← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

٨٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عُبيد الله، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدُكم فليأكل بيمينه، وليشربْ بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشِماله، ويشرب بشماله". قال محمد: وبه نأخذ، لا ينبغي أن يأكل الرجل بشماله، ولا يشرب بشماله، إلا من عِلَّة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عُبيد الله، بالتصغير عن عبد الله بن عمر بن الخطاب تابعي ثقة، وأبوه شقيق سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد الثلاثين ومائة عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدُكم أي: إذا أراد أن يأكل فليأكل بيمينه، أي: بيده اليمنى من اليمين وهو البركة وليشربْ بيمينه، ولأحمد ومسلم وأبي داود: "إذا شرب فليشرب بيمينه" (١)؛ لأن من حق النعمة القيام بشكرها، ومن حق الكرامة أن تتناول باليمنى وقدم الأكل لحكم إجراء الشرع على وفق الطباع؛ ولأنه سبب للعطش فيكره تنزيهًا لا تحريمًا عند الجمهور فعلهما بالشمال إلا لعذر وأرشد لعلة ذلك بقوله: فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" أي: حقيقة؛ لأن العقل لا يحيله والشرع لا ينكره، وقد ثبت به الخَبر فلا يحتاج إلى تأويله (ق ٩١١) بأن معناه إن فعلتم كنتم أولياؤه لأنه يحمل أوليائه على ذلك. قال ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء فلا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت الحقيقة فيه بوجه ما. وقال ابن العربي: وإن نفى عن الجن الأكل والشرب فقد وقع في حبالة الحاد وعدم إرشاد بل الشيطان، وجميع الجان يأكلون ويشربون وينكحون ويولد لهم ويموتون وذلك جائز عقلًا، وورد به الشرع وتظافرت به الأخبار فلا يخرج عن هذا الضمان إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شم فما شم رائحة العلم انتهى.

стр. 1647

ويقوي ما في مسلم أن الجن سألوا الزاد، فقال ﷺ : "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا" لأن ضرورته لحمًا إنما يكون للأكل حقيقية، وروى ابن عبد البر عن وهب بن منبه تلميذ أبي حنيفة: الجن أصناف فغالبهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، وصنف تفعل ذلك ومنهم السعالي والغيلان والقطرب. قال الحافظ: وهذا إن شئت جامعًا للقولين، ويؤيده ما لابن حبان والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا: "الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات، وصنف يحملون ويظعنون ويرحلون" (١). ولابن أبي الدنيا: مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: "وصنف عليهم الحساب والعقاب" انتهى. قال السهيلي: ولعل الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب إن صح القول به، وقال صاحب (أكام المرجانَ): وبالجملة فالقائلون الجن لا يأكل ولا يشرب إن أرادوا جميعهم فباطل، لمصادمة الأحاديث الصحيحة وإن أرادوا وأصنفًا منهم فمحتمل لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون انتهى. وأخذ جماعة من ظاهر الحديث حرمة الأكل بالشمال ووجوبه باليمين ولصحة الوعيد في الأكل بالشمال ففي مسلم (٢) عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ : رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: "كل بيمينك"، قال: لا أستطيع. فقال: "لا استطعت ما منعه إلا الكبر"، فما رفعها إلى فيه بعد أي: فما استطاع رفعها بعد ذلك إلى فمه، وأخرج الطبراني ومحمد بن الربيع الجيزي بسند صحيح عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها فقال ﷺ : "أخذها داء عزة" فقيل: أو بها قرحة فقال: "وإن" فمرت بغزة فأصابها الطاعون فماتت، وأجيب بأن الدعاء ليس بترك المستحب بل لقصد المخالفة كبرًا بلا عذر، فدعا على الرجل فشلت يمينه والمرأة فماتت، وبهذا لا يرد أن دعاءه ﷺ المقصود به الزجر لا الدعاء الحقيقي، والحديث رواه مسلم عن قتيبة بن سعيد عن مالك به وتابعه

стр. 1648

سفيان وعبيد الله بن عمر في مسلم أيضًا، كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني. قال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ : لا ينبغي أي: لا يجوز للمكلف أن يأكل الرجل بشماله، ولا يشرب بشماله إلا من عِلَّة أي: لضرورة فلا بأس بأن يستعين بيساره في الأكل وغيره، وكان النبي ﷺ يأخذ (ق ٩١٢) الخبز بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل من هذا الخبز مرة، ومن هذا البطيخ أخرى وقال ﷺ : "من أكل القثاء بلحم وفي الجزام" رواه ابن عدي كذا أورده المناوي في (كنوز الحقائق). لما فرغ من بيان ما ذكر ما يتعلق بحكم الشرب والأكل باليمين، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم حال الرجل يشرب ثم يعطي من عن يمينه، فقال: هذا * * * باب الرجل يشرب ثم يناول من عن يمينه في ذكر ما يتعلق بحكم حال الرجل يشرب، ثم يناول أي: يعطي من عن يمينه كلمة "من" لابتداء الغاية، وكلمة "عن" اسم بمعنى الجانب، كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب) أن كلمة "عن" تكون اسمًا بمعنى الجانب، وذلك متعين إذا دخلت عليها "من"، وهو كثير كقوله: فلقد أراني للرماح رديئة من عن يميني مرة، وأما في أخرى وقال: ويحتمله عندي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] فتقدر معطوفة على مجرور من لأعلى من ومجرورها انتهى. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى الإِباحة. ٨٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أُتِي بلبن قد شِيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبي بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: "الأيمن فالأيمن".

стр. 1649

قال محمد: وبه نأخذ. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك بن النضر بن الضمضم الخزرجي ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتِي بضم أوله وهو في دار أنس بلبن أي: حلب شاة داجن قد شِيب بكسر الشين المعجمة أي: خلط بماء، أي: من البئر التي في دار أنس، كما بين هذا كله في رواية شعيب عن الزهري عند البخاري وعن يمينه أعرابي بفتح الهمزة وسكون العين أي: رجل من أهل البادية لم يسم اسمه، وزعم أنه خالد بن الوليد خلط واضح؛ لأن الأعرابي هذا كان عن يمينه ﷺ ، وخالدًا كان عن يساره؛ لأن خالدًا كان من أجل قريش، والحال لا يقال لخالد: أعرابي. كذا قاله ابن عبد البر وعن يساره أبي بكر، الصديق ﵁ فشرب ثم أعطى الأعرابي أي: عن يمينه ثم وقال: "الأيمن فالأيمن" ضبط بالنصب على تقدير: أعط الأيمن، وبالرفع على تقدير: الأيمن أحق، قاله الكرماني وغيره والفاء في "فالأيمن" بمعنى ثم يعني: قال رسول الله ﷺ للأعرابي: ثم أعط الذي في جانبة الأيمن ثم وثم إلى أن ينتهي. قال محمد: وبه نأخذ قال أنس: فهي سنة أي: تقدمة الأيمن وإن كان مفضولًا، ولا يخالف في ذلك إلا ابن حزم، فقال: لا يجوز تقدمة غير الأيمن إلا بإذنه. وأما حديث: أبي يعلى الموصلي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ : إذا أسقى قال: "ابدؤوا بالكبراء" (١) وقال: بأكابر محمول على ما إذا لم على جهة (٢) يمينه أحد، بل كانوا كلهم تلقاء وجهه مثلًا، وفيه أن خلط اللبن بالماء للشرب جائز بخلاف البيع فغش. * * * ٨٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو حازم، عن سهل بن سعد الساعديِّ: أن رسول الله ﷺ أُتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال

стр. 1650

للغلام: "أتأذن لي في أن أعطيه هؤلاء؟ "، فقال: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فَتَلَّه رسول الله ﷺ في يده. • أخبرنا مالك، أخبرنا أبو حازم، الأعرج اسمه سلمة بن دينار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات في خلافة منصور عن سهل بن سعد الساعديِّ: الأنصاري أن رسول الله ﷺ وفي نسخة: أن النبي (ق ٩١٣) ﷺ أُتي بضم الهمزة وكسر الفوقية بشراب أي: لبن ففي رواية إسماعيل بن جعفر عن أبي حازم عن سهل: أتي بقدح من لبن فشرب منه أي: بعض اللبن وعن يمينه غلام أي: أصغر القوم، كما في رواية البخاري وغيره، وهو ابن عباس ﵄، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: عشر سنين حين توفي رسول الله ﷺ كما عند ابن أبي شيبة وغيره من حديثه، وكلمة عن هنا بمعنى بعد قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] أي: لتلاقن أيها الناس حالًا بعد حال يعني وبعد شربه ﷺ اللبن حضر في جانب يمينه غلام وعن يساره أشياخ، سمى منهم خالد بن الوليد فقال للغلام: "أتأذن لي أن أعطيه أي: اللبن، وفي نسخة: في أن أعطيه هؤلاء؟ "، أي: الذين في اليسار، وفي حديث ابن عباس أن الشربة حق لك أولًا فقال: أي: الغلام لا والله, أي: لا أرضى يا رسول الله ولا أوثر بنصيبي منك أحدًا، وفي حديث ابن عباس: فقلت: ما أنا بمؤثر بسؤرك علي أحد فَتَلَّه بفتح الفوقية واللام المشددة أي: وضع اللبن رسول الله ﷺ في يده أي: في يد الغلام، وفيه تنبيه على أنه كان الأولى يأخذ بما أشار إليه ﷺ ، وكان الأولى تقديم الأيمن في الشرب ونحوه وإن كان صغيرًا أو مفضولًا، وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في الحقوق في باقي الأوصاف، وأن الجلساء شركاء في الهدية على جهة الأدب والفضل لا الوجوب، للإِجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب لأحد، وقد روى مرفوعًا: "جلساؤكم شركاؤكم في الهدية" بإسناد فيه كذاب (١) قاله ابن عبد البر: وإنما استأذن الغلام هذا ولم يستأذن الأعرابي في الحديث قبله استئلافًا لقلب الأعرابي وتطييبًا لنفسه، وشفقة أن يسبق إلى قلبه شيء يهلك به لقرب عهده بالجاهلية، ولم يجعل للغلام في ذلك؛ لأنه لقرابته وسنه دون

стр. 1651

الأشياخ فاستأذن تأدبًا، ولئلا يوحشهم بتقديمه عليهم وتعليمًا بأنه لا يدفع الأيمن إلا بإذنه، ورواه البخاري عن إسماعيل وقتيبة بن سعد ويحيى بن قزعة وعبد الله بن يوسف، ومسلم عن قتيبة كلهم عن مالك. كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني (١). لما فرغ من ذكر ما يتعلق بحكم حال الرجل يشرب ثم يعطي بمن في جانبه، شرع في ذكر ما يتعلق إلى فضل إجابة الدعوة، فقال: هذا * * * باب فضل إجابة الدعوى في بيان ما يتعلق إلى فضل إجابة الدعوى أي: العامة. ٨٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة فليأتها". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا بدل أخبرنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا نافع، عن ابن عمر: ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة فليأتها" أي: إلى طعام النكاح، وقيل: إلى طعام الأملاك (٢) خاصَّة. قاله عياض، والوليمة مشتقة من الولم، وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان أو إلى مكان الوليمة، والأمر للإِيجاب والمراد وليمة العرس كما حمله عليه (٣) مالك في المدونة وغيره (ق ٩١٤)؛ لأنها المعهودة عندهم، ويؤيده رواية مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" فتجب إجابة من عين وإن كان صائمًا؛ لأن ابن عمر كان يأتها وهو صائم كما في مسلم بشروط في الفروع، كما حكى عليه عياض الاتفاق، لكن نوزع بقول ابن القصار: المذهب لا تجب الإِجابة، وإن كان

стр. 1652

ضعيفًا، أما وليمة غيره فلا تجب؛ لأن عثمان بن أبي العاص دعي إلى ختان فلم يجب، وقال: لم نكن ندعى له على عهد رسول الله ﷺ رواه أحمد وأحبها الظاهرية لظاهر الحديث. قال عياض: وحملها مالك، والأكثر على الندب وكره مالك لأهل الفضل الإِجابة لكل طعام دعي إليه وتأوله غيره على غير طعام السرور كختان وأملاك (١) وحادث سرور، لما في مسلم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا دعي أحدكم أخوه فليجب عرسًا كان أو غيره" إن لم يوجد فيها مانع من الأعذار الشرعية، كما قاله الزرقاني (٢). محمد قال: كذا في نسخة: * * * ٨٨٧ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنه قال: بئس الطعام طعام الوليمة، يُدعى إليها الأغنياء ويترك المساكين، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله. • أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب؛ أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان ثقة فقيهًا، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، يكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات المحدثين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي هريرة، ﵁ أنه قال: قال ابن عبد البر: رواة مالك لم يصرحوا برفعه، ورواه ابن القاسم عنه مصرحًا برفعه، وكذا أخرجه الدارقطني في (الغرائب) من إسماعيل بن سلمة بن قعنب عن مالك مصرحًا برفعه إلى النبي ﷺ بئس الطعام أي: شر الطعام كما في (الموطأ) لمالك طعام الوليمة، وإنما سماه بئسا وشرًا لقوله: يُدعى إليها الأغنياء ويُترك المساكين, أي: الفقراء فهي من هذه الحيثية

стр. 1653

مذمومة، وإلا فمن حيثية أنها سنة مأثورة بقوله ﷺ : "أولم ولو بشاة"، وكان يولم ﷺ أيضًا بنفسه فهي محمودة، كذا قاله علي القاري. وتعقبه الطيبي بأن التعريف في الوليمة للعهد الخارجي، وكان من عادتهم مراعاة الأغنياء فيها وتخصيصهم بالدعوى وإيثارهم، وقوله: يدعى إلى آخره استئناف بياني، لكونها شر الطعام، ومثل هذا لا يحتاج إلى تقدير من قوله: ويترك المساكين حال، والعامل يدعى أي: يدعي لها الأغنياء، والحال أنه يترك المساكين والفقراء، والإِجابة واجبة فيكون الدعاء سببًا لأكل المدعو شر الطعام وقول التنقيح: جملة يدعى في موضع الصفة لطعام ردة في (المصابيح) بأن الظاهر أنها صفة الوليمة على (ق ٩١٥) جعل اللام جنسية مثلها في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني، ويستغني حينئذ عن تأويل تأنيث الضمير على تقدير كونها صفة الطعام، انتهى. ومن لم يأت الدعوة بفتح الدال على المشهور، وهي أعم من الوليمة؛ لأنها خاصة بالعرس، كما نقله أبو عمر - يعني ابن عبد البر - من أهل اللغة. وقال النووي: بفتح الدعوة الطعام، أما دعوة النسب فبكسرها هذا قول جمهور العرب أي: من لم يجبها بغير عذر فقد عصى الله ورسوله وهذا ظاهر في أن إجابة الوليمة واجبة، والحديث رواه الدارقطني في (فوائد ابن مدرك) عن أبي هريرة: "بئس الطعام طعام العرس يطعمه الأغنياء ويمنعه المساكين" وروى الترمذي عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "طعام أول يوم حق، وطعام الثاني سنة، وطعام الثالث سمعة، ومن سمع سمع الله به" وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة بلفظ: "شر الطعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" وفي رواية الطبراني عن ابن عباس ﵄ ولفظه: "شر الطعام طعام الوليمة: يدعى إليها الشبعان ويحبس عنها الجائع" كذا قاله علي القاري. محمد قال: كذا في نسخة. * * * ٨٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس

стр. 1654

ابن مالك، قال: سمعته يقول: إن خيّاطًا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبتُ مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله ﷺ خبزًا من شعير ومرقًا فيه دُبّاء، قال أنس: فرأيتُ رسول الله ﷺ يتتبع الدُبَّاء من حول الصحفة، قال: فلم أزل أحبّ الدُبَّاء منذ يومئذٍ. • أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو زيد الأنصاري المدني، يكنى أبا يحيى، ثقة حجة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة والمحدثين، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة عن أنس بن مالك، بن النضر بن الضمضم الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ ﵁ قال: أي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة سمعته أي: أنس وهو عمه أخو أبيه لأمه يقول: أي: حال كون أنس يقول: إن خيّاطًا بفتح الحاء المعجمة والتحتية المشدودة، ولم يعرف الحافظ اسمه دعا رسول الله ﷺ طعام وفي نسخة: لطعام باللام صنعه، قال أنس: فذهبتُ مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام فقرب أي: الخياط إلى رسول الله ﷺ خبزًا من شعير بفتح الشين المعجمة وكسر العين الممدودة ومرقًا بفتحتين والقاف يقال بالتركي: شوربا فيه دُبّاء، بضم وتشديد الموحدة الواحدة دباءة فهمزته منقلبة عن حرف علة وخطأ المجد الجوهري في ذكره في المقصور أي: فيه قرع، زاد في رواية القعنبي وابن بكير والمثنى وقديد قال أنس ﵁: فرأيتُ رسول الله ﷺ يتتبع بإسكان الفوقية وخفة الموحدة مفتوحة أي: يفتش الدباء أي القرع من حول الصحفة؛ أي: من دائرة القصعة: زاد في رواية يأكلها أي: لأنها كانت تعجبه ويترك القديد إذ كان لا يشتهيه حينئذ، ففيه أن المؤاكل لأهله وخدمه يأكل ما يشتهيه حيث رآه ذلك الإِناء إذا علم أن مؤاكله لا يكره ذلك، وإلا فلا يتجاوز ما يليه وقد (ق ٩١٦) أن أحدًا لا يكره منه ﷺ شيئًا. بل كانوا يتبركون بريقه وغيره مما مسه، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيستدلكون بها قال: أنس ﵁: فلم أزل أحبّ الدُبَّاء أي: أكلهم منذ يومئذٍ أي: لبعد ذلك اليوم، كما في (الموطأ) لمالك. وقد ورد من قوله ﷺ : "أنها شجرة أخي يونس"، فلم أزل أحب الدباء محبة زائدة بعد ذلك اليوم اقتداء به ﷺ ، ولأحمد عن أنس أنه ﷺ قاله له: "إذا طبخت قدرًا فأكثر فيها من الدباء فإنها تنشد قلب الحزين" وللطبراني عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: "عليكم بالقرع"، فإنه يزيد في الدماغ" وللبيهقي عن عطاء مرسلًا: "عليكم بالقرع، فإنه يزيد في

стр. 1655

العقل ويكبر الدماغ" وزاد بعضهم: أنه "يجلوا البصر ويلين القلب" وفي (تذكرة) القرطبي: أن "الدباء والبطيخ من الجنة". * * * ٨٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عُبيد الله بن أبي طلحة، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأمّ سُليم: لقد سمعتُ صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ، قالت: نعم، فأخرجتْ أقراصًا من شعير، ثم أخذتْ خمارًا لها ثم لَفَّت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ قال: فذهبت به فوجدتُ رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد ومعه الناس، فقمتُ عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : "أأرسلك أبو طلحة؟ " قلت: نعم، قال: فقال: "بطعام؟ "، فقلتُ: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا"، فانطلقْتُ بين أيديهم، ثم رجعتُ إلى أبي طلحة، فأخبرته الخبر، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم، قد جاء رسول الله ﷺ وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، كيف نصنع؟ فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل هو ورسول الله ﷺ حتى دخلا، فقال رسول الله ﷺ : "هلمي يا أم سُلَيم ما عندك"، فجاءت بذلك الخبز، قال: فأمر به رسول الله ﷺ فَفُتَّ، وعَصَرَت أم سُلَيم عكةً لها؛ فآدمته، ثم قال رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، وهم سبعون أو ثمانون رجلًا.

стр. 1656

قال محمد: وبهذا كله نأخذ، ينبغي للرجل أن يجيب الدعوة العامة ولا يتخلف عنها إلا لعلَّة، فأمَّا الدعوة الخاصّة، فإن شاءَ أجاب وإن شاء لم يجب. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا أخبرنا إسحاق بن عُبيد الله بن أبي طلحة، وهو زيد بن سهل الأنصاري البخاري، وهو مشهور بكنيته، وهو زوج أم أنس بن مالك بنت ملحان، فلما مات مالك أبو أنس بالشام بالتجارة من أم سليم فأراد أبو طلحة أن ينكحها وأبت؛ لأنه كافر ودعته إلى الإِسلام فأسلم، فقالت: إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا لإِسلامك فتزوجها أبو طلحة لقد سمعتُ صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع, أي: أثره فهل عندك من شيءٍ, أي: شيء من طعام، وفي رواية أنس عن أحمد: أن أبا طلحة رأى رسول الله ﷺ طاويًا (١). وعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس: أنا أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله ﷺ طعام فآجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ذلك ثم جاء به (٢). . . الحديث، وفيه إشعار بأن القصة متعددة، وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم وأبي يعلى قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ مضطجعًا يتقلب بطنًا لظهر. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم عن أنس قال: جئت رسول الله ﷺ فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه فقال: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته فدخل على أم سليم فقال: أعندك شيء، فإني مررت على النبي ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط على بطنه حجرًا قالت. نعم، فأخرجتْ أقراصًا بفتح الهمزة وسكون القاف جمع قرص أي: خبز من شعير، ثم أخذتْ خمارًا لها بكسر الخاء المعجمة وهي المقنعة التي توضع على الرأس وتغطي بها ثم لَفَّت وفي رواية: فلفت الخبز ببعضه أي: بطرف خمارها ثم دسته بتشديد السين المهملة أي: أخفته تحت (ق ٩١٧) يدي أي: إبطي وردتني ببعضه أي: جعلت بعضه مردودًا فوق رأسي حماية من الشمس، وفي رواية: ولاستني ببعضه أي: دارت بعض الخمار على رأسي مرتين كالعمائم تم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ

стр. 1657

فذهبت ول فوجدتُ رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد المراد به هنا الموضع الذي أعده النبي ﷺ للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق ومعه الناس, أي: أصحابه فقمتُ عليهم, أي: وقفت وفي رواية: فسلمت عليهم فقال لي رسول الله ﷺ : "أأرسلك أي: هل أرسلك أبو طلحة؟ " قلت: نعم، وفي نسخة: فقلت بالفاء قال: كذا في نسخة أي: أنس فقال: "لطعام؟ "، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: بطعام بالباء الموحدة بدل اللام فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا"، ظاهره أنه ﷺ مفهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله فلذلك قال لمن عنده: قوموا وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس أن يأخذه النبي ﷺ فيأكله فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حول النبي ﷺ استحى وظهر له أن يدعو النبي ﷺ ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصي مقصودهم من إطعامه، ويحتمل أن يكون ذلك عن رأى من أرسله حيث عهد إليه أنه إذا رأى كثرة الناس يستدعي النبي ﷺ وحده خشية أن لا يكفي ذلك النبي ومن معه، وقد عرفوا إيثاره ﷺ وأنه لا يأكل وحده، ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس عن أبي نعيم وأصله عند مسلم فقال لي أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبًا من رسول الله ﷺ فإذا أقام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه ثم اتبعه حتى إذا قام عتبة بابه فقل له: إن أبي يدعوك قال: أي: أنس فانطلقْتُ بين أيديهم، ثم رجعتُ إلى أبي طلحة، وفي نسخة الشارح علي القاري: حتى جئت أبا طلحة فأخبرته الخبر، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم: قد جاء رسول الله ﷺ بالناس أي: بجمع عظيم منهم وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، كيف نصنع؟ وفي نسخة: فكيف نصنع فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: أي: أنس فانطلق أبو طلحة أي: مستقبلًا للمشايعة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل هو ورسول الله ﷺ حتى دخلا، وفي نسخة: فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه فقال رسول الله ﷺ : "هلمي أي: أحضري يا أم سُلَيم ما عندك"، أي: من الطعام فجاءت بذلك الخبز, أي: الذي أرسلته مع أنس فأمر به أي: الخبز رسول الله ﷺ فَفُتَّ، بضم الفاء وتشديد التاء الفوقية أي: كسرت وعَصَرَت أم سُلَيم عكةً لها؛ وفي نسخة: لهم أي: عصرتها لأجل الناس بضم العين المهملة وتشديد الكاف المفتوحة: وعاء من جلد مستدير يختص بالسمن والعسل، وهو بالسمن أخص على ما في (النهاية) فآدمته، بالمد وبالقصر بالتشديد جعلت فيه إدامًا. كذا في (النهاية) ثم قال رسول الله ﷺ فيه كذا في نسخة ما شاء

стр. 1658

الله أن يقول، أي: من الدعاء والثناء بالأسماء وفي رواية (ق ٩١٨) مبارك بن فضالة فقال: هل من سمن فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء فجاء بها فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح رسول الله ﷺ القرص فانتفخ وقال: "بسم الله" فلم يزل يصنع ذلك، والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص من الجفنة يتسع وفي رواية النضر بن أنس: فجئت بها ففتحتها رباطها ثم قال: "بسم الله اللهم أعظم فيها البركة" فعرف بهذا المراد بقوله فقال فيها ما شاء الله أن يقول ثم قال أي: النبي ﷺ لأبي طلحة أو لأنس: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، تم خرجوا، تم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، وهم سبعون أو ثمانون رجلًا رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم أنه قال: "ائذن لعشرة" فدخلوا فقال: "كلوا وسموا الله تعالى"، فأكلوا حتى فعل ذلك ثمانين رجلًا ثم أكل النبي ﷺ وأهل البيت وترك سئورًا أي: بقية، وهو بالهمزة وقد يبدل، وفي رواية للبخاري: قال: "أدخل علي عشرة" حتى عد أربعين، ثم أكل النبي ﷺ فجعلت أنظر هل نقص منها شيء، وفي رواية يعقوب: أدخل علي ثمانية، فما زال حتى دخل ثمانون، ثم دعاني ودعا أمي وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا انتهى. وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذا قاله الحافظ ابن حجر قال: وظاهر أنه ﷺ دخل منزل أبي طلحة وحده وصرح بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ولفظه: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الباب فقال: "اقعدوا" ودخل وفي رواية يعقوب عن أنس فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما هو قرص! فقال: "إن الله سيبارك فيه"، وفي رواية: فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، فقال: "ادخل، فإن الله سيبارك فيما عندك". قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة والله أعلم؛ لأنها قصة واحدة لا يمكن الجماعة الكثيرة أن تقدروا على التناول منها مع قلة الطعام فجعلهم عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحمون. قال محمد: وبهذا كله نأخذ, أي: لا نعمل إلا بما رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ ينبغي للرجل أن يجيب الدعوة العامة ولا يتخلف

стр. 1659

عنها إلا لعلَّة، أي: يشبهه في طعامه والمنكر في مقامه أو المرض أو كَبَرَ لا لِكِبْرِ فأما الدعوة الخاصّة، أي: كضيافة الخياط فإن شاءَ أجاب وهو السنة ومن حسن العشرة وإن شاء لم يجب أي: لحصوله المنة أو وصول السمعة فهو مخير لعدم الإِيجاب والله الملهم للصواب. محمد قال: كذا في نسخة. * * * ٨٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "طعام الاثنين كافٍ للثلاثة، وطعامُ الثلاثة كافٍ للأربعة". • أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت، عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، (ق ٩١٩) مات سنة سبع عشرة ومائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طعام الاثنين كاف للثلاثة، أي: بحسب القناعة أو شبع الأقل قوت الأكثر، أو لحصول البركة ونزول الرحمة، وفي نسخة: كاف في الثلاثة وطعام الثلاثة كافٍ للأربعة"، وفي نسخة: "كاف الأربعة" رواه الشيخان والترمذي عنه أيضًا ورواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر ولفظه: "طعام الواحد يكفي اثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية فاجتمعوا عليه ولا تفرقوا" (٢) والله أعلم. لما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل إجابة الدعوة، شرع في بيان ما يتعلق بفضل المدينة، فقال: هذا * * *

стр. 1660

باب فضل المدينة في بيان ما يتعلق إلى فضل المدينة أي: الطيبة السكينة. ٨٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن أعرابيًا بايع النبي ﷺ على الإِسلام، ثم أصابه وَعْك بالمدينة، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ : "إن المدينة كالكِير تنفي خبثها، وينصَعُ طيبُها". • أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعدها ومائة وزيادة كذا قاله ابن حجر (١) عن جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي ابن الصحابي أن أعرابيًا أي: بدويًا. قال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في (ربيع الأبرار) أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل؛ لأنه كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل الكوفة، ويكنى أبا عبد الله الكوفي ويقال: له رؤية وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أنه يروي عن العشرة مات بعد التسعين أو قبلها، وهو ابن مائة سنة ونيف كذا قاله ابن حجر (٢) بايع النبي ﷺ على الإِسلام، أي: على قبول أحكامه بوجه الدوام ثم أصابه أي: الأعرابي وَعْك بفتح الواو وسكون العين المهملة أي: حمر بالمدينة، فجاء إلى رسول الله ﷺ وفي رواية سفيان الثوري: فجاء الغد محمومًا فقال: يا رسول الله أقلني أمر من الإِقالة وهي بكسر الهمزة أي: فسخ بيعتي، أي: على الإِسلام. كذا قاله عياض وقال غيره: إنما استقاله من الهجرة، ولم يرد الارتداد عن الإِسلام.

стр. 1661

قال ابن بطال: بدليل أنه لم يرحل ما عقده إلا بموافقة النبي ﷺ على ذلك، ولو أراد الردة فيها لقتله إذ ذاك، وحمله بعضهم على ذلك من المقام بالمدينة فأبى، أي: امتنع رسول الله ﷺ عن الإِقالة ثم جاءه أي: ثانية فقال: أقلني بيعتي، فأبى، أي: امتنع ثم جاءه ثالثة فقال: أقلني بيعتي، فأبى، أي: امتنع أن يقيله؛ لأنها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام فلم يقله؛ لأنه لا يحل الرجوع على الكفر وإن كانت قبله فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة ولا يحل للمهاجر أن يرجع إلى وطنه. كذا قاله عياض، وردَّه الأبي فقال: الأظهر أنها على الهجرة لقوله: دعك، ولو كانت على الإِسلام كانت ردة؛ لأن الرضى بالدوام على الكفر كفر انتهى. فخرج الأعرابي، أي: من المدينة إلى البادية؛ لأنه كان ممن قال تعالى في حقه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] فقال رسول الله ﷺ : "إن المدينة كالكير أي: ككير الحداد، وهو بكسر الكاف وسكون التحتية فراء أي: المبني من الطين، وقيل: الزق الذي ينفخ فيه النار والمبني المكور. كذا في (النهاية) تنفي بفتح الفوقية وسكون النون وبالفاء أي: تزيل خبثها، (ق ٩٢٠) بفتح الخاء المعجمة الموحدة والمثلثة أي: وسخها وقذرها، ويرى بضم الخاء وسكون الموحدة أي: الشيء الخبيث والأول أشبه لمناسبة الكير وينصَعُ بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد وعين المهملة من النصوع، وهو الخلوص أي: يخلص طيبُها" بكسر الطاء المهملة وسكون التحتية المخففة منصوب على أنه مفعول ينصع، وفي رواية: طيّبها بتشديد التحتية المكسورة مرفوع على أنه فاعله. قال الأبي: وهي الرواية الصحيحة وهو أقوم معنى؛ لأنه ذكره في مقابلة الخبيث، وأي مناسبة بين الكير والطيب شبه النبي ﷺ المدينة وما يصيبها ساكنها الجهد بالكير وما يدور عليه بمنزلة الخبيث من الطيب، فيذهب الخبيث ويبقى الطيب، وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والجوع وتطهر خيارها وتزكيها. انتهى. كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني. والمعنى: يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه ويبقى من يخلص إبقائه وهذا الحديث أخرجه البخاري في الأحكام عن القعنبي وعبد الله بن يوسف، وفي (الاعتصام) عن إسماعيل ومسلم في الحج عن يحيى الأربعة عن مالك به، وتابعه سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر، عند البخاري، وبنحوه وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ

стр. 1662

لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] وإشارة إلى قوله في سورة الرعد: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] وبيعة النبي ﷺ في هذا المنوال، وقد قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل المدينة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم اقتناء الكلاب، فقال: هذا * * * باب اقتناء الكلب باب في بيان ما يتعلق بحكم اقتناء الكلب أي: اتخاذه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الطبع الخبيث، فإن صاحب الطبيعة الخبيثة لا يبقى بالمدينة ويتخذ الكلب من غير فائدة. محمد قال: كذا في نسخة. ٨٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصيفَة، أن السائب بن يزيد أخبره أنه سمع سفيان بن أبي زهير، وهو رجل من شَنُوءَة، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ يحدّث أناسًا معه، وهو عند باب المسجد، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زَرعًا ولا ضرعًا نقص من عمله كلّ يوم قيراط"، قال: قلتُ: أنتَ سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي ورب هذا المسجد. قال محمد: يكره اقتناءُ الكلاب لغير منفعة، فأما كلب الزرع أو الضرع أو الصيد أو الحَرس فلا بأس به.

стр. 1663

• أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بتحتية فزاي ابن خُصيفَة، بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء التحتية والفاء المفتوحة فهاء وهو جده وأبوه عبد الله بن خصيفة بن عبد الله يزيد الكندي المدني، وقد ينسب إلى جده، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة كذا في (تقريب التهذيب) أن السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في النسبة، ويعرف بابن النمر، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به ﷺ في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة مات سنة إحدى وتسعين بعد الهجرة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة أخبره أنه سمع سفيان بن أبي زهير، بالتصغير الأزدي وهو رجل من شَنُوءَة، بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعدها همزة مفتوحة مولى وهو من أصحاب رسول الله ﷺ أي: فهو عادل ثقة بلا شبهة وهو يحدّث أناسًا وفي (الموطأ) لمالك، وهو يحدث ناسًا معه، أي: جمعًا وهو عند باب المسجد، أي: مسجد المدينة أو المسجد الحرام، وهو الأظهر لما يأتي قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا (ق ٩٢١) أي: اتخذه لا يغني عنه أي: لا يحفظ له زَرعًا ولا ضرعًا أي: ما فيه زراعة أو ماشية. قال عياض: المراد بكلب الزرع الذي يحفظه من الوحش بالليل والنهار لا الذي يحفظه من السارق، وكلب الماشية الذي يسرح معها لا الذي يحفظها من السارق، وقد أجاز مالك اتخاذه للحفظ من السارق انتهى. يعني لما في معنى المنصوص عليه به، كما أشار ابن عبد البر: واتفقوا على أن المأذون في اتخاذه هو ما لم يتفق على قتله، وهو الكلب العقور نقص من عمله أي: من أجر عمله كلّ يوم قيراط"، وهو نصف دانف وفي (صحاح الجوهري) الدانف سدس الدرهم قال: أي: السائب بن يزيد قلتُ: أي: سألت سفيان بن زهير أنتَ سمعتَ أي: هل سمعت هذا أي: الخبر من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي بكسر الهمزة وسكون التحتية حرف جواب بمعنى نعم فتكون لتصديق الخبر وإعلام المختبر ولو عد الطالب ويوصل باليمين أي: نعم سمعته بلا واسطة ورب الكعبة ورب هذا المسجد. قال محمد: يكره اقتناءُ الكلب أي: اتخاذه لغير منفعة، فأما كلب الزرع أو الضرع أي: الماشية كالغنم وغيره أو الصيد أو الحَرس أي: حفظ وحراسة فلا بأس به أي: لا كراهة فيه. * * *

стр. 1664

٨٩٣ - أخبرنا مالك، عن عبد الملك بن مَيْسرة، عن إبراهيم النَّخَعي، قال: رخَّص رسول الله ﷺ لأهل البيت القاصي في الكلب يتخذونه. قال محمد: فهذا للحرَس. • أخبرنا مالك، عن عبد الملك بن مَيْسرة، البصري مقبول، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل البصرة مات بعد المائة من الهجرة (١) عن إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النَّخَعي، يكنى أبا عمران الكوفي الفقيه إلا أنه يرسل كثيرًا، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل الكوفة، مات سنة تسع وتسعين وهو ابن خمسين سنة قال: أي: مرسلًا رخَّص رسول الله ﷺ لأهل البيت القاصي في الكلب يتخذونه. قال محمد: فهذا رخصة اتخاذ الكلب في البيت البعيد عن العمارة للحرَس أي: للحفظ عن السارق. * * * ٨٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو ضاريًا نُقِصَ من عمله كل يوم قيراطان. • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة كذا قاله ابن حجر. عن عبد الله بن عمر، ﵄ قال: من اقتنى كلبًا أي: ليس الذي اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو ضاريًا بضاد معجمة وألف وراء مهملة وتحتية منصوبة عطف على كلب أي: معلمًا للصيد معتادًا له.

стр. 1665

قال عياض: والمراد بكلب الماشية هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها من السارق نُقِصَ من عمله أي: من ثواب عمله كل يوم قيراطان ورواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر أيضًا، ولا يخالفه قوله في الحديث قبله قيراط؛ لأن الحكم الزائد لكون راو حفظ ما لم يحفظ الآخر، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر أولًا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول، ثم أخبرنا ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التغير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني أو تبرك على حالين، فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذه (ق ٩٢٢) والقيراط باعتبار قلته أو القيراطان لمن اتخذه بالمدينة المنورة خاصة، والقيراط بما عداها أو يلحق بالمدينة سائر البلدان والقرى، ويختص بالقيراط بأهل البوادي وهو ملتفة إلى معنى كثرة التأذي وقتله، والمراد بالنقص أن الإِثم الحاصل باتخاذه يوازن قدر قيراط أو قيراطين من أجر عمله، فينقص من ثواب عمله المتخذ بقدر ما يترتب عليه من الإِثم باتخاذه، وهو قيراط أو قيراطان وقيل: النقص امتناع الملائكة من دخول بيته أو يلحق الأدنى بالمارين كذا قاله الزرقاني (١). لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم اقتناء الكلب، شرع في بيان ما يتعلق بما يكره من الكذب وغيره، فقال: هذا * * * باب ما يكره من الكذب وسوء الظن والتجسس والنميمة في ذكر ما يتعلق بحكم ما يكره من الكذب، وهو الخبر بعد المطابقة للواقع، وقيل: هو إخبار لا على ما عليه المخبر عنه وسوء الظن وهو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، والتجسس هو التفتيش عن مواطن الأمور والنميمة هي نقل الكلام من قوم إلى قوم على جهة الإفساد وكذا قاله السيد محمد الجرجاني وصاحب (النهاية). اقتبس المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى من سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ الآية [الحجرات: ١٢] وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق كون الرجل إثمًا بما لا ينبغي له محمد قال: كذا في نسخة.

стр. 1666

٨٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ سأله رجل فقال: يا رسول الله أكْذِبُ امرأتي؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا خير في الكذب"، قال: يا رسول الله أعِدُها وأقول لها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا جُناح عليك". قال محمد: وبهذا نأخذ، لا خير في الكذب في هزال ولا جِد، فإن وسع الكذبُ في شيءٍ ففي خصلةٍ واحدةٍ: أن ترفع عن نفسك أو عن أخيك مظلمة، فهذا نرجوا أن لا يكون به بأس. • أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، بالتصغير المدني يكنى أبا عبد الله الزهري مولاهم ثقة مفتي عابد رمي بالقدر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١) عن عطاء بن يسار الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا في (تقريب التهذيب) قال أبو عمر: لا أحفظه مسندًا بوجه من الوجوه، وقد رواه ابن عيينة عن صفوان عن عطاء بن يسار مرسلًا أن رسول الله ﷺ سأله رجل فقال: يا رسول الله اكْذِبُ بصيغة المتكلم وحذف همزة الاستفهام استغناء عن همزة الوصل امرأتي؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا خير في الكذب" أي بل هو شر كله؛ قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] والمعنى: لا خير في أصل الكذب أو فيه غالبًا إذ قد يجب الكذب، وقد يجوز كما يدل عليه سؤاله ثانيًا قال: أي: الرجل يا رسول الله أعِدُها بهمزة الاستفهام في الوعد أي: هل أتكلم لامرأتي وأقول لها؟ بلساني إني أفعل لك كذا وكذا، وليس في نيتي فعلًا ولا إعطاؤه لها فقال رسول الله ﷺ : "لا جُناح أي: لا حرج عليك" ولعله مقتبس من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ (ق ٩٢٣) نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية [النساء: ١١٤]، وقد ورد: "وليس بالكذب من أصلح بين الناس فقال خيرًا أو تمنى خيرًا" بتشديد الميم أي: زاد أو بتخفيفه

стр. 1667

أي: بلغه وأوصله رواه البغوي بسنده، ورواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي (١) عن أم كلثوم بنت عقبة بلفظ: "ليس الكذب يصلح بين الناس فينمي" أي: يزيد خيرًا. قال سعيد بن زيد الباجي: فرق بين الكذب والوعد؛ لأن الكذب ماض وهذا مستقبل، وقد يمكنه تصديق خبره كذا نقله علي القاري عن السيوطي. قال محمد: وبهذا نأخذ, أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه عطاء بن يسار مرسلًا عن رسول الله ﷺ ونقول: لا خير في الكذب في جِده, أي: في عمد ولا هزال وفي نسخة: الهزل مقدم على جد بأن يقول للصبي شيئًا يعطيه ويظهره له وليس في نيته إعطاؤه له وعد منه عرض الزيل من غير شيء فيه على الدابة لأن يأخذها فإن وسع الكذبُ في شيءٍ أي: ولو جاز في شيء من الأشياء ففي خصلةٍ واحدةٍ: أي: لا غيرها أن ترفع عن نفسك أو عن أخيك مظلمة، بكسر اللام أي: ظلم فهذا نرجوا أي: نحن ومعشر الفقهاء أن لا يكون به بأس أي: كراهة فيه لدفع الضرر. * * * ٨٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تجَسَّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا". • أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم اسم منصوب على المفعولية بفعل محذوف لضيق الوقت عن ذكره والواو في قوله: والظن، للعطف على إياكم، كما أشار إليه الشيخ الرضي في بحث، ويجب حذف عامل المفعول به في قوله: إياك والأسد

стр. 1668

من (شرح الكافية)، والمعنى: احذروا أيها المكلفون أنفسكم اتباع الظن وبعد الظن عن أنفسكم، والمراد بالظن سوء الظن وهو أن تظن وتتكلم وإن لم يتكلم، فهو عفوي والظن عبارة عما تركن وتميل إليه النفس ويميل إليه القلب وسوء الظن حرام وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقه في غيرك سواء إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل، فعند ذلك لا تعتقد إلا ما علمته وشاهدته، فما لم تشاهده أو لم تسمعه ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك، فينبغي لك أن تكذبه فإنه أفسق الفساق. وقال العارف (زروق): إنما ينشأ الظن الخبيث عن القلب الخبيث فإن الظن أقام المظهر مقام المضمر إذ القياس أن يقال: فإنه لزيادة تمكن المسند إليه في ذكر [] (١) حثًا على الاجتناب أكذبُ الحديث, أي: حديث النفس أشد ضررًا لتعديته إلى غيره بإلقاء الشيطان في نفس الإِنسان ولا تجَسَّسوا, أي: لا تبحثوا (ق ٩٢٤) ولا تتفصحوا عن معايب الناس ومساويهم. وفي رواية: بالحاء المهملة، وقد ورد "يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه" ولأحمد والشيخين بروايتهم عنه: "ولا تحسسوا" بالحاء المهملة أي: لا تطلبوا الشيء بالحاسة كاستراق السمع وإبصار الشيء حقيقة ولا تنافسوا، بفاء وسين من المنافسة، وهي الرغبة في النفيس والانفراد به، والمراد به هنا التنافس في الدنيا لطلب الظهور على الناس والتكبر عليهم، وأما التنافس في طريق البر محمود، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولا تحاسدوا, أي: لا تطلبوا زوال النعمة عن غيركم ولا تباغضوا, أي: لا يبغض بعضكم بعضًا في الأمور الدنيوية، وإلا فقد ورد مدح الحب في الله والبغض في الله من جهة الأمور الدينية والأحوال الأخروية ولا تدابروا, أي: لا تهاجروا عن الإخوان بانقطاع السلام والكلام والإِحسان، وأصل التدابر المعاداة والمقاطعة؛ إذ كل منهما يولي عن صاحبه دبره محسوسًا بالأبدان ومعقولًا بالعقائد وكونوا عباد الله بحذف النداء إخوانا" أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا مما ذكر وغيره، فإذا تركتم ذلك كنتم إخوانًا وإذا لم تتركوه صرتم أعداء، والحديث رواه أحمد والشيخان. محمد قال: بنا مالك، كما في نسخة. * * *

стр. 1669

٨٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مِنْ شَرّ الناس ذو الوَجْهَيْنِ، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه". • أخبرنا مالك، قال: أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مِنْ شَرّ الناس أي: كلهم، وحمله على ذلك أبلغ في الذم، وفي رواية للإِسماعيلي: "من شر خلق الله" وللبخاري (١) عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁: "شر الناس يوم القيامة عند الله تعالى" ذو الوَجْهَيْنِ، وهو مجاز عن الجهتين مثل المدحة والذمة لا حقيقة، وفسره بقوله: الذي يأتي هؤلاء أي: القوم بوجه، وهؤلاء أي: القوم بوجه" أي: فيظهر عند كل أنه منهم ومخالف للآخرين مبغض لهم، وعند الإِسماعيلي: الذي يأتي هؤلاء بحديث وهؤلاء. قال القرطبي: إنما كان من شر الناس؛ لأن حاله حال المنافقون إذا هو يتخلق بالباطل وبالكذب يدخل الفساد بين الناس. وقال: النووي: لأنه يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصيغة نفاق محض وكذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة. قال القاضي عياض وغيره: فأما من قصد بذلك الإِصلاح المرغب فيه فيأتي لكل بكلام فيه صلاح واعتذار لكل واحد عن الآخر، وينقل له عن الجميع محمول مرغب فيه. لما فرغ من بيان ما يكره من الكذب وسوء الظن والتجسس والنميمة، شرع في بيان ما يتعلق بكف الرجل نفسه عن سؤال الصدقة من الناس، فقال: هذا * * * باب الاستعفاف عن المسألة والصدقة الاستعفاف أي: في بيان ما يتعلق بطلب العفاف، وهو كف النفس عن المسألة أي:

стр. 1670

من الناس والصدقة أي: وكف الرجل نفسه من أخذ الصدقة إن أعطيت بلا سؤال استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ (ق ٩٢٥) إِلْحَافًا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الكراهة بالكراهة بالكذب وغيره والسؤال عن الناس وغيره. محمد قال: بنا مالك. كذا في نسخة. ٨٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخُدري: أن أناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى أنفَدَ ما عنده، فقال: "ما يكن عندي من خير فلن أدّخره عنكم، ومن يستعفف يَعفُّه الله، ومن يستغنِ يُغنه الله، ومن يَتَصَبَّر يصبره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسع من الصبر". • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي, أي: بالمثلثة من أنفسهم، وقيل: مولاهم المدني نزيل الشام ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس أو سبع ومائة وقد جاوز ثمانين سنة. كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي سعيد الخُدري: ﵁ أن أناسًا من الأنصار قال الحافظ: لم يتعين لي أسماؤهم إلا أن في النسائي ما يدل على أن أبا سعيد الراوي منهم للطبراني عن حكيم بن حزام أنه خوطب ببعض ذلك، لكنه ليس أنصار إلا بالمعنى الأعم سألوا رسول الله ﷺ أي: شيئًا من المال فأعطاهم، ثم سألوه أي: ثانيًا فأعطاهم، ثم سألوه أي: ثالثًا فأعطاهم، حتى أنفَدَ ما عنده, أي: أفناه ولم يبق شيئًا منه، وهو مأخوذ من نفذ بفتح النون وكسر الفاء فدال مهملة من باب علم بمعنى نفى وانقطع، ومنه قوله تعالى في سورة النحل: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] ويتعدى بالهمزة فقال: أنفدته أي: أفنيته على ما في (المصباح) فقال: أي: النبي ﷺ والفاء بمعنى ثم كما كان في (الموطأ)

стр. 1671

لمالك ثم قال: "ما يكن ما شرطية، وفي رواية: ما يكون فما موصولة، والمعنى ما يوجد عندي من خير أي: من مال وجواب الشرط فلن أدّخره عنكم، بفتح الهمزة وتشديد الدال المهملة المفتوحة وكسر الخاء المعجمة فراء مهملة أي: لن أجعله ذخيرة لغيركم أو لن أحبسه وأخباه ولن أمنعه ومن يستعفف بالفائين من الاستعفاف أي: من يطلب العفة والمكسر أي: الحبس عن المال سؤال يَعفُّه الله، من الإِعفاف جواب لمن المتضمنة بمعنى الشرط أي: يصنعه الله من الوقوع في المزلة ومن يستغنِ أي: يظهر الغنا بما عنده من اليسير عن المسألة يُغنه الله, أي: من فضله عما سواه وقنعه الله بما لديه وأرضاه ومن يَتَصَبَّر أي: من يصدق المصبر ويؤثره ويختاره بعد الفجر يصبره الله، بتشديد الوحدة أي يوفقه الله ويعنه على الصبر فإن الله مع الصابرين، وقال تعالى في سورة النحل: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقد ورد: "وأن النصر مع الصبر" وما أُعطي بضم الهمزة مبني للمفعول أحدٌ نائب الفاعل عطاءً نصب على أنه مفعول ثان لأعطى هو خيرٌ أي: أفضل أجرًا وأوسع أي: أكثر نفعًا من الصبر" فإن للصبر عليه مقدار المقامات العلا، كما قال تعالى: في سورة الملائكة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] محمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة. * * * ٨٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل على الصدقة، فلما قدم سأله أبْعِرَةً من الصدقة، قال: فغضب رسول الله ﷺ ، حتى عُرِفَ الغضبُ في وجهه، وكان مما يُعرف به الغضب في وجهه: أن تحمّر عيناه، ثم قال: "الرجل يسألني ما لا يصلحُ لي ولا له، فإن منعتُه كرهتُ المنعَ، وإن أعطيتُهُ أعطيتُهُ ما لا يصلح لي ولا له"، فقال الرجل: يا رسول الله، لا أسألك منها شيئًا أبدًا. قال محمد: لا ينبغي أن يُعطى من الصدقة غنيّ، وإنما نرى أن النبي ﷺ قال ذلك؛ لأن الرجل كان غنيّا، ولو كان فقيرًا لأعطاه منها.

стр. 1672

• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي فيها ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمسة وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة أن أباه أي: أبا عبد الله، وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره أي: مرسلًا ورواه أحمد بن منصور البلخي متصلًا عن مالك عن عبد الله عن أبيه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة بطن من الأوس على الصدقة، أي: أخذها وجمعها وإتيانها فلما قدم سألة أي: عن النبي ﷺ أبْعِرَةً بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر العين المهملة ثم راء فوقية جمع البعير، وهو الإِبل كذا قاله محمد الواني من الصدقة، أي: زيادة على أجر عمله كما ذكره السيوطي قال: أي: أبو بكر الراوي فغضب رسول الله ﷺ ، أي: غضبًا شديدًا حتى عُرِفَ أثر الغضبُ في وجهه، أي: ﷺ فإن قيل: كيف يصح إسناد الغضب إلى رسول الله ﷺ مع أنه تعالى قال في شأنه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ومن حسن الخلق أن لا يغضب. عن العلاء بن الشخير: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ من قبل وجهه فقال: يا رسول الله أي: العمل أفضل؟ قال: "حسن الخلق"، ثم أتاه عن يمينه فقال: أي العمل أفضل يا رسول الله؟ قال: "حسن الخلق"، ثم أتاه عن شماله فقال: أي العمل أفضل؟ قال: "حسن الخلق"، ثم أتاه من بعده أي: من خلفه فقال: يا رسول الله, أي العمل أفضل؟ فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: "ما لك لا تفقه حسن الخلق أن لا تغضب إن استطعت". رواه محمد بن نصر المروزي. أجيب بأن الغضب شرعًا هو غليان دم القلب لدفع المؤذيات عن القلب قبل وقوعها فيه، ولطالب حصول الشفاء القلب بالانتقام من الجاني عليه بعد وصولها فيه، فغضبه ﷺ رجلًا سائل زيادة على أجر عمله من قبيل طلب حصول شفاء القلب إلى آخره، وهو حسن الخلق، فإنه إذا غضبه صانه من أن يكون غاصبًا من بيت المال وصان بيت المال من أن يكون مصروفًا إلى غير محله، فهذه الصيانة من حسن الخلق وكان مما يُعرف به الغضب في وجهه: أن تحمّر عيناه، أي: لشدة الغضب وكان يظلمه ثم قال: "الرجل يسألني ما أي: شيئًا لا يصلحُ لي أي: إعطاؤه ولا له، أي: ولا يصلح له أخذه فإن منعتُه كرهتُ المنعَ،

стр. 1673

أي: بطريق الطبع؛ لأنه ﷺ مجبول على الوجود وعدم المنع وإن أعطيتُهُ أي: وإن أردت أن أعطي لذلك الرجل لا على وفق الشرع أعطيتُهُ ما أي: شيئًا لا يصلح لي ولا له"، أي: لعدم حله فقال الرجل: يا رسول الله، لا أسألك منها أي: من الصدقة شيئًا أبدًا أي: حتى أعلم أنه يصلح لي. قال محمد: لا ينبغي أن لا يجوز أن يُعطى من الصدقة أي: من مالها غنيّ، أي: إلا العالم بقدر عمله وإنما نرى بضم النون أو فتحها أي: نظن أو نعتقد أن النبي ﷺ قال ذلك، أي: ما تقدم من الامتناع لأن الرجل كان غنيّا، أي: وليس له إلا قدر عمله ولو كان فقيرًا لأعطاه منها أي: زيادة على ما أعطاه حتى أغناه. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالاستعفاف والاستغناء عن المسألة والصدقة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكتب إلى الرجل، فقال: هذا * * * باب الرجل يكتب إلى رجل يبدأ به في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكتب إلى الرجل يبدأ به أي بالرجل المكتوب إليه. محمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة. ٩٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أنه كتب إلى أمير المؤمنين عبد الملك يبايعه فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد، لعبد الله بن عبد الملك أمير المؤمنين، من عبد الله بن عمر، سلامٌ عليك، إني أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأقرّ لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسول الله ﷺ فيما استطعت. قال محمد: لا بأس إذا كتب الرجل إلى صاحبه أن يبدأ بصاحبه قبل نفسه.

стр. 1674

• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: ﵄ أنه كتب إلى أمير المؤمنين عبد الملك أي: ابن مروان (ق ٩٢٧) بن الحكم بن أبي العاص الأموي يكنى أبا الوليد المدني ثم الدمشقي، كان طالب علم قبل الخلافة ثم اشتغل بها فتغير حاله، ملك ثلاث عشرة سنة استقلالًا، وقبلها منازعًا لابن الزبير تسع سنين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة والدمشقي، مات سنة ست وثمانين في شوال وقد جاوز الستين. كذا قاله ابن حجر يبايعه أي: خوفًا من الضرر والعدوان فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد، لعبد الملك أي: هذا مكتوب لأجله أو المعنى إلى عبد الملك أمير المؤمنين، وفي نسخة غير معتمدة: لعبد الله بن عبد الملك من عبد الله بن عمر، سلامٌ عليك، إنِّي أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، أي: إليك حمدًا وأقرّ لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسول الله ﷺ أي: على وفق حكمهما فيما استطعت أي: عملًا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩] وقوله ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي" (١) وقوله ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٢) وفي قوله: فيما استطعت إشعار بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]. قال محمد: لا بأس إذا كتب الرجل إلى صاحبه أن يبدأ بصاحبه قبل نفسه استدلالًا بفعل ابن عمر فيكون محمولًا على جوازه لا سيما إذا كان المكتوب إليه يخاف من شر ما لديه، ويؤيده أيضًا قوله: * * * ٩٠١ - قال محمد: عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أنه كتب إلى معاوية:

стр. 1675

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله بن معاوية أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت. قال محمد: ولا بأس بأن يبدأ الرجل بصاحبه قبل نفسه في الكتاب. • قال محمد: عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أنه كتب إلى معاوية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله بن معاوية أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت وهو من أفاضل كتبة رسول الله ﷺ ولذا استدل بفعله وقال: قال محمد: ولا بأس بأن يبدأ الرجل بصاحبه قبل نفسه في الكتاب أي: في المكتوب إن كان بظاهره يخالف ما في الكتاب من قوله تعالى في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] وكذا يعارض مكاتبيه ﷺ لأهل الإِسلام للملوك وغيرهم من الأنام، فإن الكل مصدر بقوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد رسول الله إلى هرقل وإلى كسرى وإلى النجاشي وإلى المقوقس وإلى المنذر بن ساوى وإلى ملك غسان وإلى صاحب اليمامة وغيرهم. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحال الرجل يكتب إلى الرجل يبدأ به، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم، فقال: هذا * * * باب الاستئذان في بيان ما يتعلق بحكم الاستئذان في طلب الإِذن في الدخول على المحارم، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الاستحباب والوجوب. اقتبس هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النور: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧] وقد أجمعوا على مشروعية الاستئذان وتظاهرت بها دلائل القرآن والسنة. محمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة.

стр. 1676

٩٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يَسار: أن النبي ﷺ سأله رجل، فقال: يا رسول الله: أَسْتأْذِن على أمي؟ قال: "نعم"، قال الرجل: إني معها في البيت، قال: "استأذن عليها"، قال: إني أخدُمها، قال رسول الله ﷺ : "أتحب أن تراها عريانة؟ "، قال: لا، قال: "فاستأذِنْ عليها". قال محمد: وبهذا نأخذ، الاستئذان حَسَنٌ، وينبغي أن يستأذن الرجل على كل من يَحْرُم عليه النظر إلى عورته ونحوها. • أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، بالتصغير المدني، يكنى أبا عبد الله الزهري مولاهم، ثقة مفتي عابد رأى القدر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة وهو ابن اثنين (ق ٩٢٨) وسبعين سنة كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عطاء بن يَسار: الهلالي يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين. قال ابن عبد البر: هذا حديث مرسل صحيح لا أعلمه يستند من وجه صحيح ولا صالح أن النبي ﷺ سأله رجل، فقال: أي: يا رسول الله: أَسْتأْذِنُ أي: أطلب الإِذن إن أردت الدخول على أمي؟ قال: "نعم"، قال الرجل: إني معها في البيت، يعني أنهما ساكنان في البيت الواحد، ويقول الله تعالى: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] قال: أي: النبي ﷺ "استأذن عليها"، أي: إذا أردت الدخول عليها، ولو كنت معها في بيت واحد قال: أي: الرجل إني أخدُمها، يعني: ويكثر دخولي عليها وخروجي عنها ظنًا أن فيه حرجًا قال رسول الله ﷺ : "استأذن عليها". كذا في نسخة يعني: لما رآه ﷺ مجادلًا نبهه على ما غفل عنه مما يقع حجته فقال: "أتحب أن تراها عريانة؟ "، بضم العين المهملة وسكون الراء قال: لا، أي: لا أحب ذلك قال: "فاستأذِنْ عليها" أي: فإنها قد تكون عارية وأنت خالي

стр. 1677

الذهن عنها فتدخل عليها فتريها عارية فتضرر هي وكذلك أنت. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عطاء مرسلًا إلى النبي ﷺ الاستئذان حَسَنٌ، وينبغي أن يستأذن الرجل على كل من يَحْرُم عليه النظر إلى عورته ونحوها أي: من سائر بدنه كفخذه، ولو كان من محارمه. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالاستئذان، شرع في بيان ما يتعلق بحكم استصحاب التصاوير والجرس وغيرهم من التماثيل، فقال: هذا * * * باب التصاوير والجرس وما يُكره منها في بيان ما يتعلق بحكم استصحاب التصاوير أي: تماثيل الحيوانات والجرس وما يكره منها، أي: من التصاوير، وفي نسخة: منه فالضمير المجرور عائد إلى الجرس، والجرس محركة ما يعلق بعنق الدابة فيصوت، كذا في (المغرب)، والأولى تقديم الجرس على التصاوير وفاقًا بالأحاديث استنبط هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الأمر والنهي. محمد قال: بنا كذا في نسخة. ٩٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سالم بن عبد الله، عن الجرّاح مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة: أن رسول الله ﷺ قال: "العِير التي فيها جَرَسٌ لا تصحبها الملائكة". قال محمد: إنما نرى ذلك كُره في الحرب؛ لأنه يُنذر به العدوّ. • أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر وأبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكانا ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة عن الجرّاح بفتح الجيم وتشديد

стр. 1678

الراء مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة: أن رسول الله ﷺ قال: "العير بكسر العين المهملة وسكون التحتية ثم راء أي: القافلة التي فيها جَرَسٌ بضم الجيمَ والراء ثم سين مهملة، وحكى القاضي عياض إسكان الراء والتخفيف أنه يفتحها اسم الآلة وسكونها اسم الصوت يعني: القافلة التي تعلق على عناق الدواب جرسًا، يقال لها باللسان التركي: جاك لا تصحبها أي: لا تقرن بالعير التي علقت آلة الجرس على أعناق دوابهم الملائكة" أي: غير الكتبة هذا شاهد على الجزء الثاني من الترجمة. قال محمد: أي: المصنف ﵀ إنما روى أي: الإِمام مالك وفي نسخة: نرى بصيغة المجهول أي: كره عن الجرس ذلك أي: النهي في الحرب، أي: لا في غيره لأنه يُنذر به أي: بالجرس العدوّ وفيه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد ورد: "الجرس من أمر الشيطان" رواه أحمد في مسنده ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁، وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جرس" (١). * * * ٩٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر مولى عمر بن عَبْد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود: أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حُنيف، فدعا أبو طلحة إنسانًا، يَنْزعُ نَمَطًا تحته، فقال سهلُ بن حُنيف: لم تنزِعُه؟ فقال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسول الله ﷺ فيها ما قد علمت، قال سهل: أوَلَم يقل: "إلا ما كان رَقْمًا في ثوب؟ "، قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. قال محمد: وبهذا نأخذ، ما كان فيه تصاوير من بساط يُبسط، أو فراش، أو وسادة، فلا بأس بذلك، إنما نكره ذلك في الستر، وما يُنصب نصْبًا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1679

• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ثم راء، اسمه سالم بن أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، يعد من التابعين، روى عنه مالك والثوري وابن عيينة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة، كذا قاله الطيبي في (ذيل شرح مشكاة المصابيح) وابن حجر في (تقريب التهذيب). مولى عمر بن عبيد الله بضم العين المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية عن عبيد الله بالتصغير ابن عبد الله بفتح العين ابن عُتْبة بن مسعود: الهذلي، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين وقيل: سنة ثمان وتسعين، كذا قاله ابن حجر. أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري الخزرجي كان اسمه زيد بن سهل يعوده، أي: يزوره في موضعه فوجد عنده سهل بن حُنيف، بضم الحاء المهملة وفتح النون وسكون التحتية ثم فاء فدعا أبو طلحة إنسانًا، أي: رجلًا من خدمه يَنْزعُ أي: يخرج نَمَطًا بفتح النون والميم وطاء مهملة ضرب من البسط له خمل رقيق كذا ذكره السيوطي (١). قوله: خمل بفتح الخاء المعجمة وسكون الميم ثم لام يقال له بالتركي: صحق تحته، أي: كائنًا تحت بدنه فقال أي: لأبي طلحة سهلُ بن حُنيف: لم تنزِعُه؟ أي: لأي شيء ترفعه فقال: لأن فيه تصاوير، أي: تماثيل ذات أجسام هذا شاهد للجزء الأول من الترجمة وقد قال رسول الله ﷺ فيها أي: في حق التصاوير ما قد علمت، أي: أبا سهل من قوله: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل أو صورة" (٢) رواه أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفي رواية علي كرم الله وجهه أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة (٣) رواه ابن ماجه قال سهل: ألَم يقل: وفي نسخة: أولم يقل بالواو فالواو عطف على مقدر تقديره: ألم تعلم يا أبا طلحة ما قاله ﷺ ، وألم يقل رسول الله ﷺ : "إلا ما كان رَقْمًا بفتح الراء المهملة وسكون القاف أي نقشًا في ثوب؟ "، قال: بلى،

стр. 1680

أي: قد قال ذلك ولكنه أي: إلا أن الثوب الذي فيه نقش أطيب لنفسي أي: لقلبي كما في نسخة للبعد عن الصور من حيث هو قال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها كانت ذات أجسام حرم إجماعًا (ق ٩٣٠) وإن كانت رقمًا فأربعة أقوال: الجواز مطلقًا لظاهر هذا الحديث، والمنع مطلقًا حتى الرقم والتفصيل، فإن كانت الصورة ثابتة الهيئة قائمة الشكل حرام وإن قطعت الرأس وتفرقت الأجزاء، وهذا هو الأصح، والرابع: إن كان مما يثمن جاز، وإن كان معلقًا فلا انتهى. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل أنا وأهل الكوفة هنا إلا بما رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ما أي: بساط كان فيه تصاوير من بساط يُبسط، أو فراش، أو وسادة، أي: يتوسد أي مستند فلا بأس بذلك، أي: لا كراهة باستعماله هكذا إنما نكره أي: يحرم ذلك أي: البساط ذو الصور في الستر، أي: المعلق وما يُنصب نصْبًا، أي: ظاهرًا والأعلى تعظيمه وهو أي: جواز استعمال البساط ذي الصور بساطًا وفراشًا ووسادة قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم استعمال ذي الصورة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم اللعب بالنرد، فقال: هذا * * * باب اللعب بالنرد في بيان ما يتعلق بحكم اللعب بالنرد بفتح النون وسكون الراء المهملة ثم دال مهملة بلغة الفرس حلو، ويسمى الكصاب والأرق والنردشير قيل: إن الأوائل في أمور الدنيا وجدوها على أسلوبين: أحدهما: ما يجري بحكم الاتفاق فوضعوا له النرد للشعر النقش به. والثاني: ما يجري بحكم السعي والتحصيل فوضعوا له الشطرنج لتشعر النفس وتنهض الخواطر إلى عمل مثله من المطلوبات، ويقال: إن واضع النرد وضعه على رأي أصحاب الحيوية وواضع الشطرنج وضعه على وضع القدرية. محمد قال: بنا كذا في نسخة.

стр. 1681

٩٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْد فقد عصى الله ورسوله". قال محمد: لا خير باللعب كلها من النرد والشَّطْرنج، وغير ذلك. • أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، الدياي بكسر الدال وسكون التحتية، مولاهم يكنى أبا عروة المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة عن سعيد بن أبي هند، الفزاري مولاهم ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين، مات سنة ست عشرة وقيل بعدها ومائة كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي موسى اسمه عبد الله بن قيس الأشعري: ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْد بفتح النون وسكون الراء ودال مهملة قطع ملونة من خشب البقس وعظم الفيل وغير ذلك فقد عصى الله ورسوله" كذا روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم في (مستدركه)، وإنما هي عن لعب النرد؛ لأنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغل القلب فيحرم اللعب به باتفاق السلف، بل حكى بعضهم عليه الإجماع ونوزع، وقيل: سبب حرمته أن واضعه سابور بن أردشير أول ملوك ساسان شبه رقعته بوجه الأرض والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة، والشخوص الثلاثين بثلاثين يومًا والسواد والبياض بالليل والنهار، والبيوت اثنى عشر لشهور السنة، والكعاب الثلاثة بالأقفية السماوية فيما للإِنسان وعليه ما ليس له ولا عليه والخصال بالأعراض التي يسعى الإِنسان لأجلها، وللعب بها بالكسب فصار من يلعب بها حقيقًا بالوعيد، (ق ٩٣١) لاجتهاده في إحياء سنة المجوس المتكبرة على الله وهذا الحديث رواه أبو داود وغيره من طريق مالك وقال الحاكم: على شرط الشيخين. قال محمد: لا خير أي: في آلة اللعب باللعب أي: بسبب اللعب الحرام كلها من النرد بيان باللعب الحرام، فإن بعض اللعب مباح كملاعبة الزوج مع زوجته والسيد مع

стр. 1682

أمته، وكملاعبة الفرس مع فرسه، وصاحب القوس مع قوسه، والسيف مع سيفه لاستعداد الحرب، وأما اللعب بالنرد فحرام بالاتفاق مسقط للعدالة بالإِجماع؛ فإنه كبيرة. كذا قاله محمد القهستاني في (جامع الرموز) قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" رواه مسلم عن بريدة ﵁. قال النووي: معناه في حال أكله منه فشبه اللعب به في تحريمه بتحريم أكله، وقال غيره: هو كناية عن تزكية، وهو حرام فدل على تحريم اللعب وهو نص حديث المصنف عن مالك: "فقد عصى الله ورسوله" كما قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١). والشَّطْرنج، وغير ذلك وهو بكسر الشين المعجمة وسكون الطاء المهملة وفتح الراء المهملة وسكون النون ثم جيم على وزن جردقل بكسر الجيم وسكون الراء وفتح الدال وسكون القاف، ثم لام، يعني اللعب به حرام وكبيرة عندنا. قال علي القارى: حرمته إذا كان بشرط قمار وأما بدونه وشروط أخر فمباح عند الشافعي انتهى. قال في (الكافي): وفي إباحته إعانة للشيطان على الإِسلام والمسلمين انتهى. قال رسول الله ﷺ : "ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير" رواه عبدان وأبو موسى الأشعري وابن حزم ﵃ أجمعين كذا أورده جلال الدين السيوطي في (الجامع الصغير). قال الذهبي: وأكل لحم الخنزير حرام بإجماع المسلمين، ومن ثمة ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى تحريمه، أعني الشطرنج. وقال الشافعي: يكره ولا يحرم فقد لعبه جماعة من الصحابة ومن لا يحصى من التابعين ومن بعدهم كذا قاله المناوي. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم اللعب بالنرد، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الناظر إلى اللعب. * * *

стр. 1683

باب النظر إلى اللعب في بيان حكم النظر إلى اللعب المباح فالألف واللام في اللعب للعهد، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الكراهة والإِباحة. محمد قال: بنا، كذا في نسخة. ٩٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر، أنه أخبره من سمع عائشة رضوان الله عليها تقول: سمعتُ صوت أناس يلعبون من الحَبَشِ وغيرهم يومَ عاشوراء، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "أتحبِّينَ أن ترين لَعِبَهم؟ " قالت: قلتُ: نعم، قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إليهم، فجاؤُوا، وَقام رسول الله ﷺ بين الناس، فوضع كفَّه على الباب، ومدّ يده، ووضعتُ ذَقْني على يده، فجعلوا يلعبون وأنا انظر، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "حسبك. قالت: وأسكتُ مرتين، أو ثلاثًا، ثم قال لي: "حسبك"، فقلتُ: نعم، فأشار إليهم فانصرفوا. • أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر، وقد ذكر طبقاته قبل الباب السابق أنه أخبره يعني: قال: أبو النضر أخبرني من مرفوع محله؛ لأنه فاعل لا خبره سمع عائشة رضوان الله عليها تقول: أي: حال كون عائشة تقول: سمعتُ صوت أناس يلعبون أي: بالحربة، وهي من آلات الحرب وفيها دفع الكرب من الحَبَشِ بيان لأناس وهو بفتحتين جنس من السودان وغيرهم يومَ عاشوراء، أي: يوم العاشر من شهر المحرم (ق ٩٣٢) على ما في نسخة؛ فإن قيل: ما الحكمة في لعبهم يوم عاشوراء، أجيب بأنهم أظهروا السرور وجعلوا ذلك اليوم عيدًا بتخليص الله تعالى أجدادهم نوح صلوات الله على نبينا وعليه من الغرق بالماء حين ملئ بين المشرق والمغرب بالماء وهم في أصلاب آبائهم في ذلك اليوم قالت: فقال رسول الله ﷺ : "أتحبِّينَ أي: يا عائشة أن ترين أي: أن تنظر لَعِبَهم؟ " قالت: أي: حكت عن نفسه بأن تقول: قلتُ: نعم، أي: أحب النظر إلى لعبهم فأرسل رسول الله ﷺ إليهم، أي: داعيًا لهم فجاؤُوا، أي: قرب الدار وقام رسول الله ﷺ بين الناس، أي:

стр. 1684

خارج الباب فوضع كفَّه على الباب، ومدّ يده, أي: لزيادة الحجاب ووضعتُ ذَقْني على يده؛ أي: على طريق الإِحباب فجعلوا أي: شرعوا يلعبون وأنا انظر, أي: إلى لعبهم قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "حسبك"، بتقدير حرف الاستفهام أي: أيكفيك قالت: وأسكتُ مرتين، أو ثلاثًا، ثم قال لي: كذا في نسخة "حسبك"، فقلتُ: نعم، أي: يكفيني النظر إلى لعبهم فأشار إليهم فانصرفوا. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالنظر إلى اللعب المباح، شرع في بيان ما يتعلق بحكم إيصال المرأة شعر رأسها بشعر غيرها من الآدميين، فقال: هذا * * * باب المرأة تصل شعرها بشعر زوجها في بيان ما يتعلق بحكم حال المرأة تصل شعرها بشعر غيرها أي: من الآدميين، وهو مكروه، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى الاستحسان والكراهة، وهما ضدان. محمد قال: بنا كذا في نسخة. ٩٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حَجَّ وهو على المنبر يقول: يا أهل المدينة, أين علماؤكم - وتناول قُصَّةً من شعر كانت في يدي حَرَسيّ - سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه، ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم". قال محمد: وبهذا نأخذ، يكره للمرأة أن تصل شعرًا إلى شعرها، أو تتخذ قُصَّة شعر، ولا بأس بالوصل في الرأس إذا كان صوفًا، فأما الشعر من شعور الناس فلا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1685

• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، فقيه ثبت، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن حُميد بالتصغير ابن عبد الرحمن بن الزهري المدني ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة على الصحيح أنه سمع معاوية بن أبي سفيان اسمه صخر بن حرب الأموي عام حَجَّ أي: سنة سبع وخمسين وهو على المنبر أي: منبر رسول الله ﷺ بالمدينة. قال ابن جرير: أو حجة حجها بعد الخلافة سنة أربع وأربعين وآخر حجة حجها بعد الخلافة سنة تسع وخمسين يقول: يا أهل المدينة, أين علماؤكم - أي: بالحديث أو علماؤكم المنكرون لهذا الحكم ولذلك المنكر وتناول أي: أخذ معاوية قُصَّةً بضم القاف وتشديد الصاد المهملة المفتوحة خصلة، وهي قطعة حبل مفتول من شعر تزيدها المرأة في شعرها كتوهم كثرته كانت في يدي حَرَسيّ - بفتح الحاء المهملة والراء وكسر السين المهملات وتحتية من خدمة الذين يحرسونه، زاد في رواية الطبراني: "وجدت هذه عند أهلي وزعموا أن النساء يزرنه في شعورهن"، وفي رواية ابن المسيب: "ما كنت أرى يفعل هذا غير اليهود" سمعتُ رسول الله ﷺ (ق ٩٣٣) ينهى عن مثل هذا, أي: الفعل وفي نسخة: هذه أي: القصة ووصل بالشعر ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه أي: الفعلة وفي نسخة: اتخذها نساؤهم" أي: وهم رضوا بذلك، وفيه إشارة إلى أن هذا أمر منكر حتى في المل السابقة فإنهم نهوا تحريمًا عن ذلك فاتخذوه استخفافًا فهلكوا. قال محمد: وبهذا نأخذ, أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه حميد بن عبد الرحمن عن معاوية بن أبي سفيان يكره أي: تحريمًا للمرأة أن تصل شعرًا إلى شعرها, أي: ولو طاق، وفي نسخة: شعرها مقدم على شعرًا أو تتخذ قُصَّة بضم القاف وفتح الصاد المهملة المشددة مضاف إلى شعر, أي: قاصة من شعر الرأس، والذي منعوا منه جاء عن نبينا مثله عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: أن رسول الله ﷺ "لعن الواصلة والمتوصلة والواشمة والمتوشمة" (١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيره،
следующие страницы →