ما أرى أي: لا أظن بها أي: وفي نسخة: ما نرى لكن الأولى أولى، كما في (الموطأ) لمالك وهذا الرأي صدر عنه إما من تكبر وعناد أو من اجتهاد، وقد أخطأ فيه لكن كان يجب عليه حينئذ أن يرجع بعد سماع الحديث لا سيما من أبي الدرداء، وهو موثوق بلا خلاف قال له أبو الدرداء: من يعذِرني بكسر الذال المعجمة من معاوية، أي: من يلزمه على فعله ولا يلومني عليه أو من يقوم بعذري إذا جاريته بصنعه ولا يلومني على ما أفعل به، أو من ينصرني يقال: غدرته إذا نصرته أخبره أي: أنا أخبره، كما في (الموطأ) لمالك عن رسول الله ﷺ ويُخبرني أي: معاوية عن رأيه، أي: المجرد مع أن التعليل لا يصح في معارضة النص.
قال ابن عبد البر أبو عمر: كان ذلك منه أنفة من أن يرد سنة علمها من سنن رسول الله ﷺ برأيه وصدور العلماء تضيق عند مشاهدة مثل ذلك وهو عندهم عظيم، قال: جائز للمرء أن (ق ٨٥١) يهجر من لم يستمع منه ولم يطعه، وليس هذا من الهجرة المكروهة، ألا ترى أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك، وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود رجلًا يضحك في جنازة فقال: والله لا أكلمك أبدًا قاله أبو عمر: - يعني ابن عبد البر - فتكون هذه من باب التكبر على المتكبر صدقة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] لا أساكنك أي: لا أمكث معك بأرضٍ أنت بها، أي: الراوي قال: فقدم والفاء بمعنى ثم، كما قال مالك: في (الموطأ) ثم قدم أبو الدَّرداءِ أي: من الشام على عمر بن الخطاب، أي: في المدينة فأخبره، بذلك أي: بما جرى في هذا الباب فكتب أي: عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا يبيع ذلك أي: ما ذكر من المتماثلين ذهبًا أو فضة إلا مثلًا بمثل، وَرْنًا بوزن.
قال أبو عمر: لا أعلم أن هذه عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من هذا الوجه، وإنما هي محفوظة لمعاوية مع عبادة بن الصامت والطرق متواترة بذلك عنهما انتهى. والإِسناد صحيح وإن لم يرو من وجه آخر من الأفراد الصحيحة، والجمع ممكن؛ لأنه عرض له ذلك مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء كذا قاله الزرقاني.
* * *
стр. 1542
٨١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط الليثي: أنه رأى سعيد بن المسيَّب يُراطل الذهب بالذهب، قال: فيفرِّغُ الذهب في كِفَّة الميزان، ويفرّغ الآخر الذهبَ في كِفته الأخرى، قال: ثم يرفع الميزان، فإن اعتدل لسان الميزان أخذ وأعطى صاحبه.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، على ما جاء من الآثار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا مالك أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط بالتصغير أي: ابن أسامة الليثي: يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة أنه رأى سعيد بن المسيَّب يُراطل بضم التحتية وفتح الراء المهملة المكسورة بينهما ألف فلام أي: يوزن الذهب بالذهب، من رطلت الشيء كنصر وزنته بيدك لتصرف وزنه تقريبًا قال: أي: الراوي فيفرِّغُ بالتشديد والتخفيف أي: فيصب سعيد بن المسيب الذهب أي: ذهبه كما في (الموطأ) لمالك في كِفَّة الميزان، بكسر الكاف والضم لغة وتشديد الفاء ويفرّغ الآخر الذهبَ الذي يراطله على يديه في كِفته أي: الميزان الأخرى، قال: أي: الراوي ثم يرفع الميزان، فإن اعتدل لسان الميزان أخذ أي: ما يريده وأعطى صاحبه أي: ما أراده فتجوز المراطلة بالكفتين، وفي حديث القلادة في مسلم انزع ذهبها واجعله في كفة، وفي جوازها بالصنجة قولان: والجواز أصوب. كذا قاله المازري قوله: بالصنجة بفتح الصاد المهملة وسكون النون وفتح الجيم، يقال لها بلغة التركية: تراز وطائي. كذا في (الأختري).
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: إنما نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة بجميع ما ذكر في هذا الباب على ما جاء من الآثار، أي: وفسق ما وردت الأخبار وصحت عن الأخبار وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم.
لما فرغ من بيان الربا مطلقًا، شرع في بيانه مقيدًا، فقال: هذا
* * *
стр. 1543
باب الربا فيما يُكال أو يوزن
في بيان الربا فيما يكال أو يوزن، قال علماؤنا: البر والشعير والتمر والملح (ق ٨٥٢) كيلي وإن ترك الناس الكيل فيه، والذهب والفضة وزني وإن ترك الناس الوزن فيه وغيرهما على العرف، وهو الصحيح وبه يفتى.
٨٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يُكال أو يُوزن، مما يؤكل أو يُشرب.
قال محمد: إذا كان ما يُكال من صنف واحد، أو كان ما يوزن من صنف واحد، فهو مكروه أيضًا: إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، بمنزلة الذي يؤكل ويشرب، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة، قال: الذهبي في (الكاشف): ولد صاحب المذهب الإِمام مالك بن أنس سنة تسعين وثلاث، ومات سنة تسع وسبعين ومائة انتهى.
قال بعض المؤرخين: وهو ابن تسعين سنة أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القراشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة ثلاثين ومائة وقيل: بعدها أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أي: إذا لم يراع فيه شرائط صحتها أو ما يُكال أو يُوزن، مما يؤكل أو يُشرب اعلم أن الأعيان المنصوص على تحريم الربا فيها بالإِجماع ستة الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فالذهب والفضة تحريم الربا فيها عند الشافعي بعلة واحدة لازم وهي أنهما من جنس الأثمان.
وقال أبو حنيفة: العلة فيها موزون جنس فيحرم الربا في سائر الموزونات، وأما الأربعة الباقية ففي علتها للشافعي قولان: الجديد إنها معطوفة فيحرم الربا في الماء والأدهان على الأصح، والقديم إنها مقطوعة أو مكيلة أو موزونة.
стр. 1544
وقال أبو حنيفة: العلة أنها مكيلة في جنس.
وقال مالك: العلة القوت ما يصلح للقوت في الجنس، وعن أحمد روايتان أحدهما كقول أبي حنيفة، وثانيهما كقول الشافعي.
وقال أهل الظاهر: الربا غير معلل وهو مختص بالمنصوص عليه وعن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: الربا في النسيئة فلا يحرم التفاضل وفي الكفاية اختلاف الجنس يعرف الاسم والمقصودة بالحنطة والشعير جنسان عندنا وعند الشافعي لكونهما مختلفين اسمًا ومعنى وعند مالك جنس واحد.
قال محمد: إذا كان ما يُكال من صنف أي: من نوع واحد، أي: ولو لم يكن مأكولًا ولا مشروبًا أو كان ما يوزن من صنف واحد، فهو مكروه أيضًا: أي: إذا بيع أحدهما متفاضلان أو مؤجلًا إلا مثلًا بمثل، أي: في الكيل يدًا بيد، تشترط التقابض في المجلس بمنزلة الذي يؤكل ويشرب، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
٨٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : "التمر بالتمر مثلًا بمثل"، فقيل: يا رسول الله، إن عاملك على خَيبر وهو رجل من بني عديّ من الأنصار أخذ الصاع بالصاعين، قال: "ادعوه لي"، فدُعي له، فقال له رسول الله ﷺ : "أتأخذ الصاع بالصاعين"، قال: يا رسول الله، لا يعطوني الجنيب بالجمْع إلا صاعًا بصاعين، قال رسول الله ﷺ : "بِع الجمْع بالدراهم، واشترِ بالدراهم جنيبًا".
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار، الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة كان في الطبقة الثانية في طبقات صغار
стр. 1545
التابعين من أهل المدينة والمحدثين، مات سنة أربع وتسعين. كذا في (تقريب التهذيب) وهو مرسل، والحديث المرسل: (ق ٨٥٣) ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ سواء كان من كبار التابعين، كعبد الله بن الخيار وسعيد بن المسيب وأمثالهما أو من صغار التابعين كالزهري وعطاء بن يسار وغيرهما، واختلفوا في الاحتجاج بالمرسل فذهب مالك بن أنس صاحب المذهب وأبو حنيفة نعمان بن ثابت وأتباعهما، لكن الشافعي لا يحتج بالمرسل إلا إذا أرسله ثقة من كبار التابعين من طريق آخر ورفعه من وجه آخر كذا قاله الحافظ العراقي.
قال ابن عبد البر: وصل هذا الحديث داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التمر بالتمر مثلًا بمثل"، مصدر في موضع الحال أي: موزونًا وفي رواية بالرفع فقيل: يا رسول الله، إن عاملك على خَيبر وهو رجل من بني عديّ من الأنصار يأخذ أي: يشتري وفي نسخة: باع بدل يشتري الصالح أي: من التمر الجيد بالصاعين، أي: من التمر الرديء من جنسه قال: "ادعوه لي"، فدُعي له، أي: لرسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "لا تأخذ الصاع بالصاعين"، وفي نسخة: أتأخذ الصاع بالصاعين قال: يا رسول الله، لا يعطوني وفي (الموطأ) لمالك: لا يبيعونني الجنيب بفتح الجيم وسكون النون تمر رديء مجموع من أنواع مختلفة بالجمْع إلا صاعًا بصاعين، قال رسول الله ﷺ : "بِع الجمْع بالدراهم، واشترِ بالدراهم أي: تمر جنيبًا" أي: جيد، وذلك حيلة شرعية في دفع الربا؛ لأنه فعله باجتهاد قبل نزوله آية الربا، وقبل أن يتقدم إليه ﷺ بالنهي عن التفاضل.
* * *
٨٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد المجيد بن سُهيل، والزهريّ، عن ابن المسيَّب، عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاء بتمر جَنيب، فقال رسول الله ﷺ : "أكلَّ تمر خيبر هكذا جنيبًا؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ولكني آخذ الصاع من هذا بصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : "فلا تفعل، بع تمرك بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا"، وقال في الميزان مثل ذلك.
стр. 1546
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد المجيد بفتح الميم وكسر الجيم وسكون التحتية ثم الدال المهملة ابن سُهيل، بالتصغير: زوج الثريا بنت عبد الله المدني يقول فيه عمر أبي بن ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيل ... عمرك الله، كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقثت ... وسهيل إذا استقل يمان
أي: سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والزهريّ، أي: قال مالك: وأخبرنا الزهري محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عطفه على عبد المجيد، إشارة إلى تحويل السند تقوية بالحكم عن ابن المسيَّب، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله بن الجوزي عن أبي سعيد الخدري صحابي ابن الصحابي وعن أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر أو عمرو بن عامر أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا يقال له: سوار بن غزية بفتح الغين وكسر الزاي وفتح التحتية المشددة ثم هاء بوزن عطية، كما سماه الداروردي عن عبد المجيد عن أبي عوانة والدارقطني أي: جعله أمير على خيبر، فجاء أي: إلى النبي ﷺ ، وفي نسخة: فجاءهم أي: فقدم على أهالي خيبر بتمر جَنيب، أي: جيد فقال له (ق ٨٥٤) رسول الله ﷺ : "أكلَّ تمر خيبر هكذا أي: طيب جنيبًا؟ " جيد قال: لا والله يا رسول الله، ولكني بكسر النون المشددة والياء للمتكلم آخذ الصاع من هذا أي: الطيب بصاعين أي: الرديء والصاعين أي: من الجنيب بالثلاثة، أي: من الرديء فقال رسول الله ﷺ : "فلا تفعل، هذا الخطاب خاص وعام لغيره بيع تمرك بالدراهم، أي: مثلًا ثم اشتر بالدراهم جنيبًا"، أي: تمرًا جيدًا، وهذه الحيلة الشرعية في الكيل، وفي رواية: واشتر ثمنه من هذا وقال في الميزان مثل ذلك ومثل بالرفع مبتدأ مؤخر، وبالنصب مفعول قال أي: فيما يوزن من الربويات: إذا احتج إلى بيع بعضهما ببعض قولًا مثل ذلك القول الذي قاله في الكيل، والمعنى أن غير الجيد منه يباع ثم يشترى بثمنه الجيد.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما هنا وهو أي: ما رواهما قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
стр. 1547
٨٢٣ - أخبرنا مالك، عن رجل: أنه سأل سعيد بن المسيَّب، عن الرجل يشتري طعامًا من الجار بدينار ونصف درهم، أيعطيه دينارًا أو نصف درهم طعامًا؟ قال: لا، ولكن يعطيه دينارًا أو درهمًا، ويَرُد عليه البائع نصفَ درهم طعامًا.
قال محمد: هذا الوجه أحبّ إلينا، والوجه الآخر يجوز أيضًا إذا لم يعطه المشتري من الطعام الذي اشترى أقلَّ مما يصيب النصف درهم منه في البيع الأوّل، فإن أعطاه منه أقلَّ مما يصيب نصف الدرهم من البيع الأول لم يجز، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك عن رجل: سبق الكلام عليه، وهو عبد المجيد بن سهيل أنه سأل سعيد بن المسيَّب، عن الرجل وفي نسخة: عن الذي يشتري طعامًا أي: حنطة من الجار أي: من الشريك في التجارة ذكره في (القاموس) بدينار ونصف درهم، أي: نسيئة أيعطيه دينارًا أو نصف درهم أي: هل يعطي المشتري إلى البائع أي بقيمتها طعامًا؟ أي: ببدل الدينار ونصف الدرهم اللذين اشترى بهما طعامًا قال: لا، أي: فإنه يصير ربا نسيئة ولكن يعطيه دينارًا أو درهمًا، ويَرُد عليه البائع نصفَ درهم طعامًا أي: ليكون بيعًا ثانيًا وإسقاطًا بما كان في ذمته من الدين، ونظيره ما في (الشمني) لو كان باع درهمين ودينارا بدرهم ودينارين جازبان يصرف كل جنس، بخلاف جنسه تصحيحًا للعقد كما لو باع كرَّ بُرٍ وكرُّ شعير بكري برٍ وكري شعير.
قال محمد: هذا الوجه أحبّ إلينا، أي: في المخلص والوجه الآخر يجوز أي: كما جاز للمشتري أن يعطي إلى البائع إلى المشتري ببدل نصف الدرهم الذي أعطاه المشتري إلى البائع زائدًا على ما لزم عليه من دينار ونصف درهم؛ لأنه أعطاه درهمًا تامًا أيضًا إذا لم يعطه المشتري من الطعام الذي اشترى أقلَّ قوله: أقل ظرف لقوله إذا لم يعطه مما يصيب النصف درهم منه في البيع الأول، فإن أعطاه منه أقلَّ مما يصيب نصف الدرهم من البيع الأول لم يجز، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. والله أعلم.
стр. 1548
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالربا فيما يكال أو يوزن، شرع بذكر ما يتعلق إلى حكم حال الرجل ثبت له على رجل العطايا والدين فيزيد أن يبيعه قبل أن يقبضه، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يكون له العطاء أو الدين على الرجل فيبيعه قبل أن يقبضه
في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل فيبيعه قبل أن يقبضه؛ فإن قيل: لم خص البعض بالذكر، ولم يقل: قبل أن يستوفي فيه؟
أجيب فإنه أشار إلى اليسير في مذهبنا كما اشترى طعامًا بثمن معلوم واكتال (ق ٨٥٦) البائع بعض الطعام في وعاء المشتري وحبس بعضه لأجل الثمن جاز للمشتري أن يبيع الطعام المحبوس عند البائع، فإن قبض البعض قبض الكل حكمًا خلافًا لمالك، حيث قال في (الموطأ): لا يبيع شيئًا مما كان من الطعام وغيره على رجل حتى يقبضه يستوفيه انتهى.
٨٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع جميل المؤذن يقول لسعيد بن المسيَّب: أيّ رجل اشترى هذه الأرزاق التي يُعطاها الناس بالجار، فابتاع منها ما شاء الله، ثم أُريد أن أبيع الطعام المضمون عليَّ إلى ذلك الأجل، فقال له سعيد: أتريد أن توفيهم من تلك الأرزاق التي ابتعت؟ قال: نعم، فنهاه عن ذلك.
قال محمد: لا ينبغي للرجل إذا كان له دين أن يبيعه حتى يستوفيه، لأنه غَرَرٌ فلا يدري أيخرج أم لا يخرج، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀.
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قد سبق طبقته أنه سمع جميل بفتح الجيم وكسر الميم وإسكان التحتية ثم لام، هو ابن عبد الرحمن المؤذن المدني أمه من ذرية سعد القرظ، وكان يؤذن سمع سعيد بن المسيَّب: وعمر بن [عبد] (*) العزيز، وعنه مالك بواسطة يحيى وبلا
стр. 1549
واسطة، والصواب أن اسم أبيه عبد الرحمن، كما هنا، وقيل: اسمه عبد الله بن سويد أو سوادة. كذا ذكره ابن الحذاء يقول لسعيد بن المسيب: أيّ رجل اشترى هذه الأرزاق التي يُعطاها بالتحتية أو الفوقية الناس بالرفع نائب فاعل يعطى بتحتية، والنصب على أنه المفعول الثاني لتعطى بالفوقية بالجار، بالجيم ثم ألف ثم الراء المهملة المخففة: مدينة على ساحل البحر بينها وبين المدينة يوم وليلة. كذا في (النهاية) فابتاع منها أي: اشترى بعض الأرزاق ما شاء الله، أي: في الذمة بدليل قوله: ثم أُريد أن أبيع الطعام المضمون عليَّ أي: ذلك الأجل، فقال له سعيد: أتريد أن توفيهم أي: تعطيهم من تلك الأرزاق التي ابتعت؟ أي: اشتريتها أولًا قال: نعم، فنهاه عن ذلك قال الفاضل السيد محمد الزرقاني: زاد في ذلك في (الموطأ): قال مالك: وذلك رأيي أي: خوفًا من التساهل في ذلك حتى يشترط القبض أو يسعه قبل أن يستوفيه، فمنع عن ذلك للذريعة التي يخاف منها التطرف إلى المحذور إن قلت. انتهى.
قال محمد: لا ينبغي أي: لا يجوز للرجل إذا كان له دين على الناس من الطعام وغيره أن يبيعه حتى يستوفيه، أي: غاية أخذ الدائن حقه تمامًا من المديون لأنه غَرَرٌ أي: بيع فيه خدعة وحيلة فلا يدري أي: الدائن أيخرج أي: المال أم لا يخرج، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وبه قال مالك، فإن قيل: ما الفائدة في قوله: لا ينبغي للرجل إذا كان له دين أن يبيعه حتى يستوفيه، وهو مخالف لما في الترجمة حيث قال هنالك: الرجل يكون له العطايا أو العين على الرجل، فيبيعه قبل أن يقبضه.
أجيب بأنه أشار هنالك إلى الرخصة، وهنا إلى الجواز وهو مذهب مالك.
* * *
٨٢٥ - أخبرنا مالك, أخبرنا موسى بن مَيْسَرة، أنه سمع رجلًا يسأل سعيد بن المسيَّب، فقال: إني رجلٌ أبيع الدين، وذكر له أشياء من ذلك، فقال له ابن المسيَّب: لا تبع إلا ما أويْتَ إلى رحلك.
قال محمد: وبه نأخذ، لا ينبغي للرجل أن يبيع دينًا له على إنسان إلا من
стр. 1550
الذي هو عليه؛ لأن بيع الدَّين غَرَرٌ، لا يدري أيخرج أم لا، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا موسى بن ميسرة بفتح الميم وسكون التحتية وفتح السين المهملة والراء المهملة فالهاء، فهو الديملي بكسر الدال وسكون التحتية، مولاهم يكنى أبا عروة المدني ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين (ق ٨٥٦) ومائة. كذا قاله ابن حجر (١) أنه سمع رجلًا يسأل سعيد بن المسيَّب، فقال: إني رجلٌ أبيع الدين، أي: على إنسان أحيانًا وذكر له أشياء من ذلك، أي: من تصدير ما هنالك فقال له ابن المسيَّب: لا تبع إلا ما أويْتَ بالمد ويقصر أي: ابتعت به إلى رحلك أي: منزلك، وهو كناية عن قبضه.
قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب لا ينبغي للرجل أن يبيع دينًا له على إنسان إلا من الذي هو عليه، لأن بيع الدَّين غَرَرٌ، أي: خدعة بالنسبة إلى غير الديون لا يدري أيخرج أي: من المديون أم لا، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، اعلم أنه لا يجوز بيع مشتري منقول قبل قبضه وقيد بالمنقول؛ لأن بيع العقار يجوز قبل قبضه.
وقال الشافعي ومحمد وزفر: لا يجوز أيضًا؛ لأنه مبيع لم يقبض فلا يصح بيعه كالمنقول.
وقال مالك: بجميع التصرفات إن كان غير الطعام؛ لأنه ﷺ قال في الطعام: "يدًا بيد" وقيل: القبض لا يأتي ذلك.
وقال أحمد: لا يجوز بيعه قبل القبض إن كان مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا أو إن لم يكن يجوز، ولنا ما روى أبو داود (٢) وابن حبان (٣) في صحيحه والحاكم في (مستدركه) (٤) وصححه عن عبد الله بن عمر قال: ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل
стр. 1551
فأعطاني فيه ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تجوزه إلى رحلك، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تبتاع السلع حيث تبتاع حتى تجوزها التجار إلى رحالهم. كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل، فيبيع قبل أن يقبضه، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون عليه الدين، فيقضي أفضل مما أخذ، فقال: هذا
* * *
باب الرجل يكون عليه الدين فيقضي أفضل مما أخذه
في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون عليه الدين فيقضي أفضل مما أخذ أي: أحسن منه أو أزيد.
٨٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا حُميد بن قيس المكي، عن مجاهد، قال: استسلف عبد الله بن عمر من رجل دراهم، ثم قضى خيرًا منها، فقال الرجل: هذه خيرٌ من دراهمي التي أسلَفْتُك، فقال ابن عمر: قد علمتُ، ولكن نفسي بذلك طيّبة.
• أخبرنا مالك، أخبرنا حُميد بالتصغير ابن قيس المكي، الأعرج، يكنى أبا صفوان القاري، ليس به بأس كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل بعدها عن مجاهد بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، يكنى أبا الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة إمام في التفسير وفي العلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة مات سنة إحدى أو اثنين أو ثلاث أو أربع ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة كذا قاله في (تقريب التهذيب) (١) قال: استسلف عبد الله بن عمر من
стр. 1552
رجل دراهم، أي: معيبة ثم قضى أي: أداه دراهم خيرًا منها، أي: في الكيفية فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن، وهو كنية ابن عمر هذا أي: ما أعطيته (ق ٨٥٧) إلى، وفي نسخة صحيحة: هذه أي: الدراهم التي أعطيتها إلى خيرٌ من دراهمي التي أسلَفْتُك، أي: فهل علمت ذلك ويجوز أي: أخذ فقال ابن عمر: قد علمتُ، أي: خيرية دراهمي ولكن نفسي بذلك طيّبة أي: فيحل لك، وهذا أحسن قضاء والشرع لم يفرق بين الجيد والرديء في المال الربوي.
* * *
٨٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع: أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بَكْرًا، فقدِمَتْ عليه إبلٌ من الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَهُ، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا جَملًا رباعيًا خَيَارًا، قال: أعطه إياهُ؛ إن خيار الناس أحسنهم قضاء.
قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، لا بأس بذلك إذا كان من غير شرط اشترطه عليه، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أمامة المدني، ثقة عالم وكان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار، الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين عن أبي رافع: كان اسمه أسلم أو إبراهيم أو ثابت أو هرمز أو سنان أو صالح أو يسار أو عبد الرحمن أو يزيد أو قزمان، فيه أقوال عشرة.
قال ابن عبد البر: أشهر ما قيل فيه: اسمه أسلم القبطي مولى رسول الله ﷺ قيل:
стр. 1553
بدري ولم يشهدها وشهد أحدًا وما بعدها، وقيل: كان مولى العباس فوهب للنبي ﷺ فأعتقه، وروى عنه أحاديث ومات في أول خلافة علي ﵁ على الصحيح أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل قال (الأبي): السين في استفعل للطلب، وقد تكون للتحقيق وهي هنا كذلك؛ لأنه إخبار عن ماض بَكْرًا، بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وهو الفتى من الإِبل كالغلام من الذكور والقلوص: الفتية من النوق، كالجارية من الإِناث، وفيه جواز أخذ الدين للضرورة، وقد كان النبي ﷺ يكرهه، وإلا فقد خير فاختار التقلل من الدنيا والقناعة. كذا قاله في (الإِكمال) وفي (المفهم): فإن قيل: كيف عمر ذمنه بالدين، وقد كان يكرهه، وقال في الحديث: "إياكم والدين، فإنه شين"، وفي آخر: "فإنه هم بالليل ومذلة في النهار"، وكان كثيرًا ما يتعوذ منه حتى قيل: ما أكثر ما تستعيز من المغرم، فقال: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب".
أجيب بأنه إنما كداين لضرورة، ولا خلاف في جوازه لها فإن قيل: لا ضرورة له؛ لأن الله تعالى خيره أن تكون بطحاء مكة له ذهبًا رواه الترمذي، ومن هو كذلك، فأين الضرور؟
أجيب بأنه لما خيَّره اختار الإِقلال من الدنيا والقناعة، وما عدل عنه زهدًا فيه لا يرجع إليه، فالضرورة لازمة، وأيضًا فالدين إنما هو مذموم لتلك اللوازم المذكورة، وهو معصوم منها، وقد يجب وإن كان لغير ضرورة كره للأحاديث المذكورة، لما فيه من تعريض النفس للمذلة.
وأما السلف بالنسبة إلى معطيه فمستحب؛ لأنه من الإِعانة على الخير، وأخرج البزار (١) عن ابن مسعود ﵁: "قرض مرتين يعدل (ق ٨٥٨) صدقة مرتين"، وفي حديث آخر: "درهم الصدقة بعشرة ودرهم القرض بسبعين" فقدِمَتْ أي: جاء عليه ﷺ إبلٌ من الصدقة، أي: الزكاة فأمر ﷺ مولاه أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَهُ، أي: مثل بكره ليسلف منه، ولم يسم ذلك الرجل، وفي مسند أحمد أنه أعرابي، وفي أوسط الطبراني عن العرباض ما يفهم أنه هو، لكن في النسائي والحاكم ما يقتضي أنه غيره، فكأن القصة وقعت لأعرابي ووقع نحوها للعرباض فرجع إليه أي: إلى النبي ﷺ أبو رافع،
стр. 1554
فقال: لم أجد فيها أي: فيما بين إبل الصدقة إلا جَملًا رباعيًا بضم الراء وتخفيف التحتية وهو الإِبل الذي استكمل ست سنين، فدخل في السابعة.
قال الهروي: إذا ألقي البعير رباعيته في السنة السابعة فهو رباعي، ورباعيات الأسنان الأربعة التي تلي الثنايا من جانبها خَيَارًا، صفة على المبالغة فقال: أي: النبي ﷺ أعطه بهمزة قطع وكسر الطاء إياهُ؛ إن خيار الناس أحسنهم قضاء أي: الدين.
قال البوني: أظنه أراد أن الله يوفق لهذا خيار الناس. انتهى. كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني.
وقال النووي: مما يستشكل فيقال: كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم، مع أن الناظر لا يجوز تبرعها منها.
والجواب: أنه ﷺ افترض لنفسه، فلما جاءت إبل الصدقة اشترى منها رباعيًا أجود ممن استحقه فملكه بثمنه، وأوفاه متبرعًا بالزيادة من ماله، ويدل عليه ما في رواية مسلم قال: اشتروا شيئًا فأعطوه إياه. انتهى. كذا قاله السيوطي وبهذا يزول إشكال الآخر وهو بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وقد تقدم نهيه ﷺ كما مر عليه الكلام.
قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، لا بأس بذلك إذا كان من غير شرط اشترطه عليه، أي: في حال العقد لأنه لو شرط عليه الزيادة لصار ربًا وهو قول أبي حنيفة ﵀.
* * *
٨٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: مَنْ أسْلَفَ سَلَفًا فلا يشترط إلا قضاءه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي له أن يشترط أفضل منه، ولا يشترط عليه أحسن منه، فإن الشَّرْط في هذا لا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1555
• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵁ قال: مَنْ أسْلَفَ سَلَفًا فلا يشترط إلا قضاءه أي: لا زيادة عليه ولا نقصان عنه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي له أي: لمن أسلف أن يشترط عليه أي: في العقد أفضل منه، أي: إعطاء أزيد منه في الكمية ولا يشترط عليه أحسن منه، أي: في الكيفية فإن الشَّرْط في هذا أي: في العقد الذي هو السلف لا ينبغي، أي: لا يجوز وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون عليه دين فيقضي أفضل مما أخذ، شرع في بيان العمل يكره، فقال: هذا
* * *
باب ما يكره من قطع الدراهم والدنانير
في بيان ما أي: الفعل يكره، أي: أن يفعله من قطع الدراهم والدنانير أي: كسرها وإبطال صورها.
٨٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: قطع الذَّهب والورِق من الفساد في الأرض.
قال محمد: لا ينبغي قَطْع الدراهم والدنانير لغير منفعة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس
الأنصاري المدني، قد سبق طبقته في باب الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل عن
سعيد بن المسيَّب، أنه قال: قطع الذَّهب والورِق أي: كسر الفضة والذهب، أي: حتى
يصير أخف وزنًا من الدراهم والدنانير المتعارفة، وفي معناه غشهما من الفساد في
الأرض؛ (ق ٨٥٩) لأنه نوع سرقة بل أكبر منها لسراية ضررها إلى العامة في كسر سكة
المسلمين، فتنبيه للعامة واختلال في أمورهم، وجاء عن سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي
رباح في قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
стр. 1556
وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] أن إفسادهم كان قطع الذهب والفضة، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى في سورة هود: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] قال: قطع الدنانير والدراهم.
وقال غيره: هو الجس الذي كانوا يفعلونه، وروى ابن أبي شيبة أنه ﷺ نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.
قال أبو عمر بن عبد البر: إسناده لين. كذا قاله الزرقاني.
قال محمد: لا ينبغي أي: لا يجوز قَطْع الدراهم والدنانير لغير منفعة أي: للعباد، والظاهر أن مراد ابن المسيب من قطعهما نقص شيء منها ومراد محمد من قطعها كسرها وإبطال صورهما وجعلها مصوغًا وطروفًا ونحوهما والله أعلم. كذا قال علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يكره من قطع الدراهم والدنانير، شرع في بيان حكم المعاملة والمزارعة في النخل والأرض، فقال: هذا
* * *
باب المعاملة والمزارعة في الأرض والنخل
في بيان حكم أحكام المعاملة: وهي أن يعطي صاحب النخل والبستان نخله وبستانه لآخر ليعمل فيها، على شرط يكون نصفه لمحصول أو ثلثه أو ربعه لصاحب البستان ونصفه الآخر أو ثلثه أو ربعه للعامل فيها، والمزارعة: وهي أن يعطي صاحب الأرض الخالية من الأشجار أرضه إلى آخر ليزرعها على شرط أن يكون نصف المحصول أو ثلثه أو ربعه لصاحبه الأرض ونصفه الآخر أو ثلثه أو ربعه للحارث قوله: في النخل قيد المعاملة، وقوله: والأرض قيد المزارعة.
٨٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أن حنظلة الأنصاري أخبره، أنه سأل رافع بن خديج عن كراء المزارع، فقال: قد نُهي عنه، قال حنظلة: فقلتُ لرافع: بالذهب والورق؟ فقال رافع: لا بأس بكرائها بالذهب والورِق.
стр. 1557
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بكرائها بالذهب، والورِق، وبالحنطة كيلًا معلومًا، وضَرْبًا معلومًا، ما لم يُشترط ذلك مما يخرج منها، فإن اشترط مما يخرج منها كيلًا معلومًا فلا خير فيه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
وقد سُئل عن كرائها سعيد بن جبير بالحنطة كيلًا معلومًا، فرَخَّصَ في ذلك، وقال: هل ذلك إلا مثل البيت يُكرى.
• أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم يكنى أبا عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ ثقة فقيه مشهور، قال ابن سعد: كانوا يثقونه لموضع الرأي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة أن حنظلة بن قيس بن عمرو بن حصن بن خلدة الزرقي المدني الأنصاري ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة. كذا قاله في (تقريب التهذيب) أخبره، أنه سأل رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وإسكان التحتية وجيم هو ابن رافع بن عدي الأنصاري الأوسي هو أول من شهد أحدًا ثم الخندق، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين وقيل: قبل ذلك عن كراء المزارع، بفتح الميم جمع المزرعة، هي مكان الزرع فقال: أي: رافع بن خديج قد نُهي عنه، على بناء المجهول أي: نهانا رسول الله ﷺ عن كراء المزارع وظاهره منع كرائها مطلقًا وإليه ذهب الحسن وطاووس وأبو بكر الأصم، قال: لأنها إذا استؤجرت وخربت لعلها يحترق ذرعها فيردها، وقد زادت وانتفع ربها ولم ينتفع المستأجر، ومن حجتهم حديث الصحيحين (ق ٨٦٠) وغيرهما مرفوعًا: "من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه" قال حنظلة: فقلتُ أي: سألت لرافع: ابن خديج بالذهب والورق؟ أي: أنهى عن كرائها بهما؟ فقال رافع: لا بأس أي: لا حرمة بكرائها بالذهب والورِق أي: الفضة ونحوهما، وفي رواية للشيخين من لا إنما نهى عنه ببعض ما يخرج منها.
قال مالك في (موطئه): أما بالذهب والورق فلا بأس به، وهو يتحمل أنه قال ذلك اجتهادًا أو علم ذلك بالنص على جوازه، وقد روى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل منح أرضًا، ورجل أكرى أرضًا بذهب أو فضة،
стр. 1558
وهو يرجح أنه ما قاله رافع مرفوع، لكن بين النسائي من وجه آخر المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة، وأن بقيته مدرج من كلام ابن المسيب، وقد مر تفصيل الحديث المدرج. كذا قاله الزرقاني (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه حنظلة عن رافع بن خديج لا بأس بكرائها بالذهب، والورِق، أي: بالنقد وما في معناها وبالحنطة ونحوهما من الشعير والأرز والذرة كيلًا معلومًا، أي: عند المتعاقدين وضَرْبًا أي: صنفًا معلومًا، أي: عندهما ما لم يُشترط ذلك أي: ما ذكر من القدر والصنف المعلومين من الحنطة مثلًا مما يخرج منها، أي: من تلك الأرض فإن اشترط مما يخرج منها كيلًا معلومًا أي: فضلًا أن يكون مجهولًا فلا خير فيه، أي: لأنه حرام وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
وقد سُئل عن كرائها سعيد بن جبير بالحنطة كيلًا معلومًا، فرَخَّصَ في ذلك، وقال: هل ذلك أي: في القياس إلا مثل البيت يُكرى أي: بالحنطة أو الذهب أو الفضة ونحوهما.
* * *
٨٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله ﷺ حين فتح خيبر قال لليهود: "أقرّكم ما أقركم الله، على أن الثَّمَرَ بيننا وبينكم"، قال: وكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرصُ عليهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، قال: فكانوا يأخذونه.
• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله ﷺ أي: يوم فتح خيبر بوزن جعفر: مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير، على حين ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام هذا حديث مرسل.
قال ابن عبد البر: وصله جميع رواة الموطأ وأكثر أصحاب ابن شهاب، ووصله
стр. 1559
منهم طائفة منهم صالح بن أبي الأخضر أي: وهو ضعيف، فزاد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لليهود أي: ليهود خيبر أقرّكم أي: على أراضي خيبر وذراعتها ما أقركم الله، أي: مدة التي قدرها لمسافتكم فيها لا دلالة فيه لمن قال: يجوز المسافات مدة مجهولة؛ لأنه محمول على مدة العهد؛ لأنه كان عازمًا على إخراج الكفار من جزيرة العرب لمحبتة، استقبال الكعبة؛ لأنه كان لا يتقدم في شيء إلا بوحي قد ذكر ذلك لليهود منتظرًا للقضاء فيهم إلى أن حضرتهم الوفاة فأتاه الوحي فقال: "لا يبقين دينان بأرض العرب" فلما بلغ عمر ذلك كان خاصًا به ﷺ ينتظر قضاء الله، وقيل: لأنهم كانوا عبيدًا له، كما قال ابن شهاب، ويجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بين الأجنبيين؛ إذ للسيد أخذ ما بيده عند الجميع. كذا قاله ابن عبد البر على أن الثَّمَرَ بالمثلثة أي: الحاصل منها من الثمر والزرع بيننا وبينكم، أي: نصفين، كما (ق ٨٦١) في الصحيحين (١) عن ابن عمر أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
قال عياض: هو مفسِّر للإِبهام في حديث (الموطأ) فإن المسافات لا تجوز مبهمة، والجزء فيها ما يتفقان عليه قل أو كثر قال: أي: سعيد بن المسيب وكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة بفتح الراء المهملة ابن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي الشاعر، أحد السابقين شهد بدرًا واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان فيخرصُ بضم الراء المهملة ثم صاد مهملة أي: يجوز ويخمن قدر الثمر أو الزرع الحاصل بينه وبينهم أي: بمعرفتهم ثم يقول: إن شئتم فلكم أي: هذا المقدار وتضمنونه نصيب المسلمين وإن شئتم فلي، أي: فأنتم مخيرون وأضمن نصيبكم قال: أي: عبد الله بن رواحة فكانوا يأخذونه أي: يختارونه، وعن جابر: "خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق، ولمَّا خيرهم أخذوا الثمرة وأدوا عشرين ألف وسق".
قال ابن مزين: سألت عيسى عن فعل ابن رواحة: أيجوز للمساقين أو المشتركين، فقال: لا ولا يصح إلا كيلًا إلا أن تختلف حاجتهما إليه، فيقسمانه بالخرص فتأول خرص ابن رواحة للقسمة خاصة. كذا قاله الفاضل محمد الزرقاني (٢).
* * *
стр. 1560
٨٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة، فيخرص بينه وبين اليهود، قال: فجمعوا له حليّا من حليّ نسائهم، فقالوا: هذا لك وخفف عنَّا وتجاوز في القسم، فقال: يا معشر اليهود، والله إنكم لمِن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذلك بحاملي أن أحيف عليكم، أمّا الذي عَرَضتم من الرِّشوة فإنها سُحْت، وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بمعاملة النخل على الشَّطر، والثلث، والربع، وبمزارعة الأرض البيضاء على الشطر والثلث والربع، وكان أبو حنيفة يكره ذلك، ويذكر أن ذلك هو المخابرة التي نهى عنها رسول الله ﷺ .
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري التابعي، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن سليمان بن يسار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة. كذا قاله ابن الجوزي في (طبقاته) أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة، أي: إلى خيبر فيخرص أي: فيخمن بينه وبين اليهود، أي: حاصل نموهم قال: أي: عبد الله بن رواحة فجمعوا له حليّا بضم الحاء المهملة وكسر اللام وتشديد التحتية من حليّ نسائهم، وفي (المغرب): الحلي على مفعول جمع حلي كثدي جمع ثدي، وهو ما تتحلى به المرأة من ذهب أو فضة وقيل: أو جواهر فقالوا: أي: أهالي خيبر هذا أي: الحلي لك أي: خاصة وخفف أي: ارفع عنَّا أي: في الخرص وتجاوز أي: في القسم، أي: بالمسامحة معنى فقال: يا معشر بفتح الميم وسكون العين المهملة والشين المعجمة المفتوحة أي: قبائل اليهود، والله إنكم لمِن بفتح اللام وكسر الميم وسكون النون تأكيد القسم أبغض خلق الله إليَّ، أي: إلى قلبي أو عندي أو في معتقدي وما ذلك أي: بغضكم مع هذا بحاملي بباعث لي أن أحيف أي: أغدر عليكم، أي: من أجور عليكم أمّا الذي
стр. 1561
عَرَضتم من الرِّشوة بالكسر وسكون الشين المعجمة أي: الجعلة للجاه فإنها أي: الرشوة سُحْت، بضم وسكون وبضمتين، أي: حرام أخذها سحت البركة ويستأصلها بالكلية وإنا أي: (ق ٨٦٢) معشر المسلمين لا نأكلها، أي: الرشوة مطلقًا فقالوا: أي: معاشر اليهود بهذا أي: بالعدل قامت السموات والأرض أي: ما عندنا أو قام أهلها واستقام حالهما وحسن مآلهما.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سليمان بن يسار هنا لا بأس بمعاملة النخل على الشَّطر، أي: النصف والثلث، والربع، أو نحوهما من الخمس والثمن وبمزارعة الأرض البيضاء أي: الخالية من الأشجار على الشطر والثلث والربع، أي: وأمثالها وكان أبو حنيفة يكره ذلك، أي: عمل المزارعة ويذكر أن ذلك هو المخابرة التي نهى عنها رسول الله ﷺ والمخابرة بالخاء المعجمة والموحدة والمزارعة على نصف معين من النصف ونحوه، وإنما لا يصح عند أبي حنيفة، لما أخرجه مسلم عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: "لا بأس بها"، وما رواه ابن أبي شيبة عن ثابت بن الحجاج عن زيد بن ثابت ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة قلت: وما المخابرة؟ قال: "أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع"، وأما ما أخذه النبي ﷺ فإنما كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح، وذلك جائز بدليل أنه ﷺ لم يبين لهم المدة، وإن كانت مزارعة بينهما لا يجوز عن من يجيزها إلا ببيان المدة.
وقال أبو بكر الرازي: ومما يدل على أن ما شرط عليهم من نصف الثمر والزرع كان على وجه الجزية، إذ لم يرد في شيء من الأخبار أن النبي ﷺ أخذ منهم الجزية إلى أن مات، ولا أبو بكر إلى أن مات، ولا عمر إلى أن أجلاهم عن جزيرة العرب، ولو لم يكن جزية لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية ثم الحلية، لجوازها عند أبي حنيفة أن يستأجر رب البذرة العامل بأجر معلوم إلى مدة معلومة، وإذا قضيت المدة يعطيه بعض الخراج عما وجب له من الأجر في ذمته فيجوز ذلك برضاهما كالدين إذا أعطى عنه خلاف جنسه، وأما عندهم فصح المزارعة بشروطها المعتبرة المذكورة في الكتب المبسوطة، وبه يفتي لحاجة الناس إليها وتعامل الأمة بها، ولما أخرجه الجماعة إلا النسائي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع، وفي لفظ: "لما افتتحت خيبر سأل اليهود رسول الله ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما
стр. 1562
يخرج منها من الثمر والزرع، فقال رسول الله ﷺ : "نقركم فيها على ذلك ما شئنا".
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم المعاملة والمزارعة في النخل والزرع، شرع في بيان ما يتعلق بحكم إحياء الأرض، فقال: هذا
* * *
باب إحياء الأرض بإذن الإمام أو بغير إذنه
بالتنوين أي: باب كائن في بيان حكم إحياء الأرض بإذن الإِمام أو غير إذنه، أراد بإحياء الأرض إحياء الموت منها، وهو أرض بلا نفع لانقطاع مائها ونحوه، ولا يعرف مالكها بعيدة من العامر بحيث لا يسمع فيها الصوت من أقصى العامر.
٨٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ أحيا أرضًا ميِّتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حق".
• أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات (ق ٨٦٣) التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة عن أبيه أي: عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح قال: أي: عروة بن الزبير مرسلًا قال النبي ﷺ : "مَنْ أحيا أرضًا ميِّتة فهي له، أي: تلك الأرض ملك له مسلمًا كان أو ذميًا، أذن له الإِمام أو لم يأذن، وبه قال الجمهور.
وقال أبو حنيفة: لو أحياها بغير إذن الإِمام لا يملكها وليس لعرقٍ ظالمٍ حق" بكسر العين المهملة وسكون الراء وتنوين القاف، وظالم مجرور صفة له، وحق مرفوع على أنه اسم لكلمة ليست أي: لم يثبت حق لرجل ظالم غرس شجرًا أو ذرع بذرًا بالأرض التي أحياها زيد قيل: غرسها رجل ليغتصبها عند يده ظلمًا. كذا فسره محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، ووصف العرق بالظالم الذي هو صفة صاحبه مجاز.
* * *
стр. 1563
٨٣٤ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: من أحيا أرضًا ميتة فهي له.
قال محمد: وبهذا نأخذ، من أحيا أرضًا ميتة بإذن الإِمام أو بغير إذنه فهي له، وأما أبو حنيفة فقال: لا يكون له إلا أن يجعلها له الإِمام، قال: وينبغي للإِمام إذا أحياها أن يجعلها له، فإن لم يفعل لم تكن له.
• أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثقة عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (١) عن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب، ﵁ أنه قال: من أحيا أرضًا ميتة فهي له أي: لما سبق، ولما في الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له"؛ ولأنه تال مباح سبقت يده إليه فيملكه، كما في الحطب والصيد.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبد الله بن عمر عن أبيه من أحيا أرضًا ميتة بإذن الإِمام أو بغير إذنه فهي له، وأما أبو حنيفة فقال: أي: على ما اختاره لا تكون أي: الأرض له أي: لمن أحياها إلا أن يجعلها له الإِمام، أي: أولًا قال: أي: أبو حنيفة وينبغي للإِمام إذا أحياها أي: أحد بغير إذنه أن يجعلها له، أي: لمن أحياها إياها فإن لم يفعل أي: الإِمام ذلك لا أولًا ولا آخرًا لم تكن أي: الأرض له أي: لمن أحياها، روى الطبراني من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "ليس للمرء إلا ما طابت نفس إمامه به". ولأن ما يتعلق به حق جماعة المسلمين لا يختص واحد دون واحد إلا بإذن الإِمام، وأصله الرزق من بيت المال، ثم من حجر أرضًا بأن وضع حجرًا أو شيئًا للإِعلام بأن قصد إحيائها ولم يعمرها ثلاث سنين دفعها الإِمام إلى غيره اتفاقًا، لما روى
стр. 1564
مسلم في كتاب (الخراج) عن الحسن بن عمارة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال عمر ﵁: من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس للمحتجر حق بعد ثلاث سنين، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم إحياء الأرض بإذن الإِمام أو بغير إذنه، شرع (ق ٨٦٤) في بيان ما يتعلق بحكم الصلح في الشرب وقسمة الماء، فقال: هذا
* * *
باب الصلح في الشرب وقسمة الماء
في بيان حكم الصلح بضم الصاد المهملة وسكون اللام وبعدها حاء مهملة: اسم يستعمل مذكرًا ومؤنثًا من المصالحة، وهي المسالمة بعد المنازعة. كذا في (صحاح الجوهري)، وفي الشريعة: عقد يرفع النزاع. كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني أي: حال كونه في الشرب وقسمة الماء الشرب بالكسر النصيب من الماء، وفي الشريعة عن نوبة الانتفاع بالماء سقيًا للمزارع أو الدواب. كذا في (المغرب)، والأصل في هذا الباب ما أخرجه ابن ماجه (١) في (سننه) عن ابن عباس والطبراني في (معجمه) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، وزاد ابن ماجه: "وثمنه حرام"، والمراد بالماء الجزر أي: الموضع الذي انقطع الماء فيه، وبالكلأ: الحشيش الذي ينبت بنفسه من غير أن يذرعه أحد ويسقيه وإن كان في أرض غيره، وبالنار: الاستضاءة والاصطلاء والإِيقاد من لهبها في الصحراء لا الجمر؛ لأنه ملكه.
٨٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال في سيل مَهْزُور وَمُذَيْنِب: "يُمْسَك حتى يبلغ الكعبين، ثم يُرسل الأعلى على الأسفل".
قال محمد: وبه نأخذ, لأنه كان كذلك الصلح بينهم، ولكل قوم ما اصطلحوا وأسلموا عليه من عيونهم وسيولهم وأنهارهم وشِرْبهم.
стр. 1565
• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي فيها ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال في سيل مَهْزُور بفتح فضم وادي بني قريظة وَمُذَيْنِب: تصغير مذنب واد بالمدينة "يُمْسَك بصيغة المجهول أي: يؤاخذ الماء والمعنى الأعلى حتى يبلغ الكعبين، أي: من القدمين ثم يُرسل الأعلى على الأسفل" أي: هلم جرا إلى آخره. قال ابن عبد البر: لا أعلمه متصلًا من وجه من الوجوه مع أنه حديث مدني مشهور عند أهل المدينة يستعمل عندهم معروف معمول به، ومهزور ومذينب واديان بالمدينة قال: وسئل أبو بكر البزار عن حديث الباب، فقال: لست أحفظ فيه بهذا اللفظ عن النبي ﷺ حديثًا ثابتًا، وقد خرج ابن ماجه نحوه من حديث ثعلبة بن مالك القرظي.
وقال البيهقي: إنه مرسل، وثعلبة من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. كذا ذكره السيوطي.
قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبد الله بن أبي بكر عن النبي ﷺ لأنه كان كذلك الصلح بينهم، ولكل قوم ما اصطلحوا وأسلموا عليه من عيونهم وسيولهم وأنهارهم وشِرْبهم أي: ونصيبهم أي: لشربهم وذرعهم وسقي دوابهم، وهذا الكلام من الإِمام محمد قد توهم أنه ليس له أصل في الكتاب والسنة، لكن ذكره البغوي في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية [النساء: ٦٥] حديث البخاري (١): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد (ق ٨٦٥) شهد بدرًا إلى رسول الله ﷺ في سراح من الحرة إلى سيل منها، وهي حجارة سود في بقعة معروفة بالمدينة كان يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك"، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، إن كان ابن عمك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر" أي: أصله فاستوعى رسول الله ﷺ أي: استوعب للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير أي: فيه مشقة
стр. 1566
وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري أغضب رسول الله ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم.
قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
* * *
٨٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، أن الضحّاك بن خليفة ساق خليجًا له من العُرَيْض، فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مَسْلمة، فأبى محمد بن مسلمة، فقال له الضحّاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولًا وآخرًا، ولا يضرّك؟ فأبى، فكلَّم فيه عمر بن الخطاب، فدعا محمد بن مَسلمة، فأمره أن يخلّي سبيله، فأبى، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك، قال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرّن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يجريه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني، المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن أبيه، يحيى بن عمارة بن حسن الأنصاري المدني، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة أن الضحّاك بن خليفة الصحابي ساق خليجًا له أي: نهرًا منقطعًا من النهر الأعظم حتى النهر الصغير من العُرَيْض، وهو بالتصغير واد بالمدينة فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مَسْلمة، ﵁ بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح اللام والميم فهاء صحابي أنصاري مشهور فاضل، مات بعد الأربعين. كذا قاله ابن حجر فأبى أي: امتنع محمد بن مسلمة، فقال له الضحّاك: لم تمنعني أي: من إدخاله وهو لك منفعة تشرب به أي: بسببه أو منه أولًا وآخرًا، والجملة مستأنفة مبينة للمنفعة ولا يضرّك؟ أي: شيئًا فأبى، فكلَّم أي: الضحاك فيه عمر بن الخطاب، ﵁ فدعا أي: عمر محمد بن مَسلمة، فأمره أن
стр. 1567
يخلّي سبيله، فأبى، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك، قال محمد: لا والله، أي: أخليه أن يمر به في أراضي فقال عمر: والله ليمرّن به أي: بالخليج ولو على بطنك، قاله للمبالغة فأمره أي: الضحاك عمر أن يجريه أي: يمر به.
* * *
٨٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه كان في حائط جدّه ربيعٌ لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبد الرحمن أن يحوّله إلى ناحية الحائط، هي أرفق بعبد الرحمن وأقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط، فكلم عبد الرحمن عمر بن الخطاب، فقضى لعبد الرحمن بتحويله.
• أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه أي: الشأن كان في حائط جدّه أي: بستانه ربيعٌ أي: نهر صغير لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبد الرحمن أن يحوّله إلى ناحية الحائط، أي: من ذلك الحائط هي أي: تلك الناحية أرفق بعبد الرحمن أي: أوفق وأقرب إلى أرضه، بحصص أو قصيرًا فمنعه صاحب الحائط، فكلم عبد الرحمن عمر بن الخطاب، ﵁ فقضى لعبد الرحمن بتحويله
* * *
٨٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال، عن عَمرة بنت عبد الرحمن، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُمنع نقع بئر".
قال محمد: وبهذا نأخذ، أيُّما رجلٍ كانت له بئر فليس له أن يمنع الناس أن يستقوا منها لشفاههم وإبلهم وغنمهم، فأمَّا لزرعهم ونخلهم؛ فله أن يمنع ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1568
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا أبو الرِّجال، بكسر الراء المهملة وتخفيف الجيم، مشهور بهذه الكنية وهي لقب، كنيته، (ق ٨٦٦) في الأصل أبو عبد الرحمن، اسمه محمد بن حارثة الأنصاري، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عَمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية التابعية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، مات بعد المائة أن رسول الله ﷺ وفي نسخة: عن رسول الله ﷺ ، هذا الحديث مرسل لكنه وصله غير واحد قال: "لا يُمنع بصيغة المجهول نهيًا أو نفيًا نقع بئر" بنون مفتوحة فقاف ساكنة مهملة فضل ماؤها الذي يخرج منها قبل أن يصير في إناء، يعني الرجل يحفرها بالفلاة ويسقي منها مواشيه، فإن سقاها فليس له أنه يمنع الفاضل غيره.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عمرة بنت عبد الرحمن هنا أيُّما رجلٍ كانت له بئر فليس له أن يمنع الناس أن يستقوا منها أي: من البئر وهو مؤنث، في (القاموس): البئر انثى، وقال صاحب (الكشاف): التاء مقدرة في بعض الأسماء المؤنثة، نحو: أرض ونعل فإن التاء فيها مقدرة، بدليل تصغيرها على أريضة ونعيلة، فإن التاء التي تظهر في المصغر تدل على أن المكبر مؤنث، فإن قيل: لِمَ لَمْ تدخل التاء في لفظ البئر مع أنها تدخل على صفتها في قوله تعالى: ﴿بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]؟
أجيب عنه لو أدخلت في لفظها ما يلزم أن تكون البئر مخصوصة معينة، وليست كذلك، فإنها جنس شامل بجميع أفرادها لشفاههم وإبلهم وغنمهم، يقال: هم أهم الشفة أي: الذين لهم من الشرب شفاههم وأن يستقوا دوابهم وصاحب المشافهات على ابن إسحاق الحنظلي؛ لأنه زعم أن ما ذكر من التفسير كله مسند إلى رسول الله ﷺ فكأنه شافهه. كذا في (المغرب). وأمَّا لزرعهم وفي نسخة: فأما بالفاء ونخلهم؛ أي: إذا أرادوا أن يأخذوا من مائها لزرعهم وأشجارهم فله أي: لصاحب البئر أن يمنع ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالصلح في الشرب وقسمة الماء، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يعتق نصيبًا له من مملوك إلى آخره.
* * *
стр. 1569
كتاب العِتَاق
باب الرجل يعتق نصيبًا له من مملوك أو يسيب سائبة أو يوصي بعتق
في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يعتق نصيبًا له من مملوك أو يسيب سائبة أو يوصي بعتق، فكلمة أو فيها للتنويع في مقام التفريع.
٨٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، أن أبا بكر ﵁ سيّب سائبة. قال محمد: قال رسول الله ﷺ في الحديث المشهور: "الولاءُ لمن أعتقَ"، وقال عبد الله بن مسعود: لا سائبة في الإِسلام، ولو استقام أن يعتق الرجل سائبة فلا يكون لمن أعتقه ولاؤه لاستقام لمن طلب من عائشة أن تُعتق، ويكون الولاءُ لغيرها، فقد طلب ذلك منها، فقال لها رسول الله ﷺ : "الولاءُ لمن أعتق"، فإذا استقام أن لا يكون لمن أعتق ولاء استقام أن يُستثنى عليه الولاءُ، فيكون لغيره، واستقام أن يهب الولاء ويبيعه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته والولاء عندنا بمنزلة النسب، وهو لمن أعتق إن أعتق سائبة أو غيرها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة عن أبيه، أي: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع (ق ٨٦٧) وتسعين على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (١) أن أبا
стр. 1570
بكر ﵁ سيّب سائبة لعله كناية عن إعتاق رقبة البراءة ولائها بمرة، ولا بد من تأويل قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] ثم رأيت (البغوي) قال في تفسيره عن أبي عبيدة: أن السائبة البعير الذي سيب، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية إذا مرض أو غاب له قريب نذر فقال: إن شفاني الله أو رد غائبي فناقتي هذه سائبة، ثم يسيبها فلا يجلس عن رعاء ولا ماء، ولا يركبها أحد.
وقال علقمة: هي العبد يسيب على أن لا ولاية عليه ولا ميراث، وقال النبي ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق".
قال محمد: قال رسول الله ﷺ في الحديث المشهور: "الولاءُ لمن أعتقَ"، رواه أحمد والطبراني عن ابن عباس، وقد سبق، وروى البخاري عن ابن عمر بلفظ: "إنما الولاء لمن أعتق" وقال عبد الله بن مسعود: ﵁ لا سائبة في الإِسلام، أي: وإنما كان عادة في الجاهلية ولو استقام أي: صح أن يعتق الرجل سائبة ولا وفي نسخة: فلا يكون لمن أعتقه ولاؤه لاستقام أي: يصح لمن طلب من عائشة أن تُعتق، أي: عائشة ويكون الولاءُ لغيرها، أي: لغير عائشة من موالي بريرة فقد وفي نسخة: وقد طلب بصيغة المجهول ذلك أي: الولاء منها، أي: من عائشة في أثناء سومها للجارية بنية عتقها فقال لها رسول الله ﷺ : "الولاءُ لمن أعتق"، أي: وإن شرط لغيره؛ لأن تعريف المسند إليه وتقديمه يفيد قصر الصفة على الموصوف بطريق قصر القلب فإذا استقام أن لا يكون لمن أعتق ولاء استقام أي: صح أن يُستثنى عليه أي: عن المعتق الولاءُ، فيكون لغيره واستقام أن يهب الولاء ويبيعه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته، وقد روى الطبراني (١): عن عبد الله بن أبي أوفى والحاكم (٢) والبيهقي (٣) عن ابن عمر مرفوعًا: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" والولاء عندنا بمنزلة النسب، وهو لمن أعتق أي: لا غير إن أعتق سائبة أو غيرها، أي: فالحكم سواء وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀ والعامة من فقهائنا.
* * *
стр. 1571
٨٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد، قوم قيمة العدْل، ثم أعطى شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عنه ما أُعتق".
قال محمد: وبهذا نأخذ، من أعتق شقصا في مملوك فهو حرّ كله، وإن كان الذي أعتق موسرًا ضمن حصة شركائه من العبد، وإن كان معسرًا سعى العبدُ لشركائه في حصصهم، وكذلك بلغنا عن النبي ﷺ .
وقال أبو حنيفة: يعتق عليه بقدر ما عتق، والشركاء بالخيار: إن شاؤوا أعتقوا كما أعتق، وإن شاؤوا ضَمَّنوه، إن كان موسرًا، وإن شاءوا اسْتَسْعوا العبد في حِصصهم، فإن استَسْعَوا أو أعتقوا كان الولاءُ بينهم على قدر حصصهم، وإن ضَمَّنُوا المعتق كان الولاءُ كله له ورجع على العبد بما ضُمِّنَ واستسعاه به.
• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق يحتمل أن تكون "من" شرطية أو موصولة، وعلى التقديرين من صنع العموم، فتأول كل من يلزمه عتقه، وهو الحر المسلم المكلف لا صبي ولا مجنون ولا عبد لم يأذن له سيده، فإن أذن أو أمضاه لزمه وقوم عليه، ولا الكافر؛ لأن العتق قربة وليس من أهلها، وبأنه ليس بمخاطب بالفروع على الصحيح. كذا قاله الأبي شِرْكًا بكسر الشين المعجمة وسكون الراء المهملة أي: نصيبًا، وفي رواية أيوب عن نافع: عن أيوب أيضًا وكلاهما في البخاري عن نافع، والكل بمعنى واحد والشرك في الأصل مصدر أطلق على متعلقه، وهو العبد المشترك ولا بد من إضمار جزاء مشتركًا وما أشبهه؛ لأن المشترك هو الجملة له في عبدٍ قال القرطبي: (ق ٨٦٨) العبد لغة المملوك والذكر ومؤنثه أمة من غير لفظه، وسمع عبدة، والمراد به هنا الجنس كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فإنه يتناول الذكر والأنثى قطعًا أو إلحاقًا بالأنثى به لعدم الفارق، قال عياض:
стр. 1572
وغلط ابن راهويه: فقال: لا تقويم في عتق الإِناث وقوفًا مع لفظ عبد، وأنكره عليه حذاق أهل الأصول؛ لأن الأمة في معنى العبد، فهو من القياس في معنى الأصل، والقياس كالمنصوص عليه انتهى وكان له أي: المعتقة من المال هو ما يتمول، والمراد به هنا ما يبيع نصيب الشريك ويباع عليه في ذلك ما يباع على المفلس قاله عياض.
وفي رواية: ما بلا لام أي: شيء، كما كان به في (الموطأ) لمالك وحيث قال: من المال ما يبلغ ثمن العبد، أي: ثمن بقيته؛ لأنه موسر بحصته، والمراد قيمته؛ لأن الثمن ما اشترى به واللازم هنا القيمة لا الثمن، قوم بضم القاف وكسر الراء المشددة أي: قدر قيمة العدْل، قيمة العدل بالنصب، والعدل بفتح العين المهملة والدال واللام أي: المثل لا زيادة على قيمتها ولا نقصان عنها ثم أعطى بالبناء المجهول شركاؤه مرفوع نائب فاعل حصصهم، بالنصب مفعول ثان لأعطى أي: نصيب شركاؤه من ماله؛ فإن كان الشريك واحدًا أعطاه جميع الباقي اتفاقًا، فلو كان مشتركًا بين ثلاثة فأعتق أحدهم حصتهم، وهي الثلث والثاني حصته، وهي السدس ففي تقويم نصيب صاحب النصف بالتسوية، لتساويهما في الإِتلاف؛ ولأنه لو انفرد لقوم عليه قل نصيبه أو أكثر ويقوم على قدر الحصص قولان، الجمهور على الثاني، وهو المشهور ومذهب المدونة.
قال القرطبي: وظاهره أنه يقوم كاملًا لا عتق فيه وهو معروف المذهب، وقيل: يقوم على بعضه حر، والأول أصح؛ لأن سبب التقويم جناية المعتق بتفويته نصيب شريكه، فيقوم على ما كان عليه يوم الجناية كالحكم في سائر الجنايات المقومة.
قال عياض: ولأن المعتق كان قادرًا على أن يدعو شريكه ليبيع جميعه، فيحصل له نصف جميع الثمن فلما منعه هذا ضمن ما منعه معه وعتق بفتح العين عليه العبد، أي: وحده ويكون ولاؤه له بعد إعطاء القيمة على ظاهره فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نقد عتقه على المشهور وإلا أي: وإن لم يكن له مال يبلغ ثمن العبد فقد عتق عنه أي: من العبد ما أُعتق" بضم الهمزة أي: من حصته معتقه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر هنا عن رسول الله ﷺ من أعتق شِقصًا بكسر الشين المعجمة وسكون القاف والصاد المهملة أي: نصيبًا في مملوك أي: عبدًا أو أمة فهو حرّ كله، العتق لا يتجزأ وإن كان الذي أعتق موسرًا أي: غنيًا ضمن حصة شركائه من العبد، وإن كان معسرًا أي: فقيرًا سعى العبدُ لشركائه في حصصهم،
стр. 1573
وكذلك أي: مثل ما بلغني عن نافع بلغنا عن النبي ﷺ وكأنه أراد ما رواه أصحاب (ق ٨٦٩) الكتب الستة عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مسوق".
وقال أبو حنيفة: يعتق عليه أي: على معتقه بقدر ما عتق، والشركاء بالخيار: إن شاؤوا أعتقوا كما أعتق، وإن شاؤوا ضَمَّنوه، أي: معتقه إن كان أي: المعتق موسرًا، وإن شاؤوا اسْتَسْعوا العبد في حِصصهم، أي: نصيبهم فإن استَسْعَوا أي: العبد كما في نسخة: أو أعتقوا كان الولاءُ بينهم على قدر حصصهم، وإن ضَمَّنُوا المعتق كان الولاءُ كله له ورجع على العبد بما ضُمِّنَ واستسعاه به هذا، وإن أعتق مولى بعض عبده صح عند أبي حنيفة وسعى فيما بقي، وقال: أعتق كله ولا يستسعيه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وقتادة والثوري والشعبي.
* * *
٨٤١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر أعتق ولدَ زنًا وأمه.
قال محمد: لا بأس بذلك، وهو حسن جميل، بلغنا عن ابن عباس أنه سُئِل عن عبدين أحدهما لبَغِيَّةٍ، والآخر لِرشدَةٍ، أيُّهما يُعتق؛ قال: أغلاهما ثمنًا بدينار، فهكذا نقول، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر أعتق ولدَ زنًا وأمه أي: والدته التي زنت به.
قال محمد: لا بأس أي: لا كراهة بذلك أي: بإعتاق ولد الزنى وأمه وهو حسن جميل، أي: مستحسن شرعًا وعرفًا، فيه دلالة على جواز عتق غير الصالحين ولو كان عتق الصلحاء أفضل، على أنه يحتمل أن يكون أمه شابة والولد صغيرًا أو كبيرًا وظهر صالحًا أو أراد الخلاص بعد ما ظهر عنهم، وأما حديث: "ولد الزنى شر الثلاثة" فقد رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة (١).
стр. 1574
وفي رواية للطبراني والبيهقي بزيادة إذا عمل بعد أبويه، وفي (النهاية): قيل: هذا جاء رجل بعينه، وكان موسومًا بالشر، وقيل: هذا عام، وإنما صار ولد الزنى شرًا من والديه؛ لأنه شرهم أصلًا ونسبًا وولادة؛ ولأنه خلق من ماء الزنى والزانية فهو خبيث، وقيل: لأن الحد يقام عليهما بلغنا عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِل عن عبدين أحدهما لِبَغِيَّةٍ، بفتح اللام وكسر الموحدة وسكون الغين المعجمة أي: لولد زانية، وفي نسخة: لبغية بفتح وكسر فتشديد أي: لولد زانية والآخر لِرشدَةٍ، أي: لولد صالحة أيُّهما يُعتق؛ أي: ينبغي إعتاقه بأن يكون هو أفضل من غيره قال: أغلاهما أي: إما بمعجمة أو بمهملة أو أزيدهما ثمنًا بدينار، أي. ولو بدينار؛ لأن الأجر على قدر المشقة على النفس بقدر القيمة، فهذا قد يقال من هذه الحيثية؛ لأن جميع الوجوه أن المذكور في عقول العامة والخاصة أن إعتاق الأصل أفضل فهكذا وفي نسخة: وبهذا نقول، أي: نعمل قياسًا على ذبح الهدي فإنه كما يكون أعلى فهو أعلى وربما يكون بينهما الفرق على ما لا يخفى وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
* * *
٨٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومٍ نامَهُ، فأعتقت عائشة عنه رقابًا كثيرة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس أن يعتق عن الميت، فإن كان أوصى بذلك كان الولاءُ له، وإن كان لم يوص بذلك كان الولاءُ لمن أعتق، ويلحقه الأجر إن شاء الله تعالى.
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة قال: توفي أي: مات عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أسلم قبيل فتح مكة وشهد اليمامة والفتوح، ومات في نومٍ نامَهُ، فجأة في طريق مكة سنة ثلاث وخمسين، وقيل: بعدها فأعتقت عنه أخته عائشة (ق ٨٧٠) أي: زوج النبي ﷺ رقابًا
стр. 1575
كثيرة؛ لأنها روت قول سعد أفأتصدق عنهما فقال ﷺ : "نعم" كما مر، والعتق من أفضل أنواع الصدقة، ومرت رواية: "أعتق عن أمك فلعلها سمعت ذلك".
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه يحيى بن سعيد لا بأس أي: يجوز أن يعتق عن الميت، بصيغة المجهول فإن كان أوصى بذلك أي: بأن يعتق بعض مماليكه كان الولاءُ له، وإن كان لم يوص بذلك كان الولاءُ لمن أعتق، أي: إذا كان مملوكًا له ويلحقه أي: من أعتق له الأجر أي: زجر الإِعتاق إن شاء الله تعالى وفيه دلالة على أن أحدًا لا يعمل خيرًا إلا بتوفيق الله ولا شرًا إلا بخذلانه فله الفضل والحق عليكم بإعتاق العبد وإن لم يشأ الله إعتاقكم به لم تعتقوا فإعتاقكم به ونيلكم الأجر بمنه وفضله، ولا يلزم منه استقلال العبد، كما يدل عليه المعتزلة؛ لأن قدرة العبد كاسبة لا مؤثرة تأثير الإِيجاد كما فصلناه في (نور الإِيضاح الأفئدة) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وإنما استثنى؛ لأنه لم يقع عن وصيته، كما تقول في باب الإِيصاء في الحج وعدمه.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يعتق نصيبًا له من مملوكه أو يسيب سائبة أو يوصي بعتق، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم بيع المدبر، فقال: هذا
* * *
باب بيع المدبر
في بيان حكم بيع المدبر، وهو في اللغة: مطلق المبادلة، وفي الشرع: مبادلة المال المتقوم تمليكًا وتملكًا. كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني، المدبر بضم الميم وفتح الدال المهملة وفتح الدال وفتح الموحدة المشددة، ثم راء عبد مملوك أعتق بعد موت سيده، فالمدبر لا يباع ولا يوهب، ولا يخرج عن ملك مولاه إلا الحرية، اقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إخراج المال عن الملك.
٨٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال: محمد بن عبد الرحمن، عن
стр. 1576
أمه: عَمْرَة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت أعتقت جارية لها عن دُبُرٍ منها، وأن عائشة بعد ذلك اشتكت ما شاء الله أن تشتكي ثم دخل عليها رجل سِنْديّ، فقال لها: أنت مَطْبُوبة، قالت له عائِشة: ويلك، ومن طبّني، قال: امرأة من نعْتها كذا وكذا، فوصفها، وقال: إن في حَجْرها الآن صبيّا قد بال، فقالت عائشة: ادع لي فلانة جارية لها كانت تخدُمها، فوجدوها في بيت جيران لهم في حَجْرها صبيّ، قالت: الآن حتى أغسل بول هذا الصبيّ، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها عائشة: أسحرتني؟ قالت: نعم، قالت: لِمَ؟ قالت: أحببت العتق، قالت: فوالله لا تَعْتِقَنَّ أبدًا، ثم أمرت عائشة ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيءُ مَلَكَتَها، قالت: ثم ابتع لي بثمنها رقبة ثم أعتقها، فقالت عمرة: فلبثَتْ عائشة ما شاء الله من الزمان ثم إنها رأت في المنام أن اغتسلي من آبارٍ ثلاث يمد بعضُها بعضًا، فإنك تُشْفَيْن، فدخل على عائشة إسماعيل بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، فذكرت لهم عائشة الذي رأت، فانطلقا إلى قناة، فوجدا آبارًا ثلاثة يمد بعضها بعضًا، فاستقوا من كل بئر منها ثلاث شُجُبٍ حتى ملؤوا الشُّجُبَ من جميعها، ثم أتوا بذلك الماء إلى عائشة ﵂، فاغتسلت به فشُفيت.
قال محمد: أمَّا نحن فلا نرى أن يُباع المدبّر، وهو قول زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال: بكسر الراء المهملة وتخفيف الجيم مشهور بهذه الكنية، وهي لقب، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن واسمه محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري، ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أمه: عَمْرَة بنت عبد الرحمن، بن سعد بن زرارة الأنصارية التابعية المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، مات بعد المائة كذا قاله الحافظ
стр. 1577
ابن حجر (١) أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت أعتقت جارية لها عن دُبُرٍ منها، أي: عقب من موتها ثم أي: بعد إعتاقها بها وأن عائشة ﵂ بعد ذلك أي: بعد إعتاقها بها اشتكت أي: مرضت ما شاء الله أي: مدة شاء الله تعالى أن تشتكي ثم دخل عليها وفي نسخة: إنه أي: الشأن دخل عليها أي: على عائشة ﵂ رجل سِنْديّ، بكسر السين المهملة وسكون النون وكسر الدال نسبة إلى السند من بلاد الهند، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة فقال لها: أنت مَطْبُوبة، أي: مسحورة والسحر بكسر السين وسكون الحاء المهملتين كل شيء لطف ودنى سببه قالت له أي: للرجل السندي عائِشة: ﵂ ويلك، بفتح الواو وسكون (ق ٨٧١) التحتية وفتح اللام كلمة تستعمل في محل الغضب والخزي ونصبها بفعل مقدر ومضاف إلى كاف الخطاب، تقديره: أوصلك الله ويلًا أي: عذابًا وإنما قدم المفعول الثاني، وهو الويل على المفعول الأول، وهو كاف الخطاب اهتمامًا بشأنه، لكن كلمة الويل هنا بمعنى الويح، وهو بفتح الواو وسكون التحتية والحاء المهملة كلمة بمعنى الترحم فالمعنى رحمك الله أي: ليرحمك الله ومن طبّني، قال: امرأة من نعْتها أي: من وصفها كذا وكذا، وهما كلمتان مركبتان من كاف التشبيه وذا للإِشارة مكنيًا عن العدد كذا قاله ابن هشام فوصفها، وقال: إن في حَجْرها الآن بفتح الهمزة وسكون اللام ومد الهمزة ثم نون، أي: زمان آنت فيه في الحال صبيّا قد بال، فقالت عائشة: أي: لبعض أصحابها أو خدمها ادعو لي فلانة جارية وفي نسخة: لجارية لها كانت تخدُمها، أو هي التي دبرتها فوجدوها في بيت جيران لهم في حَجْرها صبيّ، فقالوا لها قومي اذهبي إلى عائشة فإنها تطلبك فقالت: الآن أجيبها فلتصبر علي حتى أغسل بول هذا الصبيّ، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها أي: لجارية عائشة أسحرتني؟ بإشباع كسرة التاء قالت: نعم، قالت: لِمَ؟ قالت: أحببت العتق، قالت: أي: عائشة فو الله لا تعتقين بصيغة المجهول أبدًا، وتأكيدًا لعدم عتقها بالقسم والتأكيد من الدلالة على غاية قبحها ما لا يخفى، وهل يوجد شيء أقبح من السحر والكفر، وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر، كما في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه، وهنا هو المأثور عن الصحابة كعمر وابن عمر وعثمان وغيرهم، ثم اختلف هؤلاء هل يستتاب أم لا، وهل يكفر بالسحر أم يقتل لسعيه في الأرض الفساد.
стр. 1578
وقالت طائفة: إن قتل بالسحر قتل وإلا عوقب بدون القتل إن لم يكن في قوله وعمله كفر، وهذا هو المنقول عن الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد، وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، وزعم بعض المعتزلة أنه مجرد تخيل، واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو السجود لها والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك، فإنه كفر، وهو من أعظم الشر، واتفقوا كلهم أيضًا على أن كل رقبة وتغريم وقسم فيه شرك بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وكذا الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به لإِمكان أن يكون فيه شرك بالله لا يعرف، ولذا قال النبي ﷺ : "لا بأس بالرقي ما لم يكن شركًا".
كذا قال علي القاري في ملحقات شرح (فقه الأكبر لأبي حنيفة ﵀: ثم أمرت عائشة ﵂ ابن أختها وفي نسخ: ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب أي: من البادية ممن يسيءُ بضم التحتية وكسر السين الممدودة فهمزة مَلَكَتَها، بفتحتين أي: يعذبها بكثرة خدمتها وقلة راحتها قالت: ثم أي: بعد بيعها ابتع لي أي: اشتر بثمنها رقبة أي: جارية ثم أعتقها، أي: بدلها ففعل فقالت عمرة فلبثَتْ: أي: مكثت (ق ٨٧٢) عائشة ما شاء الله من الزمان ثم إنها رأت في المنام أن اغتسلي من آبارٍ ثلاثة وفي نسخة: ثلاث بدل المثلثة يمد بعضُها بعضًا، فإنك تُشْفَيْن، بصيغة المفعول فدخل على عائشة إسماعيل بن أبي بكر الأنصاري الزرقي يكنى أبا إسحاق القاري، ثقة كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، مات سنة خمس وثمانين وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، فذكرت لهما أي: لإِسماعيل بن أبي بكر وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، وفي نسخة: لهم أي: لأتباع لها عائشة الذي رأت، أي: في منامها فانطلقنا إلى قناة، بضم القاف وفتح النون المقصودة ثم تاء مجرى الماء تحت الأرض، ويقال باللسان التركي: كارين فوجدا آبارًا ثلاثة يمد بعضها أي: يجري ماء بعضها بعضًا، فاستقوا أي: أخذ أتباع عائشة ماء من كل بئر منها ثلاث شُجُبٍ بضم الشين المعجمة والجيم والموحدة جمع شجب بفتح وسكون وهو القربة البالية حتى ملؤوا الشُّجُبَ من جميعها، أي: الآبار وفي نسخة: من جمعهن ثم أتوا بذلك الماء إلى عائشة ﵂، فاغتسلت فيه أي: به فشُفيت بصيغة المجهول أي: برئت من مرضها، ومن المجربات أنه من كان مسحورًا حتى زال عقله فعلاجه أن
стр. 1579
يتجر لنفسه بإحراق الحمامة، وهي نبت وحشيش تنبت في أرض مصر القاهرة توجد في الطائفة العطارين.
قال محمد: أمّا نحن فلا نرى أي: لا نختار أن يُباع المدبّر، أي: لا بعيب ولا بغيره، والمعنى أن ما فعلت عائشة إنما هو مذهب لها مختص بها وهو أي: عدم جواز بيع المدبر قول زيد بن ثابت، ﵁ وعبد الله بن عمر، أي: يقول كل منهما وبه نأخذ، أي: نعمل ونقضي وهو أي: قول كل منهما قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
وقال الشافي وأحمد وداود: يباع المدبر عند الحاجة، وكذا يوهب ويتصدق به لما روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن دينار عن جابر: أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر له مالًا غيره فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني" فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه.
قال عمر: وسمعت جابرًا يقول: عبدًا قبطيًا مات عام أول، ولنا قوله تعالى في سورة المائدة ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وما روي عن الدارقطني من حديث عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو من ثلث المال" وأجيب عن حديث جابر بجوابين أحدهما: إنه حكاية فعل، فلا عموم له فيكون محمولًا على المدبر المقيد، وهو يجوز بيعه عندنا إلا أن بينوا أنه كان مدبرًا مطلقًا وهؤلاء يقدرون على ذلك، وثاني الجوابين أنه محمول على بيع الخدمة والمنفعة دون الرقية.
* * *
٨٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: من أعتق وليدة عن دُبُرٍ منه؛ فإنَّ له أن يطأها وأن يتزوجها، وليس أن يبيعها ولا يهبها، وولدُها بمنزلتها.
قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس
стр. 1580
(ق ٨٧٣) الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أنه سمع سعيد بن المسيَّب كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة يقول: من أعتق وليدة أي: جارية عن دُبُرٍ منه؛ أي: بعد موته فإنَّ له أن يطأها وقال الزهري ومالك: في رواية لا توطء.
وقال الأوزاعي: إن كان لا يوطئها قبل التدبير لا يطؤها بعده وأن يتزوجها، أي: غيره وليس أن يبيعها ولا يهبها، أي: لأحد وولدُها بمنزلتها أي: فإن الحمل يتبع أمه في الملك والعتق وفروعه ومنها التدبير، ومذهب الشافعي أن المدبر إذا ولدت من نكاح أو زنى لا يصير ولدها مدبرًا، وأن الحامل إذا دبر جاء ولدها مدبرًا، وعن أحمد وجابر بن زيد وعطاء لا يتبعها ولدها في التدبير حتى يعتق بموت سيدها.
قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم بيع المدبر، شرع في بيان حكم الدعوى والشهادة، فقال: هذا
* * *
باب الدعوى والشهادات وادعاء النسب
في بيان حكم الدعوى، وهو مشتق من الدعاء، وهو الطلب به في الشرع: قول يطلب الإِنسان إثبات حق على الغير والشهادات، وهو في الشريعة: أخبار عن عيان لفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر، والإِخبارات ثلاثة إما بحق للغير على آخر وهو الشهادة، أو بحق للغير على آخر وهو الدعوى، أو بالعكس وهو الإِقرار كذا قاله السيد محمد الجرجاني وادعاء النسب.
٨٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عُروة بن الزبير، عن عائشة: أنها قالت: كان عُتبة بن أبي وقَّاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن