابي، وكان من الفضلاء، مات بعد الأربعين فقال مثل ذلك، أي: مثل ما قال المغيرة فأنفذه بالهاء والذال المعجمتين المفتوحين لها أبو بكر الصديق ﵁ أي: أنفذ الحكم بالسدس للجدة، فيه استعارة بالكناية تشبيه المعقول بالمحسوس فإنه بثبوت حكمه بالسدس لها أي: لنفوز السهم بالصيد كما يقال: نفذ السهم لرميه وهي بفتح الراء المهملة وكسر الميم وفتح التحتية المشدودة الصيد كذا قال محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، فيعتبر فيه أنواع الاستعارة ثم أي: بعد إنفاذ حكمه بالسدس للجدة جاءت الجدة الأخرى أي: أم الأب إلى عمر بن الخطاب ﵁ تسأل ميراثَها، فقال: أي: عمر مَا لَكِ بكسر الكاف أي: ليس لك يا امرأة في كتاب الله من شيء وما كان القضاء الذي أي: الحكم الذي قضى بصيغة المجهول أي: حكم رسول الله ﷺ أو خليفته به أي: السدس إلا لغيرِك، بكسر خطاب لأم الأب، والمراد بالغير أم الأم وما أنا بزائد في الفرائض من شيء، أي: حتى أقيس ولكن هو أي: المفروض أو الحكم ذاك بكسر الكاف أي: نصيبك الذي قضى لأم الأب، وهو السدس، فإن اجتمعتما بصيغة التثنية المخاطبة أي: أيتها الجدتان فيه أي: في السدس فهو بينكما، أي: بالسوية وأيتكما خلت به أي: انفردت بالسدس فهو لها. قال الزرقاني: وفيه أن الصديق لم يكن له قاض ولا خلاف فيه، وذهب العراقيون إلى أن أول من استقضى عمر فبعث شريحًا إلى الكوفة قاضيًا، وبعث كعب بن سور إلى البصرة قاضيًا.

стр. 1377

وقال مالك: أول من استقضى معاوية، وهذا رواه أصحاب السنن من طريق مالك وغيره. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل بما قضى به عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتمعت الجدّتان: أم الأم وأم الأب فالسدس بينهما، أي: بالسوية وإن خلت به أي: انفردت بالسدس إحداهما فهو لها، فورثة من مات وترك أم أمه وأباه وأم الأب فالقسمة التركة تكون من ستة: سهم واحد منها لأم الأم، وخمسة أسهم لأبيه ولا شيء لأم الأب؛ لأن الأب يحجب الأجداد والجدات الذين من قبله ولا ترث معها أي: مع كل واحدة من الجدتين جدةٌ فوقَها، أي: مطلقًا سواء كانت الفوقية أم الجد أو أب الجد؛ لأن الجد يحجب من جانبه جدتيه، كما أن أب الميت يحجب من جانبه جدتيه عن ميراث ابنه وهو أي: إصابة السدس للجد فقط قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وإنما قال: من فقهائنا، ولم يقل من علمائنا إشعارًا بأن المراد بالفقهاء جميع العلماء والحنفية كما أفاد مراده بقوله: والعامة، وهي تطلق بإزاء معظم (ق ٧٦٠) الشيء وبإزاء جميعه وهو الثاني هنا، كما أراد الخطاب بعامة الفقهاء الكل كما قاله عبد الرحيم بن الحسين العراقي في (شرح الألفية من أصول الحديث). ثم اعلم أن للجدة السدس لأم كانت أو لأب واحدة كانت أو أكثر متحاذيات في الدرجة، كأم أم الأم وأم أم الأب؛ لأن القربى يحجب البعدى، أما إعطاء الجدة الواحدة السدس فلما رواه أبو سعيد الخدري ومغيرة بن شعبة وقبيصة بن ذؤيب من أنه ﷺ أعطاها السدس، وأما التشريك بينهما في ذلك إذا كن أكثر متحاذيات، فلما روى أن أم الأم جاءت إلى الصديق، وقالت: اعطني ميراث ولد ابنتي فقال: اصبري حتى أشاور أصحابي، فإني لم أجد لك في كتاب الله نصًا، ولم أسمع قبل من رسول الله ﷺ شيئًا، ثم سألهم فشهد المغيرة بإعطاء السدس، فقال: هل معك أحد فشهد به أيضًا محمد بن مسلمة، فأعطاه ذلك، ثم جاءت أم الأب وطلبت الميراث، فقال: أرى أن في ذلك السدس بينكما، وهو لمن انفردت منكما فيه فشركتما فيه. وفي رواية أخرى: أن أم الأم جاءت إلى عمر، وقالت: أنا أولى الميراث من أم الأب؛ إذ لو ماتت لم يرثها ولد ولدها ولو مت لورثني ولد ولدي فقال: هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها فحكم بالتشريك بينهما فقد

стр. 1378

أجمعا على أن الجدات الصحيحات المتحاذيات يتشاركن في السدس بالسوية، وذهب ابن عباس إلى أن الجدة أم الأم مقام عند عدمها فتأخذ الثلث إذا لم يكن للميت ولد ولا أخوة والسدس إذا كان له أحدهما، كما أن الجد أب الأب يقوم مقام الأب عند عدمه ثم إن الأم لا يزاحمها في فريضتها أحد من الجدات فكذلك أم الأم لا يزاحمها أحد منهن، ورَّد بأن الأولاد بالأنثى ليس سببًا لاستحقاق المدلي فريضة للمدلي به كبنات البنات وبنات الأخوات لكما تركن هذا القياس في الجدات بالسنة، ولم يرد فيها ما زاد على السدس فاكتفيا به والله أعلم. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بميراث الجد والجدة شرع في بيان ما يتعلق بميراث العمة، فقال: هذا * * * باب ميراث العمة في بيان ما يتعلق ميراث العمة والخالة ونحوهما من ذوي الأرحام، وهم من لا سهم له وليس بعصبية وأكثر الصحابة أنهم يرثون عند عدم أصحاب الفرائض والعصبات منهم: عمر وعلي وابن مسعود وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عباس ﵃ في رواية عنه مشهورة وغيرهم، وتابعهم في ذلك من التابعين علقمة والنخعي وشريح والحسن البصري وابن سيرين وعطاء ومجاهد وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر، ومن وافقهم. وقال زيد بن ثابت وابن عباس في رواية شاذة: عنه لا ميراث لذوي الأرحام، ويوضع المال في بيت المال وبه قال مالك والشافعي واحتجوا بأنه تعالى ذكر في آيات المواريث نصف ذوي الفرائض والعصبات، ولم يذكر لذوي الأرحام شيئًا ولو كان لهم حق لبينه وما كان ربك نسيًا، وبأنه ﷺ لما استجر عن ميراث العمة والخالة قال: "أخبرني جبريل أن لا شيء لهما"، ولنا قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥] أي: أولي (ق ٧٦١) ميراث بعض فيما كتب الله وحكم به؛ لأن هذه الآية نسخت التوارث بالموالاة، كما كان في ابتداء قدومه ﷺ بالمدينة فما كان لمولى الموالاة والمؤاخاة في ذلك الزمان صار مصروفًا إلى ذوي الرحم وما

стр. 1379

بقي عندنا من إرث مولى الموالاة صار متأخرًا من إرث ذي الأرحام، فقد شرع الله لهم الميراث بل فصل بين ذوي الأرحام ليس له شيء منهما، فيكون ثابتًا لكل بهذه الآية فلا يجب تفصيلهم كلهم في آيات المواريث، وأيضًا روى أن رجلًا رمي بسهم إلى سهل بن حنيف فقتله، ولم يكن له وارث إلا خاله، فكتب في ذلك أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر فأجابه بأنه ﷺ قال: "الله ورسوله [مولى] (*) من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له"، وأيضًا لما مات ثابت الدحداح قال ﷺ لقيس بن عاصم: "هل تعرفون له نسبًا فيكم؟ " فقال: إنه كان فينا غريبًا فلا نعرف له إلا ابن أخت وهو أبو لبابة بن عبد المنذر، فجعل رسول الله ﷺ ميراثه له، وأجيب عنه الحديث الذي روى بأنه محمول على وروده قبل نزول الآية، أو على العمة والخالة لا ترثان مع عصبة ولا مع ذي فرض يرد عليه فإن الردَّ على ذوي الفروض مقدم على توريث ذوي الأرحام وإن كان يرثونه مع من لا يرد عليه كالزوج والزوجة. ٧٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أنه كان يسمع أباه كثيرًا يقول: كان عمر بن الخطاب يقول: عجبًا للعمة تُورَث ولا تَرِث. قال محمد: إنما يعني عمر بهذا فيما نرى: أنها تُورَث: لأن ابن الأخ ذو سهم، ولا تَرِث: لأنها ليست بذات سهم، ونحن نروي عن عمر بن الخطاب، وعليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، أنهم قالوا في العمة والخالة: إذا لم يكن ذو سهم ولا عصبة فللخالة الثلث، وللعمة الثلثان، وحديث يرويه أهل المدينة لا يستطيعون ردّه أن ثابت بن الدَّحْدَاح مات ولا وارث له، فأعطي رسول الله ﷺ ماله أبا لُبَابَة بن عبد المنذر - وكان ابن أخته - ميراثه، وكان ابن شهاب يورِّث العمّة، وذوي القرابات بقراباتهم، وكان من أفقه أهل المدينة وأعلمهم بالرواية. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن

стр. 1380

حزم: بالحاء المهملة والزاي الأنصاري البخاري بالنون والجيم المدني القاضي بها اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد ثقة عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) أنه كان يسمع أباه كثيرًا أي: سماعًا كثيرًا وفي كثير من الأوقات يقول: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: عجبًا للعمة أي: يقول كلامًا معجبًا مخصوصًا لها تُورَث بضم الفوقية وسكون الواو وفتح الراء المهملة فمثلثة، أي: ترثها ابن أخيها ولا تَرِث أي: منهم شيئًا هذا قول مالك والشافعي خلافًا للحنفية حيث قال المصنف ﵀: قال محمد: إنما يعني عمر بهذا أي: الكلام فيما نرى: بصيغة المجهول أي: نظن، وفي نسخة: فيما يرى بصيغة المفرد الغائب المعلوم أي: فيما نحتا أنها أي: العمة تُورَث: أي: العمة لأنها ليست بذات سهم، وحاصله أنها لا ترث مع أرباب السهام كما ترث مع أصحاب العصبات، ولا يلزم منه أنها لا ترث عند عدمها، إذ قد ثبت عن عمر وغيره توريث ذوي الأرحام، وهذا معنى قوله: ونحن أي: إنا وأصحاب أبي حنيفة نروي عن عمر بن الخطاب، وعليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ﵃ أي: وغيرهم من الصحابة وعن جماعة من التابعين أنهم قالوا في العمة والخالة: إذا لم يكن ذو سهم ولا عصبة فللخالة الثلث، وللعمة الثلثان، وهذا إذا اجتمعا وإلا فالكل لكل منهما إذا أفرد قوله: وحديث أي: هذا حديث صحيح يرويه أهل المدينة (ق ٧٦٢) أي: كسفيان والزهري ومالك بن أنس وغيرهم لا يستطيعون ردّه أي: إلى الكمال صحته حجة لنا على المالكي وأيدها بقوله: أن ثابت بن الدَّحْدَاح بفتح الدالين بينهما حاء مهملة ساكنة وبعد الدال الثانية ألف وحاء مهملة مات ولا وارث له، أي: من أصحاب الفروض والعصبة فأعطي رسول الله ﷺ ماله أبا لُبَابَة بضم اللام ابن عبد المنذر وكان ابن أخته جملة معترضة بين المفعولين ميراثه، أي: متروكات ثابت وكان ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يورِّث أي: يجعل العمّة، وذوي القرابات من سائر ذوي الأرحام وارثا بقراباتهم، أي: بحسب قربهم وبعدهم في مراتبهم وكان أي: ابن شهاب من أفقه أهل المدينة وأعلمهم بالرواية أي: برواية الحديث قوله: أفقه أفعل تفضيل من فقيه، وهو أي: الفقيه هو العارف بما له وما عليه عملا، أو العالم بأحكام الشريعة العملية من أدلتها التفصيلية، أو العالم بكل الأحكام الشرعية والعملية التي قد ظهر نزول الوحي بها والتي

стр. 1381

انعقد الإِجماع عليها مع ملكة الاستنباط لا صحيح منها. كذا قاله في الرمزي في (شرح الطريقة المحمدية) صورته: من مات وترك عمته لأبوين وخالتهم لأم فثلثان من المال المتروك لعمته وثلثه لخالته، وكذلك عكسه كما قال الشيخ الإِمام سراج الملة والدين محمد بن عبد الرشيد السجاوندي. * * * ٧٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن حنظلة بن عجلان الزرقي، أنه أخبره، عن مولى لقريش كان قديمًا يُقال له: ابن مرسلي، قال: كنتُ جالسًا عند عمر بن الخطاب، قال: فلما صلى صلاة الظهر قال: يا يرفأ هلمّ ذلك الكتاب، لكتابٍ كان كتبه في شأن العمة يسأل عنه ويستخير الله فيه، هل لها من شيء فأتى به يرفأ، ثم دعا بتنور فيه ماء أو قدح فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال: لو رضيت الله أقرك، لو رضيت الله أقرك. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك أخبرنا محمد بن أبي بكر، هو ابن محمد بن عمرو بن حزم بالحاء المهملة والزاي الأنصاري النجاري بالنون والجيم المشددة والراء المهملة فتحتية، منسوب إلى بني النجار المدني قاضيها اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد ثقة عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة عن عبد الرحمن بن حنظلة أي: ابن النعمان بن عامر بن عجلان بكسر العين المهملة وسكون الجيم فألف بين اللام والنون وفي نسخة: ابن حنظلة عن حنظلة بن عجلان، وهو ابن عمرو بن عامر بن الزرقي، بضم الزاي وفتح الراء المهملة فقاف وتحتية، نسبة إلى عامر بن زريق بالتصغير الأنصاري، ذكر العدوي أنه شهد أحد وأنه حلف على خولة زوج حمزة بن عبد الطلب، كما قاله في الإِصابة أنه أخبره، عن مولى لقريش أي: عن حلف لقريش فالمولى يجيء لمعان منها: معنى حلف، كما قاله الفاضل عبد الرحيم بن الحسين في أواخر شرح الألفية العراقية من أصول الحديث كان أي: مولى القرشي قديمًا أي: في قديم الأيام. يُقال له: ابن مرسلي، بكسر الميم وسكون الراء المهملة وسين مهملة فتحتية، وهو مكسور منون قال: كنتُ جالسًا عند عمر بن

стр. 1382

الخطاب، ﵁ أي: يومًا قال: فلما صلى صلاة الظهر قال: أي: حاجبه ومولاه يا يرفأ بفتح التحتية وسكون الراء المهملة ففاء مفتوحة وألف بعدها همزة مضمومة وقد تبدل ألفًا للخفة، وهو مولى عمر وبوابه هلمّ أي: أحضر، وهو اسم فعل بني لوقوعه موقع الأمر يستوي (ق ٧٦٣) فيه الواحد والجمع والذكر والأنثى عند أهل الحجاز ذلك الكتاب، لكتابٍ كان كتبه في شأن العمة يسأل عنه بصيغة المجهول ويستخير الله بالموحدة من الاستخبار، أي: يطلب عمر ﵁ عمله من الله تعالى فيه، أي: في ظهور أمره هل لها أي: للعمة من شيء أي: مع ذوي الفروض والعصبة فأتى به أي: بالكتاب جواب الأمر والجمل الثلاثة معترضة يرفأ، وكأنه بعد ما أتاه تغير ما كان رآه من سؤال الناس فصمم على محوه ثم دعا بتنور بفتح الفوقية وسكون الواو أي: إناء يشرب فيه ماء أو قدح شك من الراوي. فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال: لو رضيك الله أي: وارثه أقرك أي: أثبتك في كتابه كما أقر النساء الوارثات فيه لو رضيك الله أقرك أي: ذكرك أعاد للتأكيد وقيل: أقرك حتى أسأل أو أستخبر. لما فرغ من بيان ميراث العمة والخالة، شرع في بيان حكم المال المتروك تركه النبي ﷺ ، فقال: هذا * * * باب النبي ﷺ هل يُورَث في بيان حكم المال المتروك تركه النبي ﷺ ، وهل يورث أي: هل يأخذ فاطمة بنت النبي ﷺ وأزواجه المطهرات من المال تركة النبي ﷺ باسم الميراث وباسم النفقة. ٧٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَقْسم ورثتي دينارًا، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة،

стр. 1383

مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل: بعدها عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا دواد المدني مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، سنة سبع عشرة بعد المائة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَقْسم بفتح التحتية، وفي نسخة بالفوقية مرفوعًا وفي نسخة مجزومًا، وفي نسخة: لا تقسم من الأفعال تأوله الأربعة ومال الكل إلى واحد والنفي بمعنى النهي أبلغ من النهي الصريح. وقال ابن عبد البر: الرواية برفع الميم على الخبر كذا ذكره السيوطي. وقال الحافظ العسقلاني: لا يقسم بإسكان الميم على النهي وبضمها على النفي، وهو الأشهر وبه تقسم المعنى حتى لا يعارض ما ثبت أنه ﷺ لم يترك ما لا يورث عنه، وتوجيه رواية النهي أنه لم يقطع بأنه لا يخلف شيئًا بل كان ذلك محتملًا فنهاهم عن قسمة ما يخلف أن أنفق ورثتي أي: هم الورثة باعتبار أنهم كذلك بالقوة لكن منعهم من الميراث الدليل الشرعي، وهو الحديث الآتي: "لا نورث ما تركناه صدقة" دينارًا، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: دنانير ولسائر الرواة دينارًا. قال ابن عبد البر: هو الصواب كذا ذكره السيوطي، وفي رواية الترمذي: دينارًا ولا درهمًا ما تركتُ بعد مبني على الفتح ومضاف إلى نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة". قال سفيان بن عيينة: كان أزواج النبي ﷺ في معنى المعتدات سائر الأوقات أو كن لا يجوز أن ينكحن أبدًا فجرت لهن النفقة وأراد بالعامل الخليفة بعده، وكان النبي (ق ٧٦٤) ﷺ يأخذ نفقة من الصفايا التي كانت له من أموال بني نضير وفدك ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ثم وليها أبو بكر الصديق ثم عمر كذلك، فلما صارت إلى عثمان استغنى عنها بماله، فأقطعها مروان وغيره من أقاربه فلم يزل في أيديهم حتى ردها عمر بن عبد العزيز. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: وقد قيل المراد به أمواله التي خصه الله بها يخرج من نفقة نسائه ومؤنة العامل، ثم ما بقي يكون صدقة والمراد بعامله كل عامل يعمل وللمسلمين من خليفة أو غيره فإن كل من قام بأمر المسلمين بشريعته، فهو عامل له ﷺ ، فلا بد أن يكفي مؤنته والإِيضاح. كذا ذكره السيوطي. * * *

стр. 1384

٧٢٧ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أن نساء النبي ﷺ حين مات رسول الله ﷺ أردْنَ أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر: يسألنه ميراثهن من رسول الله ﷺ فقالت لهن عائشة: أليس قد قال رسول الله ﷺ : "لا نُورث، ما تركنا صدقة". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا وفي نسخة: قال: حدثنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عروة بن الزبير، وهو ابن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، كذا قاله ابن حجر (١) عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أن نساء النبي ﷺ حين مات رسول الله ﷺ أردْنَ أي: باتفاقهن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر: ﵄ أي: وكيل منهن يسألنه ميراثهن أي: ثمنهن، كما في نسخة من رسول الله ﷺ فقالت لهن عائشة: ﵂ أليس قد قال رسول الله ﷺ : "لا نُورث، بصيغة المجهول من الإِيراث أي: نحن معاشر الأنبياء ما تركنا صدقة" بالرفع على أن ما موصولة والعائد محذوف، أي: كلامًا تركناه فهو صدقة، كما في رواية الترمذي، وجاء في حديث آخر: أن النبي ﷺ لا يورث، إنما ميراثه في فقراء المسلمين المساكين، وفيه إشعار بأنه كان رحمة للعالمين في حال حياته وانتقال ذاته. والحاصل أن الرواة اتفقوا على رفع صدقة، فبطل قول الشيعة أن ما نافية وصدقة مفعول تركته، فإنه روى بهتان ومناقضة لصدر الكلام عيان، فلو صحت رواية النصب لكان ينبغي أن يخرج على نطاق الروايات الصريحة ويوافق المعاني الصحيحة بأن يقول: هي مفعول الخبر المحذوف أي الذي تركناه ومبذول صدقة، ونظيره ما جاء في التنزيل ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ بالنصب في قراءة شاذة، ثم قواه: لا نورث فحذف من واستتر ضمير

стр. 1385

المتكلم في الفعل فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، كما في قوله تعالى في سورة يوسف ﴿نرتع ونلعب﴾ أي: يرتع إبلنا فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فقد ورد في الصحيح: "العلماء ورثة الأنبياء، وأن العلماء لم يورثوا" أي: لم ينالوا "دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم" من قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] وقوله تعالى في سورة مريم: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] فالمراد أن النبي ﷺ لا يورث من المال، ثم النبي ﷺ يحتمل الجنس والمعهود، وهذا الأظهر لآية المقصور وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: أجمع أهل السنة أن هذا حكم جميع الأنبياء. وقال ابن علية: إن ذلك (ق ٧٦٥) لنبينا ﷺ خاصة وقالت الإِمامية: إن جميع الأنبياء يورثون. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بميراث النبي ﷺ ، شرع في بيان ما يتعلق بميراث لا يرثه المسلم من الكافر. * * * باب لا يرث المسلم الكافر في بيان الحكم وهو أن لا يرث المسلم الكافر أي: أو على العكس، اعلم أن الكافر لا يرث من المسلم إجماعًا ولا المسلم من الكافر على قول علي وزيد بن ثابت وعامة الصحابة، وإليه ذهب علمائنا والشافعي لقوله ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شيء"، والقياس أن يرث المسلم من الكافر ولا يرث الكافر منه، وإليه ذهب معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان والحسن ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين ومسروق. والجواب: أن المراد العلو بحسب الحجة أو القهر والغلبة أي: النصرة فلا يرث المسلم منه يستند إلى حال إسلامه ويكون ما اكتسبه في زمان ردته فيئًا للمسلمين وقال كلاهما لورثته. وقال الشافعي: كلاهما فيء؛ لأنه مات كافرًا والمسلم لا يرث الكافر، ثم هو مال حرب لا أمان له، فيكون فيئًا، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق أن ينتقل المال المتروك إلى الأولاد.

стр. 1386

٧٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب عن عمر بن عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر". قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، والكفر ملَّة واحدة، يتوارثون به وإن اختلفت مللُهم: يرث اليهودي النصراني، والنصراني اليهودي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا وفي أخرى قال: حدثنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني، فقيه كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵁ زين العابدين ثقة ثبت فقيه فاضل مشهور، كان في طبقات التابعين مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل: غير ذلك كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عمر بن عثمان بن عفان، قال ابن عبد البر: لا خلاف في أن عثمان له ولد يسمى عمر بضم العين وفتح الميم والراء وآخر يسمى عمرو بفتح العين وسكون الميم، وإنما الاختلاف في أن هذا الحديث هل هو لعمر فأصحاب ابن شهاب غير مالك يقولون فيها عن عمر. وقال ابن حجر هو عمر بن عثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي المدني، صدوق ولي قضاء البصرة، ومات بالمدينة سنة ست وستين ومائة، كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن أسامة بن زيد: ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر" ورواه أحمد وأصحاب الكتب الستة (٢). عنه أيضًا مرفوعًا: "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر". قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن شهاب عن علي بن حسين

стр. 1387

ابن علي بن أبي طالب لا يرث المسلم الكافر، وفيه خلاف تقديم ولا الكافر المسلم، وهذا إجماع والكفر أي: أنواعه ملَّة واحدة، كما ذكره المزني في مختصره عن الشافعي، وذكره أبو القاسم عن مالك أيضًا يتوارثون به أي: بسبب كفرهم وإن اختلفت مللُهم: يرث اليهودي النصراني، والنصراني اليهودي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. وقال ابن أبي ليلى: اليهود والنصارى يتوارثون فيما بينهم وبين المجوس واستدل بأنها قد اتفق على التوحيد والإِقرار وإنزال الكتاب فهما على ملة واحدة بخلاف المجوس حيث ينكرون التوحيد ويثبتون إلهين بزدان وأهَرَمَنْ، ولا يعترفون بنبي ولا كتاب فنزل منهم أهل ملة أخرى، وذهب بعض الفقهاء إلى عدم التوارث من اليهود والنصارى أيضًا لاختلاف اعتقادهم في نبي وكتاب فهم أهل ملتين شتى كالمسلمين مع النصارى، بخلاف أهل الأهواء المعتزلة والروافض ونحوهم، فإنهم معترفون بالأنبياء والكتب ويختلفون في تأويل الكتاب والسنة، وهذا لا يوجب اختلاف الملة، محمد قال: * * * ٧٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عليّ بن حسين، قال: وَرِثَ أبا طالب عقيل، وطالب ولم يرثْه عليّ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا وأخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا ابن شهاب، عن عليّ بن حسين، أي: ابن علي بن أبي طالب قال: أي: علي بن حسين وَرِثَ أبا طالب عقيل، بفتح العين المهملة وكسر الكاف وسكون التحتية فلام وطالب أي: ابناه الكافران حينئذ ولى يرثْه عليّ ﵁ أي: لكونه مسلمًا، ولذلك تركنا نصيبنا من الشعب والله أعلم. لما فرغ من بيان الحكم وهو أن لا يرث المسلم الكافر، شرع في بيان ما يتعلق بميراث الولاء، فقال: هذا * * *

стр. 1388

باب ميراث الولاء في بيان ما يتعلق ميراث الولاء وهو بفتح الواو ومد اللام، والمراد به هنا ولاء العتاقة وقد قدر الولاء لمن أعتق، رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄، وفي رواية الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى والحاكم والبيهقي عن ابن عمر: "الولاء لحمة كالحمة النسب لا يباع ولا يوهب" رواه الشافعي في مسنده عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أيضًا، فمن أعتق فولاؤه أي: فميراثه لسيده ذكرًا كان سيده أو أنثى، وأن شرطه عدمه لما رواه أصحاب الكتب الستة في حديث عائشة ﵂، أنها لما اشترت بريرة اشترط أهلها أن ولائها لهم، فسألت النبي ﷺ فقال: "أعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق" وآخر العصبات السببية مولى العتاقة، وهو مقدم عندنا على ذوي الأرحام والرد على الفروض وهو قول علي وزيد بن ثابت. وقال ابن مسعود وهو مؤخر عن ذوي الأرحام أيضًا واستدل بقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] أي: بعضهم أقرب من بعض فمن ليس له رحم، والميراث مبني على القرب وبقوله ﷺ لمن أعتق عبدًا وهو مولا له: "فإن شكرك فهو خير له وإن كفرك، وهو شر له وإن مات ولم يترك وارثًا وذوي الأرحام من قبيل الورثة". والجواب: أما من الآية فهو أن سبب نزولها ما روى أنه ﷺ لما قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا يتوارثون بذلك، فنسخ الله هذا الحكم بهذه الآية وبين أن الرحم مقدم على المؤاخاة والموالاة، ولا نزاع لنا في تقدم ذوي الرحم على موال الموالات، وأما من الحديث فهو أنه ﷺ أراد بقوله: "ولم يدع وارثًا" أنه لم يدع وارثًا هو عصبة ألا ترى أنه قال في آخره: "كنت أنت عصبته" ولم يقل: أنت وارثه، وإذا كان (ق ٧٦٧) مولى العتاق محصلة وهو آخر العصبات، كما دل عليه الحديث كان مقدمًا على ذوي الأرحام والرد لتقدم العصبات عليها، كذا قاله علي القاري. محمد قال: ٧٣٠ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أخبره أن

стр. 1389

أباه أخبره، أن العاص بن هشام هَلَكَ وترك بنين له ثلاثة ابنين لأم ورجلًا لعلَّة فهلك إحدى الابنين الذين هما للأم، وترك مالًا وموالي، فورثه أخوه لأمه وأبيه، وورث ماله وولاء مَواليه، ثم هلك أخوه وترك ابنه وأخاه لأبيه، فقال ابنه: قد أحرزْتُ ما كان أبي أحرز من المال وولاء الموالي، وقال أخوه: ليس كله لك إنما أحرزت المال، فأما ولاء الموالي فلا، أرأيت لو هلك أخي اليوم ألستُ أرثه أنا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى لأخيه بولاء الموالي. قال محمد: وبهذا نأخذ، الولاءُ للأخ من الأب دون بني الأخ من الأب والأم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا بدل أخبرنا حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، بفتح العين، أي: الأنصاري المدني البخاري بفتح النون وتشديد الجيم القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة أن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أي: القرشي المخزومي المدني التابعي ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات في أول خلافة هشام. كذا في (تقريب التهذيب) (١) أخبره أن أباه أي: أبا بكر أحد فقهاء المدينة أخبره، أن العاص قال علي القاري: وهو بغير الياء لأنه أجوف لا ناقص، كما توهم ابن هشام هَلَكَ أي: قتل يوم بدر كافرًا وترك بنين له ثلاثة بالنصب على البدل ابنين لأم أي: شقيقًا يعني لأبوين ورجلًا أي: وابنًا كبير لعلَّه بفتح العين المهملة واللام المشددة أي: امرأة أخرى، والجمع علات إذا كان الأب واحدًا والأمهات شتى قيل: مأخوذ من العلل، وهو الشرب بعد الشرب، لأن الأب لما تزوج امرأة بعد أخرى صار كأنه شرب مرة بعد أخرى فهلك إحدى الابنين الذين هما للأم، أي: لأب وترك مالًا وموالي، أي: معتقين له فورثه أخوه لأمه وأبيه، وورث ماله أي: متركاته وفي نسخة: لم يجد كلمة وورث، كما لم توجد في (الموطأ) لمالك فحينئذ ماله بالنصب بدل من ضمير فورثه، وكذلك قوله: وولاء مَواليه، أي: ورث ولاء موالي أخيه ثم هلك

стр. 1390

أخوه أي: مات الذي ورث وولاء الموالي، كذا في (الموطأ) لمالك برواية يحيى بن يحيى الليثي وترك ابنه وأخاه لأبيه، أي: لا لأمه فقال ابنه: قد أحرزْتُ أي: ضممت وملكت ما كان أبي أحرز من المال أي: مال أخيه وولاء الموالي، أي: ومن ولاء مواليه أيضًا وقال أخوه: أي: أخو الميت وهو المنازع ليس كله لك وفي نسخة: ليس كذلك إنما أحرزت المال، أي: بلا شبهة وأما ولاء الموالي وفي نسخة: فأما بالألف فلا، أي: فلا أحرزت أو فلا سبيل لك أرأيت أي: أخبرني لو هلك أخي الأول الذي ورث أبوك منه المال والولاء اليوم أي: حيث لم يكن له أخ غير بعد موت شقيقه الذي هو أبوك ألستُ أرثه أنا، أي: دونك لأن الأخ وأن الأب مقدم على ابن الأخ الشقيق فالواجب أن ينتقل إلى الولاء فاختصموا إلى عثمان بن عفان، ﵁ فقضى أي: عثمان لأخيه بولاء الموالي أي: دون ابنه وفي هذه القصة إشكال؛ لأن العاص قتل يوم بدر كافرًا، فكيف يموت في زمان عثمان ويتحاكم إليه في إرثه والذي يرفع الإِشكال أن يكون التحاكم في الإِرث تأخر إلى زمان عثمان، لكن من يقتل يوم بدر كافرًا لا يتحاكم في إرثه إلى عثمان في خلافته، ثم وجدت أن الذي تحاكم إلى (ق ٧٦٨) عثمان ولد العاص بن هشام، فيحتمل أنه سعيد الذي ذكره ابن أبي حاتم كذا قاله الحافظ في (تعجيل المنفعة) وسهوه ظاهر، فإنه لم يتخاصم في إرث العاص وإنما ذكر في صدر الخبر لبيان أنه خلف شقيقين وواحد؛ لأنه أحرى والذي تخاصم إلى عثمان إنما هو ابن العاص وابن ابنه الذي مات أبوه قبل ذلك، وقد كان ورث شقيقه ماله وولاء مواليه بلا ولد فاختصما في ولاء مواليه دون إرثه ولا ذكر لميراث العاص أصلا فلا إشكال. كذا قاله الزرقاني. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أخبره أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الولاءُ للأخ من الأب أي: عند عدم الأخ من الأب والأم دون بني الأخ من الأب والأم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. * * * ٧٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره أنه كان جالسًا عند أبَان بن عثمان، فاختصم إليه نفر من جُهينة ونفر من بني الحرث بن

стр. 1391

الخزرج، وكانت امرأة من جهينة تحت رجل من بني الحرث بن الخزرج يقال له: إبراهيم بن كليب، فماتت فورثها ابنها وزوجها، وتركت مالًا وموالي، ثم مات ابنها، فقال ورثَتُه: لنا ولاءُ الموالي، وقد كان ابنها أحرزه، وقال الجهنيون: ليس كذلك، إنما هم موالي صاحبتنا فإذا مات ولدها، فلنا ولاؤهم ونحن نرثهم، فقضى أبان بن عثمان للجهنيّين بولاء الموالي. قال محمد: وبهذا أيضًا نأخذ، إذا انقرض ولدها الذكور رجع الولاء وميراث من مات بعد ذلك من مواليها إلى عَصَبتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: حدثنا أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أي: أبا بكر بن حزم أخبره أنه كان جالسًا عند أَبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة ابن عثمان، أي: ابن عفان فاختصم إليه نفر من جُهينة بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح النون فهاء ونفر من بني الحرث بن الخزرج وهو بطن من الأنصار وكانت امرأة من جهينة تحت رجل أي: تحت نكاحه من بني الحرث بن الخزرج يقال له: إبراهيم بن كليب، بضم الكاف مصغرًا فماتت أي: المرأة فورثها ابنها وزوجها، وتركت مالًا وموالي، أي: عتقاء لها ثم مات ابنها، فقال ورثَتُه: ابنها لنا ولاءُ الموالي، وقد كان ابنها أحرزه، أي: الولاء فينتقل إلينا كالمال. وقال الجهنيّون: ليس كذلك، إنما هم أي: موالي صاحبتنا أي: بنتنا فإذا مات ولدها، وفي نسخة: ولدنا بضم الواو وبفتحها وسكون اللام، أي: ولادنا فلنا ولاؤهم ونحن نرثهم، أي: رجوعًا إلى الأصل فقضى أبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة ابن عثمان للجهنيّين بولاء الموالي أي: بميراث العتقاء لهم. قال محمد: وبهذا أيضًا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أخبره أبو بكر بن عمرو بن حزم، كما علمنا بما أخبره أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث إذا انقرض أي: مات ولدها أي: أولادها الذكور رجع الولاء أي: ميراث عتقاء المرأة المتوفية وميراث من أي:

стр. 1392

متروكات ابن مات بعد ذلك أي: بعد موت أمه من مواليها معتق يرجع أي: يرجع الميراث من عتقاء المرأة المتوفاة إلى عَصَبتها، وهي أبوها، كما قال السكاكي صاحب (معراج الدراية على الهداية) في عيون المذاهب إذا مات المولى أي: السيد ثم معتقه فميراثه لأقرب عصبة مولاه، أي: سيد المعتق هذا إن وجد ابن الابن للمرأة المتوفاة، وإن لم يوجد فالولاء لعم ابنها لأبوين إن وجد، وإلا فلعم الابن لأب إن وجد، وإلا فلابن العم لأبوين وإن سفل وهو أي: رجوع ميراث العتقاء إلى عصبة ابن المعتق إذا انقرض أبناء الذكور للمعتق قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. * * * ٧٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرني مخبر، عن سعيد بن المسيَّب، أنه سُئِل عن عبدٍ له ولدٌ من امرأةٍ حرة، لمن ولاؤهم؟ قال: إن مات أبوهم وهو عبد لم يُعتق فولاؤهم لموالي أمهم. قال محمد: وبهذا نأخذ، وإن أعتق أبوهم قبل أن يموت جرّ ولاؤهم فصار ولاؤهم لموالي أبيهم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا أخبرني بالإِفراد مخبر، من الإِخبار أي: محدث أو ناقل، وهو عكرمة، وكان مالك يكره؛ ولذا يعبر عنه في (الموطأ) برجل، وإنما يكتم اسمه لكلام سعيد بن المسيب، وقد احتج العلماء وأصحاب (ق ٧٦٩) السنن بعكرمة وتنكية مسلم أي: عدل منه ولم يخرج عنه إلا حديثًا واحدًا في الحج، لما قيل فيه: إنه كان يقبل جوائز الأمراء، وقد صنفوا في الرد عنه وعما قيل، لسعيد بن جبير هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة، وهو مولى ابن عباس ﵄، يكنى أبا عبد الله أصله من البربر، وهو أحد فقهاء مكة سمع ابن عباس وغيره من الصحابة، وروى عنه خلق كثير، وكان ينتقل من بلد إلى بلد. قال أبو المنذر وغيره: البربر من ولد فاران بن عمليق بن لود بن سام بن نوح صلوات الله على نبينا وعليه، والأكثر الأشهر في نسبهم أنهم بقية قوم جالوت، لما قتل طالوت هربوا من المغرب فحملوا في جبالها وقاتلوا أهل بلادها ثم صالحوهم على شيء يأخذونه

стр. 1393

منهم وأقاموا بالجبال، وذكر محمد بن أحمد الهمداني في كتابه مرفوعًا إلى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما أنه قال: جئت إلى النبي ﷺ ومعي وصيف أي: غلام بربري فقال: "يا أنس ما جنس هذا الغلام؟ " قلت: بربري يا رسول الله قال: "إنهم أمة بعث الله إليهم نبيًا فذبحوه وطبخوه وأكلوا لحمه". كذا قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان) عن سعيد بن المسيَّب، أنه سُئِل عن عبدٍ له ولدٌ بفتحتين وبضم فسكون أي: أولاد من امرأةٍ حرة، أي: كانت أمة فأعتقت لمن ولاؤهم؟ قال: أي: سعيد بن المسيب إن مات أبوهم وهو عبد قوله: لم يُعتق صفة كاشفة لدفع توهم أن طلاقه عليه باعتبار ما كان فولاؤهم أي: ميراث الأولاد مات أبوهم رقًا لموالي أي: لسيد أمهم أي: وإن أعتق أبوهم قبل الموت لم يكن لهم الولاء وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى عن مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن أن الزبير بن العوام اشترى عبدًا فأعتقه ولذلك العبد بنون من امرأة حرة، فلما أعتقه الزبير قال: هم موالي أمهم، بل هو موالينا فاختصموا إلى عثمان بن عفان فقضى عثمان للزبير بولائهم. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب وإن أعتق أبوهم قبل أن يموت جرّ ولاؤهم أي: أوصل ميراث الأولاد إلى مواليهم فصار ولاؤهم أي: رجع ميراث الأولاد لموالي أي: المعتق على صيغة اسم الفاعل أبيهم، أي: الأولاد وهو أي: مصير ميراث الأولاد لموالي أبيهم إن أعتق أبيهم قبل أن يموت قولُ أبي حنيفة، والعامة وقد روى البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃، أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة ولا يورثون النساء من الولاء إلا من أعتق، وروى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: لا يرث النساء من الولاء إلا من أعتق أو أعتق من أعتق، وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "لا يرث النساء من الأولاد والأمة أعتقن أو كاتبن" وروى نحوه عن محمد بن سيرين وابن المسيب وعطاء والنخعي، وأما ما ذكره فقهائنا حديث لا ولاء للنساء إلا ما أعتقن أو أعتقن من أعتقن أو كاتب من كاتبن أو دبر من دبرن أو جروه معتقهن أو معتق معتقهن، وهذا موجود في كتب الحديث. لما فرغ من ما يتعلق بولاء الموالي، شرع في بيان ما يتعلق بميراث صبي سبي من بلده إلى بلد الإِسلام، فقال: هذا * * *

стр. 1394

باب ميراث الحميل في بيان حكم ميراث الحميل، وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الميم الممدودة بمعنى المحمول وهي صبي مسبي سبي من بلده إلى بلد الإِسلام كذا في (المصباح). ٧٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا بُكَيْر بن عبد الله بن الأشجّ، عن سعيد بن المسيَّب، قال: أبى عمر بن الخطاب أن يورِّثَ أحدًا من الأعاجم إلا ما ولد في العرب. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يُورث الحَمِيل الذي يُسبى أو تسبى معه امرأة، فتقول: هو ولدي، أو تقول: هو أخي، أو يَقول: هي أختي، ولا نسب من الأنساب يورّث إلا بِبَيِّنةٍ، إلا الوالدُ والولدُ فإنه إذا دعا الوالد أنه ابنه وصدّقه فهو ابنه، ولا يحتاج في هذا إلى بينة، إلا أن يكون الولد عبدًا فيكذبه مولاه بذلك، فلا يكون ابن الأب ما دام عبدًا حتى يصدقه المولى، والمرأة إذا ادّعت الولد وشهدت امرأة حرة مسلمة على أنها وَلَدَته وهو يصدقها وهو حرّ فهو ابنها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا بُكَيْر بالتصغير ابن عبد الله بن الأشجّ، بفتح الهمزة والشين المعجمة وتشديد الجيم، مولى بني مخزوم، يكنى أبا عبد الله أو أبا يوسف المدني نزل بمصر ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل مصر، مات سنة عشرين، وقيل: بعدها ومائة. كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن سعيد بن المسيَّب، ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار

стр. 1395

التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر في طبقاتهما قال: أي: ابن المسيب أبى امتنع عمر بن الخطاب ﵁ أن يورِّثَ أحدًا من الأعاجم أي: غير العرب من أهل الفرس والترك والهند ونحوهم إلا ما ولد في العرب أي: لأنه معروف النسب، وفي (المغرب) الحميل في حديث عمر: الذي يحمل من بلده إلى الإِسلام وتفسيره في الكتاب أنه صبي مع امرأة تحمله، وتقول: هذا بني، وفي كتاب (الدعوى) الحميل عندنا: كل نسب كان في أهل الحرب. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله ابن المسيب عن عمر بن الخطاب لا يُورث أي: لا يؤخذ من المال الذي تركه الحَمِيل أي: الصبي الذي يُسبى أي: هو أو تسبى معه امرأة، فتقول: أي: المرأة هو أي: الحميل ولدي، أو تقول: هو أخي، أو يَقول: أي: من معها هي أختي، ولا نسب من الأنساب يورّث إلا بِبَيِّنَةٍ، إلا الوالدُ والولدُ وفي نسخة: والوالد مقدم على الولد فإنه إذا دعا الوالد أنه ابنه وصدّقه فهو ابنه، وفي نسخة: فإنه بدل فهو ولا يحتاج في هذا إلى بينة، إلا أن يكون الولد عبدًا فيكذبه مولاه أي: سيده بذلك، فلا يكون ابن الأب ما دام عبدًا حتى يصدقه المولى، والمرأة إذا ادّعت الولد وشهدت امرأة حرة مسلمة على أنها وَلَدَته وهو أي: المولي يصدقها وهو أي: الولد حرّ فهو ابنها، وهو أي: كون الولد حرًا بتصديقها المولى إذا دعت أنه ابني وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالميراث، شرع في بيان ما يتعلق بالوصية، فقال: هذا * * * فضل الوصية في بيان حكم الوصية وفي نسخة: فضل بدل باب وهي: تمليك شيء مضاف إلى ما بعد الموت، كذا قاله السيد محمد الجرجاني، وهي واجبة على الموصي إذا كان عليه حق لله تعالى كالزكاة والحج أو حق للعباد، وإلا فمستحبة. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى يظهر بعد الموت.

стр. 1396

٧٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "ما حقّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة". قال محمد: بهذا نأخذ، هذا حسن جميل. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "ما نافية أي: ليس حقّ امرئ مسلم أي: ولو في حال صحة وعافية وسقط لفظ (ق ٧٧١) مسلم في رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك، والوصف به خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له للتهيج لتقع المبادرة لامتثاله، لما يشعر به من نفي الإِسلام عن تارك ذلك؛ فإن النهي يتمثل الأمر ويجتنب النهي إنما هو المسلم ووصية الكافر جائزة في الجملة إجماعًا حكاه ابن المنذر، وبحث فيه السبكي بأنها شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإِعتاق، وهو يصح من الذمي والحربي قوله: له شيء صفة لامرئ يوصي فيه بصيغة المجهول صفة للشيء، أي: يجب أن يوصي به مما له أو عليه. قال ابن عبد البر: تختلف الرواة عن مالك في هذا اللفظ ورواه أيوب وعبيد الله كلاهما عن نافع عند مسلم بلفظ: له شيء يريد أن يوصي فيه، رواه الشافعي عن سفيان عن نافع بلفظ: امرئ يؤمن بالوصية. قال أبو عمر: فسره ابن عيينة أي: يؤمن بأنها حق، وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز، وابن عبد البر عن سليمان بن موسى كلاهما عن نافع بلفظ: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين إلا وصية عنده مكتوبة"، وأخرجه الإِسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن مالك وابن عون جميعًا عن نافع بلفظ: "ما حق امرئ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه" وأخرجه الطحاوي وابن عبد البر من طريق ابن عون بلفظ: "لا يحل لامرئ مسلم له مال".

стр. 1397

قال أبو عمر: لم يتابع ابن عون على هذه اللفظة. قال الحافظان: عني عن نافع بلفظهما فمسلم، لكن المعنى يمكن أن يتخذ، كما يأتي وإن عني عن ابن عمر فمردود، فقد رواه الدارقطني من طريق عمرو بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا: "لا يحل لمسلم يبيت ليلتين إلا وصية مكتوبة عنه" قوله: يبيت صفة ثانية لمسلم ومفعوله محذوف تقديره: آمنا أو ذكرا أو موعود، كما جزم به الطيبي والخبر ما دل عليه الاستثناء، ويحتمل أن يبيت خبر لمبتدأ بتأويله بالمصدر تقديره ما حقه بيتوتة ليلتين إلا وهي بهذه الصفة فاتفع الفعل بعد حذف أن قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الرعد: ١٢]؛ لأن قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ في موضع الخبر والفعل لا يقع مبتدأ فيقدران فيه حتى يكون في معنى المصدر فيصح حينئذ وقوعه مبتدأ ممن له ذوق يعلم هذا ويعلم أن ما قاله بغير المعنى، ورد بأن في رواية النسائي من طريق فضيل بن عياض عن عبيد الله عن نافع: أن يبيت، فصرح بأن المصدرية ولم يظهر فساد ولا تغيير معنى أن غايته أنه ظرف، والآية مبتدأ فاختلاف الإِعراب فيها لا يقتضي فساد القياس، إذ التنظير من حيث تقدير أن، ولو اختلفا في الإِعراب والفعل مرفوع في الآية والحديث ليلتين كذا لأكثر الرواة ولأبي عوانة والبيهقي من طريق أيوب: "ليلة أو ليلتين"، ولمسلم والنسائي من طريق الزهري عن سالم عن أبيه: "يبيت ثلاث ليال"، فكان ذكر الليلتين والثلاث دفع الحرج لتزاحم إشكال المرء الذي يحتاج إلى ذكرها، ففسخ له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه (ق ٧٧٢) اختلافات الروايات فيه دال على أن التقريب للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن قل إلا ووصيته الواو للحال عنده مكتوبة" أي: بخطه أو بغير خطه. قال الطيبي: في الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي: لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك، وفيه أن الأشياء ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبًا واستدل به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط، ولو لم يقرن ذلك بالشهادة، وخص أحمد ومحمد بن نصر المروزي ذلك بالوصية، لثبوت ذلك فيها دون غيرها من الأحكام، وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط الشهور عليها، كما قاله الفاضل محمد الزرقاني. قال محمد: بهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر هذا أي: العمل

стр. 1398

بهذا الحديث حسن جميل بالجيم أي: في غاية من الحسن والكمال والحديث رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة جميعهم عن ابن عمر، كما أورده مالك في ترجمة الأمر بالوصية من (الموطأ) برواية يحيى. لما فرغ من بيان وجوب الوصية واستحبابها على المسلم مطلقًا، شرع في بيانها خاصة، فقال: هذا * * * باب الرجل يوصي عند موته بثلث ماله في بيان حكم حال الرجل يوصي عند أى: موته بثلث ماله بأقل من الثلث عند غني ورثته أو استغنائهم بحصتهم كتركها بلا أحدهما وصحت الوصية بالثلث للأجنبي، لما أخرجه ابن ماجه في (سننه) عن طلحة بن عمر والمكي عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم" (١) وإنما قال: "تصدق عليكم. . ." إلى آخره؛ لأن القياس يقتضي أن لا يجوز الوصية؛ لأنها تمليك شيء مضاف إلى حال زوال الملك، ولو أضاف حد التمليك إلى حال فقام الملك بأن قال ملكتك غدًا كان باطلًا فهذا أولى لا أن الشارح أجازها لحاجة الناس إليها، فإن الإِنسان مغرور بأمله مقصر في عمله فإذا أعرض له عارض فخاف مجيء أجله احتاج إلى تلاقي ما فاته بماله على وجه لو تحقق ما يخافه لحصل، ويجوز أن يبقى الملك بعد موت المالك باعتبار الحاجة، كما في قدر التجهيز والدين وقد نطق بها الكتاب والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق الإِطلاق والتقييد. ٧٣٥ - أخبرنا مالك حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن أباه أخبره أن عمرو بن سُلَيم الزُّرَقي، أخبره: أنه قيل لعمر بن الخطاب: إن ههنا غلامًا يفَاعًا

стр. 1399

من غَسّان، ووارثه بالشام، وله مالك، وليس ههنا إلا ابن عمٍّ له، فقال عمر: مروه فليوص لها، فأوصى لها بمالٍ يقال له: بئر جُشَم، قال عمرو بن سُليم: فَبِعْتُ ذلك المال بثلاثين ألفًا بعد ذلك، وابنة عمه التي أوصى لها هي أم عمرو بن سُليم. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم، الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر أن أباه أخبره أي: أبا بكر بن حزم أن عمرو بفتح العين المهملة وسكون فراء ابن سُلَيم بالتصغير ابن خلدة بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام الأنصاري الزُّرَقي، بضم الزاي وفتح الراء المهملة فقاف نسبة إلى بني ذريق بالتصغير، بطن من الأنصار، كان في الطبقة الأولى كان من طبقات كبار التابعين ومشاهيرهم، ويقال: له رؤية وأبوه صحابي، مات سنة أربع ومائة. كذا قاله العلامة الذهبي الشافعي في (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) (١) وابن حجر في (تقريب التهذيب) (٢) أخبره: أنه أي: الشأن قيل لعمر بن الخطاب: إن ههنا أي: بالمدينة غلامًا يفَاعًا بفتح التحتية والفاء بزنة كلام مرتفع من غَسّان، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، وفي (المغرب): غلامًا يافع لم يبلغ ويفاع بمعنى يافع، وهي قبيلة من الأزد ووارثه أي: القريب بالشام، أي: وهو مريض في هذا المقام وله مال، أي: عظيم وليس ههنا من ورثة البعيدة إلا ابنة عمٍّ قال أي: الراوي فهل يوصي لها؟ فقال عمر: مروه فليوص لها أي: بثلث ماله قال أي: الراوي فأوصى لها بمالٍ أي: من عقار يقال له أي: للمال بئر جُشَم، بضم الجيم وفتح الشين المعجمة فميم قال عمرو بن سُليم، فَبِعْتُ ذلك المال أي: وكالة عنها بثلاثين ألفًا وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى بثلاثين ألف درهم بعد ذلك، أي: بعد أمره بالوصية وابنة عمه أي: الغلام التي أوصى أي: الغلام لها هي أم عمرو بن سُليم بن خلدة الزرقي الراوي الخبر المذكور. * * *

стр. 1400

٧٣٦ - أخبرنا مالك أخبرنا ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: جاءني رسول الله ﷺ عامَ حَجة الوداع يعودني من وجع اشتدَّ بي، فقلتُ: يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأتصدق بثلثي مالي، قال: "لا"، قال: بالشطر، قال: "لا"، قال: فبالثلث؟ ثم قال رسول الله ﷺ : "الثلث والثلث كثير - أو كبير - إنك إن تَذَر ورثتَك أغنياء خيرٌ من أن تَذَرهم عالةً يتكفَّفُونَ الناس، وإنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجِرْتَ بها حتى ما تجعل في امرأتك"، قال: قلتُ: يا رسول الله أخلَّفُ بعد أصحابي، قال: "إنك لن تُخلَّف فتعمل عملًا صالحًا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددتَ به درجة ورفعة، ولعلك أن تُخْلِفَ حتى ينتفع بك أقوامٌ ويُضَرَّ بك آخرون، اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثى له رسول الله ﷺ إن مات بمكة". قال محمد: الوصايا جائزة في ثلث مال الميت بعد قضاء دينه، وليس له أن يوصي بأكثر من ثلثه، وإن أوصى بأكثر من ثلثه فأجازته الورثة بعد موته فهو جائز، وليس لهم أن يرجعوا بعد إجازتهم، وإن ردّوا رجع ذلك إلى الثلث، لأن النبي ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير"، فلا يجوز لأحد وصية بأكثر من الثلث إلا أن يُجيزوا الورثة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين مات سنة خمس وعشرين ومائة عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، الزهري المدني، ثقة

стр. 1401

كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع ومائة، كما قاله ابن حجر (١) عن سعد بن أبي وقاص ﵁، أحد العشرة المبشرة بالجنة أنه قال: جاءني رسول الله ﷺ عامَ حَجة الوداع يعودني كذا في نسخة: أن يزورني عام حجة الوداع أي: سنة عشر هكذا اتفق عليه أصحاب الزهري، لابن عيينة فقال: في فتح مكة أخرجه الترمذي وغيره، واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه وقد أخرجه البخاري في الفرائض من طريق فقال: بمكة، ولم يذكر الفتح. قال الحافظ: وقد وجدت لابن عيينة مستند عن أحمد والبزار والطبراني والبخاري في التاريخ عنه وابن سعد من حديث عمرو بن الغازي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قدم مكة فخلف سعدًا مريضًا، حيث خرج إلى حنين فلما قدم من الجعرانة معتمرًا أدخل عليه وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله أنا لي مالًا وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي. . . الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله أميت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرًا؟ قال: "إني لأرجو أن يرفعك الله حتى ينتفع بك أقوام. . ." الحديث، فلعل ابن عيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن ذلك وقع له مرتين مرة عام الفتح ولم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، ومرة عام حجة الوداع وكانت له بنت فقط يعودني، أي: يزورني من وجع وهو بالفتح اسم لكل مرض اشتدَ بي، أي: قوي على ما في رواية: أشفيت منه على الموت فقلتُ: يا رسول الله بلغ مني وفي نسخة: بي بدل مني الوجع ما ترى، أي: الغاية من الكثرة والغلبة وطول المدة وأنا ذو مال، أي: كثيرًا؛ لأن التنوين للكثرة وفي رواية قد جاء صريحًا في بعض طرقه ذي مال كثير ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، قال النووي وغيره: معناه: (ق ٧٧٤) لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات؛ لأنه من بني زهرة، وكانوا كثيرًا، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض أو خصها بالذكر على تقدير: ولا يرثني، فمن أخاف عليه الضياع والعجز إلا ابنه أو أظن أنها ترث جميع المال، واستكثرتها نصف التركة. وقال الحافظ: وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة، فإن كان محفوظًا فهو غير عائشة بنت سعد الذي روت الحديث عند البخاري في الوصايا والطب

стр. 1402

وهي تابعية، عمرت حتى أدركها مالك، وروى عنها وماتت سنة سبع عشرة ومائة أفأتصدق بثلثي مالي، بالتثنية والاستفهام للاستخبار، وهكذا رواه الزهري، ومثله في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها، في (الصحيح)، وفيه من رواية سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قلت: يا الله أوصي بمالي كله، وجمع بينهما بأنه سأل أولًا عن الكل ثم عن الثلثين ثم عن النصف ثم عن الثلث، وذكر مجموع في رواية جرير بن يزيد عن أحمد وبكير بن مسمار عن النسائي كلاهما عن عامر بن سعد قال: أي: رسول الله ﷺ : "لا"، قال: أي: سعد فقلت: فبالشطر، بالجزء على ثلثي مالي، أي: إذا تصدق بالنصف قال: "لا"، وفي الصحيح من وجه آخر عن عطف لأمر عين أبيه قال: النصف كثير فقلت فبالثلث؟ ثم أي: بعد أن سأل عن الثلث قال رسول الله ﷺ : "الثلث بالنصب على الإِغراء أو بفعل فصل نحو عين الثلث وبالرفع خبر مبتدأ أي: المشروع والثلث أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: الثلث كاف أو فاعل لفعل مقدر يكفيك الثلث. قال ابن عبد البر (١): هذا الحديث أصل للعلماء في قصر الوصية على الثلث لا أصل لهم غيره والثلث كثير بمثلثة أي: بالنسبة إلى ما دونه ويحتمل أنه مسوق بالنسبة لبيان الجواز بالثلث؛ ولأن الأولى أن ينقص عنه، وهو ما يبتدره الفهم، ويحتمل لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي: كثير أجره، وأن معناه كثير غير قليل أو كبير بالموحدة شك من الراوي أي: عظيم وفيه تنبيه على أن الثلث رخصة دونه مستحبة إنك بالكسر على الاستئناف وبالفتح بتقدير حرف الجر، أي: لأنك إن تَذَر بهمزة والذال المعجمة أي: تترك ورثتَك أي: بنتك المذكورة وأولاد أخيك هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الصحابي وأخوته، فعبر بورثته لتدخل البنت وغيرها ممن يرثه، لو مات إن ذاك أو بعد ذلك أغنياء أي: بما تتركه لهم خيرٌ. قال السيوطي: ضبط بفتح الهمزة على "أن" مصدرية في محل المبتدأ والخبر خير وبكسرها شرطية على تقدير: فهو خير من أن تَذَرهم عالةً أي: فقراء جمع عائل، وفعله عال يعيل إذا اقتضى يتكفَّفُونَ الناس، أي: بفتحتان وتشديد الفاء الأولى أي: يسألونهم بأكفهم يقال: تكفف الناس، واستكف إذا بسط كفه للسؤال أو سأل (ق ٧٧٥) ما يكف

стр. 1403

عنه الجوع، أو سأل كفافًا من الطعام والمعنى يطلبون الصدقة من أكف الناس، وإنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها أي: تريد بالنفقة وجهَ الله تعالى أي: رضاه أو لقاؤه إلا أُجِرْتَ بها بضم الهمزة مبني للمفعول فهو علة للنهي، كأنه قيل: لا تفعل؛ لأنك إن مت تركت ورثتك أغنياء، وإن عشت تصدقت وأنفقت فالأجر حاصل لك في الحالين ونبه بالنفقة على غيرها من وجوه البر والإِحسان حتى ما موصولة أو مصدرية أي: الذي تجعل أي: تضعه في أي: في فم امرأتك"، حقيقة أو حكمًا بأن يكون كفاية عن الإِنفاق عليها فيثاب عليه مع أنه واجب شرعًا وعرفًا وله حظ ونصيب فالاستلذاذ بها فبالأولى إنفاقه على غيرها، وفي رواية في الصحيح: حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، وقول ابن بطال: تجعل بالرفع و"ما" كافة كفت حتى عملها تعقبه في (المصابيح)، بأنه لا معنى للتركيب حينئذ إن تأملت بل هي اسم موصول وحتى عاطفة أي: لا أجرت بتلك النفقة حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك، ولا يرد أن شرطية حتى العاطفة على المجرور إعادة الخافض لابن مالك قيده بأن لا يتعين للعطف نحو عجبت من القدم حتى بينهم قال: أي: سعد قلتُ: يا رسول الله أخلَّفُ بضم الهمزة وفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحة ففاء وهمزة الاستفهامية محذوفة تقديره: أخلف بعد أصحابي، أي: أخلف بصيغة المجهول المتكلم، وليحيى: أخلف، أي: بمكة من أجل مرضي بعد توجهه ﷺ وأصحابه الكرام إلى المدينة وكانوا يكرهون الإِقامة بمكة لكونهم هاجروا فيها وتركوا الله تعالى كذا قاله السيوطي قال أي: النبي ﷺ : "إنك لن تُخلَّف أي: بعد أصحابك فتعمل عملًا صالحًا تبتغي أي: تطلب به وجه الله تعالى أي: رضاه إلا ازددتَ به أي: بذلك العمل الصالح درجة ورفعة، أي: طبقة من الجنة طولها ما بين السماء والأرض ومرتبة عند الله تعالى أراد بذلك التلبية ولعلك أن تُخْلِفَ أي: بأن يطول عمرك يريد أن في خبر لعل تشبيهًا لها تعني كما تحذفونها من خبر عسى تشبيهًا لها بلعل حتى ينتفع بك أقوامٌ أي: المسلمون بالغنائم بما يستفتح الله على يديك من بلاد الكفر ويُضَرَّ بك آخرون، أي: وهم المشركون الهالكون على يدك وحيدك، وفيه تنبيه على أن الصبر على ما تكره النفس فيه خير كثير كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، وأن الرضا بالقضاء بأن الله الأعظم، والله سبحانه أعلم. ثم انتقل النبي ﷺ من حال التفرقة مع الخلق إلى مقام الجمع بالحق فقال: اللهم

стр. 1404

امض بهمزة مقطوعة من الإِمضاء، وهو إنفاذ أي: أتمم لأصحابي هجرتهم أي: أقبل وأكمل ثواب الهجرة التي هاجروها من مكة إلى المدينة ولا تردّهم على أعقابهم، أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم. قال ابن عبد البر: ففيه سد الذريعة لأن قوله ذلك؛ لئلا يتذرع بالمرض أحد لأجل (ق ٧٧٦) أحب الوطن لكن البائس بموحدة وهمزة وسين مهملة، الذي عليه أثر البؤس أي: شدة الفقر والحاجة سعد بن خولة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ولام وتاء تأنيث، القرشي العامري وقيل: من خلفائهم وقيل: مواليهم، وقيل: هو فارسي من اليمن حالف بني عامر وشهد بدرًا، وقال في بعضهم: اسمه خولي بكسر اللام وتشديد التحتية واتفقوا على أنه بسكون الواو يرثى بفتح التحتية وسكون الراء المهملة وكسر المثلثة فتحتية أي: يتحزن عليه ويتوجع له أي: لأجله سعد بن خولة رسول الله ﷺ أن مات بمكة" بفتح الهمزة ولا يصح كسرها، لأنها شرطية لما يستقبل، وهو كان قد مات سعد بن خولة في حجة الوداع، كما في (الصحيحين). قال السيوطي: قوله: لكن البائس سعد بن خولة آخر كلام النبي ﷺ ، وقوله: يرثي له إلى آخره مدرج من كلام الراوي تفسير المعنى هذا الكلام، أو أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهاه وتوجع عليه لكونه مات بمكة انتهى. قال ابن عبد البر (١): زعم أهل الحديث أن قوله: يرثي. . . إلى آخره من كلام الزهري. قال الحافظ (٢): وكأنهم استندوا إلى ما رواه أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، فإنه فصل ذلك لكن عند البخاري في الدعوات عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد البائس سعد بن خولة قال سعد: يرثي له إلى آخره فهذا صريح في وصله، فلا ينبغي الجزم بإدراجه. وزاد البخاري في الطب عن عائشة بنت سعد عن أبيها: ثم وضع يده على جبهتي ثم مسح وجهي وبطني ثم قال: "اللهم اشفه وأتمم له هجرته" فما زلت أجد بردها ولمسلم: قلت: فادع الله يشفيني، قال: "اللهم سعد" ثلاث مرات، وفي الحديث استحباب زيارة المريض من الإِمام فمن دونه، ويتأكد باشتداد المرض ووضع اليد على جبهته، ومسح وجهه فالعضو الذي يألمه والفسح له بطول العمر، وجواز إخبار

стр. 1405

المريض بشدة مرضه وقوة ألمه إذا لم يقرن بذلك شيء مما يمنع أو يكره من التبرم وعدم الرضى بل لطلب دعاء أو دواء، وربما استحب وأن ذلك لا ينافي في الاتصاف بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك أثنى المريض كان الإِخبار بعد البرء أجوز وأن أعمال البر والطاعة إذا كان منهما ما لا يمكن استداركه قام غيره في الثواب والأجر مقامه. قال محمد: الوصايا جائزة في ثلث مال الميت بعد قضاء دينه، لأن قضاء الدين من فروض العين وليس له أي: للميت أن يوصي بأكثر منه أي: من الثلث، وإن أوصى بأكثر من ذلك أي: الثلث فأجازته الورثة بعد موته فهو أي: الإِيصاء بأكثر منه جائز، وفيه تنبيه على أن إجازتهم قبل موته غير معتبرة لعدم تعلق حق لهم بماله وليس لهم أي: للورثة أن يرجعوا بعد إجازتهم، أي: الواقعة بعد موته وإن ردّوا أي: وصيته رجع ذلك إلى الثلث، أي: وبطل الزائد عليه لا أصله لأن النبي ﷺ قال: "الثلث، أي: عين الثلث والثلث كثير"، (ق ٧٧٧) فلا يجوز لأحد وصية مرفوعة لأنها فاعل يجوز بأكثر من الثلث إلا أن يُجيزوا الورثة، وهو أي: جواز الوصية بأكثر من الثلث بإجازتهم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ خطب فقال: "الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (١). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه النسائي عن عمرو بن خارجة مرفوعًا، فلا أوصي لوارث، فأجازوا أي: الورثة جاز وإلا فلا وإن اجتمع الوصايا وضاق عنها الثلث قوم الفرض وإن أخره الوصي عن غيره؛ لأنه أهم فإن تساوت قُوَّة قَدَّم مَا قَدَّمَه الموصي؛ لأن الظاهر من حال الإِنسان أن يبدأ بما هو أهم عنده والله أعلم. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالوصية، شرع في بيان ما يتعلق اليمين والنذر، فقال: هذا * * * باب الأيمان والنذور وأدنى ما يجزئ في كفارة اليمين في بيان أحكام الأيمان، بفتح الهمزة وسكون التحتية فألف ونون جمع يمين، وهو
следующие страницы →