وفيه إشارة إلى قوله تعالى في آل عمران: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧].
* * *
٩٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: كان عمر بن الخطاب يأكل خبزًا مفتوتًا بسمن، فدعا رجلًا من أهل البادية، فجعل يأكل ويتَّبعُ باللقمة وَضَرَ الصحفة، فقال له عمر: كأنك مُقْفِرٌ، قال: والله ما رأيتُ سمنًا ولا رأيتُ آكِلًا به منذ كذا وكذا، فقال عمر: لا آكلُ السمنَ حتى يُحْيي الناسُ، من أول ما أُحْيَوا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يأكل خبزًا مفتوتًا أي: مكسورًا بسمن، فدعا رجلًا من أهل البادية، أي: ليأكل معه فجعل أي: شرع الرجل يأكل أي: أكلًا سريعًا ويتَّبعُ أي: من باب التفعل باللقمة وَضَرَ الصحفة، بفتح الواو والضاد المعجمة، والصحفة بفتح الصاد المهملة ثم الفاء أي: يمسح بالخبز المكسور دسم القصعة وأثر الطعام فيها فقال له عمر: ﵁ كأنك مقْفِرٌ، بضم الميم وسكون الفاء وكسر القاف أي: من إدام له ومنه حديث: "ما افتقر بيت فيه خل" قال: والله ما رأيتُ سمنًا وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى بن يحيى الليثي: والله ما أكلت سمنًا بدل ما رأيت سمنًا ولا رأيتُ آكِلًا به أي: بالسمن منذ كذا وكذا، أي: من الأيام فإنه كان في سنة القحط والقلا والبلا فقال عمر: ﵁ لا آكلُ السمنَ أي: بعد هذا حتى يُحْيي بصيغة المجهول الناسُ، أي: إلى غاية أن يعيشوا عيشة طيبة من أول ما أُحْيَوْا أي: كما كانوا الأغنياء: أولًا في (الموطأ) لمالك: حتى يحيى الناس من أول ما يحيون والمعنى: حتى يمطرون ويخصبوا فإن المطر سبب الخصب فيكون من الحيا مقصورًا وهو المطر، وهذا الحديث يدل على كمال زهد عمر
стр. 1717
وقناعته ورحمته وشفقته على رعيته وكان يتخلق بأخلاق يوسف صلوات الله على نبينا وعليه حيث لم يشبع في أيام غرقه ودولته من كون الحبوب في خزائنه وتحت حكومته والله أعلم.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالزهد والتواضع، شرع في بيان ما يتعلق بالحب في الله، فقال: هذا
* * *
باب الحب في الله
بالتنوين الحب في الله أي: لأجله ورضائه تعالى أو في دينه وقد ورد "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" رواه أبو داود عن أبي أمامة ﵁.
٩٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: "وما أعْدَدْتَ لها؟ "، قال: لا شيء، والله، إني لقليلُ الصيام والصلاة، وإني لأحبّ الله ورسولَه، قال: "إنك مع مَنْ أَحْبَبْتَ".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وقد مر ترجمته قريبًا عن أنس بن مالك؛ رضي (ق ٩٥١) الله عنه أن أعرابيًا أي: من أهل البادية أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله: متى الساعة؟ أي: أيُّ وقت قيام يوم القيامة قال: "وما أعْدَدْتَ لها؟ "، قال: لا شيء، أي: ما هيأت لها شيئًا من الطاعة والعبادة والله، إني لقليلُ الصيام والصلاة، أي: ولم أصل سوى فرض ولم أصم كما قاله صاحب البردة وإني لأحبّ الله ورسولَه، أي: مع قلة البضاعة في تحصيل الطاعة قال: أي: رسول الله ﷺ "إنك مع مَنْ أَحْبَبْتَ" أي: بقدر محبتك في منزل قربك وقد ورد: "المرء مع من أحب" رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) عن ابن مسعود.
стр. 1718
وفي رواية الترمذي (١) عن أنس: "المرء مع من أحب وله ما اكتسب" وذكر في تفسير (البغوي) في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] بسنده عن أنس ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله الرجل يحب قومًا ولم يلحق بهم قال النبي ﷺ : "المرء مع من أحب" قال: وبه فرح الصحابة فرحًا ما فرحوا قط.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالحب في الله، شرع في بيان ما يتعلق بفضل المعروف، فقال: هذا
* * *
باب فضل المعروف والصدقة
في بيان فضل المعروف والصدقة، المراد بالمعروف هنا الإِحسان والعطية.
٩٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: رسول الله ﷺ : "ليس المسكين بالطوَّاف الذي يطوف على الناس، تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان"، قالوا: فما المسكينُ يا رسول الله؟ قال: "الذي ما عنده ما يُغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس".
قال محمد: هذا أحقُ بالعطية، وأيَّهما أعطيتَه زكاتك أجزأك ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد الثلاثين ومائة
стр. 1719
عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز ويكنى أبا داود المزني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة، ﵁ قال: رسول الله ﷺ : "ليس المسكين أي: الكامل والمحمود بالطوَّاف بفتح الطاء المهملة وتشديد الواو أي: الشحات الذي يطوف على الناس، أي: يدور على أبوابهم تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان"، قالوا: فما المسكينُ يا رسول الله؟ وإنما أثروا كلمة "ما" في السؤال عنه على من لإِرادتهم معنى الوصفية؛ لأنهم لما سمعوا عن رسول الله ﷺ نفي المسكين الموصوف بالطواف يطوف على الناس ويطلب منهم شيئًا، ووصفه بصيغة المبالغة علموا أن المراد بالمسكين هنا الذي يعرض على الناس حوائجه، بل المسكين هنا هو الذي أسكنته الخلة والفقر أو الذي صبر على الشدة وكف نفسه عن السؤال أن كلمة "ما" بمعنى "من" ويؤيده ما في رواية غيرها فمن المسكين قال: أي: أجاب السائلين بقوله: "الذي ما عنده ما يُغنيه، أي: ليس عنده ما يكفيه وفي نسخة: الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يُفطن له بصيغة المجهول أي: ولا يتفطن لأجله أحد، وفي نسخة: ولا يتفطن له الناس فيُتصدق عليه، فالفاء فيه ناصبة نحو: ما تأتينا فتحدثنا، والصحيح أن النصب بأن مضمرة كما قاله ابن هشام ولا يقوم أي: لإِظهار الحاجة فيسأل الناس" وفيه إيماء إلى قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ (ق ٩٥٢) النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي: أصيلًا فالمراد نفي القيد والمقيد معًا.
قال محمد: هذا أي: المسكين الكامل أحقُ بالعطية، وثوابها أكثر هنالك وأيَّهما أعطيتَه زكاتك أي: صدقتك وميراثك أجزأك ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: في قوله تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] وفي سورة الحج في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أي: المعترض بالسؤال والقانع بما رزقه الله تعالى، وفي تقديم القانع إيماء إلا أنه أفضل وفي تأخير المحروم رعاية للفاضل.
* * *
стр. 1720
٩٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن مُعاذ بن عمرو بن سعيد بن معاذ، عن جدّته، أن رسول الله ﷺ قال: "يا نساء المؤمنات، لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو بكُراع شاةٍ مُحْرَق".
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل وكان في الطبقة الثانية أو الثالثة، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن مُعاذ بن عمرو بن سعيد بن معاذ، عن جدّته، أن رسول الله ﷺ قال: "يا نساء المؤمنات، بإضافة الموصوف للصفة، وروي برفع النساء والمؤمنات على النعت لا تحقرن بنون مؤكدة إحداكن لجارتها يحتمل أن يكون نهيًا للمهدية وأن يكون للمهدى إليها والأول أظهر كما ذكره السيوطي ولو بكُراع شاةٍ بالرفع أي: ولو هو، وفي نسخة بالنصب أي: ولو كان مع حذف الناصب أو بنزع الخافض كما نسخه بكراع الشاة مُحْرَق" بالرفع بناء على رفع كراع، وفي نسخة بالنصب مع حذف ألف الناصب وجوزه بعض المحدثين من المتقدمين، وقيل: الكراع مؤنث فكان حقه محرقة إلا أن الرواية هكذا في (الموطآت) وغيرها.
وحكى ابن العربي: أن بعض العرب يذكره فلعل الرواية على تلك اللغة كما ذكره السيوطي.
* * *
٩٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبي بُجَيد الأنصاري ثم الحارثي، عن جدّته: أن رسول الله ﷺ قال: "ردُوا المسكين، ولو بِظِلْفٍ محرقٍ".
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبي بُجَيد بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون التحتية هو عبد الرحمن بن بجيد بن وهب الأنصاري ثم الحارثي، له رؤية وذكره بعضهم
стр. 1721
في الصحابة له حديث مرسل كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن جدّته: هي أم بجيد ويقال: اسمها حوا كذا ذكره السيوطي أن رسول الله ﷺ قال: "ردُوا المسكين، أي: السائل ولو بِظِلْفٍ محرقٍ" على النعت والظلف بالكسر البقر والغنم كالحافر للفرس والبغل والخف للبعير والمراد المبالغة في إعطاء السائل أو محمول على أيام القحط الكامل ونظيره ما رواه العقيلي (٢) عن عائشة ﵂: "ردوا هدية السائل" أي: تعينه "وِلِو مثل رأس الذباب" ولعلها تقتبس من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] والحديث بعينه رواه البخاري أيضًا والنسائي عن حوا بنت سكن.
* * *
٩٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُميُّ، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بينما رجل يمشي بطريق، فاشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلبٌ يلهثُ؛ يأكلُ الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب، من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفَّه ماء، ثم أمسك الخفَّ بِفيه حتى رَقِيَ، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: "في كل ذات كبدٍ رطبة أجر".
• أخبرنا مالك أخبرنا سُميُّ، بصيغة التصغير هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين، مات سنة ثلاثين ومائة مقتولًا بقديد عن أبي صالح السمّان، بتشديد الميم هو ذكوان بن صالح السمان الزيات المدني ثقة ثبت وكان يجلب الزيت والشيء اليسير إلى الكوفة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة (ق ٩٥٣) إحدى ومائة عن أبي هريرة، رضي
стр. 1722
الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بينما أي: في وقت من الأوقات رجل يمشي بطريق؛ أي: في السفر فاشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلبٌ يلهث، بفتح الحاء ويثلث من لهث أخرج لسانه من العطش والحر كذا في (النهاية).
وقال السيوطي: اللهث شدة توارد النفس من تعب وغيره يأكلُ الثرى بمثلثة مفتوحة مقصورة التراب الرطبة أو التراب تحت الأرض من العطش، أي: من شدته وحدته فقال: أي: الرجل في نفسه لقد بلغ هذا الكلب، بالنصب أي: نفسه من العطش مثل الذي بلغ بي، أي: من نفسي فنزل البئر فملأ خفَّه أي: من الماء ماء، ثم أمسك الخفَّ أى: رأسه بِفيه أي: بفمه لاحتياجه إلى يديه في ارتفاعه من البئر حتى رَقِيَ، بكسر القاف أي: صعد إليه فسقى الكلب، فشكر الله له أي: استحسنه وجازاه فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: "في كل ذات كبدٍ رطبة أجر" أي: ثواب عظيم، والكبد بفتح الكاف وكسر الموحدة ثم دال مهملة يقال له باللسان التركي: "جكر" وذكر الترمذي عن مسلم أن النبي ﷺ قال: "بينما امرأة تمشي بفلاة من الأرض اشتد عليها العطش فنزلت بئرًا فشربت ثم صعدت فوجدت كلبًا يأكل الثرى أي: التراب الرطبة من العطش فقالت: لقد بلغ بهذا الكلب مثل ما بلغ مني ثم نزلت البئر فملأت خفها وأمسكته بفيها ثم صعدت فسقته فشكر الله لها ذلك فغفرها" قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا قال: "نعم في كل كبد رطبة أجر".
لما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل المعروف والصدقة، شرع في بيان ما يتعلق بحق الجار، فقال: هذا
* * *
باب حق الجار
في بيان حق الجار وهو أربعون دارًا من كل جانب من البيت قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء - أي: بسبب كونه بين أظهرهم - لكرامته على ربه" (١) كما قاله المناوي. محمد قال: ثنا كذا في نسخة.
стр. 1723
٩٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنَّ عمرة حدّثته: أنها سمعت عائشة رضوان الله عليها تقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ ليورّثَنَّهُ".
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: الأنصاري البخاري بالنون والجيم المدني القاضي له اسمه وكنيته واحد وقيل: إنه يكنى أبا محمد ثقة عابدًا كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة أنَّ عمرة أي: بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت بعد المائة حدّثته: أنها سمعت عائشة رضوان الله عليها تقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالتشديد والتخفيف أي: أمرني بالجار أو بالإِحسان إليه والشفقة عليه حتى ظننتُ أي: حسبت ليورّثَنَّهُ" أي: ليجعله وارثًا، في أكثر الأصول: "حتى ظننت أنه سيورثه" كما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن عائشة ﵂، وفي رواية البيهقي عن عائشة ﵂ أنه يورثه.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالجار، شرع في بيان ما يتعلق باكتتاب العلم، فقال: هذا
* * *
стр. 1724
باب اكتتاب العلم
أي: كائن في بيان اكتتاب العلم أي: استنساخه، والعلم بكسر العين وسكون اللام هو الاعتقاد الجازم المطابق الواقع.
قال المتكلمون: هو صفة يتجلى بها المعلومات عند تعلقها بها، وقال الحكماء: هو حصوله الشيء في العقل، وقيل: العلم هو إدراك على ما هو به، وقيل: هو زوال الخفاء من المعلوم والجهل نقيضه كما قاله السيد الشريف محمد الجرجاني.
لعله استنبط هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥].
ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق هو التعلق والمتعلق بصيغة اسم المفعول واسم الفاعل أي: المعلوم والعلم.
٩٣٦ - أخبرنا مالك, أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن عَمرو بن حزم: أن انظُر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنته أو حديث عُمر أو نحوه فاكتبه لي، فإني قد خِفْتُ دُروس العلم وذهاب العلماء.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى بكتابة العلم بأسًا، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، وقد مر ترجمته قريبًا أن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين أمُّه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ولي إمرة المدينة للوليد وكان مع سليمان كالوزير وولي الخلافة بعده فُعد من الخلفاء الراشدين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف كذا قاله ابن حجر (١) كتب إلى أبي بكر بن عَمرو بن حزم: قيل: سبق ترجمته آنفًا أن انظُر
стр. 1725
أي: تأمل وتفكر ما كان أي: عندي أو عند غيرك من حديث رسول الله ﷺ أي: سماعًا أو سنته أي: تقريرًا أو بلاغًا أو حديث عُمر أو نحو هذا أي: مثل حديث عمر من حديث الخلفاء ولا سيما مما يتعلق بأمر الأمراء.
قال الميرك: واعلم أنه قد جرت عادة أصحاب الحديث إذا روي بإسنادين أو أكثر وساقوا الحديث بإسناد أولًا ثم ساقوا بإسناد آخر يقولون في آخره مثله أو نحوه اختصارًا، والمثل يستعمل بحسب الاصطلاح فيما إذا كان الموافقة بين الحديث في اللفظ والمعنى، والنحو يستعمل كل واحد منهما مقام الآخر انتهى. فاكتبه لي، أي: مجموعًا فإني قد خِفْتُ دُروس العلم أي: اندراس علم الشريعة الغراء وذهاب العلماء أي: من الصلحاء والكبراء.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز ولا (ق ٩٥٥) نرى بكتابة العلم أي: من الكتاب والسنة وما يتعلق بهما من التفاسير وشروح الحديث وكتب الفقه بأسًا، وهو بكسر الفاء وسكون القاف ثم الهاء علم بالأحكام الشرعية العلمية من أدلتها التفصيلية كذا قال السيد الشريف محمد الجرجاني وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، قال رسول الله ﷺ : "من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" رواه الطبراني (١) وغيره عن أبي هريرة، وروى من كلام جعفر بن محمد موقوفًا عليه وهو أشبه فكتابة العلم حسن إذ السلف كان مدار علمهم على الحفظ وإلا ينبغي أن يكون واجبًا مستحبًا فإن العلم صيد والكتابة قيد.
لما فرغ من بيان ما يتعلق باكتتاب العلم، شرع في بيان ما يتعلق بالخضاب، فقال: هذا
* * *
باب الخضاب
الخضاب في (القاموس) ككتاب ما يختضب به أي: ما يلون به قالوا: إن الخضاب كالخضب بالفتح مصدر بمعنى التلوين، ولا يخفى أن هذا المعنى أنسب بالباب؛ لأن معظمه في هذا المعنى.
стр. 1726
قال ابن القطاع: فإذا لم يذكروا الشيب والشعر قالوا: خضب خضابًا واختضب بالخضاب. انتهى وهو يفيد أن المصدر خضب مختلف فحيث ذكروا المفعول مع الفعل كان المصدر خضبات كوعد، وإذا ذكروا الفعل بدون مفعول كان المصدر خضابًا ككتاب، كما قاله أستاذي العالم العلَّامة الشيخ نور الدين الشبراملسي الشافعي في (حاشية متن الشمائل) قد شرحها خاتمة المحققين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي بالمثناة الفوقية كما ضبطه عبد القادر الفاكهي في ترجمته.
ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إحداث العارض على محل.
٩٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرنا محمد بنِ إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عَبْدِ يَغُوث كان جليسًا لنا، وكان أبيض اللحية والرأس، فغدا عليهم ذات يوم وقد حمَّرها، فقال القوم: هذا أحْسن، فقال: إن أمي عائشة أرسلتْ إليَّ البارحة جاريتَها نخيلة فأقسمتْ عليَّ لأصبغنَ، وأخبرتني أن أبا بكر كان يَصْبَغ.
قال محمد: لا نرى بالخضاب بالوَسَمةِ والحِناءِ والصُّفرة بأسًا، وإن تركه أيضًا أبيض فلا بأس بذلك، كل ذلك حسن.
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة له أفراد كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات الصحابة والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين وكان مولده سنة بضع وعشرين كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن عبد الرحمن بن الأسود بن عَبْدِ يَغُوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة
стр. 1727
الزهري ولد على عهد النبي ﷺ ومات أبوه في ذلك الزمان فلذلك عد في الصحابة.
وقال العجلي: من كبار التابعين كان جليسًا لنا، أي: مجالسًا ومصاحبًا ومؤانسًا وكان أبيض اللحية والرأس، أي: شعرهما فغدا أي: فمر عبد الرحمن وقت الصباح عليهم أي: على قوم ولا يتوهم إلا ضمار قبل الذكر، فإن القوم مقدم حكمًا كما يدل عليه المذكور الآتي ذات يوم قبل كلمة ذات مقحمة وفائدتها دفع مجاز المشارفة، وقيل: ذات الشيء نفسه وحقيقته والمراد به ما أضيف إليه، فإن العرب يستعملون (ق ٩٥٦) ذات يوم وذات ليلة ويريدون حقيقة المضاف إليه نفسه وقد حمَّرها، بتشديد الميم أي: والحال أن عبد الرحمن بن الأسود صبغ لحيته بالحمرة فقال القوم: أي: من الأصحاب هذا أحْسن، أي: اللون الأحمر أحسن من بياض في نظر الأحباب، وفيه إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] فقال: إن أمي عائشة أي: بكونها من أمهات المؤمنين كما أشار إليه بقوله: زوجات النبي ﷺ أرسلتْ إليَّ البارحة أي: الليلة الماضية جاريتَها نخيلة بضم النون وفتح الخاء المعجمة تصغير نخلة لعلها سمي بها لطولها فأقسمتْ عليَّ أي: عائشة أو الجارية على لسانها في معرض بيانها لأصبغنَ، بصيغة المتكلم والنون المؤكدة المشددة من بابي منع ونصر، وفي لغة من باب ضرب وأخبرتني أي: عائشة أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يَصْبَغ أي: وقد قال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" (١) وربما كان أبو بكر ﵁ يصبغ ويراه النبي ﷺ فيكون هذا حديث تقريرًا.
قال محمد: لا نرى بالخضاب أي: بالصبغ بالوَسْمةِ بفتح الواو وسكون السين المهملة، وفي (المصباح) إنها في لغة الحجاز بكسر السين وهي أفصح من السكون، وأنكر الأزهري السكون هو نبت يختضب بعروقه والحناء والصُّفرة بأسًا، وأما الصبغ بالسواد فحرام وإن تركه أي: الشعر الأبيض فلا بأس بذلك، كل ذلك أي: ترك الشعر أبيضًا أو خضابًا حسن أي: وإنما الخضاب أحسن للغزاة.
اختلف العلماء هل خضب رسول الله ﷺ شعره أم لا؟
стр. 1728
قال النووي: والمختار أنه ﷺ خضب في وقت لما دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه ولا تأويله، وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى وهو صادق والله أعلم.
قال ميرك: واختلف أهل العلم سلفًا وخلفًا في أنه هل الخضب أحب أم تركه أولى، فذهب جمع إلى الأول مستدلين بحديث أبي هريرة رفعه: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" أخرجه الشيخان (١) والنسائي (٢) وغيرهم، وبحديث أبي أمامة ﵁ أنه قال: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: "يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا أو خالفوا أهل الكتاب" أخرجه أحمد (٣) بسند حسن ولهذا أخضب الحسن والحسين وجمع كثير من كبراء الصحابة، ومال كثير من العلماء إلى أن ترك الخضاب أولى لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "من شاب شيبة فهي له نور إلا أن ينتفها أو يخضبها" (٤) هكذا أورده الطبري، ولكن قال ابن حجر العسقلاني: أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور انتهى.
وأخرجه الترمذي (٥) وابن ماجه من حديث كعب بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نور يوم القيامة" وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة أيضًا (ق ٩٥٧) وقال: صحيح، وأخرج الطبراني من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ : "كان يكره تغير الشيب" ولهذا لم يخضب علي وسلمة بن الأكوع وأبي بن كعب وجمع جم من كبار الصحابة، وجمع الطبراني بين الأخبار الدالة على الخضب والأخبار الدالة على خلافه بأن الأمر لمن لم يكن شيبه مستبشعًا فيستحب له الخضاب، ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه، ولكن الخضاب مطلقًا أولى؛ لأنه فيه امتثالًا للأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه صيانة للشعر عن تعلق الغبار وغيره إلا إن كان من عادة أهل
стр. 1729
البلد ترك المصبغ فالترك في حقه أولى وهو جمع حسن.
ثم إن القائلين باستحباب الخضاب اختلفوا في أنه هل يجوز الخضب بالسواد والأفضل الخضاب بالحمرة أو الصفرة، فذهب أكثر العلماء إلى كراهة الخضب بالسواد وجنح النووي إلى أنها كراهة التحريم وأن من العلماء من رخص فيه في الجهاد ولم يرخص في غيره واستحبوا الخضاب بالحمرة أو الصفرة لحديث جابر قال: أتي بأبي قحافة إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا فقال ﷺ : "غيروا هذا واجتنبوا السواد" أخرجه مسلم، وأخرجه أحمد من حديث أنس قال: جاء أبو بكر بأبيه أبو قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا إلى آخره وزاد الطبراني وابن أبي عاصم من وجه آخر عن جابر فذهبوا به وحمروه، والثغامة بضم المثلثة وتخفيف المعجمة نبات شديد البياض زهره وثمره، ولحديث أبي ذر رفعه: "إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم" أخرجه الأربعة وأحمد وابن حبان وصححه الترمذي، وتقدم أن الصبغ بها يخرج بين السواد والحمرة ولحديث ابن عباس قال: مر رجل على النبي ﷺ قد خضب بالحناء فقال: "ما أحسن هذا" قال: فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال: "هذا أحسن من هذا كله" أخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) ولحديث ابن عباس أيضًا مرفوعًا: "يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يجدون رائحة الجنة" رواه أبو داود (٣) والنسائي (٤) وفي إسناده مقال، ولحديث أبي الدرداء رفعه: "من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة" أخرجه الطبراني (٥) وابن أبي عاصم، وسنده لين، ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فأجازه لها دون الرجل، واختاره الحليمي، وأما خضب اليدين والرجلين فمستحب في حق النساء ويحرم في حق الرجال إلا للتداوي. هذا وأول من خضب بالسواد فرعون، ثم نتف الشيب يكره عند أكثر العلماء لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا تنتفوا الشيب فإنه
стр. 1730
نور المسلم" (١) رواه الأربعة، وقال الترمذي: حسن، وروى مسلم (٢) من طريق قتادة عن أنس قال: كان يكره نتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته.
وقال بعض العلماء: لا يكره نتفه لشيبه إلا على وجه (ق ٩٥٨) التزين.
وقال ابن العربي: وإنما نهى عن النتف دون الخضب؛ لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه والله أعلم، كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل) للترمذي.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بالخضاب، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الوصي، فقال: هذا
* * *
باب الوصي يستقرض من مال اليتيم
في بيان حال الوصي يستقرض من مال اليتيم، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق العمل بالاحتياط.
٩٣٨ - أخبرنا مالك, أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ القاسم بن محمد يقول: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: إن لي يتيمًا وله إبل، أفأشرب من لبن إبله؟ فقال له ابن عباس: إن كنتَ تبغي ضالة إبله، وتَهْنَأ جَرْبَاها، وتليط حوضها، وتسقيها يوم وِرْدِها، فاشرب غير مضر بنَسل، ولا ناهكٍ في حَلب.
قال محمد: وبلغنا أن عمر بن الخطاب ذَكر والي اليتيم، فقال: إن استغنى استعف، وإن افتقر أكل بالمعروف قرضًا.
стр. 1731
وبلغنا عن سعيد بن جبير أنه فسَّر هذه الآية ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: قرضًا.
• أخبرنا مالك, أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ القاسم بن محمد أي: ابن أبي بكر الصديق ﵁، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، يقول: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال له: إن لي يتيمًا وهو من الإِنسان صبي مات أبواه ومن الحيوان ولد مات أمه كما بيناه في كتابنا (نور الأفئدة) في تفسير سورة الضحى وله إبل، أفأشرب من لبن إبله؟ يحتمل أن يكون خبرًا وأن يقدر استفهامها وعلى كل تقدير فمراده الاستفتاء فقال له أي: للرجل الخبر عن اليتيم إن كنتَ تبغي ضالة إبله، أي: أن تطلب ما فقد من إبله وضاع من ماله وتخدم بحاله وتَهْنَأ بفتح الفوقية وسكون الهاء وتثليث النون وبعدها همزة أي: تطلي جَرْبَاها، أي: إبله الجرباء بالقطران وتليط حوضها، أي: تطينه وتصلحه، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: بلفظ بضم اللام وتشديد الطاء أي: تطينه كذا قاله السيوطي وتسقيها يوم وِرْدِهما، بكسر الواو أي: شربها فاشرب أي: من لبن إبله فإنك تستحقه بخدمتك غير مضر أي: حال كونك غير ضار بنَسل، أي: بالولد الرضيع ولا ناهكٍ بكسر الهاء أي: غير مبالغ في حَلب بفتحتين أي: اللبن المحلوب وبتسكين اللام كذا ذكره السيوطي عن سعيد بن زيد الباجي المالكي، والمراد به الأول فتأمل غير مستأصل اللبن.
قال محمد: وبلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ ذَكر والي اليتيم، بفتح الواو وبعدها ألف وكسر اللام وفتح التحتية منصوب مضاف إلى اليتيم أي: ذكر عمر من الذي تولى بأمور اليتيم؟ فقال: إن استغنى أي: إن كان ولي اليتيم غنيًا استعف، أي: فليتنزه عن أكل مال اليتيم، واستعف أبلغ من عف كأنه يطلب زيادة العفة وإن افتقر أي: إن احتاج إلى أكل مال اليتيم أكل أي: فليأكل منه بالمعروف قرضًا تميز أي: بطريق القرض ولعله محمول على ما إذا لم يكن له خدمة في مقابلة لئلا يناقض بالعدم أو على الأفضل والأكمل.
وبلغنا أي: بلغنا أيضًا عن سعيد بن جبير أي: الأسدي مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل الكوفة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين وهو ابن سبع وخمسين وقيل: تسع وأربعين أنه فسَّر هذه الآية
стр. 1732
أي: في سورة النساء: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾ أي: من كان من الأولياء أو الأوصياء غنيًا ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: فليطلب العفة من نفسه يعني: ليمتنع عنِ أكله اغتناء بماله ويقنع به ولا يطمع في مال اليتيم إشفاقًا (ق ٩٥٩) عليه وإبقاء على ماله ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ أي: كان من الأولياء أو الأوصياء محتاجًا ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بقدر حاجته الضرورية وأجرة سعيه وخدمته وفي لفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف ما يدل على أن للوصي حقًا لقيامه عليه، عن النبي ﷺ أن رجلًا قال له ﷺ : إن في حجري يتيمًا أفآكل من ماله؟ قال: "بالمعروف وغير متأثل مالًا ولا وارق مالك بماله" غير متأثل بضم الميم وفتح الفوقية والهمزة وكسر الثاء المثلثة المشددة ثم اللام أي: لك أيها السائل أن تأكل من مال اليتيم بالمعروف غير آخذ ماله كله قوله: ولا وارق مالك بماله أي: وليس لك أيها السائل أن تحفظ مالك مازجًا به في ماله وقال أي: سعيد بن جبير: قرضًا عن مجاهد: يستلف فإذا أيسر أدى، وعن سعيد بن جبير: إن شاء شرب فضل اللبن وركب البعير ولبس ما يستره من الثياب وأخذ القوت ولا يجاوزه فإن يسر قضاه وإن أعسر فهو في حل، كذا قاله أبو السعود في تفسير هذه الآية.
* * *
٩٣٩ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر: أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال له: إنه أوصى إلى يتيم، فقال: لا تشترينّ من ماله شيئًا، ولا تستقرض من ماله شيئًا.
قال محمد: والاستعفاف عندنا عن ماله أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• قال محمد: أخبرنا سفيان الثوري بن سعد بن مسروق الثوري يكنى أبا عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة وكان ربما يدلس، مات سنة إحدى وستين ومائة وله أربع وستون سنة عن أبي إسحاق، أي: الشيباني هو سليمان بن سليمان الكوفي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل الكوفة وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة،
стр. 1733
مات سنة أربعين ومائة عن صِلَة بن زُفَر: بكسر الصاد المهملة وفتح اللام الخفيفة وبضم الزاي وفتح الفاء العبسي بالموحدة، يكنى أبا العلاء أو أبا بكر الكوفي كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات في حدود السبعين كذا في (تقريب التهذيب) أن رجلًا أتى أي: جاء إلى عبد الله بن مسعود، ﵁ فقال له: إنه أوصى أي: أمر إلى يتيم، أي: لا يكون في حجر تربيتي فقال: لا تشترينّ من ماله شيئًا، أي: لنفسك ولا تستقرض من ماله شيئًا أي: من غير ضرورة إليه.
قال محمد: والاستعفاف أي: الامتناع عندنا عن ماله أي: عن أخذه ولو بعد الحاجة أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بمال اليتيم من حرمة الاشتراء به والاستقراض بلا ضرورة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل ينظر إلى عورة الرجل من غير داع إليه.
* * *
باب الرجل ينظر إلى عورة الرجل
في بيان حكم حال الرجل ينظر إلى عورة الرجل أي: بلا داع إليه، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق المنع عن طرف الشرع، فقال: هذا
٩٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ عبد الله بن عامر يقول: بينما أنا أغتسل ويتيم كان في حجر أبي، يصبّ أحدُنا على صاحبه إذ طلع علينا عامر، ونحن كذلك، فقال: ينظر أحدكم إلى عورة بعض؟ والله إني كنتُ لأحسبكم خيرًا منا، قلت: قومٌ وُلِدوا في الإِسلام ولم يولدوا في شيء من الجاهلية، والله إني لأظنكم الْخَلْف.
قال محمد: لا ينبغي للرجل أن ينظر إلى عورة أخيه المسلم إلا من ضرورة لمداواة أو نحوها.
стр. 1734
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ عبد الله بن عامر أي: ابن ربيعة الغزي حليف بني عدي، يكنى أبا محمد المدني، ولد في عهد النبي ﷺ ولأبيه صحبة مشهورة ووثقه العجلي، مات سنة بضع وثمانين يقول: بينما أي: في وقت من الأوقات أنا أغتسل ويتيم كان أي: ذلك اليتيم الغاسل معي في حجر أبي، أي: في تربيته يصبّ أحدُنا على صاحبه أي: ماء الغسل إذ طلع علينا عامر، ونحن كذلك، أي: على مثل ذلك الحال فقال: أي: على وجه الإِنكار ينظر أي: أينظر بعضكم إلى عورة بعض؟ أي: ألم يسمع بما قال النبي (ق ٩٦٠) ﷺ : "لعن الله الناظر والمنظور إليه" (١) كما قاله المناوي في (كنوز الحقائق) و (مسند الفردوس) للديلمي وألم ينظر بما أمر الله لنبيه في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أي: ليطبقوا جوفنهم عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أي: ليستروا فروجهم عن نظر الأجانب، وقوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: غض البصر عن النظر بالمحرمات أظهر لقلوبهم، قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ أي: لا يخفى عليه إجالة أبصارهم واستعمال سائر حواسهم وتحريك جوارحهم وما يقصدون بها فليكونوا على حذر منه تعالى في كل حركة وسكون هذا خلاصة ما قاله البيضاوي والشيخ زادة والله إني كنتُ لأحسبكم أي: لأظنكم خيرًا منا، في الدين والتقوى وسببه أني قلت: أي: في خاطري قوم أي: هم قومٌ وُلِدوا في الإِسلام أي: وعلموا الأحكام ولم يولدوا في شيء أي: في حين من الجاهلية، أي: ليكونوا معذورين في الجهل ببعض الآداب الدينية والله إني لأظنكم أي: الآن الْخَلْف بسكون اللام لا بفتحها وهو خلف السوء قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
قال محمد: لا ينبغي أي: لا يجوز للرجل أي: وكذا الصبي المراهق والمرأة أن ينظر إلى عورة أخيه المسلم هذا قيد اتفاقي إلا من ضرورة أي: داعية وباعثة لمداواة أي: للجراحة أو نحوها أي: نحو التداوي من الختان والفصادة والحجامة.
стр. 1735
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم النظر إلى عورة الرجل، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم النفخ في الشراب، فقال: هذا
* * *
باب النفخ في الشراب
النفخ في الشراب أي: في بيان كراهته، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق النهي عن طرف الشارح.
٩٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب بن حبيب مولى سعد بن أبي وقاص، عن أبي المثنى الجهني: أنه قال: كنتُ مع مروان بن الحكم، فدخل أبو سعيد الخدري على مروان، فقال له مروان: سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن النفخ في الشراب؟ قال: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله، إني لا أرْوَى من نفس واحد، قال: "فَأَبِنْ القَدَحَ عن فِيكَ ثم تنفَّس"، قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: "أهْرِقْها".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب بن حبيب الزهري المدني مولى سعد بن أبي وقاص، ﵁ ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة عن أبي المثنى الجهني: المدني مقبول كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة أنه قال: كنتُ مع مروان بن الحكم، فدخل أبو سعيد الخدري ﵁ على مروان، فقال له مروان: سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن النفخ في الشراب؟ قال: نعم، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: لئلا يقع من ريقه فيه شيء فيتقذره وقد بعث رسول الله ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق كما ذكره السيوطي، وقد روى الترمذي (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن النفخ في الشراب، وروى أحمد في
стр. 1736
(مسنده) (١) عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراب من ثلمة القدح (ق ٩٦١) وأن ينفخ في الشراب. كذا قاله المناوي في (كنوز الحقائق) وروى أحمد عن ابن عباس (٢) مرفوعًا: نهى عن النفخ في الطعام والشراب، وروى الطبراني (٣) عن زيد بن ثابت ولفظه: نهى عن النفخ في السجود وعن النفخ في الشراب، فقال له رجل: يا رسول الله: إني لا أرْوَى أي: لا أشبع من الماء من نفس واحد، بفتح النون والفاء أي: من التنفس الواحد قال: "فَأَبِنْ القَدَح بفتح الهمزة وكسر الموحدة، أمر من الإِبانة أي: فرق القدح عن فيكَ أي: فمك ثم تنفَّس"، أي: ثم اشرب إما بنفسين أو بثلاث نفسات وهو الأولى قال: أي: الرجل فإني أرى القذاة فيه، بفتح القاف والذال المعجمة ثم ألف والفوقية أي: إني أرى على الماء الذي في القدح عودًا رقيقًا كالغبار ويقال لها باللسان التركي: (حواو زنده كي جور جوب) قال "أهْرِقْها" بفتح الهمزة وسكون الهاء وكسر الراء المهملة وسكون القاف، أمر من الإِهراق أي: اصبب الماء في القدح.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم النفخ في الشراب شرع في بيان ما يتعلق بحكم مصافحة النساء.
* * *
باب ما يُكره من مصافحة النساء
في بيان عمل ما يكره من مصافحة النساء أي: الشابة، وكذلك يكره لمس ما يحرم نظره أو يكره من ذكر أو أنثى مثل: مس وجه حرة أجنبية وكفها، فإن النظر فيها بلا حاجة مكروه، وأما مسها فحرام بلا ضرورة داعية للمسها، وأما إذا قضت الحاجة إلى مسها كالمس لمعرفة النبض والفصد والحجامة فلا بأس، وكذا يكره الخلوة معها ولو من الأقرباء كبنت عمه ونحوها، فإنه لا يجوز المصافحة معهن؛ لأن لمسها حرام بخلاف نظر كفيها ورجليها إذا أمن من الشهوة، غير أنه يجوز مصافحة العجائز وغمزها رجله إذا أمن الشهوة كما قاله خواجة زادة في (حاشية الطريق المحمدية).
стр. 1737
٩٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن أُمَيمة بنت رُقَيْقَة أنها قالت: أتيتُ رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه، فقلْن: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فيما استَطَعْتُنّ وأطقْتُن"، قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا منَّا بأنفسنا، هلمّ نبايعك يا رسول الله، قال: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة".
• أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، أي: ابن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعدها ومائة عن أُمَيمة بنت رُقَيْقَة: بالتصغير فيها، واسم أبيها عبد الله بن بخاء بن عمير بن الحارث بن الخارجة بن سعد بن تيم بن مرة، واسم أمها رقية بضم الراء المهملة وفتح القافين بينهما تحتية ساكنة ثم هاء هي بنت خويلد بن أسد أخت خديجة وهي أي: أميمة صحابية بنت صحابي روت عن النبي ﷺ وروى عنها محمد بن المنكدر وهي كانت من المبايعات كما قاله ابن حجر العسقلاني في (الإِصابة) وإنما أضيفت إلى أمها لشهرتها بإمها أي: أميمة قالت: أتيتُ أي: جئت رسول الله ﷺ في نسوة أي: في جماعة النسوة نبايعه، بصيغة الغيبة ويحتمل أن يكون بنون المتكلم ويسمى هذه البيعة بيعة النساء وفي نسخة: نبايعه على الإِسلام قال الله تعالى في سورة النساء وفي نسخة: نبايعة على الإِسلام قال الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢] وذلك يوم الفتح، لما فرغ رسول الله ﷺ عن بيعة الرجال وهو على الصفا وعمر بن الخطاب ﵁ أسفل منه وهو يبلغ (ق ٩٦٢) النساء بأمر رسول الله ﷺ
стр. 1738
أن يعرفها فقال النبي ﷺ : "أبايعكن على أن لا يشركن بالله ولا يسرقن" فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت في ماله هنات فلا أدري يحل لي أم لا؟
فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء في ماضي وفيما غير فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ فعرفها فقال: "والله إنك لهند بنت عتبة" قالت: نعم، فاعف عما سلف عفى الله عنك فقال: "ولا تزنين" فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فقال: "ولا يقتلن أولادهن" فقالت هند: ربيناهم صغارًا وقتلتوهم كبارًا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول الله ﷺ فقال: "ولا تأتين ببهتان يفترينه بين أيديكن وأرجلكن وهو تقذف ولدًا على زوجها ليس منه" قالت هند: والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق فقال: "ولا تعصين في معروف" قالت هند: فأجلسنا مجلسًا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء فقلن: يا رسول الله، نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، أي: أردن وأد البنات الذي يفعله أهل الجاهلية ولا نأتي ببهتان أي: بولد ملقوط نفتريه أي: يقلن لزوجهن: هذا ولدي منك بين أيدينا وأرجلنا، أي: لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ولا نعصيك في معروف، أي: في كل أمر موافق طاعة الله تعالى.
وفيه عدم خلو المرأة بالرجل وترك النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه وعدم المسافرة إلا مع المحرم قالت: أي: أميمة كما في نسخة فقال رسول الله ﷺ : "فيما استَطَعْتُنّ أي: في عمل قدرن أن تفعلينه وأطقْتُن"، هذا تلقين لهن لئلا يقعن فيما لا يطقن قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا منَّا بأنفسنا أي: حيث قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] أي: أعطنا يدك هلمّ نبايعك أي: نصافحك يا رسول الله، أي: كما صافحك الرجال قال: "إني لا أصافح النساء، أي: باليد بل بالكلام كما بينه بقوله: إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" شك من الراوي.
وفي رواية البغوي: "إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة"، وفي حديث البخاري (١) عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام
стр. 1739
بهذه الآية ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة يملكها (١) والله أعلم.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم المصافحة مع النساء، شرع في بيان ما يتعلق بفضائل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين (ق ٩٦٣).
* * *
باب فضائل أصحاب النبي ﷺ -
أي: كائن في بيان ما يتعلق بفضائل أصحاب رسول الله ﷺ أي: بعض منهم متفرقة.
٩٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: سمعتُ سعد بن أبي وقاص يقول: لقد جَمَعَ لي رسول الله ﷺ أَبَوَيْهِ يومَ أُحد.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بنِ المسيَّب يقول: سمعتُ سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: لقد أي: والله قد جَمَعَ لي أي: الفداء رسول الله ﷺ أَبَوَيْهِ يومَ أُحد بعني: "ارم يا سعد فداك أبي وأمي" وإنما قال له وللزبير ولم يقل مثل ذلك لأحد غيرهما، فلهما به خصوصية عظيمة ومنقبة جسيمة وسعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، أسلم قديمًا وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقال: كنت ثالث الإِسلام وأنا أول من رمى السهم في سبيل الله وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وقال فيه: "اللهم سدد سهمه وأجب دعوته".
* * *
٩٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال ابن عمر: بعث رسول الله ﷺ بَعْثًا فأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمْرَته، فقام رسول الله ﷺ فقال: "إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من
стр. 1740
قبل، وايمُ الله إن كان لخليقًا للإمرة، وإن كان لَمِنْ أحبّ الناس عليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده".
أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أي: مولى ابن عمر المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة قال: قال ابن عمر: بعث رسول الله ﷺ أي: أرسل جيشًا كبيرًا وعسكر كثيرًا بَعْثًا فأمَّر عليهم بتشديد الميم أي: جعل أميرهم أسامة بن زيد، ﵁ فطعن الناس في إمْرَته، بكسر الهمزة أي: في إمارته وولايته لكونه صغير القوم وحقيرهم في الصورة؛ ولأنه من الموالي وكان في القوم أبو بكر وعمر فقام رسول الله ﷺ أي: على المنبر أو وقف وقوفًا فقال: "إن تطعنوا في إمرته، أي: إمارته الآن فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، أي: قبل ذلك ولعله كان بموته من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة وهو كان أمير على تلك الغزوة، وقال ﷺ : "إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" فقتلوا ثلاثتهم ووقع الفتح على يد خالد بن الوليد وايمُ الله بهمزة الوصل وبقطع وبضم الميم أي: وأقسم بالله إن مخففة من المثقلة أي: قد كان أي: أسامة بن زيد لخليقًا أي: جديرًا وحقيقًا للإمرة، أي: للإِمارة كما في نسخة وإن هذا أي: أسامة بن زيد على ما في نسخة أخرى وإن كان أسامة لمن أحب الناس إليَّ بعده" أي: من بعد أبيه فهو حبه وابن حبه.
قال ابن عبد البر: يقال له: الحب ابن الحب، وذكر ابن سعد قال هارون: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه: "أن النبي ﷺ أخر الإِفاضة من عرفة من أجل أسامة بن زيد ينتظره فجاءه غلام أسود أفطس فقال أهل اليمن: إنما حبسنا لأجل هذا قال: فلا لك كفر أهل اليمن من أجل هذا" وكان زيد قد أصابه في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام في سوق بناحية مكة لخديجة فوهبته له ﷺ فتبناه بمكة قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، وكان رسول الله ﷺ (ق ٩٦٤) حين تبناه على خلق من قريش يقول: "هذا ابني وارثًا وموروثًا".
قال ابن عمر: ما كنا ندعوك زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وعن الزهري قال: ما علمان أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة يعني: من الموالي كما ذكره المحققون، وزوجه رسول الله ﷺ مولاته أم أيمن فولد له أسامة.
* * *
стр. 1741
٩٤٥ - أخبرنا مالك، عن أبي النّضر مولى عمر بن عبد الله بن مَعْمَر، عن عُبيدٍ يعني ابن حنين عن أبي سعيد الخُدري، أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: "إن عبدًا خيَّره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده فاختار العبد ما عنده"، فبكى أبو بكر ﵁، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ بخبر عبد خيره الله وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخيَّر، وكان أبو بكر ﵁ أعْلَمنا به، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ أمَنَّ الناسِ عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متخذًا خليلًا لاتخذتُ أبا بكر، ولكن إخوة الإسلام، ولا يبقين في المسجد خَوْخَة إلا خَوْخَة أبي بكر".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك عن أبي النّضر مولى عمر بن عبد الله بن مَعْمَر، القرشي التميمي المدني، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كذا قاله الطيبي في (ذيل شرح مشكاة المصابيح) وابن حجر العسقلاني في (تقريب التهذيب) (١) عن عُبيدٍ بالتصغير يعني ابن حنين بضم الحاء المهملة وفتح النون وسكون التحتية ثم نون مصغرًا المدني يكنى أبا عبد الله، ثقة قليل الحديث كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة وله خمس وسبعون سنة ويقال: أكثر من ذلك كذا قاله الحافظ العسقلاني (٢) عن أبي سعيد الخُدري، ﵁ أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، أي: وكان ابتلاء مرضه الذي مات فيه فإنه خرج كما رواه الدارمي وهو معصوب الرأس بخرقة حتى أمال إلى المنبر فاستوى عليه فقال: "والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا" ثم قال: وفي رواية: فقال: "إن عبدًا خيره الله أن يؤتيه أي: يعطيه من زهرة الدنيا بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء والراء ثم
стр. 1742
هاء أي: البهجة فيها وزينتها ما شاء، أي: ذلك العبد أو ربه وبين ما عنده أي: ما عند الله تعالى كما في رواية: من حياة العقبي ولذة اللقاء ودوام البقاء فاختار العبد ما عنده، أي: لأنه خير وأبي قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] ولذا قال: "لو خير المؤمن العاقل بين خزف باق وذهب فإن لاختار خزف لبقائه فكيف والدنيا خزف فان والأخرى ذهب باق" فبكى أبو بكر ﵁، أي: لما فهم من كلامه ﷺ أنه أراد بالعبد نفسه، وأنه اختار الموت فلا يكون الأمر بخلافه وقال: فديناك أي: نحن معشر المسلمين بآبائنا وأمهاتنا، أي: فإنك خير منهم لنا ولمهماتنا قال: أي: أبو سعيد الخدري فعجبنا له، أي: نحن الحاضرون من الصحابة الكرام من هذا الكلام في مقابل كلامه ﷺ حيث فهمنا حقيقة المراد وقال الناس: أي: بعضهم لبعض من الذين هم في مرتبة العوام انظروا إلى هذا الشيخ، أي: مع كبر سنه وكما فهمه كيف تكلم بما لا يناسب في مقام مرامه؟ يخبر رسول الله ﷺ بخبر عبد أي: منهم خيره الله تعالى وهو أي: أبو بكر الصديق ﵁ يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا، والمعنى أنه ثم تبين لنا أن الأمر كان على ما فهمه أبو بكر من طريق الإِشارة في طي العبادة فكان رسول الله ﷺ (ق ٩٦٥) هو المخيَّر، أي: بين الأمرين والمختار لأمر العقبى على الدنيا وكان أبو بكر ﵁ أعْلَمنا به، أي: بسبب هذا الفهم والجلي والفضل العلي، والظاهر أن أعلم صيغة أفعل ولا يبعد أن يكون ماضيًا، والمعنى أنه ﵁ أعلمنا به وكنا قد غفلنا عنه وجهلنا به فقال رسول الله ﷺ : أي: على المنبر حينئذ وكان الأظهر أن يقول: فقال كما في الأصول: "إنَّ أَمَنَّ الناسِ بفتح الهمزة والميم وتشديد النون المفتوحة مضاف إلى الناس أي: أكثر الناس منه عليَّ في صحبته أي: القديمة الدائمة وماله أي: في نفقته الكثيرة أبو بكر، الصديق ﵁ فقد روى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا أنفقها كلها على رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقال ﷺ : "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر" وأعتق أبو بكر سبعة كانوا يغدون في سبيل الله منهم: بلال وعامر بن فهيرة ولو وفي نسخة: فلو بالفاء كنتُ متخذًا أي: من أهل الأرض كما في رواية خليلًا أي: حبيبًا خالصًا لاتخذتُ أبا بكر، خليلًا ولكن إخوة الإسلام، أي: بيننا أو كافية ولا يبقين وفي رواية: ولا تبقى في المسجد خَوْخَة بفتح الخائين المعجمتين بينهما واو ساكنة ثم تاء للوحدة أي: باب صغير بين البيتين أوكده في الجد أو للوضوء إلا
стр. 1743
خَوْخَة أبي بكر". الحديث رواه البخاري، وفيه إيماء إلى خلافته ﵁، فإن الإِمام يحتاج إلى مبنى المسجد والاستطراف فيه بخلاف غيره وذلك من مصالح المسلمين المصلين، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحًا أن يصلي بالناس أبو بكر فرجع في ذلك وهو يقول: "مروا أبا بكر أن يصلي بالناس" مولاه إمام الصحابة عند بيعة أبي بكر ﵁، رضيه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، ثم اعلم أنه ﷺ لما عرض على المنبر في الكلام باختياره اللقاء على البقاء بل البقاء على الفناء، ولم يصرح في المرام خفي على كثير من الكرام واختص الصديق بهذا التحقيق وحصل له الجزع والفزع في مقام التوفيق فسكته عن ضيق صدره وتشتت أمره بمأخذه ﷺ في الثناء عليه والمبالغة في مدحه ليعترف الناس كلهم بفضله فلا يقع عليه اختلاف في خلافته وصدق حالته.
* * *
٩٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن إسماعيل بن محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت بن قيس بن شَمَّاس الأنصاري، قال: يا رسول الله، لقد خَشِيتُ أن أكون قد هلكت، قال: "بم؟ "، قال: نهانا الله أن نُحِبَ أن نُحْمَدَ بما لم نفعل، وأنا امرؤٌ أحبُّ الحمدَ، ونهانا عن الخُيلاءِ، وأنا امرؤٌ أحبُّ الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا على صوتك، وأنا رجل جَهيرُ الصوت، فقال رسول الله ﷺ : "يا ثابت، أما ترضى أن تعيش حميدًا، أو تُقتل شهيدًا، وتدخل الجنة".
• أخبرنا مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين، من أهل المدينة ولد في سنة ثلاث وتسعين ومائة، مات سنة تسع وسبعين أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري يكنى أبا بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه وهو كان من رؤوس الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين ومائة عن إسماعيل بن محمد بن ثابت (ق ٩٦٦) الأنصاري، أن ثابت بن قيس
стр. 1744
ابن شَمَّاس بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم الأنصاري، قال: يا رسول الله: لقد خَشِيتُ أن أكون قد هلكت، أي: بالمخالفة قال: ﷺ "بم؟ "، أصله لما حذف الألف؛ لأن حرف الجر إذا دخلت عليه ما الاستفهامية يحذف ألفها تخفيفًا للفظ الكثير التداول وفرقًا بين ما الاستفهامية والإِسمية هو إخبار عن شدة اتصال ما بحرف الجر حتى صارت كلا جزء منها أي: لأي شيء تحذف قال: نهانا الله أي: كره لنا ومنعنا أن نُحِبَ أن نُحْمَدَ بما لم نفعل، حيث قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٨] وأنا امرؤٌ أحبُّ الحمدَ، أي: الحمد والثناء ونهانا عن الخُيلاءِ، وأنا امرؤٌ أحبُّ الجمال، أي: الزينة في اللبس وغيره من الأحوال ونهانا أن نرفع أصواتنا على صوتك، حيث قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية [الحجرات: ٢] وأنا رجل جَهيرُ الصوت، أي: عاليه خلقة فقال رسول الله ﷺ : يا ثابت، أما ترضى أي: هل ترضى أن تعيش حميدًا، أي: محمودًا أو تُقتل على صيغة المجهول شهيدًا، وتدخل الجنة" أي: سعيدًا وعن النار بعيدًا، وروى أنه قال: رضيت بشرى الله ورسوله ألا أرفع صوتي أبدًا على رسول الله ﷺ ، وقد استشهد يوم اليمامة مع مسيلمة الكذاب، وكان خطيب رسول الله ﷺ وخطيب الأنصار، وفي صحيح مسلم (١) عن أنس لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار واحتبس عن النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: "يا أبا عمر وما شأن ثابت اشتكى" فقال سعد: إنه نجاري وما علمت له شكرى قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "بل هو من أهل الجنة" هذا ولعل قوله ﷺ في جواب ما صدر له في صدر الكلام ببشارته إلى الجنة العلية متضمنة بأنه ليس ممن يظن نفسه أنه في الخصائل المدنية والشمائل الرذية.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بفضائل أصحاب رسول الله ﷺ ، شرع في بيان ما يتعلق بصفة النبي ﷺ ، فقال: هذا
* * *
стр. 1745
باب صفة النبي ﷺ -
في بيان صفة النبي ﷺ أي: صفة خلقه وجماله وكماله في اعتدال خلقته وحاله إجمالًا، وإنما قدم باب فضائل الأصحاب على باب صفة النبي ﷺ توطئة لهذا الباب كتقدم الجيش قدام الأمير في سبيل الله.
٩٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمْهق، وليس بالآدم، وليس بالجَعْد القَطَطَ، ولا بالسّبط، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم، يكنى أبا عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي واسم أبيه فروخ، ثقة فقيه مشهور قال ابن سعد: كانوا يثقونه لوضع الرأي (ق ٩٦٧) كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة كذا قاله الحافظ العسقلاني (١) أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ : ليس بالطويل الجملة خبر كان والمناسب هنا مذهب غير ابن الحاجب أنها لنفي مضمون الجملة لا ماضيًا كما هو مذهبه حتى يحتاج إلى تكلف حكاية حال ماضية قصد بها دوام نفسها البائن بالهمزة ووهم من جعله بالياء وهو اسم فاعل من بان أي: ظهر على غيره أو من باء بمعنى بعد والمراد أنه لم يكن بعيدًا من التوسط أو من باب بمعنى فارق من سواه، لأن من رآه يتصور أن كل واحد من أعضائه مبان عن الآخر، أو لأنه بائن الاعتدال، أو لأن طوله يظهر عند كل أحد ولا بالقصير، أي: المتردد الداخل بعضه في بعض، والمعنى أنه كان متوسط بين الطول والقصر لا زائد الطول ولا القصير، وفي نفي
стр. 1746
أصل القصر ونفي الطول البائن لا أصل الطول إشعارًا بأنه ﷺ كان مربوعًا مائلًا إلى الطول وأنه كان في الطول أقرب، كما رواه البيهقي وكذا رواه الذهلي بالذال المعجمة بإسناد حسن عن أبي هريرة: كان ربعة إلى الطول أقرب، وكذا رواه الذهلي وجمع بين النفيين لتوجه الأول إلى الوصف أي: ليس طوله مفرط ففيه إثبات الطول فاحتج للثاني وذلك صفته الذاتية فلا يرد أنه كان إذا ما مات الطويل زاد عليه لأنه معجزة حتى لا يتطاول عليه أحد صورة كماله يتطاول عليه معنى وليس بالأبيض الأمْهق، بفتح الهمزة والهاء بينهما ميم ساكنة آخره قاف أي: ليس شديد البياض كلون الجص، وقد ثبت أنه كان أبيض مشربًا أي: مختلطًا بحمرة فالنفي يتوجه إلى: الوصف فقط كما تقدم وفي نسخة: ولا بالأبيض بلا بدل ليس كما في (الشمائل للترمذي) وليس بالآدم، بمد الهمزة فإن أصله أأدم بهمزتين قلبت الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها أي: ولا شديد السمرة وإنما يخال بياضه الحمرة.
وفي الصحيحين من وجه آخر عن ربيعة عن أنس أزهر اللون أي: أبيض مشرب إلى الحمرة والأشرب خلط لون بلون آخر، والمراد أن حمرته لم تكن غالبة على بياضه بل العكس الذي هو المطلوب في لون المحبوب، هذا أصح الأقوال من رواية لون رسول الله ﷺ ومطابق بوصف وجهه الكريم، فإن العبد الفقير إلى شفاعته العظيم، والله لقد رأيت في المنام في شهر جمادى الأخرى من سنة اثنين وستين ومائة وألف كان لون وجهه الكريم لون الحنطة الصيفي وليس أي: شعره ﷺ بالجَعْد بفتح الجيم وسكون العين المهملة من الجعودة وهي في الشعر أن يتكسر تكسرًا تامًا ولا يترسل والقَطَطَ، بفتحتين وبكسر الثاني وهو شدة الجعودة كشعر الحبشي والزنجي ولا بالسَّبط، بفتح السين المهملة وكسر الموحدة أي المنبسط المسترسل، والمراد أن شعره ﷺ ليس نهاية في الجعودة وهي لكثرته الشديدة ولا في البسوطة بعثه الله أي: أظهر أمره وأعلى قدره أو أرسله إلى الخلق للنبوة والرسالة وتبلغ الأحكام (ق ٩٦٨) والحكم للأمة، قيل: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، وأنزل عليه الوحي يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرًا يوم الاثنين على رأس أربعين سنة، حال من المفعول وقيل: على بمعنى في وقيل: الرأس مقحم ويؤيده ما في رواية البخاري: أنزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، قال شارح الحديث: المراد بالرأس الطرف الأخير منه لا عليه الجمهور من أهل السير والتواريخ من أنه بعث بعد استكمال أربعين سنة، قال
стр. 1747
الطيبي: الرأس هنا مجاز عن آخر السنة كقولهم: رأس الآية أي آخرها فأقام بمكة أي: بعد البعثة عشر سنين، أي: بوصف الرسالة وثلاث عشرة سنة بوصف النبوة التي هي أعم وبالمدينة عشر سنين أي: رسولًا نبيًا باتفاق المؤرخين وتوفاه الله على رأس ستين سنة، أي: بناه على إسقاط الكسر وإلا فالجمهور على أن عمره صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون ووجه مع سن الولادة والوفاة فلا منافاة وليس في رأسه أي: في شعره ولحيته عشرون شعرة بيضاء بل أقل هو نصف عشر، والحكمة في قلة شيبه ﷺ مع ما ورد من قوله: "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نور يوم القيامة" أنه ﷺ كان يحب النساء وهن يكرهن بالطبع والحديث رواه الترمذي في أول (الشمائل).
لما فرغ من بيان ما يتعلق بصفة النبي ﷺ ، شرع في بيان ما يتعلق بقبره، فقال: هذا
* * *
باب زيارة قبر النبي ﷺ وما يُستحب من ذلك
قبر النبي ﷺ وما يستحب من ذلك أي: من الزيارة به والصلاة والسلام والدعاء هنالك.
٩٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر كان إذا أرادَ سفرًا، أو قدم من سفر جاء قبر النبي ﷺ ؛ فصلى عليه، ودعا ثم انصرف.
قال محمد: هكذا ينبغي أن يفعله إذا قدم المدينة: يأتي قبر النبي ﷺ .
• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ كان أي: من دأبه إذا أرادَ سفرًا، أي: إن شاءه وقصد وداع النبي ﷺ أو قدم أي: إذا رجع وجاء من سفر أي: وقصد سلام القوم عليه؛ لأنه ﷺ حتى في قبره كما هو العقد في المعتقد جاء قبر النبي ﷺ ؛ أي: قريبه فصلى عليه، أي: بعد التسليم بأن قال: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ودعا أي: الله وتوسل إلى النبي ﷺ في ابتغاء رضاه ثم انصرف أي: عن قبره قبر ضجيعيه وسلم على كل واحد منهما ودعا لديه ولعل هذا بيان الزيارة الإِجمالية حال العجلة، وأما في وقت السعة فإذا بها كثيرة كما بينت في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح).
стр. 1748
قال محمد: هكذا ينبغي أن يفعله إذا قدم المدينة: أي: وكذا إذا أراد السفر منها خصوصًا في الحالين وهو لا ينافي الزيارة في غيرها صباحًا ورواحًا يأتي قبر النبي ﷺ يعني: بعد تحية المسجد، وقد روى أبو حنيفة عن ابن عمر ﵄ قال: ومن السنة أن تأتي قبر رسول الله ﷺ من قبل القبلة فيستقبل القبر بوجهه ثم يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بقبر النبي وما يستحب من الزيارة والصلاة والدعاء عليه، شرع في بيان فضل الحياء، فقال: هذا
* * *
باب فضل الحياء
بالتنوين أي: في بيان فضل الحياء هو انقباض النفس من شيء وتركه حذرًا من اللوم فيه وهو نوعان، نفساني: وهو الذي خلق الله في النفوس كلها كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس، وإيماني وهو أن يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفًا من الله تعالى كذا قال السيد الشريف محمد الجرجاني، قال رسول الله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء" قلنا: إنا نستحي من الله يا رسول الله والحمد لله قال: "ليس ذلك ولكن الاستحياء من حق الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعي والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلي، ومن أراد الآخرة وترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء" رواه الترمذي (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التقرب إلى الله تعالى بزيارة قبر النبي ﷺ بالحياء الإيماني.
٩٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عليٌّ بن حُسين، يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "مِنْ حُسنِ إسلام المرء تَرْكُهُ ما لا يَعنيه".
قال محمد: هكذا ينبغي للمرء المسلم، أن يكون تاركًا لما لا يعنيه.
стр. 1749
• أخبرنا مالك، أخبرنا أبن شهاب، أي: محمد بن شهاب بن زهرة بن كلاب الزهري، ثقة فقيه مشهور كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة مات بعد المائة عن عليٌّ بن حُسين، أي: ابن علي بن أبي طالب زين العابدين ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور، قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وتسعين وقيل غير ذلك كذا في (تقريب التهذيب) (١) يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "مِنْ حُسنِ إسلامِ المرء تَرْكُهُ ما لا يَعنيه" أي: لا ينفعه في دينه ودنياه من قول وعمل، وذكَر في غير ما يتعلق برضا مولاه، والحديث رواه الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن أبي هريرة، وأحمد (٤) والطبراني (٥) عن الحسين بن علي، والحاكم عن أبي ذر وهو من أحاديث الأربعين.
قال محمد: هكذا ينبغي للمرء المسلم، أي: بيان كامل الكامل أن يكون تاركًا لما لا يعنيه يعني ولقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣].
* * *
٩٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا سلمة بن صفوان الزُّرقي، عن زيد بن طلحة الرّكاني، أن النبي ﷺ قال: "إن لكل دينٍ خُلُقًا، وإن خُلُقَ الإسلام الحياء".
• أخبرنا مالك، أخبرنا سلمة بن صفوان أي: ابن سلمة الأنصاري الزُّرقي، بضم الزاي وفتح الراء المهملة وبالقاف نسبة إلى زرقة الأنصاري، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن يزيد بالتحتيتين بينهما زاي وبعدهما دال مهملة كذا رواه القعنبي وابن القاسم وابن بكير وغيرهم وهو الصواب،
стр. 1750
وروى يحيى بن الليث زيد بالزاي في أوله ثم تحتية ثم دال ابن طلحة الرّكاني، بضم الراء المهملة والكاف ثم ألف ونون نسبة إلى ركانة، وفي (التمهيد) من طريق وكيع عن مالك عن سلمة بن يزيد بن ركانة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إن لكل دينٍ خُلُقًا، بضمتين ويسكن أي: سجية وطبيعة شرعت فيه ولخص أهل ذلك الدين عليها كما ذكره السيوطي وإن خُلُقَ الإسلام الحياء" أي: طبع هذا الدين وسجيته التي بها قوامه (ق ٩٧٠) أو مروة الإِسلام التي بها جماله الحياء.
* * *
٩٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا مُخْبِرٌ عن سالم بن عبد الله، عن عمر: أن رسول الله ﷺ مَرّ على رجلٍ يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : "دَعْه فإن الحياء من الإيمان".
• أخبرنا مالك، أخبرنا مُخْبِرٌ بضم الميم وسكون الخاء وكسر الموحدة ثم راء مهملة أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري كما في (الموطأ) لمالك بن أنس عن سالم بن عبد الله أي: ابن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من كبار طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة كذا في (تقريب التهذيب) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ مَرّ على رجلٍ زاد التنيسي: من الأنصار، ولمسلم من طريق معمر مر برجل من الأنصار، ولمسلم بمعنى اجتاز يعدى بعلى وبالباء وله من طريق ابن عيينة سمع النبي ﷺ رجلًا ولا حلف فلما مر به سمعه يعظ أخاه أي: نسبًا أو دينا.
قال الحافظ: لم أعرف اسم الواعظ ولا أخيه في الحياء، أي: يلومه على كثرته وأنه أخبر به ومنعه من بلوغ حاجته وهذا حسن موافق لما في طريف آخر، قال الحافظ: قوله: يعظ أي: ينصح ويخوف أو يذكر كذا شرحوه، والأولى أن يشرح بما عند البخاري في الأدب المفرد من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن شهاب: "ويعظه يُعَنِّفُ أخاه في
стр. 1751
الحياء يقول: إنك تستحي حتى إنه يقول: قد أضر بك الحياء" ويحتمل أن يكون ذكر له العتاب والواعظ فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر، لكن المخرج متحد فالظاهر أنه من تصرف الرواة بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر وفي سببيه، فكان الرجل كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقه فعاتبه أخوه على ذلك فقال رسول الله ﷺ : "دَعْه؛ أي: على ذلك الخلق السني ثم زاده ترغيبًا في ذلك بقوله: فإن الحياء من الإيمان" أي: من كرم خصاله وأشرف مقاله، وقد روى مسلم (١) والترمذي (٢) عن ابن عمر: "الحياء من الإيمان" وفي رواية أبي نعيم (٣) وغيره: "الحياء والإيمان قرنا جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" وفي رواية الطبراني في الأوسط (٤) عن أبي موسى الأشعري: "الحياء والإيمان مقرونان لا يفرقان إلا جميعًا" وروي أن الله تعالى أرسل جبريل إلى آدم صلوات الله على نبينا وعليه بالعقل والإِيمان والحياء وقال: اختر أيهن شئت فاختار العقل قال جبريل للحياء والإِيمان: انصرفا فقد اختار عليكم العقل فقال الإِيمان للحياء: انصرف أنت فإن الله تعالى أمرني أن أكون حيث ما يكون الإِيمان فاجتمعن جميعًا في آدم صلوات الله على نبينا وعليه كذا في (الخالصة).
لما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل الحياء، شرع في بيان ما يتعلق بحق الزوج على المرأة، فقال: هذا
* * *
باب حق الزوج على المرأة
حق الزوج على المرأة من حسن العشرة بينهما.
٩٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني بَشير بن يسار، أن حصين بن محصن أخبره: أنَّ عمةً له أتت رسول الله ﷺ ، وأنها زعمت أنه قال
стр. 1752
لها: "أذات زوج أنت؟ "، قالت: نعم، فزعمت أنه قال لها: "كيف أنتِ له؟ "، قالت: ما آلوه إلا ما عجزْت عنه، قال: "فانظري أينَ أنتِ منه، فإنه جنَّتك ونَارُكِ".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري (ق ٩٧١) المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أخبرني بالإِفراد بُشير مصغر ابن يسار، الحارث مولى الأنصار المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة أن حصين بن محصن بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الصاد المهملة الأشهلي معدود في الصحابة وبرواية عن عمته كذا في (تقريب التهذيب) (١) أخبره: أنَّ عمةً له أتت أي: جاءت رسول الله ﷺ ، وأنها أي: والحال أنها زعمت أي: قالت بلا يقين فإن الزعم هو القول بلا دليل كما قاله محمد الجرجاني أنه أي: ﷺ قال لها: "أذات أي: كنت صاحبة زوج أنت؟ "، قالت: نعم، أي: أنا صاحبة زوج فزعمت أنه قال لها: "كيف أنتِ له؟ "، أي: من حال رضا أو سخط أو حسن عشرة أو سوء خدمة قالت: ما آلوه أي: ما أقصر في خدمته وتحصيل رضا خاطره إلا ما عجزت عنه، قال: "فانظري أي: ترعي حقه ولا تقصري في خدمته أينَ أنتِ منه، أي: وجهة رعايته وتقصير خدمته فإنك راعية على بيته وولده فإنك مسئولة عنهم، قال رسول الله ﷺ : "ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع فهو مسئول عن رعيته، والرجل راع عن أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده ومسئول عنه، ألا وكلكم راع ومسئول عن رعيته" رواه أبو هريرة كذا أورده البغوي في (المصابيح) في كتاب الإِمارة والقضاء فإنه أي: زوجك جنَّتك ونَارُكِ" أي: زوجك بسبب أحد المنزلتين، فإن أحسنت به فلك الجنة وإن أسأت عنه فلك النار، من هذا ما ورد في هذا الباب حديث: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحق الزوج على امرأته، شرع في بيان حق الضيافة، فقال: هذا
* * *
стр. 1753
باب حق الضيافة
في بيان حق الضيافة أي: إطعام الضيف وما يتعلق بها من اللطافة.
٩٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد المَقْبُري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه؛ جائزته يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثْوي عنده حتى يُخْرِجه".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد المَقْبُري، يكنى أبا سعيد المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه؛ رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) عن أبي شريح وأبي هريرة جائزته قال السيوطي: أي: منحته وعطيته وإتحافه ما فضل ما يصدر عليه يومٌ وليلة، والضيافة أي: في كمالها ثلاثة أيام، أي: وفق عادة الكرام فما كان بعد ذلك أي: بعد ثلاثة أيام فهو صدقة، أي: لا تكليف فيها ولا يكلف بل مستحبة الخلاف ما سبق فإنها إما واجبة (ق ٩٧٢) أو سنة مؤكدة ولا يحل له أي: لا ينبغي لضيف أن يثْوي بالمثلثة أي: يقيم عنده أي: من غير ضرورة حثى يُخْرِجه" بضم فسكون فكسر أي: يوقعه في الحرج ويضيق عليه أو يؤثمه.
وفي الصحيحين عن أبي شريح: "الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه" من باب الإِفعال أي: يوقع المضيف في الإثم
стр. 1754
بأن يغتابه لطول مكثه عنده، أو يتعرض له بما يؤذيه من المنّ وغيره، فإن حبسه مطر أو مرض أقام بعد الثلاث فأنفق من مال نفسه وهذا كله إذا لم يطلب الضيف إقامته، أما إذا طلب أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بها، زاد مسلم قال: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: "يقيم عنده ولا شيء له بقربه به" من باب ضرب أي: يطعمه وفي حديث أحمد (١) عن أبي سعيد والطبراني (٢) عن ابن عباس، والبزار (٣) عن ابن عمر "الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة" وزاد ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة: "وعلى الضيف أن يتحول بعد ثلاثة أيام" وفي رواية القضاعي (٤) عن ابن عمر: "الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر" ولعل وجه ذلك أن في البر ليس سوقًا ولا بيعًا ولا شراء، وقال: الضيافة واجبة في هذه الثلاثة لقوله ﷺ : "فما وراء ذلك فهو صدقة" والجمهور على أنها سنة، وحملوا الحديث المروي على أن المضيف يراها واجبة عليه لمكارم أخلاقه أو على الضيف المضطر.
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحق الضيافة، شرع في بيان من يتعلق بتشميت العاطس.
* * *
باب تشميت العاطس
في بيان ما يتعلق بحكم تشميت العاطس أي: جواب حمده بقوله: يرحمك الله.
قال ابن عبد البر: يقال: شمت بمعجمة ومهملة لغتان التشميت بالمعجمة فمعناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك، وأما التسميت بالمهملة فمعناه جعلك الله على سمت حسن، كذا ذكره السيوطي، وهو فرض كفاية عندنا، وسنة كفاية عند الشافعي.
٩٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "إن عطس فشمّته، ثم إن عطس فشمّته، ثم إن
стр. 1755
عطس فشمته، ثم إن عطس فقل له: إنك مضنوك"، قال عبد الله بن أبي بكر: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة.
قال محمد: إذا عطس فشمّته، ثم إن عطس فشمّته، فإن لم تشمته حتى يعطس مرتين أو ثلاثة أجزأك أن تشمته مرة واحدة.
• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، الأنصاري المدني القاضي ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة عن أبيه، مرسلًا أي: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري بالنون والجيم المدني القاضي اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة وقيل غير ذلك كذا قاله الحافظ العسقلاني أن رسول الله ﷺ قال: "إن عطس أحدكم كذا في نسخة بفتح الطاء أي: أتته العطسة فشمّته، أي: فقل له: أيها المخاطب "يرحمك الله" إن حمد الله ثم إن عطس فشمّته، أي: ثانيًا ثم إن عطس فشمته، أي: ثالثًا، وروى أحمد (١) والبخاري (٢) في الأدب المفرد عن أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه" وروى البخاري (٣) في الأدب أيضا مرفوعًا: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال: يرحمك الله فليقل: يهديك الله ويصلح بالكم، هذا إن كان عنده رجل من بني آدم، وأما إذا لم يكن عنده رجل فيجيب الملائكة" روى الطبراني (٤) عن ابن عباس رفعه: "إذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله قالت الملائكة: رب العالمين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين قالت الملائكة: يرحمك الله" أي: تدعوا له الملائكة بالرحمة والهداية؛ لأنه شكر الله على نعمته وهي العطاس وهو انفتاح المسلم وخفة الدماغ إذ بالعطاس يندفع الأبخرة فيعين على الطاعة؛ ولهذا عبده نعمة فسر عقبة الحمد لله كذا قاله عبد اللطيف بن الملك في (شرح المشارق)، وقيل: ما الحكمة في