٩٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْد فقد عصى الله ورسوله".
قال محمد: لا خير باللعب كلها من النرد والشَّطْرنج، وغير ذلك.
• أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، الدياي بكسر الدال وسكون التحتية، مولاهم يكنى أبا عروة المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة عن سعيد بن أبي هند، الفزاري مولاهم ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين، مات سنة ست عشرة وقيل بعدها ومائة كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي موسى اسمه عبد الله بن قيس الأشعري: ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْد بفتح النون وسكون الراء ودال مهملة قطع ملونة من خشب البقس وعظم الفيل وغير ذلك فقد عصى الله ورسوله" كذا روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم في (مستدركه)، وإنما هي عن لعب النرد؛ لأنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغل القلب فيحرم اللعب به باتفاق السلف، بل حكى بعضهم عليه الإجماع ونوزع، وقيل: سبب حرمته أن واضعه سابور بن أردشير أول ملوك ساسان شبه رقعته بوجه الأرض والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة، والشخوص الثلاثين بثلاثين يومًا والسواد والبياض بالليل والنهار، والبيوت اثنى عشر لشهور السنة، والكعاب الثلاثة بالأقفية السماوية فيما للإِنسان وعليه ما ليس له ولا عليه والخصال بالأعراض التي يسعى الإِنسان لأجلها، وللعب بها بالكسب فصار من يلعب بها حقيقًا بالوعيد، (ق ٩٣١) لاجتهاده في إحياء سنة المجوس المتكبرة على الله وهذا الحديث رواه أبو داود وغيره من طريق مالك وقال الحاكم: على شرط الشيخين.
قال محمد: لا خير أي: في آلة اللعب باللعب أي: بسبب اللعب الحرام كلها من النرد بيان باللعب الحرام، فإن بعض اللعب مباح كملاعبة الزوج مع زوجته والسيد مع
стр. 1682
أمته، وكملاعبة الفرس مع فرسه، وصاحب القوس مع قوسه، والسيف مع سيفه لاستعداد الحرب، وأما اللعب بالنرد فحرام بالاتفاق مسقط للعدالة بالإِجماع؛ فإنه كبيرة. كذا قاله محمد القهستاني في (جامع الرموز) قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" رواه مسلم عن بريدة ﵁.
قال النووي: معناه في حال أكله منه فشبه اللعب به في تحريمه بتحريم أكله، وقال غيره: هو كناية عن تزكية، وهو حرام فدل على تحريم اللعب وهو نص حديث المصنف عن مالك: "فقد عصى الله ورسوله" كما قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١).
والشَّطْرنج، وغير ذلك وهو بكسر الشين المعجمة وسكون الطاء المهملة وفتح الراء المهملة وسكون النون ثم جيم على وزن جردقل بكسر الجيم وسكون الراء وفتح الدال وسكون القاف، ثم لام، يعني اللعب به حرام وكبيرة عندنا.
قال علي القارى: حرمته إذا كان بشرط قمار وأما بدونه وشروط أخر فمباح عند الشافعي انتهى.
قال في (الكافي): وفي إباحته إعانة للشيطان على الإِسلام والمسلمين انتهى.
قال رسول الله ﷺ : "ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير" رواه عبدان وأبو موسى الأشعري وابن حزم ﵃ أجمعين كذا أورده جلال الدين السيوطي في (الجامع الصغير).
قال الذهبي: وأكل لحم الخنزير حرام بإجماع المسلمين، ومن ثمة ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى تحريمه، أعني الشطرنج.
وقال الشافعي: يكره ولا يحرم فقد لعبه جماعة من الصحابة ومن لا يحصى من التابعين ومن بعدهم كذا قاله المناوي.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم اللعب بالنرد، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الناظر إلى اللعب.
* * *
стр. 1683
باب النظر إلى اللعب
في بيان حكم النظر إلى اللعب المباح فالألف واللام في اللعب للعهد، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الكراهة والإِباحة. محمد قال: بنا، كذا في نسخة.
٩٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر، أنه أخبره من سمع عائشة رضوان الله عليها تقول: سمعتُ صوت أناس يلعبون من الحَبَشِ وغيرهم يومَ عاشوراء، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "أتحبِّينَ أن ترين لَعِبَهم؟ " قالت: قلتُ: نعم، قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إليهم، فجاؤُوا، وَقام رسول الله ﷺ بين الناس، فوضع كفَّه على الباب، ومدّ يده، ووضعتُ ذَقْني على يده، فجعلوا يلعبون وأنا انظر، قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "حسبك. قالت: وأسكتُ مرتين، أو ثلاثًا، ثم قال لي: "حسبك"، فقلتُ: نعم، فأشار إليهم فانصرفوا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر، وقد ذكر طبقاته قبل الباب السابق أنه أخبره يعني: قال: أبو النضر أخبرني من مرفوع محله؛ لأنه فاعل لا خبره سمع عائشة رضوان الله عليها تقول: أي: حال كون عائشة تقول: سمعتُ صوت أناس يلعبون أي: بالحربة، وهي من آلات الحرب وفيها دفع الكرب من الحَبَشِ بيان لأناس وهو بفتحتين جنس من السودان وغيرهم يومَ عاشوراء، أي: يوم العاشر من شهر المحرم (ق ٩٣٢) على ما في نسخة؛ فإن قيل: ما الحكمة في لعبهم يوم عاشوراء، أجيب بأنهم أظهروا السرور وجعلوا ذلك اليوم عيدًا بتخليص الله تعالى أجدادهم نوح صلوات الله على نبينا وعليه من الغرق بالماء حين ملئ بين المشرق والمغرب بالماء وهم في أصلاب آبائهم في ذلك اليوم قالت: فقال رسول الله ﷺ : "أتحبِّينَ أي: يا عائشة أن ترين أي: أن تنظر لَعِبَهم؟ " قالت: أي: حكت عن نفسه بأن تقول: قلتُ: نعم، أي: أحب النظر إلى لعبهم فأرسل رسول الله ﷺ إليهم، أي: داعيًا لهم فجاؤُوا، أي: قرب الدار وقام رسول الله ﷺ بين الناس، أي:
стр. 1684
خارج الباب فوضع كفَّه على الباب، ومدّ يده, أي: لزيادة الحجاب ووضعتُ ذَقْني على يده؛ أي: على طريق الإِحباب فجعلوا أي: شرعوا يلعبون وأنا انظر, أي: إلى لعبهم قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "حسبك"، بتقدير حرف الاستفهام أي: أيكفيك قالت: وأسكتُ مرتين، أو ثلاثًا، ثم قال لي: كذا في نسخة "حسبك"، فقلتُ: نعم، أي: يكفيني النظر إلى لعبهم فأشار إليهم فانصرفوا.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالنظر إلى اللعب المباح، شرع في بيان ما يتعلق بحكم إيصال المرأة شعر رأسها بشعر غيرها من الآدميين، فقال: هذا
* * *
باب المرأة تصل شعرها بشعر زوجها
في بيان ما يتعلق بحكم حال المرأة تصل شعرها بشعر غيرها أي: من الآدميين، وهو مكروه، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى الاستحسان والكراهة، وهما ضدان.
محمد قال: بنا كذا في نسخة.
٩٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حَجَّ وهو على المنبر يقول: يا أهل المدينة, أين علماؤكم - وتناول قُصَّةً من شعر كانت في يدي حَرَسيّ - سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه، ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم".
قال محمد: وبهذا نأخذ، يكره للمرأة أن تصل شعرًا إلى شعرها، أو تتخذ قُصَّة شعر، ولا بأس بالوصل في الرأس إذا كان صوفًا، فأما الشعر من شعور الناس فلا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1685
• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، فقيه ثبت، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن حُميد بالتصغير ابن عبد الرحمن بن الزهري المدني ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة على الصحيح أنه سمع معاوية بن أبي سفيان اسمه صخر بن حرب الأموي عام حَجَّ أي: سنة سبع وخمسين وهو على المنبر أي: منبر رسول الله ﷺ بالمدينة.
قال ابن جرير: أو حجة حجها بعد الخلافة سنة أربع وأربعين وآخر حجة حجها بعد الخلافة سنة تسع وخمسين يقول: يا أهل المدينة, أين علماؤكم - أي: بالحديث أو علماؤكم المنكرون لهذا الحكم ولذلك المنكر وتناول أي: أخذ معاوية قُصَّةً بضم القاف وتشديد الصاد المهملة المفتوحة خصلة، وهي قطعة حبل مفتول من شعر تزيدها المرأة في شعرها كتوهم كثرته كانت في يدي حَرَسيّ - بفتح الحاء المهملة والراء وكسر السين المهملات وتحتية من خدمة الذين يحرسونه، زاد في رواية الطبراني: "وجدت هذه عند أهلي وزعموا أن النساء يزرنه في شعورهن"، وفي رواية ابن المسيب: "ما كنت أرى يفعل هذا غير اليهود" سمعتُ رسول الله ﷺ (ق ٩٣٣) ينهى عن مثل هذا, أي: الفعل وفي نسخة: هذه أي: القصة ووصل بالشعر ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه أي: الفعلة وفي نسخة: اتخذها نساؤهم" أي: وهم رضوا بذلك، وفيه إشارة إلى أن هذا أمر منكر حتى في المل السابقة فإنهم نهوا تحريمًا عن ذلك فاتخذوه استخفافًا فهلكوا.
قال محمد: وبهذا نأخذ, أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه حميد بن عبد الرحمن عن معاوية بن أبي سفيان يكره أي: تحريمًا للمرأة أن تصل شعرًا إلى شعرها, أي: ولو طاق، وفي نسخة: شعرها مقدم على شعرًا أو تتخذ قُصَّة بضم القاف وفتح الصاد المهملة المشددة مضاف إلى شعر, أي: قاصة من شعر الرأس، والذي منعوا منه جاء عن نبينا مثله عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: أن رسول الله ﷺ "لعن الواصلة والمتوصلة والواشمة والمتوشمة" (١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيره،
стр. 1686
قوله: الواصلة: هي المرأة التي تصل الشعر بشعر النساء والمتوصلة: المعمول بها ذلك وقوله: الواشمة: هي التي تغرز اليد أو الوجه بالارثم تحشوا ذلك المكان كحلًا أو مدادًا، والمتوشمة: المعمول بها ذلك. كذا قاله الإِمام المنذري في (ترهيبه).
قال الفاضل محمد الزرقاني: قوله: إن رسول الله ﷺ : "لعن الواصلة والمتوصلة" يحتمل أنه يكون خبرًا فيكون حكاية من الله تعالى، ويحتمل أنه دعا منه ﷺ لا ينبغي لشأنه الشريف أن يدعو بالشيء من فعل ذلك من أمته، ولأنه تعالى أمره بأنه قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ ولأنه كان رحمة للعالمين وأنه تعالى أثنى عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وسبب ورود هذا الحديث عن عائشة ﵂ أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط أي: سقط شعر رأسها، فأرادوا أن يصلوها فسألوا النبي ﷺ فقال: "لعن الله الواصلة والمتوصلة" وفي رواية: أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعط شعر رأسها فجاءت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له وقالت: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها، فقال: "لا إنه قد لعن الموصولات". (١) كذا رواه البخاري ومسلم ولا بأس بالوصل في الرأس أي: في شعر الرأس إذا كان صوفًا, أي: شعر الضأن، وكذا إذا كان وبرًا وهو شعر الإِبل، فإن الشعر إذا أطلق فالمراد به شعر المعز، كما قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠] لكن المصنف ﵀ أراد بالصوف شعر الحيوان مطلقًا ليتناول شعر الفرس ونحوه أيضًا لقوله: فأما الشعر من شعور الناس فلا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وفي قاضي خان: لا بأس للمرأة أن يجعل في قرونها وذؤابتها شيئًا من (ق ٩٣٤) الوبر، ويكره أن تصل شعرها بشعر غيرها انتهى.
ولا يخفى أن إطلاق الحديث تفيد العموم ولو من شعرها لا سيما والعلة هو التزوير، فلا يظهر فرق بين شعر وشعر في التصوير كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال المرأة تصل شعرها بشعر غيرها، شرع في بيان ما يتعلق بالشفاعة، فقال: هذا
* * *
стр. 1687
باب الشفاعة
في بيان ما يتعلق بالشفاعة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق ترهيب وترغيب.
محمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة.
٩٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ لكل نبي دعوة، فأريدُ إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة".
• أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين. كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي هريرة ﵁ عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ لكل نبي دعوة, أي: مستجابة في حق العامة من الأمة، وقد صرفوها في إهلاك أممهم فأريدُ إن شاء الله أي: إن وقع وفق إرادته أن أختبئ وفي (الموطأ) لمالك: أن أخبئ أي: أخفي وأُأخر دعوتي شفاعةً لأمتي أي: خاصة بالأصالة ولغيرهم تبعًا يوم القيامة" والمراد بها الشفاعة الكبرى في المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون، وفيه تنبيه على أنه رحمة للعالمين، وإيماء إلى أن سائر الأمم أمته بالقوة الرحمانية أو بالفعل أيضًا اعتبار المسابقة الروحانية.
والحديث رواه أحمد والشيخان عن أنس بلفظ: "إن لكل نبي دعوة قد دعا في أمته فاستجيب له، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة" كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الشفاعة، شرع ما يتعلق في الطيب، فقال: هذا
* * *
стр. 1688
باب الطيب للرجل
الطيب للرجل أي: في بيان جواز استعمال الرجل الطيب.
محمد قال: بنا كذا، في نسخة.
٩٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن الخطاب كان يتطيَّب بالمسك المفتَّت اليابس.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالمسك للحي وللميت أن يُتَطيَّب به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أن عمر بن الخطاب كان يتطيَّب أي: يستعمل بالمسك المفتَّت أي: المسكر اليابس.
قال محمد: وبهذا نأخذ, أي: لا نعمل إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن عمر بن الخطاب موقوفًا لا بأس بالمسك أي: باستعماله للحي وللميت أن يُتَطيَّب به, أي: بل يستحب لاستعماله ﷺ حيًا وميتًا وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: علماء أهل الكوفة.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بجواز استعمال الرجل الطيب، شرع في بيان ما يتعلق بجواز الدعاء على الكفار.
* * *
باب الدعاء
الدعاء أي: في بيان جواز دعاء المؤمنين على الكفار.
قال محمد: بنا كذا في نسخة.
стр. 1689
٩١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قَتَلوا أصحاب بئر مَعُونَة ثلاثين غداةً، يدعو على رِعْل وذكوان ولحْيَان وعصيَّة: عصت الله ورسوله، قال أنس: نزل في الذين قُتِلوا ببئر مَعُونة قرآن قرأناه حتى نُسخ: بلّغوا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه.
• أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، الأنصاري المدني، يكنى أبا يحيى ثقة حجة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين (ق ٩٣٥) والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة عن أنس بن مالك قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قَتَلوا أي: من المشركين أصحاب بئر مَعُونَة بفتح الميم وضم العين المهملة وسكون الواو بعدها نون موضع ببلاد هزيل بين مكة وعسفان، وذلك في صفر على رأس سنة وثلاثين شهرًا من الهجرة على رأس أربعة أشهر قوله: ثلاثين غداةً, أي: صباحًا ظرف لقوله: دعا رسول الله ﷺ يدعو جملة استئنافية على رِعْل بكسر الراء وسكون العين المهملة ثم لام بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك وذكوان بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف فألف بين الواو والنون بطن من سليم ينسبون أيضًا إلى ذكوان بن ثعلبة ولحْيَان بكسر اللام وسكون الحاء المهملة فألف بين التحتية والنون وعصيَّة: بالتصغير عصت الله ورسوله, أي: هذه الطوائف نعت أو حال أو استئناف فيه تقليل قال أنس: نزل في الذين قُتِلوا أي: في حق المقتولين ببئر مَعُونة قرآن أي: بعض منه قرأناه أي: أولًا حتى نسخ: أي: تلاوته، وهو قوله تعالى حكاية عنهم: بلّغوا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا يحتمل أن يكون فاعلًا أو مفعولًا فرضي عنا ورضينا عنه والحديث في صحيح مسلم، وهذه الغزوة تعرف بسرية القراء وكان من أمرها كما قال ابن إسحاق: إنه قدم أبو براء عامر بن مالك مع جعفر المعروف بملاعب الأسنة على رسول الله ﷺ فعرض عليه الإِسلام ولم يبعد عن الإِسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجلًا من أصحابك إلى نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيوا لكم فقال ﷺ : "إني أخشى نجد عليهم". قال أبو براء: أنا لهم جار أي: حافظ فابعثهم، فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو رفعة القراء وهم سبعون،
стр. 1690
وقيل: أربعون، وقيل: ثلاثون، وقد بين قتادة في روايته أنهم كانوا يختطبون بالنهار ويصلون بالليل.
وفي رواية ثابت: يشترون به الطعام لأهل الصفة ويتدارسون القرآن بالليل فساروا حتى نزلوا بشر معونة، فبعثوا حزام بن ملحان بكتابه ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدى على رجل فقتله، ثم استصرخ بني عامر فلم يجيبوه وقالوا: لن تحقر بإبراء وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا أي: حفظًا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم وعصية ورعلًا فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم قال ابن سعد عن أنس: "ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة" أي: حزن عليهم حزنًا شديدًا أو أمرًا مريرًا. كذا قاله الفاضل علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بجواز دعاء المسلمين بالشر على الكفار، شرع في بيان ما يتعلق برد السلام، فقال: هذا
* * *
باب رد السلام
في بيان ما يتعلق بكيفية رد السلام وما (ق ٩٣٦) فيه من الفضل اقتبس هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق رد الكلام إلى الغير بالخير والشر.
محمد قال: بنا كذا في نسخة.
٩١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو جعفر القاري، قال: كنتُ مع ابن عمر فكان يُسلَّم عليه، فيقول: السلام عليكم، فيرد مثل ما يُقال له.
قال محمد: لا بأس به، وإن زاد: الرحمة والبركة فهو أفضل.
• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو جعفر القاري، بتشديد التحتية المدني المخزومي، مولاهم اسمه يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن فيروز، وقيل: فيروز، ثقة كان في الطبقة
стр. 1691
السابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين وقيل: سنة ثلاثين ومائة قال: كنت مع ابن عمر فكان يُسلَّم عليه، بصيغة المجهول أي: فكان الناس يسلمون فيقول: السلام عليكم، يرد وفي نسخة: فيرد بالفاء مثل ما يُقال له أي: بعينه بغير زيادة عليه، والمثل يستعمل بحسب اصطلاح المحدثين، فأما إذا كان الموافقة بين المحدثين في اللفظ والمعنى والنحو يستعمل بحسب اصطلاح المحدثين إذا كانت الموافقة في المعنى فقط كذا قاله المبرك في (شرح الشمائل) للترمذي.
قال محمد: لا بأس به، وإن زاد: الرحمة والبركة أي: بأن قال ورحمة الله وبركاته وفي نسخة: البركة مقدمة على الرحمة فهو أفضل أي: لأنه وافق بما قال تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وذلك أن رسول الله ﷺ لما عظم لربه في المعراج بأنواع التعظيم في ثلاث كلمات مكافأة بكلماته ﷺ ، وقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فليطلب معنى التشهد في كتابنا (سلام الفلاح).
* * *
٩١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن الطُفَيْل بن أبي بن كعب أخبره، أنه كان يأتي عبد الله بن عمر، فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غَدَوْنا إلى السوق لم يمرّ عبد الله بن عمر على سقَّاطٍ ولا صاحب بيع ولا مسكينٍ ولا أَحَدٍ إلا سَلَّمَ عليه عبد الله، قال الطفيل: فجئتُ عبد الله بن عمر يومًا فاستتبعني إلى السوق، قال: فقلتُ: ما تصنع بالسوق؟ ولا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تساوم بها، ولا تجلس في مجلس سوق، اجلس بنا ههنا نتحدث، قال: فقال عبد الله بن عمر: يا أبا بطن - وكان الطفيل ذا بطن: إنما نغدو من أجْل السلام؛ نُسلِّمُ على من لقينا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: وقد مر ترجمته في الباب
стр. 1692
السابق أن الطُفَيْل بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية ثم لام ابن أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي، كان يقال له: أبو بطن، لعظم بطنه ثقة يقال له: ولد في عهد النبي ﷺ ، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، أخبره، أنه كان يأتي عبد الله بن عمر، يجيء إلى خدمة عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ فيغدو معه بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وضم الدال وسكون الواو يصحب الطفيل بن أبي بن كعب مع ابن عمر إلى السوق، قال: أي: الطفيل وإذا غَدَوْنا وفي نسخة: فإذا بالفاء بدل الواو إلى السوق لم يمرّو في (الموطأ) لمالك: لم يمرر بفك الإِدغام عبد الله بن عمر على سقَّاطٍ بفتح السين المهملة وتشديد القاف أي: بائع المتاع الرديء وحقيره ولا صاحب بيعة أي: مطلقًا وفي (الموطأ) لمالك: ولا صاحب بيع بكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح العين فهاء.
قال الهروي: من البيع كالركية والسرية والقعدة فالسقاط تباع السقط ولا مسكينٍ أي: من فقراء المسلمين ولا أَحَدٍ أي: ممن لقيه، وهو عام قدم عليه الخاص اهتمامًا به إلا سَلَّمَ عليه عبد الله، أي: مبادرة، فإن السلام سنة ومع هذا أفضل من جوابه مع أنه فريضة قال الطفيل: أي: ابن أبي بن كعب كما في نسخة فجئتُ عبد الله بن عمر يومًا فاستتبعني (ق ٩٣٧) إلى السوق, أي: طلبني أن أتبعه عليها قال: أي: الطفيل فقلتُ: أي: لابن عمر وما تصنع في السوق؟ وفي نسخة: بالسوق وأنت لا تقف أي: والحال أنت يا ابن عمر لا تمكث زمانًا قليلًا على البيع، بفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة ثم العين المهملة أي: البائع ولا تسأل عن السلع، بكسر السين المهملة وفتح اللام فعين مهملة جمع السلعة وهي المتاع ولا تساوم بها، ولا تسأل عن قيمة السلع ولا عن ثمنها وما يتعلق بها ولا تجلس في مجلس سوق، أي: لتنزه فيها بالنظر على من يمر من أهلها اجلس أمر مخاطب من باب ضرب والباء للمصاحبة كما في قوله تعالى في سورة هود: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي: معه كذا قاله ابن هشام يعني قال الطفيل: قلت لابن عمر: اجلس معنا ههنا نتحدث، أي: نتكلم في أمر ديننا ولا نذهب إلى السوق لعدم الحاجة له قال: فقال عبد الله بن عمر: يا أبا بطن - قوله: وكان الطفيل ذا بطن -: جملة معترضة أو استئنافية أو حالية أي: فكأنه يقال له: أبو بطن لعظم بطنه إنما نغدو من أجْل السلام؛ نُسلِّمُ على من لقينا أي: هو من لقيناه نحن، والمعنى إنما يذهب إليها لأجل إدراك هذه الفضيلة الجليلة والسنة الجميلة
стр. 1693
التي تترتب عليها المثوبة الجزيلة، ولا يبعد أن يكون مراده مع هذا أنه يذكر في موضع الغفلة عن نظرات عناية الحضرة كما ورد ذكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفائزين، وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، فإذا سلم على القوم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة؛ لأنه ذكرهم، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب، أسنده أبو عمر وعبد الله بن سالم ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" (١) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
* * *
٩١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود إذا سلَّم عليكم أحدهم، فإنما يقول: السام عليكم، فقولوا: عليكَ".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود جمع يهودي كروم ورومي أي: دأبهم إذا سلَّم عليكم أحدهم، فإنما يقول: السام عليكم، أي: الموت، ومنه الحديث: "لكل داء دواء إلا السام" قيل: وما السام قال: "الموت"، فإن السام بلا لام الهلاك وباللام الأمان من الهوان فقولوا: عليكَ" بلا واو وفي نسخة: عليكم بكاف الجمع المخاطب، وهو ساقط عن قلم الكاتب فلا اعتبار لها، وفي البخاري عن التنيسي بالواو، وجاءت
стр. 1694
الأحاديث في مسلم بحذفها وإثباتها، وهو أكثر واختار ابن حبيب الحذف؛ لأن الواو تقتضي إثباته على نفسه حتى يصح العطف، فيدخل معهم فيما دعوا به، وقيل: هي للاستئناف لا للعطف. كذا نقله الزرقاني (١) عن المازري، وكأنه قال: وعليك ما تستحقه من الذم.
وقال القرطبي: وكأنه (ق ٩٣٨) قال: والسلام عليك وهذا كله بعيد، والأولى أنها على بابها للعطف، غير أنها تجاب فيهم ولا يجابون فينا كما قال ﷺ .
ورواية الحذف أحسن معنى، كما اختاره المصنف، ورواية الإِثبات أصح وأشهر يعني في مسلم، وقال النووي: الصواب جواز الحذف.
قال القاضي عياض: وقال قتادة: مرادهم بالسام السامة أي: تسامون دينكم مصدر سمت سامه وسامًا مثل رضاعًا، وقد جاء هكذا مفسرًا من قوله ﷺ . وعلى هذا فرواية حذف الواو أحسن.
قال الماوردي: وأخبار بعضهم في الرد ﵈ بكسر السين أي: الحجارة، قال عبد الوهاب: والأولى أولى؛ لأن السنة وردت به؛ لأن الرد إنما يكون في جنس المردود، ولا يجوز للمسلم أن يبدأ بالسلام على الذين بلا حاجة عنده؛ لأن فيه إعزاز للكفار، وهو حرام، وإذا اجتمع المسلمون والكفار في محل يسلم عليهم ينوي المسلمين بالسلام، ولو قال: السلام على من اتبع الهدى يجوز. كذا في (الاختيار)، ويجوز للمسلم رد السلام للذي يقوله: وعليكم ولا يزيد على قوله: عليكم السلام ولا الرحمة ولا البركة، كما مر في (فتاوى) قاضي خان.
* * *
٩١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو نعيم: وهب بن كَيْسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: كنتُ جالسًا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجلٌ يماني، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئًا مع ذلك أيضًا، فقال ابن عباس: من هذا؟ وهو يومئذٍ قد ذهب بصره، قالوا: هذا اليمانيّ
стр. 1695
الذي يغشاك، فعرّفوه إياه حتى عرفه، فقال عبد الله بن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فليكفف، فإن اتباع السنة أفضل.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبو نعيم: أي: المسلم اسمه وهب بن كَيْسان، القرشي مولاهم المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة كذا قاله محمد بن أحمد الذهبي في (الكاشف) وابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) عن محمد بن عمرو بفتح العين وسكون الميم ابن عطاء، القرشي العامري المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات في حدود العشرين والمائة، ووهم من قال: إن القطان تكلم فيه أو أنه خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن فإن ذلك هو ابن عمرو بن علقمة قال: كنتُ جالسًا عند عبد الله بن عباس، ﵄ فدخل عليه رجلٌ يماني، بالتخفيف والتشديد فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئًا مع ذلك أيضًا، أي: مثل رضوانه وتحياته فقال ابن عباس: ﵄ من هذا؟ وهو أي: الحال أن ابن عباس يومئذٍ قد ذهب بصره، قالوا: هذا اليمانيّ الذي يغشاك، أي: يأتيك ويتردد إليك فعرّفوه إياه حتى عرفه، فقال وفي (الموطأ) لمالك قال: أي: محمد بن عمرو بن عطاء فقال عبد الله بن عباس: إن السلام أي: المأثور في الجواب انتهى إلى البركة أي: إلى قوله: وبركاته، ولا ينبغي الزيادة على ما ورد من السنة.
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أي: سواء يكون ابتداء أو جوابًا فليكفف، أي: فليمتنع من الزيادة فإن اتباع السنة أي: ولو مع القلة أفضل أي: من البدعة، ولو مع الكثرة.
لما فرغ من بيان ما يتعلق برد السلام، شرع في باب الإِشارة في الدعاء، فقال: هذا
* * *
стр. 1696
باب الإشارة في الدعاء
الدعاء أي: في بيان مشروعية الدعاء مع الإِشارة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إظهار الشفقة على خلق الله تعالى.
٩١٥ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الله بن دينار، قال: رآني ابن عمر وأنا أدعو وأشير بأصبعيّ أصبع من كل يد فنهاني.
قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، ينبغي أن يشير بأصبع واحدة، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرني بالإِفراد، وفي (ق ٩٣٩) نسخة: أخبرنا بالجمع عبد الله بن دينار، وقد مر ترجمته قال: رآني ابن عمر وأنا أدعو وأشير أي: أنا بأصبعي بصيغة التثنية قوله: أصبع مجرور على أنه بدل أصبعي أي: أنا أشير بأصبع من كل يد فنهاني عن الإِشارة بأصبعين، وأمرني بالإِشارة بأصبع واحدة وقال: أحد أحد، وينبغي أن يشير في التوحيد بأصبع واحدة ليقطع المطابقة قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١].
قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وفي نسخة: نقول أي: نفتي ينبغي أن يشير أي: الموحد بأصبع واحدة، أي: حالة الدعاء مطلقًا، وكذا في التشهد عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله بأن يرفعها عند قوله: لا إله ويضعها عند قوله: إلا الله ليوافق النفي الرفع والإِثبات الوضع موافقته بين القول والفعل وهو قولُ أبي حنيفة.
* * *
٩١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: إن الرجل لَيُرْفَعُ بدعاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِه، وقال بيديه: فرفَعها إلى السماء.
стр. 1697
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، وقد مر بيان ترجمته أنه سمع سعيد بن المسيَّب كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين والمحدثين من أهل المدينة يقول: إن الرجل لَيُرْفَعُ بصيغة المجهول أي: يرفع درجة الميت بدعاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِه، أي: بعد وفاته أي: حيث يقول في حقه: اللهم اغفر له أو اللهم ارحمه ونحو ذلك وقال أي: أشار بيديه: فرفَعها إلى السماء أي: إلى جانب السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، لكنه لا يرفع بصره إليها لئلا يتوهم أنه مختص بجهة العلو من بين الجهات، كما قاله المجسمة من الفرق الضالة، وأنه تعالى ليس بجسم، ولا جوهر والإِعراض لا بمتحيز بمكان، ولا زمان، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بكيفية الدعاء شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يترك أخاه بقطع السلام والكلام فوق ثلاثة أيام.
* * *
باب الرجل يهجر أخاه المسلم
في بيان حكم حال الرجل يهجر أخاه أي: يترك الكلام والسلام عن أخيه الحقيقي أو الحكمي.
٩١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيُعرض هذا، ويُعْرِض هذا، وَخَيْرُهما الذي يبدأُ بالسلام".
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي الهجرةُ بين المسلمين.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، مالك أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل
стр. 1698
المدينة، مات سنة خمس وعشرين ومائة عن عطاء بن يزيد، بالتحتيتين بينهما زاي في آخره دال مهملة الليثي من أنفسهم وقيل: مولاهم المدني نزيل الشام، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس أو سبع ومائة وقد جاوز ثمانين سنة كما في (تقريب التهذيب) (١) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ أي: حامل اللواء لرسول الله ﷺ غزا بالروم مع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومات فيه، ودفن خارج سور القسطنطينية ويزار قبره الشريف إلى الآن نفعنا الله بشفاعته قال: "لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه أي: يتركه بقطع الكلام فوق ثلاث ليال، وفي معناه ثلاثة أيام يلتقيان أي: يتلاقيان فيُعرض هذا، أي: عن السلام والكلام ويُعْرِض هذا، أي: كذلك وَخَيْرُهم أي: خير جنس المسلم وهو في (الموطأ) لمالك وخيرهما أي: أكثرهما ثوابًا الذي يبدأُ بالسلام" أي: ثم بالكلام هذا الحديث موقوف ظاهرًا (ق ٩٤٠) ومرفوع حكمًا، كما روى أبو داود والنسائي (٢) بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار".
وروى الطبراني برواية ثقات عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا هجر المؤمنين ثلاث ليال، تكلما فنعم وإلا أعرض الله عنهما حتى يتكلما" كذا أورده الإِمام المنذري في (ترهيبه).
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أي: لا يحل الهجرةُ أي: التدابر بين المسلمين.
قال السيوطي: النهي عن الهجران ثلاث ليال إنما هو هجر لحظ نفسه، وأما أهل البدع فهجرتهم دائمة.
قال ابن العربي: وإنما جوز في الثلاث؛ لأن المراد في ابتداء الغضب مغلوب فرخص له في ذلك حتى يسكن غضبه.
قال ابن عبد البر: هذا العموم مخصوص بحديث كعب بن مالك ورفيقيه حيث أمر رسول الله ﷺ أصحابه بهجرهم قال: وأجمع العلماء أن من خاف من مكالمة أحد وصلته
стр. 1699
ما يفسد عليه دينه ويدخل عليه مضرة في دنياه أنه يجوز له مجانبته وبعده فرب صوم جميل خير من مخالطة مؤذية.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الهجرة والتدابر من المسلم، شرع في بيان ما يتعلق بالخصومة في الدين، فقال: هذا
* * *
باب الخصومة في الدين والرجل يشهد على الرجل بالكفر
أي: كائن في بيان ما يتعلق بحكم الخصومة، أي المجادلة في الدين، أي: أصول الدين والرجل أي: وبحكم حال الرجل يشهد على الرجل بالكفر وإن قصد رجل بالخصومة والجدال تخجيل الخصم وإظهار فضله على الذي يجادله فهو حرام، بل هو كفر عند بعض، كما في (خلاصة الفتاوي)، وإن قصد بها إظهار الحق وهو نادر لقلة المصنف فهو جائز؛ لأن طلب الحق مطلوب، واستنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة غافر: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [غافر: ٤]. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق حصول معنى البينونة بين الرجلين إذا هاجر كل منهما عن الآخر وخاصم في أمر الدين بغير حق.
٩١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز قال: من جعل دينه غَرضًا للخصومات أكثر التَّنَقُّل.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي الخصومات في الدين.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، قد مر بيان طبقاته أن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة ومدة خلافته
стр. 1700
سنتان ونصف، كما قاله ابن حجر (١) قال: من جعل دينه غَرضًا أي: هدفًا للخصومات أي: لأنواع الجدال أكثر التَّنَقُّل جواب لمن المتضمنة معنى الشرط، فقد أكثر القيل والقال لأرباب التعطيل شبه عمر بن عبد العزيز الدين المعقول بالهدف المحسوس والأقوال الباطلة بالرامين سهامهم إلى المرمى، والكفر المعقول بالهدف المقطوع بإصابة سهام الرامي إليه في (ق ٩٤١) عدم النفع أصاحبهما، وفي (الظهيرية) أن رجلان تخاصما فقال أحدهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال الآخر: لا حول ليس على أمر أو قال: مالي أفعل بلا حول ولا قوة إلا بالله أو قال: لا حول لا يغني من جوع أو الخبز أو لا يكفي من الخبز أو لا يأتي من لا حول شيء، أو قال: لا حول لا يشرد في القصعة كفر في الوجوه كلها.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا أنا أهل الكوفة إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز لا ينبغي الخصومات أي: المجادلة في الدين أي: في الأحكام الدينية فالسؤال عن المشكلات ومواضع الغلط للتغليظ أو التجميل حرام؛ لما خرج أبو داود عن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن الأغلوطات" وهي جمع أغلوطة، أي المسألة التي لا يدرك وجهها في أول الأمر فيقع الخصم في الغلط كما قاله خواجة زاده في (حاشية الطريقة المحمدية).
محمد قال: بنا كذا في نسخة.
* * *
٩١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرئٍ قال لأخيه: كافر، فقد باءَ بها أحدهما".
قال محمد: لا ينبغي لأحد من أهل الإِسلام أن يشهد على رجل من أهل الإِسلام بذنب أذنبه بكفرٍ، وإن عظم جُرمه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1701
• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرئٍ أي: أي رجل قال لأخيه: أي: في الإِسلام كافر، بالتنوين أي: هو كافرًا وأنت كافرًا على ما نسخه، وفي نسخة أخرى: يا كافر بحرف النداء فقد باءَ بموحدة ممدودة أي: رجع لها أي: بكلمة الكفر، وفي نسخة: به بتذكير الضمير المجرور أي: رجع بمضمون كلمة الكفر بها أحدهما" أي: لأنه إن كان القائل صادقًا في نفس الأمر فالمقول له كافر وإن كان كاذبًا، فقل جعل القائل الإِيمان كفرًا. كذا حمله البخاري على تحقيق الكفر على أحدهما، وحمله غيره على الزجر والتغليظ، فظاهره غير مراد.
وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: إن كان المقول له كافرًا فهو كما قال، وإلا خيف على القائل أن يصير كافرًا، والحديث رواه البخاري في (الأدب) عن إسماعيل عن مالك به، كما قاله الفاضل محمد الزرقاني وصورته ما في المحيط: "من قال لرجل مسلم يا كافر فسكت المخاطب" قال الفقيه أبو بكر البلخي: يكفر هذا القاذف وقال غيره من مشايخ بلخ: لا يكفر ثم جاء الفقيه أبو بكر البلخي إلى بلخ فأفتى بعض أئمة البنجارا أن القاذف يكفر فرجع الكل إلى فتوى أبي بكر فقالوا: كفر، ولكن أخي جلبي في هدية المهديين نقلًا عن (البزارية المختارة) في أمثال هذه الأقوال: إن لم يعتقد الشاتم كفر المخاطب لا يكفر الشاتم وإن اعتقد كفره كفر، كما نقلناه في رسالتنا (بركات الأبرار).
قال محمد: لا ينبغي أي: لا يصح لأحد من أهل الإِسلام أن يشهد على رجل من أهل الإِسلام قوله: بذنب بأن يشهد أذنبه محلًا مجرور على أنه صفة بذنب أي: فعله بكفرٍ، متعلق بيشهد، وإن وصلية وإن عظم جُرمه، بضم الجيم وسكون الراء المهملة أي: وإن عظم عند الخالق والمخلوق، ثم ما فعله كترك الصلاة والكذب وقتل النفس بغير حق وسائر الكبائر مما عدى الكفر؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ (ق ٩٤٢) ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨] وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: خلافًا للخوارج والمعتزلة.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالخصومة في أمر الدين، شرع في بيان ما يتعلق بحكم أكل الثوم ودخول المساجد، فقال: هذا
* * *
стр. 1702
باب ما يُكره من أكل الثوم
أي: كائن في بيان حكم ما يكره من أكل الثوم بضم الثاء المثلثة والواو فميم يقال له باللغة التركية: "صارمسق"، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق الكراهة المعنوية والحسية. محمد قال: بنا مالك كذا في نسخة.
٩٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن النبي ﷺ قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنّ مسجدنا؛ يؤذينا بريح الثُّوم".
قال محمد: كره ذلك لريحه، فإذا أمَتَّهُ طَبْخًا فلا بأس به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.
• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أي: مرسلًا أن النبي ﷺ قال: "من أكل من هذه الشجرة بالفتحات أي: نبت يقوم على ساقه من نباتات الأرض، وفي رواية الخبيثة أي: بزيادة لفظة الخبيثة على الشجرة فلا يقربنّ مسجدنا؛ أي: معشر المسلمين وفي نسخة: مساجدنا يؤذينا جملة حالية واستئنافية تعليلية من فاعل فلا يقربن بريح الثُّوم" وفي معناه كل ما له رائحة كريهة باقية بعد أكله كالبصل والكراث؛ لما في الصحيحين عن جابر مرفوعًا: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو ليعتزل مساجدنا وليقعد في بيته" أي: فإنه لا يصلح حينئذ لطيب مجلسنا.
قال محمد: كره ذلك لريحه، أي: الخبيثة، كما أشار إليها فإذا أمَتَّه أي: أزلت ريحه الخبيثُ طَبْخًا أي: بالطبخ فلا بأس به، فلا كراهة بأكله ودخوله المسجد وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: من علمائنا.
قال بعض أهل العلم النهي عن مسجد النبي ﷺ خاصة وحجة الجمهور: "فلا يقربن مساجدنا" وهذا صريح في النهي عن دخول كل مسجد، والله أعلم.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم أكل الثوم، شرع في بيان ما يتعلق بالرؤيا، فقال: هذا
* * *
стр. 1703
باب الرؤيا
الرؤيا، بضم الراء المهملة وسكون الهمزة وفتح التحتية ثم ألف مقصورة مصدر كالرؤية، فجعلت ألف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث للفرق: ما يراه النائم واليقظان، غير أن الرؤيا كالقربى مختصة بما يكون في النوم وأن الرؤية كالقربة مختصة بما يكون في اليقظة، فالرؤيا ما خلفه الله تعالى في قلب النائم من الإِدراك على نحو ما يدرك في حال اليقظة بواسطة الحواس الخمس الباطنة كما قاله أبو البقاء في (الكليات) والزرقاني في (شرح الموطأ) لمالك ملخصًا قال رسول الله ﷺ : "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين من النبوة" (١) كذا رواه مالك في (الموطأ) بالواسطة عن أنس بن مالك ﵁ قوله: "الحسنة" أي: الرؤيا الصادقة أو المبشرة، قوله: "الصالح" أي: غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يروي الأضغاث والأحلام، فالمراد بالجزء جزء من علم الله النبوة، وهو الاطلاع على بعض الغيب، فمن أخبره بما لم يره فقد افترى على الله كذبًا، بل هو أعظم جناية من كذب اليقظة حيث يدعى الاتصال بعالم الملكوت وحلول الفيض عليه، فإن قيل: إن كان المراد من علم النبوة (ق ٩٤٣) إطلاعًا على بعض الغيب كان للكافر نصيبًا منها كرؤية صاحب السجن مع يوسف صلوات الله على نبينا وعليه، ورؤيا ملكهم وغير ذلك.
وقد ذكر أن جالينوس عرض له ورم في المحل الذي يتصل منه بالحجاب فأمره الله في المنام بفصد العرق الضارب من كفه اليسرى فبرئ.
أجيب بأن الكافر وإن لم يكن محلًا لها، فلا يمتنع أن يرى ما يعود عليه بخير في دنياه، كما أن كل مؤمن ليس لها ثم لا يمتنع رؤيته ما يعود عليه بخير وينوي، فإن الناس في الرؤيا ثلاث درجات: الأنبياء ﵈، ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى التعجير والصالحون والغالب على رؤيا الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير وما عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، ويقل فيها الصدق والكفار يندر في رؤياهم الصدق جدًا، ويرشد لذلك خبر مسلم مرفوعًا: "وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا" وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق عروض الكراهة الاختيارية والاضطرارية في الإِنسان.
محمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة.
стр. 1704
٩٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: سمعتُ أبا قتادة يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهُه فليُنْفِثْ عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ، وليتعوّذ من شرها، فإنها لن تضره إن شاء الله".
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي في المدينة ثقة ثبت، في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين قال: سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن أي: ابن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل ثقة مكثر، كان في الطبقة الثانية، من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين يقول: سمعتُ أبا قتادة الأنصاري اسمه الحارث، وقيل: عمرو، وقيل: نعمان بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة بن ملوم بضم الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة السلمي بفتحتين المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، مات سنة أربع وخمسين وقيل: ثمان وثلاثين من الهجرة كما قاله ابن حجر العسقلاني.
يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا زاد يحيى بن يحيى الليث في (الموطأ) لمالك: "الصالحة" أي: الرؤية الحسنة أو الصادقة المنتظمة الواقعة على شروطها الصحيحة، وهي ما فيه بشارة أو تنبيه على غفلة من الله، أي: تبشير منه تعالى وتنذير والحلم بضم الحاء المهملة وسكون اللام أو بضمها كما في (النهاية) أي: الرؤيا المفظعة والشنيعة، وهي سوء الظاهر وسوء التأويل من الشيطان، أي: من إلقائه بخوف ويحزن الإِنسان بها.
قال القاضي عياض: إضافة إلى نسبة الرؤيا إلى الله إضافة تكريم وتشريف لطهارتها من حضور الشيطان وإفساده لها وسلامتها من الأضغاث أي: التخليط وجمع الأشياء المتضادة بخلاف الرؤيا المكروهة، وإن كانت جميعًا من خلق الله تعالى وبإرادته، ولا فعل
стр. 1705
للشيطان فيها لكنه يحضرها ويرتضيها ويسر بها، فكذا نسبت إليه، ولأنها مخلوقة على طبعه من التحذير والكراهة التي خلق عليها، أو لأنها توافقه ويستحسنها لما فيها من شغل بال المسلم وتضرره (ق ٩٤٤) بها قال بعضهم: والتحذير وإن كان غالبًا من الشيطان، فقد يكون في الصالحة إنذارًا من الله واعتناء منه بعيدة؛ لئلا يفجأه ما قدر عليه فيكون منه على حذر واهية، كما أن رؤيا الصالحين الغالب عليها الصحة، وقد تكون فيها أضغاث نادر العوارض من وسوسة نفس وحديثها أو غلبه خاطر.
قال ابن الجوزي: الرؤيا والحلم واحد غير أن صاحب الشرع خص الخير باسم الرؤيا والشر باسم الحلم فإذا رأى أحدكم الشيء وفي رواية: شيئًا يكرهُه فليُنْفِثْ بضم الفاء وكسرها أي: فلينفخ طرد الشيطان الذي حضر الرؤية المكروهة تحقيرًا له واستقذارًا عن يساره؛ لأنها محل الأقذار ونحوها ثلاث مرات للتأكيد.
وفي رواية الشيخين: "فليبصق عن يساره"، وفي رواية أخرى: "فليتفل".
قال القاضي عياض: اختلف في التفل والنفث، فقيل: معناهما واحد، لا يكونان إلا بريق وقيل: يشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل: عكسه، فالمطلوب طرد الشيطان وإظهار احتقاره واستقذاره إذا استيقظ، أي: من نومه، وفي رواية: حين يستيقظ وليتعوّذ أي: فليعتصم بالله من شرها، أي: من شر تلك الرؤيا، وفي رواية: من شر الشيطان فإنها أي: الرؤيا المكروهة لن تضره إن شاء الله" أي: بعد التعوذ به .
وفي رواية: بدون لفظ إن شاء الله فيكون ذلك للتبرك، والحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة، وفي رواية مسلم عنه بلفظ: "الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئًا فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحد، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يحدث بها إلا من يحب" (١) وندب تعبيرها قبل طلوع الشمس فيرد قول بعض أهل التعبير، المستحب أنه من طلوعها إلى غروبها.
قال بعض العلماء المعبرين: لا تقصص رؤياك على امرأة ولا تخبرها حتى تطلع
стр. 1706
الشمس، قال المهلب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها قيل: يعرض له نسيانها ولحضور ذهن العاجز وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، فهذه عدة فوائد لتعبيرها أو النهار، كما قاله الزرقاني (١).
فروع: قال المعبرون: من رأى في منامه المصطفى ﷺ فإنه يحصل له الفرح بعد الغم ويقضي دينه وإن كان محبوسًا أو مقيدًا، فإنه يخلص من حبسه وقيده يأمن من خوفه وإن كان في ضيق وقحط فيتوافر الخير والنعمة وعليه، وأما إذا كان غنيًا، فإنه يزاد غناه.
وقال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بي" (٢) وقيل: رؤيته ﷺ تدل على سلامة العقبى، وقيل: إن كان مغلوبًا ينتصر على أعدائه، وإن كان مريضًا شفاه الله تعالى، ومن رأى أنه يزور نبيًا من الأنبياء سواء كان حيًا أو ميتًا، فإن ذلك يؤول على ثلاثة أوجه: الأول: إن كان متقيًا زاد تقواه، وإن كان عاصيًا تاب الله عليه، والثاني: (ق ٩٤٥) يزور كما رأى، وحصوله خير وبركة، والثالث: دليل على أنه من أهل الجنة ومن الفائزين، ومن رأى أحدًا منهم صلوات الله عليهم وسلامه وهو شيخ كبير، فإنه يكون راحة لأهل ذلك المكان، ومن رأى أحدًا منهم على صورة حسنة فهو قريب من ذلك.
وقال جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي: رؤية الأنبياء ﵈ أو واحد منهم تؤول على أحد عشر وجهًا: رحمة، ونعمة، وعز، وعلو قدرة، ودولة، وظفر وسعادة ورياسة وقوة أهل السنة والجماعة أو الخير في الدنيا والآخرة، أو راحة لأهل المكان، ومن رأى أحدًا منهم ألبسه شيء أو أعطاه فهو حصول بركة وشفاعة يوم القيامة، وقال بعضهم من علماء المعبرين: من رأى المصطفى ﷺ ألبسه شيئًا من ثيابه أو دفع إليه خاتمه أو سيفه أو نحو ذلك نال ما يليق به من ملك أو علم أو عبادة، ومن رأى أنه يقبله فلينظر فيما يروى عنه وليتق الله تعالى ولينتهي.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالرؤيا، شرع في بيان ما يتعلق بجامع الحديث، فقال: هذا
* * *
стр. 1707
باب جامع الحديث
أي: كائن في بيان جمع الحديث أي: في بيان الحديث الذي جمع فيه أربعة أحكام، فإضافة الجامع إلى الحديث من إضافة الصفة إلى موصوفها عند الكوفيين، كما أشار إليها (الجامي) في (شرح الكافية) وفي نسخة: للحديث.
٩٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين، وعن لِبستين، وعن صلاتين، وعن صوم يومين، فأما البيعتان: فالمنابذةُ والملامسة، وأما اللبستان: فاشتمال الصمَّاء والاحتباء في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه، وأما الصلاتان: فالصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، والصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وأما الصيامان: فصيام يوم الأضحى، ويوم الفطر.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن أربع وسبعين سنة عن عبد الرحمن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة، ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين، بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح العين المهملة ثم الفوقية المفتوحة فسكون التحتية ثم نون أي: نهي النبي ﷺ عن نوعين من البيع وعن لِبستين، أي: نهي عن الهيئتين في لبس الواحد وعن صلاتين أي: حين طلوع الشمس
стр. 1708
وعند غروبها وعن صوم يومين، أي: نهى رسول الله ﷺ نهي تحريم عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، هذا الحديث مدرج، أما جزؤه الأول فرواه المصنف بالواسطة عن أبي هريرة، وأما الجزء الثاني فروي عن عبد الله بن عمر كما رواه الطبراني بالواسطة عنه، وأما الجزء الثالث فرواه عن ابن عمر في باب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، حيث قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحرى" أي: لا يقصد "أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" وأما الجزء الرابع فرواه هنا عن أبي هريرة ﵁، لعل مراد المصنف بإيراد (ق ٩٤٦) هذا الحديث هنا إرشاد للطالبين إلى طريق كيفية التصنيف والتأليف بالعلوم الشرعية، فإن دأب الفقهاء أن يذكروا في باب واحد مسائل مترتبة ثم يذكرون في آخر الباب مسائل شتى.
لما ذكر أربع أحكام إجمالًا شرع في تفصيلها فقال فأما البيعتان: فالمنابذةُ بضم الميم وذال معجمة من باب المفاعلة، وهي أي: المنابذة أن يطرح الرجل إلى الرجل ثوبه وأن يطرح إليه الآخر ثوبه على غير تأمل منهما بأن لا ينظر ثوبه ولا يقلبه ويقول: كل واحد منهما هذا بهذا على الإِلزام من غير نظر ولا تراض، والملامسة وهي أن يمس الرجل ثوبه بيده ولا ينشره ولا يظهر له ما فيه أو أن يشتريه ليلًا ولا يعلم ما فيه، هذا تفسير المنابذة والملامسة ملخصًا عن تفسيرهما عن الإِمام مالك.
وقيل المراد بالمنابذة: أن يقول الرجل للآخر: انبذ إلي الثوب أو الحصاة فإذا أنبذته وجب البيع، وبالملامسة: أن يقول: وجب البيع بمجرد المس وللبيان ما يشعر بأنه كلام من دونه ﷺ ولفظه: وزعم أن الملامسة أن يقول الرجل للآخر: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر أحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه، والمنابذة بأن يقول: انبذ ما معي وتنبذ ما معك يشتري كل منهما من الآخر، ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو ذلك، وقيل المنابذة: نبذ الحصاة والصحيح أنها غيره.
قال ابن عبد البر: كان بيع المنابذة وبيع الملامسة وبيع الحصاة بيوعًا للجاهلية، فنهى رسول الله ﷺ عنها وقال: والحصاة أن تكون ثياب مبسوطة فيقول المبتاع للبائع: أي ثوب من هذا الثياب وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهي لي بكذا، فيقول البائع: نعم، فهذا وما كان مثله غرر وقمار، وهذا الحديث رواه البخاري عن إسماعيل، ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به والملامسة، وأما اللبستان: فاشتمال الصمَّاء وبفتح الصاد المهملة
стр. 1709
وتشديد الميم الممدودة أي: اشتماله الثوب بأن يتحلل نفسه بثوبه وإسباله من غير أن يرفع طرفه ويلتف فيه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله فيخاف ظهور عورته، سمي صماء لسد المنافذ كلها كالصخرة الصماء والاحتباء في ثوب واحد بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الفوقية، ومد الموحدة: القعود على الإِلية وينصب ويضم الساقين إلى البطن بالثوب كاشفًا عن فرجه، حال عن الاحتباء، وهذه القعدة تسمى الحبوة بضم الحاء وكسرها وسكون الموحدة وفتح الواو، وكان ذلك عادة العرب وحكمة النهي خوف كشف العورة، كما قال المناوي وأما الصلاتان: فالصلاة أي: النافلة وما في معناها من ركعتي الطواف بعد العصر أي: بعد أداء فرضه حتى تغرب الشمس، أي: إلى غاية غروبها والصلاة بعد الصبح أي: بعد فرضه حتى تطلع الشمس، أي: إلى ارتفاعها قدر رمح أو رمحين، فإن النوافل مكروهة فيما دون القضاء وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة وسبب نهيه ﷺ عن الصلاة في هذين الوقتين ما قاله عمر بن الخطاب ﵁: "لا تحروا بصلاتكم عند طلوع الشمس ولا غروبها (ق ٩٤٧) فإن الشيطان يطلع قرناه مع طلوعها ويغربان مع غروبها" وقد مر معنى القرنين ومعنى طلوعهما في باب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وأما الصيامان: أي: المنهيان عنهما فصيام يوم الأضحى أي: يوم النحر وأيام التشريق ويوم الفطر أي: فإنه يحرم فيهما الصيام؛ لأنهما يوم الأكل والشرب، والصيام في هذين اليومين إعراض عن ضيافة الله تعالى.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل في هذا الباب إلا بما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ وهو قولُ أبي حنيفة أي: وكذا قول غيره.
* * *
٩٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبرٌ أن ابن عمر قال - وهو يوصي رجلًا: لا تَعتَرض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوّك، واحذر خليلك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله، ولا تصحب فاجرًا كي تتعلَّم من فجوره، ولا تفش إليه سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله .
стр. 1710
• أخبرنا مالك، قال أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: أخبرني مُخْبرٌ ولعله نافع أن ابن عمر ﵄ قال - وهو يوصي رجلًا -: أي: من أصحابه بما يليق من أمر ونهي في بابه لا تَعتَرض أي: لا تتعرض ولا يشتغل فيما لا يعنيك، أي: لا ينفعك من قول وفعل في دينك ودنياك: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] وبحديث: "إن من إسلام المرء ترك ما لا يعنيه" رواه الترمذي وغيره وأعتزل عدوّك، أي: ابعد نفسك عنه ولا تخالطه واحذر خليلك أي: صديقك من أن يخونك إلا الأمين، أي: في أمر الدين ولا أمين أي: كاملًا إلا من خشي الله، وفي الحديث: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" رواه أحمد (١) وغيره ولا تصحب فاجرًا أي: ولا تقارن فاسقًا كي تتعلَّم من فجوره، أي: لأنك تتعلم من فسقه فإن الصحبة تؤثر، وقد ورد: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" ولا تفش إليه من الإِشفاء أي: لا تظهر إلى الفاجر سرك، أي: فإنه غير مأمون في أمر دينه، فكيف يكون مأمون في أمر غيره واستشر في أمرك أي: الذي يهمك ولم تعلم فيه خيرك من شرك الذين يخشون الله عز أي: غالب في حكمه، وهو أحكم الحاكمين وجل أي: كثر على السنة أولياؤه ذكر حمده، فإنهم ينصحون لإِخوانهم ويتباركون في بيانهم وقد ورد: "المستشار مؤتمن" وفي التنزيل: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وفي الحديث: "ما خاب من استخار ولا ندم من استشار".
* * *
٩٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزّبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله، أو يمشي في نعل واحدة، أو يشتمل الصماء، أو يَحتَبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه.
قال محمد: يُكره للرجل أن يأكل بشماله، وأن يشتمل الصمّاء،
стр. 1711
واشتمال الصّماء: أن يشتمل وعليه ثوب، فيشتمل به فتكشفَ عورته من الناحية التي تُرفع من ثوبه، وكذلك الاحتباءُ في الثوب الواحد.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا أبو الزّبير المكيّ، وهو محمد بن مسلم المكي تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء المهملة والسين المهملة، مولاهم صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل مكة، مات سنة ست ومائة عن جابر بن عبد الله: السلمي بفتحتين الأنصاري الصحابي وابن الصحابي أن رسول الله ﷺ نهى أي: نهيًا تنزيهيًا على الأصح أن يأكل الرجل أي: وكذا المرأة بشماله، أي: لا لعذر وكذا الشرب بشماله أو التناول به والإِعطاء به، فإنه من عمل الشيطان أو يمشي أي: ونهى أن يمشي في نعل واحدة، صفة لأنها مؤنثة فكره ذلك لمفارقة الوقار ومشابهة الشيطان ومشقة في المشي أو يشتمل الصماء، بفتح الصاد المهملة (ق ٩٤٨) ومد الميم أي: نهى أن يجعل الرجل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب: أي: لأن يده تصير داخل ثوبه فإذا أصابه شيء يريد الاحتراس منه والاتقاء بيديه تعذر عليه، وإذا أخرجها من تحت الثوب انكشفت عورته وبهذا فسرها الفقهاء، وقالوا: يحرم أن يكشف بعض عورته وإلا كرهت.
وفسرها اللغويون: بأن يشتمل في الثوب حتى يجلل به جسده له لا يرفع منه جانب، ولذا سميت صماء؛ لأنه يسد على يديه ورجليه النافذ كلها كصخرة حتى لا فرق فيها ولا صدع، وقد مر قريبًا أو يَحتَبي وفي (الموطأ) لمالك: بفتح أوله وكسر الموحدة أي: وأن يقعد الرجل على إليته وينصب ساقيه ويضمهما إلى بطنه بالثوب، كما قال في ثواب واحد كاشفًا عن فرجه فيحرم فإن كان مستورًا فرجه فلا حرمة، وهذا الحديث رواه مسلم، عن قتيبة بن سعيد عن مالك به.
قال محمد: يُكره أي: تنزيهًا أو تحريمًا للرجل أي: وكذا للمرأة أن يأكل بشماله، وأن يشتمل الصمّاء، واشتمال الصّماء: أن يشتمل كذا في نسخة: وفي نسخة: أو يشتمل وعليه ثوب، فيشتمل به أي: اشتمالًا غير تام فتكشفَ عورته من الناحية التي تُرفع ثوبه، وفي نسخة: ترفع من ثوبه وكذلك الاحتباءُ في الثوب الواحد. والحاصل أن النهي عنهما لاشتمالهما على كشف العورة بهما فإنه حرام عند الأجنبي إجماعًا.
стр. 1712
لما فرغ من بيان جامع الحديث، شرع في بيان ما يتعلق بالزهد والتواضع، فقال: هذا
* * *
باب الزهد والتواضع
في بيان ما يتعلق إلى الزهد والتواضع، الزهد في الدنيا ترك الحرص فيها والقناعة بما رزق والتواضع ضد التكبر والتجبر، وحاصلهما ترك محبة المال والجاه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التضاد.
٩٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أن ابن عمر أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يأتي قُبَاءَ راكبًا وماشيًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، أن ابن عمر أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يأتي قُبَاءَ أي: لزيارة مسجد قباء راكبًا أي: تارة وماشيًا أي: وكلاهما يدل على كمال زهده وتواضعه، فإنه كان قادرًا على أن يركب الفرس والبغل والناقة وفق على شأنه وعزة جاهه وسلطانه، وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي عن الأسود أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل على النبي ﷺ في شكاء أي: في مرض ومحنة شكاها، فإذا هو على عباء أي: كساء خشن قطوانية وخرقة من صوف (١) أو خز فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كسرى وقيصر على الديباج وأنت على هذا فقال: "يا عمر أما ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة"، ثم إن عمر مسه فإذا هو في شدة الحمى فقال: تحم أي: يصيبك الحمى هكذا وأنت رسول الله، فقال: "إن أشد هذه الأمة بلائها ثم الخير ثم الخير، وكذلك كانت الأنبياء ﵈ قبلكم" كما في مسند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 1713
٩٢٦ - أخبرنا مالك أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن أنس بن مالك حدَّثه هذه الأحاديث الأربعة: قال أنس: رأيتُ عمر بن الخطاب وهو يومئذٍ أمير المؤمنين، وقد رَقَّع بين كتفيه برقاع ثلاث، لَبَّدَ بعضها فوق بعض، وقال أنس: وقد رأيتُ عمر يُطرح له صاع تمرٍ فيأكله حتى يأكل حَشَفه، وقال أنس: وسمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ يومًا وخرجتُ معه حتى دخل حائطًا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: عمرُ بن الخطاب أميرُ المؤمنين، بخ بخ، والله يا ابْنَ الخطاب، لتتقينَّ الله أو ليعذبَنَّكَ، قال أنس: وسمعتُ عمر بن الخطاب وسلم عليه رجل، فردّ ﵇، ثم سأل عمر الرجلَ: كيف أنت؟ قال الرجل: أحْمَدُ الله إليك، فقال عمر: هذه أردتُ منك.
• أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: الأنصاري المدني، يكنى أبا يحيى ثقة حجة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين (ق ٩٤٩) والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة أن أنس بن مالك ﵁ حدَّثه هذه الأحاديث الأربعة: أي: الآية قال أنسْ رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ وهو يومئذٍ أمير المؤمنين، وقد رَقَّع أي: من الترقيع بين كتفيه أي: ثوبًا له واقعًا بينهما برقاع ثلاث، لَبَّدَ بعضها فوق بعض، أي: في محل واحد أو المعنى أن ترقيعه لم يكن على هيئة الرفق، وهذا يدل على كمال زهده ﵁ في جهة اللبس وقال أنس بن مالك ﵁: وقد رأيتُ عمر ﵁ يُطرح له وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: وهو يومئذ أمير المؤمنين صاع تمرٍ فيأكله حتى يأكل حَشَفه، بفتحتين أي: ردية وهي في غاية زهده من جهة الأكل وقال أنس: وسمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ يومًا وخرجتُ معه حتى دخل حائطًا، أي: بستانًا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: أي: يخاطب نفسه ويعاتبها عمرُ بن الخطاب أميرُ المؤمنين، بخ بخ، وهي بفتح الموحدة كلمة واحدة يتكلم المتكلم بها عند الرضا عن شيء ومدحه وقد يكررها عند المبالغة في الرضا
стр. 1714
والتحسين ويجوز في إعراب الخاء ثلاثة أوجه: أن تكون ساكنة، والثاني: أن تكون مكسورة مشددة ومنونة، والثالث: أن تكون مكسورة مخففة ومنونة ويعبر بها باللسان التركي "أيو أيو" والله يا ابْنَ الخطاب، لتتقينَّ الله بنون مؤكدة أو ليعذبَنَّكَ، الله والمعنى أنه لا يغرنك إمارتك ولا زهدك وعبادتك فإنه لا خلاف في العقبى إلا بكمال التقوى في الدنيا، وفي هذا نهاية تواضعه مع ربه وعدم غروره وعجبه بفضائله ومنصبه قال أنس: وسمعتُ عمر بن الخطاب وسلم عليه رجل، فردّ ﵇، ثم سأل عمر الرجلَ: كيف أنت؟ أي: في الأحوال قال الرجل: أحْمَدُ الله إليك، أي: أحمده منهيًا إليك أو أنهي حمده لك، والمعنى شكرك الله على كل حال أو حالي محمود بعون الملك المتعال فقال عمر: هذه أي: الكلمة الطيبة أردتُ منك أي: قصدت بسؤالي منك.
* * *
٩٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: كان عمر بن الخطاب ﵁ يبعث إلينا بأحِظَّائنا من الأكارع والرؤُوس.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا هشام بن عُروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة فقيه ربما دلس كان في الطبقة الخامسة من طبقات المحدثين والتابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة وله سبع وثمانون عن أبيه، أي: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور كان في الطبقة الثالثة من طبقات المحدثين والتابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح ومولده في أوائل خلافة عثمان بن عفان ﵁ قال: قالت عائشة: ﵂ كان عمر بن الخطاب ﵁ يبعث إلينا أي: إلى أمهات المؤمنين بأحِظَّائنا أي: بحظوظنا وأنصبائنا وفي نسخة: بعطايانا من الأكارع والرؤُوس أي: من أكارع الغنم ورأسها عند ذبحها، والمعنى نأكل منها ولا نرغب عنها الزهد ما في الدنيا ورغبتنا في العقبى.
* * *
стр. 1715
٩٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع القاسم بن محمد يقول: سمعتُ أسْلم مولى عمر بن الخطاب يقول: خرجتُ مع عمر بن الخطاب وهم يريد الشام، حتى إذا دنا من الشام أناخ عمر، وذهب لحاجته، قال أسْلَمُ: فطرحْتُ فَرْوَتي بين شِقّي رَحْلي، فلما فرغ عمر عمد إلى بعيري فركبه على الفَرْوَة، وركب أسلم بعيره، فخرجا يسيران حتى لقيهما أهل الأرض، يتلقون عمر، قال أسلم: فلما دَنَوْا منا أشَرْتُ لهم إلى عمر، فجعلوا يتحدثون بينهم، فقال عمر: تطمح أبصارهم إلى مراكب من لا خلاق لم: يريد مراكب العجم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرني يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات المحدثين والتابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أنه سمع القاسم أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق يقول: سمعتُ أسلم (ق ٩٥٠) مولى عمر بن الخطاب يقول: خرجتُ مع عمر بن الخطاب وهو يريد الشام، أي: أيام خلافته حتى إذا دنا من الشام أي: قرب إليها أناخ عمر، أي: راحلته وذهب لحاجته، أي: من نقض وضوئه قال أسْلَمُ: فطرحْتُ فَرْوَتي بين شِقّي رَحلي، أي: رجل بعيري فلما فرغ عمر أي: عن حاجته ورجع عمر إلى بعيري أي: قصده فركبه أي: بعيري على الفَرْوَة، أي: فروى من كمال تواضه وزهده وركب أسلم بعيره، أي: وركبت بعير عمر بإشارة منه فخرجا أي: عمر وأسلم يسيران حتى لقيهما أهل الأرض، أي: أرض الشام يتلقون عمر، أي: يريدون تلقيه قال أسلم: فلما دَنَوْا أي: قرب أهل الشام منا أشَرْتُ لهم إلى عمر، أي: ليعرفوه لعدم التفرقة بينه وبين عبده في زيه لكمال زهده وعدم تقيده فجعلوا أي: فشرعوا حال كونهم يتحدثون بينهم، أي: تعجبًا من صنيع عمر وتواضعه فقال عمر: ﵁ تطمح أي: ترفع أبصارهم أي: بأنها تنظر إلى مراكب من لا خلاق لهم: أي: لا نصيب لهم في العقبى يريد مراكب العجم أي: من ملوك قيصر وكسرى ونحوهما وكلفهم في ثيابهم ومراكبهم
стр. 1716
وفيه إشارة إلى قوله تعالى في آل عمران: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧].
* * *
٩٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: كان عمر بن الخطاب يأكل خبزًا مفتوتًا بسمن، فدعا رجلًا من أهل البادية، فجعل يأكل ويتَّبعُ باللقمة وَضَرَ الصحفة، فقال له عمر: كأنك مُقْفِرٌ، قال: والله ما رأيتُ سمنًا ولا رأيتُ آكِلًا به منذ كذا وكذا، فقال عمر: لا آكلُ السمنَ حتى يُحْيي الناسُ، من أول ما أُحْيَوا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يأكل خبزًا مفتوتًا أي: مكسورًا بسمن، فدعا رجلًا من أهل البادية، أي: ليأكل معه فجعل أي: شرع الرجل يأكل أي: أكلًا سريعًا ويتَّبعُ أي: من باب التفعل باللقمة وَضَرَ الصحفة، بفتح الواو والضاد المعجمة، والصحفة بفتح الصاد المهملة ثم الفاء أي: يمسح بالخبز المكسور دسم القصعة وأثر الطعام فيها فقال له عمر: ﵁ كأنك مقْفِرٌ، بضم الميم وسكون الفاء وكسر القاف أي: من إدام له ومنه حديث: "ما افتقر بيت فيه خل" قال: والله ما رأيتُ سمنًا وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى بن يحيى الليثي: والله ما أكلت سمنًا بدل ما رأيت سمنًا ولا رأيتُ آكِلًا به أي: بالسمن منذ كذا وكذا، أي: من الأيام فإنه كان في سنة القحط والقلا والبلا فقال عمر: ﵁ لا آكلُ السمنَ أي: بعد هذا حتى يُحْيي بصيغة المجهول الناسُ، أي: إلى غاية أن يعيشوا عيشة طيبة من أول ما أُحْيَوْا أي: كما كانوا الأغنياء: أولًا في (الموطأ) لمالك: حتى يحيى الناس من أول ما يحيون والمعنى: حتى يمطرون ويخصبوا فإن المطر سبب الخصب فيكون من الحيا مقصورًا وهو المطر، وهذا الحديث يدل على كمال زهد عمر
стр. 1717
وقناعته ورحمته وشفقته على رعيته وكان يتخلق بأخلاق يوسف صلوات الله على نبينا وعليه حيث لم يشبع في أيام غرقه ودولته من كون الحبوب في خزائنه وتحت حكومته والله أعلم.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالزهد والتواضع، شرع في بيان ما يتعلق بالحب في الله، فقال: هذا
* * *
باب الحب في الله
بالتنوين الحب في الله أي: لأجله ورضائه تعالى أو في دينه وقد ورد "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" رواه أبو داود عن أبي أمامة ﵁.
٩٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: "وما أعْدَدْتَ لها؟ "، قال: لا شيء، والله، إني لقليلُ الصيام والصلاة، وإني لأحبّ الله ورسولَه، قال: "إنك مع مَنْ أَحْبَبْتَ".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وقد مر ترجمته قريبًا عن أنس بن مالك؛ رضي (ق ٩٥١) الله عنه أن أعرابيًا أي: من أهل البادية أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله: متى الساعة؟ أي: أيُّ وقت قيام يوم القيامة قال: "وما أعْدَدْتَ لها؟ "، قال: لا شيء، أي: ما هيأت لها شيئًا من الطاعة والعبادة والله، إني لقليلُ الصيام والصلاة، أي: ولم أصل سوى فرض ولم أصم كما قاله صاحب البردة وإني لأحبّ الله ورسولَه، أي: مع قلة البضاعة في تحصيل الطاعة قال: أي: رسول الله ﷺ "إنك مع مَنْ أَحْبَبْتَ" أي: بقدر محبتك في منزل قربك وقد ورد: "المرء مع من أحب" رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) عن ابن مسعود.
стр. 1718
وفي رواية الترمذي (١) عن أنس: "المرء مع من أحب وله ما اكتسب" وذكر في تفسير (البغوي) في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] بسنده عن أنس ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله الرجل يحب قومًا ولم يلحق بهم قال النبي ﷺ : "المرء مع من أحب" قال: وبه فرح الصحابة فرحًا ما فرحوا قط.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالحب في الله، شرع في بيان ما يتعلق بفضل المعروف، فقال: هذا
* * *
باب فضل المعروف والصدقة
في بيان فضل المعروف والصدقة، المراد بالمعروف هنا الإِحسان والعطية.
٩٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: رسول الله ﷺ : "ليس المسكين بالطوَّاف الذي يطوف على الناس، تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان"، قالوا: فما المسكينُ يا رسول الله؟ قال: "الذي ما عنده ما يُغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس".
قال محمد: هذا أحقُ بالعطية، وأيَّهما أعطيتَه زكاتك أجزأك ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد الثلاثين ومائة
стр. 1719
عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز ويكنى أبا داود المزني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة، ﵁ قال: رسول الله ﷺ : "ليس المسكين أي: الكامل والمحمود بالطوَّاف بفتح الطاء المهملة وتشديد الواو أي: الشحات الذي يطوف على الناس، أي: يدور على أبوابهم تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان"، قالوا: فما المسكينُ يا رسول الله؟ وإنما أثروا كلمة "ما" في السؤال عنه على من لإِرادتهم معنى الوصفية؛ لأنهم لما سمعوا عن رسول الله ﷺ نفي المسكين الموصوف بالطواف يطوف على الناس ويطلب منهم شيئًا، ووصفه بصيغة المبالغة علموا أن المراد بالمسكين هنا الذي يعرض على الناس حوائجه، بل المسكين هنا هو الذي أسكنته الخلة والفقر أو الذي صبر على الشدة وكف نفسه عن السؤال أن كلمة "ما" بمعنى "من" ويؤيده ما في رواية غيرها فمن المسكين قال: أي: أجاب السائلين بقوله: "الذي ما عنده ما يُغنيه، أي: ليس عنده ما يكفيه وفي نسخة: الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يُفطن له بصيغة المجهول أي: ولا يتفطن لأجله أحد، وفي نسخة: ولا يتفطن له الناس فيُتصدق عليه، فالفاء فيه ناصبة نحو: ما تأتينا فتحدثنا، والصحيح أن النصب بأن مضمرة كما قاله ابن هشام ولا يقوم أي: لإِظهار الحاجة فيسأل الناس" وفيه إيماء إلى قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ (ق ٩٥٢) النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي: أصيلًا فالمراد نفي القيد والمقيد معًا.
قال محمد: هذا أي: المسكين الكامل أحقُ بالعطية، وثوابها أكثر هنالك وأيَّهما أعطيتَه زكاتك أي: صدقتك وميراثك أجزأك ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: في قوله تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] وفي سورة الحج في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أي: المعترض بالسؤال والقانع بما رزقه الله تعالى، وفي تقديم القانع إيماء إلا أنه أفضل وفي تأخير المحروم رعاية للفاضل.
* * *
стр. 1720
٩٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن مُعاذ بن عمرو بن سعيد بن معاذ، عن جدّته، أن رسول الله ﷺ قال: "يا نساء المؤمنات، لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو بكُراع شاةٍ مُحْرَق".
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل وكان في الطبقة الثانية أو الثالثة، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن مُعاذ بن عمرو بن سعيد بن معاذ، عن جدّته، أن رسول الله ﷺ قال: "يا نساء المؤمنات، بإضافة الموصوف للصفة، وروي برفع النساء والمؤمنات على النعت لا تحقرن بنون مؤكدة إحداكن لجارتها يحتمل أن يكون نهيًا للمهدية وأن يكون للمهدى إليها والأول أظهر كما ذكره السيوطي ولو بكُراع شاةٍ بالرفع أي: ولو هو، وفي نسخة بالنصب أي: ولو كان مع حذف الناصب أو بنزع الخافض كما نسخه بكراع الشاة مُحْرَق" بالرفع بناء على رفع كراع، وفي نسخة بالنصب مع حذف ألف الناصب وجوزه بعض المحدثين من المتقدمين، وقيل: الكراع مؤنث فكان حقه محرقة إلا أن الرواية هكذا في (الموطآت) وغيرها.
وحكى ابن العربي: أن بعض العرب يذكره فلعل الرواية على تلك اللغة كما ذكره السيوطي.
* * *
٩٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبي بُجَيد الأنصاري ثم الحارثي، عن جدّته: أن رسول الله ﷺ قال: "ردُوا المسكين، ولو بِظِلْفٍ محرقٍ".
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبي بُجَيد بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون التحتية هو عبد الرحمن بن بجيد بن وهب الأنصاري ثم الحارثي، له رؤية وذكره بعضهم