← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال القاضي عياض: ويحتمل أن عائشة وأم سلمة، كلتاهما أنكرتا عليه، فأجاب النبي ﷺ بما أجابها، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا: أم سلمة لا عائشة. قال ابن حجر (١): وهو جمع حسن، لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبي ﷺ في مجلس واحد. انتهى. وفيه: أنه لا يبعد اجتماعهما، ولكن يستغرب إنكارهما معًا في واحد، نعم لو فرض أن السائلة غير أم سلمة، فربما يحمل على واقعتين، والله أعلم بحقيقة الحالتين. قالت: أي: الراوية، فالتَفتَ أي: رسول الله ﷺ ، إليها، أي: إلى عائشة ﵂، فقال: تَرِبَتْ بكسر الراء؛ أي: افتقرت يمينُك، أي: بذلك، والذي عليه المحققون أنها كلمة أصلها: افتقرت، ولكن العرب: اعتادت استعمال مبناها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي، فتذكرون: "تربت يداك"، وقاتله الله، ما أشجعه، ولا أم له، ولا أب لك، وقتلته أمه، وويل أمه، وغير ذلك من ألفاظهم عند إنكار الشيء، أو الزجر عنه، والزم عليه، واستعطافه والحث عليه والإِعجاب به. وقال السيوطي (٢): أي: افتقرت بذلك من العلم، والمعنى: إذا جهلت مثل هذا، فقد قل حظك من العلم. ومِنْ أين يكون الشِّبْهُ، بفتحتين، أو بكسر وسكون، يريد شبه الابن لأحد أبويه، أو لأقاربه، والمعنى أن للمرأة ماء تدفعه عند اللذة الكبرى، كما للرجل ماء يدفعه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، خرج الولد شبه عمومته، وإذا سبق ماء المرأة، خرج الولد شبه خؤولته، ذكره السيوطي، والأظهر ما ذكره بعضهم: من أن السبق يوجب كون الولد من جنس صاحبه، وإن كثرته يوجب شبهه. وروى يحيى في (موطئه) لمالك: عن هشام بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، زوج النبي ﷺ أنها قالت: جاءت أم سليم، امرأة أبي طلحة الأنصاري إلى

стр. 177

رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي (ق ٨٣) من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: "نعم، إذا رأت الماء" (١). رواه البخاري (٢) من طريق آخر: عن هشام بن عروة، فغطت وجهها، قالت: يا رسول الله، أو تحتلم المرأة؟ قال: "نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟ ". ولأحمد: قالت: وهل للمرأة ماء؟ قال: "هن شقائق الرجال"، أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق. ذكره الرافعي. قوله: إن الله لا يستحيي من الحق، أي: لا يأمر أن نستحي من الحق، ولا يمتنع من ذكره امتناع المستحيي أو لا يتركه، فإن من يستحي من الشيء تركه. والمعنى: أن الحياء لا ينبغي أن يمنع من طلب الحق. فإن قيل: إنما يحتاج إلى تأويل الحياء في حق الله تعالى، إذا كان الكلام مثبتًا في حديث: "إن الله حييٌ كريم" (٣). فأما في النفي فالمستحيلات على الله تُنفى، ولا يشترط في النفي أن يكون النفي ممكنًا. فالجواب: على تقدير تسليم ذلك إنه لم يرد النفي على الاستحياء مطلقًا؛ بل ورد على الاستحياء من الحق، وبطريق المفهوم يقتضي أنه ليستحي من غير الحق، فيعود بطريق المفهوم إلى الإِثبات، كذا حققه السيوطي (٤).

стр. 178

وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وأنت بهذا شاهد، على تعيين السؤال المحقق. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نقول ونحكم بأن النساء يحتلمن كالرجال، وهو أي: هذا القول، قولُ أبي حنيفة، وسائر العلماء. وقال ابن عبد البر (١): في هذا الحديث دليل على أنه ليس كل النساء يحتلمن، وإلا لما أنكرت عائشة وأم سلمة ذلك. قال: وقد يوجد عدم الاحتلام في بعض الرجال، إلا أن ذلك في النساء أوجد وأكثر عكس ذلك. قال ابن بطال (٢): فقال فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن. قال الحافظ (٣): والظاهر أن مراده الجواز، لا الوقوع؛ أي: فيهن قابلة ذلك. قال السيوطي (٤): وأيُّ مانع يكون ذلك خصوصية لأزواجه ﷺ أنهن لا يحتلمن، كما أن من خصائص الأنبياء أنهم لا يحتلمون؛ لأنه من الشيطان، فلم يسلط عليهم، وكذا على أزواجه ﷺ تكرمًا له. قلت: المانع من ذلك أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وهو كغيره، ولم يثبت ذلك للأنبياء ﵈ بالدليل. قال الحافظ ولي الدين العراقي: بحث بعض أصحابنا في الدرس فمنع وقوعه من أزواجه ﷺ ؛ بأنهن لا يطعن غيره لا يقظة ولا منامًا والشيطان لا يتمثل به. وفيه نظر؛ لأنهن قد يحتلمن من غير رؤية، كما يقع لكثير من الناس، ويكون سبب ذلك شبعًا وغيره. والذي منعه بعض الفقهاء، هو وقوع الاحتلام من الأنبياء ﵈، كما قاله الزرقاني (٥).

стр. 179

ولما فرغ مما يعرض للنساء في منامهن، مما يوجب الغسل، وهو الاحتلام، شرع في بيان حكم ما يعرض لهم ما يوجب الغسل، وهو دم الاستحاضة، فقال: هذا * * * باب المستحاضة في بيان أحكام المستحاضة، وهو يحتمل أن يكون وصفًا، أو يكون مصدرًا ميميًا، والاستحاضة دم يرى في أقل من المدة، وما زال عليها وعلى عادتها. ٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن سليمان بن يَسَار، عن أمِّ سلمةَ زوج النبي ﷺ ، أن امرأةً كانت تُهرَاقُ الدَّمَ على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفْتَتْ لها أمُّ سلمة رسول الله ﷺ ، فقالَ: "لتَنْظُر الليَالي والأيام التي كانت تَحيضُ من الشهر قبل أن يُصيبها الذي أصابَها، فَلْتَتْرُك الصلاةَ قدرَ ذلك من الشَهر، فإذا خَلَّفَتْ ذلك فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بثوب فَلْتُصَلِّ". قال محمد: وبهذا نأخُذُ، وتَتَوضأ لِوَقْتِ كل صلاةِ، وتصلي إلى الوقت الآخر، وإن سال دمُها، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد: ثنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، أي: قال مالك: حدثنا نافع، عن سليمان بن يَسَار، عن أمِّ سلمةَ زوج النبي ﷺ ، أن امرأةً، قال أيوب (ق ٨٥) السختياني: هي فاطمة بنت أبي حبيش، بالتصغير، قال الشيخ ولي الدين العراقي: اللاتي استحضن على عهد

стр. 180

رسول الله ﷺ تسع: فاطمة هذه، وأم حبيبة وأختها حمنة، وأختها زينب أم المؤمنين إن صح، وسهلة بنت سهل، وسودة أم المؤمنين، وأسماء بنت مرشد الحارثية، وزينب بنت أبي سلمة، وباوية بنت غيلان الثقفية. انتهى. وتعقب ابن حجر في (شرح البخاري) بأن زينب بنت أبي سلمة كانت صغيرة في زمنه ﷺ ؛ لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة، وهي ترضع، ثم عد منها ابن حجر: أسماء بنت عميس، وقال: رواه الدارقطني. كانت تُهَرَاقُ أي: تُصاب، وهو مضارع مجهول، الدَّمَ، تمييز وإن كان معرفة وله نظائر، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: تهراق: وهي دماءه ويجوز الرفع، أي: تهراق دمها، على العوض عن المضاف إليه، يعني: صارت مستحاضة، كما نقله علي القاري، عن السيوطي. على عهد رسول الله ﷺ ، أي: في زمانه، فاستفْتَتْ لها أمُّ سلمة ﵂، أي: سألت وطلبت أم سلمة لأجل امرأة، هي: فاطمة بنت أبي حبيش الفتوى من رسول الله ﷺ ، كذا في هذه الرواية، وفي حديث عائشة السابق أن السائلة هي: فاطمة، ولأبي داود عن عروة - كذلك - عن فاطمة نفسها، أنها قالت: سألتُ رسول الله ﷺ . وفي حديث آخر: أن أسماء بنت عميس سألت لها. قال الحافظ ولي الدين العراقي: ولعل الجمع بينها أن فاطمة سألت كلًا من أم سلمة وأسماء، تسألهما، فسألتا مجتمعتين، أو سألت كل واحدة منهما مع عدم علمها بسؤال الأخرى. فقالَ: أي: رسول الله ﷺ ، "لتَنْظُرِ أي: لتتأمل ولتقدر إلى عدد الليَالي والأيام التي كانت تَحِيضُ من الشهر أي: جنسه على حسب عادتها، قبل أن يُصيبها، أي: قبل إصابة الاستحَاضة الذي أصابَها، أي: الآن، فَلْتَترُكِ الصلاةَ وكذا الصوم قدرَ ذلك، بكسر الكاف، أي قدر عادة حيضها من الشهر، من لياليه وأيامه، فإذا خَلَّفَتْ بفتح الخاء واللام المشددة المفتوحة، والفاء المخففة، والتاء الساكنة، أي: جاوزت ذلك أي: قدر العادة، ودخلت في أيام الاستحاضة فَلتَغْتَسِلْ، أي: لانقطاع حيضها، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بكسر لام الأمر، وفتح التاء الفوقية، وسكون السين المهملة، وفتح التاء الفوقية، وسكون التاء المثلثة الساكنة، وكسر الفاء والراء الساكنة، لتشد فرجها بثوب أي: بخرقة عريضة بعد أن تحتشي

стр. 181

قطنًا، وتوثق طرفي الخرقة في شيء تشده على وسطها، فيمنع بذلك سيلان الدم فَلْتُصَلِّ، أي: بعذرها. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نفتي، وتَتَوضأ أي: المستحاضة إذا كانت صاحبة عذر، لِوَقْتِ كل صلاةِ، أي: تتوضأ لكل صلاة، وفي نسخة: لكل وقت صلاة، وفي نسخة غير مصححة: لكل صلاة، وتصلي بهذا الوضوء إلى الوقت الآخر، بمد الهمزة، يعني: تصلي بوضوءها في الوقت ما شاءت من الفرائض أداءً وقضاءً، ومن النوافل والواجبات، كالوتر وصلاة الطواف، فيبطل وضوءها بخروج (ق ٨٦) الوقت، فقط عند: أبي حنيفة، ومحمد، وعند زفر بدخوله فقط. وقال أبو يوسف: بهما وإن وصلية، سأل أبي: وإن سال دمُها، واستمر سيلانها، وهو أي: القول بأن تصلي المستحاضة بالوضوء الواحد في الوقت فقط، قول لأبي حنيفة ﵀. وقال المصنف في (الآثار) (١): إنها تتوضأ لكل وقت صلاة، وتصلي في الوقت الآخر، وهو قولُ لأبي حنيفة. * * * ٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُميٌ مولَى أبي بكر بن عبد الرحمن، أن الْقَعْقَاعَ بن حَكيم وزيد بن أسْلَم أرسلاه إلى سعيد بن المسَّيب؛ يسألُه عن المُسْتَحَاضَة، كيف تغتسلُ؟ فقال سعيدٌ: تَغْتَسِلُ من طهر إلى طهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غَلَبَها الدم اسْتَثْفَرَتْ بثوب. قال محمد: تغتسلُ إذا مضتْ أيامُ أقرائِها، ثم تتوضأ لكل صلاةٍ، وتصلي حتى تأتِيها أيامُ أقرائِهَا، فتدعُ الصلاةَ، فإذا مضتْ اغتسلتْ غُسْلًا

стр. 182

واحدًا، ثم توضأتْ لكل وقتِ صلاةِ، وصلتْ حتى يدخلَ الوقتُ الآخر ما دامت ترى الدمَ. وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. • أخبرنا وفي نسخة: محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، وفي نسخة: قال ثنا، سُميٌ (١) بلفظ التصغير، مولَى أبي بكر بن عبد الرحمن، أي: ابن الحارث بن هشام، ثقة، روى له الجميع، مات مقتولًا بقديد سنة ثلاثين ومائة، أن الْقَعْقَاعَ (٢) بقافين بينهما عين مهملة ساكنة ثم ألف فعين، ابن حَكيم الكتاني المدني، تابعي وثقه أحمد ويحيى وغيرهما، روى له مسلم، وزيد بن أسْلَم: مدني من أكابر التابعين، مولى عمر بن الخطاب ﵁، روى عنه الثوري، ومالك، وابن عيينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، أرسلاه، أي: سُمَيًّا إلى سعيد بن المسَّيب؛ وهو من سادات التابعين، يسأْلُه جملة حالية أو استئنافية، عن المُسْتَحَاضَة، وهي ذات دم نقص أو زاد على أكثره، أو أكثر النفاس، أو زاد على عادتها في أقلهما، وتجاوز أكثرهما والحبلى التي لم تبلغ تسع سنين، كذا قاله في (مراقي الفلاح) (٣). كيف تغتسلُ؟ أي: امرأة ذات دم استحاضة، وكلمة "كيف" ظرف منصوبة محلها بما بعدها على الحال لفظ "تغتسل" معلق بها، وهي وما بعدها بدل من المستحاضة بدل اشتمال، والمعنى: أن القعقاع وزيد بن أسلم أرسلا سميًا سائلًا عن كيفية غسل المستحاضة، فقال سعيدٌ: تَغْتَسِلُ أي: امرأة ذات دم استحاضة من طهر، عند وقت انقطاع الحيض، إلى طهر، أي: انتهاء الطهر، وهو وقت ابتداء سيلان دم الحيض الثاني، وهو بطاء مهملة فيهما، وقيل: بطاء معجمة، وهو تصحيف (٤)، وتتوضأ لكل صلاة، أي:

стр. 183

وقت كل صلاة، فإن غَلَبَها الدم اسْتَثْفَرَتْ بكسر الهمزة والسين المهملة الساكنة، ثم تاء فوقية مفتوحة، ثم تاء مثلثة ساكنة وفاء مفتوحة وراء وتاء تأنيث، أى: تشد فرجها بثوب، كذا في نسخة. وفي رواية أبي داود، عن القعنبي عن مالك، بلفظ: استذفرت بثوب، بذال المعجمة بدل المثلثة، فقيل: إنه مثل الاستثفار، قلبت الثاء ذالًا، وهو الثفر والذفر، وقيل: معناه: فلتستعمل طيبًا، يزيل به هذا الشيء عنها. والزفر: بفتح المعجمة والفاء، كل رائحة زكية من طيب أو نتن، وسمى الثوب طيبًا؛ لقيامه مقامه في إزالة الرائحة. وإن رُوي بالدال المهملة فمعناه: تدفع عن نفسها الذفر بإسكان الفاء وهو الرائحة الكريهة؛ فإن قيل: سئل سعيد بن المسيب عن كيفية اغتسال المستحاضة، فأجاب: بذكر وقته، قلت: وقت من جملة صفاته، وهيئاته، وكيفية اغتسال غيرها، وإنما يخالف غيرها في الوقت. فأجاب: بذكر ما خالفه فيه غيرها، وأنه فهم من السائل استبعاد اغتسالها مع جريان الدم منها. فأجابه: بأن جريان الدم منها، لا يمنع من اغتسالها في وقته، وهو وقت انقطاع الدم، كما قاله الزرقاني (١). قال محمد: تغتسلُ إذا مضتْ أيامُ (ق ٨٧) أقرائِها، بفتح الهمزة جمع قرء، وهو الحيض، ثم توضأ لكل صلاةٍ، أي: في وقت كل صلاة، فاللام للوقت كما في سورة أسرى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ودلوكها يعني: زوالها، وتصلي،

стр. 184

أي: يدخل الوقت الآخر، ما دامت ترِى الدم، ويستمر على ذلك حتى يأتيها أيام أقرائها، أي: زمان عادتها، فتدعُ الصلاةَ، أي: فتتركها، فإذا مضتْ أي: أيام عادتها، اغتسلتْ غُسْلًا واحدًا، أي: لانقطاع حيضها، ثم توضأتْ لكل وقتِ صلاةِ، وصلتْ حتى يدخلَ الوقتُ الآخر ما دامت ترى الدمَ. أي: مستمرًا وهي على عذرها، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀ والعامة من فقهائنا. * * * ٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: ليس على المُسْتَحَاضة أن تَغْتَسل؛ إلا غُسْلًا واحدًا، ثم تتوضأ بعد ذلك للصلاة. • أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة ثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عُروة، بن الزبير بن العوام، قال: ليس على المُسْتَحَاضة أن تَغْتَسل؛ إلا غُسْلًا واحدًا، واستثنى علماؤنا من ذلك: المتحيرة التي نسيت أيام عادتها، ثم تتوضأ بعد ذلك أي: غسل الواحد لكل صلاة، وفي نسخة: للصلاة، أي: وقت كل صلاة. وفي شرح (مختصر الطحاوي) (١): روى أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "توضئي لكل وقت صلاة"، ولا شك أن هذا محكم بالنسبة إلى كل صلاة، لأنه لا يحتمل غيره. واختلفوا في المستحاضة: فقال أبو حنيفة: ترد إلى عادتها؛ وإن كان لها عادة وإلا فتمكث أقل الحيض وهو ثلاثة أيام، إلا إذا كانت مبتدأة، وجاوز دمها أكثر الحيض، فتمكث أكثر الحيض، وهو عشرة أيام، ثم وطئ المستحاضة جاز عند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وتصلي وتصوم إجماعًا.

стр. 185

وقال أحمد: لا يجوز وطء المستحاضة في الفرج، إلا أن يخاف زوجها أو سيدها العينة، وهو الزنا، فيجوز في أصح الروايتين، كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان أحكام المرأة الحائض، فقال: هذا * * * باب المرأة ترى الصفرة أو الكدرة بيان أحكام المرأة ترى اللون الصفرة في الدم، والكدرة بضم أولهما لكن الكدرة، لون من البياض والصفرة. ٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا علقمة بن أبي علقمة، عن أمه؛ مولاةِ عائشةَ زوج النبيِّ ﷺ أنها قالت: كان النساءُ يَبْعَثْنَ إلى عائشة بالدُّرْجَة فيها الكَرْسُفُ، فيه الصُّفْرَةُ من الْحَيْضَةِ، فتقولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، تريد بذلك من الْحَيْضَة. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا تطهُرُ المرأةُ ما دامت تَرَى حُمْرَةً أو صُفرةً أو كُدْرَةً، حتى تَرَى البياضَ خالصًا، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة، قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد، علقمة بن أبي علقمة، واسمه: بلال المدني، ثقة، علامة، روى له الجميع، مات سنة بضع وثلاثين ومائة (١)، عن أمه؛ واسمها: مرجانة، مولاةِ عائشةَ زوج النبيَّ ﷺ (٢) أنها أي: أم علقمة قالت: كان النساءُ يَبْعَثْنَ، أي: يرسلن في أواخر أوقات حيضهن، إلى عائشة أم المؤمنين، ﵂، بالدُّرْجَةِ بضم الدال المهملة فسكون الراء المهملة، وفتح الجيم والتاء حتى

стр. 186

تضع المرأة فيها طيبها ونحوه، والحفة: بضم: وعاء من خشب جمعها حف، وحفف، فيها، أي: في داخلها الكَرْسُفُ بضم الكاف، وسكون الراء المهملة والسين الساكنة، ثم الفاء، قطن فيه أي: الكرسف لون الصُّفْرَةُ الحاصلة من دم الْحَيْضَةِ، ويراد بالكرسف ما تحتشي وتضع به المرأة في فرجها من قطنة وغيرها؛ لتعرف هل بقي من أثر (ق ٨٨) دم الحيض شيء أم لا، فتقولُ: أي: عائشة ﵂، وإنما عبر أم علقمة عن الماضي بالمضارع بقولها: فتقولُ إحضارًا في قلوب المخاطبين هذا الحكم: لا تَعْجَلْنَ بالفوقية، أو التحتية، جمع المؤنث خطابًا أو غيبة كما في (الكواكب)، أو خطابًا لكلهن على حد قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وجمع تعظيمًا لكل واحدة منهن، حتى تَرَيْنَ أي: تبصرن أو تعرفن، قوله: حتى ترين غاية لقولها: لا تعجلن باعتبار معناه، وهو أمهلن، أو غاية لمحذوف، بل أمهلهن بالاغتسال والصلاة، حتى ترين القَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة: شيء يشبه المخاط، يخرج انتهاء الحيض، وقيل: هي كالخيط الأبيض يخرج من قبل المرأة، عقيب انقطاع الدم، ويدفعها الرحم عند انقطاع الحيض. يُعرف بها أنها طهرت، تريد عائشة ﵂ بذلك، أي: برؤية القصة الطهر من الْحَيْضَة. قال مالك: سألتُ النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهن يرينه عند الطهر. قال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا تطهُرُ المرأةُ ما دامت تَرَى حُمْرَةً أو صُفرةً أو كُدْرَةً، أي: وسائر الألوان، فإنها حيض. كما في نسخة: حتى تَرَى البياضَ خالصًا، أي: نقيًا وهو أي: التربص والانتظار إلى وقت البياض الخالص عن الكدرة، قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى. فإن قيل: ما الحكمة في غسل جميع البدن في الجنابة، دون البول؟ أنجس من المني، ودم الحيض والنفاس؟ الجواب: لأن جميع الأعضاء غفلت في تلك اللذة، من الله تعالى باستغراقها في الشهوة، فوجب غسل جميعها. وقيل: لما وجد لذة التمتع كل عضو فوجب غسلها شكرًا لنعمة التمتع. وقيل: تحت كل شعرة جنابة، إشارة إلى أن تحت كل نعمة شدة.

стр. 187

وقيل: في الاغتسال منافع دينية، منها: مخالفة الكفار، فإنهم لا يغسلون، وإزالة الدنس والأبخرة الرديئة النفسانية التي تورث بعض الأمراض، وتسكين حرارة شهوة الطبيعة. وقيل: لما كان التمتع على وفاق النفس وجب الاغتسال على مخالفتها. وقال الشيخ النيسابوري في كتاب (اللطائف): فوائد الطهارة عشرة: طهارة الفؤاد صرفه عما سوى الله تعالى، وطهارة السِّر وهو رواية المشاهدة، وطهارة البطن وهو أكل الحلال، والعفة عن أكل الشبهات، وطهارة البدن، وهو ترك الشهوات وإزالة الأدناس، وطهارة اليدين وهو الورع والاجتهاد، وطهارة اللسان، وهو الذِكر والاستغفار، كما في (خواتم الحكم) (١). * * * ٨٦ - أخبرنا مالك أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمَّتِهِ، عن ابنة زيد بن ثابت، أنه بَلَغَهَا أنَّ نساءً كُنَّ يَدْعُونَ بالمصابيح من جوف الليل، فَينْظُرْنَ الطُّهرَ، فكانت تَعِيبُ ذلك عليهن، وتقول: ما كان النساءُ يصنعن هذا. • أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد، عبد الله بن أبي بكر، ابن عمرو بن حزم الأنصاري، أحد أعلام المدينة، تابعي، روى عن: أنس بن مالك، وعروة بن الزبير بن العوام، وعنه: الزهري، والثوري، وابن عيينة، كان كثير الحديث. قال أحمد: حديثه تراق، مات سنة خمس وثلاثين (٢).

стр. 188

عن عَمَّتِهِ، (ق ٨٩) قال ابن الحَذَّاء: هي عمرة بنت حزم، عمة جد عبد الله بن أبي بكر، وقيل لها عمته مجازًا. وتعقبه الحافظ: بأن عمرة صحابية قديمة، روى عنها جابر الصحابي، ففي روايتها عن ابنة زيد بن ثابت بعد، فإن كانت ثابتة لوقوع رواية الأكابر عن الأصاغر؛ فرواية عبد الله عنها منقطعة؛ لأنه لا يدركها، ويحتمل أن المراد عمته الحقيقية، وهي أم عمرو أو أم كلثوم. انتهى. عن ابنة زيد بن ثابت، قال الحافظ (١): ذكروا لزيد بن ثابت من البنات: حسنة، وعروة، وأم كلثوم، وغيرهن، ولم أجد لواحدة منهن رواية، إلا أم كلثوم، وكانت زوج سالم بن عبد الله بن عمر، وكأنها هي المبهمة هنا، وزعم بعض الشراح أنها أم سعد. قال: لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة. أنه أي: الشأن بَلَغَهَا أي: وصل إليها ونُقِلَ إليها أنَّ نساءً، أي: جمعًا منهن كُنَّ يَدْعُونَ بالمصابيح، أي: يطئن السرج من جوف الليل، فَينْظُرْنَ إلى ما يدل على الطُّهر، أي: ما يدل على طهرهن من الكرسف، فكانت أي: ابنة زيد تَعِيبُ ذلك عليهن، بكسر الكاف، أي: فعلهن هذا، وتقول: أي: ابنة زيد: ما كان النساءُ أي: نساء الصحابة، فاللام للعهد، كما في (الفتح) (٢) يصنعن هذا، وإنما عابت عليهن ما لا يلزم، وإنما يلزم النظر إلى الطهر إذا أردن النون أو إذا قمن لصلاة الصبح، قاله مالك في (المبسوط) (٣)، وذكره الباجي من علماء المالكية، وقال ابن بطال وغيره: لأن ذلك يقتضي الحرج. كما قاله الزرقاني (٤) وعلي القاري، ولعل إنكارها عليهن دفعًا للوسواس عنهن، وإلا فلا شك أنه يجب عليهن البحث عن حالهن، لترتب وجوب صلاتهن وصيامهن، وجواز جماعهن، وغير ذلك من أحوالهن. لما فرغ من بيان أحوال المرأة الحائض، شرع في بيان بعض أحكامها، فقال: هذا * * *

стр. 189

باب المرأة تغسل بعض أعضاء الرجل وهي حائض بيان أحكام أحوال المرأة؛ التي تغسل بعض أجزاء الرجل، وهي حائض، ولا يجوز إدخال التاء في آخره؛ لأن الحيض من الصفة الثابتة لا الحادثة كما لا يجوز إدخالها في آخر حامل، ومرضع، وطالق. وللبصريين في نحو ذلك مذهبان: مذهب الخليل: أن التاء بمعنى النسب كلابن وتامر، بمعنى ذي لبن، وذي تمر، فيكون معناها: ذات حيض، وذات حمل، وذات إرضاع، وذات طلاق. ومذهب سيبويه: أنه يؤل بإنسان أو شيء حائض أو حامل وكذا في (البواقي)، وأما إذا أريد الصفة الحادثة، يجوز إدخال التاء؛ بأن يقول: امرأة حائضة الآن وغدًا، كما نقله صاحب (الفرائد) عن (غاية البيان). ٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان تَغْسِلُ جَوَارِيهِ رِجْلَيْهِ ويُعْطينَه الْخُمْرَةَ، وهنَّ حُيَّضٌ. قال محمد: لا بأس بذلك. وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد نافع، أن ابن عمر، ﵄ كان تَغْسِلُ جَوَارِيه بسكون الياء التحتية جمع جارية، وهي أمه أو بنته رِجْلَيْهِ أي: حال الوضوء، أو غيره، ويُعْطينَه الْخُمْرَةَ، بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم، وهي سجادة صغيرة منسوجة من سعف النخل وهي مأخوذة من الخمر، يعني التغطية؛ لأنها تغطي جبهة المصلي من الأرض، هذا حاصل ما في (الضياء)، وفي (ق ٩٠) (النهاية) (١): مقدار ما يضع الرجل وجهه عليه في سجوده، من الحصير، أو نسجة خوض ونحوه، من نبات الخوض، بضم الخاء والضاد المعجمتين بينهما، واو ورق النخل جمع خوضة، ولا يكون الخمرة إلا في هذا المقدار، وسميت

стр. 190

خمرة لأن خيوطها مستورة لسعتها، وهُنَّ أي والحال أن الجواري حُيَّض بضم الحاء، وفتح الياء المشددة جمع حائض. قال محمد: لا بأس أي: لا حرج بذلك؛ أي: في غسل المرأة الحائض بعض أعضاء الرجل، وهو أي: ما قاله من عدم الحرج بغسلها به، قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، والباقي من الكلام سبق عليه. * * * ٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنت أرَجِّلُ رأسَ رسول الله ﷺ ، وأنا حائضٌ. قال محمد: لا بأسَ بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد، أخبرنا مالك، وفي نسخة قال: أخبرني، بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى حدثنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، أي: عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة، أي: زوج النبي ﷺ كما في (الموطأ) لمالك، قالت: كنت أرَجِّلُ بضم الهمزة، وفتح الراء، وتشديد الجيم المكسورة واللام، أي: أُمَشِّط شعر رسول الله ﷺ . وإسناد الترجل إلى رأسه ﷺ مجاز من قبيل إطلاق المحل على الحال القصد المبالغة في تنظيفه، وأنا حائضٌ، جملة حالية وهذه مناسبة للترجمة. قال محمد بن الحسن الشيباني: لا بأسَ بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا، ففيه دلالة على طهارة بدن الحائض، وألحق عروة بها الجنب، والحق أيضًا الخدمة بالترجيل.

стр. 191

كما في البخاري عنه: قال ابن عبد البر (١): في ترجيله ﷺ لشعره، وأخذه من شاربه، ونحو ذلك دليل على أنه: خلاف النظافة وحسن الهيئة في اللباس، والزينة، ليس من الشريعة، كما قاله العلامة الزرقاني (٢). لما فرغ من بيان جواز غسل المرأة الحائض، بعض أعضاء الرجل الطاهر، شرع في بيان جواز استعمال سؤر المرأة الجنب والحائض، فقال: هذا * * * باب الرجل يغتسل ويتوضأ بسؤر المرأة ٨٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: لا بأس بأن يغتسلَ الرجلُ بفضْل وَضوء المرأةِ ما لم تكن جُنُبًا أو حائضًا. قال محمد: لا بأس بفضْلِ وَضوء المرأة وغُسْلِها وسُؤرِها، وإن كانت جُنُبًا أو حائضًا. بلَغَنَا: أن النبي ﷺ كان يغتسل هو وعائشةَ من إناء واحِدٍ، يَتَنَازَعَانِ الغُسْل جميعًا، فهذا أفْضَلُ غُسل المرأةِ الجُنُب، وهو قولُ أبي حنيفة. بيان حال الرجل يجوز أن يغتسل، ويتوضأ بسؤر المرأة: كلمة "أو" للتفريع، أو بمعنى الواو، وجمع بينهما ليكون نصًا على اتحاد حكمهما، إلا أن الغسل أنفع، للتقرب إلى الله تعالى، والسؤر: بضم السين المهملة، وسكون الهمزة، بعدها راء مهملة ماء أبقاه الحيوان بعد شربه، ولاسم بقية الطعام، وبقية ماء الوضوء: بفتح الواو وهو ما يتوضأ به، فيجوز الغسل والوضوء والشرب بسؤر المرأة مطلقًا، سواء صغيرة أو كبيرة، أو مسلمة أو كافرة أو طاهرة أو حائضًا أو نفساء؛ لأن سؤر الآدمي طاهر في نفسه مطهر غيره، بلا كراهة في استعماله بالاتفاق؛ لأن لعابهم متولدة من لحم طاهر، فيكون المخلوط به مثله،

стр. 192

ولا يؤكل لحمه لكرامته لا لخبثه، كما استتبعناه في (سلم الفلاح) شرح مذنب (نور الإِيضاح). • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد ثنا مالك، حدثنا، وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى: حدثنا نافع، عن ابن عمر، ﵄، قال: لا بأس أي: لا كراهة بأن يغتسلَ الرجلُ بفضْل وَضوء المرأةِ ما لم تكن جُنُبًا أو حائضًا، أي: أجنبية. ذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى الجواز بلا كراهة، وعليه فقهاء (ق ٩١) الأمصار، إلا أن ابن حنبل فكرهه إذا خلت به، لعله أراد بفضل وضوء المرأة بقية ماء شربته المرأة الأجنبية، فأبقت ماء ثم توضأت منه، فأبقت ماء فيجوز وضوء رجل أجنبي منه مع الكراهة؛ لأنه استعمل بجزء من أجزاء الأجنبية وهو ريقها المختلط بالماء، وهذا منقول عن التمرتاشي في (منح الغفار) عن (المجتبى) من أنه قال: لا يجوز شرب سؤر المرأة الأجنبية للرجل، والعكس أنه يصير مستعملًا بجزء من أجزاء الأجنبية، وهو ريقها المختلط بالماء. وحجة الجمهور: ما صح عن عائشة ﵂، أنها قالت: كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، من الجنابة (١)، كما تقدم، وفعله ﷺ مع ميمونة ﵂، وغيرها من أزواجه. قال ابن عبد البر (٢): والآثار في معناه متواترة. قال محمد: لا بأس أي: لا حرج لرجل أن يستعمل بفضْل وَضوء المرأة بفتح الواو، أي: بقية ماء وضوءها، وغُسْلِها، ولا يبعد ضبطها بفتح الواو، وغُسْلِها بكسر العين المعجمة، ماء يغسل به سؤرها، أي: وسائر سؤرها؛ ليشمل بقية مائها بعد شربها، مع أنه أقوى، وإن كانت وصلية، أي: ولو كانت المرأة جُنُبًا أو حائضًا، أي: إن لم تكن أجنبية، كما يؤيده قوله: بلَغَنَا: أن النبي ﷺ كان يغتسل هو أي: النبي ﷺ آكد به، ليصح

стр. 193

عطف وعائشةَ ﵂، من إناء واحِدٍ، يسارعان الغُسْل جميعًا، بفتح الغين المعجمة، وهو مصدر، أي: يتبادران ويتسارعان فيه، ويجوز أن يكون بضم الغين، أي: في مائه واستعماله. فهذا أي: الحديث، يدل على جواز استعمال الرجل فضل غسل بكسر الغين المرأةِ الجُنُب، أي: وفي معناه الحائض والنفساء، وهو أي: القول بجواز الوضوء وغيره بفضل غُسل المرأة الجُنُب، هو قولُ أبي حنيفة، ﵀. لما فرغ من بيان ما يدل على جواز غسل الرجل، ووضوئه بسؤر المرأة، شرع في بيان ما يدل على جواز الوضوء بسؤر الهرة، فقال: هذا * * * باب الوضوء بسؤر الهرة في بيان ما يدل على جواز الوضوء بسؤر الهرة، بماء أبقاه الهرة بعد ما شربت منه. ٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن طلحة، أن امرأته حُمَيْدَةَ ابنة عُبَيْد بن رِفَاعةَ أخبرتْه عن خالتها كَبْشَةَ ابنةِ كعب بن مالك - وكانت تحت أبي قَتَادَةَ -: أن أبا قَتَادَة أمرها فسكَبَتْ له وَضوءًا، فجاءت هِرَّةٌ فشربت منه، فأصْغَى لها الإِناءَ فشربتْ، قالت كَبْشَةُ: فرآني أنْظرُ إليه، فقال: أتَعْجَبِينَ يا ابنة أخي؟ قالت: قلت: نعم، قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليست بِنَجَسٍ، إنها من الطَوَّافِينَ عليكم والطَّوَّافات". قال محمد: لا بأس بأن يُتوَضَّأ بفضْل سُؤرِ الهرَّة، وغيرُه أحب إلينا. وهو قولُ أبي حنيفة.

стр. 194

• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، أي: قال مالك: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، زيد بن سهل الأنصاري من ثقات التابعين، المدني، قال الواقدي: كان لا يقدم عليه أحدًا في الحديث، سمع أنس بن مالك، وأبا مرثد وغيرهما، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة (١). أن امرأته أي: زوجة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حُمَيْدَةَ (٢) بضم الحاء وفتح الميم، مصغر عند رواية (الموطأ)، إلا أن يحيى الليثي قال: إنها بفتح الحاء، وكسر الميم نبه عليه أبو علي ابنة عُبَيْد بالتصغير، ابن رِفَاعةَ بكسر الراء، أخبرتْه أي: حميدة، عن خالتها كَبْشَةَ بفتح الكاف والشين المعجمة بينهما موحدة ساكنة، بنت كعب وفي نسخة: ابنةِ كعب بن مالك الأنصاري، قال ابن حبان: لها صحبة، وتبعه المستغفري، وكانت أي: والحال أن كبشة بنت كعب بن مالك تحت أي: زوجة عبد الله بن أبي (ق ٩٢) قَتَادَةَ الأنصاري، اسمه: الحارث، ويقال: عمرو، ويقال: النعمان بن ربعي، بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعده مهملة السلمي بفتحتين، المدني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين على الأصح الأشهر: أن أبا قَتَادَة، أي: الحارث بن ربعي الأنصاري، فارس رسول الله ﷺ ، أمرها أي: كبشة، بصب ماء الوضوء على أعضاء الوضوء، حين دخل عليها، وطلبت منه أن يأمرها بصب ماء الوضوء، طلب برضاء زوجها عبد الله بن أبي قتادة، وأمرها به، فسكَبَتْ له أي: صبت لأجله وَضوءًا، بفتح الواو، أي: الماء الذي يتوضأ به، فجاءت هِرَّةٌ فشربت منه، أي: بعض الماء في الإِناء، أو من طرفه، فمن ابتدائية، فأصْغَى بغين معجمة على وزن أطغى، أي: أمال أبو قتادة لها لأجل الهرة الإِناءَ، ولعله لقلة الماء أو لسعة الإِناء، والأظهر أن قوله: فشربت منه، أي: أرادت أن تشرب منه، ولم تقدر عليه، فأصغى لها الإِناء، حتى لا يتكرر، فشربتْ، وفي نسخة: فشربت منه، قالت كَبْشَةُ: فرآني أي: أبو قتادة أنْظرُ إليه، أي: إلى نفسه، وإلى نعله نظر المنكر، على صيغة اسم الفاعل، أو نظر للتعجب، فقال أتَعْجَبِينَ يا ابنة أخي؟ أي: في الدين أو في الرهط أو في

стр. 195

الصحبة؛ لأن أباها صحابي مثله، وسلمى من قبيلة، وهو أحد الثلاثة. قالت: أي: كبشة، قلت: نعم، أعجب، قال: لا تعجبي، إن رسول الله ﷺ قال: إنها أي: الهرة ليست بِنَجَسٍ، بفتح الجيم من النجاسة. قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، كما نقله الزرقاني (١)، عن السيوطي (٢): إنها من الطَوَّافِينَ عليكم أي: من الذين يداخلوكم ويخالطونكم، قاله أبو عمر، وفي نسخة: إنما هي من الطوافين عليكم والطَّوَّافات. قال البوني: الطوافين الخدم، والطوافات: الخادمات. وانظر إلى قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، و [الإنسان: ١٩]، فالهرة في اختلاطها كبعض الخدم. وروى ابن ماجه، والحاكم، وابن عدي، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أن الهرة لا تقطع الصلاة، إنما هي من متاع البيت" (٣). وهذا يدل على أنها طاهرة ما دامت تدخل في البيوت، فنجاسة سؤرها ساقطة، لعلة الطواف المنصوصة في قوله ﷺ : "إنها ليست نجسة، إنها من الطوافين عليكم"، فيكون من قصر الموصوف على الصفة، والقصر في اللغة: الحبس. وفي اصطلاح المعانيين: تخصيص شيء بشيء بأداة الحصر، وهي هنا كلمة إنما، وقصر الموصوف على الصفة، وهو أن لا يتجاوز الموصوف الآخر. والمراد بالصفة هنا الصفة المعنوية، أعني القائم بالغير نحو العلم حسن، والجهل قبيح، فالهرة مقصورة على الصفة الطهارة، ما دامت في البيوت، وكذا سؤرها إن لم يكن في فمها نجاسة. وقال علي القاري، وعن أبي يوسف: إن سؤر الهرة ليس بمكروه، لما رواه

стр. 196

الطحاوي والدارقطني (١): عن عائشة ﵂، أنها قالت: إن النبي ﷺ كان يصغي، أي: يميل للهرة الإِناء، حتى تشرب منه. وروى الدارقطني، (ق ٩٣) وابن ماجه، من حديث حارثة، عن عمرة، عن عائشة ﵂، أنها قالت: كنتُ أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ في إناء واحد، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك (٢). قال محمد بن الحسن الشيباني: لا بأس أي: يجوز بأن يتوَضَّأ أي: المتوضئ، والأظهر بصيغة المفعول، بفَضْل سُؤرِ الهرَّة، أي: بماء فضل من شربها، فالإِضافة؛ لأن السؤر هو البقية، وغيرُه أي: غير سؤرها، أحب إلينا منه، أي: إذا وجد فإنه أبعد من الكراهة، وأقرب إلى النظافة، وهو أي: القول بجواز الوضوء بفضل سؤر الهرة، قولُ أبي حنيفة، ﵀، ونفعنا الله بعلمه وشفاعته. لما فرغ من بيان أحكام الطهارة، شرع في بيان الأحكام التي تتعلق بالصلاة، فقال: هذا * * * باب في بيان أحكام الأذان والتثويب الأذان لغة: إعلام، ومنه قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة: ٣]، وفي سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩].

стр. 197

وشرعًا: نداء ودعاء إلى الصلاة بالألفاظ المخصوصة، معروفة قبل الإِقامة. والتثويب: دعاء بعد دعاء إلى الصلاة، بين الأذان والإِقامة، بأي لفظ كان على حسب ما تعارفه كأهل بلدة. وقال بعض من الحنفية: التثويب: هو أن يقول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين، واختلف العلماء: هل باشر النبي ﷺ الأذان بنفسه؟ فقال السهيلي والنواوي: إنه أذن مرة في سفر (١)، أخرجه الترمذي. قال ابن حجر العسقلاني (٢): لكن وجدنا الحديث في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه الترمذي بلفظ: فأمر بلالًا بالأذان، فعرف أن في رواية الترمذي اختصار، أو أن معنى أذن، أمر بلالًا بالأذان. قال السيوطي (٣): قد ظفرت بحديث آخر مرسل، أخرجه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا معاوية، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن أبي مليكة: قال: أذن رسول الله ﷺ مرة، فقال: "حي على الفلاح"، وهذه رواية لا تقبل ولا تقبل التأويل. انتهى كلامه في (حاشيته على البخاري). * * * ٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهابٍ الزُّهْريُّ، عن عَطاء بن يزيد اللَّيْثيِّ،

стр. 198

عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم النِّدَاء فقولوا مثل ما يقول المؤذِّنُ". قال مالك: وبَلَغَنَا أن عمر بن الخطاب جاءهُ المؤذِّنُ يُؤذنُه بصلاة الصُّبح، فوجده نائمًا، فقال المؤذِّنُ: الصلاة خيرٌ من النَّوْم فأمَر عمرُ أن يَجْعَلَهَا في نِدَاء الصُّبح. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال محمد: ثنا وفي نسخة: ثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد، ابن شهابٍ الزُّهْريُّ، كما في نسخة، عن عَطاء بن يزيد بتحتية وزاي معجمة، اللَّيْثيِّ، المدني، نزيل الشام، من ثقات التابعين، ورجال الجمع، مات سنة خمس أو سبع ومائة، وقد جاوز الثمانين (١). ولأبي عوانة (٢) من رواية ابن وهب عن مالك، ويونس عن الزهري، أن عطاء بن يزيد أخبره، عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ، ﵁، بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، نسبة إلى قبيلة بني خدرة، وهو سعد بن مالك الأنصاري، اشتهر بكنيته، كان من الحفاظ المكثرين، والعلماء المعتبرين، روى عنه جماعة من التابعين (ق ٩٤) والصحابة، مات سنة أربع وسبعين، ودُفِنَ بالبقيع (٣). أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم النِّدَاء أي: الأذان، سمي به؛ لأنه نداء إلى الصلاة ودعاء إليها، فقولوا مثل ما يقول المؤذِّنُ". قال الرافعي: ظاهره في جميع الكلمات، لكن وردت أحاديث باستثناء حي على الصلاة، وحي على الفلاح، بدلها: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال ابن المنذر: ويحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، كذا قاله علي القاري، أقول: ولا مانع في الجمع.

стр. 199

وادَّعى ابن وضاح بأن قول المؤذن مدرج، وتعقب بأن الإِدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد اتفقت الروايات في الصحيحين و (الموطأ) على إثباته. انتهى. قال مالك: بَلَغَنَا، وفي نسخة: وبلغنا بالواو، وفي نسخة: بالفاء، لكن في نسخ الموطأ لمالك: بلغه، بضمير المفرد الغائب، وبغير الواو والفاء، أن عمر بن الخطاب جاءه المؤذِّنُ يُؤذنُه بالتخفيف، وببدل أو بالتشديد، وببدل إلى جاءه المؤذن، حال كونه يعلمه، أو لإِعلامه بصلاة الصُّبح، فوجده نائمًا، فقال المؤذِّنُ: الصلاة خيرٌ من النَّوْم، فأمَر عمرُ أن يَجْعَلَهَا في صلاة الصُّبح، أي: في تثويبه. كما قال بعض أصحابنا: التثويب: هو أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين، كما قاله علي القاري. وروى ابن ماجه (١) من طريق ابن المسيب عن بلال أنه أتى النبي ﷺ يؤذن لصلاة الفجر فقيل: نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، مرتين، فأقرت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك. وروى بقي بن مخلد، عن أبي محذورة، قال: كنتُ غلامًا صبيًا فأذنت بين يدي رسول الله ﷺ الفجر يوم حنين، فلما انتهيت إلى حي على الفلاح، قال: "الحق بها: الصلاة خير من النوم" (٢). وقال مالك في (مختصر بن شعبان): لا يترك المؤذن قوله في نداء الصبح: الصلاة خير من النوم، في سفر ولا حضر. ومن أذن في ضيعته؛ أي في أرضه الخالية مستحيًا من الناس، فتركه فلا بأس، وأحب إلينا أن يأتي، كما قاله الزرقاني (٣).

стр. 200

وقد روى الترمذي، وابن ماجه من حديث ابن أبي ليلى: عن بلال قال: أمرني رسول الله ﷺ أن لا أثوب في شيء من الصلاة إلا في الفجر (١). ولهذا قال أصحابنا المتقدمون: إن التثويب مكروه في غير الفجر، إلا أبا يوسف، فإنه لم يكرهه في حق أمراء زمانه، لاشتغالهم بأمور المسلمين، وقال أصحابنا المتأخرون: إنه حسن في كل صلاة، لتواني الناس في الأمور الدينية واشتغالهم بالأمور الدنيوية. * * * ٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يكبِّرُ في النِّدَاء ثلاثًا، ويتشهَّدُ ثلاثًا، وكان أحيانًا إذا قال: حَيَّ على الفَلَاحِ، قال على إثْرِها: حَيَّ على خَيْرِ العَمَل. قال محمد: (الصلاةُ خير من النَّوْم) يكونُ ذلك في نِدَاء الصُّبح بعد الفراغ من النِّدَاء، ولا نُحب أن يُزاد في النِّدَاء ما لم يكن منه. • أخبرنا، وفي نسخة محمد: قال ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي أخرى: محمد: أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه أي: عبد الله بن عمر كان يكبِّرُ في النِّدَاء (٢) أي: في أذانه ثلاثًا، بأن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، والتكبير فيه أربع إجماعًا، ويتشهَّدُ أي: في أكثر النداء ثلاثًا، والتشهد اثنان اتفاقًا في كل من الشهادتين. وروى الطحاوي والبيهقي (٣) في (الخلافيات) عن أبي العُميس، قال: سمعتُ

стр. 201

عبد الله بن (ق ٩٥) محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري، يحدث عن أبيه، عن جده، أنه رأى الأذان مثنى مثنى، أي: مرتين، والإِقامة مثنى مثنى، كما قاله الشمني في (شرح النقاية). وقال أبو محذورة، ﵁، ألقى على رسول الله ﷺ التأذين، أي: لقنني كل كلمة الأذان من هذه الكلمات تسع عشر، بأن قال هو بنفسه لي قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. كذا قاله البغوي في باب الأذان من (المصابيح). ومعنى حي على الصلاة: أسرعوا وأقبلوا، أو تعالوا مسرعين إليها. ومعنى حي على الفلاح: أسرعوا الخلاص من كل مكروه، والظهر بكل مراد، وقيل: الفلاح: البقاء، فمعناه أسرعوا إلى سبب البقاء في الجنة، وهو الصلاة بالجماعة، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح). وفائدة قول ابن الملك بالجماعة: إظهار ما في قلب المصلي، وهو الاعتقاد بفرضية الصلاة، فإن سبب الخلود في الجنة والنار، استمرار أهل كل منهما على دينه، فإن من صلى بالجماعة حدد في قلبه من حقيقة دين الإِسلام، وكان أي: والحال، قد كان ابن عمر أحيانًا بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة والياء التحتية وألف ونون جمع، حين بكسر الياء والنون بمعنى الوقت، أي: كاد ابن عمر في أكثر أوقاته إذا قال: حَيَّ على الفَلَاحِ، أي: تعالوا وأسرعوا إلى بيت الفلاح والنجاة من العقاب، قال على إثْرِها: بفتحتين بكسر فسكون، أي: عقب تلك الجملة: حَيَّ على خَيْرِ العَمَل، وكان الإِمامية أخذوا بها. قال محمد: (الصلاةُ خير من النَّوْم) يكونُ ذلك أي: الكلام أو محل ذلك، في نِدَاء الصُّبح أي: تثويبه، بعد الفراغ من النِّدَاء الأول. وقال الإِمام ابن الهمام: وخصوا به الفجر، فكرهوه في غيره، وهو عن ابن عمر أنه سمع مؤذنًا يثوب في غير الفجر وهو في المسجد، فقال لصاحبه: قم حتى تخرج من عند هذا المبتدع.

стр. 202

وعن عليّ ﵁: إنكاره، ولا يجب هكذا بالجيم في الأصل، فالمعنى لا ينبغي والظاهر أنه تصحيف، ولا نحب أي: لا نستحسن أن يُزاد في النِّدَاء أي: في نفس الأذان والإِقامة، ما لم يكن منه، أي: من النداء، أي من زيادة عدد كلمات الأذان، كترجيع ولحن، والترجيع: بتشديد الجيم وكسرها أن يقول المؤذن الشهادتين بصوت خفي، ثم يقولهما بصوت عال، واللحن: بالفتح فسكون: تغيير الإِعراب. وفي الصحيحين (١): لما قدم النبي ﷺ المدينة وبنى المسجد، تشاور الصحابة، فيما يجعل علمًا لأوقات الصلاة، ولجمعهم للصلاة، قال أنس بن مالك ﵁، ذكر جمع منهم إيقاد النار، وجمع ضرب الناقوس، وهي خشبة طويلة، يضرب بأخرى، أقصر منهما، فكره الآخرون منهم، بأن إيقاد من أمر اليهود، والناقوس من أمر النصارى (ق ٩٦)، فيلتبس أوقاتهم فتفرقوا من غير اتفاق على شيء، فاهتم عبد الله بن زيد لهم النبي ﷺ ، فنام فرأى في المنام أن رجلًا ينادي بالصلاة قائلًا: الله أكبر الله أكبر. . . إلخ، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ﷺ : "هذه الرؤيا حق مع بلال فأذنا فإنه أندى صوتًا منك"، فلما أذنا سمع عمر ﵁ وأتى النبي ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق نبيًا، لقد رأيتُ مثل ما قال عبد الله بن زيد، فقال ﷺ : "الحمد لله". ورأى الأذان في المنام في تلك الليلة أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، كذا قاله ابن الملك في (شرح المصابيح)، ولما تم سنة أو سنتان بعد الهجرة فرض الجمعة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وأمر النبي ﷺ بلال بن رباح بالأذان، فأذن وسمعه اليهود، وقالوا: لقد ابتدعت يا محمد شيئًا لم يكن فيما مضى، فأنزل الله في سورة المائدة بعد نهي المؤمنين أن يتخذوا أهل الكتاب أولياء؛ لأنهم اتخذوا دين الإِسلام هزوًا ولعبًا: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]. قيل: في هاتين الآيتين دليل صريح على ثبوت الأذان، ومشروعيته بنص الكتاب

стр. 203

بالمنام فقط، كما في (عيون التفاسير) للشيخ شهاب الدين أحمد بن محمود السيد آسي: أول من أذن للصلاة جبريل في السماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالًا فأخبر النبي ﷺ ، ثم جاء بلال فقال له: "سبقك بها عمر"، كذا قاله الزرقاني (١). لما فرغ من بيان ثبوت الأذان ومشروعيته، شرع في بيان فضل المشي إلى الصلاة والمساجد، فقال: هذا. * * * باب في بيان فضل المشي إلى الصلاة وفضل المساجد أي: مواضع الصلاة، والأذكار، وإنما فسرنا المساجد بمواضعها، على أن الألف واللام للاستغراق. لما روى البخاري مسلم (٢): عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أحبُ البلاد إلى الله المساجد، وأبغض البلاد إلى الله الأسواق"، فالمراد من البلاد: مأوى الإِنسان، ومن المساجد: موضع الصلاة والذكر. ومن حب الله تعالى المساجد إرادة الخير لأهلها، ومن بغضه تعالى بالأسواق عدم إرادة الخير لأهلها؛ لأن السوق موضع الغفلة عن ذكر الله، والطمع والحرص والخيانة. هذا خلاصة ما قاله ابن الملك في شرح هذا الحديث في باب الأذان من (المصابيح): استنبط المصنف ترجمة باب المقدم عند قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وترجمة هذا الباب عند قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وعبر الذهاب إلى الصلاة بالمشي؛ لبيان أفضلية المشي، وإلا فالمراد الإِتيان إلى أداء الصلاة بالجماعة في المسجد، ولو ركوبًا.

стр. 204

٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا العَلَاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه وإسحاق بن عبد الله، أنهما سمعا أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسْعَوْنَ وَأتُوهَا وعليكم بالسكينةُ، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتِمُّوا، فإنَّ أحَدَكم في صلاة ما كان يَعْمِدُ إلى الصلاة". قال محمد: لا تعجَلَنَّ بركُوع ولا افتتاح حتى تصِلَ إلى الصَّفَّ وتقومَ فيه، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة محمد ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، ثنا، أي: حدثنا، وفي نسخة قال: حدثنا عَلَاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب، المدني، وفي نسخة: العلاء بالألف واللام، كما في نسخ (الموطأ) لمالك، عن أبيه، وهو تابعي كابنه، وإسحاق بن عبد الله، كذا في نسخة، وكما في نسخة (الموطأ) (ق ٩٧) لمالك تحويلًا للسند تقوية للحديث، أنه، أي: عبد الرحمن بن يعقوب سمع أبا هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثُوِّبَ بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة، أي: أقيمت بالصلاة مرفوع على أنه نائب فاعل لثوب، فالباء زائدة، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (١)، زيادة الباء واجبة في الفاعل. انتهى. وقال تعالى في سورة الفتح: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]، أي: كفى بالله، ويؤيدها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أقيمت الصلاة"، بترك الباء، وسمى الإِقامة تثويبًا؛ لأنها دعاء إِلى الصلاة بعد الدعاء بالأذان، من ثاب إذا رجع، فلا تأتوها، أي: لا تحضروها وأنتم تسْعَوْنَ، أي: حالكم تسرعونها، وهو حال من فاعل فلا تؤتوها، والنهي عن الإِسراع إليها؛ لأنه يحصل به الخشوع عند الشروع بها، وهو المقصود.

стр. 205

قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، وَأتُوهَا، أي: واحضروا إلى الصلاة وعليكم السكينةُ، ضبطه القرطبي بالنصب على الإِعراب، والنووي: بالرفع على أنها جملة في موضع الحال، وزاد غيره: أو السكينة مبتدأ، وعليكم خبره. وذكر الحافظ العراقي في (شرح الترمذي): المشهور في الرواية. ووقع في رواية الحافظ أبي ذر الهروي للبخاري، بالسكينة، بالباء، واستشكل بأنه متعدٍ بنفسه: عليكم أنفسكم، وفيه نظر الثبوت زيادتها في أحاديث صحيحة، كحديث: "عليكم برخصة الله" (١)، وحديث: "وعليكم بالصوم فإنه وجاء" (٢)، وحديث: "عليك بالمرأة" (٣) قاله لأبي طلحة في قصة صفية، وحديث: "عليكم بقيام الليل" (٤)، وحديث: "بخويصة نفسك" (٥)، وغير ذلك، وتعليل هذا المعترض لا يوافي بمقصوده، أن لا يلزم من تعديه بنفسه امتناع تعديه بالياء إذا ثبت ذلك، فيدل على أن فيه لغتين، كذا قاله الزرقاني (٦).

стр. 206

والمقصود بالسكينة السكون والوقار، وإذا نهى عن إتيانها سعيًا في حال الإِقامة، مع خوف فوت بعضها، فقيل: الإِقامة الأولى، ثم أكده بقوله فيما أي: في فعل الذي، فالفاء جواب شرط محذوف، وما يحدث عن العمل بقرينة لفظ تَسْعَوْنَ نحو: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، تقديره: إذا فعلتم ما أمِرتم به من السكينة، فما أدركتم به من الصلاة مع الإِمام فملُّوا إياها معه، وما، أي: الفعل الذي فاتكم منها معه: فأتِمُّوا، أي: أكملوا بعد سلام الإِمام، وفي نسخة: فاقضوا؛ لأن القضاء، وإن كان يطلق على الغائب - غالبًا - لكنه يطلق على الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ، كقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]. وعنه يكون قاضيًا فيهما، وبه قال أبو حنيفة، وفي هذا تنبيه لدفع توهم أن النهي؛ إنما هي لمن لم يخف فوات الصلاة، وطرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات، وبين ما يفعل فيما فات بقوله: فما. . . إلخ. قال ابن عبد البر (١): الواجب؛ أي: المطلوب إتيان الصلاة بالسكينة، ولو خاف فواتها، لأمره ﷺ وهو الحجة، خلافًا من جوز السعي لخوف الفوات، وقد أكَّد ذلك بيان العلة بقوله: فإنَّ أحَدَكم في صلاة أي: حكمًا، ما كان أي: مدة كونه يَعْمِدُ بكسر الميم، أي: يقصد إلى الصلاة؛ فإن الأعمال بالنيات، ونية المؤمن خيرٌ من عمله. قال محمد: لا تعجَلَنَّ أي: يا مخاطب، البتة البتة بركُوع ولا افتتاح، أي: بنية مع (ق ٩٨) تكبير حتى تصِلَ إلى الصَّفِّ، أي: يسعك وتقومَ فيه مطمئنًا، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀. وقد ورد: "إذا سمعتَ النداء فأجب، وعليك السكينة، فإن أصبتَ فُرجة، وإلا فلا تضيق على أخيك، واقرأ ما تسمع أذنك، ولا تؤذي جارك، وصل صلاة مودع" (٢) رواه أبو نصر السجزي في (أماليه) وابن عساكر عن أنس بن مالك ﵁. * * *

стр. 207

٩٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر سمع الإِقامةَ وهو بالبَقِيع فأسرعَ المشيَ. قال محمد: وهذا لا بأس به، ما لم يُجْهِدْ نَفْسَه. • أخبرنا، وفي نسخة محمد: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي أخرى: محمد أخبرنا مالك، حدثنا، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا نافع، أن ابن عمر ﵄، أنه سمع الإِقامةَ أي: بأحد المساجد حواليه، ولا يبعد أن يكون مسجد المدينة، وهو أي: والحال أن ابن عمر كان بالبَقِيع وهو مقابر المدينة، فأسرعَ المشيَ، أي: إلى المسجد، كذا في (الموطأ) لمالك، يعني: جواز إسراع المشي إلى المسجد بدون جري؛ لأن الإِسراع المنهي عنه بقوله ﷺ فلا تأتوها وأنتم تسعون، هو الجري، لأنه ينافي الوقار المشروع في الصلاة في قصدها، وأما ما لا ينافي الوقار فجائز، وكذا قول مالك بجواز تحريك الفرس، لمن سمع الأذان، ليدرك الصلاة، يريد تحريكه للإِسراع في المشي دون جري ولا خروج عن حد الوقار، كما قاله الباجي من علماء المالكية. وقال ابن عبد البر (١): الواجب أن يأتي الصلاة بالسكينة، خاف فوتها أو لم يخف. انتهى بقول الفقير؛ لأن الأمر والنهي إذا كانا في حكم يرجح النهي عن الأمر، كما قاله الأصوليون. قال محمد: وهذا - أي: الإِسراع في المشي - إلى الصلاة، لا بأس به، أي: لا كراهة ما لم يُجْهِدْ من الإِجهاد، أي: ما لم يتعب نَفْسَه، أي: بهذا الإِسراع. * * *

стр. 208

٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُمَيٌّ: أنه سمع أبا بكر: يعني ابن عبد الرحمن يقولى: مَنْ غَدَا أو رَاحَ إلى المسجد لا يريد غَيْرَهُ، لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أو يُعَلِّمَه، ثم رجع إلى بيته الذي خرج منه، كان كالمجاهد في سبيل الله، رجع غانمًا. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال: أخبرني، بالإِفراد، سُمَيٌّ بضم سين مهملة، وفتح ميم، وتشديد ياء، أنه، أي: سُميّا سمع أبا بكر، يعني: أي: يريد سمي بن أبي بكر بن عبد الرحمن، وهو المخزومي، اسمه كنيته، تابعي سمع: عائشة وأبا هريرة، وروى عنه الشعبي والزهري (١)، يقول: مَن غَدَا أي: ذهب في أول النهار، أو رَاحَ أي: ذهب في آخر النهار إلى المسجد أي: إلى مسجد من المساجد، وأو هنا للتنويع لا للشك، وفيه لطيف ويوسعه كما لا يخفى، وإشارة إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ الآية [طه: ١٣٠]، لا يريد غَيْرَهُ، أي: غير المسجد، وما يتعلق به من العبادة، دون غرض فاسد، وعمل كابد، بل ابتغاء لوجه ربه، لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا، أي: أنواع الخير من العلم والعمل والاعتكاف، والتنوين في لفظ خير للتنويع كالتنويع في علمًا في سورة النمل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥]، أو يُعَلِّمَه، أي: خيرًا غيره، فيصير كاملًا، أو كلا كلمة "أو" هنا بمعنى الواو كما في سورة آل عمران: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وفيه إشارة إلى قوله ﷺ : "لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٢)، رواه (ق ٩٩) الشيخان عن أنس، ﵁، ثم، أي: بعد التعلم والتعليم لغيره ما يحتاج إليه من أمر دينه، رجع عن المسجد إلى بيته الذي خرج منه، يحصل ما يحتاج إليه، كان أي: ذلك المدة، كالمجاهد في سبيل الله، رجع من غزاته غانمًا، أي: من الثواب وابتغاء مرضاة الله تعالى.

стр. 209

والحديث بظاهره مقطوع، رواه أبو نعيم في (الحلية) عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: "من غدا أو راح: وهو في تعليم دينه فهو في الجنة" (١). وروي أحمد والشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظه: "من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلًا من الجنة كلما غدا أو راح" (٢)، كما قاله علي القاري. والحديث المرفوع ما ينتهي إسناده إلى النبي ﷺ . والحديث المقطوع: ما ينتهي إسناده إلى التابعي، ومن دونهم من أتباع التابعين، فمن بعدهم في اشتراك التسمية، كما قاله ابن حجر في (نخبة الفكر) (٣). لما فرغ من بيان بعض أحوال الرجل من المشي إلى الصلاة، شرع في بيان بعض أحواله، من أن يصلي في المسجد، فقال: هذا * * * باب الرجل يصلي وقد أخذ المؤذن في الإقامة بيان حال الرجل يصلي وقد أي: والحال أخذ أي: شرع المؤذن في الإِقامة، بإقامة صلاة فريضة، ورجل يصلي تلك الصلاة بعينها أو غيرها، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب الحركة من مكان، والسكون في مكان آخر. ٩٦ - أخبرنا مالك, أخبرنا شَرِيك بن أبي نُمَيْر، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع قومٌ الإِقامة فقاموا يُصلون، فخرج عليهم النبي ﷺ ، فقال: "أصَلَاتَانِ مَعًا؟ ". قال محمد: يكره إذا أقيمت الصلاةُ أن يصلِّي الرجلُ تَطوعًا، غيرَ ركعتي

стр. 210

الفجر خاصَّةً، فإنه لا بأس بأن يصليهما الرجلُ، وإن أخَذَ المؤذنُ في الإِقامةِ. وكذلك ينبغِي، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد: شَرِيك بن عبد الله بن أبي نُمَيْر، بفتح النون وكسر الميم، المدني، كما قاله الزرقاني (١)، وقال علي القاري: بضم نون وفتح ميم. انتهى. قال في (التمهيد) (٢): صالح الحديث، وهو في عداد الشيوخ، روى عنه جماعة من الأئمة، مات سنة أربع وأربعين ومائة، لمالك عنه حديثان. انتهى. أن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف كما وجدت في نسخة قديمة في (الموطأ) لمحمد، ولم يظفر علي القاري لفظ: ابن عوف في (الموطأ) لمحمد بن حسن الشيباني، ولا الزرقاني في (الموطأ) لمالك، وما وجد في بعض النسخ الصحيحة تفسير الشارح، كما وجد لفظ: أنه في متون (الموطأ) لمالك، أنه أي: عبد الرحمن بن عوف، قال: سمع قومٌ؛ أي: من الصحابة الإِقامة فقاموا أي: حال كونه يُصلون، أي: النافلة، فخرج عليهم النبي ﷺ ، فقال: أي: منكرًا عليهم، بهمزة الاستفهام الإِنكارية: "أصَلَاتَانِ مَعًا؟! "، والمعنى: أتجمع صلاة فرض ونفل في آن واحد، بل اللائق أنه إن أقيم لصلاة الفرض أن لا يلتفتوا إلى نافلة، وأن يقوموا إلى صلاة الفرض، وهذا معنى قوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٣)، رواه مسلم والأربعة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وتعلق بظاهره الشافعي، وأطلق الحكم، بخلاف أصحابنا.

стр. 211

قال محمد: يكره إذا أقيمت الصلاةُ أن يصلِّي الرجلُ تَطوعًا، أي: سنة أو نافلة، غيرَ ركعتي الفجر خاصَّةً، إذ هي آكد السنن الرواتب، بل في رواية أنها واجبة، وطرح بعض أصحابنا (ق ١٠٠) بأنه لا يجوز أداؤه قعودًا بلا عذر، ولا تركها للفتى بحال؛ فإنه أي: الشأن لا بأس؛ أي: لا كراهة بأن يصليهما أي: سنتي الفجر الرجلُ، وإن وصلية أخَذَ أي: شرع المؤذنُ في الإِقامةِ، فالفاء في أنه جواب، إذا أقيمت الصلاة فلا بأس بأن يصلي الرجل سنتي الفجر، سواء شرع الإِمام في الصلاة أم لا، إذا كان يظن أنه يدرك الجماعة إذا صلاها، وإلا فليتركها بلا خلاف، وكذلك ينبغي، أي: يستحب أن يفعل، وهذا استدراك من قوله: لا بأس، فإنه غالبًا يستعمل فيما يكون خلاف الأولى، وهو أي: اللائق المستفاد من ينبغي، قولُ أبي حنيفة، ﵀، على أن المذهب أن من لم يدرك الفرض بجماعة - إن أدى سنتي الفجر - بتركهما ويقتدي؛ لأن ثواب الجماعة أعظم من السنة، ومن أدرك ركعة لو صلى سنته صليها عند باب المسجد، وفي موضع لا يصلي فيه أحد، فإن لم يكن ذلك فيصلي خلف الصفوف، ويبعد ما استطاع لنفي التهمة عن نفسه. فقد روى الطحاوي (١) عن أبي الدرداء أنه كان يدخل المسجد، والناس صفوف في صلاة الفجر، فيصلي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة. وروي أيضًا عن ابن مسعود، نحوه أيضًا، فلو كان يدرك التشهد. قال شمس الأئمة السرخسي: يدخل مع الإِمام. وكان الفقيه أبو جعفر الطحاوي يقول: يصليها، ثم يدخل مع الإِمام عندهما، ولا يصليها عند محمد، وهي فرع اختلافهم فيمن أدرك تشهد الجمعة، ثم لا يقضي سنة الفجر إلا اتباعًا لفرضه، قبل الزوال باتفاقهم وبعده، عند بعض مشايخ ما وراء النهر. قال محمد: يقضيها وحدها قبل الزوال. لما روى مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: عرسنا مع النبي ﷺ فلم

стр. 212

يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : "ليأخذ كل إنسان برأس راحلته؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان"، قال: ففعلنا ثم دعا بماء فتوضأ، ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغدوة، ولهما أن الأصل في السنة أن لا تقضي. وقد ورد هذا الحديث بقضاء سنة الفجر تبعًا، فيبقى ما عدا ذلك على الأصل، كذا قاله علي القاري. ولما فرغ من بيان حكم التطوع عند إقامة المؤذن بصلاة الفرض، شرع في بيان سنية تسوية الصفوف؛ فقال: هذا * * * باب تسوية الصفوف باب سنية تسوية الصفوف، وهو اعتدال القامة بالصفوف، على نمط واحد، يراد به - أيضًا - سد الخلل؛ الذي في الصف، وإنما جمع مع الغنية عنه بالمفرد - كما في بعض النسخ - تسوية الصفوف على صيغة المفرد؛ تنبيهًا على أن التسوية لازمة في كل صف على حدته، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة أجمعها حديث ابن عمر ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تزروا فرجات للشياطين، ومن وصل صفّا وصله الله، ومن قطع صفّا قطعه الله" (١)، رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة والحاكم. وهذا يدل على أن عدم تسوية الصفوف وترك الفرجة في خلل الصفوف مكروه للمصلي، كما قاله الفاضل: سيد محمد الزرقاني (٢). ٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان يأمر رِجَالًا بتسوية الصفوف، فإذا جاءوه فَأخْبَرُوهُ بتسويتها كبر بعدُ.

стр. 213

• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد نافع، عن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب ﵁، كان يأمر رِجَالًا أي: من أصحابه بتسوية الصفوف، أي: صفوف الصلاة، يمنة ويسرة، فإذا جاءوه أي: إلى عمر بخبر تسوية الصفوف، فَأخْبَرُوهُ أي: إلى عمر ﵁ بتسوية الصفوف، وفي نسخة: بتسويتها فالفاء في فأخبروه عاطفة، وقوله: كَبَّرَ جواب، إذا أي: قال: الله أكبر بعد، أي: بعد خبرهم بتسويتها، وبعد صلى على الضم؛ لكونه مقطوعًا عن الإِضافة، عن هذا الحديث مختصرًا، لكونه موقوف حقيقة، مرفوع حكمًا. عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي القداح، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: "يا عباد الله، لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (١) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، كلهم في باب الصلاة بهذا اللفظ. والمراد به: وجوه القلوب؛ فإن اختلاف القلوب يفضي بهم إلى اختلاف الوجوه، وإعراض بعضهم عن بعض؛ إذ الظاهر عنوان الباطن، فمخالفة الظاهر أوامر الشرع، قد يؤدي إلى كدورة وعداوة فيما بينهم، وقيل: معناه: يحول الوجوه إلى القضاء، فيكون محمولًا على التهديد، وقيل: معناه: يغير صورها إلى صور أخرى. * * * ٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو سُهَيْل بن مالك، وأبو النَّضْر مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر: أن عثمان بن عفَّان كان يقولُ في خُطبته،

стр. 214

إذا قامت الصلاةُ: فاعْدِلُوا الصُفُوفَ، وحَاذُوا المنَاكِبَ، فإنَّ اعْتِدالَ الصفوف من تمام الصلاة، ثم لا يُكَبِّر حتى يأتيه رِجال قد وَكَّلَهُمْ بتسوية الصفوفِ فيخبرونه أنْ قد استَوَت، فيكبر. قال محمد: ينبغي للقوم إذا قال المؤذن: حيَّ على الفَلَاح، أن يقوموا فَيصُفُّوا ويُسوُّوا الصفوفَ، ويُحَاذُوا بين المناكبِ، وإذا أقام المؤذنُ الصلاةَ كبر الإِمامُ. وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد: أبو سُهَيْل (١) بالتصغير، اسمه نافع بن مالك، وأبو النَّضْر (٢) بالمعجمة مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر، الأنصاري، الأصبحي، سمع من عمر، وهو من كبار التابعين، ثقة، روى له الجميع، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح (٣)، أن عثمان بن عفَّان ﵁، كان يقولُ في خُطبته - إذا قامت الصلاةُ - فاعْدِلُوا الصُفُوفَ، أي: أقيموها معادلة متساوية، وحَاذُوا أي: سووا بالمنَاكِبَ، وهو كالتفسير لما قبله مع الإِيماء إلى الاتصال؛ فإنَّ اعْتدالَ الصفوف من تمام الصلاة، أي: من كمال صلاة الجماعة وهو داخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ولذا لم يقل: صلوا؛ فالفاء تعليلية، فعلم أن تمام الصلاة علة الأمر باعتدال الصفوف وبتسوية المناكب، ثم أي: بعد أمر عثمان بن عفان ﵁ إلى أصحابه بتسوية الصفوف لا يُكَبِّر أي: التحريمة حتى يأتيه رِجال أي: من أصحابه، قد وَكَّلَهُمْ بتشديد الكاف المفتوحة، من التوكيل بتخفيفها؛ أي: تفويض الأمر إلى آخر بتسوية الصفوفِ، أي: أمرًا وفعلًا، فيخبرونه هكذا في الأصل، أي: فهم يخبرونه، والأظهر أن

стр. 215

يكون فيخبرونه، كما هنا أنْ بفتح الهمزة وسكون النون (ق ١٠٢) خفيفة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، وفي بعض النسخ أنه إثبات ضمير الشأن قد استَوَت، أي: الصفوف فيكبر، أي: يقول عثمان بن عفان: الله أكبر، للافتتاح. قال الباجي من علماء المالكية: مقتضاه أنه وكل من يسوي الناس في الصفوف، وهو سنة. قال محمد: ينبغي أي: يستحب للقوم، وهو يشمل الإِمام وغيره إذا قال المؤذن: حيَّ على الفَلَاح، أي: الأول والثاني، وهو أقرب أن يقوموا إلى الصلاة، ليصح أخبار المؤذن بقوله: قد قامت الصلاة، على الحقيقة وإلا فيكون مجازًا، أي: قربت قيامها، فمحل كلمة "أن يقوموا" مرفوع على أنه فاعل لقوله ينبغي، فَيصُفُّوا بضم الصاد وتشديد الفاء، من صففت القوم من باب نصر، أقمتم في الحرب وغيرها صفًا، وجاء لازم أيضًا ومنه يصف النساء خلف الرجال، ولا يصف معهم، وهذا المعنى هو المناسب هنا، والمعنى: فيصفوا ويُسوَّوا الصفوفَ، ويُحَاذُوا بين المناكبِ، وإذا أقام المؤذنُ الصلاةَ أي: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، كبر الإِمامُ، وهو تكبير الإِمام حين قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀. وحكم المصنف بأن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة، كبر الإمام يدل على أن الحديث الموقوف، وهو حديث عثمان بن عفان ﵁ معمول به، ويحتج به، ولكنه مرفوع حكمًا، لما رواه أبو داود في الصلاة، عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا إذا قمنا إلى الصلاة، فإذا سوينا كبر (١). وهذا يدل على أن السنة للإِمام أن يسوي الصفوف، ثم يكبر، كذا في (المصابيح) في باب تسوية الصفوف. وهذه السنة قد ماتت في زماننا هذا، فيلزم على الإِمام والقوم أن يحيياها. قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أحيا سنتي عند فساد أمتي، حلت له شفاعتي يوم القيامة".
следующие страницы →