← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

باب السِّيَر السير، وفي نسخة: أبواب السير وهو بكسر ففتح جمع السيرة بمعنى الطريق، وأصلها حالة السير إلا أنها غلبت في لسان أهل الشرع على المغازي وما يتعلق بها من لوازم الغزاة كآلة الجهاد وغيرها. ٨٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه بلغه عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ما ظهر الغُلُول في قومٍ قطّ إلا ألقى في قلوبهم الرُّعب، ولا فشا الزنا في قومٍ قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نَقَصَ قوم المكيال والميزان إلا قُطع عنهم الرزق، ولا حَكَم قومٌ بغير الحقّ إلا فشا فيهم الدّم، ولا ختر قومٌ العهد إلا سلَّط الله عليهم العدوّ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أنه بلغه وقد رواه أبو عمر بن عبد البر متصل عن ابن عباس ﵁ أنه قال: موقوفًا، حكمه الرفع؛ لأنه لا يقال رأيًا، وقد رواه ابن ماجه وغيره بنحوه عن ابن عباس عن النبي ﷺ بدون الجملة الأولى وهي ما ظهر الغُلُول بضم الغين المعجمة واللام أي: الخيانة في المغنم سمي بذلك؛ لأنه أخذه يغله أي: يخفيه في متاعه، وأجمعوا على أنه من الكبائر قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] في قومٍ قطّ بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة المضمومة ظرف زمان لاستغراق ما مضى، ويختص بالنفي يقال ما فعلته (ق ٨٩١) قط أي: ما فعلته فيما انقطع عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال، والاستقبال ويبنى على الضم لتضمنه معنى مذ وإلى وعلى الحركة لئلا يلتقي ساكنان، فالمعنى ما ظهر الخيانة في قوم في زمان الماضي أصلًا بمال الغنيمة إلا ألقى بصيغة المجهول أي: خلق الله في قلوبهم الرُّعب، بضم الراء وسكون العين المهملة وسكونها أي: الخوف معافاته النقيض قال: المال يقوي القلب فلما

стр. 1612

أخذوه بغير حل خافوا، قال ابن عبد البر: من عدوهم فجبنوا عن لقائهم، فظهر العدو عليهم ثم يحتمل أن ذلك فيمن غل دون من لم يغل ولم يرضو به، وإلا ظهر أنه عام مع القدرة إلى التغيير ولم يفعلوا أو لم تنكره قلوبهم قال تعالى في سورة هود: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٥] ولا فشا أي: ظهر وكثر وانتشر الزنا في قومٍ قط أي: لم ينكر على فاعله إلا كثر فيهم الموت، أي: الوباء. خرج عبد الله بن حميد وأبو جعفر محمد بن الجرير الطبري وغيرهم بإسناد قوي، وأخرج الطبراني من طريق محمد بن إسحاق عن سالم أبي نصر: أن موسى صلوات الله على نبينا وعليه لما نزل في أرض بني كنعان أي: قوم طعم بن باعوراء، وهو رجل مجاب الدعوة وعنده الاسم الأعظم من أسمائه تعالى، فقالوا: بنوا إسرائيل عند بلعم هذا موسى جاء في بني إسرائيل ليخرجنا من بلادنا، فذكروا الفتنة نحوه أي: عند بلعم وأبسطوا الكلام منه وقالوا في الكلام كثيرًا، ثم قال بلعم: لم يبق إلا المكر والحيلة، فأمرهم بأن قال لهم: جملوا النساء وأعطوهن السلاح ثم أرسلوهن إلى العسكر، فإنهن إن زنى رجل منهم كفيتموهم ففعلوا ما أمرهم، فلما دخلت النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له: زمري بن شلوم رأس سبط أي: جماعة، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل حتى وقف على موسى صلوات الله على نبينا وعليه فقال: إني أظنك ستقول هذه المرأة حرام عليك، فقال موسى: أجل هي حرام عليك لا تقربوها وقال الرجل: فوالله لا نطيعك في هذه الباب وأدخلها في قبته فزنى بها فأرسل الله تعالى الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، ورجل قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان فنحاص غائبًا، فجاء وراء الطاعون يحرس ويحيط بني إسرائيل، فأخبر الخبر فأخذ حربته، ثم دخل القبة فانتظمها بحربته وهما متضاجعان، ثم خرج بهما وشرع يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون، فأحصى من هلك من الطاعون فيما بين أن أصاب أمر المرأة إلى أن قتله فنحاص سبعون ألفًا، والمقلل لهم يقول: عشرون ألفًا كما فصلناه في رسالتنا (بركات الأبرار) ولا نَقَصَ قوم المكيال والميزان (ق ٨٩٢) وقال ما أشرفت من الأرض أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام وأولها جهة الحجاز ذات عرق كذا في (القاموس).

стр. 1613

قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز وهو سادس أو خامس الخلفاء الراشدين كتب إلى عامل من عماله أنه بلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث سرية يقول لهم: "أغزوا بسم الله في سبيل الله" أي: ابدؤوا بذكر اسم الله تعالى حال كونكم مخلصًا نياتكم تقاتلون من كفر بالله ولا تختلفوا في المغنم، ولا تتركوا الوفاء بالعهد، ولا تقطعوا بأذن القتلى ولا أنفهم، ولا تقتلوا صبيانًا، وفيه فوائد مجمع عليها وهي: تحريم الغدر، والغلول، وقتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، أو كراهة المثلة وهي قطع الأنف والأذن والشفة، وفيه أيضًا استحباب وصية الإِمام أمراء جيوشه بالتقوى، والرفق وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم وما يحل لهم وما يحرم عليهم وما يكره، وما يستحب كذا قاله الزرقاني (١) عن النووي. والمراد بأهل نجد أهل محارب بها أمره ﷺ أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وتستر في النهار فهجم على حاضر منهم عظم فأحاط بهم وقاتل منهم رجال، فقتل من أشرافهم فغنموا إبلًا كثيرة، وفي رواية لمسلم (٢): أصبنا إبلًا وغنمًا، وذكر أهل السير أنها مائتا بعير وألفا شاة، فكان سهامهم بضم السين المهملة وسكون الهاء جمع سهم أي: نصيب كل واحد اثنا عشر بعيرًا ونفلوا بضم النون وتشديد الفاء المكسورة أي: أعطى للسرية أميرهم بعيرًا بعيرًا، وأعطى كل واحد منهم زيادة علي السهم المستحق له، واختلف الرواة في القسم والتنفيل هل كانا معًا من أمير ذلك الجيش أو من النبي ﷺ وأحدهما من أحدهما؛ فلأبي داود وابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر فخرجت فيها فأصبنا نعمًا كثيرًا وأعطانا أميرنا بعيرًا لكل إنسان، ثم قدمنا على النبي ﷺ فقسم بيننا غنمتين فأصاب كل رجل اثنى عشر بعيرًا، الخمس، وأخرجه أبو داود من طريق شعيب عن أبي جمرة عن نافع عن ابن عمر قال: بعثنا ﷺ في جيش قبل نجد وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيرًا، ونفل أهل السرية بعيرًا فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرًا، وأخرجه ابن عبد البر من هذه الوجه، وقال في روايته: إن ذلك الجيش كان أربعة آلاف أي: الذين خرجت منهم السرية الخمس عشر كما عند ابن سعد وغيره، فظاهر رواية الليث عن مسلم

стр. 1614

أن ذلك صدر من أمير الجيش وأن النبي ﷺ أقر ذلك وأجازه؛ لأنه قال فيه: ولم يغيره النبي ﷺ ، وفي راوية عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع عنده أيضًا: ونفل رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا وهذا يحمل على التقدير فتجتمع الروايتان (ق ٨٩٣) أي: نفسهما أو ما فيهما إلا قُطع عنهم الرزق، أي: البركة فيه أو ضيق عليهم القوة كما في نسخة، عليهم لا أصل الرزق، فلأننا في بين هذا ونحوه كحديث: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" وبين أحاديث: "إن الرزق لا تزيده الطاعة ولا تنقصه المعصية" كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني، يقول الفقير: والمراد بالرزق طيبه وحسنه فإنه مطلقًا، وهو يصرف إلى كماله وهو الطيب والحسن، روى لم يجئ جبريل إلى النبي ﷺ إلا أمره أن يقول: "اللهم ارزقني طيبًا واستعملني صالحًا" كذا أخرجه الترمذي في (النوادر) الرزق الحسن ما يصل إلى صاحبه بلا كد في طلبه وقيل: هو ما وجد غير مترقب ولا محسب ولا مكتسب كذا عرفه السيد الشريف محمد الجرجاني ولا حَكَم قومٌ أي: أئمة قوم بغير الحق أي: بغير ما أنزل الله إلا فشا أي: كثر فيهم الدّم، أي: القتال والفتن التي تقتضي الجراحات بالمحاربة بينهم ولا ختر بفتح الخاء المعجمة والتاء الفوقية المفتوحة ثم راء مهملة مفتوحة أي: لا خدع ولا غدر ولم ينقض قومٌ في زمن الماضي وفي نسخة: قط العهد أي: بعهد الله ورسوله يعني لم يحكموا بكتابه تعالى وبسنة رسوله. قال ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمرو بن محمد بن علي البيضاوي الشيرازي: قيل عهد الله ثلاثة: الأول: عهد أخذه الله تعالى على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته حين أخرجهم من آدم على صورة الذرة بعضها أبيض وبعضها أسود، وانتشروا على يمين آدم ويساره فجعلهم عقلاء فخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِربِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمرهم بالإِيمان ونهاهم عن الكفر، فأقروا له تعالى بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية حيث قالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فكان ذلك منهم إيمانًا حقيقيًا أو حكميًا فهم يولدون على تلك الفطرة. والثاني: عهد أخذه الله على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه. والثالث: عهد أخذه الله على العلماء بأن بينوا الحق ولا يكتمونه ولا يحكمون بغيره، والمراد هنا الأول كذا فصلناه في حاشية تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ

стр. 1615

يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] إلا سلَّط بصيغة المجهول الله عليهم العدوّ جزاء بما اجترحوه من نقص العهد المأمور بالوفاء به. * * * ٨٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سُهْمَانُهم اثنى عشر بعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا. قال محمد: كان النَّفَل لرسول الله ﷺ ؛ يُنَفِّل من الخُمُس أهلَ الحاجة، وقد قال الله : ﴿الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فأما اليومَ فلا نفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخُمُس لمحتاج. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر: ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّةً أي: في شعبان سنة ثمان قبل فتح مكة، وكان أبو قتادة أميرها، السرية بفتح السين وكسر الراء المهملة وتشديد التحتية المفتوحة والفوقية أي: قطعة من الجيش، قيل: هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، وسميت بها لأنها تسير بالليل ويخفى ذهابها كذا قاله السيوطي (١): ولأنها خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء النفيس قِبَلَ بكسر القاف وفتح الموحدة أي: جهة نَجْد، بفتح النون وسكون الجيم والدال المهملة جمع أنجاد بفتح الهمز وسكون النون وبعد الجيم ألف (ق ٨٩٣) ودال. قال النووي: معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي ﷺ فجازت نسبته لكل منهما، كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢). قال محمد: كان النَّفَل بفتحتين وهو الغنيمة لرسول الله ﷺ ؛ أي: خاصة يُنَفِّل من الخُمُس أهلَ الحاجة، وقد قال الله : ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] قال

стр. 1616

أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية هو أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "من أتى مكان كذا فله من النفل كذا، ومن قتل قتيلًا فله كذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا"، فلما التقوا سارع إليه الشبان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الريان، فلما فتح الله على المسلمين جاؤوا يطلبون ما جعل لهم النبي ﷺ فقال الأشياخ كن ردًا لكم ولو انهزمتم لانحرفتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخوتي مسلمة، فقال: يا رسول الله إنك وعدت أن من قتل قتيلًا فله كذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا، فإنا قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين، فقام سعد بن معاذ فقال: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء إزهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو ولكن كرهنا أن يعرى مصارفك فتعطف عليه وعليهم خيل من المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول الله ﷺ وقال سعد: يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك فإن تعطي هؤلاء الذين ذكرت لا يبقى لأصحابك كثير شيء، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فقسمه رسول الله ﷺ فأما اليومَ فلا نفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخُمُس لمحتاج. وفي تفسير البغوي قال مجاهد وعكرمة والسدي: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] كانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ فنسخها الله بالخمس. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة أي: الحكم فيها لله والرسول، وقد بين الله مصارفيها في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالسير والغزاة، شرع في بيان ما يتعلق بحال الرجل يعطي له في طريق الفرد شيء. * * * باب الرجل يعطي الشيء في سبيل الله في بيان ما يتعلق بحال الرجل يعطي بصيغة المجهول الشيء في سبيل الله أي: في طريق الغزو، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق هو اللازم والملزوم فتأمل.

стр. 1617

٨٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه سئل عن الرجل يُعطي الشيء في سبيل الله، قال: إذا بلغ رأس مغزاته فَهو له. قال محمد: هذا قول سعيد بن المسيب، وقال ابن عمر: إذا بلغ وادي القُرى فهو له، وقال أبو حنيفة وغيره من فقهائنا: إذا دفعه إليه صاحبه فهو له. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة عن سعيد بن (ق ٨٩٤) المسيَّب لات حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى، من طبقات التابعين من أهل المدينة ومن كبار علمائها، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كذا قاله الحافظ العسقلاني أنه سئل عن الرجل يُعطي بصيغة المجهول الشيء في سبيل الله، أي: في طريق الغزو قال: إذا بلغ أي: الرجل رأس مغزاته بفتح الميم والعين المعجمة فزاء ثم ألف وفوقية موضع الغزو فَهو أي: المال المعطى له أي: ثبت له ملكًا وفيه حل ذلك المغازي وإن كان غنيًا فليس كالصدقة. قال محمد: هذا أي: كون الرجل مالكًا بما أعطى له إذا بلغ موضع الغزو قول سعيد بن المسيب، وقال ابن عمر: إذا بلغ وادي القُرى بضم القاف وفتح الراء المهملة المقصورة موضع بقرب المدينة؛ لأنه رأس الغزاة فمنه يدخل إلى أول الشام فهو ما أعطى له، يعني إنه ملك له، وإنما قال: إذا بلغ ورأى القرى خيفة أن يرجع المعطي فلف المعطية ولم يبلغ صاحبه مراده فيها، فإذا بلغ الوادي كان أغلب أحواله أن لا يرجع حتى يغزو وقال أبو حنيفة وغيره من فقهائنا: أي: نحن معشر أهل الكوفة إذا دفعه إليه صاحبه أي: وقبضه الآخر فهو له. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يعطي الشيء في طريق الغزو، شرع في بيان إثم الخوارج وفضل أهل السنة والجماعة، فقال: هذا * * *

стр. 1618

باب إثم الخوارج وما في لزوم الجماعة من الفضل في بيان إثم الخوارج، جمع الخارج وهم فرقة من سبعين فرقة من الفرق الإِسلامية يخرجون في زمان الصحابة والتابعين وأتباع التابعين إلى يوم القيامة على الإِمام الحق، اتفق المسلمون على إمامته لقصدهم عزله عن إمامته وسبب إثمهم إكفارهم المسلمين المرتكبين الكبيرة، فإنهم نسبوا عليًا ﵁ إلى الكفر، وخرجوا عليه بنهروان، وهم اثنى عشر ألف رجل فدعاهم إلى الطاعة له فأبوا وقتلهم جميعًا إلا عشر رجال ثم توالدوا وتكاثروا كما في (الملل والنحل) للشهرستاني، وإضافة الإِثم إلى الخوارج من قبيل إضافة الحال إلى محلها، وما في لزوم الجماعة من الفضل أي: وبيان فضل من استقر في مذهب أهل السنة والجماعة. وذلك أنه قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى لأستاذه أبي علي الجبائي: ما تقول في ثلاثة إخوة الأول مطيع والثاني عاص والثالث صبي فقال: الأول يثاب بالجنة والثاني يعاقب والثالث لا يثاب ولا يعاقب. وقال الأشعري: فإن قال الثالث: يا رب لم أمتني صبيًا وما أبقيتني إلى أن أكبر فأومن بك وأطيعك فأدخل الجنة، فقال علي الجبائي: يقول الرب: إن كنت أعلم منك إنك لو (ق ٨٩٥) كبرت لعصيت فدخلت النار فكان الأصلح لك أن تموت صبيًا. قال الأشعري: فإن قال الثاني لله: لم تمتني صبيًا لئلا أعطي فلا أدخل النار ماذا يقول الرب، فبهت الجبائي، وترك الأشعري مذهبه واشتغل وهو ومن تابعه بإبطال رأي المعتزلة وإثبات ما وردت به السنة ومضى عليه الجماعة، فسموا أهل السنة والجماعة كذا قال سعد الدين التفتازاني في (شرح العقائد). ٨٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: أنه سمع أبا سعيد الخُدْري يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يخرج فيكم قومٌ تَحْقرون صلاتكم مع صلاتهم، وأعمالَكم مع أعمالهم، يقرؤُون القرآن لا يجاوز حَنَاجِرَهم، يَمْرُقون من الدِّين مُرُوقَ السهم

стр. 1619

من الرَّميَّة، تنظر في النصل، فلا ترى شيئًا، تنظر في القِدْح، فلا ترى شيئًا، تنظر في الرّيش، فلا ترى شيئًا، فتَتمارى في الفُوق". قال محمد: وبهذا نأخذ، لا خير في الخروج، ولا ينبغي إلا لزوم الجماعة. • أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، وقد سبق طبقته آنفًا عن محمد بن إبراهيم، بن الحارث بن خالد الغيمي، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة له أفراد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن: بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين أنه سمع أبا سعيد الخُدْري اسمه سعيد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يخرج فيكم أي: فيما بينكم أيها الأمة قومٌ أي: هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁ يوم النهروان فقتلهم فهم أصل الخوارج، وأول خارجة خرجت إلا أن منهم طائفة كانت ممن قصر المؤمنين يوم الدار في قتل عثمان ﵁، وسموا خوارج من قوله يخرج كذا قاله في (التمهيد) تَحْقِرون بكسر القاف أي: تستقلون أيها المؤمنون صلاتكم مع صلاتهم، وفي نسخة: يحقرون بصيغة الجمع الغائب أي الخوارج وأعمالَكم مع أعمالهم، أي: لكمال مبالغتهم في تحسين الأعمال الظاهرة، وهو من قبيل عطف العام على الخاص كقوله تعالى في سورة نوح: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] يقرءُون القرآن أي: آناء الليل والنهار. وفي رواية للبخاري: "يتلون كتاب الله رطبًا" أي: لمواظبتهم على تلاوته، فلا يزال لسانهم رطبًا بها أو هن من تحسين الصوت بها لا يجاوز أي: ثواب قراءتهم أو جميع طاعتهم حَنَاجِرَهم، جمع حنجرة، وهي الحلقوم، والمعنى أنه لا يقبلها ولا يرفعها كأنها لم تجاوز حلقومهم، أو أنهم لا يعلمون بالقرآن فلا يثابون على قرائته، فلا يحصل لهم غير مجرد القراءة، وهذا المعنى ظاهر في علماء زماننا فإنهم يدعون بأن يقولون: نحن من أهل السنة والجماعة، ويقولون ما لا يفعلون ويقرؤون القرآن ولا يجاوز

стр. 1620

قلوبهم القاسية؛ فإن منهم (ق ٨٩٦) يقرؤون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] ثم يميلونهم ويحبونهم ويترددون أبوابهم ويجالسون معهم ويصدقونهم فيما يكذبون ويأكلون طعامهم كما تأكل الأنعام، ومنهم منٍ يقرؤون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ثم يأكلون أموالهم، ومنهم من يقرؤون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي آية أخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ثم يحملون بغير ما أنزل الله ومنهم يقرؤون قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢] ويرون الفتوى في (خلاصة الفتاوى) من ألقى الفتوى إلى الأرض كفر ثم يجالسون مجالس الدرس لتعليمهم المتعلمين ويلقون كتبهم في الأرض تساهلًا وعدم مبالاتهم بها، وهي لا تخلوا من آية قرآنية كيف يكون حالهم يوم يقوم الناس لرب العالمين؟ فيجب على المؤمنين كلهم أن يعظموا القرآن بأنواع التعظيم، منها أن يرفعوا عند قراءتهم وتعليمهم وتعلمهم حذاء صدورهم لروائها وقال الله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] ويخاف عليهم أن ينزع القرآن والذين عن قلوبهم إن لم يعملوا بما قرؤوا كما قال ﷺ : "يَمْرُقون بضم الراء أي: يخرجون سريعًا من الدِّين أي: عن طاعة الإِمام، وقيل: المراد بالدين الإِسلام فهو حجة لمن كفر الخوارج كما روى البخاري: "يمرقون من الإسلام"، وقيل: المراد بالدين الطاعة فلا حجة فيه بكفرهم. قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بالدين الإِسلام كما مر وخرج الكلام مخرجًا الزجر وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإِسلام الكامل مُرُوقَ السهم بالنصب أي: كخروجه من الرَّميَّة، بفتح الراء المهملة وكسر الميم وفتح التحتية المشددة أي: صيد البرية ينظر أي: الرامي وفي نسخة: تنظر بصيغة المفرد المخاطب أي: أيها الرامي في النصل، بفتح النون وسكون الصاد المهملة فلام أي: الحديدة التي في آخر السهم فلا يرى شيئًا، أي: من أثر الدم، وفي نسخة: فلا ترى بالفوقية خطاب للرامي يخظر في القِدْح، بكسر القاف وسكون الدال المهملة وحاء فمهملة أصل السهم وقده فلا يرى شيئًا، أي: وقيه،

стр. 1621

وفي نسخة: تنظر في القدح فلا ترى بالفوقية فيها ينظر في الرّيش، أي: ريش السهم المركب عليه فلا يرى شيئًا، أي: من أثر الدم، وفي نسخة: فلا ترى بالفوقية وتَتمارى بفتح الفوقية أي: تشاكل أي: أيها الرامي، وفي نسخة: فتتمارى بالفاء بدل الواو في الفُوق بضم الفاء موضع الوتر من السهم، أي: تشكل هل علق بريش من الدم. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ لا خير في الخروج، أي: على الإِمام ولا في أصحابه من الخوارج ولا ينبغي أي: ولا يحل إلا لزوم الجماعة أي: وقبول الحاكم (ق ٨٩٧) المولي بالسمع والطاعة درءًا لفتح باب الفتنة وما يترتب عليه من أسباب المحنة. * * * ٨٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ حَمَلَ علينا السلاح فليس منا". قال محمد: من حمل السلاح على المسلمين فاعْتَرَضَهم به لقتْلهم، فمن قتله فلا شيء عليه، لأنه أحلَّ دمه باعتراضه الناسَ بسيفه. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ حَمَلَ علينا السلاح بكسر السين أي: آلات الحرب فليس منا" أي: من أهل شريعتنا والحديث رواه أحمد والشيخان وابن ماجه عن ابن عمر أيضًا. قال محمد: من حمل السلاح على المسلمين فاعْتَرَضَهم به أي: بحمله لقتْلهم، أي: لقتالهم فمن قتله أي: ثم قتله الآخر لدفعه فلا شيء عليه، أي: لا دية ولا قصاص على قاتله لأنه أحلَّ دمه باعتراضه الناسَ بسيفه وأصله قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 1622

الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]. * * * ٨٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: ألا أخبركم وأحدّثكم بخيرٍ من كثير من الصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاحُ ذات البَيْن، وإياكم والبِغْضَة فإنها هي الحالقة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: قال: ثنا مالك أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول ألا: بفتح الهمزة واللام المخففة حرف تنبيه أخبركم وأحدّثكم شك من الراوي أي: ألا أعلمكم كما في نسخة بخيرٍ من كثير من الصلاة والصدقة؟ أي: النافلين قالوا: بلى، زاد يحيى: يا رسول الله قال: إصلاحُ ذات البَيْن، وليحيى: صلاح ذات البين، وفي نسخة: من صلح ذات البين. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: صلاح الحال التي بين الناس وإنها خير من النوافل كذا ذكره السيوطي، في (المغرب) قوله: إصلاح ذات البين أي: الأحوال التي بينهم وإصلاحها بالتعهد والتفقد، ولما كانت ملابسة البين وصفت به فقيل لها: ذات البين كما قيل للإِسرار: ذات الصدور لذلك وإياكم أي: حذروا أنفسكم والبِغضَة بكسر الموحدة، والبغضة سواء ذات البين بقرينة المقابلة فإنها هي الحالقة أي: للدين كما في رواية، والمعنى إنها الهالكة المهلكة كحلق الشعر والمراد أنها لا تبقى شيئًا من الحسنات حتى يذهب بها، كما يذهب الحلق بالشعر من الرأس ويتركه عاريًا لا شيء عليه ولا ساتر لديه. هذا حديث مقطوع؛ لأنه قول التابعي ولكنه مرفوع في رواية أخرى كما روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁: وسواء ذات البين فإنها الحالقة. كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحال الخوارج، شرع في بيان ما يتعلق بقتل النساء من الكفار الحربيين، فقال: هذا * * *

стр. 1623

باب قتل النساء في بيان ما يتعلق بقتل النساء أي: المحاربات، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الخروج على المسلمين بقصد الفتنة والقتل. ٨٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يُقتل في شيءٍ من المغازي امرأة، ولا شيخٍ فانٍ، إلا أن تُقَاتِل المرأة فَتُقْتَل. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه بفتح الميم أي: أماكن غزوه فتح مكة كما في (أوسط) الطبراني امرأة أي: لم تسم مقتولة، فأنكر ذلك، أي: ما وقع هنالك فقال: "ما كانت هذه تقاتل" ونهى عن قتل النساء أي: لضعفهن عن القتال (ق ٨٩٨) والصبيان أي: لقصورهم عن فعل الكفر لما في إبقائهم جميعًا من الانتفاع بالمسلمين، إما بالرق وبالفداء فيمن أن يجوز أن يفادى به، وقد اتفق الجميع - كما نقل عن ابن بَطَّال وغيره - على منع القصد إلى قتل النساء والصبيان، وحكى الحازمي قولًا بجواز قتلهما على ظاهر حديث الصعب بن جثامة بأحاديث النهي. روى الأئمة الستة (١) عن الصعب بن جثامة قال: سئل رسول الله ﷺ عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم ونواديهم، قال: "هم منهم"، وفي ابن حبان عن الصعب بن جثامة أنه السائل، والأولى الجمع بين الحديثين بأن معنى قوله: "هم منهم" أي: في الحكم في تلك الحالة المسؤول عنها، وهي ما إذا لم يكن الوصول إلى قتل الرجال إلا ذلك وقد خيف على المسلمين، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم لم يمتنع ذلك وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم مع القدرة على تركه جمعًا بينهما بدون دعوى نسخ. كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢).

стр. 1624

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هذا إلا بما رواه ابن عمر عن رسول الله ﷺ لا ينبغي أي: لا يحل أن يُقتل في شيءٍ من المغازي وهو أعم من أن يكون في غزو الكفار أو الخوارج الفجار صبي ولا امرأة، ولا شيخٍ فانٍ، إلا أن تُقَاتِل المرأة فَتُقْتَل كذا في النسخ الكثير، وكذا إذا كانت المرأة ملكة والصبي ملكًا في إبقائهما خوف الفتنة فيقتلان وإلا فلا، بل يسترقان وفيهما منفعة للمسلمين والله أعلم. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم نساء الكفار الحربيين وصبيانهم وشيوخهم الفاني، شرع في بيان حكم المرتد، فقال: هذا * * * باب المرتد في بيان ما يتعلق بحكم الرشد، وهو في اللغة هو: الراجع مطلقًا، وفي الشرع: هو الراجع عن دين الإِسلام، ولكن الردة إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد الإِيمان، وشرائط صحة الردة: العقل والطوع، فلا تصح ردة المجنون ولا الصبي الذي لا يعقل، ولا تصح عن المكره عليها، من ارتد - العياذ بالله تعالى - عرض عليه الإِسلام وتكشف شبهته ويحبس ثلاثة أيام، إن استهل فإن أسلم فهو المقصود وإلا قتل، كذا قاله الفاضل محمد بن عبد الله التمرتاشي في (منح الغفار)، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق القتل بسبب إهانة الإِسلام. ٨٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاريُّ، عن أبيه، قال: قدم رجل على عمر بن الخطاب من قِبَل أبي موسى، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال: هل عندكم من مُغْربَة خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ماذا فعلتم به؟ قالوا: قَرّبنَاهُ فضربنا عُنُقَه، قال: عمر: فهلا طَبَّقْتم عليه بيتًا - ثلاثًا - وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه، لعله

стр. 1625

يتوب ويرجع إلى أمر الله، اللهم إني لم آمر ولم أحضر ولم أرْض إذ بلغني. قال محمد: إن شاء الإِمام أخَّر المرتد ثلاثًا، إن طمع في توبته أو سأله ذلك المرتد، وإن لم يطمع في ذلك لم يسأله المرتد فقتله فلا بأس بذلك كله. أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد بالتنوين القاريُّ، بتشديد التحتية نسبة إلى قارة بطن من خزيمة بن مدركة المدني، عامله عمر بن الخطاب على بيت المال يقال: إنه رأى النبي ﷺ ، وذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة: له صحبة، وقال تارة: تابعي، مات سنة ثمان وثمانين كذا قاله الزرقاني عن أبيه، قال: قدم رجل على عمر بن الخطاب ﵁ من قِبَل بكسر القاف وفتح الموحدة (ق ٨٩٩) أي: من جانب أبي موسى، أي: الأشعري من اليمن فسأله أي: عمر عن الناس، أي: عن أحوالهم فأخبره، ثم قال: أي: عمر هل عندكم من مُغْربَة خبر؟ بضم الميم وكسر الراء المهملة مضاف إلى قضية عربية من الخبر قال: نعم، وليحيى قال له عمر: هل كان فيكم من مغربة خبر؟ فقال: نعم رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ماذا أي: أي شيء فعلتم به؟ قالوا: قَرّبْنَاهُ بتشديد الراء أي: أحضرناه فضربنا عُنُقَه، قال: عمر: فهلا طَبَّقتم بتشديد الموحدة أي: لم أغلقتم عليه بيتًا - ثلاثًا - أي: ثلاث ليال، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى قال عمر: فلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، أي: قطعة خبز واستتبتموه، أي: فطلبتم منه توبة لعله يتوب أي: حال كونه، راجيًا أن يتوب عن كفره ويجدد الشهادة ويتبرأ عن كل دين سوى دين الإسلام ويرجع أي على وجه المبالغة إلى أمر الله، أي: دينه وهو الإِسلام قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: قال عمر: اللهم أي: يا الله إني لم آمر ولم أحضر ولم أرْض إذ بلغني أي: فلا تؤاخذني بما فعله بعض أمرائي من غير رضائي. قال محمد: إن شاء الإِمام أخَّر المرتد ثلاثًا، إن طمع في توبته أي: ويعرض عليه الإِسلام على سبيل الندب دون الوجوب؛ لأن الدعوة قد بلغته وهو لمالك والشافعي وأحمد أو سأله ذلك المرتد، أي: أو استمهله، فإن تاب فهو المقصود وإلا قتل. وقال محمد في (النوادر): عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يستحب أن يؤجل ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب وإن لم يطمع أي: الإِمام في ذلك أي: في دعوة الإِسلام ولم

стр. 1626

يسأله المرتد أي: لم يستمهله فقتله فلا بأس بذلك كله وفي أصح قولي الشافعي: إن تاب في الحال وإلا قتل، وهو اختيار ابن المنذر. وقال سفيان الثوري: يستتاب ما رجى عوده. وقال الزهري: يدعى ثلاثًا فإن أبى قتل، وفي (المبسوط): وإن ارتد ثانيًا وثالثًا وكذلك يستتاب. قال أكثر أهل العلم: لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقال مالك: وأحمد والليث: وهو رواية عن أبي يوسف: لا يستتاب من يكرر منه ذلك الزنديق لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]. ولنا في الزنديق روايتان: رواية لا يقبل توبة كقولك، وفي رواية: تقبل كقول الشافعي، والخلاف في حق أحكام الفتيا، وأما فيما بينه وبينه تعالى فيقبل بلا خلاف في سورة النساء في حق المنافقين: ﴿الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] والآية التي استدلوا بها إنما هي في حق من ازداد كفرًا لا في حق من أمن وأظهر التوبة. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم المرتد، شرع في بيان ما يتعلق بحكم لبس الحرير للذكر، فقال: هذا * * * باب ما يُكره من لبس الحرير والديباج في بيان حكم ما يكره أي: تحريمًا من لبس الحرير والديباج وهو ثوب غليظ من الحرير ويقال له في اللسان الفارسي: (ديبا)، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى يجعل صاحبه ذليلًا، وإنما قال: يكره ولم يقل: يحرم؛ لأنه لم يثبت حرمته بدليل قطعي كما قاله علي القاري.

стр. 1627

٨٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله ﷺ ، ورأى حُلَّةً سِيَراءَ تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه الحُلَّة فلبستها يوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك؟ قال: "إنما يلبس هذه من لا خَلاق له في الآخرة"، ثم جاء رسول الله ﷺ منها حُلل فأعطى عمر منها حُلَّة، فقال: يا رسول الله كَسَوْتنيها، وقد قُلْتَ في حُلَّةٍ عُطَارِدٍ ما قلْتَ؟ قال: "إني لم أَكْسُكَها لتلبسها"، فكساها أخًا له من أمه مُشركًا بمكة. قال محمد: لا ينبغي للرجل المسلم أن يلبس الحرير والديباج والذهب، كل ذلك مكروه للذكور من الصغار والكبار، ولا بأس به للإِناث، ولا بأس أيضًا بالهديَّة للمشرك المحارب؛ ما لم يُهْدَ إليه سلاحٌ أو كُرَاع، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرسول الله ﷺ : ورأى أي والحال أن عمر قد رأى حُلَّةً سِيَراءَ بالإِضافة وتركها على الصفة أو على التمييز، والحلة ثوبان مخيطان من الوجه والحَشو إذا ورد؛ كذا قاله السيوطي، والسيراء بكسر السين المهملة وفتح التحتية وبالراء، والمد. قال مالك: أي: حرير، وقال الأصمعي: ثياب فيه خطوط من حرير أو قز، وإنما قيل فيها سيراء لسير الخطوط فيها وقيل: حرير خالص. قال عياض وابن قرقول: ضبطناه على المتقنين حلة سيراء بالإِضافة، كما يقال: ثوب خز وعن بعضهم بالتنوين على الصفة أو البدل، وقيل: وعليه أكثر المحدثين، قال الخطابي: يقال: حلة سيراء كما يقال: ناقة عشرة أشهر إلى ولادتها فسميت عشراء، وكذلك الحلة سميت سيراء؛ لأنها مأخوذة من السيور هذا وجه التشبيه تباع عند باب

стр. 1628

المسجد، النبوي، ولمسلم عن جرير بن حازم عن نافع عن ابن عمر: رأى عمر عطارد التميمي تعمم حلة بالسوق، وكان رجلًا يغشى الملوك ويصيب منهم فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه الحُلَّة فلبستها يوم الجمعة أي: فإنه محضر الجمع العظيم وللوفود وفي (الموطأ) لمالك: وللوفد وهو بفتح الواو وسكون الفاء والدال، قوم جاؤوا على السلطان بطريق الرسالة من جانب ملك آخر إذا قدموا عليك؟ لكان حسنًا ويجوز أن يكون كلمة "لو" للتمني. وفي رواية للبخاري: فلبستها للعيد وللوفد، وللنسائي: وتجملت بها للوفود والعرب إذا أتوك وإذا خطبت للناس يوم العيد وغيره قال: أي: ﷺ "إنما يلبس هذه أي: الحلة، وفي رواية جرير: إنما يلبس الحرير من لا خَلاق أي: لا نصيب له أي: من الخير في الآخرة"، وفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر مرفوعًا: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" (١) وهو خرج على سبيل التغليظ، وإلا فالمؤمن العاصي لا بد من دخول الجنة فله فيها ما يشتهيه كما أن عمومه مخصوص بالرجال لقيام الأدلة على إباحة الحرير للنساء ثم جاء أي: رسول الله ﷺ منها أي: من جنس تلك الحلة السيراء حُلل فاعل جاء فأعطى أي: النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ منها حُلَّة، أي: بعث بها إليه كما في رواية البخاري، ولمسلم من رواية جرير: وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى علي بن أبي طالب حلة فقال أي: عمر كما في (الموطأ) لمالك يا رسول الله كَسَوْتنيها، بحذف همزة الاستفهام أي: أكسوتنيها، كما وجدت في (الموطأ) لمالك (ق ٩٠١) يعني: أجوزتني أن أكسوها. وفي رواية جرير: فجاء عمر بحلته يحملها فقال: بعثت إلي بهذه وقد أي: والحال أنك قُلْتَ في حُلَّة عُطَارِدٍ بضم العين المهملة والطاء المهملة فألف وراء مهملة مكسورة فدال مهملة، وهو ابن حاجب بن زارة بن عدي التيمي الدارمي وفد في بني تميم وأسلم وحسن إسلامه وله صحبة ما قلْتَ؟ إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة قال أي: رسول الله ﷺ : "إني لم أَكْسُكَها أي: لم أجوز لك لتلبسها"، بل أعطيتها لك لتنتفع بقيمتها أو لتعطي بمن لم يحرم عليه لبسها فكساها عمر أخًا له أي: كائنًا له من أمه مُشركًا

стр. 1629

بمكة أي: كائنًا بمكة أعطاها إياه. قال محمد: لا ينبغي أي: لا يحل للرجل المسلم أي: العاقل أن يلبس الحريري والديباج والذهب، وكذا الفضة إلا ما استثنى كل ذلك مكروه أي: حرام للذكور من الصغار فيه خلافًا والكبار، ولا بأس أي: لا كراهة به أي: بلبس الحرير وغيره للإِناث، أي: كبارهن وصغارهن ولا بأس أي: لا ضرر أيضًا أي: كما لا حرمة بلبس الحرير لصغار المؤمنات وكبارهن بالهديَّة إلى المشرك المحارب؛ وفي نسخة: للمشرك باللام بدل إلى لكنها لغيرها أولى ما لم يُهدَ إليه سلاحٌ أي: آلة حرب أو درع، أي: آلة الحفظ، وهو قميص من حديد يلبس عند المحاربة تحصنًا به من السهام والسيف، وفي نسخة: أو كراع بضم الكاف وفتح الراء المهملة فألف وعين مهملة، اسم جنس يشمل الخيل والحمير والبغال، وهو آلة الحرب، فيكره للمسلم أن يباع آلة الحرب ويهديها للحربي؛ لأنها تؤدى إلى خروجهم على أهل الإِسلام وطغيانهم، وكلمة "أو" للتنويع لا للشك، وهو أي: عدم جواز لبس الحرير لذكور المؤمنين وإهداء الحربي للحربي وجوازهما لغيرهما قولُ أي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: من أهل الكوفة، من أتباع أبي حنيفة. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم لبس الحرير لذكور المسلمين، شرع في بيان ما يتعلق بلبس الخاتم من ذهب، فقال: هذا * * * باب ما يكره من التختم بالذهب في بيان حكم ما يكره أي: تحريمًا من التختم بالذهب أي: في حق ذكور المؤمنين، ووجه المناسبة بين الباب وبين الباب السابق حرمة لبس الحرير والذهب لذكور المؤمنين محمد قال: ٨٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب، فقام رسول الله ﷺ فقال: "إني كنتُ ألبس

стр. 1630

هذا الخاتم"، فنبذه، وقال: "والله لا ألبسه أبدًا"، قال: فنبذ الناس خواتيمهم. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي للرجل أن يتختم بذهبٍ ولا حديد ولا صُفْر، ولا يتختم إلا بالفضة، فأما النساء فلا بأس بتختم الذهب لهن. • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم أي: سيدهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر معتقه، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن ابن عمر، ﵄ قال: اتخذ أي: لبس رسول الله ﷺ خاتمًا بفتح التاء الفوقية وبكسرها ما يختم به من ذهب، وللنسائي من وجه آخر عن ابن عمر: اتخذ النبي ﷺ خاتمًا من ذهب فلبسه ثلاثة أيام، وفي الصحيحين عن ابن شهاب عن أنس ﵁: أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ورق يومًا واحدًا ثم ألقاه، فان كان قوله: من ورق وهما من الزهري جرى على لسانه لفظ ورق. كما نقله عياض عن جميع أهل الحديث، وصوابه من ذهب كما ثبت ذلك هنا من غير وجه عن أنس وابن عمر فيجمع بأن قول أنس: يومًا واحدًا ظرف لرؤية أنس لا (ق ٩٠٢) لمدة اللبس. وقول ابن عمر: ثلاثة أيام ومدة خاتم الفضة يومًا واحدًا كما قال أنس، ولا ينافيه رواية الصحيح: سئل أنس ﵁: هل اتخذ النبي ﷺ خاتمًا؟ فقال آخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ثم أقبل علينا بوجهه، فكأني أنظر إلى وبيض خاتمه لحمله على أنه مرآة في تلك الليلة كذلك، واستمر في يده بقية يومه ثم طرحه في آخر ذلك اليوم، كما نقله الزرقاني (١) عن الحافظ ابن حجر فقام أي: ثم قام كما في (الموطأ) لمالك رسول الله ﷺ أي: خطيبًا. وفي رواية ثم جلس على المنبر فقال: "إني كنتُ ألبس هذا الخاتم"، أي: قبل ذلك لكونه صباحًا فنبذه، أي: فطرحه لما حرم عليه بوحي واجتهاد وقال: "والله لا ألبسه أبدًا"، قال: أي: أنس ﵁ فنبذ الناس خواتيمهم تبعًا، وفي الصحيحين (٢) عن نافع عن ابن عمر: أنه ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب وجعل فصه مما يلي كفه، فاتخذ الناس فرمى به، وقال: "لا ألبسه" أبدًا ثم اتخذ خاتمًا من فضة، فاتخذ الناس خواتمهم الفضة.

стр. 1631

قال ابن عمر: فلبس الخاتم بعد النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى وقع منه في بير أريش. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر لا ينبغي أي: لا يحل للرجل أن يتختم بذهبٍ لما سبق وعليه الأربعة ولا حديد ولا صُفْر، بضم فسكون أي: النحاس وقيل: أجوده، لما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (١) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ خاتم من حديد فقال: "مالي أرى عليك حلية أهل النار"، ثم جاءه وعليه خاتم من شبة فقال لي: "ما أجد منك ريح الأصنام"، فقال: يا رسول الله من أي شيء أتخذ؟ قال: "اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالًا" ولا يتختم إلا بالفضة، أي: ونحوها مما أبيح لبسها كالعقيق ونحوه فأما النساء فلا بأس بتختم الذهب لهن لقوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، وقد أخذ ذهبًا في يد وحريرًا في يد: "هذان حرامان على ذكور أمتي وحل لإناثها". لما فرغ من بيان حكم التختم من الذهب للذكور، شرع في بيان حكم حلب الماشية للغير بغير إذنه. * * * باب الرجل يمر على ماشية الرجل فيحتلبها بغير إذنه وما يُكره من ذلك في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يمر على ماشية الرجل، والماشية: المال من الإِبل والغنم، قال ابن السكيت: وبعضهم جعل البقر من الماشية كذا في (المصباح) فيحتلبها بغير إذنه وما يكره أي: وما يحرم كما في نسخة له أي: للمار بذلك أي: الاحتلاب وهو استخراج ما في الضرع من اللبن كالحلاب بالكسر، والحلب بفتح الحاء المهملة وسكون اللام ويحرك. وفي (النهاية) حديث: "لا تسقوني حلب المرأة"؛ لأن حلب المرأة عيب عند العرب، فإن النساء إذا حلبن ربما أخذهن البول ولسن مثل الرجل يتمسحن بالأرض، فربما يتمسحن بثوبها أو بيدها، ثم ترجع إلى الضرع وفي يدها شيء من النجاسة فلذا تنزه

стр. 1632

عنه، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق حدود الله وحدود عباده. محمد قال: كذا في نسخة: ٨٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحتلبنّ أحدكم ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تُؤتى مشربته فتُكسَر خِزانَتُهُ، فيُنقل طعامُه، فإنما تخزن لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتهم، فلا يَحتلبن أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه". قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي لرجل مرّ على ماشية رجل أن يحلب منها شيئًا بغير أمر أهلها، وكذلك إن مرّ على حائط فيه نخلٌ أو شجر فيه ثمر، فلا يأخذنَّ من ذلك شيئًا، ولا يأكله إلا بإذن أهله، إلا أن يُضطرّ إلى ذلك؛ فيأكل ويشرب ويغرم ذلك لأهله، وهو قولُ أبي حنيفة. أخبرنا مالك، أخبرنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحتلبنّ وفي نسخة: لا يحلبن بكسر اللام وضمها والنون مؤكدة أحدكم ماشية امرئ بغير إذنه، أي: تصريحًا أو تلويحًا أي: إشارة بأن علم رضاه بها أيحب أحدكم أن تُؤتى مشربته بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء المهملة أي: يأتي أحد غرفته وخزانته بكسر الخاء المعجمة: ما يخزن أو موضعه فينتقل بصيغة التي يوضع فيها متاعه العزيز عنده من طعام وغيره فتُكسَر بصيغة المجهول خِزانَتُهُ، بكسر الخاء المعجمة: ما يخزن أو موضعه فيُنقل بصيغة المجهول طعامُه، أي: فيؤخذ ويتحول فإنما تخزن بضم الزاي أي: يحفظ لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتهم، والمعني أن ضروع مواشيهم في حفظ اللبن بمنزلة خزانتكم فمن حلب مواشيهم فكان كسر خزانتهم وسرق منها متعتهم فإذا كان الأمر كذلك فلا يَحتلبن أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه" فهذا تأكيد للحكم السابق وتفريع على التعليل اللاحق، والله أعلم بالحقائق.

стр. 1633

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه ابن عمر عن رسول الله ﷺ لا ينبغي أي: لا يحل لرجل مرّ على ماشية رجل أن يحلب منها شيئًا بغير أمر أهلها، وكذلك أي: كما لا ينبغي لرجل إلى آخره إن مرّ على حائط له أي: لرجل فيه نخلٌ أو شجرٌ فيه ثمر، بالمثلثة فلا يأخذنَّ من ذلك شيئًا، ولا يأكله إلا بإذن أهله، أي: حقيقة أو حكمًا إلا أن يُضطَّر إلى ذلك؛ فيأكل أي: من الحائط ويشرب أي: من لبن الماشية ويغرم ذلك أي: يضمن قيمة أكله لأهله، أي: إن قدر عليه وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يمر على ماشية الرجل فيحلبها بغير إذنه، شرع في بيان نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يكره من ذلك، فقال: هذا * * * باب نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يُكره من ذلك في بيان حكم نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يكره من ذلك أي: ما يحرم من إقامتهم فيها بعد ثلاثة أيام، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق حرمة استعمال ما عينه الشارح باستعماله، محمد قال: ٨٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن عمر ضَرَبَ لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاثة أيام، يَتَسَوَّقُون ويقضون حوائجهم، ولم يكن أحد منهم يقيم بعد ثلاث. قال محمد: إن المدينة ومكة وما حولهما من جزيرة العرب، وقد بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يبقى دينان في جزيرة العرب"، فأخرج عمر من لم يكن مسلمًا من جزيرة العرب لهذا الحديث. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ ضَرَب أي: عين لليهود والنصارى والمجوس أي: عبدة النار ونحوهم من المشركين، والمعين أنه عين لهم في إقامتهم بالمدينة إقامة ثلاثة أيام، أي: على سبيل المهلة يَتَسَوَّقُون أي: حال كونهم يطلبون السوق في أغراضهم من البيع والشراء ويقضون

стр. 1634

حوائجهم، مما يتعلق بالسوق ولم يكن أي: وفد عليهم أنه لم يكن أحد منهم يقيم أي: بالمدينة بعد ذلك أي: بعد ثلاث ليال. قال محمد: إن المدينة ومكة وما حولهما كجدة والينبوع ونحوهما من جزيرة العرب، وهي ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام نحو دجلة والفرات وساحل البحر إلى أطرف الشام طولًا، ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا كذا في (القاموس). وقال الأصمعي: من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق (ق ٩٠٤) طولًا ومن جدة وساحل البحر إلى حرم الشام عرضًا. قال الجوهري: سميت لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطها بجانبيها, وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات. وقال مالك: في حديث أنس: "إن الشيطان آيس أن يعبد في جزيرة العرب" أراد المدينة نفسها ذكره في (النهاية)، لكن الظاهر أن المراد في الحديث مكة والمدينة وما حولها كما أفاده المصنف وقد بلغنا أي: بإسناد كما سيأتي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يبقى دينان في جزيرة العرب"، وهو يحتمل أن يكون نفيًا مجردًا فيكون من المعجزات بأخبار بعض المغيبات، ويحتمل أن يكون مبناه نفيًا ومعناه نهيًا وهذا أظهر لقوله فأخرج عمر ﵁ من لم يكن مسلمًا من جزيرة العرب لهذا الحديث أي: لأجل هذا الخبر فتدبر كذا، قاله علي القاري. * * * ٨٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبقينّ دينان بجزيرة العرب". قال محمد: قد فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. • أخبرنا مالك، أخبرنا إسماعيل بن أبي حكيم، القرشي مولاهم أي: بعض القرشي

стр. 1635

المدني ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن عمر بن عبد العزيز، بن مروان بن الحكم أبى العاص الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي أمره بالمدينة للوليد وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فعد من الخلفاء الراشدين، من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من المحدثين في أهل المدينة، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف كذا في (تقريب التهذيب) قال: أي: مرسلًا، وهو في الصحيحين وغيرهما من طرق عن عائشة بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبقينّ أي: لا يجتمعان كما في (الموطأ) لمالك (١) دينان أي: صاحب دينين هذا نفي بمعنى النهي، والدين في اللغة: الملة والشريعة، وفي العرف: هو وضع إلهي يدعو أصحاب العقول قبول ما هو عند الرسول، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني بجزيرة العرب" هي: مكة والمدينة واليمامة. قال محمد: قد فعل ذلك أي: بمضمون ما تقدم هنالك عمر بن الخطاب، ﵁ فأخرج اليهود والنصارى أي: والمجوس والذين أشركوا، ولعل وجه حذفهم هنا أنهم يفهمون بالأولى من جزيرة العرب أي: مكة والمدينة. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يكره من ذلك، شرع في بيان حكم حال الرجل يقيم الرجل من مجلسه ليجلس فيه، فقال: هذا * * * باب الرجل يقيم الرجل من مجلسه ليجلس فيه وما يُكره من ذلك في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يقيم الرجل من مجلسه ليجلس فيه وما يكره من ذلك أي: وبيان ما يحرم لأجل ظلمه إلى غيره بتعديه إلى حق غيره.

стр. 1636

٨٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا يقيم أحدكم الرجل من مجلسه فيجلس فيه". قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي للرجل المسلم أن يصنع هذا بأخيه، يقيمه من مجلسه ثم يجلس فيه. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا يقيم أي: لا يبعد أحدكم الرجل أراد به الجنس الشامل للفقير والغني من مجلسه أي: عن مكانه الذي يباح له فيجلس فيه" فإن إبعاد الغير عن مكانه بلا إذن منه ظلم فالظلم ظلمة. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عنه (ق ٩٠٥) ﷺ لا ينبغي للرجل المسلم أن يصنع هذأ أي: ونحوه من التعدي بأخيه، أي: المسلم يقيمه من مجلسه أي: الذي يستحقه ثم يجلس فيه وكذا إذا لم يجلس فيه قبل، ويستثنى منه ما إذا كان المجلس مختصًا بقاض أو مفتٍ أو مدرس في المسجد وقعد فيه غيره فله أن يقيمه ويجلس فيه، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يقيم الرجل من مكانه ويجلس فيه، شرع في بيان حكم الرقى، فقال: هذا * * * باب الرقى الرقي: بضم الراء المهملة وفتح القاف جمع رقية، وهو ما يقرأ للمعالجة محمد قال: ٨٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرتني عَمْرة، أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية تَرْقيها، فقال: ارقيها بكتاب الله. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالرُّقى بما كان في القرآن، وبما كان من

стр. 1637

ذكر الله، فأما ما كان لا يُعرف من الكلام فلا ينبغي أن يُرْقَى به. • أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أخبرتني عَمْرة، بفتح العين وسكون الميم وفتح الراء والتاء الفوقية بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت بعد المائة أن أبا بكر أي: الصديق ﵁ دخل على عائشة ﵂ وهي تشتكي، أي: مرضت ويهودية أي امرأة منسوبة إلى اليهود تَرْقيها، بكسر القاف فقال: أي: أبو بكر كما في (الموطأ) لمالك ارقيها بكتاب الله يحتمل أن تكون أمرًا بأن ترقيها بما في كتاب التوراة من أسماء الله الحسنى ومحامده العلى مما يعرف صحة مبناه ومعناه، وأن يكون صيغة متكلم أي: أنا أرقيها بكتاب الله أي: القرآن فيكون متضمنًا لنهيها عن رقيها. قال الزرقاني (١): يجوز لليهودية الرقية بالقرآن إن رجي إسلامها، وبالتوراة إن كانت معربة بالعربي، أو أمن تغييرهم لها فتجوز الرقية بالله وبأسمائه وصفاته باللسان العربي وبما يعرف معناه بشرط اعتقاد أن الرقية لا تؤثر بنفسها، بل بتقدير الله. قال عياض: اختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني وبالجواز، قال الشافعي: قال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن ترقي بكتاب الله وبما يعرف من كتاب الله، وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم انتهى. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل هنا بما رواه عمرة عن أبي بكر ﵁ لا بأس أي: لا كراهة بالرُّقى بما كان أي: موجود في القرآن، وبما كان من ذكر الله تعالى أي: منطلقًا شرط أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله سبحانه فأما ما كان لا يُعرف من الكلام أي: بأن يكون بلغة لا يفهم معناها فلا ينبغي أي: لا يجوز أن يُرْقَى به أي: يحتمل أن يكون فيه باسمه من كتاب الكفرة إلا أن يكون معروضًا على النبي ﷺ رقية من الحمة فأذن لنا فيها، وقال: إنما هي من مواثيق الجن بسم الله شبحة قرينة ملحة (ق ٩٠٦)

стр. 1638

بجد قفط قال الجزري: هذه كلمات لا يعلم معناها بقرائة كما وردت، محمد قال: * * * ٨٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن سليمان بن يَسار أخبره أن عُروة بن الزبير أخبره: أن النبي ﷺ دخل بيت أم سلمة، وفي البيت صبيّ يبكي، فذكروا أن به العينَ، فقال رسول الله ﷺ : "أفلا تستَرْقون له من العين؟ ". قال محمد: وبه نأخذ، لا نرى بالرقية بأسًا إذا كانت من ذكر الله . • أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قد مر طبقاته آنفًا أن سليمان بن يَسار الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، وقد مر منقبته، مات بعد المائة، وقيل: قبلها كذا في (تقريب التهذيب) وفيه رواية النظير عن النظير أن عُروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، ومولده في أوائل خلافة عثمان كذا قاله ابن حجر أخبره: أي: مرسلًا. قال أبو عمر - يعني بن عبد البر- عن جميع رواة الموطأ: وهو صحيح بسند معناه من طرق ثباته، وقد رواه البزار عن أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ دخل بيت أم سلمة، زوج النبي ﷺ وفي البيت صبيّ أي: لم يسم يبكي، أي: بشدة فذكروا أي: بعد سؤاله عنه وقبله أن به العينَ، أي: أصابته، وفي صحيح البخاري ومسلم (١) من طريق الزهري عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أمها أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة أي: صفرة فقال: "استرقوا لها، فإن بها النظر"، والصبي يطلق على الذكر والأنثى فقال له أي: لأجله رسول الله ﷺ : "أفلا تستَرْقون له أي: لخلاص الصبي من العين؟ " أي: من إصابتها، قوله: "أفلا تسترقون" استئناف مسوق لتقرير ما ذكر من جواز الرقى من طرف الله تعالى وهمزة

стр. 1639

للتقرير والفاء للعطف على تذكرون مقدرًا بعد الهمزة أي: هل تذكرون الصبي المشتكي ولا تردون في قدره وعادته فإن عادته جرت إذا قرئ القرآن على المرضى شفي، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤]. قال أبو الفرج عبد الرحمن بن القيم الجوزي: والغرض العلاج النبوي لهذه العلة فمن التعوذات والرقى بالكتاب قراءة المعوذتين، والفاتحة، وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق، وزرأ، ومن شر ما نزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما زرأ، والأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، وشر طوارق، قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ومنها رقية جبريل للنبي ﷺ كما رواه مسلم: أرقيك. قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل بالرقى هنا إلا بما رواه عروة بن الزبير مرسلًا عن رسول الله ﷺ وفي نسخة: وبهذا بدل به لا نرى بالرقية بأسًا أي: لا كراهة إذا كانت من ذكر الله تعالى والله أعلم. محمد قال: * * * ٨٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصَيْفَة، أن عمر بن عبد الله بن كعب السلمي، أخبره أن نافع بن جبير بن مُطْعم أخبره، عن عثمان بن أبي العاص: أنه أتى إلى رسول الله ﷺ ، قال عثمان: وبي وجع حتى كاد يُهلكني، قال: فقال رسول الله ﷺ : "امسحه بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجِدُ"، ففعلتُ ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمرًا به أهلي وغيرهم. • أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصَيْفَة، بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون التحتية ثم فاء أي: ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني وقد ينسب لجده كما نسب

стр. 1640

إليه هنا، وهو ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة أن عمرو بفتح العين ابن عبد الله بن كعب الأسلمي، بفتحتين الأنصاري المدني وهو ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وفيه رواية الأعلى على الأدنى أخبره أن نافع بن جبير بن مُطْعم القرشي النوفلي، يكنى أبا محمد وأبا عبد الله المدني وهو ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة تسع وتسعين أخبره، عن عثمان بن أبي العاص: الثقفي الطائفي يكنى أبا عبد الله صحابي شهير استعمله النبي ﷺ على الطائف، مات في خلافة معاوية بالبصرة كذا في (تقريب التهذيب) أنه أتى إلى رسول الله ﷺ ، قال: عثمان: وبي أي: والحال أصابني وجع أي: ألم عظيم حتى كاد أي: قارب أن يُهلكني، ولمسلم وغيره من رواية الزهري عن عثمان: أنه شكى إلى رسول الله ﷺ "وجعًا يجده في جسده منذ أسلم" (١) قال: أي: عثمان فقال رسول الله ﷺ : "امسحه أي: بموضع تجد فيه ألمًا بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ أي: أعتصم بعزَّة الله أي: بغلبته وعظمته وقدرته أي: على خلقة من شرِّ ما أجِدُ"، زاد في رواية مسلم: "وأحاذر"، وللطبراني والحاكم أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع، وللترمذي وحسنه، والحاكم وصححه وابن ماجه من حديث أنس: "من شر ما أجد وأحاذر من وجعي هذا". قال عثمان: ففعلتُ ذلك فأذهب الله ما كان بي، أي: من الوجع فلم أزل آمرًا بمد الهمزة به أهلي وغيرهم؛ لأنه من الأدوية الإِلهية، والطب النبوي، لما فيه من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة الطبيعي لاستقصاء إخراج المادة وفي السبع خاصة لا توجد في غيرها، وقد خص ﷺ السبع في غير ما موضع بشرط قوة اليقين وصدق النية، قال بعضهم: ويظهر أنه إذا كان المريض نحو طفل أن يقول من يعوذه: من شر ما يجد ويحاذر، والحديث رواه الترمذي من طريق معن بن عيسى عن مالك به، وقال: هذا حديث صحيح كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢). لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الرقى، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الفأل (ق ٩٠٨)، فقال: هذا * * *

стр. 1641

باب ما يُستحب من الفأل والاسم الحسن في بيان ما يستحب من الفأل، وهو التيمن والتبرك بالكلمة الموافقة للمراد كالراشد والنجيح، والاسم الحسن إن سمعه من ذي حاجة عن قصد التفاؤل كسماع مريض يا سالم، وطالب ضالة يا واجد، وخارج لحاجة يا راشد، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق طلب الخير بشيء من الله تعالى. ٨٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن النبي ﷺ قال لِلَقْحَة عنده: "مَنْ يحلب هذه؟ " فقام رجل، فقال له: "ما اسمك؟ "، فقال له: مُرّةٌ، فقال: "اجلس"، ثم قال: "مَنْ يحلبُ هذه الناقة؟ "، فقام رجل، فقال له: "ما اسمك؟ "، قال: حَربٌ، قال: "اجلس"، ثم قال: "مَنْ يحلب هذه الناقة؟ "، فقام آخر فقال: "ما اسمك؟ "، قال: يعيش، قال: "احلب". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، مرسلًا فإن يحيى بن قيس الأنصاري المدني، كان من صغار التابعين في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة، فكان إسناده إلى رسول الله ﷺ مرسلًا، كذا قاله الحافظ العراقي في (الألفية) أن النبي ﷺ قال لِلَقْحَة عنده: اللام الأولى هنا للتعليل، كما في قولك: قلت لك ذلك أي: لأجلك بخلاف، قلت: لك كذا، وكذا فإنها حلة، واللقحة بالكسر والفتح ناقة قريبة العهد بالنتاج "مَنْ يحلب هذه؟ " أي: اللقحة والناقة فقام رجل، ليحلبها فقال له: "ما اسمك؟ "، فقال له: مُرّةٌ، وهي ضد الحلوة فقال: "اجلس"، ثم قال: "مَنْ يحلبُ هذه الناقة؟ "، فقام رجل، فقال له: "ما اسمك؟ "، قال: حَربٌ، قال: "اجلس، ثم قال: "مَنْ يحلب هذه الناقة؟ "، فقام آخر فقال: "ما اسمك؟ "، قال: يعيش، قال: "احلب". قال ابن عبد البر: ليس هذا من أجاب الطيرة؛ لأنه محال أن ينهى عن شيء ويفعله وإنما هو من باب طلب الفأل الحسن، وقد كان أخبرهم عن شر الأسماء أنه حرب ومرة فأكد ذلك حتى لا يسمع أحد بهما كذا ذكره السيوطي (١).

стр. 1642

وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى الليثي عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: حمرة قال: ابن مرة؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار، قال: يا بأيها قال: بذات لظى قال: أدرك أهلك فقد احترقوا، قال: فكان كما قال عمر بن الخطاب، والحرقة بفتح الراء المهملة لقب بطن من جهينة منهم عبد الرحمن بن العلاء الحرقي، وهو الذي كان في بطن أمه أربع سنين كما في (المغرب). لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الفأل، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الشرب قائمًا، فقال: هذا * * * باب الشرب قائمًا في بيان ما يتعلق بحكم الشرب قائمًا، وهوِ بكسر الشين المعجمة وفتحها وضمها شرب الماء من الباب الرابع نحو قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥]، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إباحة القول والفعل المخصوص. ٨٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن عائشة زوج النبي ﷺ وسعد بن أبي وقّاص كانا لا يَرَيَان بشرب الإِنسان وهو قائم بأسًا. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن عائشة زوج النبي ﷺ وسعد بن أبي وقّاص كانا لا يَرَيَان بشرب الإِنسان وهو قائم بأسًا أي: كراهة يعني ويحملان ما ورد من النهي عن الشرب قائمًا على التنزيه، ففي صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ : "نهى عن الشرب قائمًا" (١) بل في رواية لمسلم: "لا يشربن أحدكم قائمًا فمن نسي فليستقيء" (٢)، لكن في (شمائل الترمذي) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ شرب من زمزم وهو قائم، فالتوفيق بينهما أن النهي محمول (ق ٩٠٩) على التنزيه، وشربه قائمًا لجواز عذره ولخصوصية الماء زمزم، وأما قوله: فليستقئ محمول على الاستحباب أو المبالغة في الاجتناب والله أعلم. * * *

стр. 1643

٨٨١ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبرٌ أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵃ أجمعين: كانوا يشربون قيامًا. قال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى بالشرب قائمًا بأسًا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبرٌ والمراد بالمخبر عكرمة مولى ابن عباس ﵄ وإنما عبر عنه بمخبر؛ لأنه أخذ بجائزة الملك، فالأولى للعالم أن يزهد عن مثل هذه الجائزة لئلا يطعن بين الأبرار أن عمر بن الخطاب ﵁ وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵃ أجمعين: كانوا يشربون أي: حال كونهم قيامًا وقال جبير بن مطعم: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائمًا ففيه جواز ذلك بلا كراهة، وقد صح: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ". قال محمد: وبهذا نأخذ, أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه مالك بالواسطة عن النبي ﷺ وعن عمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين لا نرى بالشرب قائمًا بأسًا, أي: كراهة كما يفيده ظاهر النهي واحتمال شربه قائمًا لعذره وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: علماء الكوفة، ولي قول أكثر العلماء لا ينبغي أن يشرب قائمًا والله أعلم. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الشرب قائمًا، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الشرب في آنية الفضة، فقال: هذا * * * باب الشرب في آنية الفضة أي: كائن في بيان حكم الشرب في آنية الفضة، وكذا الحكم في الذهب، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الإِباحة والكراهة. ٨٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن زيد بن عبد الله بن عمر، عن

стр. 1644

عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، عن أم سَلَمة زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ قال: "إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يُجَرْجِر في بطنه نارَ جهنم". قال محمد: وبهذا نأخذ، يُكره الشرب في آنية الذهب والفضة، ولا نرى بأسًا في الإِناء المُفَضَّض، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع, أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، ولد في خلافة جده عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، التيمي مقبول (١) كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد السبعين عن أم سَلَمة هند بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ قال: "إن الذي يشرب في آنية الفضة، ولمسلم من طريق عثمان بن مرة عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن خالته أم سلمة مرفوعًا: "من شرب من إناء ذهب أو فضة"، وله أيضًا من رواية على بن مسهر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع: "إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة" ولكن تفرد ابن مسهر بقوله: يأكل إنما يُجَرْجِر في بطنه بضم التحتية وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضًا صوت تردد البعير في حنجرته إذا هاج وصبت الماء في الحلق أي: يجرعه جرعًا متداركًا. قال النووي: اتفقوا على كسر الجيم الثانية وتعقب بأن الموفق بن جمرة حكى فتحها، وكذا ابن مالك في (الشواهد) ورد بأنه لا يعرف أن أحدًا من الحفاظ رواه مبنيًا للمفعول، ويبعد اتفاق الحفاظ قديمًا وحديثًا على ترك رواية ثابتة، وأيضًا فإسناده إلى الفاعل أصل وإلى المفعول فرع فلا يصار إليه بلا فائدة نارَ جهنم" بالنصب مفعول يجرجر على أن الجرجرة بمعنى الصب أو التجرع، فالفاعل ضمير الشارب، وسمي مجرجرًا للنار تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه، وبالرفع على أنه فاعل على أن النار هي التي تصون في البطن والأول أشهر، فقال الطيبي: أما الرفع فمجاز (ق ٩١٠) لأن جهنم حقيقة لا تجرجر

стр. 1645

في جوفه، والجرجرة: صوت البعير عند الحنجرة، لكنه جعل صوت تجرع الإِنسان للماء في هذه الأواني المخصوصة لوقوع النهي عنه واستحقاق العقاب على استعمالها بجرجرة نار جهنم في بطنه من طريق، وقد يجعل يجرجر بمعنى يصب، ويكون نار جهنم منصوبًا على أن ما كافة أو مرفوعًا على أن خبر إن واسمها ما الموصولة ولا تجعل حينئذ كافة، وفيه حرمة استعمال الذهب والفضة في الأكل والشرب والطهارة والأكل من أحدهما، والتجمر بمجمرة منها والبول في إناء، وحرمة الزينة به واستعماله لا فرق بين رجل وامرأة، وإنما فرق بينهما في التحلي لما يقصد في المرأة من الزينة للزوج، وأخرجه البخاري عن إسماعيل عن يحيى كلاهما عن مالك به كذا قاله الزرقاني. وقد أشبعنا حرمة استعمال الذهب والفضة على الرجال والنساء في باب الرجل يركع دون الصف ويقرأ في ركوعه. قال محمد: وبهذا نأخذ, أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه أم سلمة عن النبي ﷺ يُكره الشرب أي: يحرم الأكل والشرب على الذكور والإِناث في آنية الفضة والذهب، وفي نسخة: لفظة الذهب مقدم على الفضة ولا نرى أي: لا نختار - نحن أهل الكوفة - بذلك أي: بالشرب والأكل بأسًا أي: كراهة في الإِناء المُفَضَّض، أي: المرصع بالفضة وكذا المذهب أي: المشدود بشرط كون المستعمل متقيًا موضع الفضة وهو أي: عدم الكراهة بالشرب في الإِناء المفضض قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الشرب في آنية الفضة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الشرب والأكل باليمين، فقال: هذا * * * باب الشرب والأكل باليمين في بيان ما يتعلق بحكم الشرب والأكل باليمين، قدم الشرب على الأكل تفاؤلًا وإحسانًا ظنه على الله أن يجعل الشارب بيمينه من أصحاب اليمين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] وإشعارًا بأن الماء أشرف من الطَّعام كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].

стр. 1646

٨٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عُبيد الله، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدُكم فليأكل بيمينه، وليشربْ بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشِماله، ويشرب بشماله". قال محمد: وبه نأخذ، لا ينبغي أن يأكل الرجل بشماله، ولا يشرب بشماله، إلا من عِلَّة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عُبيد الله، بالتصغير عن عبد الله بن عمر بن الخطاب تابعي ثقة، وأبوه شقيق سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد الثلاثين ومائة عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدُكم أي: إذا أراد أن يأكل فليأكل بيمينه، أي: بيده اليمنى من اليمين وهو البركة وليشربْ بيمينه، ولأحمد ومسلم وأبي داود: "إذا شرب فليشرب بيمينه" (١)؛ لأن من حق النعمة القيام بشكرها، ومن حق الكرامة أن تتناول باليمنى وقدم الأكل لحكم إجراء الشرع على وفق الطباع؛ ولأنه سبب للعطش فيكره تنزيهًا لا تحريمًا عند الجمهور فعلهما بالشمال إلا لعذر وأرشد لعلة ذلك بقوله: فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" أي: حقيقة؛ لأن العقل لا يحيله والشرع لا ينكره، وقد ثبت به الخَبر فلا يحتاج إلى تأويله (ق ٩١١) بأن معناه إن فعلتم كنتم أولياؤه لأنه يحمل أوليائه على ذلك. قال ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء فلا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت الحقيقة فيه بوجه ما. وقال ابن العربي: وإن نفى عن الجن الأكل والشرب فقد وقع في حبالة الحاد وعدم إرشاد بل الشيطان، وجميع الجان يأكلون ويشربون وينكحون ويولد لهم ويموتون وذلك جائز عقلًا، وورد به الشرع وتظافرت به الأخبار فلا يخرج عن هذا الضمان إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شم فما شم رائحة العلم انتهى.

стр. 1647

ويقوي ما في مسلم أن الجن سألوا الزاد، فقال ﷺ : "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا" لأن ضرورته لحمًا إنما يكون للأكل حقيقية، وروى ابن عبد البر عن وهب بن منبه تلميذ أبي حنيفة: الجن أصناف فغالبهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، وصنف تفعل ذلك ومنهم السعالي والغيلان والقطرب. قال الحافظ: وهذا إن شئت جامعًا للقولين، ويؤيده ما لابن حبان والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا: "الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات، وصنف يحملون ويظعنون ويرحلون" (١). ولابن أبي الدنيا: مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: "وصنف عليهم الحساب والعقاب" انتهى. قال السهيلي: ولعل الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب إن صح القول به، وقال صاحب (أكام المرجانَ): وبالجملة فالقائلون الجن لا يأكل ولا يشرب إن أرادوا جميعهم فباطل، لمصادمة الأحاديث الصحيحة وإن أرادوا وأصنفًا منهم فمحتمل لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون انتهى. وأخذ جماعة من ظاهر الحديث حرمة الأكل بالشمال ووجوبه باليمين ولصحة الوعيد في الأكل بالشمال ففي مسلم (٢) عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ : رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: "كل بيمينك"، قال: لا أستطيع. فقال: "لا استطعت ما منعه إلا الكبر"، فما رفعها إلى فيه بعد أي: فما استطاع رفعها بعد ذلك إلى فمه، وأخرج الطبراني ومحمد بن الربيع الجيزي بسند صحيح عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها فقال ﷺ : "أخذها داء عزة" فقيل: أو بها قرحة فقال: "وإن" فمرت بغزة فأصابها الطاعون فماتت، وأجيب بأن الدعاء ليس بترك المستحب بل لقصد المخالفة كبرًا بلا عذر، فدعا على الرجل فشلت يمينه والمرأة فماتت، وبهذا لا يرد أن دعاءه ﷺ المقصود به الزجر لا الدعاء الحقيقي، والحديث رواه مسلم عن قتيبة بن سعيد عن مالك به وتابعه

стр. 1648

سفيان وعبيد الله بن عمر في مسلم أيضًا، كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني. قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ : لا ينبغي أي: لا يجوز للمكلف أن يأكل الرجل بشماله، ولا يشرب بشماله إلا من عِلَّة أي: لضرورة فلا بأس بأن يستعين بيساره في الأكل وغيره، وكان النبي ﷺ يأخذ (ق ٩١٢) الخبز بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل من هذا الخبز مرة، ومن هذا البطيخ أخرى وقال ﷺ : "من أكل القثاء بلحم وفي الجزام" رواه ابن عدي كذا أورده المناوي في (كنوز الحقائق). لما فرغ من بيان ما ذكر ما يتعلق بحكم الشرب والأكل باليمين، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم حال الرجل يشرب ثم يعطي من عن يمينه، فقال: هذا * * * باب الرجل يشرب ثم يناول من عن يمينه في ذكر ما يتعلق بحكم حال الرجل يشرب، ثم يناول أي: يعطي من عن يمينه كلمة "من" لابتداء الغاية، وكلمة "عن" اسم بمعنى الجانب، كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب) أن كلمة "عن" تكون اسمًا بمعنى الجانب، وذلك متعين إذا دخلت عليها "من"، وهو كثير كقوله: فلقد أراني للرماح رديئة من عن يميني مرة، وأما في أخرى وقال: ويحتمله عندي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] فتقدر معطوفة على مجرور من لأعلى من ومجرورها انتهى. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى الإِباحة. ٨٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أُتِي بلبن قد شِيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبي بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: "الأيمن فالأيمن".

стр. 1649

قال محمد: وبه نأخذ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك بن النضر بن الضمضم الخزرجي ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتِي بضم أوله وهو في دار أنس بلبن أي: حلب شاة داجن قد شِيب بكسر الشين المعجمة أي: خلط بماء، أي: من البئر التي في دار أنس، كما بين هذا كله في رواية شعيب عن الزهري عند البخاري وعن يمينه أعرابي بفتح الهمزة وسكون العين أي: رجل من أهل البادية لم يسم اسمه، وزعم أنه خالد بن الوليد خلط واضح؛ لأن الأعرابي هذا كان عن يمينه ﷺ ، وخالدًا كان عن يساره؛ لأن خالدًا كان من أجل قريش، والحال لا يقال لخالد: أعرابي. كذا قاله ابن عبد البر وعن يساره أبي بكر، الصديق ﵁ فشرب ثم أعطى الأعرابي أي: عن يمينه ثم وقال: "الأيمن فالأيمن" ضبط بالنصب على تقدير: أعط الأيمن، وبالرفع على تقدير: الأيمن أحق، قاله الكرماني وغيره والفاء في "فالأيمن" بمعنى ثم يعني: قال رسول الله ﷺ للأعرابي: ثم أعط الذي في جانبة الأيمن ثم وثم إلى أن ينتهي. قال محمد: وبه نأخذ قال أنس: فهي سنة أي: تقدمة الأيمن وإن كان مفضولًا، ولا يخالف في ذلك إلا ابن حزم، فقال: لا يجوز تقدمة غير الأيمن إلا بإذنه. وأما حديث: أبي يعلى الموصلي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ : إذا أسقى قال: "ابدؤوا بالكبراء" (١) وقال: بأكابر محمول على ما إذا لم على جهة (٢) يمينه أحد، بل كانوا كلهم تلقاء وجهه مثلًا، وفيه أن خلط اللبن بالماء للشرب جائز بخلاف البيع فغش. * * * ٨٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو حازم، عن سهل بن سعد الساعديِّ: أن رسول الله ﷺ أُتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال

стр. 1650

للغلام: "أتأذن لي في أن أعطيه هؤلاء؟ "، فقال: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فَتَلَّه رسول الله ﷺ في يده. • أخبرنا مالك، أخبرنا أبو حازم، الأعرج اسمه سلمة بن دينار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات في خلافة منصور عن سهل بن سعد الساعديِّ: الأنصاري أن رسول الله ﷺ وفي نسخة: أن النبي (ق ٩١٣) ﷺ أُتي بضم الهمزة وكسر الفوقية بشراب أي: لبن ففي رواية إسماعيل بن جعفر عن أبي حازم عن سهل: أتي بقدح من لبن فشرب منه أي: بعض اللبن وعن يمينه غلام أي: أصغر القوم، كما في رواية البخاري وغيره، وهو ابن عباس ﵄، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: عشر سنين حين توفي رسول الله ﷺ كما عند ابن أبي شيبة وغيره من حديثه، وكلمة عن هنا بمعنى بعد قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] أي: لتلاقن أيها الناس حالًا بعد حال يعني وبعد شربه ﷺ اللبن حضر في جانب يمينه غلام وعن يساره أشياخ، سمى منهم خالد بن الوليد فقال للغلام: "أتأذن لي أن أعطيه أي: اللبن، وفي نسخة: في أن أعطيه هؤلاء؟ "، أي: الذين في اليسار، وفي حديث ابن عباس أن الشربة حق لك أولًا فقال: أي: الغلام لا والله, أي: لا أرضى يا رسول الله ولا أوثر بنصيبي منك أحدًا، وفي حديث ابن عباس: فقلت: ما أنا بمؤثر بسؤرك علي أحد فَتَلَّه بفتح الفوقية واللام المشددة أي: وضع اللبن رسول الله ﷺ في يده أي: في يد الغلام، وفيه تنبيه على أنه كان الأولى يأخذ بما أشار إليه ﷺ ، وكان الأولى تقديم الأيمن في الشرب ونحوه وإن كان صغيرًا أو مفضولًا، وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في الحقوق في باقي الأوصاف، وأن الجلساء شركاء في الهدية على جهة الأدب والفضل لا الوجوب، للإِجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب لأحد، وقد روى مرفوعًا: "جلساؤكم شركاؤكم في الهدية" بإسناد فيه كذاب (١) قاله ابن عبد البر: وإنما استأذن الغلام هذا ولم يستأذن الأعرابي في الحديث قبله استئلافًا لقلب الأعرابي وتطييبًا لنفسه، وشفقة أن يسبق إلى قلبه شيء يهلك به لقرب عهده بالجاهلية، ولم يجعل للغلام في ذلك؛ لأنه لقرابته وسنه دون
следующие страницы →