← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

أمه: عَمْرَة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت أعتقت جارية لها عن دُبُرٍ منها، وأن عائشة بعد ذلك اشتكت ما شاء الله أن تشتكي ثم دخل عليها رجل سِنْديّ، فقال لها: أنت مَطْبُوبة، قالت له عائِشة: ويلك، ومن طبّني، قال: امرأة من نعْتها كذا وكذا، فوصفها، وقال: إن في حَجْرها الآن صبيّا قد بال، فقالت عائشة: ادع لي فلانة جارية لها كانت تخدُمها، فوجدوها في بيت جيران لهم في حَجْرها صبيّ، قالت: الآن حتى أغسل بول هذا الصبيّ، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها عائشة: أسحرتني؟ قالت: نعم، قالت: لِمَ؟ قالت: أحببت العتق، قالت: فوالله لا تَعْتِقَنَّ أبدًا، ثم أمرت عائشة ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيءُ مَلَكَتَها، قالت: ثم ابتع لي بثمنها رقبة ثم أعتقها، فقالت عمرة: فلبثَتْ عائشة ما شاء الله من الزمان ثم إنها رأت في المنام أن اغتسلي من آبارٍ ثلاث يمد بعضُها بعضًا، فإنك تُشْفَيْن، فدخل على عائشة إسماعيل بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، فذكرت لهم عائشة الذي رأت، فانطلقا إلى قناة، فوجدا آبارًا ثلاثة يمد بعضها بعضًا، فاستقوا من كل بئر منها ثلاث شُجُبٍ حتى ملؤوا الشُّجُبَ من جميعها، ثم أتوا بذلك الماء إلى عائشة ﵂، فاغتسلت به فشُفيت. قال محمد: أمَّا نحن فلا نرى أن يُباع المدبّر، وهو قول زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال: بكسر الراء المهملة وتخفيف الجيم مشهور بهذه الكنية، وهي لقب، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن واسمه محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري، ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أمه: عَمْرَة بنت عبد الرحمن، بن سعد بن زرارة الأنصارية التابعية المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، مات بعد المائة كذا قاله الحافظ

стр. 1577

ابن حجر (١) أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت أعتقت جارية لها عن دُبُرٍ منها، أي: عقب من موتها ثم أي: بعد إعتاقها بها وأن عائشة ﵂ بعد ذلك أي: بعد إعتاقها بها اشتكت أي: مرضت ما شاء الله أي: مدة شاء الله تعالى أن تشتكي ثم دخل عليها وفي نسخة: إنه أي: الشأن دخل عليها أي: على عائشة ﵂ رجل سِنْديّ، بكسر السين المهملة وسكون النون وكسر الدال نسبة إلى السند من بلاد الهند، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة فقال لها: أنت مَطْبُوبة، أي: مسحورة والسحر بكسر السين وسكون الحاء المهملتين كل شيء لطف ودنى سببه قالت له أي: للرجل السندي عائِشة: ﵂ ويلك، بفتح الواو وسكون (ق ٨٧١) التحتية وفتح اللام كلمة تستعمل في محل الغضب والخزي ونصبها بفعل مقدر ومضاف إلى كاف الخطاب، تقديره: أوصلك الله ويلًا أي: عذابًا وإنما قدم المفعول الثاني، وهو الويل على المفعول الأول، وهو كاف الخطاب اهتمامًا بشأنه، لكن كلمة الويل هنا بمعنى الويح، وهو بفتح الواو وسكون التحتية والحاء المهملة كلمة بمعنى الترحم فالمعنى رحمك الله أي: ليرحمك الله ومن طبّني، قال: امرأة من نعْتها أي: من وصفها كذا وكذا، وهما كلمتان مركبتان من كاف التشبيه وذا للإِشارة مكنيًا عن العدد كذا قاله ابن هشام فوصفها، وقال: إن في حَجْرها الآن بفتح الهمزة وسكون اللام ومد الهمزة ثم نون، أي: زمان آنت فيه في الحال صبيّا قد بال، فقالت عائشة: أي: لبعض أصحابها أو خدمها ادعو لي فلانة جارية وفي نسخة: لجارية لها كانت تخدُمها، أو هي التي دبرتها فوجدوها في بيت جيران لهم في حَجْرها صبيّ، فقالوا لها قومي اذهبي إلى عائشة فإنها تطلبك فقالت: الآن أجيبها فلتصبر علي حتى أغسل بول هذا الصبيّ، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها أي: لجارية عائشة أسحرتني؟ بإشباع كسرة التاء قالت: نعم، قالت: لِمَ؟ قالت: أحببت العتق، قالت: أي: عائشة فو الله لا تعتقين بصيغة المجهول أبدًا، وتأكيدًا لعدم عتقها بالقسم والتأكيد من الدلالة على غاية قبحها ما لا يخفى، وهل يوجد شيء أقبح من السحر والكفر، وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر، كما في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه، وهنا هو المأثور عن الصحابة كعمر وابن عمر وعثمان وغيرهم، ثم اختلف هؤلاء هل يستتاب أم لا، وهل يكفر بالسحر أم يقتل لسعيه في الأرض الفساد.

стр. 1578

وقالت طائفة: إن قتل بالسحر قتل وإلا عوقب بدون القتل إن لم يكن في قوله وعمله كفر، وهذا هو المنقول عن الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد، وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، وزعم بعض المعتزلة أنه مجرد تخيل، واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو السجود لها والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك، فإنه كفر، وهو من أعظم الشر، واتفقوا كلهم أيضًا على أن كل رقبة وتغريم وقسم فيه شرك بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وكذا الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به لإِمكان أن يكون فيه شرك بالله لا يعرف، ولذا قال النبي ﷺ : "لا بأس بالرقي ما لم يكن شركًا". كذا قال علي القاري في ملحقات شرح (فقه الأكبر لأبي حنيفة ﵀: ثم أمرت عائشة ﵂ ابن أختها وفي نسخ: ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب أي: من البادية ممن يسيءُ بضم التحتية وكسر السين الممدودة فهمزة مَلَكَتَها، بفتحتين أي: يعذبها بكثرة خدمتها وقلة راحتها قالت: ثم أي: بعد بيعها ابتع لي أي: اشتر بثمنها رقبة أي: جارية ثم أعتقها، أي: بدلها ففعل فقالت عمرة فلبثَتْ: أي: مكثت (ق ٨٧٢) عائشة ما شاء الله من الزمان ثم إنها رأت في المنام أن اغتسلي من آبارٍ ثلاثة وفي نسخة: ثلاث بدل المثلثة يمد بعضُها بعضًا، فإنك تُشْفَيْن، بصيغة المفعول فدخل على عائشة إسماعيل بن أبي بكر الأنصاري الزرقي يكنى أبا إسحاق القاري، ثقة كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، مات سنة خمس وثمانين وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، فذكرت لهما أي: لإِسماعيل بن أبي بكر وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، وفي نسخة: لهم أي: لأتباع لها عائشة الذي رأت، أي: في منامها فانطلقنا إلى قناة، بضم القاف وفتح النون المقصودة ثم تاء مجرى الماء تحت الأرض، ويقال باللسان التركي: كارين فوجدا آبارًا ثلاثة يمد بعضها أي: يجري ماء بعضها بعضًا، فاستقوا أي: أخذ أتباع عائشة ماء من كل بئر منها ثلاث شُجُبٍ بضم الشين المعجمة والجيم والموحدة جمع شجب بفتح وسكون وهو القربة البالية حتى ملؤوا الشُّجُبَ من جميعها، أي: الآبار وفي نسخة: من جمعهن ثم أتوا بذلك الماء إلى عائشة ﵂، فاغتسلت فيه أي: به فشُفيت بصيغة المجهول أي: برئت من مرضها، ومن المجربات أنه من كان مسحورًا حتى زال عقله فعلاجه أن

стр. 1579

يتجر لنفسه بإحراق الحمامة، وهي نبت وحشيش تنبت في أرض مصر القاهرة توجد في الطائفة العطارين. قال محمد: أمّا نحن فلا نرى أي: لا نختار أن يُباع المدبّر، أي: لا بعيب ولا بغيره، والمعنى أن ما فعلت عائشة إنما هو مذهب لها مختص بها وهو أي: عدم جواز بيع المدبر قول زيد بن ثابت، ﵁ وعبد الله بن عمر، أي: يقول كل منهما وبه نأخذ، أي: نعمل ونقضي وهو أي: قول كل منهما قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. وقال الشافي وأحمد وداود: يباع المدبر عند الحاجة، وكذا يوهب ويتصدق به لما روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن دينار عن جابر: أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر له مالًا غيره فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني" فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه. قال عمر: وسمعت جابرًا يقول: عبدًا قبطيًا مات عام أول، ولنا قوله تعالى في سورة المائدة ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وما روي عن الدارقطني من حديث عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو من ثلث المال" وأجيب عن حديث جابر بجوابين أحدهما: إنه حكاية فعل، فلا عموم له فيكون محمولًا على المدبر المقيد، وهو يجوز بيعه عندنا إلا أن بينوا أنه كان مدبرًا مطلقًا وهؤلاء يقدرون على ذلك، وثاني الجوابين أنه محمول على بيع الخدمة والمنفعة دون الرقية. * * * ٨٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: من أعتق وليدة عن دُبُرٍ منه؛ فإنَّ له أن يطأها وأن يتزوجها، وليس أن يبيعها ولا يهبها، وولدُها بمنزلتها. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس

стр. 1580

(ق ٨٧٣) الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أنه سمع سعيد بن المسيَّب كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة يقول: من أعتق وليدة أي: جارية عن دُبُرٍ منه؛ أي: بعد موته فإنَّ له أن يطأها وقال الزهري ومالك: في رواية لا توطء. وقال الأوزاعي: إن كان لا يوطئها قبل التدبير لا يطؤها بعده وأن يتزوجها، أي: غيره وليس أن يبيعها ولا يهبها، أي: لأحد وولدُها بمنزلتها أي: فإن الحمل يتبع أمه في الملك والعتق وفروعه ومنها التدبير، ومذهب الشافعي أن المدبر إذا ولدت من نكاح أو زنى لا يصير ولدها مدبرًا، وأن الحامل إذا دبر جاء ولدها مدبرًا، وعن أحمد وجابر بن زيد وعطاء لا يتبعها ولدها في التدبير حتى يعتق بموت سيدها. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم بيع المدبر، شرع في بيان حكم الدعوى والشهادة، فقال: هذا * * * باب الدعوى والشهادات وادعاء النسب في بيان حكم الدعوى، وهو مشتق من الدعاء، وهو الطلب به في الشرع: قول يطلب الإِنسان إثبات حق على الغير والشهادات، وهو في الشريعة: أخبار عن عيان لفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر، والإِخبارات ثلاثة إما بحق للغير على آخر وهو الشهادة، أو بحق للغير على آخر وهو الدعوى، أو بالعكس وهو الإِقرار كذا قاله السيد محمد الجرجاني وادعاء النسب. ٨٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عُروة بن الزبير، عن عائشة: أنها قالت: كان عُتبة بن أبي وقَّاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن

стр. 1581

وَلِيدةِ زَمْعَة مني، فاقبِضهُ إليك، قالت: فلما كان عامُ الفتح أخذه سعد، وقال: ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه أخي، فقام إليه عَبْدُ بن زمعة، وقال: أخي ابن وليدة أبي، وُلد على فراشه، فتساوقا إلى رسول الله ﷺ ، فقال سَعْد: يا رسول الله، ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه أخي عُتبة، وقال عبدُ بن زمعة: أخي وابن وَلِيدة أبي، وُلِدَ على فراشه، فقال رسول الله ﷺ : "هو لك يا عبدُ بن زمعة"، وقال: "الولد للفراش وللعاهر الحَجَر"، ثم قال لسودة بنت زمعة: "احتجبي منه"، لِمَا رأى من شَبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله . قال محمد: وبهذا نأخذ، والولد للفراش وللعاهر الحجر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، يكنى أبا بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين ومائة عن عُروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح: كذا قاله في (تقريب التهذيب) عن عائشة: ﵂ أنها قالت: كان عُتبة بضم المهملة وسكون الفوقية ابن أبي وقَّاص روى مالك عن الزهري أن عتبة مات على شركه كما جزم به الدمياطي والسفاقسي وغيرهما. قال ابن حجر في (الإِصابة): لم أر من ذكره من الصحابة إلا ابن منده، واشتد إنكار أبي نعيم عليه في ذلك، وقال: هو الذي كسر رباعية النبي ﷺ يوم أحد، ما علمت له إسلامًا بل روي عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيب ومعتصم بن عتبة أنه ﷺ دعا على عتبة يومئذ إذ لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرًا، فما حلَّ عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار، وروى (ق ٨٧٤) الحاكم بإسناد فيه مجاهيل عن حاطب بن أبي بلتعة أنه لما رأى ما فعل عتبة قال: يا رسول الله من فعل بك هذا قال: "عتبة" قلت: أين توجه فأشار إلى حيث توجه، فمضيت حتى ظفرت به فضربته بالسيف فطرحت رأسه فنزلت، فأخذت

стр. 1582

رأسه وسيفه وجئت إلى رسول الله ﷺ فنظر إلى ذلك ودعا لي فقال: "رضي الله عنك" مرتين وهذا لا يصح؛ لأنه لو قتل كيف كان يوصي أخاه سعدًا، وقد يقال: لعله ذكر ذلك له قبل وقوع الحرب احتياطًا. وبالجملة فليس في شيء من الآثار ما يدل على إسلامه بل فيها ما يطرح بموته على الكفر، فلا معنى لإِيراده في الصحابة وقد استدل ابن منده بما لا دلالة فيه على إسلامه، وهو قوله: كان عتبة بن أبي وقاص عهد بفتح العين المهملة وكسر الهاء أي: أوصى إلى أخيه سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأول من رمي بسهم في سبيل الله وأحد من فداه ﷺ بأبيه وأمه، وروى ابن إسحاق عنه: ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة، لما صنع برسول الله ﷺ ، ولقد كفاني من قوله ﷺ : "اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله" أن ابن وَلِيدةِ بفتح الواو وكسر اللام الممدودة أو جارية زَمْعَة بفتح الزاي وسكون الميم، وقد تفتح مني، أي: ابنى بسبب ذنى بها صدر عني فاقبِضهُ بهمزة وصل وكسر الموحدة إليك، أي: فخده متصرفًا فيه، فإن أمره راجع إليك ونفقته وتربيته واجب عليك، وأصل هذه القصة أنه كانت لهم في الجاهلية إماء يزنين، وكانت ساداتهن تأتيهن في خلال ذلك فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدعيه السيد، وربما يدعيه الزاني، فإذا مات السيد ولم يكن ادعاه ولا أنكره فادعاه ورثته لحق به، إلا أنه لا يشاركه مستلحقه في ميراثه إلا أن يستحقه قبل القسمة، وإن كان أنكره السيد لم يلحق به وكان لزمه ابن قيس أمة على ما وصف عليها ضربة، وهو يلم بها حمل كان يطف أنه من عتبة أخي سعد فعهد عتبة إلى أخيه سعد قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة قالت: أي: عائشة فلما كان عامُ الفتح أي: فتح مكة برفع عام اسم كان، وفي رواية بنصبه بتقدير في أخذه سعد، أي: بناء على وصية أخيه وقال: أي: سعد هو ابن أخي أبي عتبة. وفي رواية معمر عن الزهري: فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه فاحتضنته إليه وقال: ابن أخي ورب الكعبة قد كان عهد إليَّ فيه أخي، أي: في حقه وأخذه فقام إليه أي: سعد عَبْدُ بلا إضافة ابن زمعة بن قيس القرشي العامري أسلم يوم الفتح روى ابن أبي عاص بسند (ق ٨٧٥) حسن عن عائشة زوج النبي ﷺ تزوج سودة بنت زمعة فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحجر فجعل يحثوا التراب على رأسه، فقال بعد أن أسلم: إني لسفيه يوم أحثوا التراب على رأسي أن تزوج رسول الله ﷺ بسودة أختي.

стр. 1583

قال أبو عمر بن عبد البر: كان من سادات الصحابة ﵃ وقال: أخي أي: هو أخي ابن وليدة أبي، أي: ابن جارية أبي وُلد بضم الواو وكسر اللام على فراشه، كناية عن ملكه ويجب تصرفه كأنه سمع أن الشرع أثبت حكم الفراش فاحتج به، وقد كانت عادة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإِماء للزنا: فإن اعترفت الأم أنه له لحق به ولم يقع ابن وليدة زمعة في الجاهلية، إما لعدم الدعوى، وإما لأن الأمة لم تعترف بعتبة، وقيل: كانت موالي الولائد يخرجوهن للزنا ويضربون عليهم الضرائب، وكان وليد زمعة كذلك. قال الحافظ: والذي يظهر من سياق القصة أنها كانت أمة متفرشة لزمعة أي: مملوكة لها فزنى بها عتبة، وكانت عادة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إذا استلحقه لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإن أعاده غيره رد ذلك إلى السيد فظهر بها حمل ظن أنه من عتبة فأختصما فيها فتساوقا أي: تدافعا بعد تخاصمهما وتنازعهما في الولد أي: ساق كل منهما صاحبه فيما ادعاه إلى رسول الله ﷺ ، وحاصله إنما ترافعا إليه ﷺ فقال سَعْد: يا رسول الله، ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه أخي عُتبة، وقال عبدُ بن زمعة: أخي وابن وَلِيدة أبي، وُلِدَ على فراشه، وللقعنبي: فنظر رسول الله ﷺ إلى ابن وليدة زمعة فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : زاد القعنبي "هو أخوك يا عبدُ بن زمعة"، بضم الدال على الأصل، ويروى بفتحها ونصب نون ابن على الوجهين، وسقط في رواية النسائي أداة النداء فيبني على ذلك بعض الحنفية فقال: إنما ملكه إياه؛ لأنه ابن أمة أبيه لا أنه ألحق به قال عياض: وليس كما زعم فالرواية إنما هي بالياء على تسليم إسقاطها، فعبد هنا علم والعلم يحذف حرف النداء ومنه ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] انتهى. ولذا قالت طائفة: هؤلاء أي: هو أخوك كما ادعيت قضى ذلك بعلمه؛ لأن زمعة كان صهره ففراشه كان معروفًا عنده ﷺ لا بمجرد دعوى عبد على أبيه بذلك ولم يثبت إقراره به، ولا تقبل دعوى أحد على غيره ولا لاستلحاق عبد له؛ لأن الأخ لا يصلح استلحاقه عند الجمهور، وفي القضاء بالعلم خلاف. قاله ابن عبد البر: على أن من خصائصه ﷺ الحكم بعلمه. وقال الطحاوي: معنى هو لك أي: بيدك تمنع منه من سواك، كما قال في اللقطة: "هي لك بيدك تدفع غيرك عنها حتى يأتي صاحبها" لا على أنها ملك ثم قال: أي: النبي

стр. 1584

- ﷺ تعميمًا (ق ٨٧٦) للحكم بعد تخصيصه "الولد للفراش أي: وهو للمرأة، والعرب تكني عن المرأة بالفراش والمضجع والمرقد والمطية كل ذلك على سبيل التشبيه والتمثيل، فاللام في الفراش للعهد أي: للولد للحالة التي يمكن فيها الافتراش أن تأتي الوطء، فالحرة فراش بالعقد عليها مع إمكان الوطء والحمل، فلا ينتفي عن زوجها سواء أشبه أم لا ونجري بينهما الأحكام من أرث وغيره إلا بلعان والأمة إن أقر سيدها بوطئها أو ثبت بينة عند الحجازيين، وقال الكوفيون: إن أقر بالولد وللعاهر اسم فاعل أي: من عهد الرجل المرأة إذا أتاها للفجور، وعهدت وهي تعهدت إذا زنت، والعهر: الزنا، ومنه الحديث: "اللهم ابدل العهر بالعفة" كذا قاله عياض الحَجَر"، أي: الخيبة لا حق له في الولد، وقيل: المراد به الرجم يعني: أن الحجر بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم بمعنى المنع عن الغير وبفتح الحاء والجيم بمعنى الحصى كذا في (القاموس)، وقيل: المراد به الرجم، وفيه أنه ليس كل زان يرجم وإنما يرجم المحصن وأنه لا يلزم من وجه نفي الولد عنه كذا نقله علي القاري عن السيوطي ثم قال أي: النبي ﷺ لسودة بنت زمعة: أي: المؤمنين "احتجبي منه"، أي: من عبد الرحمن لِمَا بكسر اللام وخفة الميم أي لأجل ما رأى أي: وللتنبيه رواه من شَبهه البين بعتبة بن أبي وقاص قوله: احتجبي أمر ندبي أمرها النبي ﷺ به ندبًا احتياطًا، لأنه في ظاهر الشرع أخذها حيث ألحق بأبيها، إلا أنه لما رأى الشبه البين خشي أن يكون من مائه فيكون أجنبيًا منها، فأمرها بالاحتجاب احتياطًا. كذا قاله النووي، قالت عائشة ﵂: فما رآها أي: عبد الرحمن حتى لقي الله أي: مات قال عياض وغيره: قيل: هي على وجه الندب لا سيما في حق أزواجه ﷺ وتغليظ أمر الحجاب عليهن وزيادتهن فيه على غيرهن. قال القرطبي: فهو قوله لأم سلمة وميمونة، وقد دخل عليهم ابن أم مكتوم: "احتجبي منه" فقالت: إنه أعمى فقال ﷺ : "أفعمياوان أنتما الستما تبصرانه"، وقال لفاطمة بنت قيس: "انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم تضعين ثيابك عنده فإنه لا يراك" فأباح لها ما منعه لأزواجه. وقال المازري: لو ثبت أنه أخرها لعدم البينة وإقرار من يلزمه إقراره. كذا قاله الزرقاني (١).

стр. 1585

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عروة بن الزبير عن عائشة ﵄ والولد للفراش أي: للمرأة وللعاهر أي: للزاني الحجر، أي: الرجم؛ لأنه محصن، وهذا القدر حديث مشهور كاد أن يكون متواترًا؛ حيث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة وأبو داود عن عثمان، والنسائي عن ابن مسعود وعن ابن الزبير، وابن ماجه عن عمر وعن أم الولد وهو زوجها أو مولاها والمرأة تسمى فراشًا؛ لأن الرجل يفترشها كذا في (النهاية) وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان حكم الدعوى والشهادات وادعاء النسب، شرع في بيان حكم اليمين مع الشهادة، فقال: هذا * * * باب حكم اليمين مع الشاهد في بيان حكم اليمين مع الشاهد، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق السبب والمسبب. ٨٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. قال محمد: وبلغنا عن النبي ﷺ خلافُ ذلك. قال محمد: ذكر ذلك ابنُ أبي ذئب عن ابن شهاب الزهري، قال: سألته عن اليمين مع الشاهد، فقال: بدْعة، وأول من قضى بها معاوية، وكان ابن شهاب أعلم عند أهل المدينة بالحديث من غيره، وكذلك ذكر ابنُ جُريج أيضًا عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: كان القضاءُ الأول لا يُقبل إلا شاهدان، فأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان.

стр. 1586

• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا جعفر بن محمد، وهو عبد الله المعروف الصادق الهاشمي المدني، فقيه إمام كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة عن أبيه، وهو محمد بن أبي الحسين بن علي بن أبي طالب، يكنى أبا جعفر الباقر، ثقة ثبت فاضل، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة بضع عشرة ومائة. كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١)، وقد وصل هذا الحديث غيره أن النبي ﷺ قضى أي: الحكم باليمين مع الشاهد. قال محمد: وبلغنا عن النبي ﷺ خلافُ ذلك أي: ما يناقضه وهو أنه لا يقبل القضاء إلا بشاهدين، أو أراد به حديث الصحيحين: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، فإن القسمة تنافي الشركة. قال محمد: ذكر ذلك أي: الحكم ابنُ أبي ذئب هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب الأسدي ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن ابن شهاب الزهري، قال: أي: ابن أبي ذئب سألته أي: ابن شهاب عن اليمين مع الشاهد، فقال: بدْعة، أي: خلاف ما ثبت من السنة وأول من قضى بها معاوية، وقال محمد: وكان ابن شهاب أعلم عند أهل المدينة بالحديث من غيره، وكذلك أي: كما سأل ابن أبي ذئب لابن شهاب عن اليمين مع الشاهد ذكر ابنُ جُريج بضم الجيم وفتح الراء وسكون التحتية ثم جيم، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة خمسين أو بعدها بعد المائة وقد جاوز التسعين، وقيل: جاوز المائة ولم يثبت. كذا قال ابن حجر قوله: أيضًا تأكيد بما سبق من السؤال عن عطاء بقصر الطاء ابن أبي رباح، بفتح الراء والموحدة، واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإِرسال، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة أربع عشرة ومائة كذا في (تقريب التهذيب) أنه قال: كان القضاءُ الأول أي: السابق في زمنه ﷺ ومن بعده من الخلفاء الأربعة لا يُقبل إلا شاهدان، فأول من قضى أي: حكم

стр. 1587

باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان أي: بعد معاوية أو في المدينة فلا تنافي بينهما، إذ الأول قد يكون إضافي، وفي (شرح الكنز)، ومثال ما يكون مخالفًا للدليل الشرعي، وهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة القضاء بشاهد ويمين، فإنه لا ينفذ قضاء القاضي فيه، ولا ينفذ تنفيذه وفي كتاب (الرحمة): اتفق الأئمة على أنه لا يصح الحكم باليمين والشاهد في غير الأحوال وحقوقها ثم اختلفوا (ق ٨٧٨) في الأموال وحقوقها هل يصح الحكم فيها بالشاهد واليمين أم لا؟ قال مالك والشافعي وأحمد: يصح وقال أبو حنيفة: لا يصح انتهى، ودليلهم ما روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد، وأجيب بأنه منقطع. قال الترمذي: سألت البخاري عن الحديث، فقال: إن عمرو بن دينار لم يسمعه عن ابن عباس، ولو سلم فمثل هذه العبارة لا تفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، والمحكي عنه قد يكون خاصًا والله أعلم. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم اليمين مع الشاهد، شرع في بيان حكم الاستحلاف بين الخصماء، فقال: هذا * * * باب استحلاف الخصوم في بيان حكم استحلاف الخصوم أي: طلب الخصوم اليمين بينهم، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الإِطلاق والتقييد. ٨٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا داودُ بن الحُصين، أنه سمع أبا غَطَفان يقول: اختصم زيد بن ثابت وابنُ مُطيع في دارٍ إلى مَروان بن الحكم، فقضى على زيد بن ثابت باليمين على المِنْبَر، فقال له زيد: أحْلِف له مكاني، فقال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق، قال: فجعل زيدٌ يحلف أن حقَّه لَحَق وَأَبَى أن يحلف عند المِنْبَر، فجعل مروان يعجب من ذلك.

стр. 1588

قال محمد: وبقول زيد بن ثابت نأخذ، وحيثما حلف الرجل فهو جائز، ولو رأى زيد بن ثابت أن ذلك يلزمه ما أبَى أن يعطي الحقّ الذي عليه، ولكنه كره أن يعطي ما ليس عليه، فهو أحق أن يؤخذ بقوله وفعله ممن استحلفه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا أخبرنا داودُ بن الحُصين، الأموي مولاهم يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورمى رأي الخوارج لكن لم يكن داعية، ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي وكفى برواية مالك عنه توثيقًا، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة أنه سمع أبا غَطَفان بفتحتان اسمه سعد بن طريف بفتح الطاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية ثم فاء المري بضم الميم وتشديد الراء المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة يقول: اختصم زيد بن ثابت ﵁ الأنصاري وعبد الله بنُ مُطيع بن الأسود العدوي المدني له رؤية وكان رأس قريش يوم الحرة وأمَّره عروة بن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ثلاث وسبعين في دارٍ أي: كانت بينهما، والمعني تخاصمًا فيها وترافعا في الحكم إلى مَروان بن الحكم، وهو أمير المدينة من جهة معاوية فقضى أي: حكم مروان على زيد بن ثابت باليمين على المِنْبَر، أي: عند منبر النبي ﷺ فقال له أي: لمروان زيد: أحْلِف له أي: لعبد الله بن مطيع مكاني، أي: هذا فقال له مروان: لا والله أي: لا يحلف والله إلا عند مقاطع الحقوق، قال: أي: أبو غطفان فجعل أي: شرع زيدٌ يحلف أن حقَّه لَحَق أي: باق لم يقبضه وَأَبَى أي: زيد بن ثابت، وفي نسخة: يأبى أن يحلف عند المِنْبَر، أي: حوالي المنبر بناء على التغليظ في اليمين عرفًا فجعل مروان بن الحكم يعجب من ذلك أي: يتعجب ويستنكر ما هنالك يعني امتناع زيد مع علمه أنها تغلظ بالمكان. قال مالك: كره زيد صبر اليمين، وقال الشافعي: بلغني أن عمر حلف على المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل وأن عثمان ردت عليه اليمين على المنبر فافتدى منها وقال: أخاف أن توافق قدر بلاء فيقال بيمينه. قال الشافعي: واليمين على المنبر مما لا خلاف فيه عندنا في قديم ولا حديث فعاب قولنا هذا غائب، ترك فيه موضع حجتنا بسنة رسول الله ﷺ والآثار بعده عن الصحابة

стр. 1589

وزعم أن زيد لا يرى اليمين على المنبر وإنا روينا عند ذلك وخالفناه إلى قول مروان، فما منع زيد لو لم يعلم أن اليمين على المنبر حق أن يقول مقاطع الحقوق فجلس الحكم، كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: وبقول زيد بن ثابت نأخذ، لأنه أجل من مروان في العلم والعرفان وحيثما حلف الرجل أي: بعد الحكم عند القاضي فهو جائز، ولو رأى زيد بن ثابت أن ذلك يلزمه (ق ٨٧٩) أي: اليمين عند المنبر ما أبى أي: لما كان يأبى أن يعطي الحقّ الذي عليه، أي: من اليمين في محله ولكنه أي: بإبائه كره أن يعطي ما ليس عليه، أي: فيكون بدعة وزيادة حكومة فهو أي: زيد بن ثابت أحق أن يؤخذ بقوله وفعله أي: لكونه مانعًا مما استحلفه أي: في مكان معين من غير دليل عليه وحجة لديه. والحاصل أن اليمين لا يغلظ عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: يغلظ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين، وقال مالك: يغلظ فيما ليس بمال ولا القصد منه المال كذا قاله علي القاري. لما فرغ عما يتعلق باستحلاف الخصوم، شرع بما يتعلق بالرهن، فقال: هذا * * * باب الرهن في بيان حكم الرهن، وهو في اللغة بفتح الراء وسكون الهاء ثم نون مطلق الحبس، وفي الشرع: حبس الشيء بحق يمكن أخذه منه كالدين، ويطلق على المرهون تسمية للمفعول باسم المصدر كذا قاله السيد محمد الجرجاني، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق الحل والعقد بالقول والفعل فتأمل. ٨٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرهن".

стр. 1590

قال محمد: وبهذا نأخذ، وتفسير قوله: "لا يَغْلَقُ الرهن": أن الرجل كان يرهن الرهن عند الرجل، فيقول له: إن جئتُك بمالِك إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك بمالك، فقال رسول الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرهن، ولا يكون للمرتهن؛ بماله"، وكذلك نقول، وهو قولُ أبي حنيفة، وكذلك فسره مالك بن أنس. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أي: مرسلًا، وعن معن بن عيسى موصولًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ بفتح التحتية واللام الرهن" الرواية برفع القاف على الخبر أي: ليس يغلق أي: لا يذهب ولا يتلف باطلًا، وقال النحاة: لم يوجد له مخلص، وفي (المصباح): من غلق الرهن كفرح استحقه المرتهن انتهى. أي: لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه. قال مالك في (الموطأ): وتفسير ذلك فيما نرى ونظن والله أعلم بمراد نبيه أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء وفي الرهن زيادة عما رهن به فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى أجل يسميه له أخذت رهني وإلا فالرهن لك بما رهن فيه. قال مالك: فهذا لا يصلح ولا يحل وهذا النبي نهى عنه، وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل فالرهن له أو يباع فيأخذ حقه ويرد ما فضل. وقال مالك: وأرى هذا الشرط منسوخًا لا عبرة به وبنحوه فسره طاووس والنخعي وشريح القاضي وسفيان الثوري والزهري انتهى. وكان هذا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يرد ما عليه في الوقت العين ملك المرتهن فأبطله أهل الإِسلام. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه هنا سعيد بن المسيب مرسلًا عن رسول الله ﷺ وتفسير قوله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرهن": أن الرجل كان يرهن الرهن عند الرجل، فيقول له: إن جئتُك بمالِك إلى كذا وكذا، أي: من المدة المعينة وإلا فالرهن لك بما لك، أي: بدل مالك فقال رسول الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرهن، ولا يكون للمرتهن؛ بماله"، وكذلك نقول، أي: أهل الكوفة وهو قولُ أبي حنيفة، وكذلك فسره مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، قال الذهبي في (الكاشف): ولد الإِمام مالك سنة ثلاث وتسعين ومائة، ومات سنة تسع وسبعين ومائة.

стр. 1591

لما فرغ من بيان حكم الرهن شرع في بيان حكم حال الرجل (ق ٨٨٠) عند الشهادة، فقال: هذا * * * باب الرجل تكون عنده الشهادة في بيان حكم حال الرجل يكون عنده الشهادة لأحدًا وعلى أحد. ٨٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أخبره: أن زيد بن خالد الجُهني أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخبر الشهداء: الذي يأتي بالشهادة - أو يخبر بالشهادة قبل أن يُسْأَلَها"، شكّ عبد الله بن أبي بكر أيتهما. قال محمد: وبهذا نأخذ: من كانت عنده شهادة لإِنسان لم يعلم ذلك الإِنسان بها، فليخبره بشهادته، وإن لم يَسألها إياه. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا، وفي نسخة: قال: بنا بدل أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة أن أباه أي: أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري بالنون الجيم المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد وقيل: يكنى أبا محمد ثقة عابد كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة، وقيل غير ذلك أخبره عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، الأموي يلقب بمطرف بضم الميم وتشديد الطاء وفتح الراء ثقة شريف كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات بمصر سنة ست وتسعين، وقيل: بعد المائة أن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري البخاري يقال: ولد في عهد النبي ﷺ

стр. 1592

وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة كذا قاله في (تقريب التهذيب) (١) وجزم جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في (شرح الموطأ) (٢) لمالك أنه كان من التابعين أخبره: أن زيد بن خالد الجُهني بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون نسبة إلى قبيلة جهينة مصغرًا المولى لهم، صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين أو سبعين بالكوفة وله خمس وثمانون سنة كذا، قاله ابن حجر أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: "ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه أخبركم بخبر الشهداء: أي: جمع شاهد الذي يأتي بالشهادة - ويخبر بالشهادة شك من الراوي، ويحتمل أن تكون "أو" للتنويع وفي نسخة: يجيء بدل من يخبر قبل أن يُسْأَلَها"، بصيغة المجهول أي: الشهادة، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عنه أيضًا شكّ عبد الله بن أبي بكر أيتهما قال قبل أن يسألها كذا في النسخة. قال محمد: وبهذا نأخذ: أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه زيد بن خالد الجهني ﵁ من كانت عنده شهادة لإِنسان لم يعلم ذلك الإِنسان بها، فليخبره بشهادته، أي: ندبًا أو وجوبًا وإن وصلية لم يَسألها إياه وقيل: إنه محمول على شهادة الحسبة في غير حقوف الآدميين المختصة بهم، فمن علم شيئًا من هذا النوع وجب عليه أن يرفعه إلى القاضي بتلك الشهادة كذا قاله علي القاري عن النووي. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يكون عنده الشهادة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم اللقطة، فقال: هذا * * *

стр. 1593

باب اللقطَة في بيان حكم ما يتعلق باللقطة بضم اللام وفتح القاف والطاء ثم تاء وهي مال يوجد على الأرض ولا يعرف مالك، وهي علي وزن الهمزة والضحكة مبالغة في الفاعل، وهي لكونها مالًا مرغوبًا جعلت أخذًا مجازًا لكونها سببًا لأخذ من رأها كذا قاله السيد محمد الجرجاني. وقال بعض الشارحين: وهي أمانة سواء كانت في الحلال أو الحرام، وسواء كانت متاعًا أو بهيمة، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق وجوب الأداء بما عنده من الشهادة واللقطة، لكن الأول معنوي والثاني صوري، فإن من كان شاهدًا (ق ٨٨١) على شيء أوله وجب عليه الشهادة إذا طلبت منه، وكذلك من أخذ اللقطة ووجد صاحبها فطلبها وجب عليه ردها لصاحبها. ٨٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، أن ضَوَالَّ الإِبل كانت في زمن عمر بن الخطاب إبلًا مرسلة تُنَاتَجُ، لا يَمَسّها أحد، حتى إذا كان زمنُ عثمان بن عفان، أمر بمعرفتها وتعريفها، ثم تُباعُ فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها. قال محمد: كلا الوجهين حسن، إن شاء الإِمام تركها ترعى حتى يجيء أهلها، فإن خاف عليها الضَّيعة أو لم يجد من يرعاها فباعها، ووقف ثمنها، حتى يأتي أربابها فلا بأس بذلك. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب الزهري، أن ضَوَالَّ الإِبل بفتح الضاد المعجمة وتشديد اللام جمع ضالة مثل دابة ودواب الأصل في الضلال الغيبة ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالة للذكر والأنثى والجمع الضوال ويقال لغير

стр. 1594

الحيوان: ضائع ولقطة، وضل البعير غاب وخفى موضعه، وأضللته بالألف أي: فقدته كذا قاله الأزهري (١)، فإضافة الضوال إلى الإِبل من إضافة العام إلى الخاص وكانت أي: الضالة أو اللقطة في زمن أي: وقت خلافة عمر بن الخطاب ﵁ إبلًا مرسلة أي: مسيبة غير مضبوطة ولا مربوطة، وزاد في نسخة: مؤبلة بضم الميم وفتح الهمزة وفتح الموحدة المشددة ثم لام مفتوحة فهاء منصوبة على أنها صفة مرسلة أي: مجتمعة فهو تشبيه بليغ بحذف أداة التشبيه أي: كالمؤبلة المقتناة في عدم تعرض أحد إليها واجترائها في الكلاء وضحه بقوله: تُنَاتَجُ، بحذف أحد التائين أي: تتناتج بعضها بعضًا كالمقتناة لا يَمَسّها أحد، أي: لا يأخذها للنهي عن التقاطها حتى أي: لم يأخذها إلى حين إذا كان زمنُ عثمان بن عفان، أي: وقت خلافة ابن عفان أمر بمعرفتها أي: أولًا وتعريفها، أي: ثانيًا بعد التقاطها خوفًا من الخونة ثم أي: بعد تعريفها مدة يليق بها تُباعُ فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها بصيغة المجهول؛ لأن هذا أضبط له. قال محمد: كلا الوجهين أي: من طريق عمر وعثمان حسن، أي: مستحسن شرعًا وعرفًا إن شاء الإِمام تركها ترعي كما في نسخة حتى يجيء أهلها، أي: فيأخذها فإن خاف عليها الضَّيعة بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية وفتح المهملة أي: التفتت أو لم يجد من يرعاها أي: يراعي حالها فباعها، ووقف بتشديد القاف أي: حبس ثمنها، أي: جعل ثمنها موقوفًا ومحفوظًا حتى أي: إلى النهاية يأتي أربابها فلا بأس بذلك أي: بما ذكر من بيعها وحفظ ثمنها إلى أن يأتي صاحبها ويعطيها إلى صاحبها. * * * ٨٥١ - أخبرنا مالك أخبرنا نافع، أن رجلًا وجد لُقَطَة، فجاء إلى ابن عمر فقال: إني وجدتُ لُقَطَةً، فما تأمرني فيها، فقال ابن عمر: عَرِّفها، قال: قد فعلتُ، قال: زِدْ، قالَ: قد فعلتُ، قال: لا آمرك أن تأكلها، لو شئْتَ لم تأخذها.

стр. 1595

• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن رجلًا لم يسم وجد لُقَطَة، فجاء إلى ابن عمر ﵄ فقال: إني وجدتُ لُقَطَةً، فما تأمرني فيها، فقال ابن عمر: عَرِّفها، بتشديد الراء المكسورة قال: قد فعْلتُ، أي: عرفتها قال: زِدْ، قالَ: أي: الرجل الواجد قد فعلتُ، قال: أي: ابن عمر لا آمرك أن تأكلها، أي: وأنت تريد أن تأكلها لو شئْتَ أي: عدم أكلها ولا تملكها بلا ضمان لم تأخذها أي: وكان يرى كراهة الالتقاط مطلقًا. * * * ٨٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه قال: سمعتُ سليمان بن يَسَار يحدِّث أن ثابت بن الضحاك الأنصاري حدَّثه: أنه وجد بعيرًا بالحَرَّة فعرّفه، ثم ذكر ذلك لعمر بن الخطاب فأمره أن يُعَرِّفَه، قال ثابت لعمر: قد شغلني عن ضيعتي، فزعموا أنه قال له: أرسله حيث وجدته. قال محمد: وبه نأخذ، من التقط لُقَطَة تساوي عشرة دراهم فصاعدًا عَرَّفَها حولًا، فإن عُرِفَت وإلا تصدق بها، فإن كان محتاجًا أكلها، فإن جاء صاحبها خَيَّره بين الأجر وبين أن يَغْرمَها، وإن كان قيمتها أقل من عشرة دراهم عَرَّفها على قَدْرِ ما يرى أيامًا، ثم صنع بها كما صنع بالأولى، وكان الحكم فيها إذا جاء صاحبها كالحكم في الأولى، وإن ردّها في موضعها الذي وجدها فيه فقد برئ منها، ولم يكن عليه في ذلك ضمان. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: لنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة أنه قال: سمعت سليمان بن يَسَار بفتح الياء والسين الخفيفة الفقيه الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة كان في الطبقة الثالثة (ق ٨٨٢) من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة يحدِّث أن ثابت بن الضحاك أي: الخليفة الأنصاري الأشهلي

стр. 1596

الصحابي الشهير المتوفى سنة أربع وستين على الصواب، ووهم من قال سنة خمس وأربعين حدَّثه: أي: أخبره أنه وجد بعيرًا بالحَرَّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء أي: ذات حجارة السود بظاهر المدينة فعرّفه، بتشديد الراء ثم أي: بعد تعريفها مرارًا ذكر ذلك أي: التعريف بها لعمر بن الخطاب ﵁ فأمره أي: إلى ثابت بن الضحاك أن يُعَرِّفَه، أي: ثانيًا قال ثابت لعمر: قد شغلني أي: منعني تعريفه عن ضيعتي، بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية وفتح العين أي: ملكي ومزرعتي، كذا قاله الجوهري، أو عن خدمة عيالي فقال له: أرسله حيث وجدته أي: في المكان الذي وجدته فيه. قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سليمان بن يسار عن ثابت بن الضحاك من التقط أي: وجد لُقَطَة تساوي أي: قيمتها عشرة دراهم فصاعدًا أي: وزيادة عليها عَرَّفَها حولًا، بفتح الحاء المهملة وسكون الواو ثم لام أي: سنة فإن عُرِفَت بصيغة المجهول أي: اللقطة وإلا أي: وإن لم تعرف اللقطة سنة تصدق بها، أي: إن كان الواجد غنيًا فإن كان محتاجًا أي: فقيرًا أكلها، فإن جاء صاحبها خَيَّره بين الأجر أي: بين أن يختار أجر الصدقة وبين أن يَغرْمَها، بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وفتح الراء من باب علم أي: يقضي قيمة له أي: لصحاب المال كأنها دين على الملتقط فيلزم عليه أداء دينه لما أخرجه البزار في (مسنده) والدارقطني في (سننه) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ نهى عن اللقطة قال: "لا تحل فمن التقط شيئًا فليعرفه سنة فإن جاء صاحبه فليرده إليه فإن لم يأت فليتصدق به فإن جاء فليخيره بين الأجر وبين الذي له" وإن كان قيمتها أقل من عشرة دراهم عَرَّفها على قَدْرِ ما يرى أي: يليق بها أيامًا، أي: مفوضًا أمرها إلى المبتلى به ثم صنع بها كما صنع بالأولى أي: من التفصيل بين الغني والفقير وكان الحكم فيها أي: والحال أن الحكم في اللقطة التي كان قيمتها أقل من عشرة دراهم ثم صنع بها كما صنع بالأولى، وفي نسخة: كما كان في الأولى أي: كما كان قيمة اللقطة تساوي عشرة دراهم فصاعدًا عرفها حولًا، فإن عرفها وجاء صاحبها ردها وإلا يتصدق بها إن كان الملتقط غنيًا، وإن كان فقيرًا أكلها، ثم إن جاء صاحبها خيره بين الأجر وبين أن يغرمها إليه فعلم من هذا أن اللقطة كانت أمانة في يد الملتقط وكان الحكم فيها إذا جاء صاحبها كالحكم في الأولى، وإن ردّها في موضعها الذي وجدها فيه فقد برئ منها، أي: تخلص من عهدتها ولم يكن

стр. 1597

عليه في ذلك أي: الرد ضمان أي: غرامة لصاحبها إن ضاعت، وهذا القول المفصل روى محمد عن أبي حنيفة، وقدر محمد في الأصل مده التعريف بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو قول مالك والشافعي لما روى الشيخان (١) عن زيد بن خالد الجهني قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال: عرفها سنة ثم اعرف عفاصها أي: وعائها ووكائها أي: رباطها ثم استبقها فإن جاء صاحبها فردها، والصحيح أن شيئًا من هذه التقادير ليس بلازم وأن تفويض التقدير إلى رأى الأخذ لإِطلاق حديث مسلم عن أبي بن كعب (ق ٨٨٣) أن رسول الله ﷺ قال في اللقطة: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها وعائها ووكائها فأعطه، إياها وإلا فاستمتع بها" وفي رواية: "وإلا فهي كسبيل مالك"، وما روى من التقييد بالسنة لعلة لكون اللقطة المسئول عنها كانت تقتضي ذلك، أو لأن الغالب في اللقطة شيئًا يعلم أن صاحبه لا يطلبه كالنواة وقشر الرمان يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه أن التمليك من المجهول لا يصح وملك المبيح لا يزول بالإِباحة. كذا قاله علي القاري بتشديد التحتية نسبة إلى قارة بطن من خدمة بن مدركة. * * * ٨٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، قال: قال عمر وهو مسند ظهره إلى الكعبة: من أخذ ضالة فهو ضال. قال محمد: وبهذا نأخذ، وإنما يَعني ذلك: من أخذها لِيَذْهَبَ بها، فأما من أخذها ليردّها وليعرّفها، فهذا لا بأس به. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا، وفي نسخة: حدثنا يحيى بن سعيد، وقد سبق ترجمته من قبل عن سعيد بن المسيَّب، بكسر الياء وفتحها قال: قال

стр. 1598

عمر بن الخطاب ﵁ وهو مسند ظهره إلى الكعبة، جملة معترضة من أخذ ضالة فهو ضال أي: عن طريق الصواب أو آثم أو ضامن إن هلكت عنده، عبر بها عن الضمان بالمشاكلة وذلك أنه إذا التقطها فلم يعرفها فقد أضر بصاحبها وصار سببًا في تضليله عنها فكان مخطئًا ضالًا عن الحق، وأصل هذا حديث مرفوع أخرجه أحمد ومسلم والنسائي عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها" (١) فقيد الضال بعدم التعريف، فلا حجة لمن كره اللقطة مطلقًا في أثر عمر هذا ولا في قوله ﷺ : "حرق النار" أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن الجارود العبيدي؛ لأن الجمهور حملوها على من لم يعرفها جمعًا بين الحديثين وحرق بفتح الحاء والراء وقد تسكن أي: تؤدي أخذها للتملك فهو تشبيه بليغ بحذف أداة التشبيه للمبالغة كذا قاله الفاضل الزرقاني (٢). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب وإنا يَعني أي: يريد عمر بن الخطاب ذلك: أي: يكون أخذ ضالًا من أخذها لِيَذْهَبَ بها، أي: لنفسه لردها إلى صاحبها فأما من أخذها ليردّها وليعرّفها، فهذا لا بأس به أي: فلا ضلالة له. والحاصل أن اللقطة أمانة إذا شهد على أخذ ليردها على صاحبها لما روى إسحاق بن راهويه في (مسنده) عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ قال: "من أصاب لقطة فليشهد ذا عدل ثم لا يكتم" وأما لم يشهد وأدى أنه أخذها للرد ضُمِّنَ عند أبي حنيفة ومحمد أن حجة المالك أخذ للرد. وقال أبو يوسف: لا يضمن لأن صاحبها يدعي بسبب الضمان وهو ينكر فكان القول قوله كما في الغضب، وهو قول مالك والشافعي وأحمد؛ لأن الإِشهاد غير واجب عندهم بل مستحب هذا وإن بين مدعي اللقطة علامتها حل الدفع ولا يجب بلا حجة وهو قول الشافعي، وقال مالك وأحمد وأبو داود وابن المنذر: يجب الدفع بالعلامة لقوله ﷺ في الحديث السابق فإن جاء أحد يجزك بعددها وعائها ووكائها فأعطه إياها.

стр. 1599

لما فرغ عن ذكره ما يتعلق بحكم اللقطة، شرع (ق ٨٨٤) في ذكر ما يتعلق بحكم الشفعة، فقال: هذا * * * باب الشفعَة في بيان ذكر الأحاديث التي تتعلق بحكم الشفعة، هي في اللغة بالضم رسم من الشفع وهو الضم، سميت بذلك لما فيها ضم المشتري إلى الشفيع، وفي الشريعة تملك العقار على مشتريه جبر بمثل ثمنه الذي اشتراه به. ٨٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عُمَارة، قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، أن عثمان ﵁ قال: إذا وقعت الحدود فلا شفعة، ولا شفعة في بئر ولا فحل نخل. • أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عُمَارة، بضم العين ابن عمرو بن حزم الأنصاري المدني صدوق، كان في الطبقة السابعة من صغار التابعين من أهل المدينة، وكان أبوه عمارة بن عمرو بن حزم في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة كذا قاله الحافظ ابن حجر أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، الأنصاري النجاري بالنون والجيم المشددة المدني القاضي اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد كان في الطبقة الخامسة، من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة أن عثمان بن عفان ﵁ قال: إذا وقعت الحدود في أرض وهو جمع حد وهو هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة، وأصل الحد المنع فتحديد الشيء يمنع خروج شيء منه ويمنع دخوله فيه فلا شفعة، فيها لأنها لا محل لها بعد تميز الحقوق بالقسمة فصارت غير مشاعة. قال مالك والشافعي وأحمد: لا شفعة للجار بل للشريك وحده لما ذكر، ولما روى البخاري (١) عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في

стр. 1600

كل ما يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، ولنا أن الشفعة للشريك في نفس المبيع ثم للشريك في حق المبيع كالشرب والطريق ثم لجار ملاصق فعندنا الشفعة كل واحد من هذه الثلاثة على هذا الترتيب، وهو قول سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك كما ذكر الترمذي في (جامعه) وأبو داود في البيوع والترمذي في الأحكام وقال: حسن صحيح وقال: لا شفعة في بئر ولا فحل نخل بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة ثم لام مضاف إلى نخل، وإضافته إليه من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، كخاتم فضة، فالمراد بالفحل حصير يجعل من ورق النخل، وفي الحديث: "أنه ﷺ دخل على رجل من الأنصار وفي ناحية البيت فحل أي: حصير فأمر بناحية منه فرشت ورش عليه الماء ثم صلى عليه، كذا قاله الفاضل محمد الواني، فلا يصح الشفعة في البئر ولا في فحل النخل لأنهما لا يقبلان القسمة. * * * ٨٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سَلمة بن عبد الرحمن، أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يُقْسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فيه. قال محمد: قد جاءت في هذا أحاديث مختلفة، والشريك أحقُّ بالشفعة من الجار، والجار أحقُّ من غيره، بلغنا ذلك عن النبي ﷺ . • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، وفي نسخة: قال: بنا، ابن شهاب عن أبي سَلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر تابعي ابن الصحابي كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين من الهجرة كذا في (تقريب التهذيب). قال ابن عبد البر أبو عمر: هذا حديث مرسل لأكثر رواة (الموطأ) لمالك وموصول

стр. 1601

في رواية عبد الملك بن الماجشون عن مالك، وكذا في رواية أبي عاصم النبيل ويحيى بن أبي قتيلة وابن وهب يخلو عنه فقالوا عن أبي هريرة، وذكر الطحاوي أن قتيبة (ق ٨٨٥) وصله عن مالك والله أعلم. أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة أي: بين الشركاء فيما أي: في كل شيء مشترك مشاع قابل للقسمة لم يُقْسم، أي: بالفعل بين الشركاء فإذا وقعت الحدود أي: إذا تميز الأملاك بعد القسمة وصرفت الطرق بين الشركاء فلا شفعة فيه أي: لأنه لا محل لها بعد تميز الحقوق وبالقسمة فصارت غير مشاعة، وهذا الحديث نص في ثبوت الشفعة في المشاع، وصدور هذا الحديث يشعر ثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار، وهو مشهور وفي مذهب مالك والشافعي وأحمد؛ لأنه أكثر الأنواع ضررًا والمراد بالعقار ما يحتمل القسمة فما لا يحتملها لا شفعة فيه لأن يقسمه تبطل منفعته، وعن مالك رواية بالشفعة احتمل القسمة أم لا وللبيهقي عن ابن عباس مرفوع: "الشفعة في كل شيء" (١) ورجاله ثقات، لكن أعلَّ بالإِرسال إلا أنه له شاهدًا من حديث جابر بإسناد لا بأس به، وشذ عطاء فأخذ بظاهره فقال بالشفعة في كل شيء حتى التراب، ونقله بعض الشافعية عن مالك، ورد بأنه لا يعرف عند أصحابه وحمله الجمهور على العقار لحديث الباب ونحوه وهو أصل ثبوت الشفعة، وأخرجه مسلم (٢) عن أبي الزبير المكي عن جابر بلفظ: "قضى رسول الله ﷺ في كل مشترك لم يقسم ربعة أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع فلم يؤذنه فهو أحق به" والربعة بفتح الراء تأنيث الربع وهو المنزل والحائط والبستان، وفيه أنه لا شفعة للجار؛ لأنه حصر الشفعة فيما لا يقسم فما قسم لا شفعة فيه وقد صار جارًا، وبه قال الجمهور وأثبتها أبو حنيفة والكوفيون كذا قاله الزرقاني (٣). وقال المصنف ﵀: قال محمد: قد جاءت في هذا أي: في حكم الشفعة أحاديث مختلفة، أي: طرقها والشريك أي: في العين أو فيما يتعلق به أحقُّ بالشفعة من الجار، أي: الملاصق والجار أحقُّ من غيره، بلغنا ذلك أي: حاصله عن النبي ﷺ أي: كما حررناه وقدرناه. * * *

стр. 1602

٨٥٦ - أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يَعْلى الثقفي أخبرني عَمرو بن الشَّريد عن الشَّريد بن سُويد قال: قال رسول الله ﷺ : "الجارُ أحقّ بصقبه". قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يَعْلى بن كعب الطائفي يكنى أبا يعلى الثقفي، صدوق ويهم، كان في الطبقة السابعة من طبقات صغار التابعين، من أهل الطائف، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات بعد المائة أخبرني وفي نسخة: قال: أخبرني عَمرو بن الشَّريد بفتح الشين المعجمة الثقفي، يكنى أبا الوليد الطائفي ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الطائف، مات بعد المائة عن أبيه الشَّريد أي: بالتصغير البصري قال: مرسلا قال رسول الله ﷺ : "الجارُ أحقّ بصقبه" بفتح الصاد المهملة وسكون القاف ثم موحدة عمود طويل وسط البيت، يعني: الجار أحق بشفعة عمود جاره وفي نسخة: بسقبه بالسين (ق ٨٨٦) والقاف والموحدة، وهو بمعنى القرب كذا قاله محمد الواني، رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن نافع والنسائي وابن ماجه عن الشريد بن سويد، وفي رواية لأحمد والأربعة عن جابر بلفظ: "الجار أحق بشفعة جاره وينظر بها إن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحد". قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، والله أعلم. لما فرغ من ذكر ما يتعلق بذكر الشفعة، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم المكاتب، فقال: هذا * * * باب المكَاتب في بيان ما يتعلق بحكم المكاتب أي: الكتابة في اللغة: الجمع، وفي الشرع: المكاتبة إعتاق الملوك يدًا وتصرفًا حالًا ورقبة مالًا؛ ولهذا قيل: المكاتب طار من ذل

стр. 1603

العبودية ولم يزل مباحة الحرية، وصورته أن يكاتب قنه بمال حال أو منجم أو مؤجل فإن أديته، فأنت حر وإن عجزت فأنت قن وقبل العبد فكان مكاتبًا، استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق اتصاله المملوك نوعًا إلى ملك المالك فإن الجار إذا قال حين سمع أن جاره الملاصق باع أرضه أنا شفيعه لا يملك المشتري بما اشتراه، وكذلك العبد المكاتب إذا لم يقض بدل الكتابة تمامًا لم يخلص عن ملك مولاه قال ﷺ : "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" (١) كذا في شرح (الاختيار شرح المختار). ٨٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: المُكَاتَبُ عَبْدٌ ما بقيَ عليه من كتابته شيء. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وهو بمنزلة العبد في شهادته وحدوده وجميع أمره، إلا أن لا سبيل لمولاه على ما له ما دام مكاتبًا. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵁ أنه كان يقول: المُكَاتَبُ عَبْدٌ ما بقيَ عليه من كتابته شيء وفي رواية أبي داود (٢) عنه مرفوعًا: المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبه درهم. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وهو بمنزلة العبد في شهادته وحدوده وجميع أمره، إلا أن لا سبيل لمولاه على ما له ما دام مكاتبًا. * * * ٨٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا حُميد بن قيس المكيّ، أن مكاتبًا لابن المتوكل

стр. 1604

هلك بمكة وترك عليه بقيّةً من مكاتبته، وديونًا للناس، وترك ابنه، فأشكل على عامل مكة القضاء في ذلك، فكتب إلى عبد الملك بن مروان، يسأله عن ذلك، فكتب إليه عبد الملك: أن ابدأ بديون الناس فاقضها، ثم اقض ما بقي عليه من كتابته، ثم اقسم ما بقي من ماله بين ابنته ومواليه. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا: أنه إذا مات بدئ بديون الناس، ثم مكاتَبَتِه، ثم ما بقي كان ميراثًا لورثته الأحرار من كانوا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا حُميد بالتصغير ابن قيس المكيّ، الأعرج يكنى أبا صفوان القاري ليس به بأس، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات سنة ثلاثين، وقيل: بعدها ومائة كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن مكاتبًا أي: كان اسمه عباد لابن أي: لابن المتوكل هلك أي: مات بمكة وترك عليه بقيّةً من مكاتبته، أي: بدل كتابته وديون الناس بالنصب عطف على بقية وفي نسخة: وديونًا للناس، وترك ابنه، أي: وله مال فأشكل بصيغة غير الفاعل أي: اشتبه على عامل مكة أي: على أميرها يومئذ القضاء في ذلك، أي: الأمر لعدم علمه به فكتب إلى عبد الملك بن مروان، أي: الخليفة بالشام يسأله عن ذلك، أي: عن قضاء متروكاته المكاتب فكتب إليه أي: إلى عامل مكة عبد الملك: أن بفتح الهمزة وسكون النون ابدأ بكسر الهمزة وسكون الموحدة أمر من بدأ يبدأ بديون الناس فاقضها، أي: فاحكم بديون الناس (ق ٨٨٧) قبل الحكم بميراث الورثة ثم اقسم ما بقي عليه أي: من ماله من كتابته، أي: من بدل كتابته لسيده ثم اقسم ما بقي من ماله بين ابنته أي: النصف بالفرضية ومواليه أي: بين معتقيه الذين كاتبوه البقية بالعصبية. قال أبو عمر بن عبد البر: قضى بذلك معاوية بن الحكم قبله، ذكر معمر عن قتادة عن معبد الجهني قال: سألني عبد الملك عن المكاتب يموت وله ولدًا حرار فقلت: قضى عمر أن ماله كله لسيده، وقضى معاوية أن سيده يعطي بقية كتابته، ما بقي لولده الأحرار،

стр. 1605

ومالك لا يقول بهذا لأنه جاء من وجوه أن بنته كانت حرة، أمها حرة والمكاتب لا يرثه وارث إذا مات قبل العتق وإنما يرثه من معه من ورثته في كتابته وإلا فكله لسيده كما قضى به عمر، وقال زيد بن ثابت ﵁، كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني (١). قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله حميد بن قيس المكي وهو أي: ما قاله حميد بن قيس قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: المكاتب إذا مات أي: وله مال بدئ بصيغة المجهول بديون الناس، ثم مكاتَبَتِه، أي: بقية من بدل كتابته فإنها دين عليه ثم ما بقي أي: من المال كان ميراثًا لورثته الأحرار من كانوا أي: رجالًا ونساء من أصحاب الفروض والعصبات، أما أصحاب الفروض فاثنى عشر نفر أربعة منها من الرجال وهم الأب والجد وهو أب الأب وإن علا والأخ لأم والزوج، وثمان منها من النساء، وهن الزوجة والبنت وبنت الابن وإن سفلت والأخت لأب وأم الأخت لأب والأم والجدة الصحيحة، وأما العصبات فثلاثة أنواع أولها عصبة نسبية، وثانيها عصبة غير نسبية فاطلب تفصيلها في كتب الفرائض. فالحاصل أن المكاتب إذا مات عن وفاء ولم يفسخ كتابتة وقضى للبدل من ماله وحكم بموته حرًا؛ لأن البدل بموته انتقل إلى تركته كسائر الديون، فإن أدى منها صار كأدائه بنفسه قبل الموت وحكم بإرث ورثته منه ما بقي من ماله وحكم بعتق أولاده حال كونهم ولد أو في كتابته، أو حال كونهم شراهم أو حال كونه كوتب وولده صغيرًا؛ لأن هؤلاء يتبعونه في الكتابة فيتبعونه في عتقه، أو حال كونه كوتب هي وولده كبيرًا بكتابته واحدة؛ لأنهما صارا باتحاد الكتابة كشخص واحد، فإذا حكم بعتق أحدهما في وقت حكم بعتق الآخر فيه هذا لو عجز طاب ما أدي لسيده الذي ليس بمصرف الصدقة؛ لأنه أدى إليه من صدقة تصدق بها عليه، فإن الملك قد تبدل وتبدل الملك كتبدل العين كما أنه أشار إليه النبي ﷺ في حديث بريرة (٢) حيث قال في الحكم الذي تصدق به عليها: هو لها صدقة ولنا هدية، وصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها حيث تطيب لوارثه الغني، وكالفقير إذا استغنى حيث تطيب له ما أخذه من الزكاة (ق ٨٨٨) حال الفقر وكابن السبيل إذا أخذ الصدقة ثم إذا وصل إلى ماله ومعه شيء منها حيث يطيب له؛ لأن المحرم على

стр. 1606

الغني هو الأخذ وهو ليس بموجود، فمن أخذ حال الحاجة ثم استغنى ولو أباح الفقير للغني والهاشمي عبر ما أخذه من الزكاة لا يطيب له؛ لأن الملك لم يتبدل. * * * ٨٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرني الثقة عندي، أن عُروة بن الزبير وسليمان بن يسار سُئلا عن رجل كاتبَ على نفسه وعلى وَلَده ثم هلك الكاتب وترك بنين، أيَسْعَونَ في كتابة أبيهم أم هم عبيد، فقالا: بل يَسْعَون في كتابة أبيهم، ولا يوضع عنهم: بموت أبيهم شيء. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، فإذا أدّوا عُتِقوا جميعًا، وقال مالك بن أنس: أخبرني مُخْبرٌ أن أمَّ سَلَمة زوج النبي ﷺ كانت تقاطع مكاتبتها بالذهب والورق. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرني الثقة عندي، أشار مالك بقوله: عندي إلى شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن بن فروخ التيمي المدني، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة أن عُروة بن الزبير وسليمان بن يسار سُئلا عن رجل كاتبَ على نفسه وعلى وَلَده بضم الواو وسكون اللام ثم دال مهملة جمع ولد بفتحتين أي: على أولاده الصغار والكبار وبفتحة الواو واللام بمعنى الأولاد فإن الولد اسم الجنس يشمل على الواحد والاثنين والثلاثة هلك أي: مات الكاتب وترك بنين، أيَسْعَونَ أي: هل يسعى بنو المكاتب في كتابة أبيهم وفي نسخة: في مكاتبة أبيهم أم هم عبيد، أي: رقاق فقالا أي: كلاهما معًا وفي نسخة: فقال أي: أجاب كل واحد من عروة بن الزبير وسليمان بن يسار على سبيل المناوبة، لكن النسخة الأولى: فإنهما تسارعا معًا إلى الجواب اهتمامًا لشأن هذا الحكم أي: ليسوا عبيدًا بل يَسْعَون أي: البنون في كتابة أبيهم، ولا يوضع عنهم: أي: لا يحط عن البنين بموت أبيهم شيء أي: من بدل الكتابة ولو قال.

стр. 1607

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه الثقة عن عروة بن الزبير وسليمان بن يسار وهو أي: ما قاله الثقة قولُ أبي حنيفة، فإذا أدّوا أي: بدل الكتابة عُتِقوا جميعًا، أي: لكلهم مجتمعين وقال مالك: وإن كانوا صغارًا لا يطيقون السعي لم ينتظر بهم أن يكبروا وكانوا رقيقًا لسيد أبيهم إلا أن يكون ترك المكاتب ما يؤدي به عنهم نحوهم إلى أن يتكلفوا السعي أي: إلى أن يقدروا عليه، فإن كان فيما ترك ما يؤدي عنهم أدى ذلك عنهم وتركوا على حالتهم حتى يبلغوا السعي، فإن أدوا ما بقي عتقوا وإن عجزوا رقوا لسيد أبيهم انتهى. أخبرنا مالك: وفي نسخة: قال مالك بن أنس: أخبرني مُخْبرٌ بصيغة اسم الفاعل أي: محدث، وفي نسخة: محمد وهو مصحف عن مخبر كما يؤيده ما قاله مالك في (الموطأ) أنه بلغه أن أمَّ سَلَمة زوج النبي ﷺ كانت تقاطع بضم الفوقية مكاتبها بكسر الموحدة جمع مكاتب، فإن أم سلمة ﵂ كاتبت عدة منهم: سليمان وعطاء وعبد الله وعبد الملك أي: تأخذ منهم عاجلًا بالذهب والورق بكسر الراء أي: الفضة فشأنها يحط ما عليهم من بدل الكتابة بمقابلة أخذ الذهب والفضة عاجلًا والله أعلم، قال أبو عمر: ذكر مالك جواز القطاعة عن أم سلمة؛ لأن ابن المكاتب ينهى عنها إلا بالعروض ويراه من باب صنع وتعجل كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١). لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم المكاتب، شرع في بيان حكم المال هي للإِعطاء إلى رجل تجاوز على الخيال، فقال: هذا * * * باب السبق في الخيل في بيان حكم السبق أي: حال كونه في الخيل والسبق بفتحتين مال يجعل هذا على المسابقة يقال له في اللسان (ق ٨٨٩) التركي: "أو كدك ويا رش أهلي ما بينلرندة وضع اتد كلري ما لدرو"، والمعنى هذا باب كائن في بيان جواز إعطاء القوم ما لهم لصاحب الخيل بمجاوزته في العدو على سائر الخيال في المسابقة، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق أخذ المال قيل الوقت المعين له وبعده.

стр. 1608

٨٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: ليس برِهان الخيل بأس، إذا أدخلوا فيها محلِّلًا إن سبق أخذ السبَقَ، وإن سُبق لم يكن عليه شيء. قال محمد: وبهذا نأخذ، إنما يكره من هذا: أن يضع كل واحد منهما سَبَقًا، فإن سبق أحدُهما أخذ السَّبقَيْن جميعًا، فيكون هذا كالمبايعة، فأما إذا كان السَّبق من أحدهما أو كانوا ثلاثة والسَّبق من اثنين منهم، والثالث ليس منه سَبَق إن سَبَق أخَذَ وإن لم يسبق لم يغرم: فهذا لا بأس به أيضًا، وهو المحلِّل الذي قال سعيد بن المسيب. أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: ليس برِهان الخيل بأس، أي: لا كراهة بما يتراهن على الخيل إذا أدخلوا فيها أي: في المسابقة بالخيل محلِّلًا بكسر اللام أي: متوسعًا بين المتسابقين وهو من يجعلها حلالًا إن سبق بصيغة الفاعل أي: بخيل أخذ السبَقَ، بفتحتين أي: المال المرهون وإن سُبق بصيغة المجهول لم يكن عليه شيء أي: شرط أن لا يخرج المحلل من عنده شيئًا ليخرج العقد من صورة القمار، وهو أن يخرج كل منهما سبقًا فمن غلب أخذه فهذا ممنوع اتفاقًا وأجمعوا على جواز المسابقة بلا عوض لكن قصرها مالك والشافعي على الحافر والنصل لحديث: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" (١) رواه الترمذي، وحسنه ابن حبان وصححه عن أبي هريرة ﵁، وخصه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء.

стр. 1609

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل ولا نفتي إلا بما قاله هنا سعيد بن المسيب إنما يكره أي: تحريمًا من هذا: أن يضع كل واحد منهما سَبَقًا: أي: مالا للغالب فإن سبق أحدُهما أي: أحد السابقين على صاحبه أخت السَّبقَيْن بفتحتين أي: المالين المرهونين جميعًا، فيكون هذا أي: وضع كل واحد من المسابقين ما لا ليأخذه الغالب في العدو كالمبايعة، أي: كالقمار في الحرمة فأما إذا كان السَّبق أي: المال من أحدهما أو كانوا أي: الشارعون بالسابقة ثلاثة والسَّبق أي: المال الموضع من اثنين منهم، والثالث أي: والحال أن الرجل الثالث من المسابقين ليس منه سَبَق أي: حال، وفي نسخة: فيه أي: لم يوضع لأجل الثالث مال إن سَبَق أي: إن غالب الثالث في العدو والسعي عليهما أخَذَ أي: بما وضعها وإن لم يسبق بصيغة الفاعل أي: وإن لم يتجاوز الثالث عليها لم يغرم: أي: لا يلزم بأخذ الثالث مالا من صاحبه، وفي نسخة: وإن سبق بصيغة المجهول فهذا أي: جواز المسابقة إذا توسط الثالث بين الاثنين لا بأس به أي: لا حرمة فيه أيضًا، أي: بجواز المسابقة فيما سبق بلا كراهة وهو أي: الثالث المحلِّل الذي قال أي: ذكره سعيد بن المسيب. واعلم أنه يجوز المسابقة على الأقدام والخيل والبغال والحمير والإِبل والرمل؛ لأنها من أسباب الجهاد ويحتاج إليها في إقامة هذه الفريضة على العباد، فإن شرط فيه جعل مال من أحد الجانبين وسبقهما بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي، أو من ثالث إن سبقتنا فالمال لك، وإن سبقناك فلا شيء لنا جاز في هذين الوجهين لاشتماله على التحريض على آلة الحرب، وأما إذا شط الجعل من الجانبين فحرم لكونه قمارًا، (ق ٨٩٠) إلا أن يكون بينهما محلل بفرس ليصير الغير بينهما بحيث يتوهم أنه سبق، وإنما قيد به لأن في سر المحلل لو لم يكن مثلهما لم يجز؛ لأنه لا فائدة في إدخاله بينهما ولم يخرج من أن يكون قمارًا، ثم إن سبقهما أخذ منهما الجعل أو سبقاه لم يعطهما شيئًا وفيما بينهما أيهما سبق أخذ من صاحبه، وعلى هذا التفصيل إذا تنازعا في مسألة ورجعا إلى شيخ لأن في ذلك حثًا على العلم كما كان في المسابقة حثًا على الجهاد، والله رؤوف بالعباد. كذا قاله علي القاري. * * *

стр. 1610

٨٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: إن القَصْواء ناقة النبي ﷺ كانت تَسبق كلما وَقعت في سِباق، فوقعت يومًا في إبل فسُبقت، فكانت على المسلمين كآبة أن سُبقتْ، فقال رسول الله ﷺ : "إن الناس إذا رفعوا شيئًا - أو أرادوا رفع شيءٍ - وضعه الله". قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالسَّبْق، في النَّصْل، والحافر، والخفّ. أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: إن القَصْواء ناقة النبي ﷺ كانت تَسبق أي: أمثالها من النوق كلما وَقعت في سِباق، أي: لم يغلب أبدًا فوقعت يومًا في إبل أي: في مسابقة إبل فسُبقت، بصيغة المجهول فكانت على المسلمين كآبة أي: حزن وملالة أن سُبقتْ، أي: لأجل مغلوبيتها فقال رسول الله ﷺ : "إن الناس أي: جميعهم إذا رفعوا شيئًا - أي: إن أرادوا شك من الراوي رفع شيء وضعه الله" أي: إظهارًا لقدرته وضعف خليقته ويشير إليه قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، ومفهوم الحديث أنهم إذا خفضوا أو أرادوا خفض شيء رفعه الله سبحانه نقضًا عليهم وتنبيهًا لهم أنه هو الرافع والخافض، لا رافع لما خفضه ولا خافض لما رفعه، وأنهم لو اجتمعوا على شيء لم يقدره الله لم يقدروا عليه ولم يصلوا إليه، وإن كان من جملتهم الأنبياء والأولياء. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة إلا بما قاله سعيد بن المسيب لا بأس أي: لا كراهة بالسَّبْق، أي: بأخذ المال في مسابقة النَّصْل، أي: الرمي بالسهم والحافر، أي: حافر الخيل والبغال والحمير والخفّ أي: خفاف الإِبل. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم السابقة في الخيل، شرع في بيان ما يتعلق بحكم السير والغزو. * * *

стр. 1611

باب السِّيَر السير، وفي نسخة: أبواب السير وهو بكسر ففتح جمع السيرة بمعنى الطريق، وأصلها حالة السير إلا أنها غلبت في لسان أهل الشرع على المغازي وما يتعلق بها من لوازم الغزاة كآلة الجهاد وغيرها. ٨٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه بلغه عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ما ظهر الغُلُول في قومٍ قطّ إلا ألقى في قلوبهم الرُّعب، ولا فشا الزنا في قومٍ قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نَقَصَ قوم المكيال والميزان إلا قُطع عنهم الرزق، ولا حَكَم قومٌ بغير الحقّ إلا فشا فيهم الدّم، ولا ختر قومٌ العهد إلا سلَّط الله عليهم العدوّ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أنه بلغه وقد رواه أبو عمر بن عبد البر متصل عن ابن عباس ﵁ أنه قال: موقوفًا، حكمه الرفع؛ لأنه لا يقال رأيًا، وقد رواه ابن ماجه وغيره بنحوه عن ابن عباس عن النبي ﷺ بدون الجملة الأولى وهي ما ظهر الغُلُول بضم الغين المعجمة واللام أي: الخيانة في المغنم سمي بذلك؛ لأنه أخذه يغله أي: يخفيه في متاعه، وأجمعوا على أنه من الكبائر قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] في قومٍ قطّ بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة المضمومة ظرف زمان لاستغراق ما مضى، ويختص بالنفي يقال ما فعلته (ق ٨٩١) قط أي: ما فعلته فيما انقطع عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال، والاستقبال ويبنى على الضم لتضمنه معنى مذ وإلى وعلى الحركة لئلا يلتقي ساكنان، فالمعنى ما ظهر الخيانة في قوم في زمان الماضي أصلًا بمال الغنيمة إلا ألقى بصيغة المجهول أي: خلق الله في قلوبهم الرُّعب، بضم الراء وسكون العين المهملة وسكونها أي: الخوف معافاته النقيض قال: المال يقوي القلب فلما

стр. 1612

أخذوه بغير حل خافوا، قال ابن عبد البر: من عدوهم فجبنوا عن لقائهم، فظهر العدو عليهم ثم يحتمل أن ذلك فيمن غل دون من لم يغل ولم يرضو به، وإلا ظهر أنه عام مع القدرة إلى التغيير ولم يفعلوا أو لم تنكره قلوبهم قال تعالى في سورة هود: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٥] ولا فشا أي: ظهر وكثر وانتشر الزنا في قومٍ قط أي: لم ينكر على فاعله إلا كثر فيهم الموت، أي: الوباء. خرج عبد الله بن حميد وأبو جعفر محمد بن الجرير الطبري وغيرهم بإسناد قوي، وأخرج الطبراني من طريق محمد بن إسحاق عن سالم أبي نصر: أن موسى صلوات الله على نبينا وعليه لما نزل في أرض بني كنعان أي: قوم طعم بن باعوراء، وهو رجل مجاب الدعوة وعنده الاسم الأعظم من أسمائه تعالى، فقالوا: بنوا إسرائيل عند بلعم هذا موسى جاء في بني إسرائيل ليخرجنا من بلادنا، فذكروا الفتنة نحوه أي: عند بلعم وأبسطوا الكلام منه وقالوا في الكلام كثيرًا، ثم قال بلعم: لم يبق إلا المكر والحيلة، فأمرهم بأن قال لهم: جملوا النساء وأعطوهن السلاح ثم أرسلوهن إلى العسكر، فإنهن إن زنى رجل منهم كفيتموهم ففعلوا ما أمرهم، فلما دخلت النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له: زمري بن شلوم رأس سبط أي: جماعة، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل حتى وقف على موسى صلوات الله على نبينا وعليه فقال: إني أظنك ستقول هذه المرأة حرام عليك، فقال موسى: أجل هي حرام عليك لا تقربوها وقال الرجل: فوالله لا نطيعك في هذه الباب وأدخلها في قبته فزنى بها فأرسل الله تعالى الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، ورجل قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان فنحاص غائبًا، فجاء وراء الطاعون يحرس ويحيط بني إسرائيل، فأخبر الخبر فأخذ حربته، ثم دخل القبة فانتظمها بحربته وهما متضاجعان، ثم خرج بهما وشرع يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون، فأحصى من هلك من الطاعون فيما بين أن أصاب أمر المرأة إلى أن قتله فنحاص سبعون ألفًا، والمقلل لهم يقول: عشرون ألفًا كما فصلناه في رسالتنا (بركات الأبرار) ولا نَقَصَ قوم المكيال والميزان (ق ٨٩٢) وقال ما أشرفت من الأرض أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام وأولها جهة الحجاز ذات عرق كذا في (القاموس).

стр. 1613

قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز وهو سادس أو خامس الخلفاء الراشدين كتب إلى عامل من عماله أنه بلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث سرية يقول لهم: "أغزوا بسم الله في سبيل الله" أي: ابدؤوا بذكر اسم الله تعالى حال كونكم مخلصًا نياتكم تقاتلون من كفر بالله ولا تختلفوا في المغنم، ولا تتركوا الوفاء بالعهد، ولا تقطعوا بأذن القتلى ولا أنفهم، ولا تقتلوا صبيانًا، وفيه فوائد مجمع عليها وهي: تحريم الغدر، والغلول، وقتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، أو كراهة المثلة وهي قطع الأنف والأذن والشفة، وفيه أيضًا استحباب وصية الإِمام أمراء جيوشه بالتقوى، والرفق وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم وما يحل لهم وما يحرم عليهم وما يكره، وما يستحب كذا قاله الزرقاني (١) عن النووي. والمراد بأهل نجد أهل محارب بها أمره ﷺ أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وتستر في النهار فهجم على حاضر منهم عظم فأحاط بهم وقاتل منهم رجال، فقتل من أشرافهم فغنموا إبلًا كثيرة، وفي رواية لمسلم (٢): أصبنا إبلًا وغنمًا، وذكر أهل السير أنها مائتا بعير وألفا شاة، فكان سهامهم بضم السين المهملة وسكون الهاء جمع سهم أي: نصيب كل واحد اثنا عشر بعيرًا ونفلوا بضم النون وتشديد الفاء المكسورة أي: أعطى للسرية أميرهم بعيرًا بعيرًا، وأعطى كل واحد منهم زيادة علي السهم المستحق له، واختلف الرواة في القسم والتنفيل هل كانا معًا من أمير ذلك الجيش أو من النبي ﷺ وأحدهما من أحدهما؛ فلأبي داود وابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر فخرجت فيها فأصبنا نعمًا كثيرًا وأعطانا أميرنا بعيرًا لكل إنسان، ثم قدمنا على النبي ﷺ فقسم بيننا غنمتين فأصاب كل رجل اثنى عشر بعيرًا، الخمس، وأخرجه أبو داود من طريق شعيب عن أبي جمرة عن نافع عن ابن عمر قال: بعثنا ﷺ في جيش قبل نجد وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيرًا، ونفل أهل السرية بعيرًا فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرًا، وأخرجه ابن عبد البر من هذه الوجه، وقال في روايته: إن ذلك الجيش كان أربعة آلاف أي: الذين خرجت منهم السرية الخمس عشر كما عند ابن سعد وغيره، فظاهر رواية الليث عن مسلم

стр. 1614

أن ذلك صدر من أمير الجيش وأن النبي ﷺ أقر ذلك وأجازه؛ لأنه قال فيه: ولم يغيره النبي ﷺ ، وفي راوية عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع عنده أيضًا: ونفل رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا وهذا يحمل على التقدير فتجتمع الروايتان (ق ٨٩٣) أي: نفسهما أو ما فيهما إلا قُطع عنهم الرزق، أي: البركة فيه أو ضيق عليهم القوة كما في نسخة، عليهم لا أصل الرزق، فلأننا في بين هذا ونحوه كحديث: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" وبين أحاديث: "إن الرزق لا تزيده الطاعة ولا تنقصه المعصية" كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني، يقول الفقير: والمراد بالرزق طيبه وحسنه فإنه مطلقًا، وهو يصرف إلى كماله وهو الطيب والحسن، روى لم يجئ جبريل إلى النبي ﷺ إلا أمره أن يقول: "اللهم ارزقني طيبًا واستعملني صالحًا" كذا أخرجه الترمذي في (النوادر) الرزق الحسن ما يصل إلى صاحبه بلا كد في طلبه وقيل: هو ما وجد غير مترقب ولا محسب ولا مكتسب كذا عرفه السيد الشريف محمد الجرجاني ولا حَكَم قومٌ أي: أئمة قوم بغير الحق أي: بغير ما أنزل الله إلا فشا أي: كثر فيهم الدّم، أي: القتال والفتن التي تقتضي الجراحات بالمحاربة بينهم ولا ختر بفتح الخاء المعجمة والتاء الفوقية المفتوحة ثم راء مهملة مفتوحة أي: لا خدع ولا غدر ولم ينقض قومٌ في زمن الماضي وفي نسخة: قط العهد أي: بعهد الله ورسوله يعني لم يحكموا بكتابه تعالى وبسنة رسوله. قال ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمرو بن محمد بن علي البيضاوي الشيرازي: قيل عهد الله ثلاثة: الأول: عهد أخذه الله تعالى على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته حين أخرجهم من آدم على صورة الذرة بعضها أبيض وبعضها أسود، وانتشروا على يمين آدم ويساره فجعلهم عقلاء فخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِربِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمرهم بالإِيمان ونهاهم عن الكفر، فأقروا له تعالى بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية حيث قالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فكان ذلك منهم إيمانًا حقيقيًا أو حكميًا فهم يولدون على تلك الفطرة. والثاني: عهد أخذه الله على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه. والثالث: عهد أخذه الله على العلماء بأن بينوا الحق ولا يكتمونه ولا يحكمون بغيره، والمراد هنا الأول كذا فصلناه في حاشية تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ

стр. 1615

يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] إلا سلَّط بصيغة المجهول الله عليهم العدوّ جزاء بما اجترحوه من نقص العهد المأمور بالوفاء به. * * * ٨٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سُهْمَانُهم اثنى عشر بعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا. قال محمد: كان النَّفَل لرسول الله ﷺ ؛ يُنَفِّل من الخُمُس أهلَ الحاجة، وقد قال الله : ﴿الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فأما اليومَ فلا نفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخُمُس لمحتاج. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر: ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّةً أي: في شعبان سنة ثمان قبل فتح مكة، وكان أبو قتادة أميرها، السرية بفتح السين وكسر الراء المهملة وتشديد التحتية المفتوحة والفوقية أي: قطعة من الجيش، قيل: هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، وسميت بها لأنها تسير بالليل ويخفى ذهابها كذا قاله السيوطي (١): ولأنها خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء النفيس قِبَلَ بكسر القاف وفتح الموحدة أي: جهة نَجْد، بفتح النون وسكون الجيم والدال المهملة جمع أنجاد بفتح الهمز وسكون النون وبعد الجيم ألف (ق ٨٩٣) ودال. قال النووي: معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي ﷺ فجازت نسبته لكل منهما، كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢). قال محمد: كان النَّفَل بفتحتين وهو الغنيمة لرسول الله ﷺ ؛ أي: خاصة يُنَفِّل من الخُمُس أهلَ الحاجة، وقد قال الله : ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] قال
следующие страницы →