← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر: أن عائشة زوج النبي ﷺ الزوج والزوجة بمعنى امرأة الرجل لكن الزوج أفصح، قال تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] أرادت أن تشتري وليدة أي: جارية يقال لها: بريرة فتعتقها، أي: بعد شرائها والفاء عاطفة على تشتري، وفي رواية: لتعتقها باللام فقال أهلها: أي: ملاك الوليدة نبيعك بكسر الكاف خطاب لعائشة أي: الوليدة على أن ولاءها لنا، أي: لا لك فذكرت أي: عائشة ذلك أي: شرطهم لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك نهي غائب أي: يا عائشة ذلك أي: الشرط عن شرائه؛ لأنه مخالف للشرع فإنما الولاءُ لمن أعتق" بلام الاختصاص أي: لأن الولاء مختص بمن أعتق، كذا قاله الكرماني وجوزه غيره أن يكون للاستحقاق كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] أو للصيرورة، وكل منها نفي أن يكون الولاء لغير من أعتق. قال المازري: فيه حجة لمالك والشافعي وأحمد أنه لا ولاء لملتقط اللقيط خلافًا لاستحقاق، ولا لمن أسلم على يديه خلافًا للحنفية، والولاء في جميعهم للمسلمين إلا أن يكون لأحدهم وارث. وقال أبو حنيفة ﵀: لكل أحد أن يوالي من شاء فيرثه والحديث على الجميع؛ لأن إنما للحصر تثبت الحكم للمذكور وتنفيه على من سواه، وعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل والمنفصل. قال الأبي: كلمة "إنما" مركبة من "أن" التي حرف توكيد و"من ما" التي هي حرف نفي والأصل بقاء الحروف على معانيها اعتد الضم لما استحال رد النفي إلى نفس المثبت، لما فيه من التناقض وجب حمله على إثباته للمذكور ونفيه عمن سواه، وبه عرف معنى لتحقيق المتصل وتمحيق المنفصل النهي فالقصر قصر القلب، والحديث رواه البخاري في العتق والبيع عن عبد الله بن يوسف، وفي الفرائض عن قتيبة بن سعيد، ومسلم عن يحيى: الثلاثة (ق ٨٣١) عن مالك، به كذا قاله الزرقاني. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن عائشة ﵂ الولاءُ لمن أعتق، أي: مطلقًا لا يُتحوّل عنه، أي: لا ينقل الولاء عن المعتق وعصبته

стр. 1507

لا يبيعه ولا يهبه وهو أي: الولاء كالنسب، أي: كلحمة في لزومه لأهله من غير تحوله شاؤوا أم أبوا لزومًا شرعيًا، وهو أي: مقصورية الولاء لمن أعتق قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. قال الفقهاء: وعامة الشيء يطلق بإزاء معظم الشيء وبإزاء جميعه، والظاهر أن الخطاب أراد الكل ولو أراد الأكثر لما فرق العلماء والفقهاء، كذا قاله في شرح الألفية للعراقي. لما فرغ من بيان حكم بيع الولاء، شرع في بيان حكم بيع أم الولد، فقال: هذا * * * باب بيع أمهات الأولاد في بيان حكم بيع أمهات الأولاد، أي: من السراري إذا أقر بهم استأذنهن، أشار بصيغة الجمع إلى أنواع أمهات الأولاد، سواء كانت مدبرة لمسلم أو ذمي أو مكاتبة لهما، فإنهن لا يبايعن ولا يورثن، فإنهن كن حرائر يوضع حملهن من سيدها. ٧٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: أيُّما وليدة وَلَدت من سيدّها؛ فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يُوَرّثها وهو يستمتع منها، فإذا مات فهي حرة. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أيُّما وليدة أي: جارية وَلَدت أي: وضعت حملها من سيدّها؛ فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يُوَرّثها بالتخفيف والتشديد أي: لا يعطيها الإِرث من ماله وهو أي: سيدها الولد يستمتع منها، أي: ينتفع بالجماع والخدمة في نفس أم الولد، وفي نسخة: بها أي: بمدة حياتها، وفي رواية: ما عاش، أي: ما دام حيًا فإذا مات أي: سيدها فهي حرة وقال ربيعة: يتعجل عتقها.

стр. 1508

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول عمر بن الخطاب وهو أي: ما قاله عمر بن الخطاب قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا اتفق الأئمة الأربعة على أن أمهات الأولاد لا تباع. وهذا مذهب السلف والخلف إلا ما يحكى عن بعض الصحابة وقال أبو داود الأصفهاني وبشر الموسي: يجوز بيع أمهات الأولاد، ولا يعتق بموت الموالي، لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث جابر قال: بعنا أمهات الأولاد في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا عن ذلك فانتهينا، ثم نسخ وشاع نسخه زمن عمر، كذا قاله علي القاري. لما فرغ عن بيان حكم بيع أمهات الأولاد، شرع في بيان حكم بيع الحيوان ببعضه نسيئة أو نقدًا. * * * باب بيع الحيوان بالحيوان نقدًا ونسيئة في بيان حكم بيع الحيوان بالحيوان أي: ببعضه نسيئة أي: زمانًا متراضيًا ونقدًا، أي: متعجلًا غير متراخ. ٨٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا صالح بن كَيْسَان، أن الحسن بن محمد بن علي أخبره: أن عليّ بن أبي طالب باع جملًا له يُدْعَى عُصَيْفِيرًا، بعشرين بعيرًا إلى أجل. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا صالح بن كَيْسَان، المدني، يكنى أبا محمد وأبا الحارث مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل (ق ٨٣٢) المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعد الأربعين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١) أن الحسن بن محمد أي: الباقر ابن علي بن أبي طالب الهاشمي، يكنى أبا محمد المدني وأبا محمد بن الحنفية، ثقة فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإِرجاء لكنه في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة أو

стр. 1509

قبلها، كذا في (تقريب التهذيب) أخبره: أن عليّ بن أبي طالب ﵁ باع جملًا له بفتح الجيم والميم أي: بعيرًا ملكًا له يُدْعَى بضم التحتية وسكون الدال أي: يسمى عُصَيْفِيرًا، تصغير عصفور لقب به لسرعة سيره كالطير بعشرين بعيرًا أي: صغارًا إلى أجك أي: إلى وقت معين متراخ والبعير اسم الجنس كالإِنسان يقع على الذكر والأنثى، والجمل مختص بالذكر، والناقة مختصة بالأنثى، فإن قيل: ما الفائدة في البيع إلى أجل معين أجيب بأن فيه منافع مختلفة. * * * ٨٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر اشترى راحلةً بأربعة أبعرة مضمونة عليها يوفيها إياه بالربذة. قال محمد: بلغنا عن عليّ بن أبي طالب خلاف هذا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، أن عبد الله بن عمر اشترى راحلةً أي: مركبًا من الإِبل ذكرًا كان أو أنثى، وقيل: هي الناقة التي تصلح أن ترحل، وجمعها رواحل بأربعة أبعرة على زنة أفعلة جمع بعير، يقع على الذكر والأنثى مضمونة عليها أي: في ذمته يوفيها أي: صاحبها وافيا كاملًا إياه أي: صاحبها بالربذة متعلق بالمشتري، وهو بفتح الراء المهملة والموحدة والذال المعجمة، فكان معروفًا في قرب المدينة قد دفن أبو ذر الغفاري ﵁. قال محمد: بلغنا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ خلاف هذا وقد تقدم تحقيق الخلاف في هذا عن غيره أيضًا، وفي نسخة: ذلك بدل لفظ هذا. * * * ٨٠٢ - قال محمد: أخبرنا ابن أبي ذؤيب، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن أبي حسن البزار، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن عليّ

стр. 1510

ابن أبي طالب ﵁: أنه نهى عن بيع البعير بالبعيرين إلى أجل، والشاة بالشاتين إلى أجل، وبلغنا عن النبي ﷺ : أنه كان نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • قال محمد: أخبرنا مالك كذا في نسخة الشارح، أخبرنا ابن أبي ذؤيب تصغير ذئب مولى حازم بن حرملة الغفاري، مجهول، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة بعد المائة عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، تصغير قسط ابن أسامة الليثي، يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة، وله تسعون سنة عن أبي حسن البزار، بالزاي ثم الراء المهملة عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه نهى عن بيع البعير بالبعيرين إلى أجل، أي: إلى وقت معلوم متأخر والشاة بالشاتين إلى أجل، أي: وهذا القياس في سائر الحيوانات وبلغنا عن النبي ﷺ : أنه كان نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، بفتح النون وكسر السين المهملة والهمزة المفتوحة والفوقية أي: وقتًا معلومًا متراخيًا، وروى أحمد وابن ماجه عن جابر مرفوعًا: لا بأس ببيع الحيوان واحد باثنين يدًا بيد فبهذا الحديث نأخذ، نعمل ونفتي وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. وقال مالك في (موطئه): أنه سأل ابن شهاب (ق ٨٣٣) عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل فقال: لا بأس بذلك أي: يجوز. وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا انتهى. لما فرغ من بيان حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ونقدًا، شرع في بيان حكم البيع على الشركة، فقال: هذا * * * باب الشركة في البيع في بيان حكم الشركة في البيع، وهي بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وبكسرهما الاشتراك، وفي نسخة: في البيوع، والمراد بها شركة خاصة، وهي أن يكون المال لواحد والخدمة لآخر.

стр. 1511

٨٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا العلاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أباه أخبره، قال: أخبرني أبي، قال: كنتُ أبيعُ البزَّ في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وأن عمر قال: لا يبيعن في سوقنا أعجمي، فإنهم لم يتفقهوا في الدين، ولم يقيموا الميزان والمكيال، قال يعقوب: فذهبتُ إلى عثمان بن عفان ﵁، فقلت له: هل لك في غنيمة باردة، قال: ما هي؟ قال: قلتُ: بَزٌّ قد علمتُ مكانَه، يبيعه صاحبه برخص لا يستطيع بيعه، أشتريه لك ثم أبيعه لك، قال: نعم، فذهبت فصفقت بالبزِّ ثم جئتُ به، فطرحته في دار عثمان، فلما رجع عثمان فرأى العُكومَ في داره، قال: ما هذا؟ قالوا: بَزٌّ جاء به يعقوب، قال: ادعوه لي، فجئتُ، قال: ما هذا؟ فقلتُ: هذا الذي قلتُ لك، قال: أنَظَرْتَهُ؟ فقلت: قد كفيتُك، ولكن رابَهُ حَرَسُ عمر، قال: نعم، فذهبتُ مع عثمان إلى حرس عمر، فقال: إن يعقوب يبيع بَزّي فلا تمنعوه، قالوا: نعم، فجئت بالبز السوقَ، فلم ألبث ثم جعلتُ ثمنه في مزودٍ وذهبتُ به إلى عثمان ﵁، وبالذي اشتريتُ البزّ منه، فقلت له: عُدَّ الذي لك، فاعتدّه وبقي مال كثير، قال: فقلتُ لعثمان: هذا لك، أما إني لم أظلم فيه أحدًا، قال: جزاك الله خيرًا، وفرح بذلك، قال: قلت: أما إني قد علمت مكان بيعة مثلها، أو أفضل، قال: وعائد أنت؟ قلت: نعم إن شئت، قال: قد شئت، قال: قلت فإني باغ خيرًا فأشركني، قال: نعم، بيني وبينك. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس أن يشترك الرجلان في الشراء بالنسيئة، وإن لم يكن لواحد منهما رأس مال، على أن الربح بينهما، والوضيعة على ذلك، وإن ولي الشراء والبيع أحدهما دون صاحبه ولا يفضل واحد منهما صاحبَه في الربح فإنَّ ذلك لا يجوز أن يأكل أحدهما ربح ما ضمن صاحبه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1512

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا العلاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب، الحرقي بضم الحاء المهملة وفتح الراء المهملة بعدها قاف، يكنى أبا شبل بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة المدني، صدوق ربما وهم، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) أن أباه أي: أبا العلاء، وهو عبد الرحمن بن يعقوب أخبره، أي: العلاء قال: أخبرني أبي، أي: يعقوب قال: كنتُ أبيعُ البزَّ بتشديد الزاي الثياب في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وأن عمر قال: لا يبيعن بصيغة النهي، وفي نسخة: لا يبيعه بصيغة النفي والمراد النهي عن البيع والشراء في سوقنا أي: أهل المدينة أعجمي، أي: غير عربي فإنهم كالعبد لم يتفقهوا في الدين، أي: في مسائله الشرعية وأحكامه الفرعية قال تعالى في سورة التوبة: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] والأعاجم كانوا في حكمها أوائل الإِسلام قبل (إحكام الأحكام)، ويقال: فقه كفرح إذا علم فهو فقيه وفقه بالضم مثله وقيل: الضم إذا صار الفقه سجية، كذا في (المصابيح) وقد ورد: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" أو ولم يقيموا الميزان وفي نسخة: والمكيال أي: بالعدل والاعتدال، وفيه دليل على جوازه منع الحطام بعض أهل السوق عن البيع والشراء مع العذر تخليصًا عن المصائب، وفيه دليل على وجوب علم البيع والشراء على أهل السوق، ولئلا يكونوا من الغدارين خرّج الحاكم والطبراني والبيهقي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين" يعني: أن قومًا إذا نقصوا الكيل والوزن لم تنبت الأرض شيئًا سواء وقع مطر أو لم يقع وعاقبهم الله بالقحط وضيق القوت والعيش، وأول الحديث قال رسول الله ﷺ : "خمس بخمس، ما نقص العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين (ق ٨٣٤) ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر" وروى مسلم (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل

стр. 1513

غادر لواء عند استه، يرفع في الجو بقدر غدره" قوله: "لواء" علم لتشهيره بما جناه بوضع أسفله قوله: "عندا سته" بكسر الهمزة وسكون السين المهملة، وهو الدبر وقوله: "بقدر غدره" أي: بحسب غدره قوةً وضعفًا إهانةً له، وإعلامًا للخلائق عمله القبيح قال يعقوب: فذهبتُ إلى عثمان بن عفان ﵁، أي: في زمن خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فقلت له: هل لك أي: ميل ورغبة في غنيمة باردة، أي: في منفعة وفائدة زائدة قال: أي: عثمان ما هي؟ أي: أيُّ غنيمة هي فائدة قال: قلتُ: بَزٌّ قد علمتُ مكانَه، يبيعه صاحبه أي: البز وهو الثوب، وفي نسخة: يبيع برخص بضم الراء المهملة وسكون الخاء المعجمة، ثم صاد مهملة، أي: يسر وسهولة عن قيمة السوق وسببه أنه لا يستطيع بيعه، أي: لأنه أعجمي ممنوع عن بيعه في السوق أو بسبب غير ذلك أشتريه لك أي: من مالك ثم أبيعه لك، أي: وكالة قال: أي: عثمان جوابًا لسؤال يعقوب نعم، أي: اشتره ثم بعه؛ لأن لي رغبة إلى فائدة زائدة فذهبت فصفقت بالبزِّ أي: اشتريت الثوب، وأصل الصفق وضع اليد على اليد في البيع والبيعة، ثم جعل عبارة عن العقد نفسه، وقول ابن عمر البيع صفقة أو خيار أي: بيع بات بخيار، كذا في (المغرب) ثم جئتُ به، أي: بالبز فطرحت أي: ألقيت في دار عثمان، فلما رجع عثمان فرأى العُكومَ بضم العين المهملة والكاف المضمومة وسكون الواو ثم ميم جمع العكم بكسر العين وسكون الكاف، يقال له بلسان التركي: بوك دنكي وبيوك جوال به ابجنده توبلر أوله، كذا في (الأختري) في داره، قال: ما هذا؟ أي: أيُّ شيء هذا قالوا: أي: خدامه بَزٌّ أي: ثوبًا جاء به يعقوب، قال: ادعوه لي، أي: فجاء الداعي من طرف عثمان، وقال: إن عثمان يطلبك فجئتُ، إليه فقال: أي: سألني بأن قال: ما هذا؟ فقلتُ هذا الذي قلتُ أي: أخبرت لك، بأن عمر منع أن يبيع رجلٌ أعجمي في سوقنا فإنهم لم يفقهوا في الدين، وأنا أعلم رجلًا خارج السوق يبيع ثوبًا أرخص مما يباع في السوق وأخبرتني؛ لأن أشتريه لك بقيمة يسيرة وأبيعه لك بفائدة زائدة قال: أي: عثمان أنَظَرْتَهُ؟ أي: هل أبصرت داخله فقلت: كفيتُك، أي: جعلتك كافيه أمره وفي نسخة: قد كفيتك ولكن رابني من الريب أي: أوقعني في شك حَرَسُ عمر، بفتح المهملتين وبعدهما سين مهملة، أي: حفاظ عمر في السوق والحاصل إنه خاف من جهتهم في شرائه، وبيعه قال: أي: يعقوب بفتح النون والعين المهملة وسكون الميم حرف (ق ٨٣٥) إعلام، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)

стр. 1514

أي: أعلمك يا عثمان أن حجاب عمر في السوق يمنعوه البيع والشراء فذهبتُ مع عثمان إلى حرس عمر، فقال: إن يعقوب يبيع بَزّي أي: ثوبي فلا تمنعوه، أي: من بيعه في السوق قالوا: أي: الحراس نعم، أي: لا نمنعه فجئت بالبز السوقَ، فلم ألبث بفتح الموحدة أي: فلم أمكث ثم جعلتُ ثمنه في مزودٍ بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الواو فدال مهملة، أي: وعاء، وأصله دعاء الزاد وذهبتُ وفي نسخة: ثم ذهبت به أي: بالمزود إلى عثمان وبالذي أي: البائع الذي اشتريتُ البزّ منه، أي: نسيئة فقلت له: أي: لبائعه عد بضم العين وتشديد الدال المفتوحة أمر أصله عُدَّ الذي أي: الثمن لك، من ثمنه فاعتدّه بتشديد الدال أي فعده وأخذه وبقي مال كثير، أي: زائد على قدر ثمنه قال: أي: يعقوب فقلتُ لعثمان: ﵁ هذا أي: ما بقي من مال بعد قضاء حق البائع لك، أي: خاصة أما بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه إني لم أظلم فيه أي: في شرائي أو بيعي أحدًا، أي: لم أنقص حق أحد كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ الآية [الكهف: ٣٣] قال أي: عثمان راضيًا عن عملي جزاك الله خيرًا، وفرح بذلك، أي: بسبب قولي أني لم أظلم فيه أحد فرحًا كثيرًا قال: أي: يعقوب قلت: أي: لعثمان أما بالتخفيف إني قد علمت مكان بيعة أي: بيع صفقة بز مثلها، أي: مثل المنفعة أو أفضل، كلمة أو للتخيير أي: أزيد منها قال: أي: عثمان ليعقوب الحرقي وعائد أنت؟ أي: وراجع أنت في أمرك قال: أي: العلاء بن عبد الرحمن حاكيًا عن يعقوب بأنه قال قلت أي: لعثمان: نعم بفتح النون والعين وسكون الميم أي: اعلم أنك إن شئت، أي: إن أردت يا عثمان بأن أشتري الثوب الثوب بثمن قليل مما يباع في السوق وأبيعه بربح زائد والربح بيني وبينك على الشركة قال: أي: عثمان قد شئت، أي: رضيت قال: أي: يعقوب قلت: فإني باغ أي: طالب خيرًا أي: أنواع الخير فأشركني، أي: اجعلني معك في ربحك قال: نعم، بيني وبينك أي: الربح مناصفة، كما يدل عليه إطلاق العبارة. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بهذا الحديث لا بأس أي: لا كراهة أن يشترك الرجلان أي: مثلًا في الشراء بالنسيئة، وإن لم يكن لواحد منهما رأس مال، على أن الربح بينهما، والوضيعة على ذلك، يقال: وضع تجارته خسر ولم يربح، والوضيعة في معنى الحطيطة والنقصان تسمية، بالمصدر، وبيع المواضعة خلاف بيع المرابحة، كذا في (المغرب) قال أي: محمد وإن ولي الشراء والبيع أي: باشرها أحدهما دون صاحبه ولا

стр. 1515

يفضل واحد منهما صاحبَه في الربح فإنَّ ذلك أي: عقد الشركة لا يجوز أي: وسببه أن يأكل أحدهما ربح ما ضمن صاحبه، وهو قولُ أبي حنيفة، (ق ٨٣٦) والعامة من فقهائنا كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالشركة، شرع في بيان ما يتعلق بالقضاء، فقال: هذا * * * باب القضاء في بيان ما يتعلق إلى القضاء، وهو في اللغة: الحكم والفراغ عن الأمر، وفي الشرع: الإِلزام وفصل الخصومات، وقطع المنازعات، وهو فرض كفاية بالإِجماع، فإن لم يصلح للقضاء إلا واحد تعين عليه، كذا قاله الشمني، أورد المصنف باب القضاء بعد الشركة؛ لأنه إنما يحتاج إذا كان بين الشريكين منازعة. ٨٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرس خشبة في جداره"، قال: ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعرضين، والله لأرميّن بها بين أكتافكم. قال محمد: وهذا عندنا على وجه التوسّع من الناس بعضِهم على بعض، وحُسن الخُلق، فأما في الحكم فلا يُجْبرون على ذلك. بلغنا أن شُريحًا اختُصِم إليه في ذلك، فقال للذي وضع خشبة: ارفع رجلك عن مطيّة أخيك، فهذا الحكم في ذلك والتوسع أفضل. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، هو محمد بن مسلم الزهري التابعي المدني، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات بعد المائة عن الأعرج، هو عبد الرحمن بن هرمز يكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم كان في

стр. 1516

الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة كذا قاله ابن حجر (١) عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع بالرفع خبر بمعنى النهي، وفي رواية الجزم على أن لا ناهية، وعن أحمد: "لا يمنعن" بزيادة نون التأكيد، وهي تؤكد رواية الجزم أحدكم جاره أي: الملاصق. قال السيوطي: هذا أمر ندب عند الجمهور، وفيه أن الظاهر النهي تنزيه عندهم انتهى. كما يؤيد الخبر الذي أتاه ﷺ في موقع الاستثناء حيث قال: لا يمنع، ولم يقل: لا يمنعن لحمله أمته باللطف وجه على إتيانهم بمطلوبه، وهو عدم امتناعهم من أن يأذنوا جارهم بأن يضعوا خشبتهم على جدارهم، ولو أتى: بصيغة الإِنشاء ونهاهم عن امتناعهم عن الإِذن بذلك ولم ينتهوا عنه لكانوا عاصين الله ورسوله، ولذلك أتى بصيغة النفي في موقع النهي، فلا ينبغي أن يمنع أحد جاره أن يغرس أي: يضع خشبة في جداره"، أي: فوق جداره خشبة جاره أو يدق مسمارًا في داخل جدار داره، وهي بالتنوين مفرد وفي رواية بالهاء بصيغة الجمع. وقال المزني عن الشافعي عن مالك: خشبه بلا تنوين بهاء الوقف، وقال عن يونس بن عبد الأعلى عن وهب عن مالك: خشبة بالتنوين. قال أبو عمر بن عبد البر: والمعنى واحد؛ لأن المراد بالواحدة الجنس. قال الحافظ: وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين وإلا فقد يختلف المعنى؛ لأن أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير لما فيه من الضرر، ثم يدعي ورثة صاحب الخشب أن الجدار لنا، ورجح ابن العربي رواية الإِفراد؛ لأن الواحدة مرفق، وهي التي يحتاج للسؤال عنها قال: أي: الأعرج ثم أي: بعد روايته هذا الحديث محافظة على العمل به وحضًا عليه لما رآهم توقعوا عنه يقول أبو هريرة: ما لي بسكون التحتية أو بفتحها (ق ٨٣٧) أراكم عنها أي: عن هذه السنة أو المقالة مُعرضين، كلمة "ما" هذا للتعجب وأن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه تعجب من حال نفسه في رؤيتهم بأنهم أعرضوا عن هذه السنة واشتغلوا عما سمعوا عنه، ولم يقبلوا عليها بل طأطؤوا ونكسوا رؤوسهم وأنكر عليهم إعراضهم ولا يخفى أنه لا معنى للاستفهام العاقل عن حال نفسه، كما أخبر تعالى لنبيه ﷺ عن تعجب سليمان صلوات الله على نبينا وعليه، حين لم ير

стр. 1517

الهدهد في مكانه فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] كذا في سورة النمل والله لأرميّن أي: لأطرحن بها أي: بالخشبة بين أكتافكم بالفوقية جمع كتف، وروي بالنون، وهي جمع كنف بفتحها، وهو الجانب يعني إن لم ترضوا وضع خشبة الجار في جدارهم لأطرحن بين أجنابكم، وهو للمبالغة في إجراء الحكم بهذه السنة، وقد كان أبو هريرة أمير بالمدينة وقاضيًا بها، والمعنى إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلن الخشبة بين رقابكم كارهين. قال محمد: وهذا عندنا على وجه التوسّع من الناس أي: المساهلة والمسامحة بعضِهم على بعض، أي: في مقام الرفق وحُسن الخُلق، أي: مع عموم الخلق فأما في الحكم أي: القضاء الشرعي الحتم فلا يُجْبرون بصيغة المجهول، أي: فلا يقهر الجيران على ذلك أي: الرضا بذلك. بلغنا أن شُريحًا اختُصِم إليه في ذلك، بصيغة المجهول أي: تخاصم بعضهم بعض وترافعوا إلى شريح فقال أي: شريح للذي وضع خشبة: على جدار غيره دون إذنه ارفع رجلك عن مطيّة أخيك، بفتح الميم وكسر الطاء المهملة وفتح التحتية المشددة أي: دابة صالحة للركوب وما أحسن هذه العبارة في مقام الاستعارة فهذا أي: القول منه هو الحكم أي: الشرعي في ذلك أي: الأمر والتوسع أفضل أي: لمن يقبل، والله أعلم. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالقضاء، شرع في بيان ما يتعلق بالهبة والصدقة، فقال: هذا * * * باب الهبة والصدقة في بيان ما يتعلق بحكم الهبة والصدقة، وهو من قبيل عطف الخاص على العام كعطف الروح على الملائكة في تنزل الملائكة والروح، فالهبة مصدر محذوف الأول معوض عنه هاء التأنيث، وأصله وهب بتسكين الهاء وتحريكها ومعناها لغة: تبرع وتفضل بما ينفِع الموهوب له مطلقًا، أي: سواء كان مالًا أو غيره، قال الله تعالى في سورة مريم: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] وقال تعالى في سورة حم عسق: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] وشرعًا: تمليك عين بلا عوض. كذا قاله في (شرح النقاية) والغرر.

стр. 1518

٨٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، عن أبي غطَفَان بن طريف المرّي، عن مروان بن الحكم، أنه قال: قال عمر بن الخطاب: مَنْ وَهَبَ هبةً لصلةِ رحم، أو على وجه صدقةٍ، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إن لم يرض منها. قال محمد: وبهذا نأخذ، من وهب هبة لذي رحم محرم أو على وجه صدقة وقبضها الموهوب له، فليس للواهب أن يرجع فيها، ومن وهب هبة لغير ذي رحم محرَم وقبضها فله أن يرجع فيها إن لم يُثب منها، أو يُزَدْ خيرًا في يده، أو تخرج من ملكه إلى ملك غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا داود بن الحُصين، الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورأى برأي الخوارج لكن لمن يكن داعية، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وكفى برواية مالك عنه توثيقًا. كذا قاله ابن حجر (١) والزرقاني عن أبي غطَفَان بالفتحات فألف ونون ابن طريف بالتصغير المرّي، المدني، وقيل: اسمه سعد، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة كذا في (تقريب التهذيب) عن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، يكنى أبا عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة من جهة معاوية في آخر سنة أربعة وستين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لم يثبت له صحبة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة والمحدثين أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁: "أن" كذا في نسخة مَن وَهَبَ هبةً لصلةِ رحم، أي: لقرابة قريبة أو على وجه صدقةٍ، أي: بإعطاء فقير على طريق شفقة فإنه لا يرجع فيها، أي: لا يصح له الرجوع في تلك الهبة ومن وهب هبة يرى بصيغة

стр. 1519

المجهول أي: يظن أنها أي: الواهب إما أراد بها الثواب المكافأة والعوض في الدنيا فهو على هبته، أي: حكم يرجع فيها أي: يجوز له أن يعود في هبته إن لم يرض بصيغة المجهول منها أي: من أهل هبتها. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه داود بن الحصين عن أبي غطفان من وهب هبة لذى رحم محرم أو على وجه صدقة وقبضها الموهوب له، فليس للواهب أن يرجع فيها، أي وقبل القبض له أن يرجع فيها بلا خلاف ومن وهب هبة لغير ذي رحم محرم وقبضها أي: ولو قبضها فله أن يرجع فيها إن لم يُثب بضم التحتية وفتح المثلثة وسكون الموحدة أي: ما لم يعوض منها، يقال: ثاب يثوب إذا رجع وعاد، ومنه الثواب والجزاء؛ لأنه نفع يعود إلى المجزي أو يُزَدْ بصيغة المجهول أي: ولم يزد خيرًا أي: زيادة منفعة متصلة في نفس الموهوب كبناء وغرس وسمن في يده، أي: في تصرف الموهوب له، ووجه كون الزيادة قانعة إلى الرجوع وهو يصح في الموهوب والزيادة، ليست بموهبة، فلم يصح الرجوع فيها والفصل غير ممكن ليرجع في الأصل لا الزيادة فامتنع الرجوع أو تخرج من ملكه إلى ملك غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، واعلم أن الرجوع يصح لمن وهب هبة لأجنبي عنها بتراض أو حكم قاض. وقال مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه: لا يصح الرجوع في الهبة إلا للوالدين فيما وهبا لولدهما لهم ما روى أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: حديث حسن عن ابن عباس وابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطيته فيرجع فيها الوالد فيما يعطي لولده، ومثل الذي يعطي عطيته فيرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه" وما رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث أبي هريرة وابن عباس وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد في (ق ٨٣٩) قيئه" (١) ولنا ما روى ابن ماجه (٢) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها" وأجيب عمَّا روى بأن المراد نفي الاستيلاء بالرجوع إلا الوالد، وبيان

стр. 1520

حرام الكرامة جمعًا بين الحديثين ثم المانع في الرجوع سبعة أشياء: الزيادة المتصلة، وموت أحدهما، وعوض أضيف إليها، وخروجها من ملك الموهوب له، والزوجية وقت الهبة، والقرابة المحرمية، وهلاك الموهوب، وضابطها حروف دمع خزقة، فالدال الزيادة والميم موت الواهب أو الموهوب له والعين العوض، والخاء خروج الهبة عن ملك الموهوب له، والزاي الزوجية، والقاف القرابة، والهاء هلاك الموهوب، كذا قاله علي القاري. لما فرغ عما يتعلق بالعطية المنتهية إلى موت الموهوب له، شرع في بيان أحكام باب النحلى ، فقال: هذا * * * باب النُحْلَى في بيان النحلى بضم النون وسكون الحاء المهملة وفتح اللام وقصر الألف أي: العطية مطلقًا، والنحل بضم النون وسكون الحاء المهملة ثم اللام مصدر أي: إهداء العطية إلى الغير، يقال: نحلته من العطية أنحله نحلة من باب [] (١) كذا قاله محمد الواني، وإما بكسر النون وفتح الحاء المهملة ثم لام فجمع نحلة قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي: هبة من الله لهن وفريضة عليكم كذا قاله الزرقاني (٢). ٨٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب: أن عثمان بن عفان ﵁ قال: من نحل وَلَدًا له صغيرًا لم يبلغ أن يَجُوزَ نُحْلة فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه. قال محمد: وبهذا نأخذ، وينبغي للرجل أن يسوِّي بين ولده في النِّحلة، ولا يفضل بعضهم على بعض، فمن نحل نَحلةً وَلَدًا أو غيره فلم يقبضها الذي نَحَلها حتى مات الناحل أو المنحول فهي مردودة على الناحل، وعلى ورثته،

стр. 1521

ولا تجوز للمنحول حتى يقبضها، إلا الولد الصغير؛ فإن قبض والده له قبضٌ، فإذا أعلنها وأشهد عليها فهي جائزة لولده، ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، ولا إلى اعتصارها، بعد أن أشهد عليها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب: أن عثمان بن عفان ﵁ قال: من نحل وَلَدًا له صغيرًا لم يبلغ أن يَجُوزَ نُحْلة فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه. قال محمد: وبهذا نأخذ، وينبغي للرجل أن يسوِّي بين ولده في النِّحلة، ولا يفضل بعضهم على بعض، فمن نحل نَحلةً وَلَدًا أو غيره فلم يقبضها الذي نَحَلها حتى مات الناحل أو المنحول فهي مردودة على الناحل، وعلى ورثته، ولا تجوز للمنحول حتى يقبضها، إلا الولد الصغير؛ فإن قبض والده له قبضٌ، فإذا أعلنها وأشهد عليها فهي جائزة لولده، ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، ولا إلى اعتصارها، بعد أن أشهد عليها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا] (١). * * *

стр. 1522

٨٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعن محمد بن النُّعمان بن بَشير، يُحدّثانه، عن النُّعمان بن بشير، أنه قال: إن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا كان لي، قال له رسول الله ﷺ : "أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَه مثل هذا؟ " قال: لا، قال: "فأرجعه". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا بدل بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري، ثقة ثبت كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة على الصحيح وعن محمد بن النُّعمان بن بَشير، الأنصاري يكنى أبا سعيد، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة عطف المصنف محمد بن النعمان على حميد إشعارًا لتحويل السند لتقوي الحكم يُحدّثانه، أي: ابن شهاب عن النُّعمان بن بشير، أنه قال: إن أباه أي: بشير بن سعد بن مثلبة بن الجلاس بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره مهملة، الخزرجي البدري وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة ويقال: إنه من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى خلافة عمر، وقد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين منهم: عروة بن الزبير عند مسلم وأبي داود والنسائي أتى به أي: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ ، ولابن حبان فأخذ بيدي وأنا غلام، وجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمل في بعضها لضعف أو عبر عن استتباعه إياه بالحمل فقال: إني نَحَلْتُ بفتح النون والحاء المهملة وسكون اللام أي: أعطيت ابني هذا أي: النعمان غلامًا أي: عبد كان لي، أي: مملوكًا، وفي الصحيحين عن الشعبي عن النعمان أعطاني، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فأتاه فقال: إني أعطيت (ق ٨٤٠) ابني من عمرة عطية، ولمسلم والنسائي: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فالتوى بها سنة أي: مطلها، ولابن حبان: حولين، وجمع بأن المدة أزيد من سنة فجبر الكسره تارة وألقى أخرى قال: ثم بدا له فوهبها لي فقالت: له لا أرضى

стр. 1523

حتى تشهد النبي ﷺ قال له رسول الله ﷺ : زاد في رواية للشيخين: فقال: "ألك ولد سواه" قال: نعم، قال: "أكُلَّ وَلَدِكَ بهمزة الاستفهام الاستخباري والنصب بقوله: نحلت أي: أعطيت مثل هذا؟ " ولمسلم: "أكلهم وهبت مثل هذا الغلام" قال: لا، وللدارقطني عن مالك قال: لا والله يا رسول الله. وقال مسلم لما رواه من طريق الزهري عن يونس ومعمر فقال: "أكل بنيك"، وأما الليث وابن عيينة فقال: أكل ولدك. وقال الحافظ: ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ ولد يشمل الذكور والإِناث، وإما بنين فإن كانوا ذكورًا فظاهر وإن كانوا إناثًا وذكورًا، فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابن سعد لبشير ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أبية بموحدة، تصغير أبي قال: أي: رسول الله ﷺ "فأرجعه" أي: رد العبد إليك، وهذا أمر استحبابي عند الجمهور، ففي كتاب (الرحمة): من وهب لأولاده شيئًا استحب له أن يسوي بينهم عند أبي حنيفة ومالك، وهو الراجح من مذهب الشافعي وذهب أحمد ومحمد بن الحسن إلى أنه يفضل الذكور على الإِناث كقسمة الإِرث وهو وجه في مذهب الشافعي، وتخصيص بعض الأولاد بالهبة مكروه بالاتفاق لا يلزمه، وقال أحمد: يلزمه الرجوع، كذا قاله علي القاري والزرقاني. * * * ٨٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُروة، عن عائشة، أنها قالت: إن أبا بكر كان نَحَلَها جذَاذَ عشرين وسقًا، من ماله بالعالية، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بُنَيَّة، ما من الناس أحدٌ أحبّ إليَّ غنيً بعدي منكِ، ولا أعزَّ عليَّ فقرًا منكِ، وإني كنتُ نحلتُك من مالي جَذَاذَ عشرين وسقًا، فلو كنت جذذتيه واحتزيته كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث؛ وإنما هو أخوكِ وأختاكِ، فاقتسموه على كتاب الله، قالت: يا أبتِ، والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمنِ الأُخرى، قال: ذُو بَطْنٍ بنتِ خارجة، أراها جاريةً، فولَدت جارية.

стр. 1524

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري عن عُروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين على الصحيح عن خالته عائشة، ﵂ أنها قالت: إن أبا بكر الصديق أي: عبد الله بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي أبي بكر بن أبي قحافة الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ ، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة كان نَحَلَها أي: وهب لها جذَاذَ بكسر الجيم وضمها وبالدالين المهملين، وقيل بالمعجمتين، أي: حصاد عشرين وسقًا، أي: من نخله إذا جد أي: قطع، وهو بفتح الواو قدر ستين صاعًا، وفي نسخة جاد بفتح الجيم والدال المهملة الثقيلة بينهما ألف من ماله بالغابة، بالغين المعجمة وبفتح الموحدة وبينهما ألف ثم الهاء، وصحف من قالها بتحتية، وهو موضع على بريد المدينة في طريق الشام، ووهم من قال من عوالي المدينة، كان بها أملاك لأهلها استولى عليها الخراب وغلط القائل أنها شجر لا مالك له، بل لاحتطاب الناس ومنافعهم فلما حضرته الوفاة، أي: أسبابها وعلائمها قال: والله يا بُنَيَّة، بالتصغير للبنت للشفقة ما من الناس أحدٌ أحبّ إليَّ غنيً بعدي منكِ، بكسر الكاف أي: من أولادي وغيرهم ولا أعزَّ أي: أشد وأشق عليّ فقرًا أي: حاجة منكِ، أي: فإنك (ق ٨٤١) محبوبة أيضًا من أجل كونك زوجة لحبيب الله ومحبوبه والتوسع عليك كالتوسع عليه ﷺ ، وفيه أن الغنى أحب إلى الفضلاء من الفقر وإني قد كنت نحلتُك من مالي جَذَاذَ أي: حصاد عشرين وسقًا، وقد سبق معنى الوسق آنفًا فلو كنت جذذتيه بفتح الجيم والدال المهملة الأولى وإسكان الثانية أي: قطعتيه واحتزتيه بفتح الواو العاطفة وسكون الحاء المهملة وفتح الفوقية وسكون الزاي وكسر الفوقية وسكون التحتية المتولدة فيهما من كسرتيهما أي: جزيتيه وقطعتيه كان لك، أي: قطعًا ولا يشاركك أحد في حياتي ولا في مماتي، لأن الحيازة والقبض شرط تمام الهبة، فإن وهب الثمر على الكيل فلا يكون الحيازة إلا بالكيل بعد الجد، ولذا قال: جددتيه واحتزتيه. كذا قاله سعيد بن زيد الباجي المالكي. وقال أبو عمر بن عبد البر: اتفق الخلفاء الأربعة على أن الهبة لا تصح إلا مقبوضة، وبه قال الأئمة الثلاثة.

стр. 1525

وقال أحمد وأبو ثور: تصح الهبة والصدقة بلا قبض، روى ذلك عن علي من وجه لا يصح فإنما هو أي: الوارث أخواكِ أي: عبد الرحمن ومحمد وأختاكِ، أي: إحديهما أسماء امرأة الزبير بن العوام وأخرى الموجودة في بطن امرأة أبي بكر فإنها كانت حيلة في أم كلثوم عن أبي بكر الصديق فاقتسموه أي: المال على كتاب الله، أي: حكمه المستفاد من الكتاب والسنة وإجماع الأمة قالت: أي: عائشة فقلت: كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى يا أبتِ، بكسر التاء وفتحها وقرئ بها في السبعة والله لو كان أي: الجذاذ أو مالك كذا وكذا كناية عن شيء كثير زيد مما وهبه لها لتركته، لبقية ورثتك اتباعًا للشرع وطلبًا لرضاك إنما هي أي: أختي أسماء، هي وحدها مع أخي محمد فمنِ الأُخرى، أي: الأخت التي ذكرتها، وهي ليست موجودة معنا قال: أي: أبو بكر الصديق ذُو بَطْنٍ أي: صاحبة بطن بمعنى الكائنة في بطن حبيبة بنتِ خارجة بن زيد بن أبي زهرة بن مالك الأنصاري الخزرجي صحابية بنت صحابي شهد بدرًا، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي بكر ويقال: إنه استشهد بأحد أراها بضم الهمزة أي: أظن الجنين، فضمير الجنين مؤنثًا باعتبار جاريةً، أي: بنتًا بمكاشفة أو برؤيا صادقة فولَدت أي: امرأة أبي بكر الصديق بنت خارجة بعد موته جارية أي: أنثى فسميت أم كلثوم وهذا عُدَّ من كرامات أبي بكر الصديق. هذا الحديث موقوف على أبي بكر. قال الحافظ العراقي في (شرح الألفية): والموقوف ما قصرته بواحد من الصحابة قولًا أو فعلًا أو نحوهما ولم يتجاوز به إلى النبي ﷺ سواء اتصل إسناده إليه أم لم يتصل انتهى. * * * ٨٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُروة بن الزُّبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ: أن عمر بن الخطاب قال: ما بالُ قوم يَنْحَلون أبناءَهم نُحْلًا، ثم يُمسكونها، فإن مات ابنُ أحدهم قال: ما لي بيدي ولم أعطه أحدًا، وإن مات هو قال: هو ابني كنتُ أعطيته إياه، من نحل نحلة لم يحزها الذي نحلها حتى تكون إن مات لورثته فهو باطل.

стр. 1526

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا بالمثلثة ونون بدل بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري التابعي المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني (ق ٨٤٢) من الأقاليم السبعة، مات بعد المائة عن عُروة بن الزُّبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح. كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عبد الرحمن بن عبد بدون إضافة القاريِّ بتشديد التحتية نسبةً إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة المدني، عامله عمر بن الخطاب على بيت المال يقال: إنه رأى النبي ﷺ ، وذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف الواقدي فيه قال: تارة له صحبة، وتارة: تابعي، مات سنة ثمان وثمانين. كذا قاله الزرقاني أن عمر بن الخطاب قال: ما بالُ أي: كيف رجال قومٍ يَنْحَلون بفتح أوله وثالثه أي: يعطون أبناءَهم نُحْلًا، بضم النون وسكون الحاء المهملة أي: عطيته بلا عوض ثم يُمسكونها، أي: عندهم ولا يقضون العطية لهم قال أي: عمر فإن مات ابنُ أحدهم أي: المنحول قال: أي: الأب ما لي بيدي ولم أعطه أحدًا، وإن ما هو قال: هو أي: إن قرب الأب إلى موته قال الأب عند موته: هو أي: المنحول لابني كنتُ أعطيته إياه، أي: ليحرم باقي ورثته من الإِرث، ولا يصح له ذلك إن لم يقع القبض في الهبة في حياته من نحل نحلة بضم النون وكسرها وسكون الحاء المهملة فلام أي: من وهب عطيته لم يحزها بضم الحاء المهملة وسكون الزاي أي: لم يضم الواهب تلك العطية إلى الذي نحلها بصيغة المجهول أي: أعطيها حتي تكون بالتاء الفوقية أي: النحلة وبالياء التحتية أي: الذي نحل له، وفي المعنى قلب كما كان في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [البينة: ٤] فقوله: لم يحزها من حاز يجوز أي: جمع جمعًا، كقال يقول قولًا صفة حقيقية لقوله: نحلة وحكمًا لجملة نحل، كما يؤيده ما في (الموطأ) لمالك بالفاء حيث قال: من نحل نحلة فلم يحزها. فالموصول مع صلته منصوب محله؛ لأنه مفعول ثان لقول نحل فكلمة حتى بمعنى كي التعليلية، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] وكقولك: أسلم حتى تدخل

стр. 1527

الجنة، فالمعنى من وهب عطية إلى ابن لورثته فهي أي: العطية غير مقبوضة باطل أي: حكمها لأن القبض شرط في صحة الملك للهبة، وهذا إن كان ولده المنحول كبير بخلاف ما إذا كان صغيرًا؛ لأن تصرف الأب كتصرف الابن الصغير. * * * ٨١٠ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن عثمان بن عفان قال: من نحل ولدًا له صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نُحلة فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، ينبغي للرجل أن يسوي بين ولده في النحلة، ولا يفضل بعضهم على بعض، فمن نحل نحلة ولدًا أو غيره فلم يقبضها الذي نحلها حتى مات الناحل والمنحول فهي مردودة على الناحل وعلى ورثته، ولا تجوز للمنحول حتى يقبضها إلا الولد الصغير، فإن قبض والده له قبض فإذا أعلنها وأشهد بها فهي جائزة لولده ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، ولا إلى اغتصابها، بعد أن أشهد عليها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن عثمان بن عفان ﵁ قال: من نحل أي: من وهب ولدًا له صغيرًا لم يبلغ أي: لم يصل إلى أن يحوز أي: إلى أن يضم الموهوب له إلى نفسه نُحلة فأعلن أي: فأعلم أبوه بها أي: النحلة قوله: وأشهد عليها كالتفسير لما قبلها فهي أي: جائزة، وإن وليها أي: متصرف النحلة أبوه أي: لأن تصرفه بمنزلة تصرف ولده. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما ذكر في هذا الباب ينبغي للرجل أن يسوي بين ولده (ق ٨٤٣) بفتحتين أو بضم فسكون أي: أولاده في النحلة، أي: القطعة الموهوبة ولا يفضل بعضهم على بعض، أي: في النحلة فمن نحل أي: وهب نحلة أي:

стр. 1528

عطية ولدًا أو غيره أي: كالأخ وغيره قريبًا أو أجنبيًا فلم يقبضها أي: العطية الذي نحلها بصيغة المجهول، أي: أعطى له العطية حتى مات أي: غاية موته الناحل والمنحول فهي أي: النحلة مردودة على الناحل أي: إن مات المنحول وعلى ورثته، أي: إن مات الناحل ولا تجوز للمنحول أي: أن يتصرف في النحلة حتى يقبضها إلا الولد الصغير، فإن قبض أي: في حكم قبضه والده له قبض فإذا أعلنها وأشهد بها فهي جائزة لولده ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، أي: إلى الرجوع في أخذها عنه ولا إلى اعتصارها، وفي نسخة: اغتصابها أي: أخذها عنه علانية بعد أن أشهد عليها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم النحل والنحل، شرع في بيان ما يتعلق بالعمري والسكنى، فقال: هذا * * * باب العمرى والسكنى في بيان ما يتعلق بحكم العمرى والسكنى بضم أولهما وسكون أوسطهما وقصر آخرهما، وحكى ضم العين والميم وفتح العين وإسكان الميم، يقال: أعمرته دارًا أو أرضًا أو إبلًا إن أعطيته إياها، وقلت له: هي لك عمرى أو عمرك فإذا مرت رجعت إلي والسكنى كذلك وهو أن يجعل مسكنها في مدة عمره وبعدها إلى صاحبها قال: لبيد الشاعر: وما المال إلا معمرات ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: هي هبة منافع الملك عمر الموهوب له، أو مدة وعمر عقبة لا هبة الرقبة. قال أبو عمر بن عبد البر: وسواء عند مالك وأصحابه ذكر ذلك لفظ العمرى أي: كقوله: أعمرتك داري أو الاعتمار أو السكنى والاغتلال أو الإِرفاق أو الإِنحال، أو نحو ذلك من ألفاظ العطايا. كذا قاله الزرقاني (١).

стр. 1529

٨١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "أيُّما رجل أُعْمِرَ عُمْرَى له ولعقبه؛ فإنها للذي يُعطاها؛ لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت المواريث فيه". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: كنيته، ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين ومائة كذا قاله ابن حجر عن جابر بن عبد الله: الأنصاري الصحابي أن رسول الله ﷺ قال: "أيُّما بفتح الهمزة وضم التحتية المشددة فميم ثم ألف مرفوع على إنه مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة لتأكيد الإِبهام والتعميم أي: في أي، ومضاف إلى رجل أي: إنسان أُعْمِرَ بضم أوله مبنى للمفعول صفة رجل عُمْرَى على زنة صلبى كاعتمرتك هذه الدار مثلًا له ولعقبه؛ أي: لورثته. قال النووي: العقب بفتح العين المهملة وكسر القاف أولاد الإِنسان ما تناسلوا انتهى. فإنها أي: العمرى، وهي الدار للذي يُعطاها؛ بصيغة المفعول وفي رواية: أعطيها ألا ترجع أي: لا تعود العمرى إلى الذي أي: المعطي أعطاها: هذا آخر المرفوع وقوله (ق ٨٤٤): لأنه أعطى عطاءً وقعت المواريث فيه" مدرج من قول أبي سلمة بين ذلك ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ : "إنه قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهي له قبله، لا يجوز للمعطي فيها شرط". قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث فقطعت المواريث بشرطه رواه مسلم.

стр. 1530

المدرج أنواع: إما مدرج في أول الحديث من قول بعض رواته، إما الصحابي أو من بعده موصولًا بالحديث من غير فصل بين الحديث وبين ذلك الكلام بذكر قائله، فليس على من يعلم حقيقة ويتوهم أن الجميع مرفوع. مثال المدرج في أوله: ما رواه شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسبغوا الوضوء ويلٌ للأعقاب من النار" فقوله: "أسبغوا الوضوء" من قول أبي هريرة وصل بالحديث في أوله كذلك رواه البخاري (١) في (صحيحه) عن آدم بن أبي إياس عن شعبة بن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: "أسبغوا الوضوء" فإن أبا القاسم ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار". ومثال المدرج في وسطه: ما رواه الدارقطني في سننه عن عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ" فقوله: أنثييه والرفغين ليس من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما هو من قول عروة بن الزبير، فأدرجه الراوي في متن الحديث، وقد بيَّن ذلك حماد وأيوب. ومثال المدرج في آخره: ما رواه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي عن الزهري عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيده فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذه بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله بن مسعود فعلمنا التشهد في الصلاة، قال: فذكر مثل حديث الأعمش إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، فقوله: إذا قلت. . . إلى آخره وصله زهير بن معاوية أبو خيثمة بالحديث المرفوع في رواية أبي داود هذه. قال الحاكم: قوله: إذا قلت هذا مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود. كذا قاله في شرح الألفية للعراقي، وفائدة المدرج للإِيضاح أو نحوه فليراجع تفصيله في كتب الأصول، ولمسلم من طريق أبي الزبير المكي عن جابر قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين فقال النبي ﷺ : "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدها؛ فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا ولعقبه" وفيه صحة العمرى، وإليه ذهب الجمهور إلا ما حكى عن داود وطائفة لكن ابن حزم قال بصحتها وهو شيخ الظاهرية ثم الجمهور إنها

стр. 1531

تتوجه إلى الرقبى كسائر الهبات. وقال مالك والشافعي في القديم: إنها تتوجه إلى المنفعة دون الرقبة. * * * ٨١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر ورّث حفصة دارَها، وكانت حفصةُ قد أسكنت بنتَ زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت ابنةُ زيد بن الخطاب قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له. قال محمد: وبهذا نأخذ، العُمْرى هبة، فمن أعْمَر شيئًا فهو له، والسكنى عارية، ترجع إلى الذي أسكنها، وإلى وارثه بعده، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. والعمرى: إن قال: هي له ولعقبه، أو لم يقل: ولعقبه، فهو سواء. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا (ق ٨٤٥) مالك أخبرنا نافع، أن ابن عمر ﵁ ورّث بتشديد الراء أورث حفصة أي: بنت عمر أم المؤمنين دارَها، بالنصب وكانت حفصةُ قد أسكنت أي: في تلك الدار بنتَ عمها زيد بن الخطاب ما عاشت، أي: مدة حياتها فلما توفيت أي: ماتت ابنةُ زيد بن الخطاب قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أي: اختار أنه أي: المسكن له أي: انتقل إليه بالإِرث من أخته. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه نافع عن ابن عمر العُمْرى هبة، فمن أعْمَر بصيغة المجهول شيئًا فهو أي: ذلك الشيء من الدار أو البستان أو نحوهما له، أي: حيًا وميتًا فيرجع إلى ورثته والسكنى أي: لأحد عارية، ترجع إلى الذي أسكنها، أي: حال وجودها وإلى وارثه بعده، ففرق بين العمري والسكنى وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. والعمرى: إن قال: هي له ولعقبه، أو لم يقل: ولعقبه، فهو سواء. والحاصل: أن من أعمر إنسانًا فقال: أعمر بك داري، فإنه يكون قد وهب له الأمتاع في مدة عمره، وإذا مات رجعت رقية الدار إلى مالكها، وهو المعمر، وهذا مذهب

стр. 1532

مالك، وإذا قال: أعمرتك وعقبتك فإن عقبه يملكون منفعتها، فإن لم يبق أحد منهم رجعت الرقبة إلى المالك؛ لأنه وهب المنفعة ولم يهب الرقبة، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه: يصير الدار ملكًا للمعمر وورثته لا يعود إلى ملك المعطي الذي هو المعمر، فإن لم يكن للمعمر وارث كان لبيت المال، والرقبى حكمها حكم العمرى عند الشافعي وأحمد وأبي يوسف، وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد: الرقبي باطلة وهي أن يقوم شخص لآخر رقبتك هذه الدار، وهي لك رقبى أو هي لك حياتك على أني إن مت قبلك فهي لك وإن مت قبلي فهي لي، وسميت لذلك؛ لأن كل واحد يرقب موت صاحبه، وأما إذا قال: أعمرتك داري هذه أو هي لك عمري أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، فإذا مت فهي رد عليَّ صح العمري، وبطل الشرط، وهو قول ابن عباس وابن عمر عن علي وشريح ومجاهد وطاووس والثوري، وفي الصحيحين عن أبي سلمة عن جابر أن النبي ﷺ كان يقول: "العمرى لمن وهب له". كذا قاله علي القاري. لما فرغ عن بيان ما يتعلق بالعمرى والسكنى، شرع في بيان ما يتعلق بالصرف والربا، فقال: هذا * * *

стр. 1533

كتاب الصرف وأبواب الربا في بيان حكم الصرف، وهي في اللغة: الرفع، والرد، وفي الشريعة: بيع الأثمان بعضها بعض، فإضافة الكتاب إلى الصرف بمعنى في من قبيل إضافة العام إلى الخاص؛ لأن الكتاب لغة: مصدر بمعنى الكتب، وهو الجمع سمي به المفعول للمبالغة (ق ٨٤٦) واصطلاحًا: طائفة من المسائل، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الدفع والرد في كل منهما، وأبواب الربا، أي: وبيان أنواعه وحرمته، وهو في اللغة: الزيادة، وفي الشرع: هو فضل حال عن عوض شرط لأحد المتعاقدين في المعاوضة، وإنما اختار المصنف لفظ أبواب بلفظ الجمع إشعارًا إلى أنواع الربا؛ فإن الباب في اللغة بمعنى النوع، واستنبط هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وما أخرجه أبو داود (١) من حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ : "لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه". ٨١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تبيعوا الورق بالذهب، أحدهما غائب والآخر ناجز، فإن استنظرك إلى أن يلجَ بيته فلا تُنظره، إني أخافُ عليكم الرَّمَاءَ، والرَّماءُ هو الربا. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع بن عبد الله المدني ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تبيعوا الورق بكسر الراء ويسكن. أي: الفضة تبرًا أو غيره بالذهب أي: مطلقًا وكذا العكس أحدهما غائب أي: عن المجلس أو نسيئة والآخر ناجز، أي: نقد حاضر والجملة حالية احترازية، فإذا بيع الورق بالذهب يدًا بيد جاز ولو كان بالتفاضل فإن استنظرك أي: إن طلبه البائع أو المشتري

стр. 1534

تأخرك أو استنظارك إلى أن يلجَ بيته أي: يدخله لضرورة له أو لأجل أن يأتي بقيته ما عنده فلا تُنظره، من الإِنظار إن لا تمهله أو من النظر بمعنى الانتظار أي: لا تنتظره فإنه لا يخالف المجلس، فيكون ربا النسيئة، وهذا معنى قوله: إني أخافُ عليكم أي: أيها المكلفين الرَّمَاءَ، بفتح الراء ومد الميم والرَّماءُ هو الربا أي: الزيادة، وفي نسخة الشارح: هو الرباء بالهمزة ولعله للمشاكلة إذا لم يذكر في المشارق وغيره سوي القصر. * * * ٨١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تبيعوا الذَّهب بالذهب: إلا مِثْلًا بمثْل، ولا تبيعوا الوَرِق بالورِق، إلا مثلًا بمثل، ولا تبيعوا الذهب بالورق؛ أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظركَ حتى يَلِجَ بيتَه فلا تُنظره، إني أخافُ عليكم الرّبا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة تابعي كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁ لا تبيعوا الذَّهب بالذهب: والباء للمقابلة إلا مِثْلًا بمثْل، إلا حال كونهما متماثلين أي متساويين في الوزن والحلول والتقايض في المجلس ولا تبيعوا الوَرِق بالورِق، إلا مثلًا بمثل، فالمعتبر في الذهب والفضة هو الكمية لا الكيفية ولا تبيعوا الذهب بالورق؛ أحدهما غائب أي: عن المجلس والآخر ناجز، أي: حاضر وإن استنظركَ أي: إن طلب البائع أو المشتري عن الآخر الانتظار والتأخر حتى يَلِجَ أي: إلى أن يدخل بيتَه فلا تُنظره، أي: فلا تمهله إني أخافُ عليكم الرّبا. * * * ٨١٥ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن أبي سعيد الخُدري: أن رسول الله

стр. 1535

- ﷺ قال: "لا تبيعوا الذَّهب بالذهب إلا مثلًا بمثْلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلًا بمثْل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر عن أبي سعيد الخُدري: أي: سعد بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الذَّهب بالذهب إلا مثلًا بمثْلٍ، أي: إلا حال كونهما متماثلين أي: متساويين مع الحلول والتقابض في المجلس ولا تُشِفوا بضم (ق ٨٤٧) التاء الفوقية وكسر الشين المعجمة وبضم الفاء المشددة من الشف بالكسر الزيادة أي: لا تفضلوا بعضها على بعض، أي: في الوزن ولا تبيعوا الورِق بالورِق بكسر الراء فيهما أي: الفضة إلا مثلًا بمثْل، بكسر الميم أي: إلا حال كونهما متماثلين ومتساويين في الوزن ولا تُشِفُّوا أي: لا تفضلوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها أي: من أنواع الفضة أو الذهب شيئًا غائبًا أي: أجلًا بناجز" بنون وجيم بينهما ألف ثم زاي أي: بحاضر فلا بد التقايض في المجلس، وفيه أن الزيادة وإن قلَّت فهي حرام؛ لأن المشفوف الزيادة القليلة، ومنه الشفافة الإِناء وهي البقية القليلة من الماء، ولا خلاف في منع الصرف المؤخر في دينار في ذمة أحد صرفه الآن أو في ذمة، وصرف في ذمة أخرى فيتقاضان معًا. فذهب مالك وأصحابه إلى جواز الصورتين بشرط حلول ما في الذمة وأن يتأخر في المجلس، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه الصورتين وإن لم يحل ما في الذمة فيهما مراعاة لبراءة الذمم. وأجاز الشافعي وابن كنانة وابن وهب: الصورة الأولى دون الثانية. قال عياض: ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى: كلاهما عن مالك به ورواه الترمذي والنسائي أيضًا من طريق مالك. كذا قاله الزرقاني (١). * * *

стр. 1536

٨١٦ - أخبرنا مالك، حدثنا موسى بن أبي تميم، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما". • أخبرنا مالك، حدثنا موسى بن أبي تميم، المدني ثقة تابعي، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة. كذا قاله ابن حجر عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، أي: يباع أحدهما بالآخر يدًا بيد لا فضل بينهما" أي: لا زيادة في أحدهما فيحرم الربا في الذهب والفضة لعلة الثمنية الغالبة فالربويان المتحد جنسهما كذهب بذهب، وفضة بفضة، يحرم فيها التفاضل، وكذا النسيئة والتفرق قبل التقايض، وقد زاد في حديث علي عند ابن ماجه وصححه الحاكم عقب قوله: "لا فضل بينهما، فمن كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب، ومن كانت له حاجة بذهب فليصرفه بالورق، والصرف هاء وهاء" وهذا الحديث رواه مسلم من طريق ابن وهب عن مالك وتابعه سليمان بن بلال عن موسى به عند مسلم أيضًا ورواه النسائي من طريق مالك وغيره. * * * ٨١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن مالك بن أوْسٍ بن الحَدَثَان: أنه أخبره: أنه التمس صَرفًا بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عُبيد الله، قال: فَتَراوَضْنَا حتى اصْطَرَفَ مني، فأخذ طلحة الذهب يقلِّبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمرُ بن الخطاب يسمع كلامه، فقال: لا

стр. 1537

والله، لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاءَ، والبرّ بالبرّ ربا إلا هاءَ وهاءَ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا بدل بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن مالك بن أوْسٍ بن الحَدَثَان: بفتح المهملتين والمثلثة ابن عوف النصري بفتح النون وإسكان المهملة من بني نصر بن معاوية يكنى أبا سعيد المدني، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، (ق ٨٤٨) مات سنة اثنين وتسعين في قول الجمهور، وهو ابن أربعة وتسعين كذا قاله الزرقاني أنه أي: مالك بن أوس أخبره: أي: ابن شهاب أنه أي: مالك بن أوس التمس بصيغة المجهول أي: طلب رجل عندي مني صَرفًا أي: بيعًا للفضة بمائة دينار، أي: ذهب كانت معه قال: أي: مالك بن أوس فدعاني طلحة بن عُبيد الله، بصيغة التصغير وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة قال: فَتَراوَضْنَا بإسكان الضاد المعجمة أي: تجاذبنا حديث البيع والشراء، وهو ما بين المتبايعين من الزيادة والنقصان؛ لأن كل واحد يرضي صاحبه، وقيل: هي المواصفة بالسلعة بأن يصف كل منهما سلعة للآخر حتى اصْطَرَفَ أي: اشترى، وفي (القاموس): اصطرف تصرف في طلب الكسب مني، أي: ما كان معي فأخذ طلحة الذهب يقلِّبها في يده، والذهب يذكر ويؤنث فلا حاجة إلى أنه ضمن الذهب معنى العدد، وهو المائة فأنثه لذلك ثم قال: أي: طلحة حتى أي: أصبر إلى أن يأتى خازني أي: وكيلي من الغابة، يعني حينئذ أعطيك الصرف من الصفة فالغابة بغين معجمة فألف فموحدة موضع قرب المدينة به أموال لأهلها، وكان لطلحة بها مال نحل وغيره، وإنما قال ذلك طلحة لظنه جوازه كسائر البيوع وما كان بلغه حكم المسألة. قال المازري: وإنه كان يرى جواز المواعدة في الصرف، كما هو قول عندنا وأنه لم يقبضها, وإنما أخذها يقلبها وعمرُ بن الخطاب يسمع أي: كلامه، فقال: أي: عمر لمالك بن أوس لا والله، لا تفارقه أي: عن طلحة حتى تأخذ أي: إلى غاية أخذك أيها المالك بن أوس منه، أي: من طلحة عوض الذهب الذي أعطيته إليه ولفظه: "لا" النافية الدالة على فعل القسم لتأكيد القسم شائع في كلامهم، كما قال امرؤ القيس:

стр. 1538

لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعى القوم أني أفر قوله: ابنة العامري: منادى حذف حرف النداء، أي: يا ابنة العامري أنا لا أفر من الحرب، وأنا مميز بذلك ومشتهر به حتى لا يدعي أحد في حقي، وكذلك كلمة "لا" هنا أي: قال عمر: اقسم بالله عليك يا مالك بن أوس أن لا اتفاق عن مجلس الصرف إلى غاية أخذك من طلحة عوض الذهب، وجواب القسم محذوف تقديره: لتمكثن في مجلس العقد إلى نهاية أخذ عوض الذهب عنه، ويجوز أن يكون لفظة هنا لنفي القسم، كما كانت كذلك في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] كأنه قال عمر: لا أقسم عليك يا مالك بن أوس ولكن أسألك غير مقسم أن لا تفارق عن طلحة إلى غاية أخذك منه بدل ما أعطيته من الذهب. وفي رواية: والله لتعطينه ورقه، وهذا خطاب لطلحة وفيه تفقد عمر أحوال رعيته في دينهم والاهتمام بهم، وتأكيد الأمر باليمين وأن الخليفة والسلطان إذا سمع أو رأى ما لا يجوز وجب عليه أن ينهى عنه، والإِرشاد إلى الحق ثم قال: أي: عمر مستدلًا على المنع بالسنة؛ لأنها الحجة عند التنازع قال رسول الله ﷺ : (ق ٨٤٩) "الذهب بالورق بفتح الواو وكسر الراء أي: الفضة، هكذا رواه أكثر أصحاب الزهري ومعمر وابن عيينة لم يقولوا: الذهب بالذهب في كل حديث عمر، وهم الحجة على من خالفهم وهو المناسب لسياق القصة ربا أي: في جميع الأحوال إلا هاء وهاءَ، بالمد وفتح الهمزة فيها على الأصح الأشهر أنهما اسم فعل بمعنى قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، يقال: هاء درهما أي: خذ درهمًا فنصب درهما باسم الفعل، كما ينصب بالفعل وبالقصر يقوله المحدثون وأنكره الخطابي وقال: الصواب المد، وتجوز كسر الهمزة نحو هات وسكونها نحو خف، وأصلها هاك بالكاف فقلبت همزة، وليس المراد أنها من نفس الكلمة وإنما المراد أصلها في الاستعمال، وهي حرف خطاب. قال ابن مالك: وحقها أن لا تقع بعد إلا كما لا يقع بعدها خذ، فإذا وقع قدر قول قبله يكون به محكيًا أي: لا مقولًا عنده من المتعاقدين هاء وهاء. قال الطيبي: فإذن محله النصب على الحال، والمستثنى منه مقدر يعني بيع الذهب بالورق ربا في جميع الحالات إلا حال الحضور والتقايض، فكنى عنه بقوله: هاء وهاء؛ لأنه لازمه.

стр. 1539

وقال الأبي: محله النصب على الظرفية والبرّ بالبرّ بضم الموحدة القمح، وهو الحنطة أي: بيع أحدهما بالآخر ربا إلا أي: مقولًا عنده من المتعاقدين هاءَ أي: من أحدهما وهاءَ، أي: من الآخر والثمر بالتمر أي: بيع أحدهما بالآخر ربًا بالتنوين من غير همزة إلا هاء وهاء، أي: من المتعاقدين والشعير بالشعير بفتح الشين المعجمة على المشهور وقد يكسر. قال ابن مكي: كل فعيل وسطه حرف مكسور يجوز كسر ما قبله في لغة بني تميم. قال: وزعم الليث أن قومًا من العرب يقولون ذلك وإن لم تكن عينه حرف حلق. نحو كبير وجليلة وكريم أي: يبيع الشعير بالشعير ربًا إلا أي: مقولًا عنده من المتعاقدين هاء وهاء" أي: يقول كل واحد منهما للآخر خذ، وظاهره أن البر والشعير صنفان. وبه قال أبو حنيفة والشافعي وفقهاء المحدثين وغيرهم. وقال مالك والليث: ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين أنهما صنف واحد. زاد مسلم من حديث أبي سعيد: والملح بالملح وأوله: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ومثله عنده من حديث عبادة بن الصامت، وفي حديث الباب أن النساء يمتنع في ذهب بذهب بورق وهي جنسان مختلفان يجوز التفاضل بينهما إجماعًا ونصًا فأجرى أن لا يجوز في ذهب ولا ورق بورق لحرمة التفاضل فيهما إجماعًا ونصًا أي: فليس حديث عمر مقاصرًا عن حديث غيره، فتجب المناجزة في الصرف ولا يجوز التأخير ولو كان بالمجلس لم يتفرقا عند مالك ومحمد قول عمر عنده: لا تفارقه حتى تأخذ منه أن ذلك على الفور لا على التراخي، وهو المعقول من لفظه ﷺ : "هاء وهاء". وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز التفاضل بالصرف ما لم يتفرقا وطالت المدة وانتقالًا إلى مكان آخر واحتجوا بقول عمر، وجعلوه تفسيرًا لما رواه وبقوله، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره. كذا قال الفاضل (ق ٨٥٠) الزرقاني (١). * * * ٨١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أو عن

стр. 1540

سليمان بن يسار أنه أخبره: أن معاوية بن أبي سفيان باع سِقَايَة من ورِق أو ذهب بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا؛ إلا مثلًا بمثل، قال له معاوية: ما أرى بها بأسًا، قال له أبو الدرداء: من يعذِرني من معاوية، أخبره عن رسول الله ﷺ ويُخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرضٍ أنت بها، قال: فقدم أبو الدَّرداءِ على عمر بن الخطاب، فأخبره، فكتب إلى معاوية أن لا يبيعَ إلا مثلًا بمثل، وَزْنًا بوزن. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا مالك أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر يكنى أبا عبد الله المدني وأبا أسامة ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات أهل المدينة، وكانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار بتحتية أي: الهلالي يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو عن سليمان بن يسار شك من الراوي، وهو الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان أخًا لعطاء بن يسار وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة مات بعد المائة أنه أخبره: أن معاوية بن أبي سفيان اسمه صخر بن الحارث باع سِقَايَة بالكسر وهي إناء يستقى منه من ورِق أو ذهب بأكثر من وزنها، أي: من مثله من ورق أو ذهب. قال ابن حبيب: زعم أصحاب مالك أن السقاية قلادة من ذهب فيها جواهر، وليس كما قالوا فالقلادة لا تسمى سقاية، بل هي كأس كبير يشرب بها ويكال بها، وأما القلادة وهي العقد التي تعلقها المرأة على غيرها، فغيرها ابتاعها معاوية بستمائة دينار، وفيها تبر وجوهر من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، فنهاه عبادة بن الصامت وأخبره أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى عن ذلك فقال له أبو الدرداء: قيل: اسمه عمير وقيل: عامر بن قيس الأنصاري صحابي جليل عابدًا أول مشاهده أحُدٌ مات في خلافة عثمان وقيل: عاش بعد ذلك سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا؛ أي: البيع في المال الربوي إلا مثلًا بمثل، أي: إلا حال كونهما متساويين وزنًا بوزن قال له أي: لأبي الدرداء معاوية:

стр. 1541

ما أرى أي: لا أظن بها أي: وفي نسخة: ما نرى لكن الأولى أولى، كما في (الموطأ) لمالك وهذا الرأي صدر عنه إما من تكبر وعناد أو من اجتهاد، وقد أخطأ فيه لكن كان يجب عليه حينئذ أن يرجع بعد سماع الحديث لا سيما من أبي الدرداء، وهو موثوق بلا خلاف قال له أبو الدرداء: من يعذِرني بكسر الذال المعجمة من معاوية، أي: من يلزمه على فعله ولا يلومني عليه أو من يقوم بعذري إذا جاريته بصنعه ولا يلومني على ما أفعل به، أو من ينصرني يقال: غدرته إذا نصرته أخبره أي: أنا أخبره، كما في (الموطأ) لمالك عن رسول الله ﷺ ويُخبرني أي: معاوية عن رأيه، أي: المجرد مع أن التعليل لا يصح في معارضة النص. قال ابن عبد البر أبو عمر: كان ذلك منه أنفة من أن يرد سنة علمها من سنن رسول الله ﷺ برأيه وصدور العلماء تضيق عند مشاهدة مثل ذلك وهو عندهم عظيم، قال: جائز للمرء أن (ق ٨٥١) يهجر من لم يستمع منه ولم يطعه، وليس هذا من الهجرة المكروهة، ألا ترى أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك، وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود رجلًا يضحك في جنازة فقال: والله لا أكلمك أبدًا قاله أبو عمر: - يعني ابن عبد البر - فتكون هذه من باب التكبر على المتكبر صدقة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] لا أساكنك أي: لا أمكث معك بأرضٍ أنت بها، أي: الراوي قال: فقدم والفاء بمعنى ثم، كما قال مالك: في (الموطأ) ثم قدم أبو الدَّرداءِ أي: من الشام على عمر بن الخطاب، أي: في المدينة فأخبره، بذلك أي: بما جرى في هذا الباب فكتب أي: عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا يبيع ذلك أي: ما ذكر من المتماثلين ذهبًا أو فضة إلا مثلًا بمثل، وَرْنًا بوزن. قال أبو عمر: لا أعلم أن هذه عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من هذا الوجه، وإنما هي محفوظة لمعاوية مع عبادة بن الصامت والطرق متواترة بذلك عنهما انتهى. والإِسناد صحيح وإن لم يرو من وجه آخر من الأفراد الصحيحة، والجمع ممكن؛ لأنه عرض له ذلك مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء كذا قاله الزرقاني. * * *

стр. 1542

٨١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط الليثي: أنه رأى سعيد بن المسيَّب يُراطل الذهب بالذهب، قال: فيفرِّغُ الذهب في كِفَّة الميزان، ويفرّغ الآخر الذهبَ في كِفته الأخرى، قال: ثم يرفع الميزان، فإن اعتدل لسان الميزان أخذ وأعطى صاحبه. قال محمد: وبهذا كله نأخذ، على ما جاء من الآثار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا مالك أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط بالتصغير أي: ابن أسامة الليثي: يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة أنه رأى سعيد بن المسيَّب يُراطل بضم التحتية وفتح الراء المهملة المكسورة بينهما ألف فلام أي: يوزن الذهب بالذهب، من رطلت الشيء كنصر وزنته بيدك لتصرف وزنه تقريبًا قال: أي: الراوي فيفرِّغُ بالتشديد والتخفيف أي: فيصب سعيد بن المسيب الذهب أي: ذهبه كما في (الموطأ) لمالك في كِفَّة الميزان، بكسر الكاف والضم لغة وتشديد الفاء ويفرّغ الآخر الذهبَ الذي يراطله على يديه في كِفته أي: الميزان الأخرى، قال: أي: الراوي ثم يرفع الميزان، فإن اعتدل لسان الميزان أخذ أي: ما يريده وأعطى صاحبه أي: ما أراده فتجوز المراطلة بالكفتين، وفي حديث القلادة في مسلم انزع ذهبها واجعله في كفة، وفي جوازها بالصنجة قولان: والجواز أصوب. كذا قاله المازري قوله: بالصنجة بفتح الصاد المهملة وسكون النون وفتح الجيم، يقال لها بلغة التركية: تراز وطائي. كذا في (الأختري). قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: إنما نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة بجميع ما ذكر في هذا الباب على ما جاء من الآثار، أي: وفسق ما وردت الأخبار وصحت عن الأخبار وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم. لما فرغ من بيان الربا مطلقًا، شرع في بيانه مقيدًا، فقال: هذا * * *

стр. 1543

باب الربا فيما يُكال أو يوزن في بيان الربا فيما يكال أو يوزن، قال علماؤنا: البر والشعير والتمر والملح (ق ٨٥٢) كيلي وإن ترك الناس الكيل فيه، والذهب والفضة وزني وإن ترك الناس الوزن فيه وغيرهما على العرف، وهو الصحيح وبه يفتى. ٨٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يُكال أو يُوزن، مما يؤكل أو يُشرب. قال محمد: إذا كان ما يُكال من صنف واحد، أو كان ما يوزن من صنف واحد، فهو مكروه أيضًا: إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، بمنزلة الذي يؤكل ويشرب، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة، قال: الذهبي في (الكاشف): ولد صاحب المذهب الإِمام مالك بن أنس سنة تسعين وثلاث، ومات سنة تسع وسبعين ومائة انتهى. قال بعض المؤرخين: وهو ابن تسعين سنة أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القراشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة ثلاثين ومائة وقيل: بعدها أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أي: إذا لم يراع فيه شرائط صحتها أو ما يُكال أو يُوزن، مما يؤكل أو يُشرب اعلم أن الأعيان المنصوص على تحريم الربا فيها بالإِجماع ستة الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فالذهب والفضة تحريم الربا فيها عند الشافعي بعلة واحدة لازم وهي أنهما من جنس الأثمان. وقال أبو حنيفة: العلة فيها موزون جنس فيحرم الربا في سائر الموزونات، وأما الأربعة الباقية ففي علتها للشافعي قولان: الجديد إنها معطوفة فيحرم الربا في الماء والأدهان على الأصح، والقديم إنها مقطوعة أو مكيلة أو موزونة.

стр. 1544

وقال أبو حنيفة: العلة أنها مكيلة في جنس. وقال مالك: العلة القوت ما يصلح للقوت في الجنس، وعن أحمد روايتان أحدهما كقول أبي حنيفة، وثانيهما كقول الشافعي. وقال أهل الظاهر: الربا غير معلل وهو مختص بالمنصوص عليه وعن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: الربا في النسيئة فلا يحرم التفاضل وفي الكفاية اختلاف الجنس يعرف الاسم والمقصودة بالحنطة والشعير جنسان عندنا وعند الشافعي لكونهما مختلفين اسمًا ومعنى وعند مالك جنس واحد. قال محمد: إذا كان ما يُكال من صنف أي: من نوع واحد، أي: ولو لم يكن مأكولًا ولا مشروبًا أو كان ما يوزن من صنف واحد، فهو مكروه أيضًا: أي: إذا بيع أحدهما متفاضلان أو مؤجلًا إلا مثلًا بمثل، أي: في الكيل يدًا بيد، تشترط التقابض في المجلس بمنزلة الذي يؤكل ويشرب، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. * * * ٨٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : "التمر بالتمر مثلًا بمثل"، فقيل: يا رسول الله، إن عاملك على خَيبر وهو رجل من بني عديّ من الأنصار أخذ الصاع بالصاعين، قال: "ادعوه لي"، فدُعي له، فقال له رسول الله ﷺ : "أتأخذ الصاع بالصاعين"، قال: يا رسول الله، لا يعطوني الجنيب بالجمْع إلا صاعًا بصاعين، قال رسول الله ﷺ : "بِع الجمْع بالدراهم، واشترِ بالدراهم جنيبًا". • أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار، الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة كان في الطبقة الثانية في طبقات صغار

стр. 1545

التابعين من أهل المدينة والمحدثين، مات سنة أربع وتسعين. كذا في (تقريب التهذيب) وهو مرسل، والحديث المرسل: (ق ٨٥٣) ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ سواء كان من كبار التابعين، كعبد الله بن الخيار وسعيد بن المسيب وأمثالهما أو من صغار التابعين كالزهري وعطاء بن يسار وغيرهما، واختلفوا في الاحتجاج بالمرسل فذهب مالك بن أنس صاحب المذهب وأبو حنيفة نعمان بن ثابت وأتباعهما، لكن الشافعي لا يحتج بالمرسل إلا إذا أرسله ثقة من كبار التابعين من طريق آخر ورفعه من وجه آخر كذا قاله الحافظ العراقي. قال ابن عبد البر: وصل هذا الحديث داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التمر بالتمر مثلًا بمثل"، مصدر في موضع الحال أي: موزونًا وفي رواية بالرفع فقيل: يا رسول الله، إن عاملك على خَيبر وهو رجل من بني عديّ من الأنصار يأخذ أي: يشتري وفي نسخة: باع بدل يشتري الصالح أي: من التمر الجيد بالصاعين، أي: من التمر الرديء من جنسه قال: "ادعوه لي"، فدُعي له، أي: لرسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "لا تأخذ الصاع بالصاعين"، وفي نسخة: أتأخذ الصاع بالصاعين قال: يا رسول الله، لا يعطوني وفي (الموطأ) لمالك: لا يبيعونني الجنيب بفتح الجيم وسكون النون تمر رديء مجموع من أنواع مختلفة بالجمْع إلا صاعًا بصاعين، قال رسول الله ﷺ : "بِع الجمْع بالدراهم، واشترِ بالدراهم أي: تمر جنيبًا" أي: جيد، وذلك حيلة شرعية في دفع الربا؛ لأنه فعله باجتهاد قبل نزوله آية الربا، وقبل أن يتقدم إليه ﷺ بالنهي عن التفاضل. * * * ٨٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد المجيد بن سُهيل، والزهريّ، عن ابن المسيَّب، عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاء بتمر جَنيب، فقال رسول الله ﷺ : "أكلَّ تمر خيبر هكذا جنيبًا؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ولكني آخذ الصاع من هذا بصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : "فلا تفعل، بع تمرك بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا"، وقال في الميزان مثل ذلك.
следующие страницы →