← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال محمد: يكره إذا أقيمت الصلاةُ أن يصلِّي الرجلُ تَطوعًا، أي: سنة أو نافلة، غيرَ ركعتي الفجر خاصَّةً، إذ هي آكد السنن الرواتب، بل في رواية أنها واجبة، وطرح بعض أصحابنا (ق ١٠٠) بأنه لا يجوز أداؤه قعودًا بلا عذر، ولا تركها للفتى بحال؛ فإنه أي: الشأن لا بأس؛ أي: لا كراهة بأن يصليهما أي: سنتي الفجر الرجلُ، وإن وصلية أخَذَ أي: شرع المؤذنُ في الإِقامةِ، فالفاء في أنه جواب، إذا أقيمت الصلاة فلا بأس بأن يصلي الرجل سنتي الفجر، سواء شرع الإِمام في الصلاة أم لا، إذا كان يظن أنه يدرك الجماعة إذا صلاها، وإلا فليتركها بلا خلاف، وكذلك ينبغي، أي: يستحب أن يفعل، وهذا استدراك من قوله: لا بأس، فإنه غالبًا يستعمل فيما يكون خلاف الأولى، وهو أي: اللائق المستفاد من ينبغي، قولُ أبي حنيفة، ﵀، على أن المذهب أن من لم يدرك الفرض بجماعة - إن أدى سنتي الفجر - بتركهما ويقتدي؛ لأن ثواب الجماعة أعظم من السنة، ومن أدرك ركعة لو صلى سنته صليها عند باب المسجد، وفي موضع لا يصلي فيه أحد، فإن لم يكن ذلك فيصلي خلف الصفوف، ويبعد ما استطاع لنفي التهمة عن نفسه. فقد روى الطحاوي (١) عن أبي الدرداء أنه كان يدخل المسجد، والناس صفوف في صلاة الفجر، فيصلي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة. وروي أيضًا عن ابن مسعود، نحوه أيضًا، فلو كان يدرك التشهد. قال شمس الأئمة السرخسي: يدخل مع الإِمام. وكان الفقيه أبو جعفر الطحاوي يقول: يصليها، ثم يدخل مع الإِمام عندهما، ولا يصليها عند محمد، وهي فرع اختلافهم فيمن أدرك تشهد الجمعة، ثم لا يقضي سنة الفجر إلا اتباعًا لفرضه، قبل الزوال باتفاقهم وبعده، عند بعض مشايخ ما وراء النهر. قال محمد: يقضيها وحدها قبل الزوال. لما روى مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: عرسنا مع النبي ﷺ فلم

стр. 212

يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : "ليأخذ كل إنسان برأس راحلته؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان"، قال: ففعلنا ثم دعا بماء فتوضأ، ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغدوة، ولهما أن الأصل في السنة أن لا تقضي. وقد ورد هذا الحديث بقضاء سنة الفجر تبعًا، فيبقى ما عدا ذلك على الأصل، كذا قاله علي القاري. ولما فرغ من بيان حكم التطوع عند إقامة المؤذن بصلاة الفرض، شرع في بيان سنية تسوية الصفوف؛ فقال: هذا * * * باب تسوية الصفوف باب سنية تسوية الصفوف، وهو اعتدال القامة بالصفوف، على نمط واحد، يراد به - أيضًا - سد الخلل؛ الذي في الصف، وإنما جمع مع الغنية عنه بالمفرد - كما في بعض النسخ - تسوية الصفوف على صيغة المفرد؛ تنبيهًا على أن التسوية لازمة في كل صف على حدته، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة أجمعها حديث ابن عمر ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تزروا فرجات للشياطين، ومن وصل صفّا وصله الله، ومن قطع صفّا قطعه الله" (١)، رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة والحاكم. وهذا يدل على أن عدم تسوية الصفوف وترك الفرجة في خلل الصفوف مكروه للمصلي، كما قاله الفاضل: سيد محمد الزرقاني (٢). ٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان يأمر رِجَالًا بتسوية الصفوف، فإذا جاءوه فَأخْبَرُوهُ بتسويتها كبر بعدُ.

стр. 213

• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد نافع، عن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب ﵁، كان يأمر رِجَالًا أي: من أصحابه بتسوية الصفوف، أي: صفوف الصلاة، يمنة ويسرة، فإذا جاءوه أي: إلى عمر بخبر تسوية الصفوف، فَأخْبَرُوهُ أي: إلى عمر ﵁ بتسوية الصفوف، وفي نسخة: بتسويتها فالفاء في فأخبروه عاطفة، وقوله: كَبَّرَ جواب، إذا أي: قال: الله أكبر بعد، أي: بعد خبرهم بتسويتها، وبعد صلى على الضم؛ لكونه مقطوعًا عن الإِضافة، عن هذا الحديث مختصرًا، لكونه موقوف حقيقة، مرفوع حكمًا. عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي القداح، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: "يا عباد الله، لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (١) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، كلهم في باب الصلاة بهذا اللفظ. والمراد به: وجوه القلوب؛ فإن اختلاف القلوب يفضي بهم إلى اختلاف الوجوه، وإعراض بعضهم عن بعض؛ إذ الظاهر عنوان الباطن، فمخالفة الظاهر أوامر الشرع، قد يؤدي إلى كدورة وعداوة فيما بينهم، وقيل: معناه: يحول الوجوه إلى القضاء، فيكون محمولًا على التهديد، وقيل: معناه: يغير صورها إلى صور أخرى. * * * ٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو سُهَيْل بن مالك، وأبو النَّضْر مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر: أن عثمان بن عفَّان كان يقولُ في خُطبته،

стр. 214

إذا قامت الصلاةُ: فاعْدِلُوا الصُفُوفَ، وحَاذُوا المنَاكِبَ، فإنَّ اعْتِدالَ الصفوف من تمام الصلاة، ثم لا يُكَبِّر حتى يأتيه رِجال قد وَكَّلَهُمْ بتسوية الصفوفِ فيخبرونه أنْ قد استَوَت، فيكبر. قال محمد: ينبغي للقوم إذا قال المؤذن: حيَّ على الفَلَاح، أن يقوموا فَيصُفُّوا ويُسوُّوا الصفوفَ، ويُحَاذُوا بين المناكبِ، وإذا أقام المؤذنُ الصلاةَ كبر الإِمامُ. وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد: أبو سُهَيْل (١) بالتصغير، اسمه نافع بن مالك، وأبو النَّضْر (٢) بالمعجمة مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر، الأنصاري، الأصبحي، سمع من عمر، وهو من كبار التابعين، ثقة، روى له الجميع، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح (٣)، أن عثمان بن عفَّان ﵁، كان يقولُ في خُطبته - إذا قامت الصلاةُ - فاعْدِلُوا الصُفُوفَ، أي: أقيموها معادلة متساوية، وحَاذُوا أي: سووا بالمنَاكِبَ، وهو كالتفسير لما قبله مع الإِيماء إلى الاتصال؛ فإنَّ اعْتدالَ الصفوف من تمام الصلاة، أي: من كمال صلاة الجماعة وهو داخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ولذا لم يقل: صلوا؛ فالفاء تعليلية، فعلم أن تمام الصلاة علة الأمر باعتدال الصفوف وبتسوية المناكب، ثم أي: بعد أمر عثمان بن عفان ﵁ إلى أصحابه بتسوية الصفوف لا يُكَبِّر أي: التحريمة حتى يأتيه رِجال أي: من أصحابه، قد وَكَّلَهُمْ بتشديد الكاف المفتوحة، من التوكيل بتخفيفها؛ أي: تفويض الأمر إلى آخر بتسوية الصفوفِ، أي: أمرًا وفعلًا، فيخبرونه هكذا في الأصل، أي: فهم يخبرونه، والأظهر أن

стр. 215

يكون فيخبرونه، كما هنا أنْ بفتح الهمزة وسكون النون (ق ١٠٢) خفيفة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، وفي بعض النسخ أنه إثبات ضمير الشأن قد استَوَت، أي: الصفوف فيكبر، أي: يقول عثمان بن عفان: الله أكبر، للافتتاح. قال الباجي من علماء المالكية: مقتضاه أنه وكل من يسوي الناس في الصفوف، وهو سنة. قال محمد: ينبغي أي: يستحب للقوم، وهو يشمل الإِمام وغيره إذا قال المؤذن: حيَّ على الفَلَاح، أي: الأول والثاني، وهو أقرب أن يقوموا إلى الصلاة، ليصح أخبار المؤذن بقوله: قد قامت الصلاة، على الحقيقة وإلا فيكون مجازًا، أي: قربت قيامها، فمحل كلمة "أن يقوموا" مرفوع على أنه فاعل لقوله ينبغي، فَيصُفُّوا بضم الصاد وتشديد الفاء، من صففت القوم من باب نصر، أقمتم في الحرب وغيرها صفًا، وجاء لازم أيضًا ومنه يصف النساء خلف الرجال، ولا يصف معهم، وهذا المعنى هو المناسب هنا، والمعنى: فيصفوا ويُسوَّوا الصفوفَ، ويُحَاذُوا بين المناكبِ، وإذا أقام المؤذنُ الصلاةَ أي: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، كبر الإِمامُ، وهو تكبير الإِمام حين قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀. وحكم المصنف بأن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة، كبر الإمام يدل على أن الحديث الموقوف، وهو حديث عثمان بن عفان ﵁ معمول به، ويحتج به، ولكنه مرفوع حكمًا، لما رواه أبو داود في الصلاة، عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا إذا قمنا إلى الصلاة، فإذا سوينا كبر (١). وهذا يدل على أن السنة للإِمام أن يسوي الصفوف، ثم يكبر، كذا في (المصابيح) في باب تسوية الصفوف. وهذه السنة قد ماتت في زماننا هذا، فيلزم على الإِمام والقوم أن يحيياها. قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أحيا سنتي عند فساد أمتي، حلت له شفاعتي يوم القيامة".

стр. 216

اعلم أن علمائنا قالوا: يقوم الإِمام والقوم عند "حي على الصلاة"؛ لأنه أمر بالإِقبال على الصلاة، فيستحب المسارعة إليه، ولو لم يكن الإِمام حاضرًا، لا يقوموا حتى يقف مكانه، ويشرعوا بعد فراغ المؤذن من قوله: قد قامت الصلاة، في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى، وعند الفراغ من الإِقامة، في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى؛ للمحافظة على فضيلة متابعة المؤذن في إجابة الإِقامة، وليدرك المؤذن أيضًا أول صلاة الإِمام، وهذا هو الأظهر، وعليه جمهور العلماء، وبه العمل في الأكثر، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد فتدبر، كذا قاله علي القاري. لما فرغ من بيان تسوية الصفوف، شرع في بيان كيفية افتتاح الصلاة، فقال: هذا * * * باب افتتاح الصلاة باب كيفية افتتاح الصلاة؛ أي: ابتداؤها بالنية، وتكبير التحريمة. ٩٩ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذاء مَنْكِبَيهِ كبَّر للركوع رفع يديه، وإذا رفع رأْسه من الركوع رفع يديه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم: "ربنا ولك الحمد". • أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا الزهري، عن سالم بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵁، أن عبد الله، أي: ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ (ق ١٠٣) إذا افتتح

стр. 217

الصلاة أي: إذا أراد افتتاحها، رفع يديه حذاء، بكسر الحاء والذال المعجمة المفتوحة والألف الممدودة، مَنْكِبَيهِ بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، وفتح الباء الموحدة، والياء التحتية الساكنة، تثنية منكب، وهو مجمع عظم العضد والكتف، أي: رفع رسول الله ﷺ يديه مقابل منكبيه، وأما عند أبي حنيفة فمحاذاة يديه لأذنيه سنة، وهو رواية عن أحمد. لما روى مسلم من حديث وائل بن حجر، أنه رأى رسول الله ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر ووضع حيال أذنيه، أي: مقابل أذنية، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى (١)، والخلاف في الأفضلية فتأمل. ثم قال أبو يوسف: يرفع يديه مقارنًا للتكبير، فيقارنه كتكبير الركوع والسجود. وقال أبو حنيفة ومحمد: يرفع يديه، ثم يكبر؛ لأن في الرفع نفي الكبرياء عن غيره - تعالى - وفي التكبير إثبات الكبرياء له سبحانه، والنفي مقدم على الإِثبات، كما في كلمة الشهادة. فإن قيل: ما الحكمة أن النفي فى قوله: "لا إله إلا الله" مقدم على الإثبات؟ أجاب بعض العارفين: قدم النفي على الإِثبات ردًا على زاعم الشريك ومدعيه؛ لأن المناسب في لسان العرب من طريق البلاغة والفصاحة، أن يجاب مدعي الإِثبات بالنفي، ومدعي النفي بالإِثبات، وهو من أسرار البلاغة المحمدية والعربية الأحمدية، كما في (خواتيم الحكم) (٢)، وإذا كبَّر للركوع رفع يديه، وإذا رفع رأْسه من الركوع رفع يديه، وأغرب السيوطي (٣)؛ حيث ذكر هنا ما رواه الطبراني عن عقبة بن عامر الجهني، قال: نكتب في إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل أصبع حسنة أو درجة (٤)،

стр. 218

ووجه غرابته أن الرفع لا يسمى إشارة، وإنما محل ذكره الإِشارة الآتية في حال التشهد، ثم قال: أي: ﵇ بعد رفع يديه في حال الانتقال: "سمع الله لمن حمده"، أي: قيل: الله حمد من حمده؛ لأن السماع يذكر ويراد القبول مجازًا، كما يقال: سمع الأمير كلام فلان في الحديث: "أعوذُ بك من دعاءٍ لا يُسمع"، أي: لا يُستجاب، والهاء للسكتة، والاستراحة، والكناية - كما في (مراقي الفلاح) - ثم قال: أي: حال الاعتدال: "ربنا لك الحمد"، أي: بدون الواو. قال الفاضل السيد محمد الزرقاني (١): قال العلماء: الرواية بثبوت الواو، وهي زائدة، وقيل: عاطفة على محذوف، أي: حمدناك، وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير، وضعَّف ما عداه، واستدل به على أن الإِمام يجمع بين اللفظين؛ لأن غالب أحواله ﷺ الإِمامة، وعليه الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة، أن الإِمام والمأموم والفذ يقول اللفظين. وقال مالك وأبو حنيفة: يقول الإِمام: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد فقط. الحديث: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، (ق ١٠٤) فقولوا: ربنا ولك الحمد" (٢)، فقصر الإِمام على قوله ذلك، والمأموم على الآخر، وهذه قسمة منافية للشركة كحديث: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر". وأجابوا عن هذا الحديث بحمله على صلاته ﷺ منفردًا، أو على صلاة النافلة، توفيقًا بين الحديثين، والمنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، يعني: يجمع ما بينهما. * * *

стр. 219

١٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذوَ مَنْكِبَيْهِ، وإذا رفع من ركعته رفعهما دون ذلك. • أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة أي: افتتحها رفع يديه حذوَ أي: مقابل مَنْكِبَيْهِ، تثنية منكب بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، والباء الموحدة مجمع عظم العضد، والكتف. نقل ابن عبد البر (١) وغيره أن هذا الحديث وقفها نافع على ابن عمر، ورفعها سالم عن أبيه، والقول قول سالم، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع. ونقل الحافظ البخاري، وأشار إلى رد هذا، بأنه اختلف على نافع ووقفه، فرواه مالك وغيره عنه موقوفًا. ورواه أيوب عنه عن ابن عمر، كان النبي ﷺ إذا كبَّر رفع يديه، وإن ركع رفع رأسه من الركوع، والذي يظهر، أي: أن السبب في هذا الاختلاف أن نافعًا كان يرويه موقوفًا، ثم يعقبه بالرفع، فكأنه - أحيانًا - يقتصر على الموقوف، ويقتصر عليه بعض الرواة عنه، والله أعلم. وإذا رفع من ركوعه وفي نسخة مصححة: من ركعته، بدل من ركوعه رفعهما أي: يديه، دون ذلك، أي: الرفع في الابتداء، ولعل وجهه أن الأول من المتفق عليه، وهذا دونه في المرتبة؛ لأنه مختلف فيه، فرفع اليدين إلى منكبيه عند رفع رأسه، من الركوع إلى القوم في كل ركعة، ومن التشهد إلى قيام الركعة الثالثة سنة، عند الشافعي ﵀. * * * ١٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه كان يعلمهم التكبير في الصلاة: أمرنا أن نكبر كلما خفضنا أو رفعنا.

стр. 220

• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا وهب بن كيسان، القرشي مولاهم (١)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، أنه كان يعلمهم، أي: أصحابه من التابعين: التكبير في الصلاة، أي: حال الشروع فيها، قال وهب: أمرنا أي: جابر أن نكبر كلما خفضنا؛ أي: هبطنا للركوع والسجود، أو رفعنا، أي: القعدة والقيام، وهذا الاختلاف فيه بين العلماء الأعلام إلا تكبيرة التحريم فرض، وتكبيرات الانتقال سنة. ما الحكمة في اقتران التكبير بالرفع؟ (٢): قال فريق من العلماء: الحكمة في اقترانها أنه يراه الأصم ويسمعه الأعمى وقيل: إشارة إلى طرح الدنيا والإِقبال بكليته على العبادة. وقيل: إلى الاستسلام، والانقياد، ليناسب فعله قوله: الله أكبر. وقيل: إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إتمام القيام. وقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود. وقيل: ليستقبل بجميع يديه. قال القرطبي: هذا أشبهها (٣). وقال ابن عبد البر (٤): رفع اليدين معناه عند أهل العلم تعظيم الله تعالى، ولعباده له، وابتهال إليه، (ق ١٠٥) واستسلام وخضوع في حالة الوقوف بين يديه - تعالى - واتباع لسنة نبيه ﷺ . وكان ابن عمر ﵄، يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة: التكبير، ورفع اليدين (٥).

стр. 221

وقال عقبة بن عامر: للمصلي بكل صلاة إشارة عشر حسنات، بكل أصبع حسنة انتهى. وهذا الحديث رواه الطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر، قال: يُكتب بكل إشارة يشيرها الرجل بيده، في الصلاة، بكل أصبع حسنة، أو درجة، موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا؛ إذ لا دخل للراوي فيه، وهذا الرفع مستحب وسنة عند جمهور العلماء، عند افتتاح الصلاة، لا واجب كما قاله الأوزاعي، والحميدي شيخ البخاري، وابن خزيمة، وداود وبعض الشافعية والمالكية. وقال ابن عبد البر (١): وكل من نقل عنه الوجوب لا تبطل الصلاة بتركه، في رواية عن الأوزاعي والحميدي، وهذا شذوذ وخطأ. وقيل: لا يستحب، حكاه الباجي عن كثير من المالكية، ونقله الخمي، رواية عن مالك، ولذا كان أسلم العبارات قول أبي عمر: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين، عند افتتاح الصلاة. وقول ابن المنذر: لم يختلفوا أنه ﷺ كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٢). فإن قيل: ما الحكمة فى اقتران التكبير برفع الرأس، في كل انتقال من انتقالات الصلاة؟ أقول بإلهام ربي: إنه يجدد ما في قلبه من المعاني التي سبق ذكرها آنفًا، كما أن من قال: لا إله إلا الله فإنه يجدد معنى بلى، فإنه قال في عالم الأرواح: بلى حين أخرج الله أرواح بني آدم من ظهره كالذرة، وجعلهم عقلاء، ثم خطابهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فقالوا: بلى، إيمانًا منهم، فمن قال: لا إله إلا الله، جدده. * * *

стр. 222

١٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزهري، عن علي بن حسين بن عليِّ بن أبي طالب، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يكبر كلما خفض، وكلما رفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله . • أخبرنا، وفي نسخة محمد: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك، أخبرني، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن شهاب الزهري، عن علي وهو زين العابدين بن حسين بن عليِّ بن أبي طالب، ﵁، وفي بعض النسخ: عنهما، وفي بعضها: عنهم، لكن الصحيح عنه بالضمير المفرد؛ لأن أبا طالب يمنع أن يكون الضمير تثنية وجمعًا، كما يؤيده الضمير المفرد في أنه، أي: علي بن الحسين، وإنما لقب: علي بن الحسين بزين العابدين؛ لكثرة عبادته. قال مالك: بلغني أن زين العابدين كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة حتى مات. وروي أن جابرًا قال لمحمد بن زين العابدين يعني: الباقر - وهو صغير -: رسول الله ﷺ يسلم عليك، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنتُ جالسًا عند النبي ﷺ والحسين في حجره، وهو يلاعبه، فقال: "يا جابر يولد له مولودًا اسمه علي، إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فإن أدركته فأقرئه مني السلام"، قال: كان رسول الله ﷺ يكبر كلما خفض، أي: هبط للركوع والسجود، وكلما رفع، (ق ١٠٦) أي: رأسه من السجود، لا من الركوع؛ لأنه كان يقول: سمع الله لمن حمده، حين رفع رأسه من الركوع؛ فلم تزل تلك أي: الصلاة الموصوفة صلاته أي: المعتادة حتى لقي الله أي: إلى أن قبض الله روحه، عز أي: غلب حكمه على جميع الموجودات، وجل، أي: كثر ذكره على ألسنة الذاكرين. قال ابن عبد البر (١): لا أعلم خلافًا من رواة (الموطأ)، في إرسال هذا الحديث، وما رواه عن مالك عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن أبيه موصولًا، فلم يصح.

стр. 223

وكذا ما رُوي عن مالك عن الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب ﵁، كذا نقله الزرقاني (١) عن السيوطي (٢). * * * ١٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه أخبره: أن أبا هريرة كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، ثم إذا انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد ابن شهاب، أي: الزهري، عن أبي سلمة (٣) بن عبد الرحمن بن عوف، أي: التابعي ابن الصحابي، أنه أي: أبا سلمة، أخبره: أي: ابن شهاب، أن أبا هريرة ﵁، كان يصلي بهم، أي: ببعض التابعين، في مسجد المدينة أو غيره، فيكبر كلما خفض أي: كبر حين انهبط للركوع، وكبر كلما رفع، أي: رأسه من السجود، هذا تجديدًا للعهد في أثناء الصلاة بالتكبير، الذي هو شعار النية المأمور بها في أول الصلاة، مقرونة بالتكبير التي كان من حقها أن يستصحب إلى آخر الصلاة، قاله الناصر بن المنير، وظاهر الحديث: عموم التكبير في جميع الانتقالات، لكن خص منه الرفع من الركوع بالإِجماع؛ فإنه يشرع فيه التحميد، ثم إذا انصرف، أي: إذا رفع أبو هريرة من صلاته، قال: وأنزل أتباعه منزلة المنكرين بالحكم، وأخبرهم عن الحكم على خلاف مقتضى الظاهر، حيث أكد الحكيم الذي لا يقتضي التأكيد بواو القسم، وإن واللام

стр. 224

كأنهم أنكروا صلاة أبي هريرة، وقالوا له: تصلي هكذا، وهل رأيتَ رسول الله ﷺ يصلي صلاة مثل صلاتك؟ فأزال ترددهم في الحكم، وإنكارهم به بواو القسم وإن واللام، وأكد الحكم بالحروف المؤكدات؛ فقال: والله؛ أي: أقسم بالله: إني لأشبهكم بفتح اللام، وضم الهمزة، وفتح الشين المعجمة، وكسر الباء الموحدة، المشددة من التشبيه، صلاة أي: صلاتكم التي صليت وأنتم مقتدون، أي: برسول الله ﷺ ؛ أي: بصلاة رسول الله ﷺ ، كما في (الموطأ) لمالك. قال الرافعي: هذه الكلمة مع الفعل نازلة منزلة حكاية فعله ﷺ ، كما نقله علي القاري عن السيوطي (١)، فيكون الحديث في حكم المرفوع. وفي الصحيحين من رواية ابن شهاب، أنه قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول - وهو قائم -: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهدي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة جميعًا حتى يقضيها، ويكبر حين (ق ١٠٧) يقوم من اثنتين بعد الجلوس (٢)، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك. * * * ١٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرني نُعَيْمٌ المجْمِرُ وأبو جعفر القارئ: أن أبا هريرة كان يصلي بهم، فيكبر، كلما خفض ورفع، قال أبو جعفر. وكان يرفع يديه حين يكبر ويفتتح الصلاة. قال محمد: السنة أن يكبر الرجل في صلاته كلما خفض وكلما رفع،

стр. 225

وإذا انحط للسجود كبر وإذا انحط للسجود الثاني كبر، فأما رفع اليدين في الصلاة، فإنه يرفع اليدين حذو الأذنين. في ابتداء الصلاة مرة واحدة، ثم لا يرفع في شيء من الصلاة بعد ذلك: وهذا كله قول أبي حنيفة وفي ذلك آثار كثيرة. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة: ثنا مالك، أخبرني نُعَيْمٌ بالتصغير المجْمِرُ، اسم فاعل من الإِجمار، بمعنى التجمير، وقد مر ذكره، وأبو جعفر القارئ، بالهمزة من القراءة، وتبدل ياء في الوقف، وهي المقرئ المدني شيخ نافع، وعليه قراءة مالك وغيره، أن أبا هريرة كان يصلي بهم، أي: بالتابعين، فيكبر كلما خفض للركوع ورفع من السجود، وهذا من المتفق عليه، قال أبو جعفر: أي: القارئ، وكان أي: أبو هريرة، ﵁، وفي نسخة بالفاء، يرفع يديه حين يكبر، أي: للتحريمة، ويؤيده قوله: ويفتتح الصلاة، وهذا أيضًا مما لا خلاف فيه. قال محمد: السنة أي: المؤكدة أن يكبر الرجل في صلاته كلما خفض أي: للركوع، وكلما رفع، أي: رأسه من السجود، وإذا انحط بتشديد الطاء؛ أي: انخفض للسجود كبر، ولعل الأول مجمل، وهذا نوع تفصيل، وإذا انحط أي: انخفض للسجود الثاني كبر، وكذا إذا رفع رأسه فيهما، ولعله تركهما لظهورهما، فأما رفع اليدين في الصلاة، فإنه - أي: المصلي - وفي نسخة: فإنما يرفع اليدين حذو الأذنين، أي: يرفعهما مقابل الأذنين اتفاقًا، وضع المظهر موضع المضمر، وهو خلاف الظاهر، لزيادة تمكن الحكم في ذهن السامع، ومقتضى الظاهر أن يقول: فإنه يرفعهما حذو الأذنين، وفي نسخة: المنكبين لكنه ينفيه قوله في النداء: الصلاة مرة واحدة، أي: لا غير، ثم أكد الحكم السابق بقول: ثم لا يرفع أي: يديه في شيء من الصلاة، أي: من خفض ورفع بعد ذلك، أي: الرفع في الافتتاح، وهذا أي: المذكور كله قول أبي حنيفة وفي ذلك أي: الحصر آثار كثيرة، أي: أخبار شهيرة، كما سنذكرها. * * *

стр. 226

١٠٥ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عاصم بن كُلَيبٍ الجَرْمِي، عن أبيه، قال: رأيت علي بن أبي طالب ﵁: يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة المكتوبة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبان (١) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، يصرف، ويمنع ابن صالح، عن عاصم بن (٢) كُلَيبٍ بالتصغير الجَرْمِي، بفتح الجيم وسكون الراء، منسوب إلى جرم بن أبان، وهو كوفي تابعي، سمع أباه وغيره، ومنه الثوري، وشعبة، عن أبيه. في الاستيعاب: أن كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم بن كليب، ولأبيه شهاب صحبة، قال عاصم: إن أباه كليبًا خرج مع أبيه إلى جنازة، شهدها رسول الله ﷺ قال: وأنا غلام أفهم وأعقل، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب من العامل، إذا عمل عملًا، أن يحسن"، قال: أي: كليب: رأيت علي بن أبي طالب ﵁: رفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة المكتوبة، أي: مع أن الاهتمام بإتيان سنتها أولى من غيرها، لا سيما بحضرة الجماعة، ولم يرفعهما أي: اليدين فيما سوى ذلك، أي: من خفض الركوع، ورفعه، ولا يفعل علي كرم الله وجهه بعد النبي بخلافه ﷺ إلا بعد قيام الحجة عنده على نسخ ما كان عليه النبي ﷺ ذكره (ق ١٠٨) في (المختصر من المختصر لمشكلات الآثار) للطحاوي. * * * ١٠٦ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن حماد، عن إبراهيم النَّخَعِيَّ، قال: لا ترفع يديك في شيء من الصلاة بعد التكبيرة الأولى.

стр. 227

• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبان بن صالح، عن حماد، أي: ابن أبي سليمان مسلم، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، في الطبقة الخامسة من الطبقات الحنفية، أخذ العلم عن إبراهيم بن يزيد النخعي، وتفقه عليه وسمع أنس بن مالك، وكان وحيد فقهاء التابعين في الكوفة، وتفقه عليه إمامنا الأعظم، ﵀، أنه قال: خرجنا مع حماد إلى تشييع الأعمش، وأعذر الماء لصلاة المغرب فأفتى إمامنا حماد بالتيمم لأول الوقت، فقلت: يؤخر إلى آخر الوقت فإن وجد الماء وإلا نتيمم، ففعل، فوجد الماء في آخر الوقت، هذا أول مسألة خالف الإِمام أستاذه حمادًا، مات سنة عشرين ومائة. عن إبراهيم بن يزيد النَّخَعِيَّ، (١) وهو من أكابر المجتهدين في أمر الدين، ومن الطبقة الرابعة من الطبقات الحنفية، ورأى عائشة ﵂، ودخل عليها، وثبت له سماع، وأدرك عصر الصحابة، وأخذ العلم عن علقمة، وكان أعلم الكوفة، والمقتدي في وقته كان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة، والعصر عصر بقية التابعين، قال: لا ترفع يديك أي: أيها المصلي في شيء من الصلاة، أي: من أركانها، بعد التكبيرة الأولى. * * * ١٠٧ - قال محمد: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا حُصَيْن بن عبد الرحمن، قال: دخلت أنا وعمرو بن مرة على إبراهيم النَّخَعِيَّ، قال عمرو: حدثني علقمة بن وائل الْحَضْرَمِيُّ، عن أبيه، أنه صلى مع رسول الله ﷺ فرآه يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع، قال إبراهيم: ما أدري لعله لم يَرَ النبي ﷺ يصلي إلا ذلك اليوم، فحفظ هذا منه، ولم يحفظه ابن مسعود وأصحابه. ما سمعته من أحد منهم، إنما كانوا يرفعون أيديهم في بدء الصلاة؛ حين يكبرون.

стр. 228

• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا يعقوب أي: القاضي أبو يوسف بن إبراهيم، بن حبيب بن خنيس، بن سعد بن حية الأنصاري، بن سعد، وحية (١) أحد الصحابة ﵃ وهو مشهور في الأنصار بأمه، وهي حية بنت مالك من بني عمرو بن عوف، كان القاضي أبو يوسف المذكور من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة، ﵀ كان فقيهًا عالمًا حافظًا، سمع: أبا إسحاق الشيباني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، ومحمد بن إسحاق بن يسار، من تلك الطبقة، وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن الثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، وروى عنه محمد بن الحسن، كما في (تاريخ خلكان) ابن إبراهيم: أخبرنا حُصَيْن بن عبد الرحمن، قال: دخلت أنا وعمرو بن مرة (٢) بضم الميم وتشديد الراء، يكنى أبا مريم الجهني، وقال الأزدي: شهد أكثر المشاهد، وسكن الشام، ومات في أيام معاوية، روى عنه جماعة، كذا في أسماء الرجال لصاحب (المشكاة في فضل الصحابة)، على إبراهيم النَّخَعِيَّ (٣)، وهو من أجلاء التابعين، قال عمرو: أي: ابن مرة حدثني علقمة بن وائل الْحَضْرَمِيُّ، عن أبيه، أي: وائل بن حجر (٤)، كان قليل من إقبال حضرموت، وكان أبوهم من ملوكهم، وفد على النبي ﷺ فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه، وبسط له ردائه فأجلسه، وقال: "اللهم بارك في وائل وولده"، واستعمله على الإِقبال من حضرموت، أنه صلى مع رسول الله ﷺ فرآه يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا (ق ١٠٩) رفع، قال إبراهيم، أي: النخعي: ما أدري أي: صحبة ذلك، أو وجه ما هنالك، لعله أي: أرجو أن وائل بن حجر لم يَرَ النبي ﷺ يصلي إلا ذلك اليوم، بل يحتمل أنه رآه يصلي مرة واحدة، في ذلك اليوم فحفظ هذا منه، والواو عطف على مقدر، قدر بعد الاستفهام الإِنكاري المقدر تقديره: أصلى وائل بن حجر مع رسول الله ﷺ فحفظ هذا الرفع منه ﷺ ولم يحفظه ابن مسعود أي: مع طول ملازمته وكثرة مشاهدته.

стр. 229

وفي المعتصر (١): قال إبراهيم النخعي: إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك، فقد رآه عبد الله بن مسعود خمسين مرة لا يفعل ذلك، وأصحابه أي: وسائر أصحاب النبي ﷺ ، ما سمعته أي: لم أسمع رفع اليدين، حين رفع رأسه من الركوع إلا من أحد منهم، أي: من الصحابة إنما كانوا أي: الصحابة يرفعون أيديهم في بدء الصلاة؛ حين يكبرون، أي: للتحريمة فقط، وهذا بمنزلة دعوى الإِجماع، ولو كان ﷺ يرفع يديه أحيانًا في الانتقال، ليطلع القوم على ما صور له من اختلاف الأحوال، ثم لما الأفعال ترك الرفع، إلا ما في بدء الإِمام، فلعله كان ﷺ فعله ذلك كان تعليمًا لوائل؛ ليتنبه على الأواخر والأوائل. * * * ١٠٨ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عبد العزيز بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا محمد بن أبان بن صالح، عن عبد العزيز بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك. وفي المعتصر (٢) عن مجاهد: قال: صليتُ خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى. والظاهر أنه لم يترك بعد النبي ﷺ ما كان فعله، إلا لا يوجب له ذلك من نسخ. وقد روى الأسود (٣) قال: ما رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم يعود.

стр. 230

إذا كان عمر وعلي وابن مسعود، وموضعهم من الصلاة مع رسول الله ﷺ موضعهم على ذلك، ثم ابن عمر بعدهم على مثله، لم يكن شيء مما رُوي في القبول أولى مما رووه. * * * ١٠٩ - قال محمد: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله النَّهشَلِيُّ، عن عاصم بن كليب الْجَرْمِيِّ، عن أبيه؛ وكان من أصحاب علي بن أبي طالب، ﵁: أن عليّا ﵁ كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أبو بكر بن عبد الله النَّهشَلِيُّ، عن عاصم بن كليب الْجَرْمِيِّ، عن أبيه؛ وكان من أصحاب علي بن أبي طالب، ﵁، أي: المخصوصين والملازمين له، أن عليّا بن أبي طالب ﵁ كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة، أي: من أفعالها، وقت انتقال أفعالها. * * * ١١٠ - قال محمد: أخبرنا الثوري، قال: حدثنا حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود: أنه كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا الثوري (١)، وهو سفيان بن سعيد، الكوفي، تابعي جليل، روى عنه معمر والأوزاعي، وابن جريج، ومالك، وشعبة، وابن عيينة، وفضيل بن عياض، وغيرهم، مات بالبصرة سنة إحدى

стр. 231

وستين ومائة، وهو أحد الأئمة المجتهدين في علوم الدين، قال: حدثنا حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، ﵁، أنه كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، أي: وقت ابتداء صلاته فقط، وقد اجتمع (ق ١١٠) الإِمام أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة، في دار الخياطين وقت ابتداء صلاته فقط. فقال الأوزاعي: ما لكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه، لأجل أنه لم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء، أي: مما لا يعارض. فقال الأوزاعي: كيف لم يصح، وقد حدثني الزهري عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه. فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن عبد الله بن مسعود، ﵁ (١) أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه، إلا عند الصلاة، ثم لا يعود. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري، عن سالم عن أبيه، وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟ فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه، وإن كان لابن عمر صحبة، فله فضل صحبته، وللأسود فضل كثير، وعبد الله قال ابن الهمام: فرجح بفقه الرواة. كما رجح الأوزاعي بعلو الإِسناد، وهو المذهب المنصور عندنا، والله أعلم، كما قاله علي القاري. لما فرغ من بيان كيفية الشروع في الصلاة، شرع في بيان أحكام القراءة؛ التي يجهر بها الرجل خلف الإِمام، فقال: هذا. * * *

стр. 232

باب القراءة في الصلاة خلف الإمام بيان أحكام القراءة، حال كونها في الصلاة خلف الإِمام، اختلفوا في وجوب القراءة على الإِمام: فقال أبو حنيفة: لا يجب عليه، سواء جهر الإِمام أو خافت، بل لا تسن القراءة بحال خلف الإِمام، بل تكره في كل حال خلفه. وقال مالك وأحمد: لا يجب عليه القراءة مطلقًا، بل كره مالك للمأموم أن يقرأ فيما يجهر به الإِمام، سمع قراءة الإِمام أو لم يسمع، وفرق الإِمام أحمد: واستحسنه فيما خافت فيه الإِمام. وقال الشافعي: يجب القراءة فيما أسر به الإِمام، والراجح من قوله وجوب القراءة على المأموم، في الجهرية أيضًا. وحُكي عن الأصم والحسن بن صالح، أن القراءة سنة. ١١١ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن ابن أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي منكم أحد؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقال: "إني أقول: ما لي أنازع القرآن" فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه من الصلوات حين سمعوا ذلك. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، المدني كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، كما في (التقريب) (١)

стр. 233

عن ابن أُكَيْمَةَ (١)، بفتح الهمزة وفتح الكاف، وسكون التحتية، وفتح الميم المفتوحة، والهاء مصغر أكمة، وهي بفتح الهمزة، وكسر الكاف وتشديد الميم المفتوحة والتاء، جمع الكم، واسمه عُمارة بضم العين المهملة، وفتح المخففة الممدودة والراء المهملة بعدها الهاء. اللَّيْثِيّ، يكنى: أبا الوليد، المدني، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة وله تسع وسبعون سنة، كما قاله ابن حجر. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي منكم أحد؟ " أي: أحد فمن زائدة للاستغراق، فقال رجل: أنا يا رسول الله، أي: قرأت والظاهر أنه قد أسر، أو لا يبعد أنه قرأ (ق ١١١) جهرًا، قال: أي: أبو هريرة، فقال: أي: النبي ﷺ : "إني أقول أي: في سري ونفسي، مالي أي: شيء حصل لي، أنازع بصيغة المجهول، أي: أجازب القرآن بالنصب، أي: في قراءته، وهو بمعنى التثريب، واللوم لمن فعل ذلك. قال ابن عبد البر (٢): أى: إذا جهرت بالقرآن، فإذا قرأتم ورائي فكأنما تنازعوني القرآن، الذي أقرأ، ولكن أنصتوا. قال الباجي - من علماء المالكية -: معنى منازعتهم له ﷺ : أن لا يفردوه بالقراءة، ويقرؤه معه من التنازع، بمعنى التجاذب، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٣). هذا استفهام إنكاري، حيث تلطف رسول الله ﷺ في إرشاد من خلفه في الصلاة، بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح، حيث أراد لهم بالإِنصات. والمراد تقريعهم وتوبيخهم على ترك الإِنصات، وبالغ في تهديدهم حيث قال: "مالي"، ولم يقل: ما لكم تنازعون في قراءة القرآن معي، وهو الظاهر المتبادر، فاطلب تفصيله في قوله في سورة يس ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، فانتهى الناس أي: بقيتهم، عن القراءة، لا فيما أسر به من الصلوات حين سمعوا ذلك،

стр. 234

وأخذ بمفهوم ذلك مالك فمنع المأموم أن يقرأ في الجهرية، دون السرية. وخصّ الشافعي من عموم النهي قراءة سورة الفاتحة؛ لقوله ﷺ (١): "لا صلاة إلا بقراءة الفاتحة"، وحمله على نفي الصحة، وعموم الإِمام والمأموم؛ نظرًا إلى إطلاقه. والحديث رواه الترمذي من طريق معن عن مالك به. وقال: حديث حسن، كما قاله علي القاري والزرقاني. * * * ١١٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل: هل يقرأ أحد مع الإِمام؟ قال: إذا صلى أحدكم مع الإِمام فحسبه قراءة الإِمام؛ وكان ابن عمر لا يقرأ مع الإِمام. • حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، كذا في نسخة: حدثنا نافع بن عبد الله، المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كذا في (التقريب) (٢) لابن حجر، عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل: هل يقرأ أحد مع الإِمام؟ أي: خلف الإِمام؟ كذا في (الموطأ) لمالك، قال: إذا صلى أحدكم مع الإِمام فحسبه، أي: فيكفي المأموم قراءة الإِمام؛ وظاهره المنع عن قراءة المأموم، كما يشير إليه قوله، وكان ابن عمر لا يقرأ مع الإِمام، أي: مطلقًا، على ما هو عن قراءة المأموم، كما الظاهر. ويؤيد مذهبنا قوله ﷺ إذا قرأ الإِمام فأنصتوا. * * *

стр. 235

١١٣ - أخبرنا مالك، حدثنا وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإِمام. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، قال: - كذا في نسخة - حدثنا وهب بن كيسان: أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ يقول: من صلى ركعة، أي: من ركعات الصلاة، لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، أي: صلاة صحيحة أو كاملة، وحال من الأحوال، إلا وراء الإِمام، أي: إلا حال كونه مقتديًا؛ فإنه إذا لم يقرأ فيها بأم القرآن فصلاته صحيحة، وعليه الجمهور، خلافًا للشافعي؛ فإنه استدل بوجوب قراءة الفاتحة على كل مصل بقوله ﷺ (١): "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" فناوله على ما إذا صلى منفردًا، نقله الترمذي (ق ١١٢) أو كان إمامًا؛ لأن الاستثناء معيار العلوم. وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث موقوف على جابر وقد أسنده بعضهم، أي: رفعه، ورواه الترمذي من طريق فعن عن مالك به موقوفًا؛ وقال: حسن صحيح، كما قاله الزرقاني (٢). * * * ١١٤ - أخبرنا مالك، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحُرَقَةِ، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة

стр. 236

يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خِدَاجٌ: غير تمام". قال: قلت: يا أبا هريرة، إني أحيانًا أكون وراء الإِمام، قال: فغمز ذراعي وقال: يا فارسيُّ، اقرأ بها في نفسك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله جل وعز. قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا: يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله جل وعز: حَمَدَني عبدي، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله جل وعز: أثنى عليَّ عبدي، يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول الله جل وعز: مجدني عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل". قال محمد: بل قراءة خلف الإِمام فيما جهر فيه، ولا فيما لم يجهر فيه، بذلك جاءت عامة الآثار، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، قال: ثنا كذا في نسخة: أخبرنا العلاء (١) بفتح العين المهملة واللام والألف الممدودة ابن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرف، بضم الحاء المهملة وفتح الراء المهملة والفاء والهاء، كذا ضبطه بعض الشارحين، أنه أي: العلاء سمع أبا السائب الأنصاري المدني. قال الحافظ: اسمه عبد الله بن السائب (٢)، ثقة روى له مسلم والأربعة والبخاري في جزء القراءة؛ مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال:

стр. 237

مولى بني زهرة روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد المغيرة بن شعبة، وعنه: الزهري وشريك، وجماعة: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وإضافة الفاتحة للكتاب بمعنى اللام، كعبد الله، وإنما سميت هذه السورة بفاتحة الكتاب؛ لأن القرآن افتتح بها لكونها أول سورة نزلت بكمالها على أكثر الأقوال؛ وهي لم تنزل على من قبل هذه الأمة من الأمم، وسميت سبع المثاني؛ لأنها سبع آيات، ولأنها نزلت مرتين، أو لأنها تثنى في الصلاة، كما في (عيون التفاسير)، ويقال لها: أم القرآن؛ لأنها أصله، أو لتقدمها عليه كأنها توأمه، أو لاشتمالها على المعنى التي فيه من الثناء على الله، والتعبير بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وذكر الذات والصفات، والفعل المبدأ والمعاد والمعاش بطريق الإِجمال، فهي أي: تلك الصلاة خداج، بكسر الخاء المعجمة ودال مهملة وألف فجيم، أي: ذات خداج أي: نقصان، ومصدر بمعنى اسم فاعل، أي: خادجة، يعني ناقصة، ووصفها بالمصدر للمبالغة، كرجل عدل، فهي خداج، فهي خِدَاجٌ:، ذكره ثلاثًا للتأكيد، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقصًا، وإن كان التمام الولادة. هذا هو قول الخليل، والأصمعي، وأبي حاتم، وآخرين، وقال جماعة من أهل اللغة: خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تام، ثم زاد التأكيد بقوله: غير تمام. قال ابن الملك: والحديث حجة أبي حنيفة في أن الصلاة تجوز بدون الفاتحة مع النقصان عنده. وقال الشافعي: لا تصح بدونها، والحديث رواه أحمد وابن ماجه عن عائشة ﵂، وكلاهما عن ابن عمر، والبيهقي، وأحمد، وابن ماجه، عن علي والخطيب، عن أبي أمامة، ولفظهم: "كل صلاة لا يُقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خداج". قال ابن عبد البر (١): وزعم من لم يوجب قراءتها في الصلاة، أن قوله "خداج" على جوازها؛ لأن الصلاة الناقصة جائزة (ق ١١٣)، وهذا تحكم فاسد؛ لأن الناقص

стр. 238

ما لم يتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة، كما أمر من ادعى أنها تجوز - مع إقراره بنقصانها - فعليه الدليل، كما قاله الزرقاني (١)، ثم لما كان الحكم عامًا بظاهر الحديث شاملًا للمعتدين وغيره. قال: أي: أبو السائب، قلت: يا أبا هريرة: إني أحيانًا أي: في بعض الأوقات أكون وراء الإِمام، أي: خلفه مقتديًا به، قال: أي: أبو السائب فغمز أي: أبو هريرة ذراعي. قال الباجي - من علماء المالكية -: هو على معنى التأديب له، وتنبيهه على فهم مراده، والبعث له على جمع ذهنه، وفهمه لجوابه، وقال: يا فارسيُّ أي: يا عجمي، ولعل أصله كان من الفارس بكسر الراء، وتسكن هو الشيراز وما حوله، اقرأ بها أي: بفاتحة الكتاب في نفسك، أي: خفيفة؛ إذ لا يجوز القراءة من غير تصحيح الحروف، وسماع نفس القارئ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله في حديثه القدسي: وهو ما أخبر الله به نبيه ﷺ بإلهام أو بالمنام، فأخبر النبي ﷺ عن ذلك المعنى بعبارة في نفسه، فالقرآن مفضَّل عليه؛ لأن لفظه منزل أيضًا، كذا قاله محمد السيد الشريف الجرجاني: قسمتُ الصلاة أي: الفاتحة، سميت بها؛ لأن الصلاة لا تتم ولا تصح إلا بها؛ كقوله ﷺ : "الحج عرفة" (٢)، أو لأنها في معنى الدعاء، قاله ابن عبد البر (٣) وجماعة من العلماء، والمراد بالصلاة القراءة، لأنها جزؤها، وقد تطلق كل منهما على الأخرى مجازًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، أي: بقراءتك، وقال: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: صلاة الفجر، بيني وبين عبدي نصفين، قدَّم نفسه، فقال: بيني لأنه واجب الوجود لنفسه، وإنما استفاد العبد الوجود منه، فنصفها لي ونصفها لعبدي، اعلم أن تقسيم الفاتحة نصفين بمعنى أن بعضها ثناء، إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وبعضها دعاء، وهو من قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة، فالنصف هنا بمعنى البعض؛ لأنها منتصفة تحقيقية؛ لأن طرف الدعاء أكثر،

стр. 239

وقيل: إنها منتصفة حقيقية؛ لأنها سبع آيات: ثلاث ثناء من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وثلاث دعاء ورجاء من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها، والآية المتوسطة نصفها ثناء، ونصفها دعاء، ولكن هذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية منها آية، ويجعل أنعمت عليهم آية، كما هو مذهب البصريين، خلافًا للكوفيين، فإنهم عكسوا القضية، فلا خلاف كونها سبع آيات، كما أشار إليه قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. وقال ابن الملك في (شرح المشارق): ومن جعل التسمية منها يقول معنى قوله: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين إذا انتهى في قراءته إلى ذلك - كما نقله علي القاري عن النواوي. ولعبدي ما سأل، أي: من العبد سأل، ومني الإِعطاء منه بشارة عظيمة، قال (ق ١١٤) رسول الله ﷺ : "اقرؤوا: وفي نسخة: اقرأ بالإِفراد، اقرأ يا أبا هريرة؛ فإنه إذا انتهى أن يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله جل وعز، أي: للملائكة: حَمَدَني عبدي، أي: أثنى عليَّ بجميل الأفعال، وبما أنا أهله، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، بالجر على الحماية، يقول الله جل وعز: أثنى عليَّ عبدي، جعل جوابًا لهما لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية، يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، وخص بالذكر؛ لأنه لا ملك ظاهرًا فيه لأحد، إلا الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]. ومن قراءة مالك يوم الدين، فمعنى مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي: هو - تعالى - موصوف بذلك، دائمًا لغافر الذنب، فصح وقوعه صفة للمعرفة. يقول الله جل وعز: مجدني عبدي، بتشديد الجيم، أي: عظمني. قال العلماء: إنما قال: حمدني، وأثنى عليَّ، ومجدني؛ لأن التحميد الثناء بجميل الأفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، وأثنى عليه تعالى في ذلك كله، ولهذا جاء جوابًا للرحمن، كما نقله علي القاري (١) عن السيوطي.

стр. 240

يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: نخصك بالعبادة من توحيد وغيره، وقدم المعمول إفادة للاختصاص وللحصر، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: إنما نطلب العون منك على العبادة وغيرها، فهذه الآية بيني وبين عبدي. قال الباجي - من علماء المالكية -: معناه أن بعض الآية تعظيم للباري تعالى، وبعضها استعانة من العبد به - تعالى - على أمر دينه ودنياه. انتهى. فالذي لله تعالى منها إياك نعبد، والذي للعبد إياك نستعين، كذا قاله الزرقاني (١)، فيه تلميح وإشارة إلى الحديث القدسي؛ الذي رواه أبو هريرة (٢) ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم"، كما أورده البخاري. قوله: أنا عند ظن عبدي بي: معناه: أنا أعامل العبد على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني. والمراد الحث على حسن الظن بالله في نفسه، وتغليب الرجاء على الخوف، والظن هنا بمعنى اليقين والاعتقاد، لا بمعنى الشدة. وقوله: أنا معه؛ أي: مع عبدي بالعون والتوفيق وبالعلم، أي: أنا عالم به وبأقواله وأفعاله، لا يخفى عليَّ شيءٌ من الأشياء. قوله: فإن ذكرني في نفسه: أي: سرًا وخفية مجتنبًا عن الرياء. قوله: ذكرتُه في نفسي: أي: أثيبه وأنا أجزي به، أي: أكافئ به لا آمر أحد من خلقي أن يعطيني أجره. قوله: وإن ذكرني في ملأٍ، أي: بين جماعة من المؤمنين. قوله: ذكرتُه في ملأٍ خير منهم، أي: يريدهم الملائكة المقربين، وأرواح المرسلين، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح).

стр. 241

ولعبدي ما سأل، أي: من العون والهداية. قال بعض العارفين (١): وإذا حققت وجدت الآيات كلها لله تعالى؛ فإنك إنما عبدته بإرادته، ومشيئته، ومعونته، إن العبد لا حول له ولا قوة ولا إرادة إلا بحول الله وإرادته، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: أرشدنا إلى المنهاج الواضح؛ الذي لا اعوجاج فيه أو تثبيتًا لديه. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من الأول بدل الكل وهو في حكم تكرير العامل، من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدة التأكيد والتخصيص على أن طريق الذي أنعم الله عليهم، وهم المسلمون، هو العلم في الاستقامة والمشهود بالاستواء، بحيث لا يذهب الوهم عند ذكر الطريق المستقيم إلا إليه، وإطلاق الأنعام لقصد الشمول؛ فإن نعمة الإِسلام عنوان النعم كلها، فمن فاز بها جازها بحذاء غيرها، وقيل: المراد بهم الأنبياء ﵈، كذا في تفسير أبي السعود. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، مجرور لكونه نعتًا للذين أنعمت، وبدل منه؛ وإنما جاز الوصف به هنا؛ لأن المضاف إليه ضد المنع. كيف؟ وهو مذهب أكثر المجتهدين في أمر الدين، كذا قاله علي القاري. * * * ١١٥ - قال محمد: أخبرنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: من صلى خلف إمام كفته قراءته. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أكد هذا الحكم عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: من صلى خلف إمام كفته قراءته، أي: تكفي المأموم قراءة الإِمام، أكد هذا الحكم بقوله: * * *

стр. 242

١١٦ - قال محمد: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: أخبرني أنس بن سيرين، عن ابن عمر، أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإِمام، قال: تكفيك قراءة الإِمام. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: أخبرني بالإِفراد أنس بن سيرين، عن ابن عمر، ﵁، أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإِمام، قال: أي: ابن عمر تكفيك أي: أيها السائل قراءة الإِمام. والمعنى: أنه لا يجب عليك القراءة: إما مطلقًا ومقيدًا. فقد ورد (١): من صلى خلف الإِمام فليقرأ بفاتحة الكتاب، رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت، لكن هذه الرواية مذهب الشافعي. * * * ١١٧ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا أبو الحسن: موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، قال: "من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة". • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أبو حنيفة، قال: حدثنا وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا أبو الحسن: موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله، الأنصاري، ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة".

стр. 243

قال محمد: حدثنا الشيخ أبو علي، قال: حدثنا محمد بن محمد المروزي، قال: حدثنا سهل بن العباس الترمذي، قال: أخبرنا إسماعيل بن علية (١) بضم العين، وفتح اللام، وتشديد التحتية، عن أيوب بن تيمية (٢) اسمه: كيسان السختياني، بفتح المهملة بعده معجمة ثم مثناة ثم تحتانية، وبعد الألف نون، يكنى أبا بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء والعباد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل البصرة، كانت في الإِقليم الثالث، من الأقاليم السبعة، مات سنة إحدى وعشرين بعد المائة، كذا قاله ابن حجر وغيره عن ابن الزبير (٣) أي: عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة، فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين، وله سبع وثمانون سنة، كذا قاله ابن حجر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة"، والحديث رواه أحمد وابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵄ ولفظه: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة". وهذا الحديث، والحديث المقدم كل واحد منهما مثل الآخر، بدل طريقة تقوية للحكم ومبالغة في التأكيد. * * * ١١٨ - قال محمد: حدثنا أسامة بن زيد المدنيُّ قال: حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام، قال: فسألت القاسم بن محمد عن ذلك، فقال: إن تركت فقد تركه ناس يقتدي بهم، وإن قرأت فقد قرأ ناسٌ يقتدى بهم، وكان القاسم ممن لا يقرأ.

стр. 244

• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أسامة بن زيد المدنيُّ قال: حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر قال: أي: سالم بن عبد الله: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام، قال: أي: أسامة، فسألت القاسم بن محمد، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وقد مر ذكره عن ذلك، أي: عن القراءة خلف الإِمام، فقال: إن تركت أي: القراءة أيها المصلي، فقد تركه ناس يقتدي بهم، أي: بالناس من بعدهم في تركه، إن كان كل واحد منهم مقتديًا، وإن قرأت أي: أيها السائل خلف الإِمام، فقد قرأ ناسٌ خلف إمام، وإنما جاء بصيغة الماضي إشعارًا لتحقق وقوع هذا الأمر، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية [المؤمنون: ١]، أي: حال كون الناس يقتدى على صيغة المضارع المجهول، أي: يتبع الناس بهم (ق ١١٧) في القراءة إذا كان مأمومًا، والحال وكان القاسم ممن لا يقرأ. وفي الكرماني: عن الشعبي: أدركتُ سبعين بدريًا؛ كلهم لا يقرؤون خلف الإِمام، كرر "ناس" منكرًا إشعارًا بأن واحدًا من كبار القوم لو فعل شيئًا غير مشروع لرآه الناس يفعلون، ثم يريهم آخرون يفعلون فيفعلون كذلك، ثم يزاد إلى يوم القيامة، وهذا مبني على أن المذكور إذا أعيد نكرة، فالثاني مغاير للأول. كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦]. وفي هذا الحديث زجر العالم زجرًا عظيمًا عن المعاصي؛ لئلا يضل الناس عن الصراط المستقيم، وأشار إلى حديث جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة فله أجره، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئة، كان عليه وزره، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء" (١) رواه مسلم عن جرير، كذا أورده الإِمام الصنعاني في (المشارق). * * *

стр. 245

١١٩ - قال محمد: أخبرنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائِل، قال: سئل عبد الله بن مسعود عن القراءة خلف الإِمام فقال: أنصت، فإنَّ في الصلاة شُغْلًا، وسيكفيك ذلك الإِمامُ. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا سفيانُ بن عُيينةَ، تابعي جليل، روى عن: الأعمش والثوري، والشافعي وأحمد، كان في الطبقة الخامسة من أهل مكة، ومات بمكة، بالحجون في رجب من سنة ثمان وتسعين ومائة، كما قاله محمد بن أحمد بن الذهبي الشافعي في (الكاشف) (١) وابن حجر (٢). عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائِل، تابعي كبير كوفي، كثير الحديث، ثقة حجة، روى عن خلق كثير من الصحابة منهم: عمر وابن مسعود، وكان خصيصًا به (٣)، قال: سئل عبد الله بن مسعود عن القراءة خلف الإِمام فقال: أنصت، أي: جوابه اسكت، ولا تقرأ خلف الإمام؛ فإنَّ في الصلاة شُغْلًا، بضمتين وسكون، وقد يفتح فيسكن أي: اشتغالًا للبال في تلك الحال مع الملك المتعال، يمنعها القيل والقال، سيكفيك ذلك وفي نسخة: ذاك، أي: أمر القراءة، وفي نسخة: وسيكفيك بالواو، الإِمامُ، أي: بناء على أن قراءته تقوم مقام قراءة المأموم، وإنما لم يقرأ المؤتم، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقد روى البيهقي عن أحمد بن حنبل، أنه قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة (٤).

стр. 246

روى مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: إذا كبر الإِمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا (١). قال ابن الهمام (٢): وفي كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن - مطلقًا - في الصلاة أو في غيرها. وفي (الخلاصة): رجل يكتب الفقه، وبجنبه رجل يقرأ القرآن، ولا يمكن استماع القرآن، فالإِثم على القارئ، وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل والناس نيام يأثم، وهذا صريح في إطلاق الوجوب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انتهى. في (القينة) وغيرها: إذا كان الصبي يقرأ القرآن، وأهله يشتغلون بالأعمال ولا يستمعونه - إن كانوا شرعوا في العمل، قبل قراءته - لا يأثمون وإلا أثموا. كذا في (البحر الرائق شرح كنوز الرقائق) وهو تفصيل حسن، في مقام الحقائق. * * * ١٢٠ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبَانَ بن صالح القرشي، عن حماد، عن إبراهيم النَّخعي، عن علقمة بن قَيس، أن عبد الله بن مسعود كان لا يقرأ خلف الإِمام فيما يجهر فيه، وفيما يُخَافِتُ فيه في الأولَيَيْنِ ولا في الأخْرَيَين، وإذا صلى وحده قرأ في الأولَيَيْن، بفاتحة الكتاب وسُورةٍ، ولم يقرأ في الأُخْرَيَيْن بشيء. • قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبَانَ بن صالح القرشي، عن حماد، عن إبراهيم النَّخعي، عن علقمة بن قَيس، أن عبد الله بن

стр. 247

مسعود كان لا يقرأ خلف الإِمام فيما يجهر فيه، وفيما يُخَافِتُ فيه في الأولَيَيْنِ ولا في الأخْرَيَيْنِ، وإذا صلى وحده قرأ في الأولَيَيْن، بفاتحة الكتاب وسُورةٍ، ولم يقرأ في الأُخْرَيَيْنِ شيئًا. * * * ١٢١ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثَّوْرِيُّ، قال: حدثنا منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: أنْصِتْ للقرآن، فإن فِي الصلاةِ شُغْلًا، وسيكفيك الإِمامُ. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا سفيان الثَّوْرِيُّ، تابعي من الطبقة الخامسة، من أهل الكوفة، وفي نسخة: حدثنا عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: أنْصِتْ للقراءة، أي: لاستماع قراءة الإِمام، وفي نسخة: للقرآن، فإن فِي الصلاةِ شُغْلًا، وسيكفيك الإِمامُ. * * * ١٢٢ - قال محمد: أخبرنا بُكَيْرُ بن عامر، قال: حدثنا إبراهيم النَّخَعِيُّ، عن عَلْقَمَة بن قَيس، قال: لأنْ أعَضَّ على جَمْرَة أحَبُّ إلَيَّ من أن أقرأ خَلْفَ الإِمام. • قال محمد: وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا بُكَيْرُ بالتصغير بن عامر، قال: حدثنا إبراهيم النَّخَعِيُّ، عن عَلْقَمَة بن قَيس، وهو أحد أكابر التابعين، قال: لأن أعَضَّ على جَمْرَة، واللام في لأن مفتوحة، جواب لقسم محذوف، وأن مصدرية، وأعض بفتح الهمزة والعين المهملة، وفتح الضاد المعجمة المشددة، فعل مضارع من عض، إذا أخذ بأضراسه وأسنانه، وكلمة على بمعنى من، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى

стр. 248

النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]، إذا اشتروا من الناس، يتممون الكيل والوزن. قوله: "جمرة" بفتح الجيم، وسكون الميم، وفتح الراء المهملة والهاء، نار خالصته من غير لهب ولا دخان، فالمعنى: والله لأن آخذ بأضراسي في فمي، من نار أحَبُّ إلَيَّ من أن أقرأ خَلْفَ الإِمام، وظاهره الإِطلاق. قال ابن الهمام: اعلم أن القراءة خلف الإِمام، مكروهة كراهة تحريم؛ لأن الدليل على أن في القراءة خلف الإِمام هو قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. ظني الدلالة؛ فيفيد الوجوب، ومقتضي تركه خلف الإِمام كراهة التحريم، والمواظبة على الصغيرة كبيرة. ويفهم من قول صاحب (الهداية): ويكره عنده لما فيه من الوعيد أن المراد كراهة تحريم. وطرح بعض مشايخنا بأنها لا تحل خلف الإِمام، وقد عرف ذلك من طريق أصحابنا أنهم لا يطلقون الحرام إلا ما حرمت بقطعي، ولعل القطعي أمر إضافي، وقعت المسألة خلافًا له. * * * ١٢٣ - قال محمد: أخبرنا إسرائيلُ بن يونس، قال: حدثنا منصور، عن إبراهيم قال: إن أول من قرأ خلف الإِمام رجلٌ اتُّهِمَ. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا إسرائيلُ بن يونس، قال: حدثنا منصور، أي: ابن المعتمر، عن إبراهيم قال: إن أول من قرأ خلف الإِمام رجلٌ اتُّهِمَ، بصيغة المجهول، أي: انتسب إلى بدعة وسمعت. وقد أخرج عبد الرزاق من قول علي، قال: من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة، ذكره ابن الهمام. * * *

стр. 249

١٢٤ - قال محمد: أخبرنا إسرائيلُ بن يونس، قال: حدثني موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدادِ بن الْهَادِ، قال: أمَّ رسول الله ﷺ الناسَ في العصر، قال: فقرأ رجلٌ خلفه فغمزهُ الذي يَليهِ، فلما أن صلى قال: لِمَ غمزتني؟ قال: كان رسول الله ﷺ قُدامك. فكرِهْتُ أن تقرأ خلفه، فسمعه النبي ﷺ فقال: "من كان له إمامٌ فإن قراءَتهُ له قراءَة". • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا إسرائيلُ بن يونس، قال: حدثني موسى، وفي نسخة: عنه بدل ابن أبي عائشة عن عبد الله بن شدادِ

стр. 250

بن الْهَادِ، وفي نسخة: الهادي وهما لغتان وقراءتان، قال: أمَّ أي: صلى رسول الله ﷺ الناسَ إمامًا بالناس، في صلاة العصر، قال: أي: الراوي، فقرأ رجلٌ خلفه وهو مقتدٍ به، فغمزهُ الذي يَليهِ، أي: بقربه وبجنبه، والمعنى: عصر يده أو عضوا آخر من أعضائه تنبيهًا له على خطئه، فلما أن (ق ١١٩) صلى أي: الرجل أو كلًا منهما قال: أي: الرجل لِمَ غمزتَني؟ قال: كان رسول الله ﷺ قُدامك. أي: أمامك وأمامي فكرِهْتُ أن تقرأ خلفه، فسمعه النبي ﷺ أي: كلامنا، أو سؤال الرجل، أو صوته في قراءته، فقال: "من كان له إمامٌ فإن قراءَتهُ قراءَة"، وحيث لم يأمره ﷺ بإعادة الصلاة. وكذا من سبق أنه نازعه في الصلاة، دل على أنه لم يفسد صلاته، لكن قال السرخسي: تفسد صلاته، في قول عدة من الصحابة، ذكره ابن الهمام. * * * ١٢٥ - قال محمد: أخبرنا داود بن قيس الفراءُ المَدنيّ، قال: أخبرني بعض وُلْدِ سعد بن أبي وقاص، وقال: إنه ذكر له أن سعدًا قال: وَدِدْتُ أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فِيهِ جمرةٌ. • قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا داود بن قيس الفراءُ المَدنيّ، بفتح فكسر، قال: أخبرني بالإِفراد بعض وُلْدِ سعد بن أبي وقاص، ﵁، وهو بفتح الواو واللام، وبضم فسكون، أي: أولاد سعد، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، إنه أي: الشأن ذكر له أي: لداود. أن سعدًا قال: وَدِدْتُ أي: تمنيت وأحببت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فِيهِ أي:
следующие страницы →