القصر بوصف السفر لاشتماله على حكمة درء المشقة، وكان بعضهم ينكر على فقهاء وقته يقول: تعلوه بالغرر ولا تعرفون وجه العلة فيه.
قال المازري: أجمعوا على فساد بيع الغرر كجنين والطير في الهواء والسمك في الماء، وعلى صحة بعضها كبيع الجبة المحشوة وإن كان حشوها لا يرى، وكراء الدار شهرًا مع احتمال نقصانه وتمامه، ودخول الحمام مع اختلاف لبثهم فيه، والشرب من فم السقاء مع اختلاف الشرب, واختلفوا في بعضها فوجب أن يفهم أنهم إنما منعوا ما أجمعوا على منعه لقوة الغرر وكونه مقصورًا، وإنما جازوا ما أجمعوا على جوازه ليسارته، مع أنه لم يقصد تدعو الضرورة إلى العفو عنه، وإذا ثبت استنباطه من هذين الأصلين وجب رد المسائل المختلف فيها بين فقهاء الأمصار إليها، فالمجيز أي: الغرر فالمنع أقرب لظاهر الحديث.
قال محمد: وبهذا كله أي: بجميع أنواعه نأخذ أي: نعمل ونفتي بيع الغرر كلّه أي: بجميع أفراده كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء فاسد، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي من فقهاء الأمة، فلا يجوز بيع ما فيه غرر كحمل في بطن، ولؤلؤ في صدف ولين في ضرع، لما روى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع (١)، وروى الشافعي بسنده عن ابن عباس ﵄: أنه نهى عن بيع اللبن في ضرع الغنم، والصوف على ظهرها، وروى مرفوعًا، والصحيح أنه موقوف.
* * *
٧٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أنه كان يقول: لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن ثلاث: عن المضامين، والملاقيح، وحَبَل الحَبَلة.
والمضامين: ما في بطون الإِناث من الإِبل، والملاقيح: ما في ظهور الجمال
стр. 1472
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي أخرى: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان ثقة فقيهًا، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة مات بعد المائة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي عن سعيد بن المسيَّب، قد سبق طبقته آنفًا أنه كان يقول: لا ربا في الحيوان، بفتح المهملة وسكون التحتية، وهو أعم من الإِنسان مما بيع اللحم بالحيوان من غيره ومن جنسه إلا إذا كان اللحم أكثر مما في الحيوان، ليكون اللحم مقابل اللحم والزائد مقابلًا للسقط؛ لأنه لو لم يكن كذلك لتحقق الربا من حيث زيادة السقط ومن حيث زيادة اللحم.
وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يجوز بجنسه أصلًا، ومذهب مالك وأحمد: يجوز بغير جنسه، والأصح في مذهب الشافعي أنه يجوز بغير جنسه، لعموم النهي فيما روى مالك في (الموطأ) وأبو داود والحاكم في (المراسيل) عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ : نهى عن بيع الحيوان (١)، وهو مع قوله ﷺ في الحديث الآخر: "إذا اختلفت الأنواع فبيعوا كيف شئتم" دليل مالك وأحمد، ولأبي حنيفة أنه بيع موزون بغير موزون، فيصح كيف ما كان، كما لو باع الثوب بالقطن، وهذا لأن الحيوان ليس بموزون، بل هو عددي متفاوت؛ لأن الموزون ما يعرف بالوزن والحيوان لا يعرف به، والمراد بالنهي في حديث سعيد بن المسيب ما إذا كان أحدهما نسيئة، وإنما لم يجز إذا كان أحدهما نسيئة؛ لأن (ق ٨١١) المتأخر منهما لا يمكن ضبطه، ويؤيده ما رواه أحمد والنسائي عن سمرة بن جندب أنه ﷺ نهى عن بيع الحيوان نسيئة (٢)، فحينئذ لا تناقض بين روايتي ابن المسيب، ويؤيده قوله: وإنما نهى من الحيوان عن ثلاث: أي: صور عن المضامين، جمع مضمون يقال: ضمن الشيء بمعنى يضمنه، ومنه قولهم: مضمون الكتاب كذا وكذا والملاقيح، على وزن المفاتيح جمع ملقوح وحَبَل الحَبَلة بفتح الحاء المهملة فيها وروى سكون الموحدة في الأولى.
стр. 1473
قال عياض وتبعه النووي: وهو غلط قال أهل اللغة: الحبلة جمع حابل كطالب وطلبة، وتفسيره في آخر الحديث من قول ابن عمر، ذكره السيوطي، فسر الإِمام مالك لفظ المضامين والملاقيح بقوله:
والمضامين: بيع ما في بطون الإِناث من الإِبل، أي: من الولد والملاقيح: هو بيع ما في ظهور الجمال بكسر الجيم كان مفرده جملًا وجمعه أجمالًا بفتح الهمزة، كذا قاله في (القاموس) يعني: نهى عن بيع الوبر وهو متصل بظهر الإِبل لأنه غرر.
* * *
٧٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حَبَل الحَبَلة، وكان بيعًا يبتاعه الجاهلية، يبيع أحدهم الجزور إلى أن تُنْتَجُ الناقةُ، ثم تنتجُ الذي في بطنها.
قال محمد: هذه البيوع كلها مكروهة، ولا ينبغي لأنها غرر عندنا، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى أي: نهي تحريم عن بيع حَبَل الحَبَلة، بفتح الحاء المهملة فيها، وكذا الباء الموحدة إلا أن الأول مصدر حبلت المرأة، والثاني اسم جمع حابل كظالم وظلمة وكاتب وكتبة.
وقال الأخفش: هو جمع الحابلة. قال ابن الأنباري في الحبلة للمبالغة كقولهم: شجرة.
قال أبو عبيد: والحبل مختص بالأميات، ولا يقال في غيرهن من الحيوان الأحمل إلا ما في الحديث، ورواه بعضهم بسكون الباء في الأول، وهو غلط قاله عياض وكان
стр. 1474
أي: بيع الحبلة بيعًا نبايعه وفي نسخة: يبتاعه أهل الجاهلية، أي: يشتر بها أهلها كان الرجل منهم يبيع أحدهم أي: من الجاهلية الجزور بفتح الجيم وضم الزاي أي: الناقة.
وقال الزرقاني (١): وهو البعير سواء كان ذكرًا أو أنثى إلى أن تُنْتَجُ بضم أوله وسكون النون وفتح الفوقية الثانية، أي: تلد وهو من الأفعال التي لم تسمع إلا مبنية للمفعول نحن جن وزهي علينا، أي بكر الناقةُ، مرفوع بإسناد تنتج إليها، أي: تضع ولدها فولد نتاج بكسر النون من تسمية المفعول بالمصدر ثم تنتجُ الذي في بطنها أي: ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد، وعلة النهي ما في الأجل من الغرر، وهذا التفسير من قول ابن عمر، كما جزم به عبد البر وغيره لما في مسلم من طريق عبيد الله بن نافع عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله ﷺ ، وبه فسره مالك والشافعي وغيرهما، وقيل: هو بيع ولد ولد الناقة الحامل في الحال، بأن يقول: إذا نتجت الذي في بطنها فقد بعتك ولدها، فنهى عنه؛ لأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه فهو غرر، وبه فسره أحمد وإسحاق وجماعة من اللغويين، وهو أقرب الألفاظ إلى اللفظ، لكن الأولى أقوى؛ لأنه تفسير ابن عمر وليس مخالفًا (ق ٨١٢) للظاهر، فإن ذلك هو الذي كان في الجاهلية، والنهي وارد عليه ومذهب المحققين من أهل الأصول تقديم تفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر.
قالى الطيبي: فإن قيل تفسير مخالف لظاهر الحديث، فكيف يقال: إذا لم يخالف الظاهر، وأجاب باحتمال أن المراد بالظاهر الواقع، فإن هذا البيع كان في الجاهلية بهذا الأجل حلا للفظ بل بيان المواقع، ومحصل هذا الخلاف كما قال ابن التنيسي: هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين، وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها، وعلى الثاني، هل المراد بيع الجنين الأولى بيع جنين الجنين، فصار أربعة أقوال انتهى.
وقال المبرد: هو عندي بيع حبل الكرامة؛ لأنها تحبل بالعنب كما جاء في حديث آخر: نهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه (٢) ويكون هذا أصلًا في منع البيع بثمن إلى أجل مجهول.
стр. 1475
قال السهيلي: وهو غريب لم يسبقه إليه أحد في تأويل الحديث، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به وتابعه الليث عن نافع عند مسلم بدون ذكر التفسير وعبيد الله عن نافع كما علم كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: هذه البيوع كلها مكروهة، أي: تحريمًا ولذا قال: ولا ينبغي أي: ولا تجوز مباشرتها لأنها غرر عندنا، أي: لا يدري أيخرج أم لا يخرج، فإن خرج لم يدر أيكون حسنًا أم قبيحًا أو تامًا أو ناقصًا عندنا وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (١) أي: مطلقًا، وهو يشمل هذه البيوع كلها ونحوها. كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم بيع الغرر، شرع في بيان حكم بيع المزابنة، فقال: هذا
* * *
باب بيع المزابنة
في بيان حكم بيع المزابنة بضم الميم وفتح الزاي فألف ثم بالموحدة المفتوحة والنون فهاء على وزن المفاعلة من الزبن، وهو الدفع الشديد، ومنه الزبانية ملائكة النار، فإنهم يزبنون الكفرة فيها، أي: يدفعون ويقال للحرب: زبون، لأنها تدفع أبنائها للموت، وناقة زبون إذا كانت تدفع حالبها عن الحلب، سمي به هذا البيع المخصوص؛ لأن كل واحد من المتبايعين يزبن، أي: يدفع الآخر عن حقه بما يزاد منه، فإذا وقف أحدهما على ما يكره تدافعًا، فيحرص أحدهما على فسخ البيع والآخر على إمضائه، كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني.
٧٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المُزَابَنة، والمزابنة: بيع الثَّمر بالتَّمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، قال: حدثنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين
стр. 1476
والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المُزَابَنة، قد مر آنفًا تفسير المزابنة، ورواه الشيخان والنسائي وابن ماجه عنه أيضًا كذلك، وفسرها ابن عمر فقال: والمزابنة: بيع الثمر بفتح المثلثة والميم فراء مهملة، أي: الرطب على النخل ولابن بكير بيع الرطب بالتمر بالتاء الفوقية وسكون الميم اليابس وقيل: بيع التمر (ق ٨١٣) بالتمر على الشجر كيلًا، أو موزونًا وبيع العنب بالزبيب كيلًا كما رواه مسلم عن عبيد الله عن نافع قوله: كيلًا قيد لهما، لما رواه أبو داود (١) عن ابن عمر أيضًا أنه ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر كيلًا، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن بيع الزرع بالحنطة، وفي الحديث دلالة على أن تفسير الحديث الأول مرفوع. كذا قاله علي القاري.
ووقع في رواية إسماعيل عن مالك: وبيع الزبيب بالكرم كيلًا من باب القلب، فالأصل إدخال الباء على الزبيب، كما رواه الجمهور، زاد في رواية أيوب عن نافع: إن زاد فلي وإن نقص فعلي.
قال ابن عبد البر: هذا التفسير إما مرفوع أو من قول الصحابي الراوي فيسلم له لأنه أعلم به، وفيه جواز تسمية العنب كرمًا وحديث النهي عن تسميته به للتنزيه وعبر به هذا البيان الجواز قيل: وهذا على أن التفسير مرفوع، أما على أنه من قول الصحابي فلا، وأخرجه البخاري عن إسماعيل وعبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى ثلاثتهم عن مالك به، وتابعه أيوب عن الشيخين وعبيد الله والليث ويونس والضحاك وموسى بن عقبة، كلهم عن نافع عند مسلم نحوه. كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢).
* * *
٧٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله ﷺ نهى عن المُزَابنة، والمُحاقلة، والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر،
стр. 1477
والمحاقلة: اشتراء الزرع بالحنطة، واستكراء الأرض بالحنطة، قال ابن شهاب: سألته عن كرائها بالذهب والورِق فقال: لا بأس به.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ثقة ثبت، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن سعيد بن المسيَّب، أي: مرسلًا وهو ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة اتفقوا على أن مرسلاته من أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزري الحنبلي وابن حجر في (طبقاتهما) أن رسول الله ﷺ نهى أي: تحريمًا عن المُزَابنة، والمُحاقلة، والمزابنة: بضم الميم وفتح الزاي فألف وفتح الموحدة والنون والتاء الفوقية اشتراء الثمر بمثلثة وفتح الميم بالتمر، وسكون الميم فهي في النخل والمحاقلة: بضم الميم وفتح الحاء المهملة فألف وفتح القاف واللام فهاء اشتراء الزرع بالحنطة، أي: القمح واستكراء الأرض بالحنطة، أي: القمح، وبه عبر في مسلم وهو عنده مرسلًا أيضًا من رواية عقيل، فهو متابع لمالك.
قال ابن عبد البر (١): هذا حديث مرسل في (الموطأ) عند جميع الرواة، وكذا رواه أصحاب ابن شهاب عنه، وقد روى النهي عنهما جماعة منهم جابر وابن عمر وأبو هريرة ورافع بن خديج، وكلهم سمع منه ابن المسيب وقد رواه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن طارق، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج قال: "نهى ﷺ عن المحاقلة والمزابنة (ق ٨١٤) وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أرضًا فهو يزرع ما منح، ورجل استكرى أرضًا بذهب أو فضة" انتهى. وأخرجه الخطيب عن أحمد بن أبي طيبة عيسى بن دينار الجرجاني عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة موصولًا، والجرجاني وإن كان صدوقًا لكنه له أفراد قال ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري سألنا وفي نسخة: سألت أي: سعيد بن المسيب عن
стр. 1478
كرائها أي: كراء الأرض بالذهب والورِق بكسر الراء وسكونها أي: الفضة فقال: لا بأس به أي: يجوز وعليه نص الحديث، كما رأيت.
* * *
٧٨٠ - أخبرنا مالك، حدثنا داودُ بن الحُصين: أن أبا سفيان مولى ابن أبي أحمد، أخبره أنه سمع أبا سعيد الخُدري يقول: نهى رسول الله ﷺ عن المُزَابَنة والمُحَاقلة.
والمزابنة: اشتراء الثمر في رؤوس النخل بالتمر، والمحاقلة: كراء الأرض.
قال محمد: المزابنة عندنا: اشتراء الثمر في رؤوس النخل بالتمر كيلًا، لا يُدرى التَّمر الذي أعطى أكثر أو أقل، والزبيب بالعنب، لا يُدرى أيهما أكثر، والمحاقلة: اشتراء الحبّ في السنبل بالحنطة كيلًا، لا يدري أيهما أكثر، فهذه المحاقلة، وهذا كله مكروه، ولا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة، وهو قولنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال حدثنا داودُ بن الحُصين: الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة أن أبا سفيان اسمه وهب، وقيل: قزمان بضم القاف وسكون الزاي مولى أبي: عبد الله بن أحمد، وفي نسخة: ابن أبي أحمد عبد بن جحش الأموي، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة. كذا في (تقريب التهذيب) (١) أخبره أنه سمع أبا سعيد الخُدري ﵁ يقول: نهى رسول الله ﷺ عن المُزَابَنة والمُحَاقلة والمزابنة: اشتراء الثمر في رؤوس النخل بالتمر، بفتح التاء الفوقية وسكون الميم، فهي في رؤوس النخل والمحاقلة: كراء الأرض أي: بالحنطة أي: بما في معناها من جميع الطعام على اختلاف أنواعه، وتفسيرها بذلك يجئ
стр. 1479
على أن الحقل الأرض التي تزرع كخبر ما تصنعون بمحاقلكم، أي: بمزاربكم ومنه لا تنبت البقلة إلا الحقلة، وهذا التفسير مرفوع أو من قول أبي سعيد فيسلم له لأنه أعلم به، ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم من طريق ابن وهب، كليهما عن مالك، كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: المزابنة عندنا: اشتراء الثمر بفتح الثاء المثلثة والميم فراء مهملة، وقيل: بالتاء المراد به الرطب لقوله: في رؤوس النخل بالتمر أي: في الأرض كيلًا أي: بالتخمين، وكذا وزنًا لأن العلة متحدة وهي قوله: كيلًا، لا يُدرى التَّمر الذي أعطى أكثر أو أقل، أي: فيدخل فيه الربا والزبيب بالعنب، أي: كذلك لا يُدرى أيهما أكثر، أي: أو أقل والمحاقلة: اشتراء الحبّ في السنبل بالحنطة أي: المحصودة كيلًا، أي: بالتخمين لا يدري أيهما أكثر، أي: أو أقل فهذه المحاقلة، أي: عندنا وهذا أي: أمثاله كله أي: بجميع أفراده مكروه، أي: نهي عنه بنهي تحريم ولا ينبغي، أي: لا يجوز مباشرته وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: جمهور أصحاب أبي حنيفة، لا خلاف فيه عندنا.
لما فرغ من بيان حكم بيع المزابنة والمحاقلة وتفسيرها، شرع في بيان حكم شراء الحيوان باللحم، فقال: هذا
* * *
باب شراء الحيوان باللحم
في بيان حكم شراء الحيوان باللحم، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق عدم جواز المعاملة المذكورة؛ لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطاه، أو أقل أو أكثر فهما من جنس واحد، فيكون من المزابنة وهي حرام.
٧٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن سعيد بن المسيَّب، قال: نُهي عن بيع الحيوان باللحم، قال: قلتُ لسعيد: أرأيت رجلًا اشترى شارفًا بعشر شياه، فقال سعيد: إن كان اشتراها لينحرها فلا خير في
стр. 1480
ذلك، قال أبو الزِّناد: وكان مَنْ أدركت من الناس يَنْهَونَ عن بيع الحيوان باللحم، وكان يُكْتَب في عهود العمّال في زمن أبَانَ وهشام يُنْهون عن ذلك.
• أخبرنا مالك، (ق ٨١٥) وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا أبو الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة ثبت فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين وقيل: بعدها ومائة عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر (١) قال. نُهي على صيغة المجهول عن بيع الحيوان باللحم، وهي نهي تحريم للتفاضل في الجنس الواحد، فهو من المزابنة إذ لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطاه أكثر أو أقل فيكون ربا قال: أي: أبو الزناد قلتُ لسعيد: أرأيت رجلًا أي: أخبرني عن حال رجل اشترى شارفًا بشين معجمة وألف ثم راء مهملة مسكوره وفاء، أي: المسنة من النوق والجمع الشرف مثل بازل وبزل بعشر شياه، بكسر أوله جمع شاة أو قال: أي: الراوي بشاة أي: قال بعشر شاة بصيغة المفرد فقال سعيد: إن كان اشتراها بلحم وفي نسخة: لينحرها أي ليبيعها ويستفيد من ثمنها فلا خير في ذلك، أي: فلا يجوز إذ كأنه اشتراها بلحم وفي نسخة: لينحرها، ومفهومه أنه إن اشتراها ليستنتجها وينتفع بمنافعها فلا بأس به فحينئذ جاز اشتراؤها قال أبو الزِّناد: وكان وفي (الموطأ) لمالك: مَنْ أدركت من الناس يَنْهَونَ وفي نسخة: ينهى أن يزجر رجل من السلف عن بيع الحيوان باللحم، وكان ذلك أي: النهي يُكْتَب بصيغة المجهول في عهود العمّال بضم العين المهملة وتشديد الميم أي: أحكام العاملين في زمن أبَانَ أي: ابن عثمان بن عفان وهشام أي: ابن إسماعيل كما في (الموطأ) لمالك يُنْهون أي: يزجرون عن ذلك أي: عن بيع الحيوان باللحم فيدل على شهرة ذلك بالمدينة.
* * *
٧٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، أنه سمع سعيد بن المسيَّب
стр. 1481
يقول: كان من مَيْسِر أهل الجاهلية، بيع اللحم بالشاة والشاتين.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا داود بن الحُصين، قد سبق بيان طبقته آنفًا أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: كان من مَيْسِر بفتح الميم وسكون التحتية وفتح السين المهملة فراء مهملة أي: قمار أهل الجاهلية، بيع اللحم أي: لحم الجزور بالشاة والشاتين أي: فيغلبون ويغلبون.
قال أبو عمر: هذا أنه من القمار والمزابنة؛ لأنه قال ميسر وهو القمار. قال إسماعيل: إنما دخل في المزابنة؛ لأنه لو ضمن له من جزوره أو شاته المعينة أرطالًا فما زاد فله وما نقص فعليه كان هو المزابنة، فلما منع ذلك لم يجز اشتراء الجزور ولا الشاة بلحم؛ لأنه يصير إلى ذلك المعنى.
* * *
٧٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيَّب، أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
قال محمد: وبهذا نأخذ، من باع لحمًا من لحوم الغنم بشاة حيّة، لا يدري اللحمُ أكثر أو ما في الشاة من اللحم؛ فالبيع فاسد مكروه، لا ينبغي، وهذا مثل المزابنة والمحاقلة.
وكذلك بيع الزيت بالزيتون، ودهن السمسم بالسمسم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا زيد بن أسلم العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم، كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن سعيد بن المسيَّب، وقد سبق بيان طبقته ونسبه وسنه آنفًا أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان. أي: نهي تحريم للتفاضل في الجنس الواحد فهو من المزابنة إذ لا يدري، هل الحيوان مثل اللحم الذي أعطاه أقل أو أكثر.
стр. 1482
قال ابن عبد البر (١): (ق ٨١٦) لا أعلم يتصل من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد هذا، ولا خلاف عن مالك في إرساله، ورواه يزيد بن مروان عن مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد وهذا إسناد موضوع لا يصح عن مالك به مرسلًا، وصححه الحاكم، وله شاهد أخرجه البزار من حديث ابن عمر كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بهذا الحديث رواه سعيد بن المسيب سن باع لحمًا من لحوم الغنم بشاة حيّة، أي: مثلًا لا يدري اللحمُ أكثر أو ما في الشاة أي: أكثر من اللحم؛ فالبيع فاسد أي: لاحتمال الربا وقد تقدم اختلاف الأئمة فيه مكروه، أي: تحريمًا لما قال لا ينبغي، أي: لا يجوز وهذا مثل المزابنة والمحاقلة أي: في تحقق الربا لكن فرق أبو حنيفة بينه وبينهما وكذلك أي: فاسد بيع الزيت بالزيتون، أي: ثمرة الزيتون بالزيت أي: دهنه ودهن السمسم بالسمسم أي: إلا أن يكون الزيت أكثر من الزيت الذي في الزيتون، والدهن أكثر في السمسم ليكون قدرها بمثله والزائد بالتفل، وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز أصلًا كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم شراء الحيوان باللحم، شرع في بيان حكم بيع المساومة والمبايعة، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يساوم الرجل بالشيء فيزيد عليه آخر
في بيان حكم حال الرجل يساوم، أي: يكالم الرجل بالشيء أي: في ثمنه فيزيد عليه آخر.
قال ابن الملك: صورة التساوم أن يقول واحد للمشتري بعد تراض المتعاقدين: رد السلعة لا بيع منك خيرًا منه، أو يقول للبائع: استرده لأشتريه منك بأكثر.
قيل: ومجرد سكوت أحدهما لا يدل على رضاه، بل لا بد من تصريحه، فإن وجد ما يدل على رضاه ففيه وجهان: كذا قاله النووي.
٧٨٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض".
стр. 1483
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي إذا ساوم الرجل رجلًا بشيء أن يزيد عليه غيره فيه، حتى يشتري أو يَدَع.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بالجزم على النهي، وفي رواية: لا يبيع بإثبات الياء على الخبر، وهو أبلغ في النهي من النهي الصريح. قال الخطيب الدمشقي محمد بن عبد الرحمن القزويني وهي بلدة في الإِقليم الرابع من الأقاليم السبعة، في (تلخيص المفتاح): الخبر قد يقع موقع الإِنشاء لحمل المخاطب على مطلوب المتكلم، بأن يكون المخاطب ممن لا يحب أن يكذب الطالب كقولك لصحابك الذي لا يحب تكذيبك: تأتيني غدًا مقام ائتني تحمله باللطف وجه على الإِتيان؛ لأنه إن لم يأتك غدًا صرت كاذبًا من حيث الظاهر لكون كلامك في صورة الخبر انتهى أي: لا يبيع بعضكم أيها المخاطبون على بيع بعض" عدي بعلى؛ لأنه ضمن الاستعلاء رواه الشيخان عن أنس، وصورته: أن يشتري رجل شيئًا من آخر بالخيار، أو يساومه بثمن معين وتراضى المتعاقدان على ذلك، فيأتي آخر فيعرض سلعته بثمن أنقص منه أو أجود، ومعنى التساوم باللسان التركي: بازار الشمت.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ لا ينبغي (ق ٨١٧) أي: لا يجوز إذا ساوم الرجل الرجل وفي نسخة: رجلًا بدل من الرجل بشيء أن يزيد عليه غيره فيه، أي: إذا تراضيا حتى يشتري أو يَدَع أي: يتركه وإذا كانت الزيادة بعد السوم منهيًا فيعد البيع بالأولى، وقيل: النهي مخصوص بما إذا لم يكن في الصورة غير فاحش، فإذا كان فله أن يدعوه إلى الفسخ ليبيع منه بأرخص منه دفعًا للضرر عنه، وفي رواية الصحيحين عن أبي هريرة بلفظ: "لا يسم المسلم على سوم أخيه المسلم"، يقال: سام السلعة يسومها إذا طلبها الشراء، وذكر المسلم ليس للتقيد، فلا فرق بين المسلم وغيره عند الجمهور خلافًا للأوزاعي وغيره، بل لأنه أسرع امتثالًا فذكر المسلم والأخ إخراج مخرج الغالب، ولا يعتبر المفهوم المخالف. كذا قاله علي القاري والزرقاني.
стр. 1484
لما فرغ من بيان حكم بيع المساومة، شرع في بيان حكم ما يوجب البيع، فقال: هذا
* * *
باب ما يوجب البيع بين البائع والمشتري
في بيان حكم ما أي: الإِيجاب والقبول يقتضي بين البائع والمشتري وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق رد المشتري للبيع في حال الخيار على البائع إذا لم يرض المشتري عن المبيع، وكذا رد المبيع على البائع إذا رأى عند غير البائع مبيعًا أحسن من مبيع البائع.
٧٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا؛ إلا بيع الخيار".
قال محمد: وبهذا نأخذ، وتفسيره عندنا على ما بلغنا، عن إبراهيم النخعي أنه قال: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، قال: ما لم يتفرقا عن منطق البيع، إذا قال البائع: قد بعتك، فله أن يرجع، ما لم يقل الآخر قد اشتريت، وإذا قال المشتري: قد اشتريتُ بكذا وكذا، فله أن يرجع ما لم يقل البائع قد بعت، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: عن بدل أخبرنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، وفي نسخة: عن عبد الله بن دينار بدل نافع عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان أي: المتعاقدان من البائع والمشتري كل واحد منهما بالخيار خير كل أي: محكوم له بالخيار، وهو بكسر الخاء المعجمة اسم من الاختيار وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو رده
стр. 1485
على صاحبه، ما لم يتفرقا؛ أي: عن الكلام في متعلقات العقد، وفي نسخة: قال: "كل متبايعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا" أي: لا يتقرر البيع بين البائع والمشتري إلى غاية تفرقهما من الكلام.
وفي النسائي: يفترقا بتقديم الفاء، ونقل ثعلب عن المفضل بن سلمة: افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان، ورده ابن العربي بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤] فإنه ظاهر في التفرق بالكلام؛ لأنه بالاعتقاد، وأجيب بأنه من الأزمة في الغالب؛ لأن من خالف آخر في عقيدته كان مستدعيًا لمفارقته إياه ببدنه.
قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحق حمل كلام المفضل بن سلمة على الاستعمال بالحقيقية، وإنما استعمال أحدهما في موضع الآخر اتساعًا إلا بيع الخيار" مستثنى من قوله: ما لم يتفرقا.
قال عياض: وهذا أهل في جواز بيع المطلق والمقيد قال الأبي: يعني بالمطلق المسكوت عن تعيين مدة الخيار فيه، وبالمقيد ما عين فيه مدة الخيار، وإنما يكون أصلًا في بيع الخيار على أن الاستثناء من مفهوم الغاية، أي: فإن تفرقا فلا خيار إلا في بيع شرط فيه الخيار، وقيل: إنما الاستثناء من الحكم والمعنى المتبايعان (ق ٨١٨) بالخيار ما لم يتفرقا إلا في بيع شرط فيه عدم الخيار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل: المعنى إلا بيعًا جرى فيه التخيير بأن يقول أحدهما للآخر في المجلس: اختر فيختار، فيلزم العقد ويسقط خيار المجلس، فعلى هذين لا يكون أصلًا في بيع الخيار انتهى.
قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: والأول أظهر؛ لأن الخيار إذا أطلق شرعًا فهم منه إثباته لا قطعه.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على ثبوت هذا الحديث وقال به أكثرهم.
قال مالك في (الموطأ): وليس لهذا عندنا حد معلوم والأمر معمول به فيه يعني ليس للخيار حدًا بثلاثة أيام، كما حده الكوفيون والشافعي كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بهذا الحديث رواه نافع عن عبد الله بن عمر، ولما كان ظاهر الحديث يفيد خيار المجلس كما قال به الشافعي وأحمد قال: وتفسيره أي: وتأويله عندنا على ما بلغنا، عن إبراهيم النخعي أنه قال: المتبايعان بالخيار ما لم
стр. 1486
يتفرقا، هذا حديث صحيح قال: أي: إبراهيم النخعي معناه ما لم يتفرقا عن منطق البيع، أي: ما يتعلق بعقده من إيجاب وقبول وشرط ونحو ذلك إذا قال البائع قد بعتك، فله أن يرجع، أي: عن قوله بعت ما لم يقل الآخر أي: المشتري قد اشتريت، زيادة "قد" لمجرد التحقيق، وليست شرطًا في الإِيجاب وإذا قال المشتري قد اشتريت بكذا وكذا، أي: بثمن معين سابقًا ولاحقًا فله أن يرجع أي: المشتري من قوله اشتريت ما لم يقل البائع قد بعت، وحاصله ما لم يتفرقا في أقوالهما لا في أبدانهما، كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] ويسمى خيار القبول، وفي لفظ الحديث إشارة إلى ذلك، فإنهما متبايعان حالة البيع حقيقة وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم ما يوجب البيع بين البائع والمشتري، شرع في بيان حكم الاختلاف بين البائع والمشتري في ثمن البيع.
* * *
١٧ - باب الاختلاف في البيع ما بين البائع والمشتري
في بيان حكم الاختلاف في البيع، أي: ثمن المبيع بين البائع والمشتري أي: والحال أنهما اعترفا بنفس البيع، وإنما اختلفا في قدر ثمن المبيع، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق في الاتفاق والاختلاف في وقوع البيع الصحيح.
٧٨٦ - أخبرتما مالك, أنه بلغه أن ابن مسعود كانُ يُحدِّث أنّ رسول الله ﷺ قال: "أيُّمَا بَيِّعَان تبايعا، فالقولُ ما قال البائع أو يترادّان".
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اختلفا في الثمن تحالفا وترادّا البيع، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ إذا كان المبيع قائمًا بعينه، فإن كان المشتري قد استهلكه فالقول ما قال المشتري في الثمن، في قول أبي حنيفة، وأما في قولنا فيتحالفان ويترادّان القيمة.
стр. 1487
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أنه بلغه أد ابن مسعود ﵁ كان يُحدِّث أنّ رسول الله ﷺ قال: "أيُّمَا بفتح الهمزة وضم التحتية المشددة بيعين بفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة وفتح العين المهملة وسكون التحتية فنون، أي: البائع والمشتري وفيه تغليب البائع على المشتري كالقمرين تبايعا، أي: ثم اختلفا في ثمن مبيعهما فالقولُ ما قال البائع وفي نسخة صحيحة: فالقول قول البائع أو يترادّان" بتشديد الدال، والحديث رواه الطبراني (١) عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: "البيعان إذا اختلفا في البيع تراد البيع".
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اختلفا أي: البائع والمشتري في الثمن أي: في قدره تحالفا وترادّا البيع، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ إذا كان البيع قائمًا أي: موجودًا بعينه، أي: في يد المشتري أو البائع فإن كان (ق ٨١٩) المشتري قد استهلكه أي: ثم اختلف فالقول ما قال المشتري في الثمن، أي قول أبي حنيفة، وأما في قولنا يعني: أصحابه فيتحالفان ويترادّان القيمة أي: عند من يكون منهما، وفي كتاب (الرحمة): إذا حصل الاختلاف بين المتبايعين في قدر الثمن ولا بينة تحالفا بالاتفاق، والأصح من مذهب الشافعي أنه يبدأ بيمين البائع.
وقال أبو حنيفة: يبدأ بيمين المشتري، فإن كان المبيع هالكًا واختلفا في قدر ثمنه، تحالفا عند الشافعي وفسخ البيع ورجع بقيمة المبيع إن كان قيمًا وإن كان مثليًا وجب على المشتري مثله، وهذا إحدى الروايتين عن مالك.
وقال أبو حنيفة: لا تحالف مع هلاكه، ويكون القول قول المشتري، ويروى ذلك عن أحمد ومالك وقال زفر وأبو ثور: القول قول المشتري بكل حال، وعن الشعبي وابن جريج: أن القول قول البائع واختلف ورثتهما كاختلافهما.
وقال أبو حنيفة: إن كان المبيع في يد وارث البائع تحالفا، وإن كان في يد وارث المشتري فالقول قوله مع يمينه، وأما إن اختلفا المتبايعان في شرط الأجل وقدره أو في شرط الخيار وقدره أو شرط الرهن والضمان بالمال، أو بالعهدة تحالفا عند الشافعي ومالك.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تحالف في هذه الشرائط، والقول قول من ينفيها.
стр. 1488
لما فرغ من بيان حكم الاختلاف بين البائع والمشتري في قدر ثمن المبيع، شرع في بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يبيع المتاع بنسيئة فيفلس المبتاع
في بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع نسيئة فيفلس البتاع أي: فيفتقر المشتري ويعجز عن أداء ثمنه.
٧٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله ﷺ قال: "أيُّمَا رجلٍ باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحقُّ به، وإن مات فصاحبه فيه أُسْوة الغُرَماءِ".
قال محمد: إذا مات وقد قبضه فصاحبه فيه أسْوة الغرماء، وإن كان لم يقبض المشتري المبيع فهو أحقّ من بقية الغرماءِ حتى يستوفي حقه، وكذلك إن أفلس المشتري ولم يقبض ما اشترى، فالبائع أحقُّ بما باع حتى يستوفي حقَّه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن زهرة الزهري، ثقة فقيه كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه وكنيته ثقة فقيه عابد، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل غير ذلك.
قال ابن عبد البر: هكذا في جميع الموطآت ولجميع الرواة عن مالك مرسلًا إلا عبد الرزاق يحلف عنه فوصله عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وكذا اختلف أصحاب الزهري عنه في إرساله ووصله ورواية
стр. 1489
من وصله صحيحة فقد رواه عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر عن أبي هريرة وبشير بن نهيك وهشام بن يحيى كلاهما لأبي هريرة لا يرويه غيره فيما علمت انتهى.
أن رسول الله ﷺ قال: "أيُّمَا رجلٍ بفتح الهمزة وضم التحتية المشددة فميم وألف مرفوع محلا على أنه مبتدأ، واستفهامية متضمنة بمعنى الشرط، وما زائدة لتأكيد الإِبهام في أي، ومضاف إلى الرجل وخيره فهو أحق سيجيء، والمراد بالرجل إنسان مطلقًا (ق ٨٢٠) وذكره غالبي.
قال الزرقاني: رجل يجوز رفعه على أنه بدل من "أي"، وليس المبدل منه على نية الطرح انتهى. قوله: باع محله مجرور على أنه صفة رجل متاعًا أي: الرجل فأفلس فافتقر الذي ابتاعه أي: اشتراه ولم يقبض أي: والحال أن البائع الذي باعه أي: المبتاع قوله: من ثمنه متعلق بقوله: ولم يقبض شيئًا أي: قليلًا أو كثيرًا فوجده أي: صاحب المتاع متاعه في يد المشتري بعينه أي: من غير تصرف فيه فهو أي: البائع أحقُّ به، أي: بالمتاع من الغرماء؛ لأن المفلس يمكن أن ينظر له ذمه بخلاف الميت وكذا قال: وإن مات المشتري فصاحب المتاع فيه أي: في الدين الذي كان في ذمة المشتري أُسْوة أي: مساو الغُرَماءِ" وفي نسخة: للغرماء، وبهذا قال مالك وأحمد؛ ولنصه ﷺ على الفرق بين المفلس والموت، وهو قاطع لموضع الخلاف.
وقال الكوفيون: ليس أحق به فيهما.
وقال الشافعي: هو أحق به فيهما لحديث أبي داود وابن ماجه وغيرهما عن أبي المعتمر عمر وابن نافع بن عمر بن خلدة الزرقي، قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال أبو هريرة: قضى رسول الله ﷺ : "أيما رجل مات أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه"، وأجيب بأن أبا المعتمر ليس بمعروف بحمل العلم كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: إذا مات أي: المشتري وقد قبضه أي: والحال أن المشتري قبض المتاع حين اشتراه قبل موته فصاحبه أي: صاحب المتاع فيه أي: في أخذ ما في يد المشتري أسْوة بضم الهمزة وسكون السين المهملة والواو ثم الهاء أي: مساو الغرماء، وفي نسخة للشارح: للغرماء، وبه قال مالك وأحمد.
وقال الشافعي: هو أحق بها كما لو كان المفلس حيًا، وإن كان لم يقبض المشتري
стр. 1490
أي: المتاع حين المبيع فهو أي: البائع أحقّ به أي: يستحق بأخذ المبيع من بقية الغرماءِ حتى يستوفي حقه، أي: أحق البائع في أخذ حقه تمامًا من سائر الغرماء، فإن زاد على حقه فهو للغرماء أو لورثته إن لم يكن غريم وكذلك إن أفلس المشتري ولم يقبض ما اشترى، بضم التحتية وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة الفوقية ثم راء مهملة وألف، وهو المبيع بعينة، ولذا إذا لم يقبض البائع من ثمن المبيع شيئًا فالبائع أحقُّ بما باع حتى يستوفي حقَّه والله أعلم.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع فيفتقر المشتري، شرع في بيان حكم حال الرجل يشتري الشيء، أو يبيعه فيخدع في شرائه وبيعه، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يشتري الشيء أو يبيعه فيغبن فيه أو يسعر على المسلمين
في بيان حكم حال الرجل يشتري الشيء أو يبيعه فيغبن أي: فينخدع فيه أي: فيما يشتريه أو فيما يبيعه يقال: غبن الشيء، وفيه كفرح غبنًا وغبنا أغفله أو غلط فيه، وغبنه في البيع خدعه وقد غبن كعني فهو مغبون، والتغابن أن يغبن بعضهم بعضًا أو يسعر على المسلمين بضم التحتية وفتح السين المهملة وتشديد (ق ٨٢١) العين المهملة المكسورة فراء عطف على يشتري لا على فيغبن، وأو للتنويع، كذا قاله علي القاري.
٧٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رجلًا ذَكَرَ لرسول الله ﷺ : أن يُخْدَع في البيع، فقال له رسول الله ﷺ : "مَنْ بايَعتَهُ فقل: لا خِلَابَة"، فكان الرجل إذا باع قال: لا خِلابَة.
قال محمد: نري أن هذا كان لذلك الرجل خاصة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي
стр. 1491
مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر: رضي الله تعالى عنهما أن رجلًا هو حبان بن منقذ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، ومنقذ بضم الميم وسكون النون وكسر القاف والذال المعجمة، وهو الأنصاري كما قاله ابن ماجه في (سننه) والبخاري في (تاريخه)، كذا قاله ابن عبد البر، وقال: وهو أصح ذَكَرَ لرسول الله ﷺ : أنه يُخْدَع بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة فعين مهملة، أي: يراد به المكروه ويغبن غبنًا فاحشًا في البيع، أي: من حيث لا يعلم ويبدي له غير ما يكتم.
قال عياض: وفي الحديث أنه الذي ذكر ذلك لم يفقد التميز والنظر لنفسه بالكلية، فعل ذلك كان يعتريه أحيانًا ويتبين ذلك إذا انتبه انتهى. وعند الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني أن حبان بن منقذ كان ضريرًا، وكان قد شج في رأسه مأمومة وقد ثقل لسانه عند الدارقطني وابن عبد البر من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان أن جده منقذ بن عمر وكان قد أتى عليه سبعون ومائة سنة، فكان إذا بايع غبن فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال الحديث، وأخرج ابن عبد البر من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن منقذًا شبح في رأسه مأمومة في الجاهلية فخبلت لسانه، فكان يخدع في البيع فقال له رسول الله ﷺ : "مَنْ بايَعتَهُ أي: من الناس فقل: لا خِلَابَة"، بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وفتح الموحدة أي: لا خيانة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، فلا لنفي الجنس وخبر: لا خلابة محذوف.
وقال (التوربشتي): لقنه ﷺ هذا القول ليلفظ به عند البيع ليطاع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة البيع ومقادير القيمة فيها، ليرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان إخوانًا لا يغبنون أخاهم السلم، وينظرون له أكثر ما ينظرون لأنفسهم انتهى. فكان الرجل إذا باع قال: لا خِلابَة ففي مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار يقول: لا خيانة.
قال عياض: بالتحتية؛ لأنه كان ألثغ يخرج اللام من غير مخرجها، ولبعضهم لا خنابة بالنون، وهو تصحيف، وفي بعض روايات مسلم: "لا خذابة" بالذال المعجمة انتهى. وفي رواية أبي عمر من طريق نافع، قال ابن عمر: فسمعته يقول: إذا باع لا خذابة، وعند الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال
стр. 1492
فإن رضيت فاسكت فإن سخطت فاردد بقي حتى أدرك (ق ٨٢٢) زمن عثمان، وهو ابن مائة وثمانين سنة فكثر الناس في زمن عثمان فكانا إذا اشترى شيئًا فقيل له: إنك غبت فيه رجع، فيشهد له رجل من الصحابة بأن النبي ﷺ جعله بالخيار ثلاثًا فيرد له دراهمه، وروى الترمذي عن أنس أن رجلًا كان في عقله ضعف، وكان يبايع وكان أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: احجر عليه فدعاه فنهاه فقال: يا رسول الله لا أصبر على البيع فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال"، كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١).
قيل: أفاد الحديث لا خلابة لفظ وضع شرعًا لاشتراط ثلاثة أيام، فإذا قال أحدهما فأقره الآخر وعلما معناه الشرعي خُيِّرا ثلاثة أيام، قال: وزعم أنه خاص لمن خاطبه ﷺ ليس ذلك، إذ لا بد للخصوصية من الدليل هنالك.
قال محمد: نري أي: نختار أن هذا كان لذلك الرجل خاصة.
قال النووي: واختلف العلماء في هذا الحديث، فجعله بعضهم خاصًا في حقه، فإنه لا خيار بغبن لغيره، وعليه أبو حنيفة والشافعي، وقيل: للمغبون الخيار هذا الحديث بشرط أن يبلغ الغبن بثلث القيمة، كذا قاله علي القاري.
وقد استدل أحمد والبغداديون في ذلك المالكية على القيام بالغبن غير المعتاد وحدده بالثلث لا أقل؛ لأنه غبن يسير انتصب له التجار، فهو كالمدخول عليه وأبى ذلك الجمهور والأئمة الثلاثة، وقالوا: لا رد بالغبن ولو خالف العادة وتجازب الفريقان قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] فقال: الأقل الغبن المخالف للعادة من ذلك، وقال الجمهور: قد استثنى من التجارة عن تراض، وهذا عن تراض، وكذا تجاذبون فهم الحديث فقال البغداديون وأحمد: فيه الخيار للمغبون، وقال الجمهور: هي واقعة عين وحكاية حال لا يصح دعوى العموم فيها على أنه لا يجعل الخيار إلا بشرط، فالحديث حجة لعدم القيام بالغبن، إذ لو كان ثابتًا لم يأمره بالشرط بأن يقول لا خلابة، كذا قاله الزرقاني.
* * *
стр. 1493
٧٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب مرّ على حاطب بن أبي بَلْتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السّعر، وإما أن ترفع من سوقنا.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يسعّر على المسلمين، فيقال لهم: بيعوا كذا وكذا بكذا وكذا، ويجبرون على ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا يونس بن يوسف، بن حماس بكسر الحاء المهملة وخفة الميم فألف وسين مهملة ثقة عابد من عباد أهل المدينة، لمح مرة امرأة فدعا الله فأذهب عينيه ثم دعاه فردها عليه، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربعة وثمانين سنة كما قاله ابن الجوزي وابن حجر (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ مرّ على حاطب بن أبي بَلْتعة بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقية وفتح العين المهملة اسمه عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد صحابي شهد بدرًا اتفاقًا، ومات سنة ثلاثين عن خمس وستين سنة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، أي: يبيعه في سوق المدينة بأرخص ما يبيع الناس فقال له (ق ٨٢٣) عمر: إما أن تزيد في السّعر، إما أن تبيع بمثل ما يبيع أهل السوق وإما أن ترفع من سوقنا أي: لئلا تضر بأهل السوق، وإلى هذا ذهب جماعة أن الواحد والاثنين ليس له البيع بأرخص ما يبيع أهل السوق دفعًا للضرر.
وقال بذلك القاضي عبد الوهاب: قال ابن رشد في (البيان): وهو غلط ظاهر إذ لا
стр. 1494
يلائم أحد على المسامحة في البيع والحيطة فيه بل يشكر على ذلك أن فعله لوجه الناس، ويؤجر إن فعله لوجه الله تعالى، كذا قاله الزرقاني (١).
وقال بعض المحققين: أن ابن الرشيد ليس في البيان على الرشاد بل وهب الرشاد لعبد الوهاب، وقضى بالحق وبيَّن الصواب فإنه إذا كان في شيء لنفع بعض الناس وضرر على أكثرهم يمنع عنه، كما لو وضع جسر كبير على نهر لعبور التجار عليه ووقع الضرر به على أهل البلاد، ولم يأمنوا من العدو ولقلع الجسر ولو انتفع به بعض الناس.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يسعّر على المسلمين، أي: لا يجوز أن يوضع عليهم سعر معين فيقال لهم: وفي نسخة الشارح: فيقول أي: المحتسب بيعوا كذا وكذا أي: من الطعام بكذا وكذا، أي: بمقابلة الثمن المعين ويجبرون على ذلك، بصيغة المجهول، أي: لا ينبغي أن يقهر المسلمون على تسعير واحد بل لهم أن يبيعوا ما شاؤوا، إلا إنهم لا يزيدون على ما يبيعه الناس أكثرهم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وفي كتاب (الرحمة في اختلاف الأمة): ويحرم التسعير عند أبي حنيفة والشافعي وعن مالك أنه قال: إذا خالف واحد من أهل السوق أو يعتزل عنهم ثم إن سعر السلطان على الناس فباع الرجل متاعه وهو لا يريد بيعه بذلك ولا يقدر على تلك البيع كان مكرهًا.
وقال أبو حنيفة: إكراه السلطان يمنع صحة البيع وإكراه غيره لا يمنعها.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يشتري الشيء أو يبيعه فيغبن فيه، شرع في بيان حكم الاشتراط في البيع وما يفسده، فقال: هذا
* * *
باب الاشتراط في البيع وما يفسده
في بيان حكم الاشتراط في البيع وما يفسده أي: البيع من الشروط.
٧٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن مسعود اشترى من امرأته الثقفية جارية، واشترطت عليه أنك إن
стр. 1495
بعتها فهي لي بالثمن الذي تبيعها به، فاستفتى في ذلك عمر بن الخطاب، فقال: لا تَقْرَبْها وفيها شرط لأحد.
قال محمد: وبهذا نأخذ، كل شرط اشترط البائع على المشتري، أو المشتري على البائع، ليس من شروط البيع وفيه منفعة للبائع أو المشتري، فالبيع به فاسد، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا مالك أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عبيد الله بالتصغير ابن عبد الله بن عتبة، بضم العين المهملة وسكون الفوقية وفتح الموحدة فهاء هو ابن مسعود الهزلي، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: غير ذلك كذا في (تقريب التهذيب) أن عبد الله بن مسعود ﵁ اشترى من امرأته أي: زينب الثقفية أي: المنسوبة إلى قبيلة ثقيف بالحجاز جارية، أي: مملوكة واشترطت عليه أي: على زوجها (ق ٨٢٤) المشتري أنك إن بعتها أي: بعد ذلك فهي لي أي: لا تبيعها لغيري بالثمن الذي تبيعها به، أي: حينئذ لا بالثمن الذي اشتريتها مني أي: ابن مسعود فاستفتى أي: ابن مسعود في ذلك أي: في جواز هذا العقد ونفيه عمر بن الخطاب، ﵁ فقال: لا تَقرَبْها أي: الجارية على وجه التملك وفيها شرط لأحد أي: من البائع وغيره.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بفتوى عمر بن الخطاب ﵁ كل شرط اشترط البائع على المشتري، أو المشتري على البائع، ليس من شروط البيع أي: من لوازمه ومقتضياته كشرط الملك للمشتري في البيع وشرط تسليم المبيع وشرط حبس المبيع لاستيفاء الثمن وشرط انتفاع المشتري في المبيع؛ لأن هذا كله يثبت بمطلق العقد فلا يزيده الشرط إلا تأكيدًا وفيه أي: في ذلك الشرط منفعة أي: فائدة ومصلحة للبائع أو المشتري، أما البائع حكمًا لو باع شيئًا بشرط أن يقرضه المشتري درهم، أو يهدي إليه هدية أو باع دارًا على أن يسكنها شهرًا، أو على أن يسلمها إلى رأس الشهر، وأما المشتري فكما لو اشترى ثوبًا على أن يعطيه البائع أو يخيطه قميصًا أو قباء فالبيع به فاسد، أي: من
стр. 1496
أصله فإن الشرط قد يكون باطلًا والبيع صحيح، ولا بد أيضًا من تقييد ما لا يلائم العقد بأن الشرع لم يرد بجوازه، فإن ما ورده بجوازه لا يفسد كالبيع بشرط الخيار أو الأجل، وكذا ما تعارف الناس عليه كشراء نعل على أن يجدوه أو يشركه البائع، فإن البيع لا يفسد استحسانًا للتعامل، وهو حجة يترك بها القياس، وإنما لا يجوز البيع بشرط لا يقتضيه العقد لنهيه ﷺ عن بيع شرط إلا ما ذكرناه من الشروط الجائزة مستثنى من هذا النهي، فيبقى ما عداه دخلًا تحته وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وقد روى الطبراني في (معجمه (١) الأوسط) عن عبد الله بن أيوب المقري عن محمد بن سليمان الدهلي عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن أبي شبرمة، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعًا وشرط شرطًا فقال: البيع باطلٌ والشرط باطلٌ أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز، فقلت: سبحان الله ثلاثًا، من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا: حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة فأعتقها البيع جائز فالشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي شبرمة فسألته فقال: لا أدري حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال: بعت رسول الله ﷺ ناقة وشرط حملانها (ق ٨٢٥) إلى المدينة، البيع جائز والشرط جائز والحديثان الأخيران مؤولان كما حقق في محلهما كذا قاله علي القاري.
* * *
٧٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه كان يقول: لا يطأ الرجل وَلِيدةً إلا وليدةً إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء صنع فيها ما شاء.
стр. 1497
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهذا تفسير: أن العبدَ لا ينبغي أن يَتَسَرَّى؛ لأنه إن وهب لم يَجز هبته، كما يجوز هبة الحرّ، فهذا معنى قول عبد الله بن عمر، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر: أنه كان يقول: لا يطأ الرجل وَلِيدةً أي: لا يجامع جارية من الجواري إلا وليدةً أي: يجامع جارية مملوكة، كما يؤيد هذا التفسير ما في نسخة الشارح: وليدته أي: مملوكته شرعًا إن شاء باعها، أي: بعد ذلك وإن شاء وهبها، أي: لمن أراده وإن شاء صنع فيها ما شاء أي: من أنواع الخدمة أو ما أراد من التدبير والعتق ونحو ذلك.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله نافع عن ابن عمر وهذا أي: الحديث تفسير أي: تبيين لقول بعضهم أن العبدَ أي: المأذون للتجارة لا ينبغي أي: لا يجوز أن يَتَسَرَّى؛ من باب التفعل أي: لا يجوز للمملوك أن يأخذ جارية يطأها لأنه أي: العبد إن وهب بصيغة المجهول لم يَجز هبته، أي: لا يجوز للعبد الموهوب له أن يهب الموهوب؛ لأن العبد وما في يده لمولاه والمولى لم يأذن لعبده أن يهب بما في يده كما يجوز هبة الحرّ، أي: بخلاف الحر، فإنه يملك تصرف مملوكه كيف ما شاء شركًا فهذا أي: المعنى المفهوم معنى قول عبد الله بن عمر، يعني: أن العبد لا ينبغي أن يتسرى وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ومما ينبغي التنبيه عليه أنه لا يجوز للعبد المأذون أن يتخذ أمة للمجامعة، وإن صرح المولى بإجازته حتى إن المولى لو سلم إلى مأذونه أمته المملوكة، فقال: أعطيتها ووهبتها لك فتمتع بها تمتع الرجال من النساء فقبضها فوطأها يكون زنا محضا وحرامًا صرفا ولا فرق بينها وبين الأجنبيات إلا بسقوط الحد للشبهة. كذا نقله علي القاري عن العتابية.
لما فرغ من بيان حكم الاشتراط في البيع وما يفسده، شرع في بيان حكم حال الرجل باع شجرة النخل مؤبرة وعبدًا عنده مال، فقال: هذا
* * *
стр. 1498
باب من باع نخلًا مؤبرًا أو عبدًا وله مال
في بيان حكم حال الرجل من باع نخلًا مؤبرًا، بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الموحدة المفتوحة فراء مهملة أي: شجرة نخل جعلها طلع الإِناث مشقوقًا، وأخذ من طلع الذكر فترك فيه ليكون ذلك بإذن الله تعالى أجود مما لم يؤبر أو عبدًا وله مال أي: من مال سيده أو غيره وكان يتصرفه.
٧٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ باعَ نخلًا قد أُبِّرَتْ فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ باعَ نخلًا قد أُبِّرَتْ بضم الهمزة وتشديد الموحدة المكسورة وتخفيفها والتأبير التلقيح، وهو أن يشق طلع الإِناث، ويؤخذ من طلع الذكور فيذر فيه ليكون ذلك بإذن الله أجود مما لم يؤبر وهو خاص (ق ٨٢٦) بالنخل وألحق به ما انعقد من ثمر غيرها، كالتين يعلق ذكره على غصن الإِناث، فيخرج عن الذكر ذباب فيجلس على الإِناث وتصلح ولم تتساقط وإلا تتساقط بإذن الله تعالى، وفيه إشارة إلى تسليم العبد إلى عادة الله تعالى كما اعتقد إلى قدرة الله تعالى فثمرتها بمثلثة وتاء تأنيث للبائع، أي: لا للمشتري وتترك في النخل إلى الجذاذ، ولكليهما السقي ما لم يضر بالآخر، فجعل الشارح الثمر ما دام مستكنًا في الطلع كالولد في بطن الحامل إذا بيعت كان الحمل تابعًا لها، فإذا ظهر تميز حكمه، ومعنى ذلك أن كل ثمر بارز يرى في شجرة إذا بيعت أصول الشجر لم تدخل هذه الثمار في البيع إلا أن يشترطها المبتاع" أي: المشتري بأن الثمرة تكون له، ويوافقه البائع على ذلك فتكون للمشتري فإن قيل: اللفظ مطلق، فمن أين يفهم أن المشتري اشترط الثمر لنفسه. أجيب بأن تحقيق إلا مستثنى يبين المراد، بأن لفظ الافتعال يدل أيضًا عليه كما يقال: كسب لعياله واكتسب لنفسه، ومفهوم الحديث إن لم يؤبر فالثمر للمشتري، وفي جواز شرطها البائع لنفسه ومنعه قولان للشافعي ومالك.
стр. 1499
وقال أبو حنيفة: هي للبائع أبرت أو لم تؤبر وللمشتري مطالبته بقلعها عن النخل في الحال ولا يلزمه الصبر إلى الجذاذ، وإن شرط إبقاءه إليه فسد البيع؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد قال: وتعليق الحكم بما لأبار إما للتنبيه به على ما لم يؤبر، أو لغير ذلك ولم يقصد به نفي الحكم عما سوى المذكور، وفيه أن ذلك يحتاج إلى دليل وقد رده بعضهم بأن التنبيه بإنما يكون بالأدنى على الأعلى وبالشكل على الواضح، وما ذكر خارج عن الوجهين، وردَّه الأبي بأن المذكور في الأصول إنه يكون أيضًا بالأدنى على الأعلى، وحاصل أخذ المذهبين أن مالكًا والشافعي استعملا الحديث لفظًا ودليلًا أي: منطوقًا ومفهومًا، ويسمى في الأصول دليل الخطاب، وهو مفهوم المخالفة الثابت منه نقيض حكم المنطوق للسكوت عنه غير أن الشافعي استعمله بلا تخصيص، ومالكًا مخصصًا بالمشتري كما مر، وأبو حنيفة استعمله لفظًا ومعقولًا، وتسميته الأصوليون جواز تذكير النخل.
قال عياض: ولا خلاف فيه، وقد قال ﷺ للأنصار: "لا عليكم أن لا تفعلوا فتتركوا التذكير" فنقصت الثمار، فقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم وما حدثتكم به عن الله فهو حق" ورواه البخاري هنا وفي الشروط عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى: كلاهما عن مالك به. ورواه أبو داود والنسائي في الشروط وابن ماجه في التجارات كلهم من طريق مالك، وغيره، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
٧٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب قال: من باع عبدًا وله مال؛ فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: من باع عبدًا وله مال؛ أي: عنده أو في تصرفه شيء من مال سيده أو غيره فماله للبائع، أي: أن العبد وما في يده لمولاه إلا أن يشترط المبتاع أي: المشتري (ق ٨٢٧)
стр. 1500
بأن له دون غيره، وفي نسخة: إلا أن يشترطها، فالضمير المؤنث للحال؛ لأنه اسم الجنس تذكيره وتأنيثه سواء باعتبار القطعة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا وفي كتاب (الرحمة) إذا ملك عبده مالًا وباعه وقلنا: إنه يملك لم يدخل ماله في البيع، وكذا إذا أعتقه وحكى ذلك عن مالك، فإذا باع عبدًا أو جارية وعليهما ثياب لم يدخل ثيابهما في البيع بالاتفاق وعن ابن عمر ﵄: يدخل جميع ما عليهما، وقال قوم: يدخل ما يستر به العورة.
لما فرغ من بيان حكم حال من باع نخلًا مؤبرًا أو عبدًا وله مال، شرع في بيان حكم حال الرجل يشتري الجارية ولها زوج وتهدى إليه، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يشتري الجارية ولها زوج أو تهدى إليه
بالتنوين أي: نوع من المسائل التي تتعلق إلى حال الرجل يشتري الجارية ولها زوج أو تهدى إليه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق عقد المبايعة.
٧٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن بن عوف اشترى من عاصم بن عديّ جارية، فوجدها ذات زوج، فردّها.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يكون بيعها طلاقًا، فإذا كانت ذات زوج فهذا عيب فيها، تردّ منه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل ثقة مكثر كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من
стр. 1501
أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، كذا قاله ابن حجر (١) أن عبد الرحمن بن عوف فيه وضع الظاهر موضع الضمير دفعًا لتوهم غيره اشترى من عاصم بن عديّ جارية، أي: ظانًا أنها خالية من الزوج فوجدها ذات زوج، فردّها أي: بهذا العيب.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عبد الرحمن بن عوف قوله: لا يكون بيعها طلاقًا، استئناف حيث قال بعضهم: يكون بيعها طلاقها فإذا كانت أي: ظهرت ذات زوج فهذا أي: كونها مزوجة عيب فيها، أي: بالنسبة إلى غرض المشتري تردّ به أي: إن شاء المشتري ردها وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
وفي (المحيط): والنكاح في الدين عيب فيها أي: في العبد والجارية، وعند الشافعي: إن كان الدين عن شراء أو استقراض بغير إذن المولى فليس بعيب؛ لأنه يتأخر إلى ما بعد العتق، وإن كان من جناية في يد البائع ولم يفده فهي عيب.
* * *
٧٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن عبد الله بن عامر أهدى لعثمان بن عفان جارية من البصرة لها زوج، فقال عثمان: لن أقربها حتى يفارقها زوجها، فأرضى ابنُ عامر زوجَها وفارقها.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أن عبد الله بن عامر أي: ابن ربيعة العنبري حليف بني عدي، يكنى محمد المدني، ولد على عهد النبي ﷺ ولأبيه صحبة مشهورة ووثقه العجلي، مات سنة بضع وثمانين. كذا في (التقريب) (٢) أهدى لعثمان بن عفان ﵁ جارية من البصرة لها زوج، فقال عثمان ﵁: لمن أقربها أي: بالقول حتى يفارقها زوجها، فأرضى ابنُ عامر زوجَها وفارقها. أي: فقبلها عثمان ﵁.
стр. 1502
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يشتري الجارية ولها زوج أو تهدى إليه، شرع في بيان وقت الضمان قيمة البيع إلى ثلاثة أيام مطلقًا، أو إلى السنة لو اشترط البائع وللمشتري الخيار إلى السنة.
* * *
باب عهدة الثلاث والسنة
في بيان وقت عهدة بضم العين المهملة وسكون الهاء وفتح الدال المهملة والفوقية أي: الضمان، وهي مبتدأ نكرة مخصصة بخبره، وهو الثلاث أي: ضمان البائع يشترط الخيار، والسنة عطف على الثلاث أي: ومدة ضمان البائع نقصان البيع إذا ظهر عيبه أو مدة رد المشتري إذا ظهر عيبه نحصر إلى السنة إذا اعتد بها، اعلم أن خيار الشرط أنواع: فاسد اتفاقًا كما إذا قال المشتري: اشتريت على أني بالخيار أيامًا أو على أني بالخيار أبدًا؛ لأنه علق الخيار بوقت مجهول، وجائز اتفاقًا وهو أن يقول: اشتريت على أني بالخيار ثلاثة أيام فما دونها، ومختلف وهو أن يقول المشتري: اشتريت على أني بالخيار شهرًا أو شهرًا وشهرين، فإنه فاسد عند أبي حنيفة وزفر والشافعي وجائز عند أبي يوسف ومحمد كما قاله في (الدرر).
٧٩٦ - أخبرنا مالك, أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعتُ أبان بن عثمان بن عفان وهشام بن إسماعيل يُعلِّمان الناس عهدةَ الثلاث وعهدة السنة؛ يخطبان به على المنبر.
قال محمد: لسنا نعرف عهدة الثلاث ولا عهدة السنة، إلا أن يشترط الرجل للرجل خيار ثلاثة أيام أو خيار سنة، فيكون ذلك على ما اشترط، وأما في قول أبي حنيفة فلا يجوز الخيار إلا ثلاثة أيام.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بفتح العين ابن حزم بفتح الحاء المهملة والزاي الساكنة فميم، كذا في
стр. 1503
نسخة وهو الأنصاري المدني القاضي بها، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١) قال: سمعتُ أبان بفتح الهمزة وخفة الموحدة ابن عثمان بن عفان الأموي المدني، يكنى أبا سعيد المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة وهشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي المكي مجهول، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب) (٢) وذكره ابن حبان في الثقات، ولي المدينة من طرف عبد الملك بن مروان، كذا قاله الزرقاني (٣) يُعلِّمان الناس عهدةَ أي: يذكر كل واحد من أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل إلى الضمان على البائع نقصان المبيع قوله: الثلاث والسنة خبرًا لمبتدأ محذوف، وتقديره: وقت الضمان على البائع بنقصان البيع إذا ظهر عيبه بعد العقد منتهى إلى ثلاثة أيام وإلى اثنى عشر شهرًا عند الإِمام مالك وأحمد لو لم يشترط البائع والمشتري الخيار إلى ثلاثة أيام بالاتفاق إذا اشترط الخيار إلى ثلاثة أيام، وإلى السنة؛ عند أبي يوسف ومحمد إذ اشترطت الخيار إلى السنة يخطبان به أي: بما ذكر على المنبر أي: ولا ينكر أحد عليهما، هذا الحديث (ق ٨٢٩) مقطوع وهو موقوف على التابعين، كذا قاله الخطيب البغدادي.
قال محمد: لسنا نعرف عهدة الثلاث ولا عهدة السنة أي: لا في الكتاب ولا في السنة، إلا أن يشترط الرجل للرجل خيار ثلاثة أيام أو خيار سنة، فيكون ذلك أي: العقد على ما اشترط، أي: إذا لم يكن ذلك شرطًا وصلب العقد فلا عهدة، أي: فلا ضمان على البائع لا في ثلاثة أيام ولا في سنة وأما في قول أبي حنيفة فلا يجوز الخيار إلا ثلاثة أيام أي: فلا يجوز عهدة السنة عنده مطلقًا. وفي (المحيط): لو شرط الخيار أبدًا أو مطلقًا أو مؤقتًا بوقت مجهول فسد خلافًا لمالك وأحمد من حيث قال مالك في (الموطأ): ما أصاب العبد أو الوليدة في الأيام الثلاثة من حين يشتريان حتى تنقضي الثلاثة فهو من البائع، أي: ضمانه على البائع للمشتري رده وإن عهدة السنة من الجنون والجزام والبرص
стр. 1504
فهي قليلة الضمان كثيرة الزمان، فإذا مضت السنة ولم يظهر عيب المبيع فقد برئ البائع من العهدة والضمان.
لما فرغ من بيان حكم وقت الضمان على البائع بنقصان المبيع إذا ظهر عيبه، شرع في بيان حكم بيع الولاء، فقال: هذا
* * *
باب بيع الولاء
في بيان حكم بيع الولاء بفتح الواو واللام الممدودة لغة: بمعنى المقاربة والمناصرة، وشرعًا: عبارة عن عصوبة متراضية عن عصوبة النسب يرث منها المعتق، ويلي أمر النكاح والصلاة عليه، وقد ورد: "الولاء لمن أعتق" رواه أحمد (١) والطبراني (٢) عن ابن عباس، وفي رواية: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب" رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى والحاكم والبيهقي عن ابن عمر ﵄.
٧٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر: ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء، بفتح الواو وممدود وأصله من الولي، وهو القرب، وأما من الإِمارة فالولاء بكسر الواو، وقيل: بالوجهين، ويطلق على معان والمراد به هنا ولاء الأنعام بالعتق وعن هبته أي: نهى عن هبة
стр. 1505
الولاء وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى عن ذلك، وهذا الحديث من أفراد دينار، واحتاج الناس فيه إليه، كما قال أبو عمر وغيره حتى قال مسلم: الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث، وأخرج أبو يعلى وابن حبان عن ابن دينار عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث" واللحمة بالضم الاختلاط كالاختلاط في النسب؛ فإنها تجري مجرى النسب في الميراث قال (الأبي): هذا منه ﷺ تعريف لحقيقة الولاء شرعًا، ولا تجد تعريفًا أتم منه، والمعنى أن بين العتق والعتيق نسبة تشبه نسبة النسب وليست به، ووجه (ق ٨٣٠) الشبه أن العبد لما فيه من الرق كالمعدوم في نفسه والمعتق صيَّره موجودا كما في الولد كان معدومًا فتسبب الآن في وجوده انتهى.
وأصله قول ابن العربي: معنى الولاء لحمة كلحمة النسب أن الله أخرجه بالحرية إلى النسب حكمًا، كما أن الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسًا؛ لأن العبد كان كالمعدوم في حق الأحكام لا يقضي ولا يلي ولا يشهد، فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه الأحكام من عدمها فلما شابه حكم النسب أنيط بالعتق؛ فلذا جاء إنما الولاء لمن أعتق، وألحق برتبة النسب فنهى عن بيعه وعن هبته.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن رسول الله ﷺ لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة.
* * *
٧٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عائشة زوج النبي ﷺ أرادت أن تشتري وليدة فتعتقها، فقال أهلها: نبيعك على أن ولاءها لنا، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك فإنما الولاءُ لمن أعتق".
قال محمد: وبهذا نأخذ، الولاءُ لمن أعتق، لا يُتحوّل عنه، وهو كالنسب، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1506
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر: أن عائشة زوج النبي ﷺ الزوج والزوجة بمعنى امرأة الرجل لكن الزوج أفصح، قال تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] أرادت أن تشتري وليدة أي: جارية يقال لها: بريرة فتعتقها، أي: بعد شرائها والفاء عاطفة على تشتري، وفي رواية: لتعتقها باللام فقال أهلها: أي: ملاك الوليدة نبيعك بكسر الكاف خطاب لعائشة أي: الوليدة على أن ولاءها لنا، أي: لا لك فذكرت أي: عائشة ذلك أي: شرطهم لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك نهي غائب أي: يا عائشة ذلك أي: الشرط عن شرائه؛ لأنه مخالف للشرع فإنما الولاءُ لمن أعتق" بلام الاختصاص أي: لأن الولاء مختص بمن أعتق، كذا قاله الكرماني وجوزه غيره أن يكون للاستحقاق كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] أو للصيرورة، وكل منها نفي أن يكون الولاء لغير من أعتق.
قال المازري: فيه حجة لمالك والشافعي وأحمد أنه لا ولاء لملتقط اللقيط خلافًا لاستحقاق، ولا لمن أسلم على يديه خلافًا للحنفية، والولاء في جميعهم للمسلمين إلا أن يكون لأحدهم وارث.
وقال أبو حنيفة ﵀: لكل أحد أن يوالي من شاء فيرثه والحديث على الجميع؛ لأن إنما للحصر تثبت الحكم للمذكور وتنفيه على من سواه، وعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل والمنفصل.
قال الأبي: كلمة "إنما" مركبة من "أن" التي حرف توكيد و"من ما" التي هي حرف نفي والأصل بقاء الحروف على معانيها اعتد الضم لما استحال رد النفي إلى نفس المثبت، لما فيه من التناقض وجب حمله على إثباته للمذكور ونفيه عمن سواه، وبه عرف معنى لتحقيق المتصل وتمحيق المنفصل النهي فالقصر قصر القلب، والحديث رواه البخاري في العتق والبيع عن عبد الله بن يوسف، وفي الفرائض عن قتيبة بن سعيد، ومسلم عن يحيى: الثلاثة (ق ٨٣١) عن مالك، به كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن عائشة ﵂ الولاءُ لمن أعتق، أي: مطلقًا لا يُتحوّل عنه، أي: لا ينقل الولاء عن المعتق وعصبته
стр. 1507
لا يبيعه ولا يهبه وهو أي: الولاء كالنسب، أي: كلحمة في لزومه لأهله من غير تحوله شاؤوا أم أبوا لزومًا شرعيًا، وهو أي: مقصورية الولاء لمن أعتق قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
قال الفقهاء: وعامة الشيء يطلق بإزاء معظم الشيء وبإزاء جميعه، والظاهر أن الخطاب أراد الكل ولو أراد الأكثر لما فرق العلماء والفقهاء، كذا قاله في شرح الألفية للعراقي.
لما فرغ من بيان حكم بيع الولاء، شرع في بيان حكم بيع أم الولد، فقال: هذا
* * *
باب بيع أمهات الأولاد
في بيان حكم بيع أمهات الأولاد، أي: من السراري إذا أقر بهم استأذنهن، أشار بصيغة الجمع إلى أنواع أمهات الأولاد، سواء كانت مدبرة لمسلم أو ذمي أو مكاتبة لهما، فإنهن لا يبايعن ولا يورثن، فإنهن كن حرائر يوضع حملهن من سيدها.
٧٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: أيُّما وليدة وَلَدت من سيدّها؛ فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يُوَرّثها وهو يستمتع منها، فإذا مات فهي حرة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أيُّما وليدة أي: جارية وَلَدت أي: وضعت حملها من سيدّها؛ فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يُوَرّثها بالتخفيف والتشديد أي: لا يعطيها الإِرث من ماله وهو أي: سيدها الولد يستمتع منها، أي: ينتفع بالجماع والخدمة في نفس أم الولد، وفي نسخة: بها أي: بمدة حياتها، وفي رواية: ما عاش، أي: ما دام حيًا فإذا مات أي: سيدها فهي حرة وقال ربيعة: يتعجل عتقها.
стр. 1508
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول عمر بن الخطاب وهو أي: ما قاله عمر بن الخطاب قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا اتفق الأئمة الأربعة على أن أمهات الأولاد لا تباع. وهذا مذهب السلف والخلف إلا ما يحكى عن بعض الصحابة وقال أبو داود الأصفهاني وبشر الموسي: يجوز بيع أمهات الأولاد، ولا يعتق بموت الموالي، لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث جابر قال: بعنا أمهات الأولاد في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا عن ذلك فانتهينا، ثم نسخ وشاع نسخه زمن عمر، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ عن بيان حكم بيع أمهات الأولاد، شرع في بيان حكم بيع الحيوان ببعضه نسيئة أو نقدًا.
* * *
باب بيع الحيوان بالحيوان نقدًا ونسيئة
في بيان حكم بيع الحيوان بالحيوان أي: ببعضه نسيئة أي: زمانًا متراضيًا ونقدًا، أي: متعجلًا غير متراخ.
٨٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا صالح بن كَيْسَان، أن الحسن بن محمد بن علي أخبره: أن عليّ بن أبي طالب باع جملًا له يُدْعَى عُصَيْفِيرًا، بعشرين بعيرًا إلى أجل.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا صالح بن كَيْسَان، المدني، يكنى أبا محمد وأبا الحارث مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل (ق ٨٣٢) المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعد الأربعين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١) أن الحسن بن محمد أي: الباقر ابن علي بن أبي طالب الهاشمي، يكنى أبا محمد المدني وأبا محمد بن الحنفية، ثقة فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإِرجاء لكنه في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة أو
стр. 1509
قبلها، كذا في (تقريب التهذيب) أخبره: أن عليّ بن أبي طالب ﵁ باع جملًا له بفتح الجيم والميم أي: بعيرًا ملكًا له يُدْعَى بضم التحتية وسكون الدال أي: يسمى عُصَيْفِيرًا، تصغير عصفور لقب به لسرعة سيره كالطير بعشرين بعيرًا أي: صغارًا إلى أجك أي: إلى وقت معين متراخ والبعير اسم الجنس كالإِنسان يقع على الذكر والأنثى، والجمل مختص بالذكر، والناقة مختصة بالأنثى، فإن قيل: ما الفائدة في البيع إلى أجل معين أجيب بأن فيه منافع مختلفة.
* * *
٨٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر اشترى راحلةً بأربعة أبعرة مضمونة عليها يوفيها إياه بالربذة.
قال محمد: بلغنا عن عليّ بن أبي طالب خلاف هذا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، أن عبد الله بن عمر اشترى راحلةً أي: مركبًا من الإِبل ذكرًا كان أو أنثى، وقيل: هي الناقة التي تصلح أن ترحل، وجمعها رواحل بأربعة أبعرة على زنة أفعلة جمع بعير، يقع على الذكر والأنثى مضمونة عليها أي: في ذمته يوفيها أي: صاحبها وافيا كاملًا إياه أي: صاحبها بالربذة متعلق بالمشتري، وهو بفتح الراء المهملة والموحدة والذال المعجمة، فكان معروفًا في قرب المدينة قد دفن أبو ذر الغفاري ﵁.
قال محمد: بلغنا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ خلاف هذا وقد تقدم تحقيق الخلاف في هذا عن غيره أيضًا، وفي نسخة: ذلك بدل لفظ هذا.
* * *
٨٠٢ - قال محمد: أخبرنا ابن أبي ذؤيب، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن أبي حسن البزار، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن عليّ
стр. 1510
ابن أبي طالب ﵁: أنه نهى عن بيع البعير بالبعيرين إلى أجل، والشاة بالشاتين إلى أجل، وبلغنا عن النبي ﷺ : أنه كان نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• قال محمد: أخبرنا مالك كذا في نسخة الشارح، أخبرنا ابن أبي ذؤيب تصغير ذئب مولى حازم بن حرملة الغفاري، مجهول، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة بعد المائة عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، تصغير قسط ابن أسامة الليثي، يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة، وله تسعون سنة عن أبي حسن البزار، بالزاي ثم الراء المهملة عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه نهى عن بيع البعير بالبعيرين إلى أجل، أي: إلى وقت معلوم متأخر والشاة بالشاتين إلى أجل، أي: وهذا القياس في سائر الحيوانات وبلغنا عن النبي ﷺ : أنه كان نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، بفتح النون وكسر السين المهملة والهمزة المفتوحة والفوقية أي: وقتًا معلومًا متراخيًا، وروى أحمد وابن ماجه عن جابر مرفوعًا: لا بأس ببيع الحيوان واحد باثنين يدًا بيد فبهذا الحديث نأخذ، نعمل ونفتي وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
وقال مالك في (موطئه): أنه سأل ابن شهاب (ق ٨٣٣) عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل فقال: لا بأس بذلك أي: يجوز.
وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا انتهى.
لما فرغ من بيان حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ونقدًا، شرع في بيان حكم البيع على الشركة، فقال: هذا
* * *
باب الشركة في البيع
في بيان حكم الشركة في البيع، وهي بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وبكسرهما الاشتراك، وفي نسخة: في البيوع، والمراد بها شركة خاصة، وهي أن يكون المال لواحد والخدمة لآخر.